بالسبب ولا يتأثر به. وهذه قضية ينبغي أن يتنبه لها المرء حتى لا يصاب بالغرور العقلي, وحتى لا يقطع الصلة بين الكون وخالقه أو يفصل بين الأسباب ومسبب الأسباب, فهو وحده سبحانه له الخلق وله الأمر، فعلى المرء أن يبحث ويكتشف ويعمل عقله, وفي نفس الوقت يكون قلبه معلقا بالخالق والمسبب يستمد منه العون والتوفيق, ولقد لفت القرآن نظرنا لذلك قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ، نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ، أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ، نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٥٨-٧٣] .
هذه الإشارات القرآنية توجه نظرنا إلى ضرورة ربط الكون بخالقه بدءا ونهاية؛ لنعلم أن الذي خلق هو الذي يحفظ على الكون نظامه، وهو الذي ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١] .
стр. 177
وحين نحاول دراسة الكون وقوانين تسخيره بعيدا أو منفصلا عن خالقه, فإننا بذلك نكون قد أبطلنا الوظيفتين السابقتين للكون، كونه آية دالة على خالقه وكونه مرآة لصفات الخالق، وحينئذ لا يجد الباحث أمامه إلا القول بالعبثية المطلقة أو الصدفة العشواء وتنتفي الغائية والحكمة. وهذا ما فعله الماديون في بحوثهم الكونية، لقد بتروا الصلة تماما بين الكون وخالقه، وأصبح العالم عندهم مادة فاعلة ومادة منفعلة وليس وراء ذلك فاعل حكيم ولا غاية مقصودة.
إن تحقيق الوظائف الكونية السابقة هدف أساسي من أهداف المعرفة بالكون، وغاية مقصودة للشارع، أمر بها القرآن وكلف بها الإنسان، فلا بد أن يكون الكون موظفا بواسطة الإنسان لتحقيق هذه الأهداف الكبرى:
١- أنه آية دالة على الخالق.
٢- أنه مرآة تنعكس على صفحتها صفات الخالق وآثار صفاته.
٣- أنه دليل على عالم الغيب.
٤- أنه مسخر لخدمة الإنسان.
وهذه الوظائف الكبرى لا تتحقق واحدة منها إلا بالعلم وبمجهود العلماء.
стр. 178
الوحي والواقع:
إن بحث العلاقة بين الوحي والواقع هو أحد موضوعات الساعة، ولقد شغل بعض الدارسين أنفسهم ببحث هذه القضية وطرحها على الشباب في بعض الندوات الفلسفية كواحدة من القضايا التي ينبغي مناقشتها بعقلانية ونظرة نقدية, فطرح خلالها مجموعة من الأسئلة التي يرونها ضرورية للتخلص من قيود النص وعوائق الماضي، فلماذا الالتفات إلى الوراء والتمسك بالنصوص التي نزلت قبل أربعة عشر قرنا لتعالج مشكلات قد مضى وقتها, ولم يعد لها مبرر في هذا العصر؟
ولماذا لا نطوع الوحي ونصوصه لظروف العصر ومقتضياته كما فعل الغرب مع كتبهم المقدسة؟ وينبغي ألا يظل الواقع وهو متحرك أسيرا للنصوص المقدسة وهي ثابتة.
إنهم يجعلون الغرب قبلتهم في الأخذ عنه, وهو المثال والنموذج الذي ينبغي الاقتداء به في شئون الحياة، وإن الغرب قد تجاوز النص الديني وأخضعه للواقع ولم يعد للنص الديني علاقة
стр. 179
بحياتهم اليومية ولم يمثل قيدا ولا عائقا في مسيرتهم العلمية؛ ولذلك أبدعوا واخترعوا فلماذا لا نفعل كما فعل الغرب؟
ويحاول بعضهم أن يجدد مسائل دينية معينة ليقول: إن الزمن قد تجاوزها, وينبغي أن نتخلص من قيود النصوص التي تحكمها وتحكم مسيرتنا معها، فيقول: إذا كان الأقدمون قد مضوا على تقديس الله وعبادته فلماذا نتوقف نحن عند ما وقف عنده الأقدمون ونصر على تقديس الله وعبادته, وقد تجاوز العلم هذه القضية فلم يعد في منطق العلم متسع لفكرة الله، لماذا لا نقدس الإنسان بدلا من تقديس الله؟
ولماذا لا نؤله الطبيعة وقوانينها بدلا من تأليه إله غائب؟ ولماذا لا نشغل أنفسنا بالطبيعة بدلا من الانشغال بهذه الغيبيات؟
لماذا لا نقلد علماء الغرب في تأنيس الإله أو تأليه الإنسان. وإذا كان هذا هو موقف بعضهم من قضية الألوهية، فإن بعضا منهم نادى وينادي بتغيير أحكام الميراث التي أنزل بها الوحي خاصة ميراث المرأة التي نزل الوحي ليجعل نصيبها نصف نصيب الرجل، ويرون أن في ذلك إجحافا بحقوق المرأة، فلماذا تأخذ المرأة نصف الرجل؟ ولماذا لا يكون نصيبها مثل نصيب الرجل سواء بسواء؟ ويرى هؤلاء أن تطور حركة التاريخ تفرض علينا ضرورة إعادة النظر في هذه الأحكام, ولا يتقيد بها حتى لا تكون عائقا يقيد حركة التطور الاجتماعي والاقتصادي, هكذا يقولون.
стр. 180
وهذا ما سمعته من رءوسهم في أكثر من مناسبة، وكنت أسمع ذلك كله نقلا عنهم ولا أجد عندي مبررا لتصديق هذه السخافات أو قبولها عنهم فهم مسلمون، هكذا يقولون ويتسمون بأسماء المسلمين, وهكذا نعرفهم ولكن لما جلسنا معهم في الندوات واستمعنا إليهم في المؤتمرات تأكدنا من صحة ما سمعنا عنهم ولم نسجل هذا كتابة إلا بعد أن سمعته بنفسي مشافهة منهم في أكثر من مناسبة، وسمعنا غير ذلك منهم مما هو موجود في كتبهم، فالله عند بعضهم فكرة وهمية اخترعها الإنسان، والوحي ينبغي أن يخضع للواقع ويتطور مع حركة التاريخ.
وعند بعضهم الآخر ينبغي أن لا نتقيد بأحكام المواريث بعد أن تجاوزها الواقع الاجتماعي, وأصبحت المرأة كيانا اجتماعيا مستقلا.
ولقد تأثر بهذه الآراء مجموعة من شباب الباحثين الذين غرّهم بريق هذه الأسماء في الندوات الثقافية والمحافل الإعلامية, وأخذوا يرددون هذه الآراء دون فهم لأبعادها, ودون مناقشة لمصادر هذه الآراء ولا معرفة بها، وإنما من منطلق حسن الظن بأصحابها تقليدا لهم. وقد يُلتمَس لهذا الشباب نوع من العذر, فلقد تربوا على موائد علمية اقتصر زادها العلمي على نوع معين من المناهج والمؤلفات التي تربي في النفس الزهد في كل ما هو ديني والنفور منه، وتعمل
стр. 181
على إيجاد حاجز نفسي بين الشباب والإسلام، في ثوب من الألفاظ والمصطلحات المستوردة من كتابات المستشرقين عن الإسلام، فالوحي عندهم قيد على حركة العقل، يعوق التفكير الحر، قيد على حركة التاريخ وهو رمز للتخلف والرجعية، فإما العلم والتقدم والمعاصرة أو الحداثة وإما التمسك بالوحي والتقيد بأحكام النص؛ لأن ارتباط الإنسان بالله يصرفه عن الارتباط بالطبيعة, واهتمامه بالتمسك بأحكام الوحي يصرفه عن التمسك بأحكام العقل. ومما طم الوادي في عصرنا أن بعض العناصر النسائية قد انضمت إلى ثلة المعارضين للوحي تقربا وزلفى إلى سيدات مصر الأوليات؛ انتصارا لهذا التوجه الثقافي. ولقد انتهزت بعض السيدات الفرصة واتخذت من موقعها الوظيفي مصدرا لقوة رأيها ففتحت أمامها أبواب الصحف والمجلات الموصدة في وجه الآخرين وأخذت المقالات اليومية والأسبوعية تصافح القراء بهذه الآراء, مغلفة بألفاظ معسولة مثل التقدمية, العقلانية, الحداثة، التطور، محاربة التخلف والرجعية.
وصدق الله العظيم حين قال: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨] .
وكما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] .
стр. 182
إن من يتابع الحركة الثقافية المعاصرة يجد أصحاب هذه الآراء أحد نمطين:
الأول: نمط مستغرب بفكره وثقافته وولائه, بهره تقدم الغرب علميا وتكنولوجيا، بهره كثرة الاختراعات والكشوف العلمية التي يعيش في ظلالها الغرب وهي لا شك كثيرة، في نفس الوقت شغله التخلف الذي يعيشه العالم الإسلامي، التخلف السياسي والاقتصادي والعلمي، وهو واقع لا سبيل لإنكاره, وأخذ يتلمس الأسباب لهذا الواقع المتخلف فكانت الإجابة عنده هي ما رآه المستشرقون من أسباب لتخلف العالم الإسلامي. إنه الإسلام ولا شيء غيره، إنه التمسك بالوحي ونصوصه، وهذا النمط من المثقفين لم نجد عندهم ولاء لديهم حتى يدافعوا عنه ضد هجمات المستشرقين, ولم نجد عندهم معرفة بدينهم ولا استعدادا لأن يعرفوا شيئا عنه وأغلقوا عقولهم على مقالات المستشرقين عن الإسلام, وأصبحت هذه الآراء عندهم أشبه بالمسلمات التي لا تناقش. وهذا التيار قد بدأ في بلادنا من أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وما زال مستمرا بدءا من كتابات سلامة موسى حيث كتب "ما هي النهضة؟ " ودعا فيها إلى التخلص من الغيبيات ابتداء من الإيمان بوجود الله وانتهاء باليوم الآخر, وما زال التيار مستمرا.
стр. 183
وساعد على نمو هذا التيار عند بعض الشباب هذا الفراغ الديني الذي يعيشونه، والأمية الدينية التي تتمثل في جهلهم بالإسلام واحتضانه للعلم وتكريمه للعلماء. ونحن هنا لا نشكك في نوايا أحد فذلك أمر موكول إلى الله, ولكن الذي نؤكد عليه هو فراغ هذا النمط من المعرفة الكاملة بالإسلام، وجهلهم بالمنهج القرآني في تحصيل المعرفة وأهدافها وغاياتها, ولو أنهم صرفوا بعض وقتهم وجهدهم في التعامل مع القرآن ونصوصه بقلب مفتوح وعقل خالٍ من الشكوك والأوهام ليقفوا على أهمية العلم في حياة المسلم, لكان لهم موقف يختلف عن ذلك، بل ربما عادوا باللائمة على أنفسهم إن كانوا منصفين حيث ضيعوا أعمارهم وجهدهم في معارضة الوحي وهم يجهلون مقاصده وأهدافه، فضلا عن جهلهم بنصوصه, وهذا ما صرح به بعضهم في آخر حياته وكتب يعترف نادما على ما ضاع من عمره, وهو يجهل هذه الحقائق الدينية التي نزل به الوحي.
أما النمط الثاني:
فلم يؤت حظا لا من المعرفة بالإسلام ولا من العلم، ولكن هيأت له الظروف الاجتماعية موقعا إعلاميا اتخذه منبرا ينفث خلاله سمومه على المجتمع، ولا شك أن لأجهزة الإعلام دورها المؤثر في تهيئة العقول لتقبل الأفكار والتأثر بها في الحياة الاجتماعية. وتزداد خطورة هذا النمط في التأثير على المجتمع وتقبله لهذه الآراء حين يكون المجتمع أميا لا يقرأ ولا يكتب، فضلا عن أميته الثقافية وفضلا
стр. 184
عن أميته الدينية، وقد يحسن الظن بمن يخاطبه إعلاميا فيقع حديثه من النفس موقع القبول والرضى, ولقد شاهدنا وسمعنا خلال أجهزة الإعلام المرئية من يخاطب المجتمع قائلا: إن حجاب المرأة رمز للتخلف ودليل على التأخر، وشاهدنا وسمعنا من يقول: إن عدم مساواة المرأة بالرجل في الميراث ظلم يجب التخلص منه.
ومما يدعو إلى الأسى حقا أن أصحاب هذه الآراء يظهرون في التلفاز على أنهم رواد حركة التنوير وحملة المشاعل ورموز التقدم:
ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد
إن القضية جد خطيرة، وتنذر سحائبها بما هو أخطر خاصة في هذه المرحلة التاريخية التي يعيش فيها المسلمون, حالة الضعف والهزيمة النفسية التي تتمثل في التبعية المطلقة للغرب، والتنادي بها والتنافس المحموم في السعي إليها.
إن طرح هذه القضية للمناقشة -علاقة الوحي بالواقع- وافد إلينا من الغرب ضمن الأفكار الوافدة مع عقلية المستغربين الذين يحاولون جذب الواقع الإسلامي إلى الغرب فكرا وثقافة. إن القضية لا تنفصل -في أصلها- عن قصة الصراع بين الكنيسة والعلم في أوروبا، إنها إفراز طبيعي لهذه المعركة، لقد أثارت الكنيسة كثيرا من الغبار ضد الوحي، وضد مصدره، وضد عصمته، بل ضد الدين بصفة عامة
стр. 185
حين ربطت هرطقتها وآراءها بالوحي، وحين ادعت أن ما يقول به العلماء يناقض الوحي ويعارضه.
ولقد انتقل هذا الموقف بكامل حيثياته وملابساته إلى العالم الإسلامي، وتبنى العلمانيون العرب في مصر وفي غيرها الدعوة إلى أحد أمرين:
١- إما التخلص من الوحي كلية, وبدعوى أنه يمثل قيدا على حركة العقل ويعوق حركة التقدم والتطور, فلا بد من الانتقال من العقيدة إلى الثورة عليها طلبا للتغيير.
٢- وإما إخضاع الوحي للواقع، ويفسر نصوص الوحي في ضوء واقعنا نحن، وفي ضوء ظروفنا نحن بدلا من أن نخضع واقعنا, وظروفنا للنصوص.
هكذا يعلنون صراحة وفي جرأة لا تنقصها العزيمة ولم يدر بخلدهم أن يعرفوا الفرق بين الإسلام والكنيسة، أو يتساءلوا عن مصدر الوحي في الكنيسة وعن مصدر الوحي في الإسلام. إن الوحي في الإسلام ليس من عند محمد ﷺ ولا من إنشائه، وإن الوحي في الإسلام قد انقطع بموت محمد ﷺ وعلى إخوته من النبيين والمرسلين- ولم يدع أحد في الإسلام أنه ينزل عليه الوحي أو أن كلامه معصوم من الخطأ حتى يطلب من الجميع الإيمان به. إن ذلك كله لا مكان له في الإسلام، وهو نفسه مصدر الخلاف بين العلماء والكنيسة في أوروبا.
стр. 186
ففي العصور الوسطى سيطرت على رجال الكنيسة فكرة تتابع الوحي، وأن آراءهم التي يطلعون بها على الناس إنما هي وحي يجب اتباعه؛ ولذلك سادت فكرة ارتباط الوحي بالواقع يتطور معه ويتغير حسب ظروف الواقع, فما كان محرما بالأمس لا مانع أن يصبح اليوم حلالا إن لم يكن واجبا، وما كان مرفوضا بالأمس لا مانع أن يصبح اليوم مقبولا.
والذين يريدون نقل هذه القضية إلى العالم الإسلامي والترويج لها في بلادنا ينبغي عليهم أن يكونوا أمناء في توضيح الظروف التاريخية والثقافية التي أفرزت هذه القضية في أوروبا, وأن يشرحوا أبعادها الاجتماعية, وعليهم أن يكونوا أمناء في شرح الفروق الجوهرية بين الإسلام والكنيسة, وعليهم أن يكونوا أمناء في ضرورة التفرقة بين الإسلام ومبادئه وأصوله وواقع المسلمين المتردي والمتخلف ولا يحملوا الإسلام أوزار المسلمين.
وعليهم أن يكونوا أمناء في إعلان تبعيتهم المطلقة للغرب, وأن ما ينادون به من آراء وأفكار ليس لهم فيها إلا مجرد النقل والترجمة من لغات أصحابها وترديدها بين أبناء العربية، فهي ليست اجتهادا لهم حتى ينالوا من أجلها أجر المجتهد المخطئ, وإنها تبعية مطلقة وتكرار لآراء سبقهم إليها المستشرقون من قرن مضى.
وقد يحاول بعض هؤلاء أن يربط هذه الأفكار بتفسيرات واهية لا أصل لها, ولا سند لا من تاريخ الإسلام ولا من نصوصه،
стр. 187
فيقول: إن الوحي كان في عصر الرسالة تابعا للواقع يتطور معه ويتغير استجابة للظروف الاجتماعية، وإن أسباب النزول توضح لنا أن الآية كانت تنزل تلبية لحاجات الواقع واستجابة له، وإن الوحي كان يتبع الواقع ولم يكن الواقع تابعا للوحي.
وهذا الكلام التبريري لا فائدة فيه؛ ذلك أن العلم بأسباب النزول يوضح لنا أن القرآن الكريم منه ما كان ينزل لأسباب معينة ومسائل محددة, وهذا القدر لا يتجاوز عدد آياته خُمْس آيات القرآن الكريم، أما الأعم الأغلب من القرآن الكريم فكان ينزل ابتداء تعليما وتربية وتوجيها وتغييرا للواقع وتطويرا له.
كانت تنزل الآيات إجابة على أسئلة سأل عنها الصحابة, فتنزل الآية بالحكم الشرعي، فيستجيب الصحابة ويتبع المسلمون هذا الحكم ليصبح قاعدة شرعية يجب اتباعها, كما في قوله تعالى:
١- ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] .
٢- ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] .
٣- ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] .
стр. 188
٤- ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] .
٥- ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] .
ولو أحصيت الآيات التي نزلت لسبب معين لا تجدها أكثر من خمس آيات القرآن الكريم. ومما ينبغي أن يعرف أن الأحكام الشرعية التي تضمنتها هذه الآيات ونزلت بسببها لم تتغير حسب الظروف ولم يتطور الحكم الذي نزلت به حسب تطور العصور, بل كان واقع المسلمين خاضعا له، فلم تكن الخمر حراما في وقت ثم أصبحت حلالا في وقت آخر، ولم يكن المحيض حراما في وقت دون وقت ... إلخ، بل كان واقع المسلمين خاضعا لأحكام هذه الآيات أمس واليوم وسيظل محكوما به إن شاء الله, فكيف يقال: إن الوحي كان تابعا للواقع يتغير بتغير الواقع, ويتطور حسب ظروف الناس.
قد يفهم بعض الدارسين أن كل أحكام الشريعة الإسلامية قد طرأ عليها التطور, مستدلا على ذلك بموقف الإمام الشافعي؛ حيث كان له مذهب يفتي به في العراق, ولما حضر إلى مصر أفتى بمذهب جديد يخالف ما كان يفتي به في العراق. وهذا ما صرح به بعضهم في كثير من الندوات كان يدعي فيها أنه "شافعي العصر".
стр. 189
وهنا أمور ينبغي أن نوضحها:
أولا: ينبغي أن نفرق في أحكام الشريعة بين الثوابت والمتغيرات؛ ذلك أن الإسلام يتضمن أحكاما ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان ولا تخضع لما يسمى بالتطور الاجتماعي, وإنما يجب أن تخضع لها الظروف الاجتماعية ولا تخضع هي للظروف الاجتماعية، وهذه الثوابت تنظم حياة الناس في حياتهم اليومية وفي علاقاتهم الاجتماعية, فتكون هذه الثوابت حاكمة لا محكومة، يخضع لها الواقع ولا تخضع هي للواقع لأنها تمثل منهج الحياة للمسلم ثقافيا واجتماعيا، واقتصاديا وسياسيا. وهذه الثوابت مضبوطة بالنصوص القطعية في ثبوتها والقطعية في دلالتها، والتي تشمل ركائز الإسلام وأركانه العقائدية كالإيمان بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
وقال : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
وكما جاء في الحديث الصحيح, حديث جبريل جاء يسأل: ما الإسلام، ما الإيمان، ما الإحسان؟ فقال رسول الله ﷺ : "الإيمان أن تؤمن
стр. 190
بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره, حلوه ومره".
هذه الركائز الأساسية التي لا يتم إيمان المرء إلا بها والإذعان لها, وثبتت بالنصوص القطعية في دلالتها وفي ثبوتها, لا مجال فيها للقول بالتطور أو التغير بتغير الأحوال؛ لأنها قطعيات في ثبوتها، قطعيات في دلالتها. والقول بأن الإيمان بواحد منها أو التمسك بنصوصها يعوق عمل العقل ويقيد حركة المجتمع فهذا يعني الدعوة إلى التخلص من الإسلام كلية بحجة التطور والتقدم، وإذا سمعت من يقول: إن الله فكرة وهمية ينبغي التخلص منها، أو من يقول بتأليه الإنسان بدلا من تأليه الإله، أو تأليه الطبيعة وقوانينها بدلا من تأليه الإله الغائب، أو من يقول بتأنيس الله أي: يضفي صفات الإله على الإنسان، فكل ذلك خروج ورفض مطلق للوحي ونصوصه ومحاولة للتخلص منه والدعوة إلى رفضه. ودعك من المماحكات اللفظية التي يلجئون إليها تبريرا لرفضهم الوحي كقولهم بالعقلانية, وحرية العقل، والثقافة, والتطور ... إلخ, فإن ذلك لا يغني عن الحق شيئا, فهذه أركان العقيدة الثابتة التي لا يكون الإيمان إلا بها، قولا وعملا، اعتقادا أو سلوكا.
ثانيا: هناك الجانب التشريعي في الإسلام الذي يتضمن الأحكام الفرعية التي تنظم حياة الناس اليومية في علاقاتهم الاجتماعية
стр. 191
وفي أحوالهم السياسية والاقتصادية, وهذه الأحكام التشريعية قد تكفلت كتب الفقه الإسلامي بتفصيلاتها وبيان مسائلها، ما يجوز وما لا يجوز في ضوء الكتاب والسنة، وهذا الجانب الفقهي ينبغي أن نعرف الفروق الدقيقة في أحكامه بين ما هو قطعي وما هو ظني؛ لأن هناك أحكاما ثبتت بالدلائل القطعية التي لا مجال فيها للاجتهاد, كتحريم الربا، وتحريم الخمر، والزنا، والسرقة، وغير ذلك من الأحكام القطعية التي تتعاون في مجموعها على تحقيق الأمان النفسي والأمن الاجتماعي للمسلم في ماله وفي عرضه وفي نفسه، والتي تتحقق بها المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية, فهذه الأحكام القطعية لا مجال فيها للتطور أو التغير أو التبدل حسب تبدل الأحوال؛ لارتباطها بالمقاصد الكلية للشريعة الإسلامية, تلك المقاصد التي تمثل قطب الرحى في كل تشريع سماوي، والتي تمثل هدفا وغاية لكل دستور وضعي.
وهذه الأحكام القطعية قد تخضع أحيانا لمبدأ فقهي معروف وهو مبدأ الضرورات تبيح المحظورات، لكن خضوعها لهذا المبدأ في الظروف الاستثنائية لا يلغي أصل الحكم الشرعي، وإنما يمثل حالة استثنائية لضرورة اقتضتها الظروف الطارئة، فإذا زالت هذه الظروف الاستثنائية عاد الوضع إلى الحكم الأصلي؛ وذلك مثل أكل
стр. 192
الميتة فإنه حرام في أصل وضعه الشرعي, لكن الشارع أجازه استثناء عند الضرورة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ فإذا زالت الضرورة عاد الوضع إلى أصل الحكم وهو تحريم أكل الميتة. ففي هذه الحالات الاستثنائية لا يقال: إن الحكم فيها تغير في أصل وضعه الشرعي، ولا يقال: إن الوحي هنا تابع للواقع يتغير بتغيره، بل الأصل في ذلك أن الواقع هنا تابع للوحي وأن الوحي هو الذي ينظم الواقع ويضبط أحواله بضوابط الشرع, وليست حالات الضرورة هنا تمثل أحكاما جديدة وإنما هي استثناء من الحكم الأصلي كما سبق. ومن هنا فقد وضع علماء الأصول مجموعة من القواعد الكلية التي تضبط هذه الحالات الاستثنائية, وتيسر على الناس الأخذ بمبدأ التيسير، فقالوا: الضرورات تبيح المحظورات.
وإن الضرورة تقدر بقدرها.
وإنه لا ضرر ولا ضرار.
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ "قاعدة رفع الحرج".
درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
إن التفرقة بين القطعيات والظنيات في أحكام الشريعة أمر على جانب كبير من الأهمية, حتى لا تختلط المسائل وتضيع ضوابط الأحكام في غمرة الادعاء والنشوة التي يحسها البعض تحت شعار التطوير والمعاصرة، فلا يجوز لمسلم أن يقول: إن الربا كان حراما
стр. 193
في وقت البعثة لظروف اقتضتها طبيعة المجتمع الجاهلي، ولكن الآن تغير الوضع وأصبح الاقتصاد العالمي شبكة من العلاقات التي يصعب فصلها, فيجب أن نقول بتغير الحكم؛ ليصبح التعامل بالربا حلالا.
كما لا يجوز لمسلم أن يقول: إن الخمر ينبغي أن يكون حلالا؛ تبسيطا لأسواق السياحة, أو إن ما نراه ونشاهده على شواطئ المجون من العراء الفاضح أو القول بالزواج العرفي أو تكوين الأسر غير التقليدية كمعاشرة الرجل للرجل والمرأة للمرأة أو الرجل للأجنبية ... إلخ ما نسمع من أفواه دعاة التغريب والتحديث, فإن ذلك كله من باب وضع السم في الدسم؛ ليخاطبوا بذلك غرائز الشباب استغلالا للظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد، وليس ذلك كله إلا محاولة لتطويع المبادئ الإسلامية وتنزيلها على حسب أهوائهم لترضي رغباتهم, ونزواتهم ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] . وهؤلاء كما تحدث القرآن عنهم: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ , وإن أطعمتموهم, ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ . نسأل الله أن يحمي شباب الأمة من تضليل هؤلاء وخداعهم, كما نسأله سبحانه أن ينير بصائرهم ليروا الحق حقا والباطل باطلا.
стр. 194
أما ما يدعيه بعضهم من ضرورة تغيير أحكام المواريث لتناسب وضع المرأة في العصر الحديث, فإن الحديث عن خطورة هذه الدعوى أو الحديث عن دلالتها على جهل صاحبها بالإسلام وتكريمه للمرأة قد يخرجنا عن هدفنا في هذه العجالة, لكن هناك أمور ينبغي أن تعرف لبيان تكريم الإسلام للمرأة, وتفضيله لها عن وضع المرأة في أي حضارة أخرى.
إن هؤلاء يجعلون قبلتهم التي يتوجهون إليها هي الغرب تقليدا له في موقفه من المرأة، وقد غاب عن هؤلاء أن وضع المرأة في الإسلام يختلف عنه في الحضارة الغربية اختلافا جذريا، فالمرأة في الإسلام إنسان مكرم كرمه الله في خلقته وكرمه في خلقه. كرمها الإسلام بأن جعلها في مكانة تؤهلها لأن تكون مطلوبة لا طالبة، مرغوبا فيها لا مرغوبا عنها، في كل أحوالها وفي مراحل عمرها المختلفة، فالرجل يشقى لتسعد هي، يكد الرجل سحابة نهاره وسواد ليله ليوفر لها احتياجاتها سواء كانت بنتا أو أختا أو أما أو زوجة، فالرجل مسئول عن كفالتها في جميع مراحل عمرها، فهي دائما مكفولة وليست بكافلة. وهذه مسئولية الرجل أمام أحكام الشرع الإسلامي فهي مسئولية دينية عقائدية كمسئولية الرجل عن نفسه تماما، وهذا الوضع يختلف عن وضع المرأة في الحضارة الأوروبية التي يراد لنا تقليدها. ولا أريد أن أعقد هنا مقارنة بين وضع المرأة في الإسلام ووضعها في أوروبا؛ فإن ذلك أمر معلوم للخاصة والعامة،
стр. 195
ويكفي أن نعرف أن البنت في أوروبا إذا بلغت سنا معينة من عمرها فإنها تكون مسئولة عن نفسها مسئولية كاملة سلوكيا وأخلاقيا واجتماعيا؛ لتصبح في سجل الأسرة كائنا مهملا لا مكانة له، ولم يكن لها في الوضع الاجتماعي حقوق تعرف إلا في مطلع هذا القرن. لم يكن لها حقوق لا قبل الزوج ولا قبل الأسرة, فكانت كما مهملا يباع ويشترى في أسواق النخاسة والرقيق الأبيض، فكان لا بد من تشريع قانون يضمن للمرأة حياتها الآدمية، يكفل لها حقوقها قبل زوجها وقبل أسرتها باعتبارها شريكة الرجل في مؤسسة الحياة الزوجية كما يسمونها, وبالتالي كان لا بد أن تقاسم إخوتها الأشقاء في ميراث الأب سواء بسواء، بحيث لا يتميز عنها أخوها لأنه ليس مكلفا بكفالتها، ولا بالإنفاق عليها كما هو الشأن في الإسلام، وكذلك الأمر في داخل الأسرة، كان لا بد من تشريع يضمن للمرأة حقوقها قبل زوجها في حال استقرار الحياة الزوجية وفي حال الانفصال؛ لأنه ليس لديهم شريعة سماوية تنظم هذه العلاقة في داخل بيت الزوجية وما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات لكل منهما قبل الآخر. وعلى سبيل الإجمال, فإن الإسلام يختلف عن الحضارة الغربية في موقفه من المرأة؛ فقد كفل لها معيشتها الكريمة في كنف الرجل في جميع مراحل عمرها، فإذا افتقدت الأب أو الأخ انتقلت كفالتها إلى عمومتها وإلى أبنائهم من بعدهم، وإذا افتقدت عائلها من العصبة فإن بيت مال المسلمين يعول من لا عائل له, وعند زواجها يقوم الزوج بالإنفاق عليها إلى حد الكفاية اللائقة بها حسب وضعها الاجتماعي؛ ولذلك فقد
стр. 196
وضع الإسلام شرط الكفاءة بأن يكون الزوج كفئا لها في وضعه الاقتصادي والاجتماعي.
وبالإضافة إلى ذلك كله, فإن الإسلام قد ضمن للمرأة استقلالها التام في "ذمتها المالية" فلها أن تتاجر وتكسب وتدخر كما تشاء, ولا يجبرها أحد على أن تنفق من مالها لا على بيت الزوجية ولا على غيره إلا برضاها المطلق واختيارها الكامل؛ لأن ذلك لا يجب عليها شرعا، فأين هذا من وضع المرأة في حضارة الغرب؟
ولكل هذه الاعتبارات فقد راعى نظام توزيع التركة "أحكام الميراث" الإسلامي "أن يكون الغُنْم بالغُرْم".
فإذا كان الرجل كافلا للمرأة في جميع أحوالها وفي مراحل عمرها المختلفة, فقد راعى الإسلام أن يكون نصيبه في الإرث ضعف المرأة حتى إذا لجأت إليه يوما ليكون عائلا لها عند فقد الزوج أو الأب, يكون نصيبها في الإرث المدخر عنده كفيلا بحاجتها.
ولو تتبعنا حالات الإرث المشتركة بين الرجل والمرأة فسوف يتبين لنا أن الحالات التي تأخذ فيها المرأة نصف نصيب الرجل قليلة جدا إذا قارناها بالحالات الأخرى، فإن الحالات التي تأخذ فيها المرأة نصف نصيب الرجل أربع حالات فقط من حالات الإرث عند توزيع التركة, بينما توجد عشرون حالة أخرى يكون وضع المرأة فيها كالتالي:
стр. 197
١- حالات تتساوى فيها مع الرجل.
٢- حالات تأخذ فيها نصيبا أكثر من نصيب الرجل.
٣- حالات ترث فيها وحدها ولا يرث الرجل.
ونظام الميراث في الإسلام مرتبط بالنظام المتكامل لبناء الأسرة, وينبغي أن ننظر إليه من جميع جوانبه ولا نكتفي بالنظرة الجزئية إلى نقطة واحدة ونلغي ما عداها؛ فإن عدالة نظام الميراث في الإسلام جعلت كثيرا من الأقباط في مصر يلجئون إلى الاحتكام إليه والأخذ به عن طريق دار الإفتاء المصرية لحل المشكلات التي قد تنجم بينهم في توزيع التركات١.
فإذا طلع علينا من يقول بضرورة تغيير أحكام الميراث لتناسب العصر فنقول له: ولماذا لا يتغير وضع العصر ليناسب الإسلام؟ ولماذا لا يتطور الواقع ليرتبط بالإسلام بدلا من القول بتطور أحكام الإسلام لتناسب الواقع؟ ولماذا لا نؤسلم التطور بدلا من تطور الإسلام؟ ولماذا نخضع أحكامنا لأوضاع فاسدة بدلا من تصحيح هذه الأوضاع والعمل على إصلاحها؟
стр. 198
الوحي ضرورة اجتماعية:
خلق الله الإنسان وجعله مفطورا على حب الاجتماع، يألف ويؤلف، وتلتقي كلمة الإنسان مع كلمة الأنس في الاشتقاق اللغوي تأكيدا لهذا المعنى، فلفظ الأنس والإنسان والائتناس بينها تقارب في المعنى والاشتقاق، ويلتقي معهم الفعل أنس ويأنس ويأتنس ولكنها تدور حول معنى الاجتماع البشري الذي يتحقق به وفيه كل هذه المعاني الإنسانية، فحب الاجتماع البشري خاصية إنسانية؛ ولهذا نجد علماء الاجتماع يعرفون الإنسان بأنه كائن اجتماعي.
ونزلت الأديان السماوية لتثبت بمبادئها هذا المعنى النبيل وتعمل على تنميته وشيوعه بين بني البشر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] .
وفي الآثار النبوية: "إن الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" "رواه مسلم" و "المؤمن إلف مألوف, ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف" والرسول ﷺ كان حريصا على أن
стр. 199
يعلم أمته مفاتيح القلوب التي تشيع بها المحبة بين المسلمين وينتشر الود والتراحم, فقال ﷺ : $"ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله قال: "أفشوا السلام بينكم" "رواه مسلم والترمذي".
والاجتماع البشري لا بد أن ينشأ عنه -ضرورة- اختلاف في الأهواء والرغبات، وتعارض في المصالح، والنفوس البشرية بطبعها فيها حب الأثرة، وحب الرياسة، وحب العلو في الأرض، ومن سنن الله في كونه أن يوجد فيه الشيء وضده، فيوجد الغني وبجانبه الفقير، والصحيح وبجانبه المريض, والضعيف وبجانبه القوي, والعالم والجاهل, وغير ذلك من الأضداد التي تقتضيها سنة التدافع البشري، ولا بد أن تنتج هذه المتضادات اختلافا في الآراء والمقاصد والغايات، وتتعدد وجهات النظر وتتصارع الأفكار، كل فريق يبحث عن مصلحته قبل الفريق الآخر، وهذا أمر واقع ومشاهد في جميع المجتمعات، قد يسميه البعض بصراع الطبقات كما في بعض المذاهب الاقتصادية كالماركسية مثلا، فهو واقع يعيشه المرء. ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذا التدافع البشري باعتباره سنة من سنن الله في الاجتماع البشري، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] .
كما أشار القرآن أيضا إلى أن هذه السنة ماضية في الاجتماع البشري إلى قيام الساعة, تقتضيها طبيعة العمران والاجتماع البشري
стр. 200
قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] .
وقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] .
وهذا التدافع هو أحد مظاهر التجمع البشري في كل عصر, وفي كل بيئة.
وفي وسط هذا الاجتماع البشري المزدحم بالمتناقضات، فالمصالح متضاربة والأهواء والرغبات متعارضة، والتفاوت كبير بين مستويات الفقر والغنى والصحة والمرض والضعف والقوة، ولا بد لهذه المتضادات من ضابط يحكم حركتها؛ لتكون في خير المجتمع كله، فلا تكون لحساب طبقة أو فئة على حساب أخرى. لا بد من ضوابط تنتظم بها العلاقات المتبادلة بين هذه المتضادات ولا بد أن تكون هذه الضوابط متعالية على الأغراض الشخصية أو الطبقية ليتحقق بها الخير لكل الطبقات، ولتسعد بها كل فئات المجتمع، وليس في مكنة البشر أن يضعوا هذه الضوابط المتعالية عن كل هذه الشبهات؛ لأن ذلك ليس من طبائع البشر. ولقد أثبت التاريخ والواقع المعاصر أن كل قانون تضعه طبقة اجتماعية حاكمة, فإنه يهدف دائما إلى تحقيق مصالحها على حساب الطبقات الأخرى, وكم شقيت طبقات
стр. 201
في المجتمعات البشرية لتسعد طبقات أخرى باسم القانون، وكم قضى أناس سواد ليلهم يفترشون الثرى ويلتحفون العرى ليهنأ غيرهم باسم القانون وكم ... وكم عانت المجتمعات البشرية من ويلات القوانين التي يضعها البشر. ولذلك كان لا بد لهذه الضوابط التي تحكم حركة المجتمع أن تكون من مصدر فوق مستوى الشبهات، فوق مستوى الأهواء والمصالح الطبقية أو الفئوية, وهذا لا يتحقق أبدا إلا إذا كان مصدر هذه الضوابط متعاليا عن أهواء البشر وأغراضهم، وذلك لا يتأتى إلا من الوحي الإلهي، وما سنه البشرية من تشريعات لتنظيم جلب المصالح ودرء المفاسد للناس جميعا، فإن مقاصد الشريعة وأهدافها الكبرى تدور كلها حول هذين الغرضين: جلب المصالح ودرء المفاسد لكل الناس، والفرد والمجتمع على سواء. وفي ضوء هذه المقاصد الشرعية تتحدد علاقة الأفراد والجماعات، وتنتظم علاقة الفرد بالمجتمع، والحاكم بالمحكوم: الرجل والمرأة، العالم والمتعلم، الغني والفقير، القوي والضعيف، وبعبارة جامعة تنتظم في ضوئها شبكة العلاقات الاجتماعية لتتوجه حركة المجتمع كله لتحقيق الأهداف الكبرى التي تهدف إليها مقاصد الشريعة, وتسعى إلى تحقيقها في المجتمع.
لقد فشلت القوانين الوضعية في تحقيق هذه المقاصد في المجتمعات، وينبغي أن ننبه هنا إلى أن المقاصد الكلية للشريعة إذا
стр. 202
كانت تأخذ الصفة الدينية إلا أنها في حقيقتها وضعت لتحقيق مصالح المجتمع الإنساني كما سبق أن أشرنا، فهي مقاصد اجتماعية أضفى عليها الشرع صفة القداسة الدينية بنسبتها إلى الشرع لتستقر قداستها في قلوب المؤمنين لتصير هدفا وغاية يحرص الجميع على تحقيقها من منطلق إيمانه بالعقيدة الدينية, فتكون ممارستها عنوانا على إيمان صاحبها والالتزام بها.
إنه لا منقذ للبشرية من الاضطراب الذي تعيشه إلا في الاعتقاد في أوامر الوحي ونواهيه، والأخذ بها والعمل بمقتضاها، على مستوى الفرد والجماعة وأنظمة الحكم. لقد كثرت التشريعات وتعددت القوانين، ومع ذلك فإن الجرائم في زيادة مطردة كما وكيفا، ومظاهر الفساد تموج بها حركة المجتمع في كل جوانبه، والسبب في ذلك كله يرجع إلى عدم المصداقية التي تستمد منها القوانين هيبتها.
إن الوحي السماوي يستمد هيبته من نزاهة مصدره، ويكتسب ثقة المؤمن من يقين المؤمن واعتقاده بعدالة المصدر وقداسته عن الغرض والهوى. إن إيمان المسلم واعتقاده في ربه ينعكس في سلوكه التزاما بأوامر الله ونواهيه، إن العقيدة الصحيحة هي التي تخلق في المؤمنين نوعا من الرقابة الذاتية على المرء في سلوكه والتزامه، فيكون هو رقيبا بنفسه على نفسه حين يغيب عنه الرقباء تحقيقا لمعنى الإحسان الذي أشار إليه الرسول في الحديث الصحيح حين قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
стр. 203
"رواه الخمسة إلا البخاري". وفي مثل هذا المستوى، تتجسد مسئولية المؤمن عن ضبط سلوكه وحياته كلها بضوابط الشرع أمرا ونهيا، فلا يحتاج إلى رقابة خارجية, وفي هذا المستوى أيضا تتجسد مسئولية المؤمن عن نفسه، وعن مجتمعه. إن ضوابط المجتمع وأهدافه تتحقق كلها في حراسة هذه العقيدة الراسخة في القلب المؤمن بها، وتتجاوز هذه الضوابط دائرة الجائز والممكن اجتماعيا لتأخذ حكم الحلال والحرام دينيا؛ لارتباطها بهذه العقيدة، ولذلك نجد الرسول ﷺ يربط هذه العلاقات الإنسانية بضوابطها الشرعية ويجعلها دليلا على الإيمان وجودا وعدما، وكم من الأحاديث النبوية التي تجسد لنا هذا المعنى وتربطه بالإيمان ربطا محكما على مستوى علاقات الأفراد والجماعات: قال ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" "رواه الترمذي والنسائي", وقال: "لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ... وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" "أخرجه البخاري".
"والله لا يؤمن, والله لا يؤمن, والله لا يؤمن" قيل: من هو يا رسول الله؟ قال: "من بات شبعان وجاره جائع, وهو يعلم".
"من كان يؤمن بالله, واليوم الآخر فلا يؤذ جاره" أخرجه البخاري ومسلم".
"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" "رواه الخمسة إلا أبا داود".
стр. 204
"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ... " الحديث "رواه البخاري، ومسلم".
"ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا" "رواه الترمذي وأحمد".
"من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم".
"أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا" "رواه أبو داود".
"إماطة الأذى عن الطريق صدقة" "رواه مسلم".
"من غشنا فليس منا" "رواه مسلم والترمذي وأبو داود".
"عدلت شهادة الزور الشرك بالله" "رواه أحمد والترمذي وأبو داود".
"لن يدخل الجنة عاق لوالديه".
"لن يدخل الجنة قاطع رحم" "أخرجه البخاري".
"الكلمة الطيبة صدقة".
"لا إيمان لمن لا أمانة له, ولا دين لمن لا عهد له" "رواه أحمد".
أرأيت كيف ربط الرسول ﷺ هذا المستوى الراقي من المعاملات بأصل العقيدة وهو الإيمان.
стр. 205
إن إيمان المرء بهذا المستوى من العلاقات الإنسانية الراقية يستمد قداسته من سمو الاعتقاد وقوة اليقين بالله، من امتلاء القلب خشية لله ورسوله، من نور الإيمان الذي أضاء حياة المؤمن بهدي الوحي فانعكس على المجتمع كله بهذه العلاقات الإنسانية, دون أن يفرضها قانون أو يشرعها سلطان أو يحرسها سيف السلطان، بل إن حارسها الوحيد هو عقيدة المؤمن في الله ورسوله.
وعلى مستوى الحكم ورعاية المجتمع, نجد نصوص الوحي تضيء للإنسان طريق العدل الذي به تستقر الممالك وتزدهر الحضارات وتنضبط حركة المجتمع, قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] .
﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] .
﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨] .
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٨] .
﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص: ٢٦] .
﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] .
стр. 206
﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] .
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] .
وقال ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " قالها ثلاثا, قالوا: بلى يا رسول الله, قال: "الإشراك بالله, وعقوق الوالدين" وكان متكئا فجلس ثم قال: "ألا وقول الزور, ألا وشهادة الزور" وما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. وقال ﷺ :
"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" "رواه الترمذي".
وقال في خطبة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم" "رواه ابن ماجه".
وعلى مستوى بناء الأسرة المسلمة.
نجد قوله ﷺ : "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه, إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض, وفساد كبير".
"خيركم خيركم لأهله, وأنا خيركم لأهلي" "رواه ابن ماجه".
"خياركم خياركم لنسائهم" "رواه الترمذي".
"تخيروا لنطفكم؛ فإن العرق دساس".
стр. 207
"تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسَبها ولدينها, فاظفر بذات الدين تربت يداك" "رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي".
"لا يخطب الرجل على خِطْبة أخيه" "رواه البخاري ومسلم".
ونجد قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] .
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] .
هذه نماذج قليلة امتلأت بها كتب السنة النبوية شرحا وتوضيحا لما جاء في القرآن الكريم من ضوابط لحركة المجتمع المسلم الذي يعيش في نور من هدي النبوة, وكلها تتعلق بتنظيم العلاقات الاجتماعية على مستوى الفرد والجماعة لتتحقق بها مصالح الأمة وتدفع عنها مضارها، يلتزم بها المسلم من منطلق إيمانه بالله فيكون المؤمن الفرد هو المسئول عن تطبيقها وهو الحارس عليها أمام نفسه وأمام الله، ولا يحتاج في ذلك إلى رقيب من خارج نفسه؛ لأنه الأمين عليها.
وهذا الاعتقاد هو الذي يعطي لهذه الضوابط قيمتها ومكانتها، وإذا لم يكن للقانون الذي يحكم المجتمع رصيد عقائدي في القلب فلا تكون له هيبة ولا ثقة فيه. وهذا هو الفارق الأساسي بين القوانين
стр. 208
الوضعية والأوامر الإلهية؛ لأن كل قانون يستمد هيبته من مكانة واضعه وصاحبه، ولعل ما يعيشه المجتمع المعاصر من فساد واضطراب يرجع في الكثير من جوانبه إلى خلل القوانين التي تحكم المجتمع.
إن مسئولية المسلم عن أوامر الوحي ذات شقين, يتمثل الشق الأول منهما في كون الإنسان مطالبا أولا بتطبيقها على نفسه وتنفيذ ما جاء فيها، ومطالبا ثانيا بحماية هذه الأوامر وحراستها من العبث بها, "فكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته"، و "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه, وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" وفي رواية: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" "رواه مسلم في كتاب الإيمان".
وتستمد مسئولية الإنسان عن هذين المستويين قوتها عن مسئوليته من قوة الاعتقاد ويقين الإيمان، فتصونها قداسة العقيدة عن العبث بها أو الإهمال فيها أو التفريط في تنفيذها، وإذا تطرق الخلل أو الإهمال إلى هذه المبادئ فإن ذلك ينال من صحيح الاعتقاد, وكمال الإيمان.
وهذا ما تفتقده دساتير البشر, وقوانين الاجتماع.
إن شبكة العلاقات الاجتماعية لو تأسست على هذه المبادئ العقائدية, فإنها تجعل من المجتمع كله أفرادا وجماعات حراسا على
стр. 209
هذه المبادئ، فليس هناك طرف مسئول وآخر غير مسئول، فالكل راع والكل مسئول، وكل حسب طاقته، فتشيع المسئولية في المجتمع كله؛ لأن الكل في سفينة واحدة كما شبه الرسول ﷺ في قوله: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة, فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم, فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا, فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعا, وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا".
وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] .
ومن الملاحظ في الآية الكريمة والحديث النبوي أن المسئولية الاجتماعية ليست خاصة بطرف دون آخر، ولا بفرد دون فرد, وإنما هي مسئولية جماعية لأن السفينة واحدة، فإن عرفت غرقت بكل من فيها وإن نجت فإنها تنجو بكل من فيها. وتربية الإحساس بروح الجماعة والمسئولية عنها لا تنهض بها الدساتير ولا القوانين الوضعية، وإنما تتولد وتنمو في النفوس من قوة الاعتقاد ونور اليقين.
стр. 210
الوحي حاجة نفسية:
لا شك أن التوازن النفسي من أهم السمات التي تميز الشخصية السوية في السلوك وفي التفكير، والتوازن النفسي مظهر إنساني يعمل على إبرازه والتحلي به عاملان مهمان جدا:
الأول: الاستقرار والأمان والسكنية. وهي علامات ومظاهر خارجية يلاحظها الناس على الشخص الذي يتميز بهذا التوازن النفسي، وتنعكس هذه المظاهر النفسية على سلوك الشخص وفي حديثه وتفاعله مع الآخرين، وطريقة كلامه, حتى إنك بمجرد أن ترى شخصا موصوفا بهذه الصفات وتبدو عليه هذه المظاهر تضفي عليه هذه الصفة "الهدوء النفسي" أو "التوازن النفسي".
أما العامل الثاني: فهو الاطمئنان القلبي الذي يظهر أثره في منهج التفكير وطرائق التعبير عما يدور في القلب من أفكار. وإذا كان العامل الأول يظهر أثره في السلوك الشخصي فإن العامل الثاني ينعكس أثره على العقل والإدراك، بحيث يتصل العامل الأول بالنفس الإنسانية وآثارها على الجسم الإنساني, بينما يتصل العامل الثاني بالعقل وطرائق تفكيره في تحصيل اليقين الذي ينبني عليه اطمئنان
стр. 211
القلب ويقينه، وهذان العاملان من أهم عوامل تحقيق السعادة للإنسان.
ذلك أن النفس الإنسانية تتعدد رغائبها وتتنوع، وتختلف مراداتها وقد تتعارض، فهي لا تشبع أبدا من تحصيل الرغبات وتحقيق المرادات، وكلما حصلت على رغبة تخطّتها إلى غيرها وهكذا؛ لأن هذا من تمام كونها نفسا، حتى إن بعض العلماء عرف النفس بأنها الحركة سواء نطقت نَفْسا أو نَفَسا بالسكون أو بالفتح, وذلك باعتبار أن الحركة من لوازم النفس ومن خصائصها. فإذا ما تسلطت حركة النفس على صاحبها واستخدمته في تحقيق رغباتها التي لا تنتهي فإن حياته تنقلب إلى شقاء أبدي، فيسعى لاهثا في تحصيل مطالبها. وهي التي لا تشبع أبدا، ولكي تستقر حياة الإنسان ويتحقق لنفسه التوازن المطلوب ليشعر بالسعادة، لا بد له من كبح جماح هذه الرغبات, ليس بإماتتها أو محاربتها وقتلها, وإنما بترشيدها وترويض النفس على الاعتدال في مطالبها. وهذا لا يتحقق للمرء إلا بالسيطرة على نفسه وأن يملك زمامها، والمدخل الطبيعي إلى حسن قيادة النفس هو الاعتقاد بما جاء به الوحي، والإيمان به والعمل بمقتضاه, فتكون أوامر الشرع ونواهيه هي الغذاء الروحي والرياضة النفسية التي تضبط حركة النفس وتقوّم المعوج منها، هي الماء العذب الذي يطفئ حرارة الشهوة ويكبح جماحها، هي البرد الذي ينزل بالقلب فيبعث فيه الأمان والاطمئنان والهدوء والسكينة،
стр. 212
وكم لأرباب الرياضات في مثل هذه المواقف من تجارب وأهوال مع النفس وأسرارها، وكم سهروا الليالي في تهذيب رغائبها وترويض جموحها، ولم تصح لهم النفس من عللها ولم تستقم من اعوجاجها إلا بتعاليم الوحي. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ , ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ , ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ .
وما زالت الدراسات قاصرة عن اكتشاف خصائص النفس وسبر غورها والوقوف على كل صفاتها الذاتية، وكلام علماء النفس حولها يدور كله حول ما ظهر لهم منها؛ حول مظاهرها السلوكية، حول أحوالها وعاداتها، أمراضها الظاهرة فقط، ولكن هناك مناطق مظلمة في النفس الإنسانية لا تستطيع اكتشافها ولا سبر أغوارها ولا يحسها إلا صاحبها فقط، وقد لا يحسن المرء التعبير عنها ولا إقامة الدليل على وجودها, رغم وجدانه لها وخضوعه لآثارها. ولعل من هنا كان اهتمام القرآن الكريم بالإشارة إلى هذه المناطق المغلقة أمام العقل البشري في النفس الإنسانية, والتي سماها القرآن آيات وأشار إليها أكثر من مرة. قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠، ٢١] وفي النفس آيات أيضا. وقال أيضا: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] . ونلاحظ في الآيتين أن النفس جاءت معطوفة على آيات
стр. 213
الأرض وآيات الآفاق؛ لتفيد معنى التسوية والمعادلة بين الآيات في الجانبين, فكأن آيات النفس تعادل في دقتها وعظمتها آيات الآفاق في كثرتها, وتنوعها كما تعادل آيات الأرض في نفعها وضررها.
إن اكتشاف هذه المناطق المظلمة في النفس الإنسانية واستثارة كوامنها لا يتأتى إلا بعطاء الوحي, الذي يعلم خفاياها ويعرف أمراضها ودواءها. إنها العالم الأصغر الذي أقسم به القرآن في مواجهة العالم الأكبر, قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧-١٠] .
إن النفس الإنسانية بحاجة إلى الوحي لكي يأخذ بيدها إلى شاطئ النجاة مستعينة في ذلك بيقين الاعتقاد وسلامة الإرادة ونبل المقصد, وتستمد عونها من الله حتى لا تلعب بها عواصف الأهواء. وقال ﷺ : "اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك" وقال بعض الحكماء: "نفسك إذا لم تجبرها على فعل الخير والطاعة جبرتك هي على فعل الشر والمعصية"؛ ولذلك كانت الاستعانة بالله على قهر النفس دعاء نتقرب به إلى الله في فاتحة الكتاب وفي الصلوات: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ [الفاتحة: ٥] .
وينبغي أن نعلم أن النفس الإنسانية لا تنتمي في أصلها إلى عالم الشهادة حتى تستطيع أن تتعامل معها بمنطق العلم الحسي،
стр. 214
ولكنها تنتمي إلى عالم الغيب كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١، ٧٢] .
وقال سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧-١٠] . ولما كانت النفس تنتمي إلى هذا العالم الغيبي كانت عللها وأمراضها غائبة عن كثير من ذوي العقول، خاصة أصحاب هذه العقول التي تعودت على المحسوسات ولم تتجاوزها إلى غيرها، وبالتالي فإن علاج هذه الأمراض النفسية قد غاب عنهم في معظم الأحيان؛ وذلك لغيابهم عن فهم حقيقة النفس الإنسانية، ودعك من الذين يعالجون الأعراض المرضية وظواهرها ثم يتوهمون أنهم بذلك قد عالجوا أمراض النفس. لا, إن هناك فارقا كبيرا بين علاج الأعراض وعلاج الأمراض ذاتها, إن النفس الإنسانية أحد مواطن التحدي والإعجاز في الكون كله. ولقد أقسم القرآن بها لأهميتها, ولما فيها من مواطن الإعجاز ودقة الصنعة.
والسكينة والاطمئنان من علامات النفس الصحيحة السليمة من الأمراض. وذلك كله لا يتأتى لها إلا بالتعرف على عوامل الاطمئنان والسكينة من هدي الوحي ومن نور النبوة, وتستمد النفس علاجها
стр. 215
لأمراضها من هذا النور الذي هو في حقيقة الأمر شفاء لما في الصدور, كما قال سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] .
وقال سبحانه: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] , ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] .
ودائما ما ينبه القرآن الكريم إلى الأخذ بمبدأ الوقاية من المرض قبل نزول العلة بالنفس, فيستحكم الداء ويستعصي الدواء. ومن أهم هذه الوسائل الواقية اللجوء إلى الله تعالى والاستعانة به والإنابة إليه وحسن التوكل عليه, فقد كان من دعائه ﷺ : "اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين, ولا أقل من ذلك" كما كان ﷺ يستعيذ بالله من شرور النفس في قوله: "نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا" لأن قوة الشهوة وغلبة الهوى لا يعين على التغلب عليها إلا الله، فهو المعين وحده على هوى النفس وقهرها وبذكره وحده تطمئن القلوب وتسكن النفوس، فتعرف النفوس أنه لا ملجأ لها إلا إليه, ولا عون لها إلا به.
كما ينبغي أن تعلم أن المجتمع كله في حاجة ضرورية إلى الوحي ليقوده إلى التعرف على غاياته الكبرى ومقاصده السامية التي تتمثل في علاقة الإنسان بخالقه، علاقة المخلوق بالخالق، وهذا أمر