← Тараджим

Тараджим · id 10906

سير أعلام النبلاء - ط الرسالة

شمس الدين الذهبي

Полный текст (14 211 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ليس فيهم. وقد أوذي المزي بسبب ذلك (١) ، وحرم الذهبي بسبب آرائه من تولي أكبر دار للحديث بدمشق، هي دار الحديث الأشرفية (٢) التي شغرت مشيختها بعد وفاة رفيقه المزي سنة ٧٤٢ هـ، فأشار قاضي القضاة علي بن عبد الكافي السبكي أن يعين الذهبي لها، فتكلم الشافعية بأن الذهبي ليس بأشعري، وأن المزي ما وليها إلا بعد أن كتب بخطه، وأشهد على نفسه بأنه أشعري، واتسع النقاش بينهم، ورفض الشافعية أن يتولاها الذهبي بعد أن جمعهم نائب الشام ألطنبغا بالرغم من إلحاح السبكي، ولم يحسم الأمر إلا بتولية السبكي نفسه (٣) . ثم أثرت صلة الذهبي بابن تيمية فيما اختصر (٤) أو ألف (٥) من كتب، وفي بلورة بعض آرائه، وحبه للحنابلة (٦) ، وموقفه من بعض المتصوفة (٧) ولا سيما طائفة الأحمدية، أتباع الشيخ أحمد الرفاعي (٨) . وهو يذكر

стр. 37

أن علم المنطق " نفعه قليل وضرره وبيل وما هو من علوم الإسلام (١) " ويقول عن الفلسفة: " الفلسفة الإلهية ما ينظر فيها من يرجى فلاحه، ولا يركن إلى اعتقادها من يلوح نجاحه، فإن هذا العلم في شق، وما جاءت به الرسل في شق، ولكن ضلال من لم يدر ما جاءت به الرسل كما ينبغي بالحكمة أشر ممن يدري، واغوثاه بالله إذا كان الذين قد انتدبوا للرد على الفلاسفة قد حاروا، ولحقتهم كسفة، فما الظن بالمردود عليهم (٢) ؟ ! ". ثم كان لهذه الرفقة، أعني رفقة ابن تيمية، أن جعلت بعض الناس يجدون فيها سببا لطعنهم في كتاباته بسبب اعتقادهم بتحيزها (٣) . وقد أثارت هذه المطاعن نقاشا بين علماء عصره، وعند العلماء الذين جاؤوا بعده (٤) وهو ما سوف نبحثه عند كلامنا على منهجه في " سير أعلام النبلاء " (٥) . ومع أن كثيرا من الانتقادات التي وجهت إلى الذهبي بسبب العقائد كان يغلب عليها طابع التحامل والتعصب، إلا أننا في الوقت نفسه يجب أن نعترف بأن تكوينه الفكري العام قد ارتبط ارتباطا شديدا بالحديث والمحدثين ونظرتهم إلى العلوم والعلماء وفلسفتهم تجاه العلوم العقلية، وقد أثر ذلك، كما سنرى، في منهجه التاريخي تأثيرا واضحا حينما ربطه بالحديث النبوي الشريف وعلومه، فاهتم اهتماما كبيرا بالتراجم حتى صارت أساس كثير من كتبه، ومحور تفكيره.

стр. 38

سادسا - نشاطه العلمي ومناصبه التدريسية بدأت حياة الذهبي العلمية في الإنتاج في مطلع القرن الثامن الهجري كما يبدو، فبدأ باختصار عدد كبير من أمهات الكتب في شتى العلوم التي مارسها، ومن أهمها التاريخ والحديث. ثم توجه بعد ذلك إلى تأليف كتابه العظيم " تاريخ الإسلام " الذي انتهى من إخراجه لأول مرة سنة ٧١٤ (١) هـ. وقد تولى الذهبي في سنة ٧٠٣ هـ الخطابة بمسجد كفر بطنا (٢) ، وهي قرية بغوطة دمشق (٣) ، وظل مقيما بها إلى سنة ٧١٨ هـ. وفي هذه القرية الهادئة ألف الذهبي خيرة كتبه، وقد ساعده على ذلك كما يبدو تفرغه التام للتأليف. وفي شوال سنة ٧١٨ هـ توفي الشيخ كمال الدين أحمد بن محمد بن أحمد ابن الشريشي الوائلي، وكيل بيت المال، وشيخ دار الحديث بتربة أم الصالح وغيرها (٤) ، وكانت هذه الدار من كبريات دور الحديث بدمشق آنذاك (٥) ، تولاها كمال الدين ابن الشريشي مدة ثلاث وثلاثين سنة ابتداء من سنة ٦٨٥ هـ وإلى حين وفاته وكان والده قد تولاها قبله (٦) . قال ابن كثير في حوادث سنة ٧١٨ هـ: " وفي يوم الاثنين العشرين من

стр. 39

ذي الحجة باشر الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان الذهبي المحدث الحافظ بتربة أم الصالح عوضا عن كمال الدين ابن الشريشي..وحضر عند الذهبي جماعة من القضاة (١) ". وقد اتخذها الذهبي سكنا له وبقي فيها إلى حين وفاته. وفي يوم الأربعاء السابع عشر من جمادى الآخرة سنة ٧٢٩ هـ ولي شمس الدين الذهبي دار الحديث الظاهرية (٢) بعد الشيخ شهاب الدين أحمد بن جهيل ونزل عن خطابة كفر بطنا (٣) . ولما توفي الشيخ علم الدين البرزالي، شيخ الذهبي ورفيقه، سنة ٧٣٩ هـ، تولى الذهبي تدريس الحديث بالمدرسة النفيسية وإمامتها عوضا عنه، وكتب له تلميذه صلاح الدين الصفدي توقيعا بذلك (٤) . وفي هذه السنة أيضا، أعني سنة ٧٣٩ هـ، كمل تعمير دار الحديث والقرآن التنكزية (٥) ، وباشر الذهبي مشيخة الحديث بها (٦) . وقد أخطأ محيي

стр. 40

الدين عبد القادر النعيمي المتوفى سنة ٩٢٧ هـ حينما جعل الذهبي يخلف تقي الدين ابن تيمية في دار الحديث السكرية (١) ، فترجمه فيها (٢) وكرر ذلك، مع أن الذهبي لم يتول هذه الدار كما يبدو. ويظهر أن " التنكزية " تحرفت إلى " السكرية (٣) فظن الرجل أنه تولاها، مع أنه ذكر أن الذهبي تولى دار الحديث التنكزية ونقل النصوص الدالة نفسها، قال في دار الحديث السكرية بعد أن ترجم لشيخها تقي الدين ابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ: " ثم وليها بعده الحافظ الذهبي وهو محمد.. ثم ولي مشيخة السكرية هذه بعده الصدر المالكي ". قال الشيخ شمس الدين السيد في " ذيل العبر " (في) (٤) سنة تسع وأربعين وسبع مئة: " والإمام صدر الدين سليمان بن عبد الحكم (٥) المالكي مدرس الشرابيشية وشيخ السكرية بعد الذهبي ". انتهى. وقال الصلاح الصفدي في " تاريخه " في حرف السين: " سليمان بن عبد الحكم..إلخ (٦) " ثم قال في " دار القرآن والحديث التنكزية " من كتابه بعد ذكر عمارتها ووقوفها: " قال السيد الحسيني في " ذيل العبر " في سنة تسع وأربعين (وسبع مئة) (٧) : والإمام صدر الدين سليمان بن عبد الحكم المالكي

стр. 41

شيخهم ومدرس الشرابيشية وشيخ التنكزية بعد الذهبي. انتهى. وقد تقدمت ترجمة الذهبي في دار الحديث السكرية. وقال الصلاح الصفدي في " تاريخه " في حرف السين: " سليمان ابن عبد الحكم..إلخ (١) ". وهذا النص الأخير هو الصحيح وهو الذي أورده الحسيني في " ذيل العبر " (٢) . إن هذا الاختلاط والتحريف بالنصوص جعل الدكتور صلاح الدين المنجد يذهب إلى القول بأن الذهبي خلف ابن تيمية سنة ٧٢٨ هـ في دار الحديث السكرية وهو وهم لا أساس له (٣) . ومن دور الحديث التي تولاها الذهبي دار الحديث الفاضلية (٤) ، التي أسسها القاضي الفاضل وزير صلاح الدين المتوفى سنة ٥٩٦ هـ. وهكذا تولى الذهبي كبريات دور الحديث بدمشق في أيامه، لما وصل إليه من المعرفة الواسعة في هذا الفن. وحينما توفي سنة ٧٤٨ هـ كان يتولى مشيخة الحديث في خمسة أماكن هي: ١ - مشهد عروة، أو دار الحديث العروية، ودرس فيها بعده شرف الدين ابن الواني الحنفي، نزل الذهبي له عنها في مرض موته (٥) .

стр. 42

٢ - دار الحديث النفيسية، وقد نزل الذهبي عنها إلى الشيخ شرف الدين ابن الواني الحنفي في مرض موته أيضا فدرس فيها في ذي القعدة (١) . ٣ - دار الحديث التنكرية، ودرس فيها بعده الإمام صدر الدين سليمان ابن عبد الحكيم المالكي كما مر بنا قبل قليل (٢) . ٤ - دار الحديث الفاضلية بالكلاسة، ودرس فيها بعده تلميذه تقي الدين أبو المعالي محمد بن رافع بن هجرس السلامي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ (٣) . ٥ - تربة أم الصالح، درس فيها بعده تلميذه الحافظ أبو الفداء عماد الدين ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ (٤) .

стр. 43

سابعا - منزلة الذهبي العلمية لعل خير ما يصور منزلة الذهبي العلمية واتجاهاته الفكرية هو دراسة آثاره الكثيرة التي خلفها، وتبيان قيمتها مقارنة بمثيلاتها، ومدى اهتمام العلماء والدارسين بها في العصور التالية، والمساهمة الفعلية التي قدمتها للحضارة الإسلامية. وسيرة الذهبي العلمية، استنادا إلى آثاره، ذات وجوه متعددة يستبينها الباحث الفاحص من نوعية تلك الآثار. وأول ما يلاحظ الدارس هذا العدد الضخم من الكتب التي اختصرها والتي تربي على خمسين كتابا، معظمها من الكتب الكبيرة التي اكتسبت أهمية عظيمة عند الدارسين، والتي تعد من بين أحسن الكتب التي وضعت في عصرها وأكثرها أصالة، مما يدل على استيعاب الذهبي لمؤلفات السابقين، ومعرفته بالجيد الأصيل منها، وتمتعه بقدرة ممتازة على الانتفاء. ومما يثير الانتباه أن مختصرات الذهبي لم تكن اختصارات عادية يغلب عليها الجمود والنقل، بل إن المطلع عليها الدارس لها بروية وإمعان يجد فيها إضافات كثيرة، وتعليقات نفيسة، واستدراكات بارعة، وتصحيحات وتصويبات لمؤلف الأصل إذا شعر بوهمه أو غلطه، ومقارنات تدل على معرفته وتبحره في فن الكتاب المختصر، فهو اختصار مع سد نقص وتحقيق ونقد وتعليق وتدقيق، وهو أمر لا يتأتى إلا للباحثين البارعين الذين أوتوا بسطة في العلم ومعرفة بفنونه. والذهبي حين يضيف إلى الكتاب المختصر يشعر بضرورة ذلك لسد نقص يعتري ذلك الكتاب. فحينما اختصر مثلا كتاب " أسد الغابة في

стр. 44

معرفة الصحابة " لعز الدين ابن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠ هـ زاده من عدة تواريخ منها: " تاريخ الصحابة الذين نزلوا حمص " لأبي القاسم عبد الصمد ابن سعيد الحمصي المتوفى سنة ٣٢٤ هـ، و " مسند " الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٤١ هـ، و " مسند " بقي بن مخلد المتوفى سنة ٢٧٦ هـ، و " طبقات " ابن سعد المتوفى سنة ٢٣٠ هـ، و " تاريخ دمشق " لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ، ومن كتابات ابن سيد الناس المتوفى سنة ٧٣٤ (١) هـ. وقال سبط ابن حجر عند كلامه على اختصار الذهبي " للمعجم المشتمل على ذكر شيوخ الأئمة النبل " لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ: " زاده فوائد ومحاسن " (٢) . ويجد الباحث في مختصرات الذهبي تعليقات نفيسة، ومن ذلك مثلا ما عمله في كتاب " الكاشف " الذي اختصره من " تهذيب الكمال " لأبي الحجاج المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ، فعلى الرغم من محافظة الذهبي على روح النص الأصلي، فقد بث فيه من روحه ونشر فيه من علمه ما جعله يكاد يكون مؤلفا من تآليفه مخالفا للأصل المختصر منه في كثير من الأمور. وآية ذلك أنه علق على آراء بعض أئمة الجرح والتعديل فيه تعديلا أو إبطالا، كما حقق كثيرا من التراجم وزاد تدقيقا لا نجده في الأصل. فضلا عن بيان رأيه في كثير من الرواة على أسس من دراساته الواسعة، وخبرته العميقة بعلم الحديث النبوي الشريف مما حدا بتاج الدين السبكي أن يصف هذا المختصر بأنه " كتاب نفيس " (٣) .

стр. 45

وتظهر براعة الذهبي في النقد والتحقيق في كثير من هذه المختصرات، فمن ذلك مثلا ما ظهر في مختصره لكتاب " المستدرك على الصحيحين " لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ هـ الذي قصد فيه مؤلفه أن يورد أحاديث على شرط البخاري ومسلم مما لم يذكراه في صحيحيهما، حيث يتبين لنا من مطالعة المختصر وتعليقات الذهبي عليه وتخريجاته ونقده أنه لم يصحح من أحاديث الكتاب سوى النصف، وبين أن نصف النصف الآخر يصح سنده وإن كان فيه علة، أما الربع الأخير فهو أحاديث مناكير وواهيات لا تصح، بل إن في بعضها أحاديث موضوعة (١) . وهذا يعني أن الذهبي قد أعاد دراسة جميع أحاديث المستدرك مجددا ونقدها، فخرج بهذه النتيجة. وغالبا ما يقوم الذهبي بتخريج الأحاديث الواردة في الكتب التي يقوم باختصارها، فغالب التخريج في كتاب " تلخيص العلل المتناهية في الأحاديث الواهية " الذي لخصه من كتاب " العلل " لابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ هو من كلام الذهبي (٢) . ولما اختصر الذهبي كتاب " السنن الكبرى " للبيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ. تكلم على أسانيد الكتاب بنفائس تدل على تبحره بهذا الفن، ووضع رموزا على الحديث لمن خرجه من أصحاب الصحيحين والسنن الأربع، وخرج الأحاديث التي لم ترد في هذه الكتب الستة. وكثيرا ما كان الذهبي يخرج تراجم الكتب التي يختصرها في علم الرجال.

стр. 46

من ذلك مثلا ما عمله في اختصاره لتاريخ ابن الدبيثي المتوفى سنة ٦٣٧ هـ حيث زاد في كثير من تراجمه ولا سيما الرجال الذين أخذوا عن صاحب الترجمة، وهو ما أغفله ابن الدبيثي في " تاريخه " (١) . كما تظهر مقارنات دقيقة بالكتب والتواريخ التي من بابته " كتاريخ محب الدين ابن النجار " المتوفى سنة ٦٤٣ هـ الذي ذيل به على تاريخ الخطيب المتوفى سنة ٤٦٣ هـ (٢) ، و " وفيات الأعيان "، لابن خلكان المتوفى سنة ٦٨١ (٣) هـ، و " التكملة لوفيات النقلة " لزكي الدين المنذري المتوفى سنة ٦٥٦ (٤) وغيرها. أو من كتب الشعر ككتاب " الخريدة " للعماد الأصبهاني القرشي المتوفى سنة ٥٩٦ (٥) هـ. أو من كتابات كبار العلماء الذين أخذوا عن المترجم له، مثل زكي الدين البرزالي المتوفى سنة ٦٣٦ (٦) هـ، وفخر الدين ابن البخاري المتوفى سنة ٦٩٠ هـ صاحب " المشيخة " المشهورة (٧) ، وشهاب الدين أحمد بن إسحاق الأبرقوهي المتوفى سنة ٧٠١ هـ (٨) ، وضياء الدين المقدسي المتوفى سنة

стр. 47

٦٤٣ هـ (١) وغيرهم كثير. أو من خطوط العلماء نحو قوله: " قرأت بخط ابن قدامة " (٢) . فضلا عما أضاف هو من الأسانيد قرأها على شيوخه مما يتصل بتلك التراجم، وهي إضافة أصيلة للترجمة، فهو حينما يقول مثلا: " وروى لنا عنه بمصر أبو المعالي الأبرقوهي (٣) " أو " روى لنا عنه أبو العباس ابن الظاهري وأبو الحسين اليونيني وعلي بن عبد الدائم ومحمد بن يوسف الإربلي..إلخ (٤) " فمعنى ذلك أن هؤلاء الشيوخ قد أخذوا عن صاحب الترجمة (٥) . ومن إضافاته إلى تلك المختصرات أيضا تواريخ وفيات المترجمين الذين لم يذكر صاحب الكتاب الأصلي وفياتهم. فنحن نعلم مثلا أن ابن الدبيثي لم يذكر وفاة أحد ممن ذكر هم في تاريخه ممن تأخرت وفاته عن سنة ٦٢١ هـ وهي السنة التي حدث ابن الدبيثي فيها بتاريخه والتي تمثل آخر إخراج له (٦) ، في حين أن وفيات بعضهم قد تأخرت إلى النصف الثاني من القرن السابع الهجري، فاستخرج الذهبي وفياتهم وذكرها ليكون اختصاره أكمل ولتكون معلومات الكتاب أتم (٧) . يضاف إلى ذلك أنه يروي بعض الأحاديث الواردة في هذه المختصرات

стр. 48

بسنده إذا وجد مجالا لذلك (١) . وأعاد الذهبي تنظيم بعض الكتب التي اختصرها، فحينما اختصر كتاب " الكنى " لأبي أحمد الحاكم المتوفى سنة ٣٧٨ هـ أعاد ترتيبه على حروف المعجم بعد أن أضاف إليه أشياء أخرى مما ليس فيه (٢) . كما رتب " المجرد من تهذيب الكمال " على عشر طبقات ورتب كل طبقة على حروف المعجم، في حين كان كتاب " تهذيب الكمال " للمزي مرتبا على حروف المعجم (٣) . وقد حفظنا من سيرة الذهبي أنه عني بالقراءات ودرسها على كبار شيوخ عصره من المقرئين المشهورين حتى أصبح " الأستاذ الثقة الكبير (٤) " فيها. وذكر ابن ناصر الدين المتوفى سنة ٨٤٢ هـ أنه كان " إماما في القراءات (٥) ". لكننا نلاحظ في الوقت نفسه أنه لم يتخرج عليه في القراءات سوى عدد قليل جدا (٦) ولعل السبب في ذلك يعود إلى أنه عني بهذه الناحية في مطلع حياته العلمية، ثم اتجه بعد ذلك إلى الحديث والتاريخ وغيرهما. ولم نعرف من آثاره في هذا الفن غير كتاب " التلويحات في علم القراءات (٧) " وكتاب " معرفة

стр. 49

القراء الكبار على الطبقات والأعصار " الذي هو إلى كتاب التراجم أقرب منه إلى القراءات وإن كانت محتوياته غالبا ما تتعلق بموضوع القراءات. وقد شهد له ابن الجزري بالإحسان فيه (١) ، لذلك سلخه بأجمعه في كتابه " غاية النهاية " كما نص على ذلك في المقدمة (٢) ، ووصفه شمس الدين السخاوي بأنه " كتاب حافل " (٣) . ومع كل ذلك فإن هذا الوجه من حياة الذهبي العلمية هو أضعف الوجوه وأقلها آثارا. على أن مكانة الذهبي العلمية وبراعته تظهران في أحسن الوجوه إشراقا وأكثرها تألقا عند دراستنا له محدثا يعنى بهذا الفن، فقد مهر الذهبي في علم الحديث وجمع فيه الكتب الكثيرة " حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفا (٤) ". وقد رأينا إقباله العظيم عليه وشرهه لسماعه، وذلك العدد الضخم من الشيوخ الذين حوتهم معجمات شيوخه الثلاثة، والكتب، والأجزاء، والمجاميع الكثيرة التي قرأها على الشيوخ أكثر من مرة. وقد فتحت له هذه المعرفة الواسعة آفاقا عظيمة في هذا الفن فاختصر عددا كبيرا من الكتب، وألف عددا أكبر يستبينه الباحث عند إلقائه نظرة على قائمة مؤلفاته في هذا المجال. كما ألف في مصطلح الحديث كتبا، وخرج التخاريج الكثيرة من الأربعينات، والثلاثينات، والعوالي، والأجزاء، ومعجمات الشيوخ، والمشيخات، وغيرها مما فصلنا القول فيه عند كلامنا على آثاره (٥) . ومع أن الذهبي قد عاش في عصر غلب عليه الجمود والنقل والتخليص،

стр. 50

فإنه قد تخلص من كثير من ذلك بفضل سعة دراساته وفطنته. قال تلميذه صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ: " لم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة (١) النقلة بل هو فقيه النظر، له دربة بأقوال الناس ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب المقالات. وأعجبني منه ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثا يورده حتى يبين ما فيه من ضعف متن، أو ظلام إسناد، أو طعن في رواته، وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده (٢) . إن هذه البراعة في علم الحديث، والتمكن منه ذاك التمكن، جعلت الذهبي ينطلق بعد ذلك يجرح، ويعدل، ويفرع، ويصحح، ويعلل، ويستدرك على كبار العلماء (٣) ، " فدخل في كل باب من أبوابه " على حد تعبير تلميذه تاج الدين السبكي (٤) ، حتى أطلق عليه معاصروه " محدث العصر (٥) ". وبلغ اعتراف حافظ عصره الإمام ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ بفضل الذهبي وبراعته إلى درجة أنه شرب ماء زمزم سائلا الله أن يصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ وفطنته (٦) .

стр. 51

ومفهوم التاريخ عند الذهبي يتصل اتصالا وثيقا بالحديث النبوي وعلومه، ويظهر ذلك من كتب الرجال التي يطلق الذهبي عليها اسم التاريخ ". وقد أصبح واضحا أن الغاية الرئيسة من العناية بالرجال أتى لضبط الرواة أولا (١) ، وهو ما يظهر في معظم مقدمات كتبه في هذا الفن، وهو مفهوم ساد عند المحدثين المؤرخين لا سيما في ذلك العصر (٢) . وعلى علم الرجال، وعلى آثار الذهبي فيه، قامت شهرته الواسعة باعتباره مؤرخا، كما نرى. وقد خلف الذهبي في هذا الفن عددا ضخما من الآثار ابتدأها باختصار أمهات الكتب المؤلفة فيه، كالتواريخ المحلية مثل " تاريخ بغداد " للخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، والذيول عليه: لابن السمعاني المتوفى سنة ٥٦٢ هـ، وابن الدبيثي المتوفى سنة ٦٣٧ هـ وابن النجار المتوفى سنة ٦٤٣ هـ. ومنها أيضا " تاريخ دمشق " لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ، و " تاريخ مصر " لابن يونس المتوفى سنة ٣٤٧ هـ، و " تاريخ نيسابور " لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ هـ، و " تاريخ خوارزم " لابن أرسلان الخوارزمي المتوفى سنة ٥٦٨ هـ. ومن كتب الوفيات: " التكملة لوفيات

стр. 52

النقلة " لزكي الدين المنذري المتوفى سنة ٦٥٦ هـ وصلته للحسيني المتوفى سنة ٦٩٥ هـ. ومن كتب الأنساب: كتاب " الأنساب " لأبي سعد السمعاني المتوفى سنة ٥٦٢ هـ. ومن كتب الصحابة كتاب " أسد الغابة " لابن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠ هـ. ومن كتب رجال الصحاح والسنن مثل كتاب " تهذيب الكمال في معرفة الرجال " لأبي الحجاج المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ، و " المعجم المشتمل على أسماء شيوخ الأئمة النبل " لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ وغيرها (١) . فكانت هذه المختصرات المادة الرئيسة التي كونت شخصيته العلمية ومعرفته بالعصور السابقة. أما تراجم المعاصرين فيعد الذهبي من بين أحسن الذين كتبوا فيهم، وقد أدرك أهمية هذا الأمر فكان كتابه " المعجم المختص بمحدثي العصر " خير دليل على ذلك. ولا عبرة بعد ذلك بمن انتقده لتناوله التاريخ المعاصر كابن الوردي (٢) ، لأن هذا هو التاريخ الأكثر أهمية وخطرا، وهو الذي يعطي المؤرخ أهميته البالغة بين المؤرخين ويميزه عن غيره، وهو مما لم يدركه كثير من المعنيين بالتاريخ ومنهم ابن الوردي. لقد أنتجت هذه المعرفة الرجالية الواسعة مؤلفات كثيرة لعل من أهمها كتابه العظيم " تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام " الذي هو إلى كتب التراجم أقرب منه إلى التاريخ بمفهومه الحديث، وكتابه النفيس " سير أعلام النبلاء " الذي لم يتضمن غير التراجم، ثم ذلك العدد الضخم من المؤلفات التي عرفناها له.

стр. 53

ولعل مما يميز الذهبي عن غيره من بعض مؤلفي كتب الرجال والتراجم أنه لم يقتصر في تأليفه على عصر معين، أو فئة معينة، أو تنظيم معين، بل تناولت مؤلفاته رجال الإسلام من أول ظهوره حتى عصره، بله المعاصرين له. وهو في كتابته للترجمة فنان تراجمي ملئ بفن التراجم يجد الباحث فيها دقة متناهية في التعبير، وحبكا للترجمة تشد القارئ إليها مع تعدد الموارد وانتقاء لأفضلها وإبداء لآرائه الشخصية فيها (١) . وقد عانى الذهبي كتابة " السيرة " وهو فن خاص له مميزاته التي تجعله يختلف عن كتابة " الترجمة " المجردة، فكتب في سير الخلفاء الراشدين، وأئمة الفقه، والحديث، وغيرهم (٢) . ومعرفة الذهبي الواسعة في الرجال دفعت تاج الدين السبكي الذي انتقده في بعض المواضع إلى القول: " إنه كان شيخ الجرح والتعديل ورجل الرجال، وكأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها (٣) ". وقد ازداد شأنه بعد عصره بحيث اعتبر هو والمزي مؤرخي القرن الثامن اللذين لا ينافسهما أحد (٤) ، وعده الإمام السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ رأس طبقة ذكر فيها القطب الحلبي المتوفى سنة ٧٣٥ هـ وابن سيد الناس المتوفى سنة ٧٣٤ هـ وشمس الدين المقدسي المتوفى سنة ٧٤٤ هـ

стр. 54

وتقي الدين السبكي المتوفى سنة ٧٥٦ هـ وعلم الدين البرزالي المتوفى سنة ٧٣٩ هـ وشهاب الدين النابلسي المتوفى سنة ٧٥٨ (١) هـ وهم من أعلام الحفاظ المحدثين المؤرخين، وذكر أن المحدثين في عصره عيال في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة أحدهم الذهبي (٢) . ومع أن براعة الذهبي التاريخية أكثر ما ظهرت في الرجال فإنه قد درس التاريخ السياسي، واختصر عددا من المؤلفات الرئيسية فيه مثل تاريخ أبي شامة المتوفى سنة ٦٦٥ هـ وتاريخ أبي الفداء المتوفى سنة ٧٣٢ هـ وغيرهما، وأفاد من معظم التواريخ المعروفة في عصره ودرسها كسيرة ابن إسحاق المتوفى سنة ١٥١ هـ وتواريخ: الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ وابن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠ هـ وابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ وغيرهما مما يطول تعداده (٣) . وقد ظهرت هذه الكتابات في تواريخه المرتبة على الحوادث والوفيات مثل " تاريخ الإسلام " و " العبر " و " دول الإسلام " وغيرها. ونستبين من نطاق كتاباته هذه أنه كان مؤرخا جوال الذهنية استطاع استيعاب عصور التاريخ الإسلامي من أول ظهوره حتى زمانه الذي كتب فيه مؤلفاته، وهي فترة تزيد على السبعة قرون، فألف في كل هذه العصور بعد أن درسها دراسة عميقة قامت على دعامتين رئيستين هما: الرواية الشفوية والكتب وهذا أمر لم يتأت لكثير من العلماء الذين سبقوه أو عاصروه. وحينما كتب الذهبي كتابه " تذكرة الحفاظ " ورتبه على الطبقات تكلم في

стр. 55

نهاية أكثرها على الأوضاع السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية في الوقت الذي تناولته فأجمل الأوضاع العامة بفقرات قليلة دللت على سعة أفقه التاريخي وقدرته الفائقة على تصوير حقبة كاملة من الزمن وعلى امتداد العالم الإسلامي المترامي الأطراف بعبارة وجيزة. وهذا أمر لا يتأتى إلا لمن استوعب العصر ودرسه دراسة عميقة بحيث حصل له مثل هذا التصور والفهم العام (١) . ثم إن هذه المعرفة الرجالية الواسعة مع ما أوتي من ذكاء وإدراك واسعين جعلت منه ناقدا رجاليا ماهرا، تدل على ذلك مؤلفاته في النقد وأصوله والتي من أبرزها كتابه العظيم " ميزان الاعتدال في نقد الرجال " الذي اعتبره معاصروه (٢) ومن جاء بعدهم (٣) من أحسن كتبه وأجلها. وقد تناوله عدد كبير من الحفاظ والعلماء والمعنيين بالنقد استدراكا وتعقيبا وتلخيصا بحيث قال شمس الدين السخاوي: " وعول عليه من جاء بعده (٤) ". وللذهبي التفاتات بارعة في أصول النقد، فقد ألف رسالة في " ذكر من يؤتمن قوله في الجرح والتعديل " تكلم فيها على أصول النقد وطبقات النقاد وكيفية أخذ أقوالهم (٥) . وأورد في مقدمة " الميزان " عبارات الجرح والتعديل من أعلى مراتبها إلى أدناها وبين مدلولاتها في النقد (٦) . وهو في كتبه يشرح بعض هذه الأصول،

стр. 56

من ذلك مثلا ما ذكره في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي، قال: " شيعي جلد، ولكنه صدوق فلنا صدقه، وعليه بدعته. وقد وثقة أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو حاتم، وأورده ابن عدي، وقال: كان غاليا في التشيع. وقال السعدي: زائغ مجاهر. فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحد الثقة العدالة والإتقان؟ فكيف يكون عدلا من هو صاحب بدعة؟ وجوابه أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة. ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر ﵄، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة..ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلا، بل قد يعتقد عليا أفضل منهما (١) ". وقال في ترجمة أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني: " أحد الأعلام صدوق، تكلم فيه بلا حجة، ولكن هذه عقوبة من الله لكلامه في ابن منده بهوى، قال الخطيب: " رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها، منها أنه يطلق في الإجازة أخبرنا ولا يبين. وقلت (يعني الذهبي) : هذا مذهب رآه أبو نعيم وغيره، وهو ضرب من التدليس. وكلام ابن منده في أبي نعيم فظيع، لا أحب حكايته، ولا أقبل قول كل منهما في الآخر، لا أعلم لهما ذنبا أكثر من روايتهما الموضوعات ساكتين عنها..قلت: كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، ما ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمت أن عصرا من الأعصار سلم أهله من ذلك، سوى الأنبياء

стр. 57

والصديقين، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس، اللهم فلا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم (١) ". ولم يكن الذهبي ليصدر اتباعا لآراء الآخرين في النقد فهو يخالفهم في بعض الأحيان حين لا يجد لآرائهم من سند قوي يؤيدها، فمن ذلك - مثلا ما جاء في ترجمة زيد بن وهب الجهني، أحد التابعين، وهو الذي تكلم فيه أبو يعقوب الفسوي في " تاريخه " وذكر أن في حديثه خللا كبيرا، فقال: " ولا عبرة بكلام الفسوي (٢) " وأورد في " ميزان الاعتدال " مآخذ الفسوي عليه ورد عليها ثم قال: " فهذا الذي استنكره الفسوي من حديثه ما سبق إليه، ولو فتحنا هذه الوساوس علينا لرددنا كثيرا من السنن الثابتة بالوهم الفاسد (٣) " والميزان ملئ بمثل هذه النقدات لا مجال لتكثير الأمثلة منها. بل وجدناه يؤلف كتابين، يرد فيهما على جملة من علماء الجرح والتعديل هما: " رسالة في الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم "، وكتاب " من تكلم فيه وهو موثق ". ولم يقتصر نقد الذهبي على الرجال حسب، بل تعدى ذلك إلى نقد الموارد التي يطالعها أو يختصرها أو يأخذ منها، وهو ما يعرف اليوم بنقد المصادر، من ذلك مثلا نقده لكتاب " الضعفاء " لابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ الذي اختصره وذيل عليه، فقال في ترجمة أبان بن يزيد العطار: قد أورده أيضا العلامة ابن الجوزي في " الضعفاء " ولم يذكر فيه أقوال من وثقه. وهذا من عيوب كتابه يسرد الجرح ويسكت عن التوثيق " (٤) . وقال في ترجمة حفص

стр. 58

ابن؟ ؟ من الميزان: " قال ابن القطان: لا يعرف له حال ولا يعرف قلت: لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا، فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل أو أخذ عمن عاصره مما يدل على عدالته. وهذا شيء كثير، ففي الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون، ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل (١) ". وانتقد الذهبي كتاب " الضعفاء " لأبي جعفر محمد بن عمرو العقيلي المتوفى سنة ٣٢٢ هـ لإيراده بعض الثقات ومنهم حافظ عصره علي بن المديني المتوفى سنة ٢٣٤ فقال في ترجمة ابن المديني من الميزان: " ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء، فبئس ما صنع " ورد عليه حينما نقل قول عبد الله بن أحمد بن حنبل: " كان أبي حدثنا عنه، ثم أمسك عن اسمه..ثم ترك حديثه "، بقوله: " بل حديثه عنه في مسنده " وهذا رد مفحم من الذهبي بل قال بعد ذلك: " وهذا أبو عبد الله البخاري وناهيك به قد شحن صحيحه بحديث ابن المديني (٢) ". ولا يقتصر الذهبي عند نقد الكتب على إيراد مساوئها، بل كثيرا ما يذكر محاسنها ومميزاتها، فقد سبق أن قال إن كتاب العقيلي مفيد (٣) ، وقال عن كتاب " الكامل " لابن عدي المتوفى سنة ٣٦٥ هـ إنه " أكمل الكتب وأجلها في ذلك (٤) "، وقال في ترجمة الدارقطني المتوفى سنة ٣٨٥ هـ: " وإذا شئت أن تتبين براعة هذا الإمام الفرد فطالع العلل له فإنك تندهش ويطول تعجبك (٥) ".

стр. 59

ونحن نعلم أيضا أن الذهبي قد عانى النقد في تآليف خاصة رد بها على كتب معينة، فقد ألف كتابا في الرد على ابن القطان المتوفى سنة ٦٢٨ هـ (١) كما ألف كتاب " من تكلم فيه وهو موثق " رد به على جملة من كتب الضعفاء كما بينا. وبسبب هذا الذي قدمنا ذكره من براعة الذهبي في النقد والتمكن منه، فقد أصبح " شيخ الجرح والتعديل " كما ذكر تاج الدين السبكي (٢) . وقال ابن ناصر الدين المتوفى سنة ٨٤٢ هـ: " ناقد المحدثين وإمام المعدلين والمجرحين..وكان آية في نقد الرجال، عمدة في الجرح والتعديل (٣) "، وقال شمس الدين السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢: " وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال (٤) "، فأصبحت أقوال الذهبي فيمن يترجم لهم تعتبر عند النقاد والمؤرخين الذين جاءوا بعده أقصى حدود الاعتبار، وظهرت بصورة جلية في المؤلفات التي كتبت بعد عصره، ولا سيما في مؤلفات مؤرخ القرن التاسع وحافظه ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ (٥) . وتطالعنا عند قراءة كتب الذهبي العديد من الأمثلة التي تدل على قوته في البحث والاستدلال، ومناقشة آراء الغير بروح علمي يعتمد الدليل والإقناع، من ذلك مثلا مناقشة لمن اتهم الحافظ أبا حاتم محمد بن حيان البستي التميمي المتوفى سنة ٣٥٤ هـ بالزندقة لقوله: " إن النبوة هي العلم والعمل " وما تبع ذلك من كتابة الخليفة أمرا بقتله لهذا السبب، قال الذهبي: " وهذا

стр. 60

أيضا له محمل حسن ولم يرد حصر المبتدأ بالخبر، ومثله: الحج عرفة. فمعلوم أن الرجل لا يصير حاجا بمجرد الوقوف بعرفة، وإنما ذكر مهم الحج، ومهم النبوة، إذ أكمل صفات النبي العلم والعمل، ولا يكون أحد نبيا إلا أن يكون عالما عاملا. نعم، النبوة موهبة من الله تعالى لمن اصطفاه من أولي العلم والعمل لا حيلة للبشر في اكتسابها أبدا، وبها يتولد العلم النافع الصالح، ولا ريب أن إطلاق ما نقل عن أبي حاتم لا يسوغ، وذلك نفس فلسفي (١) ". ومن الأمثلة الطريفة أيضا مناقشة لمسألة معرفة النبي ﷺ الكتابة، فقال في ترجمة الحافظ العلامة أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي المتوفى سنة ٤٧٤ هـ: " ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري قال بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر ابن الصائغ وكفره بإجازة الكتب على رسول الله ﷺ النبي الأمي وأنه تكذيب بالقرآن، فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه الفتنة وقبحوا عند العامة ما أتى به خطباؤهم في الجمع وقال شاعرهم: برئت ممن شرى دنيا بآخرة * وقال: إن رسول الله قد كتبا وصنف أبو الوليد رسالة بين فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة فرجع بها جماعة. قلت: ما كل من عرف أن يكتب اسمه فقط بخارج عن كونه أميا لأنه لا يسمى كاتبا. وجماعة من الملوك قد أدمنوا في كتابة العلامة وهم أميون، والحكم للغلبة لا للصورة النادرة، فقد قال ﵇: " إنا أمة أمية " أي أكثر هم كذلك لندور الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: [هو الذي بعث في

стр. 61

الأميين رسولا منهم] (١) . وقال في موضع آخر معقبا على هذه المسألة أيضا: " قلت: وما المانع من جواز تعلم النبي ﷺ يسير الكتابة بعد أن كان أميا لا يدري ما الكتابة، فلعله لكثرة ما أملى على كتاب الوحي وكتاب السنن والكتب إلى الملوك عرف من الخط وفهمه وكتب الكلمة والكلمتين كما كتب اسمه الشريف يوم الحديبية محمد بن عبد الله، وليست كتابته لهذا القدر اليسير ما يخرجه من كونه أميا ككثير من الملوك أميين ويكتبون العلامة " (٢) . ومثل هذا كثير في كتب الذهبي. وقد حفظنا من سيرة الذهبي أنه كان سلفي العقيدة قد أثرت فيه البيئة الدمشقية وصحبته لشيخ الإسلام ابن تيمية. ومع أن الذهبي لم يكن متحمسا للخوض في مضايق العقائد ويعتر السكوت فيها أولى وأسلم (٣) ، لكنه في الوقت نفسه أبدى آراءه في كثير من المواضع، وألف فيها. وقد اعتبر " الاعتزال بدعة " (٤) وهاجم الفلاسفة اليونانيين هجوما عنيفا (٥) . وكان على غاية من الإعجاب بأعمال السلف وإنجازاتهم (٦) ، واهتم اهتماما كبيرا بذكر أخبار العلماء في المحنة التي أصيبوا بها حينما أعلن المأمون رأيه وألزم الناس القول بخلق القرآن، وبين مواقفهم الجريئة من هذا الأمر (٧) .

стр. 62

لقد اختصر الذهبي عددا من الكتب المهمة في العقائد منها مثلا كتاب " البعث والنشور " وكتاب " القدر " اللذان للبيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ، وكتاب " الفاروق في الصفات " لشيخ الإسلام الأنصاري المتوفى سنة ٤٨١ هـ وكتاب " منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال " لرفيقه وشيخه تقي الدين ابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ. وخلف الذهبي عددا من الآثار في هذا العلم منها كتاب " الكبائر وبيان المحارم " وكتاب " الأربعين في صفات رب العالمين " وكتاب " العرش " و " كتاب مسألة الوعيد " وغيرها. ولعل من أشهرها كتابه المعروف " العلو للعلي الغفار " الذي يعد أوسع هذه الكتب وأكثرها شهرة (١) . بحث الذهبي العقائد على طريقة السلف من أهل الحديث، فكانت المادة الرئيسية التي تكون هذه الكتب والأدلة المستعملة فيها من الأحاديث النبوية الشريفة. وقد انتقد الذهبي من قبل مخالفيه على تأليفه لبعض هذه الكتب واعتقاده مثل هذه العقائد، قال الشيخ محمد زاهد الكوثري عن كتاب " العلو ": " ولو لم يؤلفه لكان أحسن له في دينه وسمعته لان فيه مآخذ كثيرة، وقد شهر عن الذهبي أنه كان شافعي الفروع حنبلي المعتقد (٢) ". ولم يشتهر الذهبي بوصفه فقيها أو عالما بالفقه مع أنه درسه على أعلام العصر آنذاك مثل الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني، وبرهان الدين الفزاري، وكمال الدين ابن قاضي شهبة، وغيرهم (٣) . وقد ألف في

стр. 63

أصوله، وعني باختصار كتاب " المحلى " لابن حزم (١) ، وهو من كبار الكتب الفقهية، وألف عددا من الكتب والأجزاء التي تناولت موضوعات فقهية، وكانت له خواطر وآراء ونقدات جاءت في ثنايا كتبه، من ذلك مثلا كلامه في مسألة الطلاق ومناقشته لابن تيمية (٢) . وهو كغيره من علماء الحنابلة يعتبر القرآن والحديث هما أساس الفقه، ويظهر مفهوم الفقه عند الذهبي واضحا في بيتين من الشعر له ذكرهما غير واحد ممن ترجم له وهما: الفقه قال الله قال رسوله ... إن صح والإجماع فاجهد فيه وحذار من نصب الخلاف جهالة ... بين النبي وبين رأي فقيه (٣) وهذا الذي قدمناه لا يعني أن الذهبي لم يكن عارفا بالفقه، لكنه كان عزوفا عنه لانشغاله بالحديث وروايته الذي هو الأصل الثاني للفقه بعد الكتاب العزيز، قال ابن ناصر الدين المتوفى سنة ٨٤٢ هـ: " له دربة بمذاهب الأئمة وأرباب المقالات قائما بين الخلف بنشر السنة ومذهب السلف (٤) ". ولغة الذهبي في كتبه لغة جيدة قياسا بالعصر الذي عاش فيه، ويكفي أننا قلما وجدنا له لحنا في كتبه. وهو باعتباره محدثا كبيرا وناقدا ماهرا دقيق في تعابيره، لما لذلك من أهمية في وضع الكلمة المناسبة أو العبارة في موضعها الملائم لا سيما في تحبير التراجم، فضلا عن أسلوبه السلس الممتع لمن أدمن قراءة مثل هذه الكتب.

стр. 64

وقد عني الذهبي في مطلع حياته العلمية برواية الشعر وأورد طائفة من الأشعار عن شيوخه (١) . وذكرت لنا مصادر ترجمته بعضا من نظمه في المدح (٢) ، والرثاء (٣) . وله شعر تعليمي، فقد علمنا أنه نظم أسماء المدلسين بقصيدة أوردها السبكي في طبقاته (٤) ، كما نظم أسماء الخلفاء بقصيدة أخرى (٥) . وكان كثير الاعتناء بالشعراء تدل على ذلك تراجمهم الواسعة في كتابيه " تاريخ الإسلام " " وسير أعلام النبلاء " والنماذج الشعرية الكثيرة التي أوردها وعنايته الفائقة بتتبع دواوين الشعراء بحيث قال في ترجمة أبي الحسن محمد بن المظفر البغدادي الخرقي في وفيات سنة ٤٥٥ هـ " ولا يكاد يوجد ديوانه (٦) ". وكان للذهبي خط متقن قد أعجب به علم الدين البرزالي منذ أن بدأ الذهبي يطلب العلم (٧) . وقد وصل إلينا الكثير من كتبه وكتب غيره مكتوبا بخطه، وهو وإن لم يكن جميلا مراعيا لأصول الخطاطين والكتاب، لكنه يمتاز بالدقة والإتقان لا سيما للذي يدمن عليه.

стр. 65

وعرف الذهبي بزهده وورعه وديانته المتينة، وقد رأينا عند دراستنا لمجمل سيرته أنه كان يأنس إلى الاجتماع بمشاهير الفقراء والصوفية من ذوي الديانة والتمسك بالآثار. قال تلميذه تقي الدين ابن رافع السلامي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ: " كان خيرا صالحا متواضعا حسن الخلق حلو المحاضرة، غالب أوقاته في الجمع والاختصار والاشتغال بالعبادة، له ورد بالليل، وعنده مروءة وعصبية وكرم (١) " وقال الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤ هـ: " مع ما كان عليه من الزهد التام والإيثار العام والسبق إلى الخيرات والرغبة بما هو آت (٢) " ويكفي الذهبي أنه أفنى حياته في دراسة حديث رسول الله ﷺ وتدريسه. لقد أصبحت كتب الذهبي متداولة في عصره والعصور التالية له، واعتبرت من أعظم الموارد التي استقى منها الكتاب الذين جاءوا بعده. قال ابن حجر: " ورغب الناس في تواليفه ورحلوا إليه بسببها وتداولوها قراءة، ونسخا، وسماعا (٣) ". وقال تلميذه الحسيني: " وقد سار بجملة منها الركبان في أقطار البلدان (٤) ". وحسبنا أن نلقي نظرة عجلى على المستدركات والتلخيصات والذيول التي عملت على كتبه لندرك أهميتها البالغة. وكان الذهبي مدرسة قائمة بذاتها خرجت العديد من الحفاظ والعلماء. وقد أتاحت له معرفته العظيمة الواسعة بالحديث وعلومه والتاريخ وفنونه مكانة

стр. 66

مرموقة بين أساتيذ العصر، فأمه طلبة العلم من كل حدب وصوب. ونحن نعلم أن الذهبي تولى مناصب تدريسية كثيرة، نعرف منها مشيخة الحديث في تربة أم الصالح، ودار الحديث الظاهرية، والمدرسة النفيسية، ودار الحديث التنكزية، ودار الحديث الفاضلية، ودار الحديث العروية. وقد أتاحت له هذه المناصب أن يدرس عليه عدد كبير من الطلبة يفوق الحصر، قال تلميذه الحسيني: " وحمل عنه الكتاب والسنة خلائق (١) " وقال ابن قاضي شهبة الأسدي: " سمع منه السبكي والبرزالي والعلائي وابن كثير وابن رافع وابن رجب وخلائق من مشايخه ونظرائه..وتخرج به حفاظ (٢) ". وإن كتب القرن الثامن لتزخر بمئات من تلاميذ الذهبي النجب لم نجد في إيرادهم كثير فائدة في مثل هذا البحث. ونرى من المفيد أن نقتطف في نهاية هذا الفصل آراء العلماء فيه لما لذلك من أهمية في تقويمه، وكنا نقلنا في أثناء هذا البحث بعضا منها، فقد وصفه رفيقه وشيخه علم الدين البرزالي المتوفى سنة ٧٣٩ هـ في " معجم شيوخه " والذهبي ما زال في مطلع حياته العلمية بقوله: " رجل فاضل، صحيح الذهن. اشتغل ورحل، وكتب الكثير. وله تصانيف واختصارات مفيدة. وله معرفة بشيوخ القراءات (٣) ". وقال تلميذه صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ: " الشيخ الإمام العلامة الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي. حافظ لا يجارى ولا فظ لا يبارى، أتقن الحديث ورجاله، ونظر علله وأحواله، وعرف تراجم الناس، وأزال الإبهام في تواريخهم والإلباس. ذهن يتوقد

стр. 67

ذكاؤه، ويصح إلى الذهب نسبته وانتماؤه. جمع الكثير، ونفع الجم الغفير، وأكثر من التصنيف، ووفر بالاختصار مؤونة التطويل في التأليف..اجتمعت به وأخذت عنه وقرأت عليه كثيرا من تصانيفه ولم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة النقلة " (١) . وعلى الرغم من مخالفة تاج الدين السبكي لشيخه الذهبي في بعض المسائل ورده عليه، فإنه قال في حقه: " شيخنا وأستاذنا، الإمام الحافظ..محدث العصر. اشتمل عصرنا على أربعة من الحفاظ، بينهم عموم وخصوص: المزي والبرزالي والذهبي والشيخ الإمام الوالد، لا خامس لهؤلاء في عصرهم..وأما أستاذنا أبو عبد الله فبصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظا، وذهب العصر معنى ولفظا، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل..وهو الذي خرجنا في هذه الصناعة، وأدخلنا في عداد الجماعة (٢) "، وقال أيضا: " وسمع منه الجمع الكثير. وما زال يخدم هذا الفن إلى أن رسخت فيه قدمه، وتعب الليل والنهار، وما تعب لسانه وقلمه، وضربت باسمه الأمثال، وسار اسمه مسير لقبه الشمس إلا أنه لا يتقلص إذا نزل المطر، ولا يدبر إذا أقبلت الليالي. وأقام بدمشق يرحل إليه من سائر البلاد، وتناديه السؤالات من كل ناد " (٣) . ووصفه تلميذه الحسيني المتوفى سنة ٧٦٥ هـ بأنه " الشيخ الإمام العلامة شيخ المحدثين قدوة الحفاظ والقراء محدث الشام ومؤرخه ومفيده (٤) " وقال في موضع آخر: " وكان أحد

стр. 68

الأذكياء المعدودين والحفاظ المبرزين (١) ". وقال تلميذه عماد الدين بن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ هـ: " الشيخ الحافظ الكبير مؤرخ الإسلام وشيخ المحدثين..وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه (٢) ". وحينما قدم العلامة أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الكريم الموصلي الأصل الاطرابلسي (٣) إلى دمشق سنة ٧٣٤ هـ ودرس على الذهبي في تلك السنة قال فيه: ما زلت بالسمع أهواكم وما ذكرت * أخباركم قط إلا ملت من طرب وليس من عجب أن ملت نحوكم * فالناس بالطبع قد مالوا إلى الذهب (٤) ووصفه الحافظ ابن ناصر الدين المتوفى سنة ٨٤٢ هـ بأنه " الحافظ الهمام مفيد الشام، ومؤرخ الإسلام (٥) ". وقال ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ " قرأت بخط البدر النابلسي في مشيخته: كان علامة زمانه في الرجال وأحوالهم حديد الفهم ثاقب الذهب وشهرته تغني عن الإطناب فيه (٦) ". وقال بدر الدين العيني المتوفى سنة ٨٥٥ هـ: " الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ المؤرخ شيخ المحدثين (٧) ". وذكره سبط ابن حجر المتوفى سنة ٨٩٩ هـ في " رونق الألفاظ " وبالغ في الإطناب فيه، وقال: " الشيخ الإمام العالم العلامة حافظ الوقت الذي صار هذا اللقب علما عليه..فلله دره من إمام محدث..فكم دخل في جميع الفنون وخرج وصحح، وعدل وجرح، وأتقن هذه الصناعة..فهو الإمام سيد الحفاظ إمام المحدثين قدوة الناقدين ". وقال في موضع آخر:

стр. 69

" وكتب بخطه كثيرا من الأجزاء والكتب وحصل الأصول وانتقى على جماعة من شيوخه..وعني بهذا الفن أعظم عناية، وبرع فيه وخدمه الليل والنهار (١) ".

стр. 70

ثامنا - وفاته وأولاده أضر الذهبي في أخريات سني حياته، قبل موته بأربع سنين أو أكثر، بماء نزل في عينيه، فكان يتأذى ويغضب إذا قيل له: لو قدحت هذا لرجع إليك بصرك، ويقول: ليس هذا بماء، وأنا أعرف بنفسي، لأنني ما زال بصري ينقص قليلا قليلا إلى أن تكامل عدمه (١) . وتوفي بتربة أم الصالح ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة قبل نصف الليل سنة ٧٤٨ هـ ودفن بمقابر باب الصغير، وحضر الصلاة عليه جملة من العلماء كان من بينهم تاج الدين السبكي (٢) وقد رثاه غير واحد من تلامذته منهم الصلاح الصفدي (٣) والتاج السبكي (٤) . وترك الذهبي ثلاثة من أولاده عرفوا بالعلم هم: ١ - ابنته أمة العزيز، وقد أجاز لها غير واحد باستدعاء والدها منهم: شيخ المستنصرية رشيد الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله البغدادي المتوفى سنة ٧٠٧ (٥) . ويظهر أنها تزوجت في حياة والدها وخلفت ولدا اسمه عبد القادر

стр. 71

سمع مع جده من أحمد بن محمد المقدسي المتوفى سنة ٧٣٧ (١) هـ، وأجاز له جده رواية كتابه " تاريخ الإسلام " (٢) . ٢ - ابنه أبو الدرداء عبد الله، ولد سنة ٧٠٨ هـ وأسمعه أبوه من خلق كثير، وحدث ومات في ذي الحجة سنة ٧٥٤ (٣) . ٣ - ابنه شهاب الدين أبو هريرة عبد الرحمن، ولد سنة ٧١٥ هـ وسمع مع والده أجزاء حديثية كثيرة (٤) ، وسمع من عيسى المطعم الدلال المتوفى سنة ٧١٩ هـ، وخرج له أبوه أربعين حديثا عن نحو المئة نفس، وحدث منذ سنة ٧٤٠ هـ وتأخرت وفاته إلى ربيع الآخر سنة ٧٩٩ (٥) هـ وخلف ولدا اسمه محمد، سمع مع جده (٦) ، وأجاز له جده رواية كتابه " تاريخ الإسلام " (٧) .

стр. 72

تاسعا - آثار الذهبي وهذه تذكرة في آثار مؤرخ الإسلام الذهبي عنيت فيها بذكر ما ألف واختصر، وخرج على أخصر ما يمكن، إذ تفاصيلها مبسوطة في كتابي " الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام " (١) ، واقتفيت فيها المنهج الآتي: ١ - قسمت المؤلفات حسب موضوعاتها، ورتبت الكتب الواردة في كل موضوع على حروف المعجم. أما المختصرات، والمنتقيات، والتخاريج، فاكتفيت بسردها وفق ذلك الترتيب من غير تقسيم لها. ٢ - نبهت فيما إذا كان الكتاب موجودا: مخطوطا أو مطبوعا، وأشرت إلى إحدى طبعاته أو نسخه بين قوسين، وتركت الذي لم أعثر له على نسخة غفلا من ذلك. أولا: القراءات: ١ - التلويحات في علم القراءات (بروكلمان: الملحق ٢ / ٤٧) . ثانيا: الحديث: ٢ - الأربعون البلدانية. ٣ - الثلاثون البلدانية. ٤ - طرق حديث " من كنت مولاه فعلي مولاه ". ٥ - الكلام على حديث الطير. ٦ - المستدرك على مستدرك الحاكم. (الظاهرية: ٦٢ مجاميع) .

стр. 73

ثالثا: مصطلح الحديث وآدابه: ٧ -كتاب الزيادة المضطربة. ٨ - طريق أحاديث النزول. ٩ - العذب السلسل في الحديث المسلسل. ١٠ - منية الطالب لا عز المطالب. ١١ - الموقظة في علم مصطلح الحديث (باريس: ٤٥٧٧) . رابعا: العقائد: ١٢ - أحاديث الصفات. ١٣ -الأربعين في صفات رب العالمين (منها جزء في الظاهرية، وانظر الألباني: ٢٨٠) . ١٤ -جزء في الشفاعة. ١٥ -جزآن في صفة النار. ١٦ -الرسالة الذهبية إلى ابن تيمية (طبعت بدمشق: ١٣٤٧ هـ) . ١٧ -الروع والاوجال في نبأ المسيح الدجال. ١٨ -رؤية الباري. ١٩ -العرش (انظر بروكلمان: الملحق: ١ / ٤٧) . ٢٠ -العلو للعلي الغفار. (طبع غير مرة منها بمصر: ١٣٣٢ هـ) . ٢١ -الكبائر. (مطبوع، القاهرة: ١٣٥٦ هـ) . ٢٢ - ما بعد الموت. ٢٣ - مسألة دوام النار.

стр. 74

٢٤ - مسألة الغيبة. ٢٥ - مسألة الوعيد. خامسا: أصول الفقه: ٢٦ - مسألة الاجتهاد. ٢٧ - مسألة خبر الواحد. سادسا: الفقه: ٢٨ - تحريم أدبار النساء. ٢٩ - تشبيه الخسيس بأهل الخميس (دار الكتب المصرية) . ٣٠ - جزء في الخضاب. ٣١ - جزء من صلاة التسبيح. ٣٢ - جزء في القهقهة. ٣٣ - حقوق الجار. (كوبرلي.١٥٨٤ / ٣) . ٣٤ - فضائل الحج وأفعاله. ٣٥ - اللباس. ٣٦ - مسألة السماع. ٣٧ - الوتر. سابعا: الرقائق: ٣٨ - جزء في محبة الصالحين. ٣٩ - دعاء المكروب. ٤٠ - ذكر الولدان.

стр. 75

٤١ - التعزية الحسنة بالأعزة. ٤٢ - كشف الكربة عند فقد الأحبة. ثامنا: التاريخ والتراجم: ٤٣ - أخبار السد. ٤٤ - أخبار قضاة دمشق. ٤٥ - أسماء من عاش ثمانين سنة بعد شيخ أو بعد تاريخ سماع. (أيا صوفيا: ٢٩٥٣) . ٤٦ - الإشارة إلى وفيات الأعيان والمنتقى من تاريخ الإسلام. (الأحمدية بحلب: ٣٢٨) . ٤٧ - الإعلام بوفيات الأعلام (نسخه كثيرة منها بالظاهرية: مجموع ١١٧) . ٤٨ - الأمصار ذوات الآثار. (منه نسخة في استانبول وأخرى بالمدينة) . ٤٩ - أهل المئة فصاعدا (مطبوع، بغداد: ١٩٧٣) . ٥٠ - البيان عن اسم ابن فلان. ٥١ - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام (طبع اليسير منه، ونسخه مشتتة في خزائن الكتب، وعندي نسخة كاملة مصورة) . ٥٢ - التاريخ الممتع. ٥٣ - تذكرة الحفاظ. (مطبوع، حيدر آباد ١٩٥٨ ١٩٥٥ وهي أحسن الطبعات) . ٥٤ - تراجم رجال روى عنهم محمد بن إسحاق. (مطبوع، ليدن: ١٨٩٠) .
следующие страницы →