← Тараджим

Тараджим · id 10906

سير أعلام النبلاء - ط الرسالة

شمس الدين الذهبي

Полный текст (14 211 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[سير أعلام النبلاء]ـ المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: ٧٤٨هـ) المحقق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الثالثة، ١٤٠٥ هـ / ١٩٨٥ م عدد الأجزاء: ٢٥ (٢٣ ومجلدان فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مشكول، ومذيل بالحواشي، ومضاف لخدمة التراجم]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

تقديم الكتاب بقلم الدكتور بشار عواد معروف أستاذ ورئيس قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة بغداد

стр. 4

الذهبي وكتابه سير أعلام النبلاء الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي العربي الأمي، وعلى آله وأصحابه الطيبين نجوم الهدى في كل حين، وبعد: فهذا مختصر نافع إن شاء الله في سيرة مؤرخ الإسلام الإمام الثقة المتقن الناقد البارع شمس الدين الذهبي، وفي كتابه النفيس " سير أعلام النبلاء " ومنزلته بين الكتب التي من بابته، جعلته في فصلين: الأول في سيرة الذهبي والثاني في كتابه " السير ". تناول الفصل الأول البيئة الدمشقية التي نشأ بها الذهبي بكل ما كان فيها من نهضة علمية واسعة، وما اعتراها من صراعات عقائدية، وانتشار الجهل، والاعتقاد بالمغيبات بين العوام. وحاولت أن أقدم صورة لبيئته العائلية المتدينة المعنية بالعلم التي ربته على حب العلم والعلماء منذ نعومة أظفاره مما هيأه لمستقبل علمي مرسوم، فرأيناه عند اكتمال شخصيته يعنى بطلب العلم من قراءات وحديث، ثم تتبعت رحلاته في طلب العلم، واستطعت أن أحددها بالبلاد الشامية والمصرية والحجازية، وبينت نتيجة تتبعي لنشاطه أن رحلته إلى البلاد المصرية كانت بين شهر رجب، وذي القعدة من سنة ٦٩٥ هـ، فصححت بذلك آراء بعض المؤرخين في هذه المسألة. وأوضحت طبيعة دراساته، وذكرت أنها كانت متنوعة لم تقتصر على جانب واحد، لكنها في الوقت نفسه لم تخرج عن دائرة العلوم الدينية عموما والعلوم المساعدة لها من تاريخ ونحو ولغة وأدب.

стр. 5

وتناول الفصل صلات الذهبي الشخصية بابن تيمية والمزي والبرزالي وأثرها في تبلور فكره السلفي المتمثل بميله إلى آراء الحنابلة ودفاعه عن مذهبهم في العقائد، وارتباطه الشديد بالحديث والمحدثين، ونظرته إلى العلوم والعلماء وفلسفتهم تجاه العلوم العقلية، مما أثر في منهجه التاريخي تأثيرا واضحا، فظهر في اهتمامه الكبير بالتراجم التي صارت تكون أسس كتبه، ومحور تفكيره التاريخي، وفي نظرته إلى الأحداث التاريخية وأسس انتقائها، ثم فيما وجه إلى كتاباته من نقد أثار نقاشا بين علماء عصره، وعند العلماء الذين جاءوا بعده. أما نشاطه العلمي، فقد بينت أنه اتخذ وجهتين رئيستين: أولاهما كتاباته الكثيرة، وثانيتهما تدريسه الحديث في أمهات دور الحديث بدمشق بحيث استطعنا التعرف على خمس دور للحديث كان يتولى مشيختها في آن واحد قبيل وفاته. وأبنت منزلة الذهبي العلمية استنادا إلى دراسة مسهبة لآثاره الكثيرة التي خلفها. وقد أظهرت الدارسة أن منزلته العلمية وبراعته ظهرتا في أحسن الوجوه إشراقا وأكثرها تألقا عند دراستي له محدثا ومؤرخا وناقدا. وعلى الرغم من أنه عاش في بيئة غلب عليها الجمود والنقل والتلخيص، فإنه قد تخلص من كثير من ذلك بفضل سعة دراساته وفطنته. وكان مفهوم التاريخ عند الذهبي يتصل اتصالا وثيقا بالحديث النبوي الشريف وعلومه، وقد ظهر ذلك في عنايته التامة بكتب التراجم التي قامت عليها شهرته الواسعة باعتباره مؤرخا. وقد جعلت منه معرفته الرجالية الواسعة ناقدا ماهرا، ظهر ذلك في مؤلفاته المعنية بالنقد وفي التفاتاته البارعة في أصول النقد، ورده لكثير من الروايات، وتخطئته لكبار النقاد، وقدرته الفائقة على البحث والاستدلال.

стр. 6

وختمت الفصل بتذكرة مختصرة في تآليفه واختصاراته وتخريجاته مرتبة حسب موضوعاتها، وأشرت إلى ما طبع منها وما هو مخطوط مع بيان مكان النسخة الخطية على سبيل الاختصار. وقد تمكنت أن أعد له مئتين وخمسة عشر مؤلفا ومختصرا وتخريجا. أما الفصل الثاني الذي خصصته لمنهج " السير " وأهميته، فقد بدأته بالكلام على عنوان الكتاب وتأليفه، وتمكنت فيه أن أحدد تاريخ تأليف الكتاب بسنة ٧٣٢ هـ خلافا لما هو شائع عند الناس. ثم عرجت على نطاق الكتاب وعدد مجلداته وتوصلت إلى أن الذهبي لم يكتب المجلدين الأول والثاني منه إنما طالب النساخ باستلالهما من تاريخه الكبير " تاريخ الإسلام "، وأن المجلدين لم يفقدا كما نصت وقفية الكتاب على المدرسة المحمودية، ثم أثبت بما لا يقبل الشك أن المجلد الثالث عشر الذي وصل إلينا ليس هو آخر الكتاب، كما ادعى الدكتور الفاضل صلاح الدين المنجد، وتابعه الناس عليه، بل إن هناك مجلدا آخر يتمم الكتاب هو المجلد الرابع عشر ومنه رجحت أن يكون الذهبي قد رتب كتابه على أربعين طبقة تقريبا وليس على خمس وثلاثين كما هو شائع. وتناولت في هذا الفصل أيضا ترتيب الكتاب على الطبقات فرأيت أن مستلزمات البحث تقتضي استعراضا لظهور هذا الترتيب في تاريخ الحركة التأليفية عند المسلمين، ومحاولة لتحديد هذا المفهوم التنظيمي عند الذهبي عن طريق دراسة مؤلفاته التراجمية المرتبة على الطبقات، ومنها كتابه " السير ". وقد تمكنت فيما أعتقد من تفسير التناقض الظاهري الناتج عن اختلاف عدد الطبقات في مؤلفاته ضمن وحدة زمنية محددة معلومة، باختلاف نوعية المترجمين بين كتاب وآخر. وأوضحت بعد ذلك أن فائدة

стр. 7

الترتيب على الطبقات إنما تظهر في العصور الإسلامية الأولى، لذلك صرنا لا نشعر بوجود " الطبقة " في كتاب " السير كلما مضى الزمن بالكتاب، وضربت لكل ذلك أمثلة من الكتاب تعزز هذه الآراء وتقويها. وكان لا بد لي، وأنا أبحث في منهج الكتاب، أن أتناول طبيعة التراجم المذكورة فيه، والأسس التي استند عليها الذهبي في ذكر ترجمة وإسقاط أخرى، فأبنت أنه ذكر " الأعلام " وأسقط المشهورين والمغمورين، وحاول أن يوجد موازنة بين الأعلام في النوعية والأزمان والأمكنة، واجتهد أن يقدم ترجمة كاملة، ومختصرة في الوقت نفسه لا تؤثر فيها كمية المعلومات التي تتوافر عنده. ولما كان الذهبي فنانا تراجميا متميز الأسلوب في صياغة الترجمة وأساليب عرضها، فقد حاولت استشفاف منهجه الذي انتهجه في " السير " في هذا المجال. ثم تناولت بالدراسة منهجه النقدي، فوجدته معنيا بكل أنواعه، لم يقتصر فيه على مجال واحد من مجالاته، فقد عني بنقد المترجمين وتبيان أحوالهم، وأصدر أحكاما وتقويمات تاريخية، وانتقد الموارد التي نقل منها، ونبه إلى أوهام مؤلفيها، وبرع في إصدار الأحكام على الأحاديث إسنادا ومتنا، وسحب ذلك على الروايات التاريخية. وحاولت بعد ذلك أن أستبين مدى تعصبه، أو إنصافه في النقد، فتبين لي، بعد دراسته لجملة من كتاباته، أن الرجل قد وفق إلى حد كبير أن يكون منصفا، ونبهت إلى وجوب التفريق بين التعصب وبين الإيمان بالشيء، والدفاع عنه بكل ممكن. أما أهمية كتاب " السير " فقد اجتهدت أن أستشرفها من دراسة علاقته بكتاب " تاريخ الإسلام " إذ كان قد شاع بين أوساط الدارسين أن " السير "

стр. 8

مختصر من " تاريخ الإسلام "، وقد أبانت دراستي للكتابين بطلان هذه الدعوى، ثم تكلمت على أهمية الكتاب في دراسة الحركة الفكرية العربية الإسلامية، وأهميته في دراسة المجتمع الإسلامي. وحاولت بعد ذلك توضيح العوامل التي يسرت ظهور هذا الكتاب محققا بهذه الهيئة العلمية الرائعة، والصفة البارعة النافعة التي تسر كل محب للتراث، حريص عليه.

стр. 9

الفصل الأول: حياة الذهبي ومنزلته العلمية أولا - بيئة الذهبي ونشأته قامت دولة المماليك البحرية على أنقاض الدولة الأيوبية بمصر والشام وتمكن المماليك أن يكونوا دولة قوية كان لها أثر في إيقاف التقدم المغولي، وتصفية الإمارات الصليبية في بلاد الشام (١) . وكانت دمشق في نهاية القرن السابع الهجري ومطلع القرن الثامن قد أصبحت مركزا كبيرا من مراكز الحياة الفكرية، فيها من المدارس العامرة ودور الحديث والقرآن العدد الكثير، عمل على تعميرها حكامها وبعض المياسير من أهلها لا سيما منذ عهد نور الدين زنكي (٢) . وكانت العناية بالدراسات الدينية، من تفسير وحديث وفقه وعقائد، هي السمة البارزة لهذا العصر، ولم بعد هناك اهتمام كثير بدراسة العلوم الصرفة التي كانت قد أصبحت من " الصنائع المظلمة " (٣) و " الهذيان " (٤) .

стр. 10

ثم لا حظنا تباينا شديدا في قيمة الإنتاج الفكري لهذه الفترة وأصالته، فوجدنا الكثير من المؤلفات الهزيلة التي لم تكن غير تكرار لما هو موجود في بطون الكتب السابقة، ووجدنا القليل من المؤلفات التي امتازت بالأصالة والإبداع والمناهج العلمية المتميزة. وقد زاد من صعوبة الإبداع أن الواحد من العلماء كان يجد أمامة تراثا ضخما في الموضوع الذي يروم التأليف فيه، وهو في وضعه هذا يختلف عن المؤلفين الأولين الذين لم يجابهوا مثل هذا التراث. وشهدت دمشق في هذا العصر نزاعا مذهبيا وعقائديا حادا، كان الحكام المماليك يتدخلون فيه في كثير من الأحيان، فيناصرون فئة على أخرى (١) . وكان الأيوبيون قبل ذلك قد عنوا عناية كبيرة بنشر مذهب الإمام الشافعي، فأسسوا المدارس الخاصة به، وأوقفوا عليها الوقوف (٢) . وعنوا في الوقت نفسه بنشر عقيدة الأشعري، واعتبروها السنة التي يجب اتباعها (٣) . لذلك أصبحت للأشاعرة قوة عظيمة في مصر والشام. وقد أثر ذلك على المذاهب الأخرى، فأصابها الوهن والضعف عدا الحنابلة الذين ظلوا على جانب كبير من القوة، وكانت لهم في دمشق مجموعة من دور الحديث والمدارس (٤) . وكان النزاع العقائدي بين الحنابلة والأشاعرة مضطرما، زاده اعتماد الحنابلة على النصوص في دراسة العقائد، واعتماد الأشاعرة على الاستدلال

стр. 11

العقلي والبرهان المنطقي في دراستها (١) . وبقدر ما ولد هذا التعصب من تمزق في المجتمع، فإنه ولد في الوقت نفسه نشاطا علميا واضحا في هذا المضمار، تمثل في الكتب الكثيرة التي ألفت فيه. كما ظهر تحيز واضح في كثير من كتابات العصر. وكان الجهل والاعتقاد بالخرافات والمغيبات سائدا بين العوام في المجتمع الدمشقي. وكان التصوف منتشرا في أرجاء البلاد انتشارا واسعا، وظهر بينهم كثير من المشعوذين الذين أثروا على العوام أيما تأثير. بل عمل الحكام المماليك على الاهتمام بهم، وكان لهم اعتقاد فيهم، فكان للملك الظاهر بيبرس البندقداري " ت ٦٧٦ هـ " شيخ اسمه الخضر بن أبي بكر بن موسى العدوي، كان " صاحب حال، ونفس مؤثرة، وهمة إبليسية، وحال كاهني "، وكان الظاهر يعظمه، ويزوره أكثر من مرة في الأسبوع، ويطلعه على أسراره، ويستصحبه في أسفاره لاعتقاده التام به (٢) . وانتشر تقديس الأشياخ، والاعتقاد فيهم، وطلب النذور عند قبورهم، بل كانوا يسجدون لبعض تلك القبور، ويطلبون المغفرة من أصحابها (٣) . في هذه البيئة الفكرية والعقائدية المضطربة، ولد مؤرخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي في شهر ربيع الآخر سنة ٦٧٣ (٤) . وكان من أسرة تركمانية الأصل، تنتهي بالولاء

стр. 12

إلى بني تميم (١) ، سكنت مدينة ميافارقين من أشهر مدن ديار بكر (٢) . ويبدو أن جد أبيه قايماز قضى حياته فيها (٣) ، وتوفي سنة ٦٦١ هـ وقد جاوز المئة، قال الذهبي: " قايماز ابن الشيخ عبد الله التركماني الفارقي جد أبي. قال لي ابن عم والدي علي بن فارس النجار: توفي جدنا عن مئة وتسع سنين. قلت عمر، وأضر بأخرة، وتوفي سنة إحدى وستين وست مئة " (٤) ، وكان قد حج (٥) . وكان جده فخر الدين أبو أحمد عثمان أميا لم يكن له حظ من علم، قد اتخذ من النجارة صنعة له، لكنه كان " حسن اليقين بالله " (٦) . ويبدو أنه هو الذي قدم إلى دمشق، واتخذها سكنا له، وتوفي بعد ذلك بها سنة ٦٨٣ هـ وهو في عشر السبعين (٧) . أما والده شهاب الدين أحمد، فقد ولد سنة ٦٤١ هـ تقريبا، وعدل عن صنعة أبيه إلى صنعة الذهب المدقوق، فبرع بها، وتميز، وعرف بالذهبي، وطلب العلم، فسمع " صحيح البخاري " سنة ٦٦٦ هـ، من المقداد القيسي،

стр. 13

وحج في أواخر عمره، وكان دينا يقوم من الليل (١) . وقد يسرت له صنعته رخاء وغنى، فأعتق من ماله خمس رقاب (٢) ، وتزوج من ابنة رجل موصلي الأصل هو علم الدين أبو بكر سنجر بن عبد الله عرف بغناه، وكان " خيرا عاقلا مديرا للمناشير بديوان الجيش..وخلف خمسة عشر ألفا " (٣) من الدنانير، وأحله علمه وغناه ومروءته مكانا جعلت خلقا من أهل دمشق يشيعونه يوم وفاته في آخر جمادى الأولى سنة ٦٩٧ هـ،، يؤمهم قاضي القضاة يومئذ عز الدين ابن جماعة الكناني (٤) . وعرف محمد بابن الذهبي، نسبة إلى صنعة أبيه، وكان هو يقيد اسمه " ابن الذهبي " (٥) . ويبدو أنه اتخذ صنعة أبيه مهنة له في أول أمره، لذلك عرف عند بعض معاصريه ب " الذهبي " مثل الصلاح الصفدي (٦) ، وتاج الدين السبكي (٧) ، والحسيني (٨) ، وعماد الدين ابن كثير (٩) ، وغيرهم.

стр. 14

وعاش طفولته بين أكناف عائلة علمية متدينة، فكانت مرضعته وعمته ست الأهل بنت عثمان، الحاجة أم محمد، قد حصلت على الإجازة من ابن أبي اليسر، وجمال الدين بن مالك، وزهير بن عمر الزرعي، وجماعة آخرين، وسمعت من عمر بن القواس وغيره، وروى الذهبي عنها (١) . وكان خاله علي قد طلب العلم، وروى عنه الذهبي في " معجم شيوخه "، وقال: " علي بن سنجر بن عبد الله الموصلي، ثم الدمشقي الذهبي الحاج المبارك أبو إسماعيل خالي. مولده في سنة ثمان وخمسين وست مئة. وسمع بإفادة مؤدبه ابن الخباز من أبي بكر ابن الأنماطي، وبهاء الدين أيوب الحنفي، وست العرب الكندية. وسمع معي ببعلبك من التاج عبد الخالق وجماعة. وكان ذا مروءة وكد على عياله وخوف من الله. توفي في الثالث والعشرين من رمضان سنة ست وثلاثين وسبع مئة " (٢) . وكان زوج خالته فاطمة، أحمد بن عبد الغني بن عبد الكافي الأنصاري الذهبي، المعرف بابن الحرستاني، قد سمع الحديث، ورواه، وكان حافظا للقرآن الكريم، كثير التلاوة له، وتوفي بمصر سنة ٧٠٠ (٣) هـ. وطبيعي أن تعتني مثل هذه العائلة المتدينة التي كان لها حظ من العلم بأبنائها، لذلك وجدنا أخاه من الرضاعة علاء الدين أبا الحسن علي بن إبراهيم بن داود بن العطار الشافعي: " ٧٢٤ ٦٥٤ هـ " (٤) يسرع، ويستجيز

стр. 15

للذهبي جملة من مشايخ عصره في سنة مولده (١) منهم من دمشق: أحمد بن عبد القادر، أبو العباس العامري " ٦٧٣ ٦٠٩ هـ " (٢) ، وابن الصابوني " ٦٨٠ ٦٠٤ هـ " (٣) ، وأمين الدين ابن عساكر " ٦٨٦ ٦١٤ هـ " (٤) ، وجمال الدين ابن الصيرفي " ٦٧٨ ٥٨٣ هـ " (٥) . ومن حلب: أحمد بن محمد ابن النصيبي " ٦٩٢ ٦٠٩ هـ " (٦) ، ومن مكة: الإمام محب الدين الطبري محدث الحرم ومفتيه " ٦٩٤ ٦١٥ هـ " (٧) ، وغيره (٨) . ومن المدينة: كافور بن عبد الله الطواشي (٩) . ويبدو أن علاء الدين ابن العطار قد حج في تلك السنة (١٠) فحصل بعض الإجازات من مكة والمدينة. وذكر ابن حجر أن الذين أجازوه في هذه السنة " جمع جم (١١) " وقال في ترجمة ابن

стр. 16

العطار: " وهو الذي استجاز للذهبي سنة مولده، فانتفع الذهبي بعد ذلك بهذه الإجازة انتفاعا شديدا " (١) . ويمضي الطفل إلى أحد المؤدبين هو علاء الدين علي بن محمد الحلبي المعروف بالبصبص، وكان من أحسن الناس خطا، وأخبرهم بتعليم الصبيان، فيقيم في مكتبه أربعة أعوام (٢) ، وفي أثناء ذلك كان جده عثمان يدمنه على النطق بالراء يقوم بذلك لسانه (٣) . ولا نعرف في أية سنة ترك المكتب، ولكنه كان في سنة ٦٨٢ هـ، لم يزل عنده حيث أنشده في هذه السنة شعرا لأبي محمد القاسم الحريري (٤) . وقد اتجه الذهبي بعد ذلك إلى شيخة مسعود بن عبد الله الصالحي، فلقنه جميع القرآن، ثم قرأ عليه نحوا من أربعين ختمة، وكان الشيخ مسعود إمام مسجد الشاغور، وكان خيرا متواضعا برا بصبيانه، لقن خلقا. وتوفي سنة ٧٢٠ هـ (٥) . وبدأ الصبي بالحضور إلى مجالس الشيوخ ليسمع كلام بعضهم (٦) . ولما قدم عز الدين الفاروثي، عالم العراق، إلى دمشق سنة ٦٩٠ هـ، ذهب الفتى وسلم عليه، وحدثه (٧) ، مما يدلل على حبه للعلم والعلماء منذ الصغر.

стр. 17

ثانيا - بدء عنايته بطلب العلم بدأ الذهبي يعتني بطلب العلم حينما بلغ الثامنة عشرة من عمره، وتوجهت عنايته إلى ناحيتين رئيستين هما: القراءات، والحديث الشريف. أ - القراءات: اهتم الذهبي بقراءة القرآن الكريم، والعناية بدراسة علم القراءات، فتوجه سنة ٦٩١ هـ هو ورفقة له، إلى شيخ القراء جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن داود العسقلاني، ثم الدمشقي، المعروف بالفاضلي، فشرع عليه بالجمع الكبير (١) ، وكان الفاضلي قد صحب الشيخ علم الدين السخاوي المتوفى سنة ٦٤٣ هـ، وهو الذي انتهت إليه رياسة الإقراء في زمانه (٢) ، وجمع عليه القراءات السبع، وتصدر للإقراء بتربة أم الصالح، ولكنه أصيب بطرف من الفالج، فكان يقرئ في بيته وينتهي الذهبي عليه إلى أواخر سورة القصص، ويزداد الفالج على الشيخ، فيمنع الطلبة من الدخول عليه، ثم يموت سنة ٦٩٢ هـ، وتظل قراءة الذهبي على الفاضلي ناقصة (٣) . ولكنه كان في أثناء شروعه بالجمع الكبير على الفاضلي، قد شرع في الوقت نفسه يقرأ بالجمع الكبير على الشيخ جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن غالي المقرئ الدمشقي " ت ٧٠٨ (٤) هـ ". وقرأ ختمة جامعة لمذاهب القراء

стр. 18

السبعة بما اشتمل عليه كتاب " التيسير " للداني، وكتاب " حرز الأماني " للشاطبي على ابن جبريل المصري نزيل دمشق (١) . وما لبث الذهبي أن أصبح على معرفة جيدة بالقراءات، وأصولها ومسائلها، وهو لما يزل فتى لم يتعد العشرين من عمره، قال في ترجمة قاضي القضاة شهاب الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن خليل الخويي ثم الدمشقي الشافعي المتوفى سنة ٦٩٣ هـ: " جلست بين يديه، وسألني عن غير مسألة من القراءات، فمن الله وأجبته وشهد في إجازتي من الحاضرين، وأجاز لي مروياته (٢) ". على أنه استمر في تحصيل هذا الفن، فكتب في سنة ٦٩١ هـ " المقدمة في التجويد " عن مؤلفها المقرئ المجود أبي عبد الله محمد بن جوهر التلعفري المتوفى سنة ٦٩٦ (٣) هـ، وتلا ختمة للسبعة على مجد الدين أبي بكر بن محمد المرسي نزيل دمشق المتوفى سنة ٧١٨ هـ (٤) وجمع الختمة على شيخ القراء ببعلبك موفق الدين المتوفى سنة ٦٩٥ هـ (٥) ، وقرأ بالسبع أيضا على المقرئ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن منصور الحلبي المتوفى سنة ٧٠٠ هـ، وكان الحلبي هذا من المتصدرين بالعادلية وبالجامع الأموي (٦) . وقرأ كتاب " المبهج في القراءات السبع (٧) " لسبط الشيخ أبي منصور الخياط البغدادي، و " السبعة " لابن مجاهد، وغيرهما على

стр. 19

شيخه أبي حفص عمر ابن القواس المتوفى سنة ٦٩٨ هـ، وسمع " الشاطبية " من غير واحد من القراء (١) . وتميز الشاب في دراسة القراءات، وبرع فيها براعة جعلت شيخه شمس الدين أبا عبد الله محمد بن عبد العزيز الدمياطي ثم الدمشقي الشافعي، وهو من المقرئين المجودين، يتنازل له عن حلقته بالجامع الأموي في أواخر سنة ٦٩٢ هـ، أو أوائل سنة ٦٩٣ هـ، حينما أصابه المرض الذي توفي فيه، وكان الذهبي قد أكمل عليه القراءات قبل ذلك (٢) ، فكان هذا أول منصب علمي يتولاه الذهبي فيما نعلم، وإن لم يدم فيه أكثر من سنة واحدة (٣) . ب - الحديث: وفي الوقت نفسه كان الذهبي، وهو في الثامنة عشرة من عمره، قد مال إلى سماع الحديث، واعتنى به عناية فائقة (٤) . وانطلق في هذا العلم حتى؟ طغى على كل تفكيره، واستغرق كل حياته بعد ذلك، فسمع ما لا يحصى كثرة من الكتب والأجزاء، ولقي كثيرا من الشيوخ والشيخات، وأصيب بالشره في سماع الحديث وقراءته، ورافقه ذلك طيلة حياته، حتى كان يسمع من أناس قد لا يرضى عنهم، قال في ترجمة علاء الدين أبي الحسن علي بن مظفر

стр. 20

الإسكندراني، ثم الدمشقي، شيخ دار الحديث النفيسية، المتوفى سنة ٧١٦ هـ: " ولم يكن عليه ضوء في دينه، حملني الشره على السماع من مثله، والله يسامحه كان يخل بالصلوات، ويرمى بعظائم الأمور (١) "، وقال في ترجمة شيخه شهاب الدين غازي بن عبد الرحمن الدمشقي المتوفى سنة ٧٠٩ هـ: " وكان ذا سيرة غير محمودة، فالله يعفو عنه، كتب عنه خلق من أبناء البلد " (٢) ، وقال في ترجمة شيخه أبي عبد الله محمد بن أحمد المقدسي المتوفى سنة ٧٠٦ هـ: " فقير مسكين..ورأيتهم يذمونه..روى لنا عن خطيب مردا جزء البطاقة (٣) "، وذكر عن شيخه محمود بن يحيى التميمي الدمشقي المتوفى سنة ٧٣٣ هـ أنه كان " سيء الحال، سفيها (٤) "، وقال عن أحد شيوخه: " لا ينبغي الرواية عنه، حكوا لي عنه مصائب (٥) "، وقال عن آخر: إنه كان " من عوام الطلبة " (٦) ، وقال في ترجمة شيخه محمد بن النصير المؤذن المتوفى سنة ٧١٥ هـ: " شويخ عامي سمعنا منه، ولم يكن بذاك (٧) "، بل إنه ليذهب به حبه للحديث إلى القراءة على الصم، فقد ذكر في ترجمة شيخه محمود بن محمد الخرائطي الصالحي الأصم المتوفى سنة ٧١٦ هـ: " قرأت عليه بأقوى صوتي في أذنه (٨) ".

стр. 21

ثالثا - رحلاته في طلب العلم كان الذهبي يتحسر على الرحلة إلى البلدان الأخرى، لما لذلك من أهمية بالغة في تحصيل علو الإسناد، وقدم السماع، ولقاء الحفاظ، والمذاكرة لهم، والاستفادة عنهم (١) . إلا أن والده لم يشجعه على الرحلة، بل منعه في بعض الأحيان، قال في ترجمة أبي الفرج عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن محمد بن وريدة البغدادي الحنبلي شيخ المستنصرية " ٥٩٩ ٦٩٧ (٢) هـ ": " وقد هممت بالرحلة إليه، ثم تركته لمكان الوالد (٣) "، وقال في ترجمته من " معرفة القراء الكبار ": " وانفرد عن أقرانه، وكنت أتحسر على الرحلة إليه، وما أتجسر خوفا من الوالد، فإنه كان يمنعني (٤) "، وقال في ترجمة المكين الأسمر المقرئ الإسكندراني المتوفى سنة ٦٩٢ هـ: " ولما مات شيخنا الفاضلي، فازددت تلهفا وتحسرا على لقيه، ولم يكن الوالد يمكنني من السفر (٥) ". ولم يكن الذهبي ابنا عاقا يخالف إرادة والده، لا سيما أن آداب طلب العلم تقتضي استئذان الأبوين في الرحلة (٦) ، ووجوب طاعتهما وبرهما، وترك الرحلة مع كراهتهما ذلك وسخطهما (٧) . ويبدو لنا أن الذهبي

стр. 22

كان وحيد أبيه، أو كان هو البارز بين أبنائه في الأقل (١) ، بحيث كان يخاف عليه هذا الخوف كله. ويظهر أن والده قد سمع له بالرحلة حينما بلغ العشرين من عمره، وذلك سنة ٦٩٣ هـ (٢) . على أنه سمح له برحلات قصيرة لا يقيم في كل منها أكثر من أربعة أشهر (٣) في الأغلب، ويرافقه فيها بعض من يعتمد عليهم (٤) . أ - رحلاته داخل البلاد الشامية: تشير المصادر إلى رحلات الذهبي عرضا، ولكنها لا تقدم لنا عنها الكثير. على أننا استطعنا أن نتبين أن أول رحلة له ربما كانت إلى بعلبك سنة ٦٩٣ هـ (٥) حيث قرأ فيها القرآن جمعا على الموفق النصيبي المتوفى سنة ٦٩٥ هـ (٦) ، وأكثر عن المحدث الأديب الإمام تاج الدين أبي محمد المغربي، ثم البعلبكي، المتوفى سنة ٦٩٦ (٧) . وسوف نجده مرة أخرى في بعلبك سنة ٧٠٧ (٨) هـ، وقد سمع في هاتين الرحلتين على كثير من شيوخ

стр. 23

البلد (١) . ورحل بعد ذلك إلى حلب، وأكثر فيها عن علاء الدين أبي سعيد سنقر بن عبد الله الأرمني، ثم الحلبي، قال: " رحلت إليه، وأكثرت عنه، ونعم الشيخ كان دينا ومروءة وعقلا وتعففا (٢) "، وسمع من جملة من شيوخها (٣) . وتشير المصادر إلى أنه قد سمع ببلدان عديدة منها: حمص (٤) ، وحماة (٥) ، وطرابلس (٦) ، والكرك (٧) ، والمعرة (٨) ، وبصرى (٩) ، ونابلس (١٠) ، والرملة (١١) ، والقدس (١٢) ، وتبوك (١٣) . ب - رحلته إلى البلاد المصرية: على أن رحلة الذهبي إلى البلاد المصرية كانت من أبرز رحلاته

стр. 24

المبكرة، ويقول الدكتور صلاح الدين المنجد: إنه لا يعرف متى سافر الذهبي إلى مصر، ثم يقول: " ولعل سفره إلى مصر كان بعيد وفاة أبيه سنة ٦٩٧ هـ، وقد عاد سنة ٦٩٩ هـ (١) ". واستند في ذلك على ما نقله ابن حجر عن مشيخة بدر الدين النابلسي الذي قال: " وأول ما ولي تصدير حلقة إقراء بجامع دمشق في أول رواق زكريا عوضا عن شمس الدين العراقي الضرير المقرئ في المحرم سنة ٦٩٩ هـ بعد رجوعه من رحلته من مصر بقليل (٢) ". وقد استطعنا، نتيجة تتبعنا لنشاط الذهبي أن نحدد رحلته إلى البلاد المصرية، وأنها كانت بين رجب وذي العقدة من سنة ٦٩٥ هـ، فقد تبين أنه ابتدأ سفرته في رجب سنة ٦٩٥ هـ متوجها إلى فلسطين، قال في ترجمة شيخته أم محمد سيدة بنت موسى بن عثمان المارانية المصرية المتوفاة سنة ٦٩٥ هـ: " وقد رحلت إلى لقيها، فماتت وأنا بفلسطين، في رجب سنة خمس وتسعين وست مئة (٣) " وقال في ترجمتها من " تاريخ الإسلام ": " كنت أتلهف على لقيها، ورحلت إلى مصر، وعلمي أنها باقية، فدخلت فوجدتها قد ماتت من عشرة أيام..توفيت يوم الجمعة سادس رجب وأنا بوادي فحمة (٤) "، وبذلك نستنتج أنه وصل إلى البلاد المصرية في السادس عشر من رجب سنة ٦٩٥ هـ. وأول ما افتتح سماعه بمصر على شيخه جمال الدين أبي العباس أحمد ابن محمد بن عبد الله الحلبي المعروف بابن الظاهري (٥) " ٦٢٦ - ٦٩٦ هـ "،

стр. 25

قال في " تاريخ الإسلام ": " وبه افتتحت السماع في الديار المصرية، وبه اختتمت، وعنده نزلت، وعلى أجزائه اتكلت. وقد سمع منه علم الدين (يعني البرزالي) أكثر من مئتي جزء (١) "، وقال في ترجمته من " معجم شيوخه ": " ودعته في ذي القعدة سنة خمس وتسعين، فقال لي: قل للجماعة يجعلوني في حل.. (٢) ". وطبيعي أن يرجع الإمام الذهبي في ذي القعدة من السنة لأنه كان قد وعد أباه، وحلف له أنه لا يقيم في الرحلة أكثر من أربعة أشهر، فخاف أن يعقه إذا تأخر (٣) . وقد توفي ابن الظاهري بعد ذلك في ربيع سنة ٦٩٦ (٤) هـ. وقد ذكر مترجمو الذهبي أنه سمع من الحافظ ابن الظاهري (٥) فكيف يصح القول عندئذ أنه سافر بعيد ٦٩٧ هـ! ؟ وسمع بمصر بعد ذلك من جماعة كبيرة، من أشهر هم: مسند الوقت أبو المعالي أحمد بن إسحاق بن محمد الأبرقوهي (٦) المتوفى سنة ٧٠١ هـ (٧) ، وشيخ الإسلام المجتهد قاضي القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي المعروف بابن

стр. 26

دقيق العيد القشيري المتوفى سنة ٧٠٢ هـ (١) والعلامة شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي المتوفى سنة ٧٠٥ هـ (٢) ، وغيرهم (٣) . وفي أثناء وجوده بالبلاد المصرية رحل إلى الإسكندرية، وكان بها في شوال من السنة، قال في ترجمة شيخه أبي الحجاج يوسف بن الحسن التميمي القابسي ثم الإسكندراني: " وكنت في شوال هذه السنة في الإسكندرية وهو حي، وسمعت منه التجريد (٤) ". ويظهر أنه سافر إليها في رمضان لأنه قرأ على صدر الدين سحنون ختمة لورش وحفص، وتوفي شيخه في الرابع من شوال سنة ٦٩٥ هـ (٥) . وفي ثغر الإسكندرية مضى الذهبي إلى أسند أهلها في القراءات، الإمام شرف الدين أبي الحسين يحيى بن أحمد بن عبد العزيز ابن الصواف الجذامي الإسكندراني المقرئ المشهور " ٦٠٩ ٧٠٥ (٦) هـ " فأدخل عليه، فوجده قد أضر وأصم، وهو في سبع وثمانين سنة، فقرأ عليه جزءا، ورفع صوته، فسمع، ثم كلمه في أن يجمع عليه القراءات

стр. 27

السبع، فوافق، وبدأ الذهبي بالقراءة، فقرأ عليه الفاتحة وآيات من البقرة والشيخ يرد الخلاف، ويرد رواية يعقوب وغيره، ولما ذكر له الذهبي أن قصده القراءة بالسبع حسب، تخيل الشيخ منه نقص المعرفة، وطلب منه أن يذهب إلى أحد تلامذته، قال الذهبي: " وزهدني فيه أني كنت لا أدخل عليه إلا بمشقة وأمنع، ويؤذن لي مرة، وأيضا فكنت لا أقرأ ربع حزب جمعا، حتى ينقطع صوتي لمكان صممه " فخاف الذهبي ضياع الوقت القصير، فتركه (١) ، وذهب إلى الإمام المقرئ صدر الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الحليم بن عمران الدكالي المعروف بسحنون " ٦١٠ - ٦٩٥ هـ (٢) " وكان قد ضعف وأضر، فختم عليه بقراءتي ورش وحفص، في مدة أحد عشر يوما مع جماعة من رفاقه (٣) . وسمع بالإسكندرية من جملة من علمائها المتميزين (٤) من أبرزهم: تاج الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد المحسن الهاشمي الحسيني الواسطي الغرافي ثم الإسكندراني " ٦٢٨ - ٧٠٤ هـ " شيخ دار الحديث النبيهية بالإسكندرية (٥) كما رحل إلى بلبيس، وسمع بها (٦) . لقد كانت هذه الرحلة قصيرة، وكان الذهبي يجهد نفسه في قراءة أكبر كمية ممكنة على شيوخ تلك البلاد، فقد ذكر مثلا أنه قرأ جميع سيرة ابن هشام على شيخه أبي المعالي الأبرقوهي في سنة أيام فقط (٧) .

стр. 28

ج - رحلته للحج وسماعه هناك: وفي سنة ٦٩٨ هـ، أي بعيد وفاة والده رحل الذهبي للحج، قال في حوادث السنة من " تاريخ الإسلام ": وحج بنا الأمير شمس الدين العينتابي (١) "، وكان يرافقه في حجه جماعة من أصحابه وشيوخه (٢) ، منهم شيخ دار الحديث بالمدرسة المستنصرية (٣) العالم المسند أبو عبد الله محمد ابن عبد المحسن المعروف بابن الخراط الحنبلي " ٧٢٨ - ٦٣٨ هـ "، وكان ابن الخراط قد قدم دمشق في تلك السنة، وجلس للوعظ بدمشق في شهر رمضان (٤) ، قال الذهبي: " ورافقنا في الحج، فسمعت منه بالعلى ومعان كتاب " الفرج بعد الشدة " (٥) . وقد سمع بمكة (٦) ، وعرفة (٧) ، ومنى (٨) ، والمدينة (٩) من مجموعة من الشيوخ.

стр. 29

رابعا - طبيعة دراساته لم ينقطع الذهبي طيلة حياته عن الدراسة والسماع لا يشغله عنهما شاغل، تدل على ذلك معجمات شيوخه لا سيما " المعجم الكبير ". وكانت دراسته وسماعاته متنوعة لم تقتصر على القراءات والحديث. وقد عني بدراسة النحو، فسمع " الحاجبية " في النحو على شيخه موفق الدين أبي عبد الله محمد بن أبي العلاء النصيبي البعلبكي المتوفى سنة ٦٩٥ هـ (١) . ودرس على شيخ العربية، وإمام أهل الأدب في مصر آنذاك الشيخ بهاء الدين محمد بن إبراهيم المعروف بابن النحاس المتوفى سنة ٦٩٨ هـ (٢) . إضافة إلى سماعه لعدد كبير من مجاميع الشعر واللغة والآداب (٣) . واهتم بالكتب التاريخية، فسمع عددا كبيرا منها على شيوخه، في المغازي (٤) ، والسيرة (٥) ، والتاريخ العام (٦) ، ومعجمات الشيوخ والمشيخات (٧) ، وكتب التراجم الأخرى (٨) .

стр. 30

إلا أن عنايته الرئيسة في السماع كانت منصبة على الحديث، فقد سمع الذهبي مئات الكتب والأجزاء الحديثية طيلة حياته في طلب العلم، يعرف ذلك من يقرأ معجمات شيوخه وكتبه بروية وإمعان، فضلا عن أن هذه الكتب والأجزاء هي ليست كل ما قرأ الذهبي علي شيوخه، فهناك العدد الهائل من الأحاديث النبوية الشريفة لم يورد في معجمات شيوخه منها إلا أمثلة حسب. يضاف إلى ذلك أنه كان ربما سمع الكتاب أو الجزء على أكثر من شيخ حتى يبلغ في بعضها عشرات المرات أو عددا كبيرا منها، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة، فقد سمع " جزء الحسن بن عرفة " وهو من الأجزاء الحديثية المشهورة أكثر من أربعين مرة على أكثر من أربعين شيخا (١) ، وسمع " نسخة أبي مسهر " عبد الأعلى بن مسهر المتوفى سنة ٢١٨ (٢) أكثر من اثنتي عشرة مرة (٣) ، وسمع " جزء ابن فيل (٤) " لأبي طاهر الحسن بن أحمد بن فيل البالسي على أكثر من عشرة من الشيوخ (٥) . وأرى من الواجب أن أشير إلى أن الذهبي لم يعن بذكر مسموعاته بصورة مفصلة في معجم شيوخه كما فعل ابن حجر مثلا في " المعجم المفهرس " الذي رتبه

стр. 31

أساسا على الكتب (١) ، وفي " المجمع المؤسس " الذي رتبه على الشيوخ ولكن ذكر فيه المرويات أيضا (٢) . ومع ذلك فإن المرويات لا تمثل أصلا دراسات الطالب أو العالم، لان الكتب المروية محدودة عموما، بينما يستطيع الطالب أن يقرأ ما يشاء من الكتب الفقهية والتاريخية والأدبية ودواوين الشعراء ونحوها وطائفة كبيرة منها لا تروى. على أننا نستطيع القول من دراستنا لكتب الذهبي واهتماماته، أنه عني بالعلوم الدينية عموما، والعلوم المساعدة لها كالنحو واللغة والأدب والشعر. كما أنه اطلع على بعض الكتب الفلسفية. ونشك أنه درس كتبا في العلوم الصرفة لعدم اعتقاده بجدواها.

стр. 32

خامسا - صلاته الشخصية وأثرها في تكوينه الفكري اتصل الذهبي اتصالا وثيقا بثلاثة من شيوخ ذلك العصر وهم جمال الدين أبو الحجاج يوسف (١) بن عبد الرحمن المزي الشافعي " ٦٥٤ - ٧٤٢ هـ " وتقي الدين أبو العباس أحمد (٢) بن عبد الحليم المعروف بابن تيمية الحراني، " ٦٦١ - ٧٢٨ هـ " وعلم الدين أبو محمد القاسم (٣) بن محمد البرزالي " ٦٦٥ - ٧٣٩ هـ "، وترافق معهم طيلة حياتهم. وكان الذهبي أصغر رفاقه سنا، وكان أبو الحجاج المزي أكبرهم. وكان بعضهم يقرأ على بعض، فهم شيوخ وأقران في الوقت نفسه. وقد ساعد من شد أواصر هذه الرفقة اتجاههم نحو طلب الحديث منذ فترة مبكرة، وميلهم إلى آراء الحنابلة ودفاعهم عن مذهبهم، مع أن المزي والبرزالي

стр. 33

والذهبي كانوا من الشافعية. وكان كل واحد منهم محبا للآخر ذاكرا فضله. ويذكر الذهبي جيدا أن علم الدين البرزالي هو الذي حبب إليه العناية بالحديث النبوي الشريف، فقال في " معجم شيوخه الكبير ": " الإمام الحافظ المتقن الصادق الحجة مفيدنا ومعلمنا ورفيقنا محدث الشام مؤرخ العصر (١) "، وقال في موضع آخر: " وهو الذي حبب إلي طلب الحديث، فإنه رأى خطي، فقال: خطك يشبه خط المحدثين! فأثر قوله في، وسمعت منه، وتخرجت به في أشياء (٢) "، وكان على غاية من الإعجاب بعلمه، ولا سيما " معجم شيوخه " (٣) الذي خرجه لنفسه، وفيه ثلاثة آلاف شيخ، منهم ألفان بالسماع وألف بالإجازة (٤) . وكتب الذهبي عن شيخه ورفيقه المزي بأنه: " العلامة الحافظ البارع أستاذ الجماعة..محدث الإسلام (٥) وأنه كان " خاتمة الحفاظ وناقد الأسانيد والألفاظ وهو صاحب معضلاتنا وموضح مشكلاتنا (٦) ". أما ابن تيمية، فكانت شخصيته قد اكتملت منذ أن كان الذهبي شابا في أول طلبه العلم، وكان قد أصبح مجتهدا، له؟ ؟ الخاصة التي تقوم في أصلها

стр. 34

على اتباع آثار السلف، وابتدأ منذ سنة ٦٩٨ هـ يدخل في خصومات عقائدية حادة مع علماء عصره من المخالفين له (١) ، ويقيم الحدود بنفسه، ويحلق رؤوس الصبيان (٢) ، ويحارب المشعوذين من أدعياء التصوف (٣) ، ويمنع من تقديم النذور (٤) ، ويدور هو وأصحابه على الخمارات والحانات، ويريق الخمور (٥) ، ويقاتل بعض من يعتقد فساد عقيدته (٦) ، ويشتط على القضاة (٧) ، بل بلغ الأمر به في إحدى المرات أن دخل السجن، وأخرج رفيقه المزي منه بنفسه (٨) . وظهرت شخصيته السياسية في الحرب الغازانية سنة ٦٩٩ هـ وما بعدها، لا سيما سنة ٧٠٢ هـ فقد كان له الدور البارز في انتصار المماليك على المغول في وقعة شقحب (٩) . وقد أحب الذهبي شيخه ورفيقه، وأعجب به، فقال بعد أن مدحه مدحا عظيما: " وهو أكبر من أن ينبه مثلي على نعوته، فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت، أني ما رأيت بعيني مثله، ولا والله ما رأى هو مثل نفسه في العلم (١٠) ". ولما مات،

стр. 35

رثاه بقصيدة (١) ، وذكر أن مصنفاته قد جاوزت الألف (٢) ، وبالغ في ذكر مساوئ من حط عليه مثل الأمير سيف الدين تنكز (٣) نائب الشام. ولم تكن محبة رفيقيه وإعجابهما بابن تيمية بأقل من محبة الذهبي له، بل ربما كان المزي أكثرهم إعجابا ومحبة له مع أنه أكبر منه سنا (٤) . ومع أن الذهبي قد خالف رفيقه وشيخه " في مسائل أصلية وفرعية (٥) " وأرسل إليه نصيحته الذهبية (٦) التي يلومه، وينتقد بعض آرائه وآراء أصحابه بها، إلا أنه بلا ريب قد تأثر به تأثرا عظيما، بحيث قال تاج الدين السبكي المتوفى سنة ٧٧١ هـ: " إن هذه الرفقة المزي والذهبي والبرزالي أضر بها أبو العباس ابن تيمية إضرارا بينا وحملها من عظائم الأمور أمرا ليس هينا، وجرهم إلى ما كان التباعد عنه أولى بهم (٧) ". إن هذه الصلة بين الرفقة، وما اختطوه لأنفسهم فيما ارتضوه، ومالوا إليه من آراء الحنابلة، قد أدت في كثير من الأحيان إلى إيذائهم والتحامل عليهم بما

стр. 36

ليس فيهم. وقد أوذي المزي بسبب ذلك (١) ، وحرم الذهبي بسبب آرائه من تولي أكبر دار للحديث بدمشق، هي دار الحديث الأشرفية (٢) التي شغرت مشيختها بعد وفاة رفيقه المزي سنة ٧٤٢ هـ، فأشار قاضي القضاة علي بن عبد الكافي السبكي أن يعين الذهبي لها، فتكلم الشافعية بأن الذهبي ليس بأشعري، وأن المزي ما وليها إلا بعد أن كتب بخطه، وأشهد على نفسه بأنه أشعري، واتسع النقاش بينهم، ورفض الشافعية أن يتولاها الذهبي بعد أن جمعهم نائب الشام ألطنبغا بالرغم من إلحاح السبكي، ولم يحسم الأمر إلا بتولية السبكي نفسه (٣) . ثم أثرت صلة الذهبي بابن تيمية فيما اختصر (٤) أو ألف (٥) من كتب، وفي بلورة بعض آرائه، وحبه للحنابلة (٦) ، وموقفه من بعض المتصوفة (٧) ولا سيما طائفة الأحمدية، أتباع الشيخ أحمد الرفاعي (٨) . وهو يذكر

стр. 37

أن علم المنطق " نفعه قليل وضرره وبيل وما هو من علوم الإسلام (١) " ويقول عن الفلسفة: " الفلسفة الإلهية ما ينظر فيها من يرجى فلاحه، ولا يركن إلى اعتقادها من يلوح نجاحه، فإن هذا العلم في شق، وما جاءت به الرسل في شق، ولكن ضلال من لم يدر ما جاءت به الرسل كما ينبغي بالحكمة أشر ممن يدري، واغوثاه بالله إذا كان الذين قد انتدبوا للرد على الفلاسفة قد حاروا، ولحقتهم كسفة، فما الظن بالمردود عليهم (٢) ؟ ! ". ثم كان لهذه الرفقة، أعني رفقة ابن تيمية، أن جعلت بعض الناس يجدون فيها سببا لطعنهم في كتاباته بسبب اعتقادهم بتحيزها (٣) . وقد أثارت هذه المطاعن نقاشا بين علماء عصره، وعند العلماء الذين جاؤوا بعده (٤) وهو ما سوف نبحثه عند كلامنا على منهجه في " سير أعلام النبلاء " (٥) . ومع أن كثيرا من الانتقادات التي وجهت إلى الذهبي بسبب العقائد كان يغلب عليها طابع التحامل والتعصب، إلا أننا في الوقت نفسه يجب أن نعترف بأن تكوينه الفكري العام قد ارتبط ارتباطا شديدا بالحديث والمحدثين ونظرتهم إلى العلوم والعلماء وفلسفتهم تجاه العلوم العقلية، وقد أثر ذلك، كما سنرى، في منهجه التاريخي تأثيرا واضحا حينما ربطه بالحديث النبوي الشريف وعلومه، فاهتم اهتماما كبيرا بالتراجم حتى صارت أساس كثير من كتبه، ومحور تفكيره.

стр. 38

سادسا - نشاطه العلمي ومناصبه التدريسية بدأت حياة الذهبي العلمية في الإنتاج في مطلع القرن الثامن الهجري كما يبدو، فبدأ باختصار عدد كبير من أمهات الكتب في شتى العلوم التي مارسها، ومن أهمها التاريخ والحديث. ثم توجه بعد ذلك إلى تأليف كتابه العظيم " تاريخ الإسلام " الذي انتهى من إخراجه لأول مرة سنة ٧١٤ (١) هـ. وقد تولى الذهبي في سنة ٧٠٣ هـ الخطابة بمسجد كفر بطنا (٢) ، وهي قرية بغوطة دمشق (٣) ، وظل مقيما بها إلى سنة ٧١٨ هـ. وفي هذه القرية الهادئة ألف الذهبي خيرة كتبه، وقد ساعده على ذلك كما يبدو تفرغه التام للتأليف. وفي شوال سنة ٧١٨ هـ توفي الشيخ كمال الدين أحمد بن محمد بن أحمد ابن الشريشي الوائلي، وكيل بيت المال، وشيخ دار الحديث بتربة أم الصالح وغيرها (٤) ، وكانت هذه الدار من كبريات دور الحديث بدمشق آنذاك (٥) ، تولاها كمال الدين ابن الشريشي مدة ثلاث وثلاثين سنة ابتداء من سنة ٦٨٥ هـ وإلى حين وفاته وكان والده قد تولاها قبله (٦) . قال ابن كثير في حوادث سنة ٧١٨ هـ: " وفي يوم الاثنين العشرين من

стр. 39

ذي الحجة باشر الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان الذهبي المحدث الحافظ بتربة أم الصالح عوضا عن كمال الدين ابن الشريشي..وحضر عند الذهبي جماعة من القضاة (١) ". وقد اتخذها الذهبي سكنا له وبقي فيها إلى حين وفاته. وفي يوم الأربعاء السابع عشر من جمادى الآخرة سنة ٧٢٩ هـ ولي شمس الدين الذهبي دار الحديث الظاهرية (٢) بعد الشيخ شهاب الدين أحمد بن جهيل ونزل عن خطابة كفر بطنا (٣) . ولما توفي الشيخ علم الدين البرزالي، شيخ الذهبي ورفيقه، سنة ٧٣٩ هـ، تولى الذهبي تدريس الحديث بالمدرسة النفيسية وإمامتها عوضا عنه، وكتب له تلميذه صلاح الدين الصفدي توقيعا بذلك (٤) . وفي هذه السنة أيضا، أعني سنة ٧٣٩ هـ، كمل تعمير دار الحديث والقرآن التنكزية (٥) ، وباشر الذهبي مشيخة الحديث بها (٦) . وقد أخطأ محيي

стр. 40

الدين عبد القادر النعيمي المتوفى سنة ٩٢٧ هـ حينما جعل الذهبي يخلف تقي الدين ابن تيمية في دار الحديث السكرية (١) ، فترجمه فيها (٢) وكرر ذلك، مع أن الذهبي لم يتول هذه الدار كما يبدو. ويظهر أن " التنكزية " تحرفت إلى " السكرية (٣) فظن الرجل أنه تولاها، مع أنه ذكر أن الذهبي تولى دار الحديث التنكزية ونقل النصوص الدالة نفسها، قال في دار الحديث السكرية بعد أن ترجم لشيخها تقي الدين ابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ: " ثم وليها بعده الحافظ الذهبي وهو محمد.. ثم ولي مشيخة السكرية هذه بعده الصدر المالكي ". قال الشيخ شمس الدين السيد في " ذيل العبر " (في) (٤) سنة تسع وأربعين وسبع مئة: " والإمام صدر الدين سليمان بن عبد الحكم (٥) المالكي مدرس الشرابيشية وشيخ السكرية بعد الذهبي ". انتهى. وقال الصلاح الصفدي في " تاريخه " في حرف السين: " سليمان بن عبد الحكم..إلخ (٦) " ثم قال في " دار القرآن والحديث التنكزية " من كتابه بعد ذكر عمارتها ووقوفها: " قال السيد الحسيني في " ذيل العبر " في سنة تسع وأربعين (وسبع مئة) (٧) : والإمام صدر الدين سليمان بن عبد الحكم المالكي
следующие страницы →