← Акыда

Акыда · id 10903

الوحي والإنسان - قراءة معرفية

محمد السيد الجليند

Полный текст (232 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] . والتكاليف الشرعية منوطة بهذه الأدوات المعرفية وجودا وعدما، فإذا تخلف واحد منها سقط عن الإنسان ما يقابلها من التكاليف الشريعة؛ ولذلك كان من القواعد الأصولية: إذا أخذ ما وهب سقط ما وجب. وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] . ٣- هذه الحواس هي روافد المعرفة العقلية عن عالم الشهادة، هي جواسيس العقل وعيونه حسب تعبير الغزالي وبدون هذه الجواسيس لا يستطيع العقل أن يعلم شيئا يقينيا عن عالم الشهادة، فمن فقد حاسة البصر فاته العلم بعالم المرئيات، ومن فقد حاسة السمع فاته العلم بعالم المسموعات وهكذا شأن بقية الحواس. فكل حاسة مسلطة على عالم معين تتعرف عليه, وتنقل إلى العقل إحساسها بهذا العالم المعين. حاول -أيها القارئ- أن تتخيل معي إنسانا خلقه الله بدون هذه الحواس الخمس, ماذا يمكن أن يتكون لديه من معلومات يقينية عن هذا العالم الحسي؟ ولذلك كان من الأصول المعرفية أن من فقد حسا فقد علما، فمن العبث أن تسأل الأعمى عن الفرق بين الأسود والأبيض، أو تسأل الأصم عن الفرق بين صوت الإنسان وصوت الحمار، وهذا المعنى يصدق على من يملك الحواس لكنها تعطلت عن العمل لوجود الآفة بها, أو وجود مانع قوي كالمريض بالصفراء مثلا, فإنه قد يحس طعم العسل مرا والذي

стр. 72

على بصره غشاوة قد يرى الأشياء على غير ما هي عليه، فيرى الصغير كبيرا والكبير صغيرا. ٤- إن ما غاب عن حواس الإنسان وتجربته الشخصية في هذا العالم, فقد غاب عن العقل العلم اليقيني به عن هذا الطريق، طريق التجربة الحسية، لكن قد يعلمه عن طريق آخر غير تجربته هو، كأن يعلمه عن طريق خبر المعصوم مثلا أو عن طريق ما تواتر العلم به عن الأمم السابقة ... إلى غير ذلك من طرق العلم الأخرى. فكل ما ثبت صدقه عن طريق تجريب الغير له, وتم العلم به لزم الأخذ به والعمل بمقتضاه ممن لم يجرب بنفسه، وهذا في عالم الشهادة معلوم بالاضطرار من كل أحد. فالمريض لا يسوغ له أن يمتنع عن تناول الدواء الذي وصفه الطبيب بدعوى أنه لم يجربه قبل ذلك بنفسه، والأعمى لا يسوغ له أن ينكر ضوء الشمس بحجة أنه لم يره بنفسه. وهكذا يتواتر العلم لدى العامة والخاصة بكل ما ثبت صدقه مما جربه غيرنا ولم تدركه حواسنا، وأصبح العلم به والعمل بمقتضاه لازما لنا لزوم ما جربناه بأنفسنا وأدركناه بحواسنا، ولا فرق في ذلك بين ما جربه الشخص بحواسه وما جربه غيره، فالأخذ بكل منهما ضرورة عقلية كمصدر من مصادر المعرفة.

стр. 73

ويدخل تحت ما جربه غيرنا العلم بأخبار الأمم الماضية، والأخبار المتعلقة بالعصر الذي نعيشه مما لم يقع منه تحت حواسنا، وما جربه غيرنا منها، كالعلم بسور الصين العظيم، وأن الكعبة في مكة وأن الهرم الأكبر بالجيزة في مصر, وكالعلم بنبوة الأنبياء السابقين. ومما ينبغي أن يعلم أن هناك أمورًا كثيرة يقتصر العلم بها على مجرد الإخبار عنها فقط؛ لأن الحواس لا تنالها بسبب غيابها عن الحواس، وليس لنا طريق إلى العلم بها إلا الخبر المتواتر، وهذا يشمل علمنا بتاريخ الإنسانية كله, فإنه لم ينقل إلينا إلا عن هذا الطريق، ومن العبث إنكار تاريخ الأمم الماضية بدعوى عدم التجريب, أو عدم السماع له.

стр. 74

علاقة العقل بعالم الغيب: سبق أن أشرنا إلى علاقة العقل بعالم الشهادة, وأنها مؤسسة على إدراك كامل بطاقة العقل وإمكاناته والعلم بوظيفته، وسبق أن بينا أن الإنسان لو فقد حاسة من حواسه الخمس فاته العلم بالعالم الحسي المقابل لها. ولو تخيلنا إنسانا خلق بدون هذه الحواس, فإنه لا يعلم شيئا عن هذا العالم على سبيل اليقين. واليقين هنا مطلب أساسي لهذا اللون من المعرفة بعالم الغيب؛ لأن العقل قد يتخيل أمورًا وعوالم كثيرة لا نصيب لها من الواقع والخيال العلمي له دوره المعرفي في عالم الشهادة، ولا سبيل إلى إنكاره، لكن ينبغي أن نعرف هنا أنه لما غابت الحواس عن العقل تخلف عنه العلم اليقيني بعالم المحسوسات؛ لأن روافد المعرفة الحسية أصبحت مفقودة بالنسبة له فانتقل المستوى المعرفي للشخص من اليقين إلى التخيل, هذا في عالم الشهادة. أما في عالم الغيب, فإن الأمر يختلف تماما عن ذلك؛ لأن الحواس لا تناله أصلا ولا سبيل لها إليه، وبالتالي فإن روافد العقل التي تزوده بالمعرفة بعالم الغيب مفقودة، والتخيل العقلي هنا ليس مطلوبا؛ لأن مطلوب المعرفة هنا هو اليقين الجازم الذي لا مجال فيه للتخيل, وينبغي أن نفرق هنا بين مستويين لمعنى الغيب.

стр. 75

مستويات الغيب: أ- غيب نسبي: هناك ما يسمى بالغيب النسبي وهو ما غاب عن الحواس في عالم الشهادة, ويدخل في ذلك الماضي والمستقبل, فكلاهما غيب بالنسبة للحواس، وكذلك الأمر بالنسبة للحاضر، فهو غيب بالنسبة لمن لم يشاهده، لكنه ليس غيبا لمن عاصره وعاشه. فهناك أمور معاصرة للشخص المعين لكنه لم يشاهدها لغيابه عنها, فتكون غيبا بالنسبة له وليست غيبا لمن شاهدها، والشخص الواحد قد يكون الأمر المعين غيبا بالنسبة له في وقت دون آخر، وهكذا شأن الإنسان في عالم الشهادة، فالغيب بالنسبة له أمر نسبي إضافي، قد يكون الأمر غيبا بالنسبة لشخص دون شخص، وقد يكون الأمر غيبا للشخص الواحد في وقت دون وقت، وعلاقة العقل بهذا النوع من الغيب النسبي متفرع عن علاقته بعالم الشهادة، فما غاب عنا وجربه غيرنا لزمنا العمل بمقتضاه عند العلم به. وما تواتر العلم به عن الأمم الماضية من أخبار الأنبياء عنهم هو مما يلزم العلم به، وما يتنبأ به العلماء بناء على المشاهدات العلمية المتكررة هو من هذا القبيل بناء على اطراد السنن الإلهية في الكون سواء تعلقت هذه السنن بالظواهر الطبيعية أو بالمجتمعات البشرية؛ لأن سنة الله في كونه لا تتخلف إذا وجد المقتضي وارتفع المانع، وهذا هو محل اعتبار الإنسان الذي ندبه القرآن إليه في نهاية

стр. 76

كل قصة يقصها عن الأمم الماضية, حيث يقول : ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار﴾ [الحشر: ٢] ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً﴾ تكررت كثيرا في سورة الشعراء. هذه التعقيبات القرآنية على قصص الأمم الماضية تلفت نظرنا إلى الغرض من سوق هذه القصة, أو تلك ليقوم العقل بوظيفته فيها فكرا وتأملا واعتبارا, وذلك ما ندبه الشرع له وحثه عليه. ب- الغيب المطلق: وهو ما لا سبيل للعقل إلى العلم به عن طريق الحواس بحال ما، أو هو ما استأثر الله بعلمه وحجبه عن جميع خلقه، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] , ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] . أ- والغيب قد يطلق في القرآن الكريم ويراد به مكنون العلم الإلهي الذي استأثر الله به عن سائر خلقه، يستوي في ذلك الرسول والنبي والولي, إلا من شاء ربك منهم فيعلمه الله ما شاء من علمه كيف شاء, كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] . فهذا العلم الإلهي غيب عن الإنسان لا ينال بحس ولا عقل، ولا سبيل إليه إلا بالتعليم الإلهي لمن شاء من عباده عن طريق الوحي أو الرؤيا أو الإلهام، فهو ليس اكتسابا ولكنه وهب

стр. 77

وعطاء، لا مدخل لروافد العقل المعرفية إليه، ولكن هناك أبواب أخرى لتحصيل هذه المعرفة يدخل منها أهلها ويسعى إليها عشاقها، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١] فهذا العلم لا ينال بكسب عقلي ولا يتخيله عقل ولا يناله وهم، وإنما يتعلم من الله بطريقه المعروف ووسائله المشروعة. ب- وقد يطلق الغيب في القرآن الكريم ويراد به الذات الإلهية وصفاتها, وعلى ذلك كثير من المفسرين في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٢، ٣] فقالوا: إن الغيب هنا هو الله، نقل ذلك ابن تيمية عن جماعة من الحنابلة منهم القاضي أبو يعلى وابن عقيل وابن الزاغوني١، وخالفهم في ذلك جماعة آخرون رفضوا إطلاق لفظ الغيب على الله. ويبدو أن الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي. ذلك أن الذين أجازوا إطلاق لفظ الغيب على الله، رأوا أن الخلق يغيبون عن الله في معظم أحوالهم، فلم يذكروه ولم يعبدوه ولم يشهدوه في أفعالهم، فهو سبحانه ليس بنفسه غائبا عنهم حفظا ورزقا ولطفا وعونا، وإن كانوا هم غائبين عنه إنابة وتوكلا، وذكرا وعبادة.

стр. 78

فالمعنى المقصود في استعمال لفظ الغيب على الله هو انتفاء شهود الخلق له في معظم الأحوال، وهذا صحيح وواقع. أما الذين رفضوا إطلاق لفظ الغيب على الله, فكان قصدهم أنه حاضر مع كل كائن في كونه ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] . فهو سبحانه مع خلقه علما ورزقا ولطفا وإحياء وإماتة، وهو سبحانه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فهو سبحانه شهيد على العباد رقيب عليهم، ومع كل كائن في كونه بهذا المعنى، فهم الغائبون عنه وليس هو الغائب عنهم، ولذلك لا يجوز إطلاق لفظ الغيب على الله, وهذا المعنى صحيح أيضا. وعند التحقيق لا نجد خلافا بين أصحاب الرأيين. فأصحاب الرأي الأول يجيزون استعمال لفظ الغيب على الله لغياب الخلق عنه، وأصحاب الرأي الثاني يرفضون ذلك؛ لأنه سبحانه ليس غائبا عن الخلق وإن كان الخلق غائبين عنه. وكلا الرأيين صحيح على هذا التفسير, فصارت المسألة خلافا لفظيا فقط.

стр. 79

معرفة الغيب بين منهجين: والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه الآن هو: ما موقف العقل من التعرف على عالم الغيبيات وقضاياه؟ إن العقل مطالب هنا بالإيمان بالغيب، سواء استعملنا لفظ الغيب مرادا به معلومات الله التي لا تتناهى, والتي حمل إلينا منها أنبياء الله ورسله أو أردنا به الذات الإلهية وصفاتها، واليوم الآخر والبعث وقضايا السمعيات عموما. لقد سبق القول بأن الذي فقد حواسه يستطيع أن يتخيل في عالم الشهادة ما يشاء لأن عالم الشهادة محسوس، والعالم الذي يريد التعرف عليه هو أيضا محسوس، فالتخيل بالنسبة له ممكن، ولكن تظل معرفته بهذا العالم معرفة تخيلية لا ترقى إلى اليقين، ولا ضير أن يحدث ذلك في عالم الشهادة، بل قد يكون ذلك مطلوبا في بعض الأحيان أن يتخيل الإنسان مستقبله على نحو ما، ولكن الإيمان بالغيب لا يكفي فيه التخيل ولا الظن, بل لا بد فيه من اليقين الجازم الذي لا يخالطه شك, ولا يرقى إليه ريب. والإجابة على السؤال السابق تحمل معالم المنهج المطلوب في علاقة العقل بعالم الغيب، وفي نفس الوقت تضع أمامنا حقيقة

стр. 80

الخلاف بيننا وبين منهج المخالفين في الإيمان بقضايا الغيب فلاسفة كانوا أو متكلمين قدامى أو معاصرين. وهذا يفسر لنا بالتالي سبب الحملة التي شنع بها المخالفون على منهج السلف واتهموهم خلالها برفض العقل وأحكامه. إن قضية الإيمان بالغيب هي محك الخلاف بين المنهجين: منهج عرف أصحابه للعقل إمكاناته وطاقاته من جانب، وعرفوا أيضا مطلب الشرع والوحي من العقل والوظيفة التي ناطه بها من جانب آخر. أما المنهج الثاني فأطلق أصحابه العنان لعقولهم, فلم يعترفوا بإمكاناته ولا طاقاته، بل قالوا: إن العقل قادر على أن يخضع كل شيء لسلطانه ما غاب عنه وما حضر، ما أدركته الحواس وما غاب عنها، حتى ما أخبرت به الأنبياء عن عالم الغيب وقضاياه يجب أن يخضع العلم به وبكيفيته لسلطان العقل. ولا مانع عندهم أن يتخيل العقل, ويخلق لنفسه عالمه الغيبي الخاص به. ولا مانع أيضا عندهم من رفض هذا العالم الغيبي وإنكاره. ولم يفرقوا في ذلك بين مطلب الشرع من العقل في عالم الشهادة, ومطلبه من العقل في عالم الغيب، والخلاف بين الموقفين يكمن في المنهج أولا.

стр. 81

إن أصحاب المنهج الأول وظفوا العقل فيما خلق له في التعرف على عالم الشهادة، وعرفوا له قدره وحدوده في مجال التعرف على عالم الغيب، عرفوا أن العقل في عالم الشهادة مسلط لاكتشاف الكون وقوانينه، وهو في عالم الغيب متعلم يأخذ العلم من مصادره التي غاب عنها أو غابت عنه والتي جاء الخبر عنها، معصوما عن معصوم عن الله سبحانه. عرفوا أن العقل يملك البحث والتعرف على عالم الشهادة, لكنه يفقد جميع الأدوات التي يتعرف بها عالم الغيب إلا مصدرا واحدا هو الوحي الذي هو إخبار الله عن ذاته بذاته على لسان رسوله، هذا إذا كان للعقل أن يدعي الإيمان بما جاء به الرسول. أما إذا كان العقل رافضا الأخذ عن الرسول ابتداء فهذا له شأن آخر, وليس لنا معه هنا من حديث. أما أصحاب المنهج الثاني فلم يفرقوا في ذلك بين عالم الشهادة وعالم الغيب في علاقة العقل بكل منهما, ونسوا في ذلك أن روافد المعرفة العقلية إلى عالم الشهادة يمتلك العقل أدواتها وهي الحواس الخمس. أما بالنسبة لعالم الغيب فلا يملك من أدوات التعرف عليه إلا الجهل المطبق، أو التخيل، أو التوهم، أو الظن, وكل هذه المستويات المعرفية لا تغني في مجال الإيمان شيئا. والسؤال الآن: أي المنهجين أكثر احتراما للعقل, وأيهما أكثر عقلانية: أن نأخذ الحديث عن الغيب وعن الله مأخذ التصديق به كما

стр. 82

جاء به الوحي, أم نتخيل له كيفيات عقلية لسنا مطالبين بها أولا، ولا سبيل لنا إلى العلم بها بالحواس ثانيا؟ إن القضية هنا تتعلق بتصديق الرسول في كل ما أخبر به عن عالم الغيب, أو عدم تصديقه. فإذا كان المخاطب بذلك مؤمنا بمحمد ﷺ وبرسالته وأنه صادق في الحديث عن الله وبما أنزل الله، فلا شك أن كل ما أخبر به الرسول عن قضايا الغيب يكون عنده حق لا مرية فيه. ولا يجيز للعقل أن يتدخل في ذلك بالتخيل أو التوهم لكي يتأول النص الإلهي على ما تخيله بعقله أو توهمه بظنه. أما إذا لم يكن له من الإيمان بنبوة الرسول نصيب، فيكون الحديث معه أولا في تثبيت النبوة وعن دلائل صدق النبي فيما أخبر به عن الله. فإذا ما ثبت عنده صدق النبي في كل ما أخبر به، يكون ذلك وحده مدخلا صحيحا لتسليم العقل بما أخبر به الرسول عن الغيبيات, خاصة إذا عرفنا أن قضايا الغيب لم يطلب الشرع منا أن نبحث فيها لا كما ولا كيفا، ولكن طلب منا الإيمان بها على ما أخبر به الرسول فقط. ولذلك فإن السلف قد دونوا معالم المنهج وأصوله, خاصة فيما يتصل بالغيبيات، وكانوا لا ينقلون من الأحاديث إلا ما صح عندهم عن الرسول، ولا من الآثار إلا ما له نسب إلى الرسول أو إلى أحد صحابته -رضوان الله عليهم- وإذا أرادوا شرح آية أو بيانا

стр. 83

لحديث يتعلق بالغيبيات شرحوا ذلك بالآثار المروية عن الرسول, وليس بما يمكن أن يفهمه العقل منها. يقول الإمام أحمد: نؤمن بها ونصدق بها, ولا نرد منها شيئا إذا كانت بأسانيد صحاح١. وقال في موضع آخر: أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر, وكل ما روي عن النبي بأسانيد جيدة نؤمن به ونقره٢. وقال ابن عيينة: هي حق نرويها على ما سمعناها ممن نثق به ونرضى به. وقال أبو عبيد: إن هذه الأحاديث يرويها الثقات بعضهم عن بعض٣ وحين يروي السلف هذه الآثار النبوية ليؤكدوا بها قضية من القضايا الإيمانية لم يغلقوا الباب أمام العقل أن يعمل وينظر ويتدبر الأثر النبوي أو الآية القرآنية لكن بشرط ألا يقدم نظره على الآية أو الحديث ويجعل ذلك أصلا له يتأول عليه الآية القرآنية لتوافق أصوله من المعقولات؛ لأن في ذلك أمانا من الزلل والضلال خاصة أننا لم نكلف من الشرع في قضايا الغيب سوى الإيمان بما ورد عنه فقط. يقول اللالكائي: فمن أخذ في هذه المحجة وداوم بهذه الحجج على مناهج الشريعة أمن في دينه التبعة في العاجلة, والمساءلة في

стр. 84

الآجلة. ومن ابتغى في غيرها مما يهواه أو يروم سواها مما تعداه أخطأ في اختيار بغيته وأغواه، وسلكه سبل الضلالة وأرداه، فيما يعترض على كتاب الله وسنة رسول الله بضرب الأمثال ودفعهما بأنواع المحال، والحيدة عنهما بالقيل والقال, مما لم يعرفه أهل التأويل واللسان, ولا خطر على قلب عاقل بما يقتضيه من برهان ولا انشرح له صدر موحد عن فكر أو عيان١. إن الاعتصام بالنص الصحيح في قضايا الغيب كان منهجا أقوم في منطق العقل نفسه، ذلك أن العقل مطالب بالإيمان به وفي نفس الوقت ليس مؤهلا للبحث فيه كما هو شأنه في عالم الشهادة. ولم يطلب منه الشرع البحث فيه؛ لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ولا يكلفها إلا ما آتاها، وسبيله الوحيد إلى التعرف على الغيب هو خبر المعصوم عن الله، الذي قال لصحابته: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها, لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" ٢، وفي القرآن الكريم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] ، وعن ابن مسعود: اتبعوا, ولا تبتدعوا. وكان أهل الحديث هم أحرص الناس على ذلك؛ لاختصاصهم برسول الله ﷺ وطول ملازمتهم له، وحفظهم العلم النبوي عنه,

стр. 85

وشدة تمسكهم بما سمعوه ونقلوه عنه إلى الناس من بعدهم، وذلك بدون واسطة بينهم وبينه، فحفظوا عنه ووعوا, واعتقدوا جميع ما سمعوا. يقول الإمام اللالكائي في كتابه السنة عن هذا المنهج: فهذا دين أخذ أوله عن رسول الله ﷺ مشافهة لم يشبه لسان ولا شبهة، ثم نقله العدول عن العدول من غير تحامل ولا ميل، ثم الكافة عن الكافة والصافة عن الصافة والجماعة عن الجماعة. أخذ كف بكف، وتمسك خلف بسلف، الحروف يتلو بعضها بعضا، ويتسق أخراها على أولاها وصفا ونظما، فهؤلاء الذين تمهدت بنقلهم الشريعة، وانحفظت بهم أصول السنة, فوجبت لهم بذلك المنة على جميع الأمة. فهم حملة علمه، ونقلة دينه، وسفرته بينه وبين أمته، وأمناؤه في تبليغ الوحي عنه١. ومن أهم ما عني به أصحاب هذا المنهج حرصهم على صفائه ونقائه، فلم يتأثروا فيه بمسلك الخصوم معهم، ولا بتشنيع المخالفين عليهم. فكانوا يكرهون مناظرة أهل البدع، ويتناهون عن نقل شبهاتهم أو عرضها على المسلمين مخافة الفتنة بها. يقول سفيان الثوري: من سمع بدعة فلا يحكها لجلسائه, ولا يلقها في قلوبهم٢.

стр. 86

وقال الإمام ابن بطة: لست ترد عليهم بشيء أشد من السكوت عنهم١. وكان الإمام أحمد بن حنبل يعلم تلامذته ذلك المنهج، فلقد كتب إليه تلامذته يستأذنونه في أن يضع كتابا يرد فيه على أهل البدع, وأن يحضر مع أهل الكلام فيناظرهم ويحتج عليهم. فكتب إليهم الإمام أحمد يقول: الذي كنا نسمع أدركنا عليه من أدركنا من أهل العلم، أنهم كانوا يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ, وإنما الأمر في التسليم والانتهاء إلى ما كان في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ إلا في الجلوس مع أهل البدع والزيغ لترد عليهم؛ فإنهم يلبسون عليك وهم لا يرجعون، فالسلامة أن تترك مجالستهم والخوض معهم في بدعتهم٢. ولقد شغب أصحاب المنهج المخالف من المعتزلة وغيرهم على أهل الحديث في منهجهم وشنعوا عليهم، وكانوا ينتصرون عليهم بالسياسة أحيانا كما حدث في زمن محنة الإمام أحمد، ونالوا منهم كثيرا، فنسبوهم أحيانا إلى الحشو وأحيانا إلى الجهل ومحاربة العقل، ولا يخفى الأمر على ذي فطنة إذا انتصرت السياسة لمذهب أو رأي, فالويل للمخالفين ولو كانوا على الحق المبين.

стр. 87

ولقد صور كثير من علماء المذهب الموقف الفكري للمخالفين لهم، وأنه لا سند له من علم ديني ولا برهان عقلي، وأن المنهج الذي سلكوه في الغيبيات منهج أخرق، فساده أكثر من صلاحه. فقال: فهو راكض ليله ونهاره في الرد على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والطعن عليهما، أو مخاصما بالتأويلات البعيدة فيهما, أو مسلطا رأيه على ما لا يوافق مذهبه بالشبهات المخترعة الركيكة حتى يتفق الكتاب والسنة على مذهبه, وهيهات أن يتفق ... فهذه حاله إذا نشط للمحاورة في الكتاب والسنة. فأما إذا رجع إلى أصله وما بنى بدعته عليه اعترض عليها بالجحود والإنكار، وضرب بعضها ببعض من غير استبصار واستقبل أصلهما ببهت الجدل والنظر من غير افتكار ... فما اغبرت أقدامهم في طلب سنة، أو عرفوا من شرائع الإسلام مسألة، فيعد رأي أصحابه حكمة وعلما وحججا وبراهين، ويعد كتاب الله وسنة رسوله حشوا وتقليدا، ويعد حملتها جهالا وبلهاء يرمون أهل الحق بالألقاب القبيحة ... ومقالتهم هذه لا تظهر إلا بسلطان قاهر أو بشيطان معاند فاجر يصل الناس خفيا ببدعته، أو يقهر ذاك بسيفه وسطوته، أو يستميل قلبه بماله ليضله عن سبيل الله حمية لبدعته وذبا عن ضلالته ... لقد زعموا أنهم أكبر من السابقين في المحصول وفي حقائق المعقول وأهدى إلى التحقيق، وأحسن نظرا منهم في التدقيق، وأن المتقدمين تفادوا من النظر لعجزهم، ورغبوا عن مكالمتهم لقلة

стр. 88

فهمهم.. لقد ابتدعوا من الأدلة ما هو خلاف الكتاب والسنة رغبة للغلبة وقهر المخالفين، ثم اتخذوها دينا واعتقادا بعد ما كانت دلائل الخصومات والمعارضات، وضللوا من لا يعتقد ذلك من المسلمين ... ومن خالفهم وسموه بالجهل والغباوة١. هكذا يصور إمام السنة موقف المخالفين منهم وتشنيعهم عليهم. ولقد تناهى السلف فيما بينهم عن منازلة خصومهم في محاورة أو مناظرة أو ما شابه ذلك؛ خوفا من استعمال الألفاظ المجملة التي يطلقونها في النفي والإثبات, والتي يلبسون بها الحق بالباطل؛ ليخدعوا بها جهال الناس. ولقد أشار الإمام أحمد إلى ذلك الخطأ المنهجي عندهم في أول كتابه "الرد على الجهمية" فقال: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى ... إلى أن قال: ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، يخدعون جهال الناس بما يشبهون، فنعوذ بالله من فتن

стр. 89

المضلين١. وعند تأمل هذين النصين نجد أن كلا منهما قد أشار إلى الأخطاء المنهجية التي يسلكها الخصم في موقفه من السلف، وأن القضية عندهم ليست انتصارا للعقل وأحكامه بقدر ما هي رفض لمنهج القرآن والاعتصام به. ومن أبرز هذه الأخطاء المنهجية عندهم: ١- استعمال الألفاظ المجملة التي قد يلتبس فيها الحق بالباطل. فإن في نفيها نفيا لبعض الحق, وفي إثباتها إثباتا لبعض الباطل. ٢- يتركون المحكم ويتكلمون بالمتشابه من الكلام؛ ليخدعوا جهال الناس بأنهم أصحاب النظر العقلي بما يشبهون عليهم من الكلام. ٣- لجوءهم إلى التأويل لم يكن طلبا للحق في ذاته، وإنما كان انتصارا للمذهب وإبطالا لرأي الخصم. ٤- التنفير من رأي المخالف باستعمال الألقاب المذمومة والتشنيع عليهم بالأكاذيب، كالحشوية والعجز والجهل ومحاربة العقل ورفض أحكامه. ٥- الاستعانة على المخالف بالسلطان وسيفه، بدلا من الرجوع إلى الحق وأهله.

стр. 90

وهذه الأخطاء السابقة التي أشرنا إليها ليست من باب الرد على الباطل بباطل مثله، وإنما هي تبيان لما في الموقف الآخر من أخطاء في المنهج الذي ينسبه أصحابه إلى العقل, وينسبون إلى منهج غيرهم محاربة العقل. ويتبين من هذه الأخطاء التي أشرنا إليها مدى الخلاف بين المنهجين في قضايا الغيب: منهج التعامل مع عالم الشهادة ودور العقل في ذلك المنهج، وكيفية التعامل مع عالم الغيب ودور العقل في ذلك. موقف العقل الذي اعتصم بالنص من منطق العقل نفسه، ورأى أنه أكثر أمانا وإيمانا فيما لا سبيل للعقل إليه بذاته, وموقف العقل المخالف الذي رأى أن التخيل العقلي، أو التوهم أو الظنون التي يصلون إليها بالتأويلات العقلية كافية في تحقيق معنى الإيمان بالغيب. وسوف تتضح القضية أكثر في حديثنا عن علاقة العقل بالوحي والشرع.

стр. 91

بين العقل والوحي: لعل ما سبق يقودنا إلى الحديث عن علاقة الوحي بالعقل باعتبار أن كلا منهما وسيلة أو أداة من أدوات المعرفة، لكل منهما مجاله وميدانه الذي نجح في الكشف عنه والتعرف عليه، وعلينا أن ندرك أنهما معا وسيلتان للمعرفة، وكما أن العقل مسلط على عالم الشهادة فكذلك الوحي خاص بالتعرف على عالم الغيب، وليس من هدفنا الدخول في تفصيلات هذه العلاقة, فقد كفانا القدماء الحديث عنها ولكن نود أن ننبه هنا إلى أهم معالم المنهج في هذه القضية. إذ يرتبط المنهج هنا بفهم طبيعة علاقة العقل بعالم الشهادة من جانب وعلاقة العقل بعالم الغيب من جانب آخر، وإذا عرفنا أبعاد علاقة العقل بعالم الغيب والفارق الكبير بينها وبين علاقته بعالم الشهادة, فإنه يكون من اليسير فهم علاقة العقل بالوحي. ١- مما ينبغي أن نؤمن به إيمانا جازما أن الله أنزل كتابه ليفهم ويتدبر، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] , وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] . ولهذا فإن إقبال السلف على حفظ القرآن

стр. 92

وفهمه وحسن تدبره كان مجالا للتنافس فيما بينهم، وحكي عن السلمي قوله: كنا نقرأ العشر الآيات من القرآن ولا نتجاوزها حتى نعلم ما فيها من علم وعمل. وكان بين أصحاب الرسول من هو حبر الأمة وترجمان القرآن, وكان أقرأهم زيد، وأعلمهم بالفرائض. وإذا اختلفوا في شيء ردوه إلى فلان. كل هذا دليل على عناية جيل الصحابة -ومن بعدهم جيل التابعين- بالقرآن حفظا وفهما وتدبرا، فكلهم لم يقصروا في فهم ما حفظ من القرآن ولم يمتنع عن إعمال عقله في فهم القرآن، بدليل أننا لم نقرأ آية من كتاب الله إلا وجدنا عنها نقولا للصحابة عن الرسول ﷺ . ٢- لم نقرأ عن الصحابة والتابعين الذين نقلوا إلينا أقوال الرسول وأفعاله أنهم توقفوا أمام آية أو حديث، وقالوا: إن العقل يعارضها أو يرفضها، أو ينبغي تأويلها بصرفها عن ظاهرها، وإنما عملوا بالمحكم وآمنوا بالمتشابه, وقالوا: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ خاصة فيما يتصل بقضايا الغيب من هذه الآيات, وفي مقدمتها آيات الصفات الإلهية التي هي محك الخلاف بين السلف ومخالفيهم, وكذلك آيات البعث والحساب. كذلك لم يتساءلوا عن كيفية أي صفة من الصفات المذكورة في الآية المعينة أو الحديث المعين, وإنما تلقوها بالقبول كما سمعوها عن الرسول ﷺ .

стр. 93

٣- من الأصول المرعية هنا أن النص إذا صح سندا ومتنا وفهما لا يتعارض أبدا مع الدلائل العقلية الصريحة عن الشبهات, والخالية من الشكوك. ذلك أن العقل والنقل وسيلتان لتحقيق غاية واحدة هي الوصول إلى الحق، والتعرف عليه في الأقوال والأفعال والاعتقادات، والوسائل التي تؤدي إلى غاية واحدة لا يعارض بعضها بعضا وإنما يؤيد ويعاضد بعضها بعضا؛ فكلاهما حق والحق لا يعارض الحق أبدا. أما الذين يقولون بإمكان التعارض بينهما فتجد أحدهم يدعي أن ما معه من النقل صحيح، وقد يكون الأمر خلاف ذلك, وقد يكون النقل صحيحا ولكن ما فهمه منه ليس فهما صحيحا. وكذلك تجد الآخر يدعي أن معه من الدلائل العقلية المعارضة للسمع ما يرد به نصا صحيحا وعند التأمل تجد أن ما معه ليس له من النظر العقلي الصحيح نصيب، وإنما هو شبهات فاسدة أو شكوك طارئة، سرعان ما تزول بالبرهان القطعي الصريح, أما أن يكون النقل صحيحا والدليل العقلي صريحا فهذان لا يمكن أن يتعارضا أبدا. ٤- يتفرع عن الأصل السابق أن الدليل النقلي الصحيح قطعي الدلالة, والدليل العقلي الصريح هو أيضا قطعي الدلالة. والدلائل القطعية

стр. 94

لا تتعارض, وإنما يتعارض منها ما هو ظني الدلالة أو ظني الثبوت، وإذا قال البعض: إن معه دليلين -عقليا ونقليا- وظنهما متعارضين ينظر فيهما, أيهما كان قطعيا قدم وأخذ به، ويتأخر الظني ويرفض، ليس لكونه عقليا ولا شرعيا ولكن لكونه ظنيا في دلالته، والظني لا يعارض القطعي، وينبغي أن ننبه هنا إلى أن كثيرا مما يسميه الناس دلائل عقلية أو سمعية يعارض بعضها بعضا ليس كثير منها يرقى إلى مستوى البرهان، وهذا متفق عليه؛ لأنه قد لا يكون دليلا في نفس الأمر وإنما هو بحسب من يظنه كذلك. ٥- إن دلالة ما جاء به الشرع في باب الإيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته واليوم الآخر والبعث والحساب والجنة والنار ... إلخ, وهي مسائل الخلاف الجوهرية بين المؤمنين بالوحي ومعارضيهم قديما لم يتنازعوا في دلالته على ما دل عليه من ذلك, والمتنازعون في ذلك لم يتنازعوا في أن السمع دل على ذلك أيضا، وإنما تنازعوا هل عارضه من الدلائل العقلية ما يدفع موجبه أم لا؟ وإذا ظهر معارض له, فأي الدلالتين تكون قطعية والأخرى تكون ظنية؟

стр. 95

وهذا هو مثار الخلاف في أمثال هذه المسائل. وقد عالج هذه القضية أئمة كبار مثل ابن رشد في كتابه فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال كما وضع الإمام ابن تيمية كتابه العظيم: "درء تعارض العقل والنقل" لحسم هذه المشكلة بالأصول العقلية, والنقلية معا. ولا يستطيع أحد أن يطعن في جنس الأدلة العقلية، ولا فيما علم العقل صحته، وإنما تتجسد المشكلة فيما يدعيه البعض عقليات -ويردون من أجلها ما صح من نصوص الوحي القطعية- وهي في حقيقتها ليست دليلا في نفس الأمر، وكل ما عارضوا به الشرع من هذه الأدلة قد تبين فساده في العقل, فضلا عن معارضة الشرع له. ٧- والدليل لا يمدح ولا يذم لكونه عقليا أو سمعيا، وإنما يمدح الدليل لكونه قطعيا في الدلالة على مطلوبه، والدليل الشرعي لا يقابل بالدليل العقلي وإنما يقابل بالدليل البدعي المحرم؛ لأن الدليل العقلي الصحيح هو في الأصل دليل شرعي دل عليه الشرع نصا أو تنبيها, وأشار إليه وأمر به الشرع, وأوجب الأخذ به. مفهوم الدليل الشرعي: وكون الدليل شرعيا يراد به ما أثبته الشرع, ودل عليه بنصوصه الصحيحة.

стр. 96

ويراد به ما أباحه الشرع وأذن فيه. وهذا شامل للأدلة التي نبه إليها القرآن بالأمثال المضروبة في أبواب التوحيد والعدل وإثبات الصفات، فتلك أدلة شرعية وعقلية يعلم المرء صحتها بعقله، فهي براهين وأقيسة عقلية, وهي مع ذلك شرعية نبّه إليها الكتاب العزيز وأمر بها. وإذا كان الدليل الشرعي لا يعلم إلا بخبر المعصوم كما في إخبار الوحي عن الله وصفاته والبعث والحساب, كان ذلك الدليل شرعيا سمعيا؛ لأنه لا يعلم بطريق العقل وحده بل علم بطريق النص، ويتميز بأنه شرعي وعقلي معا؛ لأنه لا يوجد في العقل الصريح ما يعارضه، والشرع لم يحرم الدليل إلا لأمور خارجة عن مطلب الحق وقصده الذي هو غاية الاستدلال, وهدفه. ١- فقد يحرم الشرع الدليل لكونه كذبا في نفسه، كأن تكون إحدى المقدمات باطلة، فإنه يكون كذبا، والله يحرم الكذب لا سيما عليه. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٦٩] . ٢- وقد يحرم الدليل لأن صاحبه يتكلم فيه بدون علم به، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] , ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .

стр. 97

٣- وقد يحرم الدليل لكونه جدالا بالباطل، أو جدالا في الحق بعدما تبين كقوله تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦] , وقوله سبحانه: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦] . ويتضح من هذا أن كل دليل كان قطعي الدلالة على مطلوبه هو في حقيقة أمره دليل شرعي نبه إليه الكتاب العزيز، عرف ذلك من عرفه، وجهله من جهله، ولم يحظر الشرع جنس الأدلة العقلية أبدًا ولا قال أحد من السلف بذلك. والنبي ﷺ أمر بالبرهان، وأمر بتعلمه حيث يجب ذلك، ودل على مجامع البراهين التي يرجع إليها غاية نظر النظار، وأهل العلم بالآثار النبوية يعلمون من ذلك ما يجهله غيرهم، شأنهم في ذلك شأن أهل كل اختصاص كأهل الطب والهندسة في تخصصاتهم المختلفة, فإنهم يعلمون منها ما يجهله غيرهم. ٨- وينبغي أن نعلم أن العقل ليس أصلا في إثبات الشيء في نفسه, فلا يعطيه وجودًا ولا ينفي عنه عدما، كما يدعي ذلك بعض المتكلمين والفلاسفة، وإنما هو أصل في علمنا بالشرع، ذلك أن الأشياء ثابتة في نفسها سواء علمناها بعقولنا أو لم نعلمها، والشرع من هذا الباب مستقل بوجوده عن إدراك العقل له شأن كل الموجودات، فنبوة النبي ورسالته إلى الخلق ثابتة في نفسها

стр. 98

سواء أدركتها عقول البعض أو لم تدركها، وعدم علم البعض بذلك, أو عدم ثبوت ذلك عند البعض، أو رفض البعض لما جاء به الرسول، كل ذلك لا يلغي أن النبوة ثابتة في نفسها، ولا يلغي أن ما جاء به الرسول حق في نفسه. فالعقل لم يعط الشرع صفة مدح لم تكن ثابتة له، ولم ينف عنه صفة ذم كانت ثابتة له كذلك, ولم يضف إليه من صفات المدح ما ليس فيه، ولم ينف عنه من الصفات ما ليس كذلك. وإنما علم العقل بالشرع على ما هو عليه, على ما نزل به الوحي، وعلى ما أخبر به الرسول، علم العقل من ذلك ما علم وجهل منه ما جهل. والدعاوى العريضة التي يقول بها المخالفون من أن العقل أصل في إثبات الشرع، أو أن العقل أساس الشرع أو غير ذلك من الأقوال فكلها تحتاج إلى تمحيص؛ لأن علاقة العقل بها هو موجود ليست علاقة إثبات للوجود أو منع له ونفي عنه، وإنما هي علاقة علم بالموجود على ما هو عليه في الوجود الخارجي، فالعقل لا يمنح وجودا للمعدوم، ولا يمنع عدما عن الموجود، حتى يقال: إن العقل أصل في إثبات الشرع، أو إن العقل أساس الشرع، ذلك أن العقل يعلم وجود الأشياء الموجودة بالفعل على ما هي عليه في الوجود، ولا يعلم وجود المعدوم إلا على سبيل التخيل، فكيف يقال: العقل أصل أو أساس للشرع؟

стр. 99

وهنا أمور تحتاج إلى مزيد من الإيضاح: أولا: إذا كان العقل أصلا في علمنا بالشرع, فإن قضايا الغيب كالإيمان بالله والنبوة واليوم الآخر والصفات الإلهية، هي من الثوابت التي لا مدخل للعقل فيها إلا العلم بها فقط، على ما أخبر به الرسول عنها. أما ما يتصل بحياة الناس اليومية من الشرعيات في مسائل السياسة والاجتماع وما يتفرع عنهما، فهي محل اجتهاد العقول لتستنبط من الأحكام الشرعية ما يسدّ حاجات الناس اليومية المتجددة، وهذه التفرقة بين الثوابت والمتغيرات في علاقة العقل بالشرع أمر على جانب كبير من الأهمية؛ حتى لا تختلط الأوراق عند البعض، فيظن أن ما هو ثابت قابل للاجتهاد العقلي، أو أن ما هو من قبيل المتغيرات يثبت عند حدود وعصر معين, أو اجتهاد فقيه معين. ثانيا: إذا كان العقل أصلا في علمنا بالشرع، وظهر في الشرعيات ما يعز على العقل فهمه، فلا ينبغي للعقل أن يتهم الشرع أو يرده، ولا ينبغي للعقلاء أن يقولوا: نحن نأخذ بدليل العقل ونرد دليل الشرع، بدعوى أننا لو رفضنا الأخذ بدليل العقل لكان ذلك قدحا في الشرع؛ لأننا عرفنا الشرع بالعقل ولو رددنا أحكام العقل الذي به عرفنا الشرع لكان ذلك رفضا للشرع أيضا. أو غير ذلك من المقولات التي نجدها في بعض

стр. 100

الكتابات قديما وحديثا؛ لأن هذه الأقوال فيها من التمويه والمغالطات الشيء الكثير، ذلك أن علاقة العقل بالشرع هي علاقة تعلم وتلقٍّ خاصة ما يتعلق منه بالغيبيات، ومن المعلوم أن العقل دلنا على صدق الرسول في كل ما أخبر به، وأصبحت طاعة الرسول واجبة في ذلك. وكثيرا ما نجد في كتابات السلف ضرب الأمثلة التي يوضحون بها نوع العلاقة بين العقل والوحي ليقربوا بها المسألة إلى الأفهام، فهي تشبه إلى حد كبير موقف الرجل العامي الذي يعلم أن فلانا من الناس هو المفتي وجاء إليه من يسأله عن هذا المفتي فدله عليه، وبين له أنه العالم المفتي الذي يستفتيه الناس عند الحاجة، ثم اختلف هذا الرجل العامي مع العالم المفتي وقال لسائله: يجب أن تسمع قولي ولا تسمع قول المفتي، وحينئذ يجب على السائل المستفتي أن يقدم قول المفتي لا قول الرجل العامي. فإذا قال له الرجل العامي: أنا الأصل في علمك بأنه مفت, فإذا قدمت قوله على قولي عند الاختلاف كان ذلك قدحا في الأصل الذي علمت به أنه مفت. قال له السائل: أنت شهدت بأنه عالم مفت, وزكيته ودللت عليه فشهدت بوجوب إتيانه, والأخذ عنه دون تقليدك، وموافقتي لك في العلم بأنه مفت لا يستلزم بالضرورة أنني أوافقك في العلم بأعيان

стр. 101

المسائل التي هي محل الخلاف بينكما، وخطؤك في أعيان المسائل التي خالفت فيها المفتي، لا يلزم عنه خطؤك في أنك دللت عليه وشهدت له وزكيته وفي علمك بأنه مفت، هذا مع الفارق الكبير، فإن المفتي قد يجوز عليه الخطأ أما الرسول فإنه معصوم؛ ولذلك وجب تقليده على كل من آمن به سواء وافقه عقله, أو خالفه. وكذلك الأمر بالنسبة لمن شهد له الناس بالطب ومهارته فيه، ثم جاء المريض وسأل العامي عن عنوان الطبيب الماهر فدل المريض على عنوان الطبيب الحاذق فذهب إليه المريض، ووصف له الطبيب العلاج المناسب لعلاج ما يشكو منه، ولما خرج المريض سأله الرجل العامي قائلا: ماذا وصف لك الطبيب، فأخبره المريض بنوع العلاج. فقال له العامي: إن هذا العلاج غير صحيح، وينبغي أن تتركه ولا تأخذ به. فقال له المريض: أنت لا تعرف شيئا في مهنة الطب, أما الطبيب فهو أهل اختصاص. فقال العامي: لا بل يجب أن تسمع قولي لأني قد دللتك على الطبيب، وأنا الذي زكيته لك، فيجب أن تأخذ بقولي في محل الخلاف؛ لأن عدم الأخذ بقولي يقدح في الأصل الذي عرفت به الطبيب، وهنا يقال للعامي: علمك بأنه طبيب ماهر لا يعني أبدا علمك بمهنة الطب.

стр. 102

وكذلك العقل لما دلنا على أن نبوة محمد ﷺ صحيحة وأنه صادق فيما أخبر به عن ربه، كان ذلك صحيحا منه لوضوح دلائل النبوة لكل ذي عقل، ومعرفة العقل بأن محمدًا نبي بدلائله الواضحة لا يعني أبدا أن العقل متخصص في علم النبوة، وأنه يعلم ما علمه النبي، لا ... بل هنا يقال للعقل: "ليس هذا بعشك فادرجي" فنحن في حياتنا العادية نعلم أن غيرنا أعلم منا بصناعات كيماوية أو معدنية مختلفة، فإذا سألنا سائل عن صانع حاذق بالمعادن وأنواعها، فدللناه عليه، فهل يعني هذا أننا أكثر علما بهذه الصنعة من الصانع نفسه؟ وهل إذا اختلف معنا السائل في سر من أسرار هذه الصناعة نقول له: إن قولنا مقدم على قول الصانع الماهر فيها؟ إن في ذلك من التمويه والمغالطة ما لا يخفى على العقلاء، وهذا هو شأن من يقدم بين يدي الله ورسوله في مسائل الغيب. ٩- ومن المعلوم أن أفضلية الرسول ومباينته لذوي العقول ليس لها نظير فتقاس به في باب النبوة، فإن من الناس من يمكنه أن يصير عالما بالطب والصناعات المختلفة، ولكن لا يمكن لأحد أن يصير نبيا بعقله, ولا يمكن لمن لم يجعله الله نبيا رسولا أن يصير بمنزلة النبي الرسول؛ فإن النبوة لا تنال بالاجتهاد. فإذا علم المؤمن ذلك وعلم بالعقل أن محمدًا رسول الله وأنه أخبر بشيء ووجد في عقله ما ينازعه في خبره ويعارضه في قبوله

стр. 103

كان عقله يوجب عليه أن يسلم في موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه، وإلى من هو متخصص في الأخذ عمن بيده مفاتح الغيب, وأن لا يقدم رأيه على قول الله ورسوله، وإن كان على يقين بأن الله ورسوله أعلم بما أنزل منه، وإن كان في شك من ذلك، فليس له معنا حينئذ حديث؛ لأن كل من تعود معارضة الشرع برأيه لا يستقر في قلبه الإيمان وهو أشبه بمن يعلق إيمانه بالرسول على شرط عدم المعارض العقلي لأقوال الرسول وأخباره، فإيمانه مشروط بعدم المعارضة، ومن المعلوم أن ذلك الموقف هو مدخل الإلحاد، وقد سبق أن بينا أن في أخبار الأنبياء عن الغيب ما لا ينال بالعقل، ولا يدرك بالحس، ويمتنع أن يصل أحد إلى هذه الأخبار الإيمانية إلا بواسطة الوحي والأنبياء عنها فقط.

стр. 104

الوحي والعلم: تحديد المفهوم سبق أن تحدثنا عن علاقة العقل بالوحي وحددنا مفهوم العقل والمراد منه، ويتردد الآن الحديث عن علاقة الوحي بالعلم، وأن العلم يعارض الوحي، فما المراد بالعلم هنا؟ لقد عرف العلماء والمفكرون العلم بتعريفات كثيرة، وكلها تدور حول انكشاف المعلوم انكشافا تاما، واليقين به بحيث لا يرقى إليك شك، أو هو العلم بالموجود على ما هو عليه في الوجود، والعلم علاقة بين الذات العالمة وموضوع العلم، وهو صفة للذات العالمة، فهل المراد من قولنا: علاقة الوحي بالعلم هو هذا المعنى؟ وقد يطلق لفظ العلم على ألسنة المعاصرين ويراد به الحقائق العلمية والاكتشافات العلمية الحديثة، فيكون المعنى المراد هو عطاء العلماء وحقائق العلم التي توصل إليها العلماء خلال بحوثهم واكتشافاتهم، مثل: اكتشافهم كروية الأرض، وأن الشمس هي مركز الكون، قانون الجاذبية، قانون الطفو، قانون الطاقة ... إلخ وغير ذلك

стр. 105

مما يطلق عليه مصطلح "العلم الحديث" الذي توصل إليه العلماء في مجالات الطب والفلك والكيمياء والفيزياء وغيرها, فأي المعنيين هو المقصود حين نقرأ عبارة الدين والعلم، أو الوحي والعلم؟ لعل في قراءتنا لقصة الصراع بين الكنيسة والعلم في العصور الوسطى بأوروبا ما يوضح لنا أن المقصود بالعلم هنا هو المعنى الثاني، هو حقائق العلم واكتشافاته، أما المعنى الأول لهذه الكلمة "العلم" فليس واردا هنا سواء أردنا به صفة العالم أو أردنا به انكشاف المعلوم واليقين الجازم به, وسوف يزداد الأمر وضوحا فيما يلي: متى نشأت المشكلة تاريخيا؟ إن الحديث عن علاقة الدين بالعلم لم يأخذ مكانه في البحث الفلسفي إلا في عصر النهضة بأوروبا، كما أن العلاقة بينهما لم تكن محل تساؤل أو جدال قبل ذلك، وإنما شغل المفكرون أنفسهم ببحث العلاقة بين الدين والعقل باعتبارهما وسيلتين للمعرفة وأي هاتين الوسيلتين ينبغي أن تكون له الأولوية عند التعارض. وقد سبق الحديث عن هذه القضية، كما درسها القدماء, وأفاض فيها المفكرون أمثال ابن رشد والغزالي وابن تيمية وغيرهم. ولقد نشأ الصراع بين الكنيسة والعلماء في العصور الوسطى, حيث فرضت الكنيسة على أتباعها الإيمان بمعتقدات خرافية ادعوا

стр. 106

أنها وحي ودين، وأن الخروج عليها كفر وإلحاد يكون جزاؤه الطرد من رحمة الكنيسة والقتل والإحراق والطرد من البلاد، وكانت تستعين الكنيسة في تنفيذ أوامرها بالإمبراطور وسلطانه؛ لأن تعيين الإمبراطور وعزله خاضع لسطان رجال الكنيسة وأوامرهم. وكان مما فرضته الكنيسة على أتباعها أن يؤمنوا بأن الأرض ليست كروية وأنها مركز الكون، والغريب أنهم جعلوا هذه الآراء عقيدة ودينا لأتباعهم، ولما جرب العلماء هذه الآراء وأخضعوها للبحث العلمي وجدوها خرافة لا أساس لها من الصحة، وجهلا لا حظ لها من العلم. فأعلن العلماء رفضهم لها وللكنيسة معا، وحين رفضها العلماء لم يرفضوها على أنها آراء شخصية قال بها رجال الكنيسة وإنما رفضوها على أنها الدين الذي بشرت به الكنيسة، رفضوها على أنها الوحي الذي ادعت الكنيسة أنه ينزل عليهم، وأعلن العلماء حربهم على الكنيسة وعلى الدين الذي بشرت، فما كان من الكنيسة إلا أن استعانت بالسلطة وقررت حرمان هؤلاء العلماء من رحمة الكنيسة، وكان جزاء العلماء هو الإحراق أو القتل والطرد من البلاد باسم الدين، ولا يخفى على قارئ التاريخ ما جرى لكوبرنيق وجاليليو ونيوتن وتلامذتهم من تعذيب واضطهاد على يد الكنيسة. ورغم ما أصاب العلماء على يد الكنيسة من تعذيب واضطهاد إلا أنهم استطاعوا أن يثبتوا للأجيال التالية أن ما تدعيه الكنيسة دينا

стр. 107

وعقيدة ليس إلا خرافة ومظهرا من مظاهر الجهل، وبدأت من هذا التاريخ قصة الصراع الطويل بين الكنيسة والعلم، وبدأت ثقة العلماء في الكنيسة ورجالها تختفي رويدا رويدا، وأصبح رجل الدين في نظر العلماء رمزا للجهل، وأصبحت آراؤه الدينية مظهرا من مظاهر الخرافة والتخلف، واختفت من هذه المعركة كلمة الكنيسة ليحل محلها لفظ الدين والوحي، كما اختفى لفظ رجل الكنيسة ليحل محله رجل الدين, وأخذت هذه الازدواجية الدين والعلم تأخذ العلاقة بينهما شكل التناقض، فهما لا يلتقيان أبدا, إما العلم وإما الدين، الدين عندهم رمز التخلف والجهل والخرافة, والعلم رمز التنوير والتقدم وعنوان النهضة المنشودة. وأخذت هذه العلاقة التناقضية في الظهور والشيوع إلى أن عمت أنحاء أوروبا كلها، وترتب على ذلك أن أفرزت هذه المعركة مجموعة من المصطلحات التي حملت في طياتها معنى الرفض لكل ما هو ديني، مثل: الحداثة, التنوير، العلمانية، وأخذت الفجوة تتسع شيئا فشيئا إلى أن سيطرت النزعة العلمية على الحياة في أوروبا وبدأت الكنيسة يتراجع سلطانها ويتحدد نشاطها داخل جدرانها فقط، وأخذت النزعة العلمانية تمد سلطانها لتحل محل الكنيسة في إدارة شئون المجتمع ونظام الحكم، وتبدلت النظرة إلى الكون وعلاقة الإنسان به، كما أخذت قضية اللاهوت وما يتبعه من قضايا إيمانية تتلاشى ويتلاشى أثرها من مظاهر الحياة.

стр. 108

وأخذت العلمانية تنشر على المجتمع مبادئها لتحل محل تعاليم الكنيسة، وأخذت مظاهر التقديس التي كانت تحظى بها التعاليم الكنسية تختفي أو تتلاشى من قلوب أتباعها، وأخذ العقل يحتل مكان الوحي، وتحولت نظرة العلماء وتقديسهم للمطلق "الله" إلى الكون والإنسان فكانت الطبيعة هي قبلتهم والإنسان محل تقديسهم، والاهتمام بما هو دنيوي حل محل الاهتمام بكل ما هو أخروي، كذلك كانت علاقة الإنسان بالطبيعة قائمة على أساس قطع الصلة بينها وبين ما هو غيبي "الله" ومصدر قوة الإنسان عندهم ليست مستمدة من قوى غيبية بل من قوة سيطرته على الطبيعة وقامت النزعة العلمانية على هذا الأساس؛ بتر الصلة بين كل ما هو دنيوي وما هو أخروي، وصار الواقع الفعلي الذي يعيشه المرء أولى بالاهتمام من كل ما هو غائب عن هذا العالم. وخلال هذا التحول الخطر من الإيمان باللاهوت إلى تقديس الطبيعة تبدلت مفاهيم كثيرة وظهرت قيم جديدة، احتلت مكان الصدارة في حياة الإنسان الأولى. فتحولت النظرة إلى الكون من النظرة اللاهوتية المطلقة لتجعل الإنسان والكون محور الوجود كله ومركزه، وليست هذه النظرة مستمدة من الوحي وإنما أساسها العقل الرافض لكل ما هو لاهوتي، وليس الكون والإنسان علامات يستدل بها على موجود خالق لها "الله" بل هما مستقلان تماما في وجودهما عن أي موجود حقيقي

стр. 109

سواهما. بل هما الحقيقة الحقة الجديرة بهذا الاسم في هذا الوجود؛ لأنهما واقع لا مجال للشك فيه أما ما يدعيه علماء اللاهوت في ربطهما بوجود غيبي "الله" فإن ذلك أسطورة وخيال زائف لا يمكن التحقق من وجوده، والحقيقة المطلقة التي يمكن التحقق من ثبوتها ووجودها هي هذا الكون والإنسان، وما وراءهما فمحض خيال وأسطورة. وسادت نزعة نقدية لكل ما هو مقدس في أوروبا تبنتها ظاهرة الحداثة والعلمانية التي تنفي كل ما هو ديني ليحل مكانه الواقع، وحاول النقد العلماني للدين أن يجهز على تعاليم الكنيسة لتفسح مكانها للعقل والعلم، وليحل النور العلمي والتنوير العقلي محل هذا الكلام الذي سيطر على عقول أوروبا في العصور الوسطى. وعلى سبيل الإجمال, تولدت نزعة نقدية ذات طابع علمي قوامها تحويل اهتمام الإنسان من اللاهوت إلى الواقع، وبدلا من أن يكون اللاهوت منظما لحركة المجتمع تحت سطوة الكنيسة ينبغي أن يحتل مكانه التنظيم العقلاني الذي يتم في ضوئه فصل المجتمع عن الدين سياسيا واجتماعيا واقتصاديا, وأن تتخلى الكنيسة ورجالها عن دورهم ليحتل مكانهم العلماء ويحتل العلم مكانة الدين. ولقد تم ذلك فعلا وتحول رجال الكنيسة إلى مجرد موظفين يتقاضون رواتبهم من الدولة، ويتم تعيينهم في الوظائف وعزلهم منها بأمر الإمبراطور, شأنهم في ذلك شأن أي موظف في الدولة.

стр. 110

ولم تنته هذه المعركة بين العلماء والكنيسة إلا بعد أن سيطرت ظاهرة الحداثة والعلمانية وتبلورت معالمها في أمور محددة أصبحت شعارا لعصر النهضة في أوروبا, ومن أهم هذه المعالم: ١- العلمية، ويقصدون بذلك أن يكون الواقع موضوعا للعلم والعقل مقياسا للحقيقة، والواقع هنا هو الكون, هو الطبيعة فقط وكل أمور ليس لها رصيد في الطبيعة ولا يعبر عنها في الواقع الحسي بألفاظها مقابل موضوعي فهي خرافة وأسطورة، وبالتالي فإن أي حديث عن أمر غيبي ليس مقبولا. ٢- قانون العلية، أن تقوم هذه النزعة العلمية على مبدأ العلية أو قانون السببية، وأن ارتباط كل ظاهرة بعلتها وسببها يكفي في الإجابة عن السؤال كيف حدثت الظاهرة, وهذا هو هدف العلم وغايته. أما الإجابة عن السؤال: لماذا حدثت الظاهرة فإن ذلك ليس داخلا في مهمة العلم, ولا يعنينا البحث عنه أو الانشغال به. ٣- أن يتم ذلك كله خلال التجربة والمنهج التجريبي, وكل ما لم يخضع للتجربة يكون الحديث عنه خرافة وأسطورة. ٤- أن تؤسس المعرفة العقلية على النقد, واستبعاد كل ما هو أسطوري "ديني" لا تسنده التجربة ولا يستمد صدقه من الواقع الموضوعي. ويكون الموقف هو جوهر العقلانية الحديثة كما يكون جوهر العلمانية والحداثة هو رفض الدين واللاهوت.
следующие страницы →