← Акыда

Акыда · id 10903

الوحي والإنسان - قراءة معرفية

محمد السيد الجليند

Полный текст (232 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هذه الحركة الفلاسفة المشاءون أمثال الفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد، كما عالجها علماء الكلام -خاصة المعتزلة- وبعض أئمة الأشاعرة كالرازي والجويني، وكذلك عالجها من علماء السلف شيخ الإسلام ابن تيمية. ولقد اختلفت المنطلقات الفكرية لكل مفكر في تناوله لهذه القصة، فهناك من جعل العقل أصلا وتأول الوحي لصالح العقل، وهناك من جعل الوحي أصلا وتأول مفاهيم العقل لصالح الوحي، وهناك من فصل القول وناقش المسألة على وجوهها المختلفة فجعل للعقل ميدانه الذي لا يخطئ فيه, وجعل للوحي ميدانه الذي هو أصل ومرجع أساس فيه، ومن هنا اختلفت أساليب المعالجة وتنوعت مناهج المفكرين حول هذه القضية. أما في عصرنا الحاضر فقد تشابهت فيه المسائل إلى حد كبير مع عصر الترجمة في العصر العباسي، وظهرت فيه مقولات تشبه إلى حد كبير تلك المقولات التي ظهرت في عصر الترجمة، ويعيش العالم الإسلامي الآن حالة نفسية من الانهزامية التي جعلته مستعدا لتقبل كل ما يقال ويتردد في الحضارات المختلفة خاصة الحضارة الأوروبية المعاصرة، والتي تمثل في عصرنا دور المنتصر والحضارة الغالبة، والتي يطالب البعض بأن تكون هي النموذج والمثال الذي يجب تقليده واتباعه. فبعد حركة الترجمة في العصرالعباسي ظهرت مقولة أن العقل يعارض النقل، وكان المراد بالعقل

стр. 37

في هذه المقولة العقل اليوناني المترجم والذي تمثل في آراء أرسطو وأستاذه أفلاطون في الإلهيات بصفة خاصة، وفي عصرنا الحاضر ظهرت مقولة أن العلم يناقض الوحي، أو أن الدين يعارض العلم، وهذه المقولة استعارتها الأقلام العربية من حضارة الغرب بعد أن أفرزتها قصة الصراع بين الكنيسة والعلم في العصور الوسطى، وطبعا كان الدين الذي يعارض العلم في أوروبا ليس هو الإسلام بالقطع, ومن الإنصاف أن نقول: إنه أيضا ليس دين المسيح ابن مريم، وإنما كان دينا اخترعته الكنيسة ونادى به رجالها. وكما قبل الفلاسفة المشاءون قديما مقولة أن العقل يعارض الدين, فقد انخدع كثير ممن يحملون الأقلام في عصرنا وقالوا: إن الدين -وهم هنا يقصدون الإسلام- يعارض العلم. وكما صدق الفلاسفة قديما هذه المقولة, وحاولوا تأويل النقل لصالح العقل اليوناني، فإن كثيرين في عصرنا الحاضر قبلوا مقولة أن الدين يعارض العلم, وحاولوا تبعا لذلك رفض الدين دون أن يفرقوا بين الإسلام وغيره من الأديان الأخرى. ثم أخذ بعض المفكرين من علماء النفس والاجتماع يستعيرون تفسيرات مفكري الغرب للدين أو ما أسموه ظاهرة الدين بعد أن فقدوا الثقة في دينهم الذي ورثوه عن الكنيسة في العصور الوسطى، وتعددت التفسيرات واختلفت الاجتهادات، فعلماء النفس جعلوا قضية

стр. 38

الدين والتدين حالة نفسية تصاب بها الشعوب في حالة الهزائم النفسية, والسياسية. أما علماء الاجتماع, فجعلوا الدين ظاهرة تاريخية أفرزتها الظروف الاقتصادية والاجتماعية وينبغي أن تختفي هذه الظاهرة باختفاء أسبابها، وتبنت بعض المدارس الاجتماعية في العالم العربي هذه الآراء التي استعارتها من الغرب, وحاولت أن تفسر في ضوئها ظهور الإسلام، وما دامت أسباب ظهوره قد انتهت فينبغي أن يختفي الإسلام تبعا لها. هكذا يقول العلمانيون في مؤتمراتهم وندواتهم ومؤلفاتهم، فالإسلام عندهم ظاهرة تاريخية، والقرآن الكريم منتج ثقافي لا يعلو على نقد العقل، وينبغي أن يطور العالم الإسلامي نفسه من مرحلة الاعتقاد إلى مرحلة الثورة على العقيدة, كما فعل الغرب. لقد ارتفعت أصوات كثيرة في عالمنا العربي تنادي بهذا، وكلما ساءت أحوال العالم الإسلامي اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا علا صوت هؤلاء المستغربين بوجوب تقليد الغرب المتقدم اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا؛ ليجعل منه القدوة والمثل، ومع كثرة الهزائم التي تحلّ بالمسلمين شرقا وغربا يزداد ضجيج المعاندين للوحي وترتفع أصواتهم مطالبين بأن يكون الغرب قبلتنا ثقافيا واجتماعيا ودينيا كما هو قبلتنا اقتصاديا. أما أن نسمع صوتا واحدًا ينادي بأن يكون الغرب

стр. 39

قبلتنا سياسيا فتتمتع شعوب العالم العربي بالحرية كما يتمتع بها الغرب، أو ينعم بالديمقراطية كما ينعم بها الغرب، فهذا ما لم نسمعه من أحد بعد. وهذه الدراسة الموجزة محاولة متواضعة أتينا خلالها بتوضيح العلاقة التاريخية بين العقل والنقل ومهمة كل منهما، وما هي وظيفة العقل وعلاقته بعالم الشهادة وعالم الغيب، وحاولت فيها أن أوضح فلسفة الإسلام في موضوع المعرفة وغايتها وموضوعها. وعلاقة الوحي والعقل بهذه القضية وعناصرها المختلفة, وأن لهذا العالم عالم الشهادة باعتباره موضوعا للمعرفة, وظائف متعددة: منها وظائف كونية، ومنها وظائف اجتماعية، وأخرى عرفانية، وأن حاجة النفس إلى الاعتقاد حاجة فطرية ضرورية، وأن الموقف المعرفي كله تختلف فلسفته في الحضارة الإسلامية عنها في الحضارة الغربية من ناحية الأهداف والمقاصد، وكذلك من ناحية الوسائل والمناهج. وليغفر لنا القارئ الكريم ما يجده في هذه العجالة من تقصير, وليكن عذرنا بين يديه نبل المقصد، وسمو الهدف، والله من وراء القصد وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت, وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 40

المعرفة بين العقل والوحي: من المهم في هذا السياق أن نبين أن المعرفة الإنسانية تتنوع مصادرها وأدوات تحصيلها، فأحيانا نقول: هذه معرفة حسية خالصة، إذا كان موضوعها المحسوسات وأدواتها الحواس، كرؤيتنا للنار وللشمس والهرم. وأحيانا نقول: هذه معرفة عقلية خالصة, إذا كان موضوعها هو المعاني والمعقولات المجردة كعلمنا بالعدل وأنه خير، والظلم وأنه شر، وكعلمنا بأن النقيضين لا يجتمعان أبدا ولا يرتفعان أبدا، وأحيانا نقول: هذه معرفة حسية عقلية معا, كعلمنا بالمعارف التجريبية مثل أن النار محرقة, وأن الثلج بارد, والشمس تبعث الحرارة ... إلخ. ومن الملاحظ أن كل هذه المعارف الحسية المتنوعة ترتبط بالواقع الحسي وتبدأ منه وتعود إليه بسبب ما، أما المعارف العقلية الخالصة فلا علاقة لها بالمحسوسات أصلا لا بدءا ونهاية, وإنما هي إدراك عقلي مجرد عن الحسيات ولواحقها. ولكن هناك لون آخر من المعرفة يتعلق بما وراء المحسوسات، يتعلق بعالم الغيب، وليس التعرف على هذا العالم

стр. 41

معزولًا عن العقل ولا منقطع الأسباب بالعالم الحسي كما يخيل للبعض أن يزعم ذلك، ولكن منهجه في التعرف عليه وعلى مسائله يختلف عن منهج التعرف على عالم المحسوسات أو عالم الشهادة بلغة أهل الاصطلاح. إن الخلاف فقط خلاف في المنهج والوسائل، وإذا أحسن الباحث توظيف المنهج العلمي في التعرف على عالم الشهادة, والتعرف على وظيفة هذا العالم وأهداف وجوده ومقاصده والغاية الإلهية من وجوده، فإن ذلك يقوده بالضرورة إلى التعرف على عالم الغيب وقضاياه. ولما كان هذا العلم عزيز المنال على كثير من العقول، صعب التحصيل لكثرة ارتباط العقل بالمحسوسات, كان دور الوحي في التعرف عليه مهما وضروريا؛ ليقود العقل إلى ما غاب عنه، ليقرب إليه ما بعد عنه وليكشف له عما وراء حجب المحسوسات، وليست حاجة العقل إلى الوحي هنا تعني الطعن في العقل أو التقليل من شأنه كما يحاول البعض أن يصور القضية, وكأنها صراع بين العقل والوحي. لا, إن القضية ليست طعنا في العقل ولا تهوينا من شأنه, إنها فقط توزيع وظائف، إنها أشبه بوضع كل أداة من أدوات المعرفة في مكانها المناسب لها ومحاولة الإفادة منها في مكانها وبوضعها الطبيعي المخلوقة من أجله، وكما قلنا: إن هناك معرفة حسية خالصة أدواتها الحواس، وهناك معرفة عقلية خالصة أدواتها العقل ومعرفة

стр. 42

حسية عقلية يشترك في تحصيلها العقل والحواس معا, فكذلك هناك معرفة غيبية لا ينالها العقل بمفرده بل لا بد له من الاستعانة بالوحي؛ لكي يتعرف عليها بواسطته ويؤمن بوجودها. هذا إذا كنا نتعامل مع عقل مؤمن بالوحي والرسالة, أما إذا كان الخطاب مع عقل غير مؤمن, فإن ذلك له مستوى آخر من الخطاب ليس هذا موضعه.

стр. 43

مفهوم الوحي: الوحي وسيلة للمعرفة: ليس هدفنا التعرض تفصيلا للوحي وما يتعلق به من مسائل كلامية، فقد تكلفت بذلك كتب علم الكلام والعقيدة، ولكن الذي أقصده هنا بيان أن الوحي إحدى وسائل المعرفة الخاصة بالغيبيات, فإذا كان عالم الشهادة له وسائله المعرفية من الحواس الخمس والعقل والتجربة, فإن العالم الغيبي له وسيلته أيضا وهي الوحي: والوحي في اللغة هو الإعلام الخفي, وقد يضيف البعض قيدا إلى ذلك فيقول: هو الإعلام الخفي السريع. وعند الأصوليين إعلام الله تعالى أنبياءه ورسله بشرع ليعملوا به ويبلغوه للناس، فنزلت شريعة التوراة على موسى، ونزل الإنجيل على عيسى, ونزل القرآن على محمد ﷺ . وقد يطلق لفظ الوحي ويراد به جبريل ملك الوحي الذي نزل بهذه الكتب السابقة، كما في قوله ﷺ : "يأتيني أحيانا مثل صلصلة الجرس، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا" وكما في قول عائشة ﵂: ولقد رأيته ﷺ ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فينفصم عنه, وإن جبينه ليتفصد عرقا.

стр. 44

وقد يطلق الوحي ويراد به القرآن الكريم كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [سورة النجم: ٤، ٥] . والوحي كوسيلة للعلم ليس قاصرا على نزول الملك جبريل على قلب الرسول, وإنما تتنوع طرقه: ١- فقد يكون بواسطة الملك جبريل, وهو خاص بالوحي الرسالي التشريعي. ٢- وقد يكون الوحي رؤيا منامية، كما في قصة إبراهيم ﵇ فقد رأى في المنام أنه يذبح ولده إسماعيل. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] . وكما رأى ﷺ أنه يفتح مكة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] . وكما أوحى إلى أم موسى أن أرضعيه، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] .

стр. 45

٣- وقد يكون الوحي بالكلام من وراء حجاب, كما أوحى الله إلى نبيه موسى ﵇. قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ، ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ ، ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ ، ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ، ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ ، ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١١-١٤] . ومن المفيد هنا أن ننبه إلى أن وحي الرسالات التشريعية قاصر على النوع الأول فقط، فلم تفرض الفرائض والتكاليف الشرعية إلا بواسطة ملك الوحي جبريل١، أما بقية أنواع الوحي الأخرى فهي وسائل إعلام من الله لمن شاء من عباده بأمر معين؛ ليعملوا به فقط وليبلغوه لأقوامهم على سبيل التكاليف الشرعية التي هي الأوامر والنواهي, ومما يدل على أن الوحي وسيلة إعلام وتعليم أن الله تعالى قد يوحي إلى بعض مخلوقاته تعليما لهم وإلهاما بما يريده الحق منهم، كما أوحى سبحانه إلى النحل. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٨، ٦٩] .

стр. 46

فهذا إلهام وتعليم للنحل لكي يؤدي وظيفته المطلوبة منه, حيث ألهمه الحق كيف يبني بيته بطريقته الهندسية، كيف يسلك سبله إلى جني الثمار والأزهار من أماكنها, كيف تتحول فيه وبه إلى عسل مصفى فيه شفاء للناس. هذا كله إلهام وتعليم من الله سبحانه. وكما يكون الوحي من الله لبعض مخلوقاته، يكون الوحي أيضا من الشياطين لأوليائهم كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] . والذي أنبه إليه هنا أن الوحي في كل هذه المواقف، وعلى كل هذه المستويات هو إعلام وإخبار, وهو تعليم وإلهام, وهو وسيلة من وسائل العلم خاص بمن هم أهل له, والعلم بالغيبيات ومسائلها التي أخبر بها الأنبياء ليس لنا وسيلة للعلم بها إلا الوحي الرسالي. ولا ينكر العقل نوع الإلهام الذي يتعامل به النحل ومن على شاكلته من الحشرات، كما لا ينكر العقل أيضا نوع الرؤى المنامية وإن اختلف العقلاء في تفسيرها؛ لأن هذين النوعين من النوحي يشهد الواقع بهما، وقد شاهد كل منا خلايا النحل وهي تعمل بشكلها المنظم العجيب، وأيضا فإن كل إنسان قد جرب بنفسه نوع الرؤى المنامية سواء سماها رؤيا أو حلما، وسواء فسرها في ضوء تعاليم الأنبياء أو جعلها حلما شيطانيا، فإن اختلاف التعبيرات أو التأويلات حول ظاهرة ما يؤكد وجود الظاهرة ولا يلغيها.

стр. 47

ولكن قد يتوقف بعض أصحاب العقول أمام الوحي الرسالي, وقد يتحفظ في قبوله وقد ينكره بالكلية. وإذا طالبنا المنكرين للوحي بالدليل وإقامة البرهان على صحة دعواهم في إنكار الوحي لا نجد لديهم دليلا واحدا على إنكارهم للوحي إلا قولهم: إن الوحي لا تثبته التجربة، أو لا تستطيع الاستدلال عليه ببرهان العقل، وهذا الذي يستدلون به ليس دليلا موجبا وإنما هو دليل نفي العلم. بمعنى أنه دليل على عدم وجدانهم لدليل الإثبات، فهم لا يعرفون دليلا موجبا للقول بالوحي وإنما الذي يعرفونه أنهم افتقدوا دليل الإثبات, إلى غير ذلك مما يدّعيه هؤلاء. والسؤال الذي أطرحه عليهم هو: هل عدم علمكم بدليل الإثبات للوحي يعتبر دليلا على نفي الوحي في ذاته؟ وهل افتقادكم الدليل يعتبر دليلا قائما بذاته تحتجون به على نفي الوحي؟! إن عدم معرفتكم بالدليل يعد دليلا على جهلكم بالدليل الذي يعلمه غيركم, والذي يشهد به الواقع والبرهان. ومن المعروف في لغة الأصوليين أن عدم العلم ليس علما بالعدم, بمعنى أن عدم العلم بالدليل ليس علما بعدم وجود المدلول في ذاته، فقد يكون الشيء موجودًا ولا تعلم دليل وجوده، وقد يكون له أكثر من دليل وحجة وعدم العلم بدليل الإثبات ليس دليلا على نفي الوجود, بل هو دليل على جهلكم بدليل الإثبات، وما تجهلونه أنتم فقد علمه غيركم بدلائله

стр. 48

وبراهينه، فلا حجة لأحد في رفض الوحي أو التنكر له إلا الاستعلاء والمكابرة, كما أخبر الله رسوله الكريم بقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] . وسوف نوضح فيما يأتي أن الوحي ضرورة عقلية ومعرفية كما هو ضرورة اجتماعية ونفسية. والذين ينكرون الوحي الإلهي إلى رسل الله وأنبيائه عليهم أن يراجعوا القرآن الكريم باعتباره آخر وحي نزل من السماء, ويتأملوا ما جاء فيه وما أخبر عنه وما تنبأ به، وما أشار إليه من آيات كونية في الأنفس وفي الآفاق، ويسألوا أنفسهم: من أين لرجل أمي ولد ونشأ في جزيرة العرب بمعزل عن جميع الروافد الثقافية أن يعلم ذلك؟ وهي أمور لم يكن لأهل جزيرة العرب علم بها من قبل، ومنها أمور لم يكن للبشرية كلها علم بها قبل نزول الوحي بها، من أين له ﷺ العلم بما قصه القرآن عليه من أحوال الأمم الماضية ومن أحوال الأنبياء السابقين عليه مع أقوامهم؟ إن القرآن الكريم نفسه يخبرنا بأن الرسول لم يعاصر هذه الأحداث ولم يشاهد قصص القرآن ولم يحضرها, فما مصدر علمه بها كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ "أي: موسى ﵇" حين ناداه ربه بالوادي المقدس طوى، ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] .

стр. 49

وليس هناك مصدر آخر لهذه المعلومات إلا الوحي بها, كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ . ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ أي: ما أخبر به القرآن عما مضى من أحوال الأمم الماضية. والذين عرفوا أحوال الرسول ﷺ ودرسوا سيرته بين قومه قبل البعثة وبعدها يعلمون أنه ﷺ لم يكن كاهنا ولا عرافا ولا اشتغل بالسحر حتى يقولوا: إن الرسول قد عرف ذلك عن طريق الكهانة والعرافة. ولقد كانت سيرته ﷺ بين قومه وأحواله التي عرف بها سببا في أن كثيرا من أهل مكة آمنوا به قبل أن يقدم لهم برهانا, ولا دليلا على صحة قوله، بل كفاهم عن هذا معرفتهم بأحواله وصدقه، والقرآن الكريم بين أيدي المسلمين الآن وإلى الأبد، وهو دليل قائم بذاته على صدق رسالته، وكل آية فيها دليل على صدقه بما فيها من وجوه الإعجاز الذي يبهر العقول، فهلا آمن المنكرون للوحي بأن عدم علمهم بدليل الوحي ليس دليلا على نفيه, وإنما هو دليل على جهلهم بما علمه غيرهم؟

стр. 50

مفهوم العقل: من المعلوم أن دلالة الألفاظ تنقسم إلى دلالات لغوية عامة, ودلالات اصطلاحية خاصة بأهل كل فن وصناعة، فالدلالة العامة للألفاظ نبحث عنها في معاجم اللغة حيث نجد المعنى اللغوي العام لكل كلمة مستعملة, وشائعة. أما المعاني الاصطلاحية فنبحث عنها في المؤلفات الخاصة بكل فن من فنون القول، مثل الفاعل في علم النحو يختلف عنه الفاعل في القانون وعلم الجريمة، وليس من قصدنا في هذا البحث أن نتعرض للمعنى اللغوي العام لكلمة "العقل" أو لبيان أصولها الاشتقاقية، وليس من قصدنا أيضا البحث عن العلاقة بين المعنى اللغوي للكلمة والمعنى الاصطلاحي لها؛ لأن ذلك قد تعرضت له دراسات عديدة في مجالات مختلفة. والذي نقصده بالدرجة الأولى هنا بيان مفهوم العقل الوظيفي المعرفي. لقد عرّف الفلاسفة العقل بأنه جوهر قائم بنفسه وقالوا: إن هذا التعريف مبين لماهية العقل وحقيقته، وهذا التعريف يقوم عندهم على أساس مذهب الفلاسفة في التفرقة بين الماهية والوجود. وهذه التفرقة قد ثبت بطلانها في العديد من الدراسات التي نهض بها علماء

стр. 51

كثيرون وبيّنوا أن هذه التفرقة لا أساس لها إلا في التصور العقلي فقط، وبيّنوا أن ماهية الشيء عين وجوده وليس في الخارج الحسي شيء يسمى ماهية الشيء وآخر يسمى عين الشيء، وأن هذه التفرقة إذا صحت ذهنا وعقلا فلن تصح واقعا ووجودا، وأن تعريف الفلاسفة للعقل بأنه جوهر قائم بنفسه غير صحيح؛ ذلك أن من خصائص الجوهر القائم بنفسه أنه يفعل دائما ولا ينفعل، فهو فعل محض، وذلك لا يتوفر في العقل حسب تصويرهم له. ومن الأخطاء التي تأسست على مفهوم الفلاسفة للعقل بهذا المعنى السابق أنهم قالوا بنظرية العقول العشرة ليفسروا بها خلق العالم وصدوره عن الأول، وجعلوا العقل العاشر في هذ السلسلة هو المشرف على ما تحت فلك القمر. ومن المعلوم أن هذه النظرية تتعارض مع الدين وأصوله نصا وروحا؛ ولذلك كان موقف السلف منها هو الرفض المطلق، وحذروا جمهور المسلمين منها ومن القائلين بها. ولعل من المفيد للقارئ الكريم أن يراجع في أخطاء هذه النظرية الكتاب العظيم الموسوم "بالصفدية" لابن تيمية أو كتاب بغية المرتاد في الرد على القرامطة أهل الإلحاد، حيث فصل فيهما ابن تيمية القول في بطلان مذهب الفلاسفة في العقل والعقول العشرة, وبين أنها لا تصح عقلا ولا شرعا، وأنها مؤسسة على مفهوم فاسد في العقل لمعنى المعقل.

стр. 52

وأن مفهوم الفلاسفة لمعنى العقل مأخوذ من اصطلاح اليونان للكلمة، ولا ينبغي أن يتحكم به قائله في أهل الصناعات الأخرى ولا في لغات أهل الأرض، ولا يجوز أن يجعله بديلا عن المعنى اللغوي العام لمفهوم العقل في لغتنا العربية, أو المعنى العام لها عند الإطلاق، وهذا المعنى اليوناني قد يوافق مذاهب اليونان ولغتهم؛ لأنهم ليسوا أهل دين ولا كتاب منزل، فمن أخذه عنهم وجعله مذهبا له لا يجوز أن يلزم الغير به، ولا أن يجعل المخالف له مخطئا؛ لأن هذه المعاني اصطلاحية خاصة بأهلها, فلا نحكم بالخطأ على مخالفهم ولا نلزم الغير بالأخذ به. والعقل غريزة فطرية في الإنسان يستطيع بها أن يميز بين الحق والباطل في المعتقدات، والصواب والخطأ في الأقوال والأفعال، وأخذ بهذا المعنى الإمام أحمد بن حنبل والحارس المحاسبي وابن تيمية وابن القيم وجمهور السلف على ذلك، ورفضوا تماما الأخذ بمفهوم الفلاسفة للعقل وعارضوه وبينوا ما فيه من قصور, وما يترتب على الأخذ به من فساد في الدين والعقل معا. ولقد ظن البعض خطأ أن السلف حين رفضوا المفهوم اليوناني للعقل قد رفضوا العقل وأحكامه, ولعل السبب في ذلك أن نبرة التقديس للفلسفة اليونانية كانت قوية وعالية في عصورهم، واعتبرها البعض منزهة عن الخطأ وأن كل ما خالفها من النصوص الشرعية ينبغي أن يؤول

стр. 53

لصالحها ليكون موافقا لها، وتلك مشكلة كبرى عاشها السلف دفاعا عن قداسة النص القرآني في مواجهة تقديس البعض للفلسفة اليونانية، وتنزيهها عن الخطأ. ولقد استغل العلمانيون المعاصرون هذه القضية, وأشاعوا أن السلف أعداء للعقل ورافضون لأحكامه ويحاربون من يأخذ به, وانطلقوا من هذا القول إلى ما هو أخطر حيث قالوا بأن القرآن يناقض العقل, ولم يستطع هؤلاء المخالفون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث, ويفرقوا بين الموقفين: الموقف الأول: أن السلف يرفضون مذهب الفلاسفة في العقل, وأن معنى العقل عند الفلاسفة معنى اصطلاحي خاص بهم وحدهم، وليس هو بديلا عن المعنى اللغوي العام, ولا هو ملزم لغير الفلاسفة أن يأخذوا به، ولا هو بديل عن معنى الكلمة في لغة العرب التي نزل بها القرآن. الموقف الثاني: أن رفض السلف لمفهوم العقل عند الفلاسفة لا يعني أبدًا أن السلف يرفضون العقل أو يردون أحكامه. وتحري الحق في مثل هذه المسائل الدقيقة ليس في طباع الكثيرين من الناس خاصة إذا كانوا أصحاب هوى, كأن ينتصروا لمذهب معين أو يشنعوا على آخرين بما ليس فيهم؛ لإظهارهم أمام الناس في مظهر سيئ. وهذا كثير وواقع في كل عصر، خاصة وأن

стр. 54

أهل الحق في كل عصر قلة، وأدوات التشنيع ووسائلها متوفرة مع الخصوم مما أظهر المنهج السلفي بمظهر المضاد للعقل الرافض له, وهذا افتراء عليهم. ولقد كان السلف في حقيقة موقفهم من العقل وأحكامه أكثر فطنة وذكاء, وأكثر احتراما للعقل حين رفضوا مذهب الفلاسفة في ذلك. فالسلف يرون أن العقل ليس أداة ولا حالا في أداة، فهو ليس كحاسة السمع الحالة بالإذن, أو حاسة البصر الحالة في العين؛ وبالتالي هو ليس جوهرا قائما بنفسه كما يقول الفلاسفة. والإمام أحمد حين عرف العقل بأنه غريزة ندرك بها الأشياء, ونستنبط بها العلم بالأحكام فإن هذا التعريف من وجهة نظرنا يحتاج إلى توضيح، ذلك أن كلمة غريزة كلمة مجملة، وربما اشتبهت بالغرائز الدنيا في الإنسان وإن كان هذا المعنى ليس مقصودا للإمام أحمد. والذي يستقرئ تراث السلف في هذه المسألة يجد أن معنى العقل عندهم أقرب إلى أن يكون "وظيفة إدراكية يتعاون في أدائها جميع ملكات الإنسان المعرفية" ما عرفناه منها وما لم نعرفه١.

стр. 55

هو وظيفة يرتبط وجودها في الإنسان بوجود أدواتها الظاهرة والباطنة، وبمقدار ما تكتسبه هذه الأدوات من الخبرة الزمنية, ويحصل لها من النضج يكون مقدار العقل للأشياء أتم وأكمل, وتعقله للأمور أكثر نضجا وأقرب إلى الصواب. ومفهوم العقل هنا يساوي تماما في الاشتقاق اللغوي المعنى المصدري لقولنا: فهمت المسألة فهما، وضربت الولد ضربا، فتقول: عقلت المسألة عقلا وتعقلت الأمر تعقلا، وعملية العقل للمسألة والتعقل للأمر ليس لها مكان في الجسم فتحل به، وليس لها أداة معينة في الجسم. فتقوم بها كما يقوم البصر بحاسة العين ويقوم السمع بحاسة الأذن، وإنما هي وظيفة جامعة لكل وظائف الحواس وهي التي تجرد هذه الحواس عن لواحقها الحسية، فالعين تدرك الأسود والأبيض, والعقل هو الذي يدرك معنى البياض والسواد, والذوق يدرك الحلو والمر, والعقل هو الذي يدرك معنى المرارة والحلاوة. والقرآن الكريم حين ذكر الحواس المعرفية قرن كل حاسة بوظيفتها، قال تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥] . وأحيانا يذكر الحاسة مقرونة بوظيفتها على سبيل النفي كما في قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بهَا﴾

стр. 56

[الأعراف: ١٧٩] ، وأحيانا يذكر حاستي السمع والبصر ويردفهما بكلمة الفؤاد، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] . ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ . والتعقيب بكلمة الفؤاد بعد حاستي السمع والبصر يتضمن التنبيه إلى ما غاب عنا من وسائل الإدراك الباطنة، ومن أهمها وظيفة القلب، فالقرآن الكريم يصف القلب في العديد من الآيات بالفقه أو التعقل نفيا أو إثباتا. وأحيانا يجعل وظيفة القلب أهم وأسمى من وظيفة الحواس الظاهرة. قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . وأحيانا يلفت القرآن نظرنا إلى أن وظيفة الحواس وسيلة مقصودة إلى تحقيق غاية أسمى من مجرد الإدراك الحسي للأشياء، وإذا لم تتحقق هذه الغاية كانت الوظيفة الحسية للأداة في حكم العدم. قال تعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] . وقال سبحانه: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] .

стр. 57

فالوظيفة الحسية لهذه الأدوات قد تكون موجودة ومتحققة، لكن الغاية والهدف من الوظيفة الحسية مفقودة، وهي عملية التعقل لما يرى وما يسمع. فصارت الحاسة في حكم المفقودة تماما لغياب الهدف وفوات الغاية، فهذا كله وغيره كثير ينبهنا إلى أن منطق السلف في مفهوم العقل يختلف تماما عن مفهوم الفلاسفة. يقول ابن تيمية: والعقل في كتاب الله وسنة رسوله وكلام الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين هو أمر يقوم بالعاقل سواء سميناه عرضا أو صفة, فليس هو عينا قائمة بنفسها سواء سمي جوهرا أو جسما, وإنما يوجد التعبير بالعقل عن الذات العاقلة. فهو صفة تقوم بالعاقل، وإذا قيل: فلان العاقل أو صاحب عقل فإنما يراد به امتلاكه العلوم أو الخبرة التي يميز بها بين الصواب والخطأ في الأقوال والحق والباطل في الاعتقاد, وهذا ما قصد إليه الإمام أحمد في تعبيره عن العقل بالغريزة الثابتة في الإنسان، فكما أن في العين قوة بها يبصر الإنسان فكذلك الإنسان يمتلك هذه الغريزة التي يتحقق بها العقل والفهم والتدبر، وهي ليست جوهرا ولا حالة بعضو معين في الجسم ولكن يتعاون في أدائها جميع الملكات المعرفية في الإنسان الظاهر منها والباطن. وقد يطلق العقل ويراد به العلوم التي حصلناها بهذه الغريزة. وبهذا المعنى فإنه يكون معناه صفة العلم المتحصلة والقائمة بالذات العالمة، ويميل شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن العقل كوظيفة يتعلق

стр. 58

بالقلب، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦] . وقيل لابن عباس: بماذا نلت العلم؟ قال: "بلسان سئول, وقلب عقول". وليس المقصود بالقلب هنا العضو المادي في الإنسان, ولكن المراد منه الوظيفة الإدراكية لهذا العضو, كما قال: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . ومن المهم أن ننبه هنا إلى أن العمل يدخل في مفهوم العقل عند السلف. ذلك أن كل عمل تسبقه إرادة، وأصل الإرادة ومحلها في القلب، والإنسان لا يكون مريدا إلا بعد تصور المراد وتعقله وتحديد مقصوده منه. فلا بد أن يكون القلب متصورا للشيء المراد قبل تحققه واقعا، يقول ابن تيمية: وإذ قد خلق الله القلب لأن يعلم به, فتوجهه نحو الأشياء ابتغاء العلم بها هو الفكر والنظر، كما أن إقبال الإذن على الكلام ابتغاء سماعه هو الإصغاء وانصراف الطرف إلى الأشياء ابتغاء رؤيتها هو النظر. فالفكر للقلب كالإصغاء للأذن، والبصر للعين. وإذا علم ما نظر فيه فذاك مطلوبه ... وكم من ناظر مفكر لم يحصل العلم ولم ينله، وعكسه كم من أوتي علما بشيء لم ينظر فيه ولم تسبق إليه منه سابقة تفكير فيه ... وذلك كله ليس لأن القلب بنفسه يعقل العلم وإنما الأمر موقوف على شرائط واستعدادات قد تكون فعلا للإنسان ومطلوبا له، وقد تكون فضلا من الله فيكون

стр. 59

موهوبا منه. فصلاح القلب وحقه الذي خلق من أجله هو أن يقبل الأشياء, لا أقول يعلمها فقط، فقد يعلم الشيء من لا يكون عاقلا له بل غافلا عنه، والذي يعقل الشيء هو الذي يقيده ويضبطه ويعيه ويثبته في قلبه, فيكون في وقت الحاجة إليه غنيا به, فيطابق عمله قوله وباطنه ظاهره، وذلك هو الذي أوتي الحكمة. وهذا هو مجال تفاوت الناس علما وعملا، فمن رأى الأشياء أو استمع إلى الأقوال بغير قلب واعٍ لما يرى, أو سمع لم يستفد شيئا مما رأى أو سمع، فصار مدار الأمر كله على القلب. وقد أكد القرآن هذه القضية في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] والقلب لا يقبل من الأمور إلا ما كان صوابا، ولا يقبل من الاعتقاد إلا ما كان حقا. وهذه سنة الله في خلقه للقلب، فإذا لم يوضع فيه الاعتقاد الحق فإنه لا يقبل غيره ولا يطمئن إليه، ولا يزال القلب يتقلب في أودية الأفكار بين الحق منها والباطل؛ لأنه لا يترك خاليا فارغا أبدا, بل لا بد له من الاشتغال بالفكر والنظر، ولا تنكشف للإنسان هذه الأحوال إلا بعد رجوعه إلى الحق والصواب في القول والاعتقاد، فيتبين له حينئذ أن القلب كان هائما في أودية الفكر بلا حاصل، ولو ترك القلب وحاله التي فطر عليها لم يقبل من الاعتقاد إلا ما هو حق، ولا من الأقوال إلا ما هو صواب وتلك فطرة الله في خلقه للقلب.

стр. 60

هذا هو مفهوم العقل، هو عملية وظيفية يقوم بها الإنسان, وتتعاون في أدائها كل الملكات المعرفية في الإنسان الظاهر منها والباطن, ما علمناه منها وما لم نعلمه. وهذا المعنى مال إليه سلف الأمة وقالوا به, فهم لا يرفضون العقل إذن كما حاول البعض أن يشنع عليهم بهذه الأكذوبة, ولكنهم يرفضون مذهب الفلاسفة في العقل. وهم لا يرفضون أحكام العقل, ولا يقللون من شأنه في تحصيل العلوم واكتساب المعارف. إذ كيف يرفضون العقل وأحكامه والإسلام في مبادئه وأصوله وشريعته مؤسس على خطاب العقل. فالقرآن نزل ليخاطب العقلاء، وليتدبره العقلاء، وليستنبط أحكامه العقلاء, ومن فَقَدَ العقل فَقَدْ فَقَدَ أهلية الخطاب القرآني، وليس له في خطاب الشرع ما يذم عليه ولا ما يمدح من أجله, بل ليس للمرء من عباداته في الإسلام إلا ما عقل منها. وشرائع الإسلام كلها لم يكلف بها إلا العقلاء، فكيف يشنع على منهج السلف بهذه الفرية الظالمة التي تدل على جهل صاحبها بمذهب السلف, وبمنهجهم العقلاني المنضبط؟! ولعل السبب في ذلك أنه كلما تقادم العهد بزمن النبوة وجيل الصحابة والتابعين، وقل العلم بالآثار النبوية وانطمست معالم المنهج، وقل الملتزمون به وكثر المخالفون له والمشنعون عليه ممن لهم

стр. 61

زلفى عند أهل الرياسات وأصحاب النفوذ من الملتفّين حولهم من الذين يجيدون الالتفاف حول جميع الموائد في كل عصر, فتكثر الأحاديث وتتسلط أجهزة الإعلام بالدعاية الموجهة ضد الخصوم من السلف، وقد يجعلون منهم دعاة الرجعية والتخلف، وما أكثر ما قيل عن المنهج السلفي في هذا الصدد. وينبغي ألا نعفي أتباع المنهج السلفي من مسئوليتهم عن ذلك؛ لأسباب كثيرة لا داعي للتفصيل فيها الآن، ولكن هذه حقيقة ينبغي أن تعرف. فلقد أساء أدعياء المذهب إلى السلفية أكثر مما أحسنوا، أحيانا عن جهل بالمنهج وأصوله وقضاياه، وأحيانا بسلوكهم الشخصي الذي يدعو إلى التنفير والترهيب أكثر مما يدعو إلى التقريب والترغيب، وعلى رأس هذه الأسباب استفراغ وقتهم وجهدهم في الخلاف حول شكليات وفروع وإهمالهم لأساسيات وأصول، وهذا مما يدمي القلوب ويحزن النفوس معا أن يجد المخالفون عن اتباعه الأسباب والمبررات للتشنيع على سلف الأمة, والافتراء عليهم بما لم يقولوه ولم يدر بخلدهم يوما ما.

стр. 62

مدارك العقول: عالم الغيب, وعالم الشهادة يتصل الحديث عن هذه القضية بنظرية المعرفة من جهات مختلفة: ١- فهو يتصل بها من حيث وسائلها. ٢- ومن حيث موضوعها، ومن حيث غايتها، وليس من قصدنا الحديث هنا عن نظرية المعرفة. ٣- من حيث هي كهدف مقصود لذاته في هذه الدراسة, فإن ذلك له مجالات أخرى، ولكن الذي نقصده بالدرجة الأولى هو تحديد علاقة العقل بموضوع المعرفة وغايتها من جانب، وعلاقته بوسائلها من جانب آخر. ولقد آثرنا استعمال هذا المصطلح "مدارك العقول" لما فيه من دلالة على تمكن العقل من موضوع المعرفة وسيطرته عليه, واحتوائه لها، مما لا نجده في غيره من المصطلحات المعرفية الأخرى، وهذا المصطلح يطرح علينا مباشرة الحديث عن موضوع المعرفة التي هي "مدارك العقول".

стр. 63

فقد يكون موضوع المعرفة هو عالم الشهادة, وما يشتمل عليه من ظواهر ومظاهر. وقد يكون موضوع المعرفة لا ينتمي إلى هذا العالم الحسي، ولا يمتّ إليه بسبب كعالم الغيب، ونريد هنا أن نتعرف على مدارك العقل لهذين العالمين؛ عالم الشهادة، وعالم الغيب, ودور العقل في التعرف على كل منهما.

стр. 64

وظيفة العقل في عالم الشهادة: عالم الشهادة وهو المقابل الشرعي للعالم الحسي والمحسوسات لدى علماء المناهج أو المعرفة الحسية، وينطلق موقفنا هنا في تحديد علاقة العقل بعالم الشهادة من توجيهات القرآن الكريم التي تجعل النظر العقلي والتأمل في آيات الله أفقية كانت أو نفسية, مطلبا شرعيا وواجبا دينيا على سبيل الفرض الكفائي أحيانا، وقد يرقى في بعض الأحيان إلى مستوى الفرض العيني على شخص بذاته، أو على جماعة معينين بذواتهم، حيث يلزمهم ولي الأمر ويجبرهم على أداء هذه الوظيفة التي تعينت عليهم والتي لا ينهض بها سواهم، حتى تستقيم أحوال الأمة بها، ومن حق ولي الأمر أن يعاقبهم -أفرادًا كانوا أو جماعة- إذا لم ينهضوا بهذه المسئولية التي أصبحت بمثابة الدين الواجب الأداء، كما إذا تعين على جماعة ممارسة مهنة الطب أو صناعة الأسلحة للجيوش، أو فن الهندسة أو القيام بخدمات أخرى لا ينهض بها سواهم. والقرآن الكريم يحث العقل ويدفعه دفعا إلى التعرف على هذا الكون واكتشاف قوانينه، ومعرفة خصائصه والتعرف على العلاقات المتبادلة بين أنواعه وأجزائه للوقوف على خصائص العلاقات

стр. 65

السببية الكامنة فيه؛ لأن ذلك كله يرتبط برسالة الإنسان في هذا الكون والهدف من وجوده، واستخلافه في الأرض وتنفيذه للأمر القرآني باستعمارها. وهذه المهام لا تتم للمسلم إلا باكتشاف قوانين الأشياء ومعرفة العلاقات السببية فيها؛ ليستطيع أن يحقق فيها المعنى الإلهي المقصود من تسخير هذا العالم من سمائه إلى أرضه لصالح الإنسان. ولقد شاع العلم بهذه الآيات القرآنية التي تأمر العقل بالنظر والتأمل، وأصبحت معروفة للعامة والخاصة؛ ولذلك سوف أعفي نفسي من سردها في هذا المختصر، ولكن الذي يلفت النظر وأنبه إليه أن منهج القرآن في سوق هذه الآيات كان يأخذ بمبدأ التدرج والترقي من مستوى معرفي إلى مستوى آخر أرقى وأدق، ويفتح أمام العقل مجالات للنظر وآفاقا أرحب للتأمل كان يجهلها العقل من قبل؛ لتكون مسرحا لنظره العقلي وعمله الفكري، فالكون كله قد أعده الخالق سبحانه وجعله مهيأ للنظر العقلي ليجعل منه حبلا ممدودا وسببا موصلا بين الإنسان العارف وموضوع المعرفة من جهة وغاية هذه المعرفة وهدفها من جهة أخرى؛ ولذلك كانت آيات القرآن المتصلة بهذا الموضوع تختم غالبا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ , أو ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . ١- ونجد آيات القرآن في هذا الصدد تأمر الإنسان بالنظر إلى البيئة التي يعيش فيها الإنسان, وما فيها من أصناف الموجودات من

стр. 66

حيث كيفية الصنعة، دقة وإتقانا، فنقول له: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧-٢٠] . والسؤال في هذه الآيات يدور حول كيفية الصنعة وليس عن وجودها. والفارق كبير بين مضمون السؤالين، فالسؤال عن كيفية الصنعة لا يملك الإجابة عنها إلا صانعها أو من كان في مستواه من العلم بكيفيتها والغاية والقصد منها؛ ولذلك فإن النظر العقلي هنا يدرك من مضمون السؤال حسب استطاعته فقط. فهو يدرك منها ولا يدركها؛ لتبقى القضية كلها في نطاق الإعجاز من جانب ومطلبا شرعيا للعقل من جانب آخر. ٢- وأحيانا يطلب القرآن من العقل ألا يكتفي بمجرد النظر إلى هذا الكون, بل لا بد أن يخترق ظواهره ليكتشف ماذا في داخله. قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] ومعلوم أن الأمر بالنظر في الشيء أعلى درجة من مجرد النظر إلى الشيء، فليصعد الإنسان إلى القمر -إن شاء- أو إلى ما شاء من الكواكب، وليهبط -إن شاء- في باطن الأرض مكتشفا وباحثا, فإن ذلك كله مطلب شرعي في منهج القرآن؛ لأن رسالة الإنسان في الكون واستعمار الأرض لا تتم إلا بذلك، وحين يخاطبنا القرآن بقوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ

стр. 67

الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] فإنه يطلب منا بصيغة الأمر أن نعمل على عمارة الأرض بكل ما نستطيع، والتقصير في تنفيذ هذا الأمر معصية جماعية تجني الأمة ثمرتها فقرا ومرضا ومذلة وهوانا وتخلفا وتبعية لأمم الأرض. وحين يذكرنا القرآن بأحوال الأمم السابقة وكيف جرت عليهم السنن الإلهية في الكون من ازدهار للحضارات أو انهيار لها، فإن ذلك كان على سبيل التعليم والإفادة من الدرس والعبرة من التاريخ؛ ليكون تاريخ الإنسان نفسه مجالا رحبا لعمل العقل ليتعرف منه على أساس ازدهار الحضارات وانهيارها، ليعي العبرة من قص القرآن لهذه السنن وعلاقتها بالأفراد والجماعات. فالكون كله مسرح للعقل وميدان لعمله، وتاريخ الإنسان كله مسرح لنظر العقل، والعقل مهيأ للسيطرة الكلية على الكون واحتواء تاريخه، فكرا وتأملا، مقدمات ونتائج، علاقات بين الأشياء، أسبابا ومسببات، تسخيرا وتوظيفا، وتلك مهمة العقل ووظيفته في عالم الشهادة، وذلك واجبه الشرعي الذي ندبه القرآن له وحثه عليه وأمره به. وليس من قبيل المصادفة أن يلفت القرآن نظر المسلم إلى بعض آيات بعينها من آيات الله في كونه جعلها اسما وعلما على بعض سور القرآن، وكأنه يقول للعقل في هذه اللفتة: تلك قضية تحتاج إلى نظر وتدبر، وقد يقرأ المسلم هذه الآيات دون أن يعيرها

стр. 68

حقها من النظر والتدبر مع أنها تحتاج من القارئ أن يقف أمامها طويلا وطويلا؛ لأنها جاءت بصورة شاملة لكل أنواع الموجودات غالبا: ١- فهناك آيات تنتمي إلى عالم الحشرات جاءت علما على بعض السور للقرآن، مثل سورة النحل، سورة النمل، سورة العنكبوت. ٢- وهناك آيات تنتمي إلى عالم الأفلاك والطبيعة كانت علما على بعض سور القرآن، مثل سورة الشمس، سورة القمر، سورة الرعد. ٣- وهناك آيات تنتمي إلى عالم النبات، مثل سورة التين. ٤- وآيات تنتمي إلى عالم الحيوان، مثل سورة البقرة، سورة الأنعام. ٥- آيات تنتمي إلى عالم الزمان وبعض أوقاته، مثل سورة الليل، سورة الضحى، سورة العصر, سورة الفجر. ٦- آيات تعبر عن الكون كله، سورة الملك. ٧- آيات تعبر عن أصل الإنسان في بعض مراحله, سورة الإنسان. ويقسم القرآن ببعض الآيات تنبيها للعقل إلى أهميتها في حياة الإنسان, وإلى ضرورة الاهتمام بها فكرا وتأملا وتوظيفا: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥، ٧٦] .

стр. 69

﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، وَمَا لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] . ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٧، ١٨] . ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ، وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ، وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٦-١٨] . هذه بعض آيات الله في كونه التي يستحث العقل ويدفعه دفعا للنظر والتأمل فيها، وهذا الكون هو عالم العقل ومسرحه الحسي الذي يملك العقل أدوات التعامل معه، ويستطيع السيطرة عليه إن شاء على قدر استطاعته، يجعل القرآن عمل العقل فيه وتعامله معه مطلبا شرعيا وواجبا دينيا وعبادة يتقرب بها إلى الله, يعاقب المجتمع كله على التفريط فيه أو الإعراض عنه. ومن الأمور اللافتة للانتباه أن الآيات السابقة تتسع دائرتها لتشمل الكون كله من عالم الأفلاك إلى عالم النبات وعالم الجماد، فليس في الكون ما هو غريب على العقل، وليس فيه ما هو فوق مستوى الإدراك العقلي، أو يعزّ على العقل مناله، فالكون كله موضوع بحثه وموضوع كده وكبده, وحين يعمل العقل ويستفرغ وسعه بحثا وفكرا وتأملا يكون حينذاك في عبادة شرعية لله، وكلما ازداد عمله وعلمه ازداد لله خشية ومن الله قربا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ .

стр. 70

وينبغي أن يبدأ توظيف العقل في عالم الشهادة من هذا المنطلق القرآني، ومن خلال تحديد القرآن لوظيفته في هذا الكون: لقد ندبه للنهوض بها وأتمنه عليها، وطلب منه إعمار الكون تبعا لهذا المنهج باكتشاف القوانين، والتعرف على العلاقات السببية الكامنة في الأشياء؛ ليسخر الكون كله لخدمة الإنسان وتحقيق مصالحه، وليحقق في ذلك معنى الاستخلاف عن الله في الأرض. ومن جانب آخر, فإن النكوص عن أداء هذه الوظيفة إهدار لطاقة العقل وضياع لرسالة الإنسان، وجريمة في حق الدين والدنيا معا، وعلاقة العقل بعالم الشهادة على هذا النحو السابق تقوم على أسس معينة يعتبرها القرآن أركانا لتكليف العقل بهذه الوظيفة، بحيث إذا تخلف ركن منها سقط عن الإنسان ما يقابله من التكاليف الشرعية. ١- إن العقل يملك القدرة المؤهلة له للتعرف على هذا العالم واكتشاف قوانينه وتحديد العلاقات السببية بين أنواعه؛ ليجعل منه مملكته التي استخلفه الله عليها. ٢- إن الله تعالى قد زوّد الإنسان بالحواس الخمس، وجعلها جنودا للعقل يتعرف بها على كل محسوس، وفي نفس الوقت هي مناط مسئولية الإنسان أمام الله يوم القيامة، إذا أساء استعمالها أو أهمل توظيفها: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ

стр. 71

مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] . والتكاليف الشرعية منوطة بهذه الأدوات المعرفية وجودا وعدما، فإذا تخلف واحد منها سقط عن الإنسان ما يقابلها من التكاليف الشريعة؛ ولذلك كان من القواعد الأصولية: إذا أخذ ما وهب سقط ما وجب. وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] . ٣- هذه الحواس هي روافد المعرفة العقلية عن عالم الشهادة، هي جواسيس العقل وعيونه حسب تعبير الغزالي وبدون هذه الجواسيس لا يستطيع العقل أن يعلم شيئا يقينيا عن عالم الشهادة، فمن فقد حاسة البصر فاته العلم بعالم المرئيات، ومن فقد حاسة السمع فاته العلم بعالم المسموعات وهكذا شأن بقية الحواس. فكل حاسة مسلطة على عالم معين تتعرف عليه, وتنقل إلى العقل إحساسها بهذا العالم المعين. حاول -أيها القارئ- أن تتخيل معي إنسانا خلقه الله بدون هذه الحواس الخمس, ماذا يمكن أن يتكون لديه من معلومات يقينية عن هذا العالم الحسي؟ ولذلك كان من الأصول المعرفية أن من فقد حسا فقد علما، فمن العبث أن تسأل الأعمى عن الفرق بين الأسود والأبيض، أو تسأل الأصم عن الفرق بين صوت الإنسان وصوت الحمار، وهذا المعنى يصدق على من يملك الحواس لكنها تعطلت عن العمل لوجود الآفة بها, أو وجود مانع قوي كالمريض بالصفراء مثلا, فإنه قد يحس طعم العسل مرا والذي

стр. 72

على بصره غشاوة قد يرى الأشياء على غير ما هي عليه، فيرى الصغير كبيرا والكبير صغيرا. ٤- إن ما غاب عن حواس الإنسان وتجربته الشخصية في هذا العالم, فقد غاب عن العقل العلم اليقيني به عن هذا الطريق، طريق التجربة الحسية، لكن قد يعلمه عن طريق آخر غير تجربته هو، كأن يعلمه عن طريق خبر المعصوم مثلا أو عن طريق ما تواتر العلم به عن الأمم السابقة ... إلى غير ذلك من طرق العلم الأخرى. فكل ما ثبت صدقه عن طريق تجريب الغير له, وتم العلم به لزم الأخذ به والعمل بمقتضاه ممن لم يجرب بنفسه، وهذا في عالم الشهادة معلوم بالاضطرار من كل أحد. فالمريض لا يسوغ له أن يمتنع عن تناول الدواء الذي وصفه الطبيب بدعوى أنه لم يجربه قبل ذلك بنفسه، والأعمى لا يسوغ له أن ينكر ضوء الشمس بحجة أنه لم يره بنفسه. وهكذا يتواتر العلم لدى العامة والخاصة بكل ما ثبت صدقه مما جربه غيرنا ولم تدركه حواسنا، وأصبح العلم به والعمل بمقتضاه لازما لنا لزوم ما جربناه بأنفسنا وأدركناه بحواسنا، ولا فرق في ذلك بين ما جربه الشخص بحواسه وما جربه غيره، فالأخذ بكل منهما ضرورة عقلية كمصدر من مصادر المعرفة.

стр. 73

ويدخل تحت ما جربه غيرنا العلم بأخبار الأمم الماضية، والأخبار المتعلقة بالعصر الذي نعيشه مما لم يقع منه تحت حواسنا، وما جربه غيرنا منها، كالعلم بسور الصين العظيم، وأن الكعبة في مكة وأن الهرم الأكبر بالجيزة في مصر, وكالعلم بنبوة الأنبياء السابقين. ومما ينبغي أن يعلم أن هناك أمورًا كثيرة يقتصر العلم بها على مجرد الإخبار عنها فقط؛ لأن الحواس لا تنالها بسبب غيابها عن الحواس، وليس لنا طريق إلى العلم بها إلا الخبر المتواتر، وهذا يشمل علمنا بتاريخ الإنسانية كله, فإنه لم ينقل إلينا إلا عن هذا الطريق، ومن العبث إنكار تاريخ الأمم الماضية بدعوى عدم التجريب, أو عدم السماع له.

стр. 74

علاقة العقل بعالم الغيب: سبق أن أشرنا إلى علاقة العقل بعالم الشهادة, وأنها مؤسسة على إدراك كامل بطاقة العقل وإمكاناته والعلم بوظيفته، وسبق أن بينا أن الإنسان لو فقد حاسة من حواسه الخمس فاته العلم بالعالم الحسي المقابل لها. ولو تخيلنا إنسانا خلق بدون هذه الحواس, فإنه لا يعلم شيئا عن هذا العالم على سبيل اليقين. واليقين هنا مطلب أساسي لهذا اللون من المعرفة بعالم الغيب؛ لأن العقل قد يتخيل أمورًا وعوالم كثيرة لا نصيب لها من الواقع والخيال العلمي له دوره المعرفي في عالم الشهادة، ولا سبيل إلى إنكاره، لكن ينبغي أن نعرف هنا أنه لما غابت الحواس عن العقل تخلف عنه العلم اليقيني بعالم المحسوسات؛ لأن روافد المعرفة الحسية أصبحت مفقودة بالنسبة له فانتقل المستوى المعرفي للشخص من اليقين إلى التخيل, هذا في عالم الشهادة. أما في عالم الغيب, فإن الأمر يختلف تماما عن ذلك؛ لأن الحواس لا تناله أصلا ولا سبيل لها إليه، وبالتالي فإن روافد العقل التي تزوده بالمعرفة بعالم الغيب مفقودة، والتخيل العقلي هنا ليس مطلوبا؛ لأن مطلوب المعرفة هنا هو اليقين الجازم الذي لا مجال فيه للتخيل, وينبغي أن نفرق هنا بين مستويين لمعنى الغيب.

стр. 75

مستويات الغيب: أ- غيب نسبي: هناك ما يسمى بالغيب النسبي وهو ما غاب عن الحواس في عالم الشهادة, ويدخل في ذلك الماضي والمستقبل, فكلاهما غيب بالنسبة للحواس، وكذلك الأمر بالنسبة للحاضر، فهو غيب بالنسبة لمن لم يشاهده، لكنه ليس غيبا لمن عاصره وعاشه. فهناك أمور معاصرة للشخص المعين لكنه لم يشاهدها لغيابه عنها, فتكون غيبا بالنسبة له وليست غيبا لمن شاهدها، والشخص الواحد قد يكون الأمر المعين غيبا بالنسبة له في وقت دون آخر، وهكذا شأن الإنسان في عالم الشهادة، فالغيب بالنسبة له أمر نسبي إضافي، قد يكون الأمر غيبا بالنسبة لشخص دون شخص، وقد يكون الأمر غيبا للشخص الواحد في وقت دون وقت، وعلاقة العقل بهذا النوع من الغيب النسبي متفرع عن علاقته بعالم الشهادة، فما غاب عنا وجربه غيرنا لزمنا العمل بمقتضاه عند العلم به. وما تواتر العلم به عن الأمم الماضية من أخبار الأنبياء عنهم هو مما يلزم العلم به، وما يتنبأ به العلماء بناء على المشاهدات العلمية المتكررة هو من هذا القبيل بناء على اطراد السنن الإلهية في الكون سواء تعلقت هذه السنن بالظواهر الطبيعية أو بالمجتمعات البشرية؛ لأن سنة الله في كونه لا تتخلف إذا وجد المقتضي وارتفع المانع، وهذا هو محل اعتبار الإنسان الذي ندبه القرآن إليه في نهاية
следующие страницы →