← Тараджим

Тараджим · id 10906

سير أعلام النبلاء - ط الرسالة

شمس الدين الذهبي

Полный текст (14 211 стр.). Показаны 11376–11415 · переход к 11381.

стр. 11376

وَشيخُ الشِّيْعَة أَبُو يَعْلَى مُحَمَّدُ بنُ حَسَنِ بنِ حَمْزَةَ الطَّالكِي الجَعْفَرِيّ؛ صِهر الشَّيْخ المُفِيد (١) . ١٣٨ - الدَّرْبَنْدِيُّ أَبُو الوَلِيْدِ الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ * الشَّيْخُ، الإِمَامُ، الحَافِظُ، الجَوَّالُ، أَبُو الوَلِيْدِ الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ البَلْخِيُّ الدَّرْبَنْدِيُّ. سَمِعَ: أَبَا عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدَ بنَ أَحْمَدَ غُنجَار، وَنَحْوهُ بِبُخَارَى، وَأَبَا الحُسَيْنِ بنَ بِشْرَان وَطَبَقَته بِبَغْدَادَ، وَالشَّيْخ العَفِيْف عَبْدَ الرَّحْمَنِ بن أَبِي نَصْرٍ، وَنَحْوهُ بِدِمَشْقَ، وَأَبَا زَكَرِيَّا المُزَكِّي، وَأَبَا بَكْرٍ الحِيْرِيّ بِنَيْسَابُوْرَ، وَأَبَا عُمَر الهَاشِمِيّ بِالبَصْرَةِ، وَابْن نَظيف الفَرَّاء بِمِصْرَ. حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ، وَأَبُو عَلِيٍّ الحَدَّادُ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ الفرَاوِي، وَعبدُ الْمُنعم بنُ القُشَيْرِيّ، وَزَاهِر الشحَّامِي، وَآخَرُوْنَ. قَالَ ابْنُ النَّجَّار: رَحل مِنْ بُخَارَى إِلَى إِسكندرِيَّة، وَهُوَ مُكْثِرٌ صَدُوْقٌ، لَكنه رديءُ الخطّ (٢) ، لَمْ يَكُنْ لَهُ كَبِيْرُ مَعْرِفَةٍ بِالحَدِيْثِ، سَمِعَ بِبلخ مِنْ: عَلِيِّ بنِ أَحْمَدَ الخُزَاعِيّ، وَبِنَيْسَابُوْرَ مِنْ: أَبِي زَكَرِيَّا المُزَكِّي، وَبهرَاة مِنَ: القَاضِي أَبِي مَنْصُوْرَ الأَزْدِيّ، وَبإِستِرَابَاذ مِنْ: بُنْدَار بن مُحَمَّدٍ، وَبِالبَصْرَةِ مِنَ: القَاضِي أَبِي عُمَرَ الهَاشِمِيّ، وَبمصر مِنْ: أَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ نَظيف (٣) .

стр. 11377

وَقَالَ عبد الغَافِر فِي (تَارِيْخِهِ) :طَوَّف أَبُو الوَلِيْدِ البِلاَد، وَحَصَّل الأَسَانِيْد وَالغَرَائِب (١) . قُلْتُ: مَاتَ بِسَمَرْقَنْدَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَع مائَة. قَالَ عبد الغَافِر فِي (السيَاق) :أَبُو الوَلِيْدِ الدَّرْبَنْدي الصُّوْفِيّ المُحَدِّث، مِنَ المَشَايِخ الجَوَّالِين فِي الحَدِيْثِ (٢) . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ هِبَةِ اللهِ، أَنْبَأَنَا أَبُو رَوْحٍ البَزَّاز، أَخْبَرَنَا زَاهِر، أَخْبَرَنَا أَبُو الوَلِيْدِ الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِمِ حسنُ بنُ مُحَمَّدٍ الأَنْبَارِيّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ المِسْوَر، حَدَّثَنَا المِقْدَامُ بنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ مَعْبَد، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرِو بنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَشْهَلِيّ، عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوْفِ وَتَنْهَونَّ عَنِ المُنْكَر، أَوْ ليُوْشِكَنَّ الله أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُم عَذَاباً مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لِتَدْعُنَّهُ فَلاَ يَسْتَجِيْبُ لَكُمْ) (٣) .

стр. 11378

١٣٩ - ابْنُ عَلِيَّكَ عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الحَسَنِ النَّيْسَابُوْرِيُّ * الشَّيْخُ، الإِمَامُ، الفَاضِلُ، أَبُو القَاسِمِ عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الحَسَنِ ابْن عَلِيَّكَ النَّيْسَابُوْرِيُّ. مِنْ أَوْلاَد المَشَايِخ، كَثِيْرُ الأَسفَار. نَزل أَصْبَهَان مُدَّة، وَحَدَّثَ بِهَا وَبأَذْرَبِيْجَان وَبغدَاد. حَدَّثَ عَنْ: أَبِي الحُسَيْنِ الخفَّاف، وَمُحَمَّدِ بنِ الحُسَيْنِ العَلَوِيّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ عَبْدِ الْملك الإِسفرَايينِي، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ الحَاكِم، وَحَمْزَة المُهَلَّبِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن أَبِي إِسْحَاقَ المزكِّي. وَعَنْهُ: أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ، وَقَالَ: كَانَ صَدُوْقاً (١) . وَسَعِيْدُ بنُ أَبِي الرَّجَاءِ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ البَاقِي، وَأَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ البَغْدَادِيّ، وَإِسْمَاعِيْلُ بنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيّ، وَأَحْمَدُ بنُ عُمَرَ النَّاتَانِي المُقْرِئ، شَيْخ لِلسِّلَفِيِّ، وَآخَرُوْنَ. قَالَ ابْنُ نَقطَة: سَمِعَ مِنْهُ ابْن مَاكُوْلاَ، وَالمُؤْتَمن السَّاجِيّ. وَقَالَ النَّاتَانِي: قَدِمَ عَلَيْنَا تَفلَيْسَ، وَحَدَّثَنَا عَنِ الخفَّاف، وَبِهَا تُوُفِّيَ. قَالَ السَّمْعَانِيّ: قُلْتُ لإِسْمَاعِيْل بن مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: كَتَبْتُ عَنْهُ، وَلَهُ سَمَاع، وَلأَبِيْهِ حَفِظٌ، وَكَانَ سَيِّئَ الرَّأْي فِيْهِ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ أَبِي نَصْرٍ

стр. 11379

اللَّفْتُوَانِي (١) يَقُوْلُ: كَانَ أَبُو القَاسِمِ بنُ عَلِيَّك عَلَى أَوقَافِ الجَامِع بِأَصْبَهَانَ، فَحوسب، فَانْكَسَرَ عَلَيْهِ مَالٌ، وَكَانَ لِلوقف دُكَانَ حلوَانِي أَخَذَ مِنْ سَاكنهَا حَلاَوَةٌ كَبِيْرَة، فَكَانُوا يَضحكُوْن، وَيَقُوْلُوْنَ: نَرَى الجَامِع أَكل الحَلاَوَة. وَسَأَلت أَبَا سَعْد بن البَغْدَادِيّ عَنْهُ، فَقَالَ: كَانَ فَاضِلاً، مَا سَمِعْتُ فِيْهِ إِلاَّ خَيراً، وَكَانَ أَبُوْهُ مُحَدِّثَا، وَمَا سَمِعْتُ قَدْحاً فِي سَمَاعَاته، وَكَتَبَ عَنْهُ الجَمُّ الغفِير (مُسْنَد أَبِي عَوَانَة) ، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ أَشعرِياً. قُلْتُ: أَجَاز لابْنِ نَاصِر الحَافِظ، وَمَاتَ فِي رَجَب، سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. ١٤٠ - أَبُو الفَرَجِ الجَرِيْرِيُّ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ * الشَّيْخُ الجَلِيْلُ، المَأْمُوْنُ، الصَّدْرُ، أَبُو الفَرَجِ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الحَمِيْدِ البَجَلِيُّ، الجَرَيْرِيُّ، الهَمَذَانِيُّ. مِنْ أَوْلاَد جَرِيْر بن عَبْدِ اللهِ ﵁. حَدَّثَ بـ (سُنَن أَبِي دَاوُدَ) ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ بنِ لاَل، وَحَدَّثَ عَنْ أَبِيْهِ، وَأَحْمَدَ بنِ تُركَانَ، وَأَحْمَدَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشيرَازِي الحَافِظ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عُمَرَ بنِ أَبِي اللَّيْث، وَعَلِيِّ بن أَحْمَدَ بنِ عَبْدَان، وَأَبِي القَاسِمِ عَبْد الرَّحْمَنِ بن عُبَيْد اللهِ الحُرْفِي (٢) ، وَمُحَمَّدِ بنِ الحُسَيْنِ بنِ يُوْسُفَ الصَّنْعَانِيّ، وَأَحْمَد بن عَلِيِّ بنِ عمشليق الجَعْفَرِيّ.

стр. 11380

قَالَ شِيْرَوَيْه: سَمِعْتُ مِنْهُ عَامَّة مَا مرَّ لَهُ. قَالَ: وَكَانَ ثِقَةً، عَدْلاً، مِنْ بَيْت الإِمَارَة وَالعِلْمِ. وَكَانَ أَحَدَ تُنَّاء (١) بلدنَا. قُلْتُ: وَحَدَّثَ عَنْهُ هِبَةُ اللهِ ابنُ أُخْت الطَّوِيْل، وَأَحْمَدُ بنُ سَعْدٍ العِجْلِيّ، وَجَمَاعَة. قَالَ شِيْرَوَيْه: تُوُفِّيَ فِي ثَامن وَعِشْرِيْنَ رَمَضَان، سَنَة ثَمَانٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة، وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: وُلِدْت سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. ١٤١ - عَبْدُ الحَقِّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ هَارُوْنَ السَّهْمِيُّ * الإِمَامُ، شَيْخُ المَالِكِيَّة، أَبُو مُحَمَّدٍ السَّهْمِيُّ الصَّقَلِيُّ. تَفقَّه عَلَى أَبِي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبِي عِمْرَانَ الفَاسِي، وَالأَجْدَابِي (٢) ، وَحَجّ، فَلقِي عَبْد الوَهَّابِ (٣) ؛صَاحِب (التَّلْقِين) ، وَأَبَا ذَرٍّ الهَرَوِيّ. وَلَهُ كتب مِنْهَا: (النّكت وَالفرُوْق لمَسَائِل المدونَة) . وَكِتَاب (تَهْذِيْب

стр. 11381

الطَّالب (١)) وَأَلّف عقيدَة، وَتَخَرَّج بِهِ أَئِمَّة (٢) . مَاتَ: بِالإِسْكَنْدَرِيَّة سَنَة سِتٍّ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَع مائَة. وَقَدْ حَجَّ مَرَّات، وَنَاظر بِمَكَّةَ أَبَا المعَالِي إِمَام الحَرَمَيْنِ، وَبَاحَثه. وَهُوَ مَوْصُوْف بِالذّكَاء وَحُسن التَّصنِيف، وَلَهُ اسْتدرَاكٌ عَلَى (مُخْتَصَر البرَاذعِي (٣)) وَخَرَّج لَهُ عِدَّة تَلاَمِذَة. وَكَانَ قُرَشِياً مِنْ بَنِي سَهْم. ١٤٢ - عَائِشَةُ بِنْتُ حَسَنِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الأَصْبَهَانِيَّةُ * الوَاعِظَةُ، العَالِمَةُ، المُسْنِدَةُ، أُمُّ الفَتْحِ الأَصْبَهَانِيَّةُ، الوَرْكَانِيَّة (٤) . وَوَرْكَانَ: مَحَلَّة هُنَاكَ (٥) . كَتَبتِ الإِمْلاَءَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ مَنْدَة بخطّهَا. وَسَمِعَتْ مِنْ: مُحَمَّد بن جشْنِس الرَّاوِي عَنِ ابْنِ صَاعِد. وَمِنْ: عبدِ الوَاحِد بن شَاه، وَجَمَاعَة. رَوَى عَنْهَا: الحُسَيْنُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ الخَلاَّل، وَسَعِيْدُ بنُ أَبِي الرَّجَاءِ، وَإِسْمَاعِيْلُ بنُ مُحَمَّدٍ الحَافِظ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيّ: سَأَلتُ الحَافِظ إِسْمَاعِيْل عَنْهَا، فَقَالَ: امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ، عَالِمَةٌ، تَعِظُ النِّسَاءَ، وَكَتَبَتْ أَمَالِي ابْنِ مَنْدَةَ عَنْهُ. وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ

стр. 11382

سَمِعْتُ مِنْهَا الحَدِيْث، بَعَثَنِي أَبِي إِلَيْهَا، وَكَانَتْ زَاهِدَةً. قُلْتُ: وَرَوَى عَنْهَا أَيْضاً مُحَمَّدُ بنُ حَمْد الكِبرِيتِي، وَإِسْمَاعِيْلُ الحمَّامِي المُعَمَّر، فَكَانَ خَاتمَة أَصْحَابِهَا. بقيت إِلَى سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة (١) . ١٤٣ - صُرْدُرَّبَعْرُ عَلِيُّ بنُ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ البَغْدَادِيُّ * الشَّاعِرُ المُفْلِقُ، أَدِيْبُ وَقتِهِ، أَبُو مَنْصُوْرٍ عَلِيُّ بنُ الحَسَنِ بنِ عَلِيِّ بنِ الفَضْلِ البَغْدَادِيُّ، الكَاتِبُ. وَيُلَقَّبُ بِصُرَّبَعْر. صَاحِبُ بلاغَة وَجزَالَة وَرِقَة وَحَلاَوَة، وَبَاعٍ أَطولَ فِي الأَدب. سَمِعَ: أَبَا الحُسَيْنِ بنَ بِشْرَان (٢) ، وَأَبَا الحَسَنِ بنَ الحمَّامِي. وَعَنْهُ: أَبُو سَعْدٍ الزوزنِي، وَعَلِيُّ بنُ عَبْدِ السَّلاَم، وَفَاطِمَةُ بِنْت الخَبْرِي (٣) . قَالَ ابْنُ عبد السَّلاَم الكَاتِب: كَانَ نِظَامُ المُلك يَقُوْلُ لَهُ: أَنْتَ صُرّدرّ لاَ صُربَعْر (٤) . قَالَ ابْنُ النَّجَّار: مَدح الخَلِيْفَة القَائِمَ وَوزِيْرَه أَبَا القَاسِمِ بن المُسْلمَة، لَمْ يَكُ فِي المُتَأَخِّرِيْنَ أَرقُّ طبعاً مِنْهُ، مَعَ جَزَالَةٍ وَبلاغَةٍ.

стр. 11383

وَقَالَ بَعْضُ الأُدبَاء: هُوَ أَشعرُ مِنْ مِهيَار (١) . وَقِيْلَ: ظَلَمَ أَهْلُ شَهْرَابَان (٢) ، وَسعَى بِهِم. وَخلط فِي دِيْنِهِ. تَقَطَّر (٣) بِهِ فَرسُه، فَهلكَ فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ (٤) ، سَنَة خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. وَقَعَ بِهِ الْفرس فِي زُبْيَةٍ (٥) لِلأَسد، فَهلكَا مَعاً. وَقِيْلَ: إِنَّمَا أَبُوْهُ لُقِّبَ بصربعر لبُخْلِهِ (٦) . ١٤٤ - ابْنُ السِّمْنَانِيِّ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ الحَنَفِيُّ * القَاضِي، العَلاَّمَة، أَبُو الحُسَيْنِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مَحْمُوْدِ بنِ أَعْيَنَ الحَنَفِيُّ، وَلَدُ القَاضِي الكَبِيْر شَيْخِ الأَشْعَرِيَّة أَبِي جَعْفَرٍ السِّمْنَانِيِّ. ذكرنَا وَالِده فِي الطَّبَقَةِ المَاضيَة (٧) . وَهَذَا وُلِدَ بِسِمنَان فِي سَنَةِ (٣٨٤) .

стр. 11384

وَكَانَ ثِقَةً صَدُوْقاً، حسن الأَخلاَقِ، كَبِيْرَ القَدْرِ، وَافِرَ الجَلاَلَة. تَفقَّه عَلَى أَبِيْهِ لأَبِي حَنِيْفَةَ، وَأَخَذَ عَنْهُ علمَ الكَلاَم، وَكَانَ مَعَهُ لَمَّا وَلِيَ قَضَاءَ حلب، سَنَة سَبْعٍ وَأَرْبَعِ مائَة. وَسَمِعَ: مِنَ الحَسَنِ بن الحُسَيْنِ النُّوَبَخْتِي (١) ، وَإِسْمَاعِيْلَ بنِ هِشَامٍ الصرصرِي، وَأَبِي أَحْمَدَ الفرضِي، وَابْنِ الصَّلْتِ المُجْبر. قَالَ الخَطِيْبُ (٢) :كَتَبْتُ عَنْهُ، وَكَانَ صَدُوْقاً. قُلْتُ: حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو مَنْصُوْرٍ القَزَّازُ، وَيَحْيَى بنُ الطّرَّاح، وَأَبُو الْبَدْر الكَرْخِيّ. وَتَزَوَّجَ بِابْنتِهِ قَاضِي القُضَاة أَبُو عَبْدِ اللهِ الدَّامغَانِي (٣) ، وَاسْتنَابه فِي القَضَاءِ (٤) . تُوُفِّيَ: بِبَغْدَادَ فِي جُمَادَى الأُوْلَى، سَنَة سِتٍّ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة، وَحَضَره الكِبَار وَأَربَاب الدَّوْلَة، وَدُفِنَ بدَاره مُدَّة، ثُمَّ نُقل (٥) . وَكَانَ يَدْرِي العَقْلِيَّات. ١٤٥ - ابْنُ القَطَّانِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عِيْسَى القُرْطُبِيُّ * شَيْخُ المَالِكِيَّة، أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عِيْسَى بنِ هِلاَلٍ القُرْطُبِيُّ.

стр. 11385

دَارت عَلَيْهِ وَعَلَى ابْنِ عَتَّاب (١) الفُتْيَا بقُرْطُبَة، وَكَانَ بَيْنَهُمَا منَافسَةٌ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بنُ عَتَاب يُقدَّم عَلَى ابْنِ القَطَّان لسِنِّه وَتَفَنُّنِه، وَيَفوقُه ابْنُ القَطَّان بِبيَانِهِ وَقوَة حِفظه وَجُوْدَة انبسَاطِهِ (٢) . تَفَقَّهَ بِأَبِي مُحَمَّدٍ بن دحُّوْنَ (٣) ، وَابْن حَوْبيل (٤) ، وَابْن الشِّقَاق (٥) . وَسَمِعَ مِنْ: يُوْنُس بن عَبْدِ اللهِ القَاضِي. قَالَ ابْنُ حَيَّانَ: كَانَ ابْنُ القَطَّان أَحْفَظ النَّاس (لِلمُدونَة) وَ (المُسْتخرجَة) وَأَبصرَ أَصْحَابِهِ بِطرق الفُتْيَا وَالرَّأْي، وَكَانَ يُنكر المُنْكَر، وَيَكرَهُ الملاَهِي، وَكَانَ أَبُوْهُ وَلِيّاً للهِ مِنَ الزُّهَّاد، تَفَقَّهَ أَهْل قُرْطُبَة بِأَبِي عُمَرَ مِنْهُم: ابْنُ مَالِك (٦) ، وَابْن الطَّلاع، وَابْن دحمِين (٧) ، وَابْن رزق (٨) . قَالَ: وَتُوُفِّيَ فِي ذِي القَعْدَةِ، سَنَة سِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة.

стр. 11386

١٤٦ - القَائِمُ بِأَمْرِ اللهِ عَبْدُ اللهِ بنُ القَادِرِ بِاللهِ العَبَّاسِيُّ * أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ، القَائِمُ بِأَمْرِ اللهِ، أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ اللهِ ابْنُ القَادِر بِاللهِ أَحْمَدَ ابنِ الأَمِيْر إِسْحَاقَ ابنِ المُقْتَدِرِ بِاللهِ جَعْفَرِ بنِ المُعْتَضِدِ العَبَّاسِيُّ البَغْدَادِيُّ. مَوْلِدُهُ: فِي سَنَةِ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. وَأُمُّه أَرمنِيَّة تسمَّى بدرَ الدُّجَى، وَقِيْلَ: قطرَ النَّدَى. وَقَدْ مرَّ ذِكْرُهُ اسْتطرَاداً بَعْد العِشْرِيْنَ وَالثَّلاَثِ مائَة (١) ، وَأَنَّهُ كَانَ جَمِيْلاً وَسِيماً أَبيضَ بِحُمرَة، ذَا دِينٍ وَخيرٍ وَبرٍّ وَعلم وَعدل، بُوْيِع سَنَة اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة، وَأَنَّهُ نُكِبَ سَنَةَ خَمْسِيْنَ فِي كَائِنَة البَسَاسِيرِي، فَفَرَّ إِلَىالبرِّيَة فِي ذِمَام أَمِيْرٍ لِلعرب، ثُمَّ عَادَ إِلَى خِلاَفَته بَعْد عَامٍ بهمَّة السُّلْطَان طُغْرُلْبَك، وَأُزِيلت خُطبَة خَلِيْفَة مِصْر المُسْتنصر بِاللهِ مِنَ العِرَاقِ، وَقُتِلَ البسَاسيرِي (٢) . وَلَمَّا أَن فَرَّ القَائِمُ إِلَى البرِّيَة، رفع قِصَّةً إِلَى رَبّ العَالِمِين مُسْتعدياً عَلَى مَنْ ظلمه، وَنَفَّذَ بِهَا إِلَى البَيْتِ الحَرَام، فَنَفعتْ، وَأَخَذَ الله بِيَدِهِ، وَردَّه إِلَى مَقَرِّ عِزه (٣) . فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ قُهِرَ وَبُغِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِاللهِ تَعَالَى، وَإِنْ صَبر وَغفر، فَإِنَّ فِي الله كفَايَةً وَوِقَايَةً.

стр. 11387

وَكَانَ أَبْيَضَ وَسِيماً، عَالِماً مَهِيْباً، فِيْهِ دينٌ وَعدل. ظهر عَلَيْهِ مَاشَرَا (١) ، فَافْتصد وَنَام، فَانْفجر فِصَادُه، وَخَرَجَ دَمٌ كَثِيْر، وَضَعُف، وَخَارت قِوَاهُ. وَكَانَ ذَا حظٍّ مِنْ تَعَبُّدٍ وَصيَام وَتهجُّد، لَمَّا أَنْ أُعيد إِلَى خِلاَفَته قِيْلَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْتَرد شَيْئاً مِمَّا نُهب مِنْ قصره، وَلاَ عَاقب مَنْ آذَاهُ، وَاحتسب وَصبر. وَكَانَ تَاركاً لِلملاَهِي ﵀. وَكَانَتْ خِلاَفَته خَمْساً وَأَرْبَعِيْنَ سَنَةً. وَغسَّله شَيْخُ الحنَابلَة أَبُو جَعْفَرٍ بنُ أَبِي مُوْسَى الهَاشِمِيّ (٢) . وَعَاشَ ستّاً وَسَبْعِيْنَ سَنَةً، وَبُوْيِع بَعْدَهُ ابْنُ ابْنِهِ المُقْتَدِي بِاللهِ. وَوَزَرَ لِلقَائِم أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّد (٣) بن أَيُّوْبَ، وَأَبُو الفَتْحِ بن دَارست (٤) ، وَأَبُو القَاسِمِ بنُ المُسلمَة (٥) ، وَأَبُو نَصْرٍ بنُ جَهير (٦) . وَكَانَ مُلْكُ بنِي بُوَيْه فِي خِلاَفَتِهِ ضَعِيْفاً، بِحَيْثُ إِن جَلاَل الدَّوْلَة (٧) بَاعَ مِنْ ثيَابه الملبوسَة بِبَغْدَادَ، وَقلَّ مَا بِيَدِهِ، وَخَلَتْ دَارُه مِنْ حَاجِب وَفَرَّاش، وَقُطعت النوبَةُ عَلَى بَابه لذهَاب الطَّبالين، وَثَارَ عَلَيْهِ جُنْدُه، ثُمَّ كَاشرُوا لَهُ رَحْمَةً، ثُمَّ جرت فِتْنَةُ البسَاسيرِي، ثُمَّ بدتِ الدَّوْلَةُ السَّلْجُوْقيَّة، وَأَوّل مَا ملكُوا خُرَاسَان، ثُمَّ الْجَبَل، وَعسفُوا وَنهبُوا وَقتلُوا، وَفَعَلُوا القبَائِح - وَهم

стр. 11388

تُركمَان -. وَمَاتَ جَلاَلُ الدَّوْلَة سَنَة (٤٣٥) وَلَهُ نَيِّفٌ وَخَمْسُوْنَ سَنَةً، وَكَانَ عَلَى ذُنُوبه يُعتقد فِي الصُّلَحَاء، وَخَلَّف أَوْلاَداً. وَدَخَلَ أَبُو كَالَيْجَار (١) بَغْدَاد، وَتعَاظم، وَلَمْ يَرْضَ إِلاَّ بِضَرْب الطّبلِ لَهُ فِي أَوقَات الصَّلَوَات الخَمْس، وَكَانَ جَدُّهم عَضُد الدَّوْلَة (٢) - مَعَ علو شَأْنه - لَمْ تُضرب لَهُ إِلاَّ ثَلاَثَة أَوقَات. وَمَاتَ أَبُو كَالَيْجَار سَنَة أَرْبَعِيْنَ، فَولِي المُلكَ بَعْدَهُ وَلَدُه الْملك الرَّحِيْم أَبُو نَصْرٍ (٣) ابْن السُّلْطَانِ أَبِي كَالَيْجَار بن سُلْطَان الدَّوْلَة بن بَهَاء الدَّوْلَة بن عَضُدِ الدَّوْلَةِ. وَفِيْهَا غَزَا يَنَال (٤) السَّلْجُوْقِي أَخُو طُغْرُلْبَك بِجُيُوشِهِ، وَوَغل فِي بلاَد الرُّوْم، وَغنم مَا لاَ يُعبَّر عَنْهُ، وَكَانَتْ غَزْوَةً مَشْهُوْدَةً وَفتحاً مبيناً. فَهَذَا هُوَ أَوّلُ اسْتيلاَء آل سَلْجُوْق مُلُوْكِ الرُّوْم عَلَى الرُّوْم، وَفِي هَذَا الْحِين خَطَبَ مُتَوَلِّي القَيْرَوَان المُعز (٥) بنُ بَادِيس لِلقَائِم بِأَمْرِ اللهِ، وَقَطَع خُطبَة العُبَيْدِيَّة، فَبعثَوا مَنْ حَارَبّه، فَتمت فَصولٌ طَوِيْلَة. وَفِي سَنَةِ (٤٤١) عُملت بِبَغْدَادَ مآتمُ عَاشُورَاء، فَجرت فِتْنَةٌ بَيْنَ السّنَة وَالشِّيْعَة تَفوتُ الوَصْفَ مِنَ الْقَتْل وَالجرَاح، وَنُدب أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ النَّسوِي لِشحنكية بَغْدَاد، فَثَارت العَامَّةُ كلهُم، وَاصطلح السّنَةُ وَالشِّيْعَةُ، وَتوَادُّوا وَصَاحُوا: مَتَى وَلِي ابْنُ النَّسَوِي أَحرقنَا الأَسواقَ، وَنزحنَا. وَترحَّم أَهْلُ الْكَرْخِ عَلَى الصَّحَابَة، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يُعهد (٦) . وَكَانَ الرّخَاءُ بِبَغْدَادَ بِحَيْثُ إِنَّهُ أُبيع

стр. 11389

الكُرُّ (١) بِسَبْعَة دَنَانِيْر. وَمَاتَ صَاحِبُ المَوْصِل مُعتمِد الدَّوْلَة أَبُو المَنِيع (٢) ، ثُمَّ بَعْدَ سَنَة فَسد مَا بَيْنَ السُّنَّة وَالشِّيْعَة، وَعَمِلَت الشِّيْعَة سوراً عَلَى الْكَرْخِ، وَكتبُوا عَلَيْهِ بِالذَّهَبِ: مُحَمَّد وَعلِيٌّ خَيْرُ البَشَر، فَمَنْ أَبى فَقَدْ كَفَر. ثُمَّ وَقَعَ القِتَالُ وَالنَّهبُ، وَقَوِيَتِ السّنَةُ، وَفَعَلُوا العظَائِم، وَنُبِشَت قُبُوْر، وَأُحرقت عظَامُ العَوْنِيّ (٣) وَالنَّاشِي وَالجذوعِي، وَقُتِلَ مُدَرِّس الحَنَفِيَّة السَّرْخَسِيّ، وَعجزت الدَّوْلَةُ عَنْهُم، وَأَخَذَ طُغْرُلْبَك أَصْبَهَانَ، وَجَعَلهَا دَارَ مُلكه. وَاقتتل المغَاربَةُ وَجَيْشُ مِصْر، فَقُتل مِنَ المغَاربَة ثَلاَثُونَ أَلْفاً (٤) . وَفِي سَنَةِ (٤٤٤) هَاجت السّنَةُ عَلَى أَهْلِ الْكَرْخِ، وَأَحرقُوا، وَقتلُوا، وَهلك يَوْمَئِذٍ فِي الزَّحمَة نَيِّفٌ وَأَرْبَعُوْنَ نَفْساً، أَكْثَرهم نسَاء نَظَّارَة (٥) ، وَجَرَتْ حُرُوْب كَثِيْرَة بَيْنَ جَيْش خُرَاسَان وَبَيْنَ الغُزِّ عَلَى المُلك، وَحَاصَرَ المَلِكُ الرَّحِيْم وَالبسَاسيرِيُّ البَصْرَةَ، وَأَخَذَهَا مِنْ وَلد أَبِي كَالَيْجَار، ثُمَّ اسْتولَى عَسْكَرُ المَلكِ الرَّحِيْم عَلَى شيرَاز بَعْد حِصَارٍ طَوِيْل، وَقَحْطٍ وَبلاَء، حَتَّى قِيْلَ: لَمْ يَبْقَ فِيْهَا إِلاَّ نَحْو أَلف نَفْس، وَدَورُ سُورِهَا اثْنَا عَشرَ أَلف ذِرَاع، وَلَهَا أَحَدَ عشرَ بَاباً. وَفِي سَنَةِ (٤٤٧) قبض طُغْرُلْبَك عَلَى الْملك الرَّحِيْم، وَانقضتْ أَيَّامُ بنِي بُويه، وَكَانَ فِيْهَا دُخُوْلُ طُغْرُلْبَك بَغْدَاد، وَكَانَ يَوْماً مَشْهُوْداً بَيْنَ يَدَيْهِ ثَمَانِيَةَ عشرَ فِيلاً، مُظهِراً أَنَّهُ يَحُجُّ، وَيَغزو الشَّام وَمِصْر، وَيُزِيلُ الدَّوْلَة العُبَيْدِيَّة. وَمَاتَ

стр. 11390

ذخيرَةُ الدِّين مُحَمَّدُ بنُ الخَلِيْفَةِ وَلِيُّ عهد أَبِيْهِ، وَخلَّف وَلداً طِفْلاً وَهُوَ المُقتدي، وَعَاثت جيوشُ طُغْرُلْبَك بِالقُرَى، بِحَيْثُ لأُبِيعَ الثَّوْرُ بِعَشْرَةِ درَاهم، وَالحِمَارُ بدِرْهَمَيْنِ. وَوَقَعَتِ الفِتْنَةُ بِبَغْدَادَ بَيْنَ الحنَابلَة وَالشَّافِعِيَّة (١) . وَتَزَوَّجَ الخَلِيْفَةُ بِبنت طُغْرُلْبَك عَلَى مائَة أَلْف دِيْنَار (٢) . وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ مبدَأُ فِتْنَة البسَاسيرِي، وَخَطَبَ بِالكُوْفَةِ وَوَاسط وَبَعْضِ القرَى لِلمُسْتنصر العُبيدي (٣) ، وَكَانَ القَحْطُ عَظِيْماً بِمِصْرَ وَبَالأَنْدَلُس، وَمَا عُهِدَ قَحْطٌ وَلاَ وَبَاءٌ مِثْله بقُرْطُبَة، حَتَّى بَقِيَت المَسَاجِدُ مغلقَة بِلاَ مُصَلٍّ، وَسُمِّيَ عَام الْجُوع الكَبِيْر (٤) . وَفِي سَنَةِ تِسْعٍ أَخَذَ طُغْرُلْبَك المَوْصِل، وَسلَّمَهَا إِلَى أَخِيْهِ يَنَال، وَكَتَبَ فِي أَلقَابه: ملك المَشْرِق وَالمَغْرِب. وَفِيْهَا كَانَ الجوعُ المُفرط بِبَغْدَادَ وَالفنَاء، وَكَذَلِكَ بِبُخَارَى وَسَمَرْقَنْد حَتَّى يُقَالَ: هَلَكَ بِمَا وَرَاء النَّهْر أَلفُ أَلفٍ وَسِتُّ مائَةِ أَلْف (٥) . وَفِي سَنَةِ خَمْسِيْنَ أَخَذَ البسَاسيرِيُّ بَغْدَاد كَمَا قَدَّمْنَا، وَخَطَبَ لصَاحِب

стр. 11391

مِصْر، فَأَقْبَل فِي أَرْبَعِ مائَة فَارِس فِي وَهْنٍ وَضَعف وَمَعَهُ قُرَيْش أَمِيْر العَرَب فِي مائَتَيْ فَارِس بَعْدَ أَنْ حَاصرَا المَوْصِل، وَأَخَذَاهَا، وَهَدَمَا قلعتهَا. وَاشْتَغَل طُغْرُلْبَك بِحَرب أَخِيْهِ، فَمَالتِ العَامَّة إِلَى البسَاسيرِي لِمَا فَعَلت بِهِم الغُّز، وَفَرِحتْ بِهِ الرَّافِضَّةُ، فَحضر الهَمَذَانِيُّ عِنْد رَئِيْس الرُّؤَسَاء الوَزِيْر، وَاسْتَأْذَنَه فِي الحَرْب، وَضمن لَهُ قتل البسَاسيرِي، فَأَذن لَهُ. وَكَانَ رَأْيُ عَمِيْدِ العِرَاق المُطَاولَة رَجَاءَ نَجدَةِ طُغْرُلْبَك، فَبرز الهَمَذَانِيُّ بِالهَاشِمِيين وَالخدم وَالعوَام إِلَى الحلبَة، فَتقهقر البسَاسيرِيُّ، وَاسْتجرَّهُم، ثُمَّ كرَّ عَلَيْهِم، فَهَرَبُوا، وَقُتِلَ عِدَّة، وَنُهِبَ بَابُ الأَزج، وَأَغلقَ الوَزِيْرُ عَلَيْهِم، وَلطم العَمِيْد كَيْفَ اسْتبدَ الوَزِيْرُ بِالأَمْرِ وَلاَ مَعْرِفَةَ لهُ بِالحَرْب، فَطَلبَ الخَلِيْفَةُ العَمِيْدَ، وَأَمرهُ بِالقِتَال عَلَى سور الحرِيْم، فَلَمْ يَرُعْهم إِلاَّ الصرِيخُ وَنهبُ الحرِيْم، وَدخلُوا مِنْ بَاب النوبَى، فَرَكِبَ الخَلِيْفَةُ وَعَلَى كَتِفِهِ البُرْدَة، وَبِيَدِهِ السَّيْفُ، وَحَوْلَهُ عددٌ، فَرَجَعَ نَحْو العَمِيْد، فَوَجَدهُ قَدِ اسْتَأْمن إِلَى قُرَيْش، فَصَعِدَ المَنْظَرَة فَصَاح رَئِيْس الرُّؤَسَاء بِقُرَيْش: يَا عَلَمَ الدِّين: إِنَّ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ يَسْتَدنِيكَ. فَدنَا فَقَالَ: قَدْ أَنَالكَ الله رُتْبَةً لَمْ يُنِلهَا أَحَد، أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ يَسْتَذِمُّ مِنْكَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَصْحَابِهِ بذمَام الله وَرَسُوْله وَذمَامِ العَرَب. قَالَ: نَعَمْ. وَخلعَ قَلَنْسَوَتَهُ، فَأَعْطَاهَا الخَلِيْفَةَ، وَأَعْطَى الوَزِيْر مِخْصَرَتَهُ، فَنَزَلاَ إِلَيْهِ، وَذَهَبَا مَعَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ البسَاسيرِي: أَتخَالفُ مَا تَقرَّر بَيْنَنَا؟ قَالَ: لاَ. ثُمَّ اتفقَا عَلَى تَسْلِيم الوَزِيْر، فَلَمَّا أَتَاهُ؛ قَالَ: مَرْحَباً بِمُهلك الدُّول. قَالَ: العفوُ عِنْدَ القُدرَة. قَالَ: أَنْتَ قدرتَ فَمَا عَفْوتَ، وَركبتَ الْقَبِيح مَعَ أَطفَالِي، فَكَيْفَ أَعفُو وَأَنَا رَبُّ سَيْف!؟ وَحَمَلَ قُرَيْشٌ الخَلِيْفَةَ إِلَى مُخَيَّمه، وَسَلَّمَ زوجَتَه إِلَى ابْنِ جَرْدَة، وَنُهبت دورُ الخِلاَفَة، فَسَلَّمَ قُرَيْشٌ الخَلِيْفَةَ إِلَى ابْنِ عَمّه مهَارش بنُ مجلِّي، فَسَارَ بِهِ فِي هودجٍ إِلَى الحَدِيْثَة، وَسَارَ حَاشيَة الخَلِيْفَة عَلَى حَمِيَّة إِلَى طُغْرُلْبَك، وَشكَا الخَلِيْفَةُ البردَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُتَوَلِّي الأَنبار جُبَّةً وَلحَافاً. وَلاَ

стр. 11392

رِيب أَنَّ اللهَ لطَفَ بِالقَائِم لدينِهِ (١) . حكَى المُحَدِّثُ أَبُو الحَسَنِ بنُ عَبْدِ السَّلاَم: سَمِعْتُ الأُسْتَاذ مُحَمَّدَ بنَ عَلِيِّ بنِ عَامِرٍ قَالَ: دَخَلْتُ إِلَى الخزَانَة، فَأَعْطونِي عِدَّة قصَص، حَتَّى امتلأَ كُمِّي، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ الخَلِيْفَةُ أَخِي لضَجر مِنِّي، وَأَلقيتُهَا فِي البركَة. وَكَانَ القَائِمُ يَنْظُرُ، وَلَمْ أَدرِ. قَالَ: فَأَمر بِأَخَذِ الرِّقَاع، فَنُشِرَتْ فِي الشَّمْسِ، ثُمَّ وَقَّعَ عَلَى الجمِيْع، وَقَالَ: يَا عَامِّيُّ لِمَ فَعَلتَ هَذَا؟ قَالَ: فَاعْتذرتُ، فَقَالَ: مَا أَطْلَقْنَا شَيْئاً مِنْ أَمْوَالنَا بَلْ نَحْنُ خُزَّانُهُم (٢) . نعم، وَأَحْسَنَ البسَاسيرِيُّ السِّيرَةَ، وَوَصل الفُقَهَاء، وَلَمْ يَتعصب لِلشيعَة، وَرَتَّبَ لأُمِّ الخَلِيْفَةِ رَاتباً. ثُمَّ بَعْدَ أَيَّام أُخرج الوَزِيْر مُقَيَّداً عَلَيْهِ طُرْطُور، وَفِي رقبته قِلاَدَةُ جُلُود وَهُوَ يَقرَأُ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عِمْرَان:٢٦] فَبصق فِي وَجْهِهِ أَهْلُ الرَّفض - فَالأَمْر للهِ - ثُمَّ صُلِبَ، وَجُعِلَ فِي فَكَّيه كَلُّوبَانِ، فَمَاتَ ليَوْمه (٣) ، وَقتلُوا العَمِيْد أَيْضاً، وَهُوَ الَّذِي بَنَى رِبَاط شَيْخِ الشُّيُوْخ (٤) ، ثُمَّ سَارَ البسَاسيرِيُّ، فَحكم عَلَى البَصْرَةِ وَوَاسط، وَخَطَبَ بِهَا لِلمُسْتنصر، وَلَكِن قَطَعَ المُسْتنصر مُكَاتَبته، خَوَّفه وَزِيْرُه أَبُو الفَرَجِ ابْنُ أَخِي الوَزِيْر المَغْرِبِيّ، وَكَانَ قَدْ هَرَبَ مِنَ البسَاسيرِي، فَذَمَّ أَفعَاله، وَخَوَّف مِنْ عَوَاقِبه (٥) . وَبِكُلِّ حَالٍ فَنَالَهُ مِنَ المِصْرِيّين نَحْوُ أَلفِ أَلفِ دِيْنَار.

стр. 11393

وَفِي سَنَةِ (٤٥٤) زوَّج القَائِم بِنْته بِطُغْرُلْبَك بَعْد اسْتَعفَاء وَكُرْهٍ (١) ، وَغَرِقت بَغْدَاد؛ وَبلغ المَاء أَحَداً وَعِشْرِيْنَ ذرَاعاً (٢) . وَفِي سَنَةِ (٤٥٦) قبض السُّلْطَان أَلب آرسلاَن (٣) عَلَى وَزِيْره عَمِيْد الْملك الكُندرِي (٤) ، وَاسْتَوْزَرَ نِظَامَ المُلْك (٥) ، وَكَانَ المَصَافُّ بِالرَّيِّ بَيْنَ أَلب آرسلاَن وَقَرَابَته قُتُلْمِش (٦) ، فَقُتل قُتُلْمِش، وَنَدِمَ السُّلْطَانُ، وَعَمِلَ عزَاءهُ، ثُمَّ سَارَ يَغْزُو الرُّوْم (٧) . وَأُنشِئْت مدينَة بِجَايَة، بنَاهَا النَّاصرُ بنُ عَلنَاس (٨) ، وَكَانَتْ مرعَىً لِلدوَاب. وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ أُنشِئْت نِظَامِيَّةُ بَغْدَاد، وَسلطنَ أَلب آرسلاَن ابْنه مَلِكْشَاه (٩) ، وَجَعَله وَلِيَّ عَهْدِهِ، وَسَارَ إِلَيْهِ مُسْلِمُ بنُ قُرَيْش بن بَدْرَان صَاحِب المَوْصِل (١٠) ، فَأَقطعه هِيت وَحَرْبَا (١١) ، وَبنُوا عَلَى قَبْر أَبِي حَنِيْفَةَ قُبَّة عَظِيْمَة. (١٢) وَفِي سَنَةِ (٤٦١) احْتَرَقَ جَامِعُ دِمَشْق كُلُّه وَدَارُ السّلطنَة الَّتِي

стр. 11394

بِالخَضْرَاء (١) ، وَذَهَبت مَحَاسِنُ الجَامِع وَزخرفتُهُ الَّتِي تُضرب بِهَا الأَمثَال، مِنْ حَربٍ وَقَعَ بَيْنَ جَيْش مِصْر وَجَيْش العِرَاق (٢) . وَفِي سَنَةِ (٦٢) أَقْبَل طَاغِيَةُ الرُّوْم فِي جَيْش لَجِبٍ، حَتَّى أَنَاخَ بِمَنْبِج، فَاسْتبَاحهَا، وَأَسرع الكَرَّةَ لِلغلاَءِ، أُبيع فِي عَسْكَرِهِ رطلُ الْخبز، بدِيْنَار، وَكَانَ بِمِصْرَ الغلاَءُ الْمُفرط وَهِيَ النوبَة الَّتِي قَالَ فِيْهَا صَاحِبُ (المرَآة) :فَخَرَجتِ امْرَأَة بِالقَاهِرَةِ بِيَدِهَا مُدُّ جَوْهَرٍ فَقَالَتْ: مَنْ يَأْخُذُهُ بِمُدِّ قَمْحٍ؟ فَمَا الْتَفَت إِلَيْهَا أَحَد، فَرمته، وَقَالَتْ: مَا نَفعنِي وَقتَ الحَاجَة، فَلاَ أُرِيْدُهُ. فَمَا كَانَ لَهُ مَنْ يَأْخُذُه، وَكَادَ الخرَابُ أَنْ يَشمَلَ الإِقْلِيْم حَتَّى بِيعَ كلبٌ بِخَمْسَةِ دَنَانِيْر وَالهرُّ بِثَلاَثَة، وَبلغ ثمن الإِرْدَبِّ (٣) مائَةَ دِيْنَارٍ، وَأَكل النَّاسُ بَعْضهم بَعْضاً، وَتَشَتَّتَ أَهْل مِصْرَ فِي البِلاَد (٤) . وَفِي سَنَةِ (٦٣) كَانَتِ المَلْحَمَة العُظْمَى بَيْنَ الإِسْلاَم وَالنَّصَارَى. قَالَ ابْنُ الأَثِيْرِ (٥) :خَرَجَ أَرمَانوس فِي مائَتَيْ أَلف، وَقصد الإِسْلاَم، وَوصل إِلَى بلاَد خِلاَط (٦) . وَكَانَ السُّلْطَان أَلب آرسلاَن بخُوَيّ (٧) ، فَبَلَغَهُ كَثْرَةُ العَدُوّ، وَهُوَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلف فَارِس، فَقَالَ: أَنَا أَلتقيهُم، فَإِنْ سَلِمْتُ

стр. 11395

فَبنعمَةِ الله، وَإِن قُتلت فَمَلِكْشَاه وَلِيُّ عَهْدي، فَوَقَعت طلاَئِعُهُ عَلَى طلاَئِعِهِم، فَانْكَسَرَ العَدُوُّ، وَأُسِرَ مُقَدَّمُهُم، فَلَمَّا التَّقَى الجمعَان؛ بَعَثَ السُّلْطَانُ يَطلب الهُدْنَةَ، فَقَالَ أَرمَانوس: لاَ هُدْنَة إِلاَّ بِبذلِ الرَّيِّ. فَانزعج السُّلْطَان، فَقَالَ لَهُ إِمَامُهُ أَبُو نَصْرٍ (١) :إِنَّك تُقَاتلُ عَنْ دينٍ وَعَدَ اللهُ بِنصرِهِ وَإِظهَارِهِ عَلَى الأَديَان، فَأَرْجُو أَنْ يَكُوْنَ الله قَدْ كتب باسمِكَ هَذَا الفَتْحَ، وَالْقهم يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالسَّاعَةَ يَكُوْن الخُطَبَاءُ عَلَى المَنَابِر يَدعُوْنَ لِلمُجَاهِدينَ، فَصَلَّى بِهِ، وَبَكَى السُّلْطَان، وَبَكَى النَّاسُ، وَدَعَا، وَأَمَّنُوا، وَقَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصرفَ فَلينصرف، فَمَا ثَمَّ سُلْطَانٌ يَأْمرُ وَلاَ يَنَهَى، وَرَمَى القوسَ، وَسلَّ السَّيْفَ، وَعَقَدَ بِيَدِهِ ذَنَبَ فَرسِهِ، وَفَعَلَ الجُنْدُ كَذَلِكَ، وَلَبِسَ البيَاضَ، وَتحنَّط، وَقَالَ: إِن قُتلتُ فَهَذَا كَفَنِي. ثُمَّ حَمَلَ، فَلَمَّا لاَطخ العَدُوّ، تَرَجَّل، وَعَفَّر وَجهَهُ فِي التُّرَاب، وَأَكْثَر التَّضَرُّع، ثُمَّ ركب، وَحصل المُسْلِمُوْنَ فِي الْوسط، فَقتلُوا فِي الرُّوْم كَيْفَ شَاؤُوا، وَنَزَلَ النَّصْرُ، وَتطَايرت الرُّؤُوسُ، وَأُسَرَ مَلِكُ الرُّوْم، وَأُحضر بَيْنَ يَدي السُّلْطَان، فَضَرَبَه بِالمِقْرَعَة، وَقَالَ: أَلَمْ أَسَأَلك الهُدْنَة؟ قَالَ: لاَ تَوَبِّخْ، وَافعل مَا تُرِيْد. قَالَ: مَا كُنْتَ تَفْعَلُ لَوْ أَسَرْتَنِي؟ قَالَ: أَفْعَلُ القَبيح. قَالَ: فَمَا تَظُنُّ بِي؟ قَالَ: تَقتُلُنِي أَوْ تُشَهِّرنِي فِي بلاَدك، وَالثَّالِثَةُ بعيدَةٌ، أَنْ تَعفوَ، وَتَأْخَذَ الأَمْوَالَ. قَالَ: مَا عَزَمْتُ عَلَى غَيْرهَا. فَفَكَّ نَفْسَهُ بِأَلفِ أَلفِ دِيْنَار وَخَمْس مائَة أَلْفِ دِيْنَار وَبِكُلِّ أَسيرٍ فِي مَمْلَكَته، فَنَزَّله فِي خيمَةٍ، وَخلعَ عَلَيْهِ، وَبَعَثَ لَهُ عَشْرَةَ آلاَفِ دِيْنَار يَتَجَهَّز بِهَا، وَأَطلق لَهُ عِدَّة بَطَارِقَة، وَهَادَنَهُ خَمْسِيْنَ سَنَةً، وَشيَّعه، وَأَمَّا جَيْشُهُ، فَمَلَّكُوا مِيخَائِيْل. وَمَضَى أَرمَانوس، فَبَلَغَهُ ذهَابُ مُلْكِهِ، فَتَرَهَّب، وَلَبِسَ الصُّوف، وَجَمَعَ مَا قدر عَلَيْهِ، مِنَ الذَّهب، فَكَانَ نَحْو ثَلاَثَ مائَة أَلْف دِيْنَار، فَبَعَثَهَا، وَاعْتَذَرَ.

стр. 11396

وَفِيْهَا تَمَلَّكَ الشَّام أَتْسِز الخُوَارِزْمِي (١) ، وَبدَّع وَأَفسد، وَعثَّر الرَّعِيَّة. وَفِي سَنَةِ (٦٥) قُتل السُّلْطَان أَلب آرسلاَن. وَفِيْهَا اخْتَلَفَ جَيْشُ مِصْر، وَتحَاربُوا مَرَّات، وَقَوِيَتِ الأَترَاكُ، وَقُتِلَ خَلْقٌ مِنْ عرب مِصْر، وَاضمحَلَّ دَسْتُ (٢) المُسْتنصر، وَذَاق ذُلاًّ وَحَاجَة، وَبَالَغَ فِي إِهَانته نَاصِرُ الدَّوْلَة الحَمْدَانِي، وَعظُمَ، وَجَرَتْ أُمُوْرٌ مُزعجَة (٣) . وَفِي سَنَةِ (٦٦) غَرِقَتْ بَغْدَاد، وَأُقيمت الجُمُعَةُ فِي السُّفن مرَّتين، وَهَلَكَ خَلْقٌ لاَ يُحصَوْنَ حَتَّى لقيل: إِنَّ المَاء بلغَ ثَلاَثِيْنَ ذرَاعاً. حَتَّى لقَالَ سِبْطُ ابْنِ الجَوْزِيّ: وَانهدمت مائَةُ أَلْفِ دَار، وَبقيت بَغْدَادُ مَلَقَةً (٤) وَاحِدَة. (٥) وَفِي سَنَةِ (٦٧) بَعَثَ المُسْتنصر إِلَى سَاحل الشَّام إِلَى بدر الجمَالِي (٦) ، ليُغِيثه، فَسَارَ مِنْ عَكَّا فِي البَحْر زَمَن الشِّتَاء، وَخَاطر، وَهجم مِصْر بغتَةً، وَسَمَّاهُ المُسْتنصر أَمِيْر الجُيُوْش، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلِ، بَعَثَ إِلَى كُلّ أَمِيْر مِنْ أَعْيَانِ الأُمَرَاء طَائِفَةً أَتوهُ بِرَأْسِهِ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهم إِلَى قصر المُسْتنصر، وَأَضَاءت حَالُه، وَسَارَ إِلَى الإِسْكَنْدَرِيَّة، فَحَاصَرَهَا مُدَّةً، وَأَخَذَهَا، وَقُتِلَ طَائِفَةً اسْتولُوا، وَسَارَ إِلَى دمِيَاط، فَفَعَل كَذَلِكَ، وَسَارَ إِلَى الصّعيدِ، فَقَتَلَ بِهِ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّام اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً، وَنهب وَبدَّع، فَتَجْمَّعُوا لَهُ بِالصعيد فِي سِتِّيْنَ أَلْفاً مِنْ بَيْنِ فَارِس وَرَاجل، فَبَيَّتَهم ليلاً فَهَزمَهُم، وَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيْر، وَغَرِقَ مِثْلُهُم، وَغُنِمَتْ أَمْوَالهُم. ثُمَّ التَقَوا ثَانِيَةً، وَنُصِرَ عَلَيْهِم، وَوَقَعَ بِبَغْدَادَ حَرِيْقٌ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَذَهَبَ الأَمْوَالُ.

стр. 11397

وَمَاتَ القَائِم بِأَمْرِ اللهِ: فِي شَعْبَانَ سَنَة سَبْعٍ وَسِتِّيْنَ (١) وَأَرْبَعِ مائَة، وَبَايَعُوا حَفِيْدَهُ، فَنذكُرُه اسْتطرَاداً. ١٤٧ - المُقْتَدِي بِأَمْرِ اللهِ عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ العَبَّاسِيُّ * الخَلِيْفَةُ المُقْتَدِي بِأَمْرِ اللهِ، أَبُو القَاسِمِ عُبَيْدُ اللهِ (٢) بنُ ذخيرَةِ الدِّينِ مُحَمَّدِ ابنِ القَائِم بِأَمْرِ اللهِ عبدِ اللهِ ابنِ القَادِر بِاللهِ أَحْمَدَ بنِ إِسْحَاقَ بنِ المُقْتَدِرِ العَبَّاسِيُّ. تسلَّم الخِلاَفَةَ بعهدٍ مِنْ جدِّه يَوْم ثَالِثِ عشر شَعْبَان سَنَة (٤٦٧) وَهُوَ ابْنُ عِشْرِيْنَ سَنَةً سِوَى أَشهر (٣) ، وَأُمُّه أَرْجُوَان أُمُّ وَلَدَ، بقيت بَعْدَهُ دَهْراً، رَأَتِ ابْنَ ابْنِ ابْنهَا المُسْترشد خَلِيْفَة (٤) . وَكَانَ حَسَنَ السّيرَةِ، وَافِرَ الحُرْمَةِ. أَمر بنفِي الخوَاطِئ (٥) وَالقينَات، وَأَنْ لاَ يَدخُل أَحَدٌ الحَمَّام إِلاَّ بِمئزر، وَأَخرب أَبرَاج الحَمام، وَفِيْهِ ديَانَةٌ وَنجَابَة وَقُوَة وَعُلُوُّ هِمَّة (٦) . وَكَانَ مَلِكْشَاه قَدْ صَمَّمَ عَلَى إِخرَاجه مِنْ بَغْدَادَ، فَحَار،

стр. 11398

وَالتَجَأَ إِلَى اللهِ، فَدَفَعَ عَنْهُ، وَهَلك مَلِكْشَاه (١) . وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيْهِ بِأَشهر، وَكَانَ فِي اعتِقَالِ القَائِم نَوْبَة البسَاسيرِي صغِيراً، فَأُخفِي، وَحمله ابْنُ المحلبَان (٢) إِلَى حرَّان (٣) . وَزَرَ لَهُ فَخْرُ الدَّوْلَة ابْن جَهير بوصيَةٍ مِنْ جَدِّه. وَفِي سَنَةِ (٤٦٩) سَارَ أَتسز - الَّذِي أَخَذَ دِمَشْق - إِلَى مِصْرَ، وَحَاصرهَا، وَكَادَ أَنْ يَملكَهَا، فَتضرع أَهْلُهَا إِلَى اللهِ، فَترحَّل بِلاَ سَبَب، وَنَازل القدسَ، ثُمَّ أَخَذَهَا، وَقَتَلَ ثَلاَثَة آلاَف، وَذبحَ القَاضِي وَالشُّهُودَ صَبْراً، وَعَسَفَ. (٤) وَقَالَ أَبُو يَعْلَى بنُ القلاَنسِي: كَسره بِمِصْرَ أَمِيْرُ الجُيُوْش، فَرُدَّ وَقَدْ قُتل أَخُوْهُ، وَقُطِعت يَدُ أَخِيْهِ الأَخر، فَسُرَّ النَّاس (٥) . وَكَانَتِ الفِتْنَةُ الصّعبَةُ بَيْنَ الحَنْبَلِيَّة وَالقُشيرِية بِسَبَب الاعْتِقَاد، وَقُتِلَ بَيْنهم جَمَاعَةٌ، وَعَظُمَ البَلاَءُ، وَتَشَفَّتْ بِهِم الرَّوَافضُ (٦) ، وَحَاصَرَ دِمَشْقَ المِصْرِيّون مرَّتين. وَعُزل ابْنُ جَهِير الوَزِيْر لِشِدِّهِ مِنَ الحنَابلَة (٧) . وَفِي سَنَةِ (٤٧١) أَقْبَل تَاجُ الدَّوْلَة تُتش أَخُو مَلِكْشَاه، فَاسْتولَى عَلَى دِمَشْقَ، وَقُتِلَ أَتْسِز، وَأَحَبَّه النَّاس (٨) .

стр. 11399

وَفِي سَنَةِ (٧٣) مَاتَ صَاحِبُ اليَمَن أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ الصُّلَيْحِي (١) ، وَكَانَتْ دَوْلَتُهُ نَحْواً مِنْ عِشْرِيْنَ سَنَةً، وَكَانَ عَلَى دين العُبَيْدِيَّة، تَحيَّل إِلَى أَنْ تَملَّك جمِيْع اليَمَن. وَكَانَ أَبُوْهُ مِنْ قُضَاة اليَمَن، لَهُ سيرَةٌ فِي (تَارِيخِي الكَبِيْر) . وَرَافَعُوا نِظَام المُلك وَزِيْر مَلِكْشَاه. قَالَ ابْنُ الأَثِيْرِ (٢) :فَمَدَّ سِمَاطاً (٣) ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ ممَاليكَه، وَهم أُلوفٌ مِنَ التّرْك بخيلهِم وَسلاَحهِم، وَحضر السُّلْطَان، ثُمَّ قَالَ: إِنِّيْ خَدَمْتُكَ، وَخدمتُ أَبَاك وَجدَّك، وَقَدْ بَلغَك أَخذِي لِلأَمْوَال، وَصَدَقُوا، إِنَّمَا أَصْرِفُهَا عَلَى مِثْل هَؤُلاَءِ الغِلمَان وَهم لَكَ، وَفِي البِرِّ وَالصِّلاَت، وَمُعْظَمُ أَجرِهَا لَكَ، وَكُلُّ مَا أَملِكُه فَبينَ يَديك، وَأَنَا أَقنعُ بِمُرَقَّعَة. فَصفَا لَهُ السُّلْطَانُ، وَأَحَبَّه، وَسَمَلَ سَيِّد الرُّؤَسَاء أَبَا المَحَاسِن (٤) ، الَّذِي نَاوَأَه. وَفِي هَذَا الْقرب تَملَّك سُلَيْمَانُ بنُ قُتُلْمِش السَّلْجُوْقِيّ قونِيَة وَآقصرَا. ثُمَّ سَارَ، فَأَخَذَ أَنطَاكيَةَ مِنَ الرُّوْم، وَكَانَ لَهَا فِي أَيديهِم مائَة وَعِشْرُوْنَ (٥) سَنَةً. وَبَعَثَ بِالبشَارَةِ إِلَى السُّلْطَانِ مَلِكْشَاه، ثُمَّ تحَارب هُوَ وَمُسْلِمُ بنُ قُرَيْش فِي سَنَةِ (٧٧) فَقُتِلَ مُسْلِمٌ. وَنَازل ابْن قُتُلْمِش حلبَ شَهْراً ثُمَّ ترَحَّل (٦) . وَنَازل الأُذفِيش (٧) مدينَة طُلَيْطُلَة أَعْوَاماً، ثُمَّ كَانَتِ المَلْحَمَة الكُبْرَى

стр. 11400

بِالأَنْدَلُسِ، وَانتصر المُسْلِمُوْنَ، وَأَسَاء أَمِيْر المُسْلِمِيْنَ يُوْسُفُ بنُ تَاشفِيْن إِلَى ابْنِ عَبَّاد، وَأَخَذَ بلاَده، وَسَجَنَهُ (١) . وَأَقْبَلَ أَمِيْرُ الجُيُوْش، فَنَازل دِمَشْقَ، وَضيَّق عَلَى تُتْش، ثُمَّ ترحَّل (٢) . وَفِي سَنَةِ (٧٩) التُّقَى تُتْش وَصَاحِبُ قُونِيَة سُلَيْمَانُ، فَقُتل سُلَيْمَانُ، وَاسْتَوْلَى تُتش عَلَى حلب. وَأَقْبَلَ أَخُوْهُ السُّلْطَانُ مِنْ أَصْبَهَان إِلَى حلب، فَأَخَذَهَا، وَهَرَبَ مِنْهُ أَخُوْهُ، وَنَاب بِحَلَب قَسيمُ الدَّوْلَة؛ جَدُّ نُور الدِّين، فَعمرت بِهِ (٣) ، وَافتَتَح السُّلْطَانُ الجَزِيْرَةَ، وَقَدِمَ بَغْدَاد، وَقَدِمَ بَعْدَهُ النّظامُ، ثُمَّ تَصيَّد، وَعَمِلَ منَارَةَ القُرُوْنَ، وَجَلَسَ لَهُ المُقتدي، وَخلعَ عَلَيْهِ خِلَعَ السَّلطنَة، وَعَلَى أَمرَائِهِ، وَنظَامُ الْملك يُقَدِّمُهم وَيُتَرْجِمُ عَنْهُم (٤) ، ثُمَّ كَانَ عُرس المُقتدي عَلَى بِنْتِ السُّلْطَانِ، وَلَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِ جَهَازِهَا وَعُرسهَا؛ دَخَلَ فِي الدعوَة أَرْبَعُوْنَ أَلف مَناً مِنَ السكر (٥) . وَمَاتَ صَاحِبُ غَزنَة وَالهِنْد المُؤَيَّدُ إِبْرَاهِيْم (٦) بنُ مَسْعُوْدِ ابْن السُّلْطَانِ مَحْمُوْد، وَتَملَّك بَعْدَهُ ابْنُهُ جَلاَلُ الدِّين، زَوجُ بِنْت مَلِكْشَاه الَّتِي غَرِمَ نَظَامُ الْملك عَلَى عُرسهَا أَلفِي أَلفِ دِرْهَم. (٧) وَسَارَ مَلِكْشَاه لِيملك سَمَرْقَنْد، وَافتَتَح مَا وَرَاء النَّهْر، وَتَضوَّرت بِنْتُ مَلِكْشَاه مِنِ اطِّرَاح الخَلِيْفَة لَهَا، فَأَذن لَهَا فِي

стр. 11401

الذّهَاب إِلَى أَصْبَهَانَ مَعَ ابْنِهَا جَعْفَر، وَأَقْبَلَ جَيْشُ مِصْر فَأَخذُوا صُوْرَ وَعكَا وَجُبَيْل (١) . وَفِتَنُ السّنَة وَالشِّيْعَة مُتتَاليَةٌ بِبَغْدَادَ لاَ يُعبَّر عَنْهَا. وَفِي سَنَةِ (٤٨٣) اسْتولَى ابْنُ الصَّبَّاحِ؛ رَأْس الإِسْمَاعِيليَّة عَلَى قَلْعَة أَصْبَهَان، فَهَذَا أَوّلُ ظُهُوْرهم (٢) . وَاسْتولتِ النَّصَارَى عَلَى سَائِر جَزِيْرَة صَقَلِية، وَهِيَ إِقْلِيْمٌ كَبِيْر (٣) . وَكَانَتْ ملحمَة جَيَّان بِالأَنْدَلُسِ بَيْنَ الفِرَنْج وَالمُسْلِمِيْنَ، وَنَصرَ اللهِ، وَحُصِدَتِ الفِرَنْج (٤) . وَافتَتَح ملكشَاه اليَمَن عَلَى يَد جَنَقَ (٥) أَمِيْر التركمَان (٦) ، وَاسْتبَاحت خفَاجَة (٧) رَكْبَ العِرَاق، فَذَهَبَ وَرَاءهم عَسْكَرٌ، فَقتلُوا مِنْهم خلقاً كَثِيْراً، وَلَمْ تَقم لَهم شوكَةٌ بَعْد (٨) . وَمَاتَ نَظَام الْملك: فِي سَنَةِ (٨٦) (٩) ، ثُمَّ مَاتَ السُّلْطَان (١٠) ، فَسَارَ مِنَ الشَّام أَخُوْهُ تُتش ليتسلطنَ، وَفِي خِدمته قَسِيمُ الدَّوْلَة، وَصَاحِب أَنطَاكيَة، وَجَمَاعَة خطبُوا لَهُ بِمَدَائِنهُم. وَسَارَ، وَأَنفق الأَمْوَالَ، وَأَخَذَ الرّحبَة ثُمَّ نصِيْبين عَنْوَةً، وَقَتَلَ وَعَسَفَ. وَقصد المَوْصِل، فَعمل مَعَهُ صَاحِبُهَا إِبْرَاهِيْمُ بنُ قُرَيْش

стр. 11402

مَصَافّاً، فَأُسِرَ إِبْرَاهِيْمُ، وَتَمَزَّقَ جَمعُهُ، وَقُتِلَ مِنَ الفَرِيْقَيْنِ عَشْرَةُ آلاَف، وَذُبح إِبْرَاهِيْم صَبْراً (١) . وَأُبِيْعَتْ مِنَ النَّهْبِ مائَةُ شَاة بدِيْنَار. ثُمَّ بَعَثَ تُتش يَطلب مِنَ الخَلِيْفَة تَقليدَ السّلطنَة. وَافتَتَح مَيَّافَارِقين وَديَار بكر وَبَعْض أَذْرَبِيْجَان، فَبَادر بَرْكيَارُوْق ابْنُ أَخِيْهِ، فَالتَقَوا، فَخَامر قسيم الدَّوْلَة وَبوزَانُ، وَصَارَا مَعَ بَرْكيَارُوْق، فَضعُف تُتش، وَوَلَّى إِلَى الشَّامِ (٢) . وَفِي أَوَّلِ سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِيْنَ خُطبَ بِبَغْدَادَ لِلسُلْطَان بركيَارُوْق ركن الدَّوْلَة، وَعلَّم المُقتدي عَلَى تَقليده، ثُمَّ مَاتَ (٣) فَجْأَةً مِنَ الغَدِ، تغدَّى وَغسل يَدَيْهِ، وَعِنْدَهُ فَتَاتهُ شَمْسُ النَّهَار، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الأَشخَاص دَخَلُوا بِلاَ إِذن؟ فَارتَابَت، وَتغَيَّر، وَارتخت يَدَاهُ، وَسقط، فَظنُّوهُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَطَلبتِ الجَارِيَةُ وَزِيْرَه، وَمَاتَ، فَأَخذُوا فِي البَيْعَةِ لابْنِهِ أَحْمَد المُسْتظهِر بِاللهِ فِي ثَامن عشر المُحَرَّم. تُوُفِّيَ: وَهُوَ ابْنُ تِسْعٍ وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً، وَكَانَ خِلاَفَتُه عِشْرِيْنَ سَنَةً، وَأَخَّرُوا دَفنه ثَلاَث لَيَالٍ لِكَوْنِهِ مَاتَ فَجْأَةً (٤) . قَالَ ابْنُ النَّجَّار: اسْم أُمّه عَلم (٥) . قَالَ: وَكَانَ مُحِباً لِلعلُوْم، مُكْرِماً لأَهْلهَا، لَمْ يَزَلْ فِي دَوْلَةٍ قَاهِرَة وَصَوْلَة باهرَة، وَكَانَ غزِيْر الفَضْل، كَامِل العَقْل، بَلِيْغَ النَّثْر، فَمِنْهُ: وَعْدُ الكُرَمَاء أَلْزَمُ مِنْ دُيُون الغُرَمَاء. الأَلْسُنُ الفصيحَة أَنفعُ مِنَ الوُجُوه الصَّبِيْحَة، وَالضَّمَائِر الصَّحيحَة أَبلغُ مِنَ الأَلْسُن الفصيحَة. حَقُّ الرَّعِيَّة لاَزمٌ

стр. 11403

لِلرّعَاة، وَيَقبحُ بِالوُلاَة الإِقبالُ عَلَى السُّعَاة. وَمِنْ نَظمه: أَرَدْتُ صَفَاءَ العَيْشِ مَعَ مَنْ أُحبُّهُ ... فَحَاوَلنِي عَمَّا أَرُوم مَرِيْدُ وَمَا اخْتَرْتُ بَتَّ الشَّمْلِ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِ ... وَلَكِنَّهُ مَهْمَا يُرِيْد أُرِيْدُ (١) وفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة مِنْ دَوْلَته جُدِّدت قُبَّةُ النَّسر (٢) ، فَاسمه عَلَى القُبَّة. وَكَانَ هُوَ خَلِيْفَةَ الإِسْلاَم فِي زَمَانِهِ، لَكِن يُزَاحمُه صَاحِبُ مِصْر المُسْتنصر وَابْنُه، فَكَانَ العُبيديُّ وَالعَبَّاسِيُّ مَقهورَيْنَ مِنْ وُجُوه. وَكَانَ الدَّسْتُ لوزِيْر مِصْر أَمِيْر الجُيُوْش. وَكَانَ حُكم العِرَاق وَالمَشْرِق إِلَى السَّلجوقيَّة. وَحُكْمُ المَغْرِب إِلَى تَاشفِيْن وَابْنه. وَحُكْمُ اليَمَن إِلَى طَائِفَة (٣) . وَالأَمْر كُلُّه للهِ. ١٤٨ - القَيْرَوَانِيُّ أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بنُ رَشِيْقٍ * العَلاَّمَةُ، البَلِيْغُ، أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بنُ رَشِيْقٍ الشَّاعِرُ.

стр. 11404

كَانَ أَبُوْهُ مِنْ مَوَالِي الأَزد. وَلأَبِي عَلِيٍّ تَصَانِيْفُ مِنْهَا: (العمدَة فِي صِنَاعَة الشّعر (١)) ، وَكِتَاب (الأُنموذج (٢)) ، وَ (الرَسَائِل الفَائِقَة) . وُلِدَ: بِالمسِيْلَة (٣) ، وَتَأَدب، وَعَلَّمه أَبُوْهُ الصيَاغَة، فَلَمَّا قَالَ الشّعر رَحَلَ إِلَى القَيْرَوَان، وَمدح مَلِكهَا، فَلَمَّا أَخذتهَا العَرَب، وَاسْتبَاحُوهَا، دَخَلَ إِلَى صَقِلية، وَسَكَنَ مَازر (٤) ، إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. وَيُقَالُ: مَاتَ فِي ذِي القَعْدَةِ، سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ (٥) . وَلَهُ كِتَاب (قرَاضَة الذّهب (٦)) . وَكِتَاب (الشُّذُوذ (٧) فِي اللُّغَة) ، ذَكَرَهُ ابْنُ خلكَانَ (٨) .

стр. 11405

١٤٩ - الإِيْلاَقِيُّ أَبُو الرَّبِيْع طَاهِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ التُّرْكِيُّ * شَيْخُ الشَّافِعِيَّة، أَبُو الرَّبِيْعِ طَاهِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ (١) التُّرْكِيُّ. وَإِيلاَق: هِيَ قصبَة الشَّاش. كَانَ مِنْ كُبَرَاء الشَّافِعِيَّة بِتِلْكَ الدِّيَار. تَفقه بِمَرْو عَلَى الشَّيْخ أَبِي بَكْرٍ القَفَّال، وَببُخَارَى عَلَى الأُسْتَاذ أَبِي عَبْدِ اللهِ الحَليمِي. وَحَدَّثَ عَنْ: أَبِي نُعَيْمٍ الإِسفرَايينِي، وَجَمَاعَة. وَلَهُ وَجْهٌ فِي المَذْهَب (٢) . عَاشَ سِتّاً وَتِسْعِيْنَ سَنَةً. تُوُفِّيَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. لَمْ يَقع لِي حَدِيْثُه عَالِياً. ١٥٠ - غَالِبُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي اليُمْنِ أَبُو تَمَّامٍ القَيْسِيُّ * العَلاَّمَةُ، شَيْخُ القُرَّاءِ وَالنُّحَاة، أَبُو تَمَّام القَيْسِيُّ القُرْطُبِيُّ، القَطِيْنِيُّ الأَصْل، نَزِيلُ دَانِيَة.

стр. 11406

وَقَطِينَة: ضيعَة بجَزِيْرَة مَيُورْقَة (١) . قرَأَ عَلَى أَبِي الحَسَنِ مُحَمَّدِ بنِ قُتَيْبَةَ، وَأَبِي عَمْرٍو الدَّانِي. وَسَمِعَ مِنِ: ابْنِ عبد الْبر، وَجَمَاعَة. وَكَانَ قَائِماً عَلَى كِتَاب سِيبَوَيْهٍ، رَأْساً فِي مَعْرِفَته. تخرَّج بِهِ أَئِمَّة مَعَ الزُّهْد وَالتعفف. أَرَادَه المَلِك إِقبالُ الدَّوْلَة العَامِرِيُّ عَلَى القَضَاءِ، فَامْتَنَعَ. تَلاَ عَلَيْهِ: عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ شَفِيع وَغَيْرهُ. وَلَهُ شعر جَيِّد (٢) وَفضَائِل. وَقَدْ أَخَذَ اللُّغَةَ عَنْ صَاعِد (٣) . وَكَانَ مَوْلِدُهُ: فِي سَنَةِ ثَلاَثٍ وَتِسْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. وَسَمِعَ: فِي سَنَةِ سبعٍ

стр. 11407

وَأَرْبَعِ مائَة مِنْ حَبِيْبِ بن أَحْمَدَ الرَّاوِي عَنْ قَاسِم بن أَصْبَغ. تُوُفِّيَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. وَقِيْلَ: سَنَةَ سِتّ (١) . ١٥١ - زَعِيْمُ المُلْكِ عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيٍّ العِرَاقِيُّ * الوَزِيْرُ الكَبِيْرُ، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيِّ بنِ عَبْدِ الرَّحِيْمِ العِرَاقِيُّ. وَزَرَ بَعْد هَلاَك أَخِيْهِ كَمَالِ المُلك هِبَة اللهِ لِلسُلْطَان أَبِي نَصْرٍ خسرو ابْنِ الْملك أَبِي كَالَيجَار البُويهِيّ (٢) ، فِي سَنَةِ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعِيْنَ (٣) ، فَلَمَّا أَنْ تَغَلَّب البسَاسيرِيّ عَلَى العِرَاقِ، سَنَةَ خَمْسِيْنَ دَخَلَ يَوْمَئِذٍ وَزَعيم الْملك هَذَا عَنْ يَمِيْنه (٤) ، وَكَانَ يَحترمه وَيُخَاطبه بِمَوْلاَنَا. ثُمَّ إِنَّهُ هَرَبَ إِلَى البطَائِح (٥) ، وَفَتر سُوقه، وَعَاشَ إِلَى سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّيْنَ، وَكَانَ عُمُره سبعينَ سَنَةً (٦) . ١٥٢ - مُحَمَّدُ بنُ عَتَّابِ بنِ مُحْسِنٍ الأَنْدَلُسِيُّ * الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، المُحَدِّثُ، مُفْتِي قُرْطُبَة، أَبُو عَبْدِ اللهِ

стр. 11408

مَوْلَى ابْنِ أَبِي عَتَّابٍ الأَنْدَلُسِيُّ (١) . وُلِد: سَنَةَ ثَلاَثٍ وَثَمَانِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. وَحَدَّثَ عَنْ: عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَحْمَدَ التُّجِيْبِيّ، وَأَبِي القَاسِمِ خَلَفِ بن يَحْيَى، وَأَبِي المُطَرِّف القَنَازِعِي، وَسَعِيْدِ بنِ سَلَمَةَ، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ نبَات، وَعبدِ الرَّحْمَن بنِ أَحْمَدَ بنِ بِشْر القَاضِي، وَيُوْنُس بنِ مُغِيْث، وَأَبِي أَيُّوْبَ بن عُمرُوْنَ، وَالقَاضِي أَبِي بَكْرٍ بنِ وَاقِد، وَعِدَّة. حَدَّثَ عَنْهُ: ابْنُهُ؛ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُحَمَّدٍ، وَغَيْرهُ. قَالَ خَلَف بن بَشْكُوَال (٢) :كَانَ فَقِيْهاً وَرِعاً عَامِلاً، بَصِيْراً بِالحَدِيْثِ وَطرقه، لاَ يُجَارَى فِي الوثَائِق، كتبهَا عُمُرَه، وَمَا أَخَذَ عَلَيْهَا مِنْ أَحَد أَجراً، يُقَالَ: قرَأَ فِيْهَا أَزِيدَ مِنْ أَرْبَعِيْنَ مُؤَلّفاً (٣) . وَكَانَ مُتَفَنِّناً فِي العِلْمِ، حَافِظاً لِلأَخْبَار وَالأَشعَار وَالأَمثَال، صَليباً فِي الحَقِّ، مُنْقَبِضاً عَنِ السُّلْطَان وَأَسبَابه، مُتوَاضعاً، مُقتصداً فِي مَلبسه، يَتولَّى حوَائِجه بِنَفْسِهِ. وَكَانَ شَيْخَ أَهْلِ الشُّوْرَى فِي زَمَانِهِ، وَعَلَيْهِ كَانَ مدَارُ الفَتْوَى، دُعِي إِلَى قَضَاء قُرْطُبَة مرَاراً، فَأَبَى، وَكَانَ يهَابُ الفَتْوَى، وَيَقُوْلُ: وَدِدْتُ أَنِّي أَنجُو مِنْهَا كفَافاً. وَلَهُ اخْتيَارَاتٌ مِنْ أَقَاويل العُلَمَاء، يَأْخذ بِهَا فِي خَاصَّة نَفْسه. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الغَسَّانِيّ: كَانَ مِنْ جِلَّةِ العُلَمَاء الأَثْبَاتِ، وَمِمَّنْ عُني بِالفِقْه وَسَمَاع الحَدِيْث دَهْرَه، وَقَيَّدَه، فَأَتقنه.

стр. 11409

مَاتَ: فِي صَفَرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة (١) ، وَشَيَّعه المُعْتَمِد بن عَبَّادٍ. ١٥٣ - الصَّرِيْفِيْنِيُّ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ * الإِمَامُ، الثِّقَةُ، الخَطِيْبُ، خَطِيْبُ صَرفِيْن (٢) ، أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُجيب بنِ المُجَمِّعِ بنِ بَحْرِ بنِ مَعْبَدٍ (٣) بن هَزَارْمَرْدَ (٤) الصَّرِيفِيْنِي، رَاوِي كِتَاب (الجعديَات (٥)) عَنْ أَبِي القَاسِمِ بنِ حَبَابَةَ (٦) . سَمِعَ: ابْن حَبَابَة، وَابْن أَخِي مِيمِي الدَّقَّاق، وَعُمَر بن إِبْرَاهِيْمَ الكَتَّانِي (٧) ، وَأَبَا طَاهِرٍ المُخَلِّص، وَأَمَة السَّلاَم بِنْتَ أَحْمَد بنِ كَامِل، وَالحَافِظ أَحْمَدَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ دَوَّسَتْ العَلاَّف، وَغَيْرهُم. واخْتُلِف فِي نسبه فِي تَقَدِيْم مُجيب عَلَى مُجمَّع (٨) .

стр. 11410

حَدَّثَ عَنْهُ: الخَطِيْبُ، وَالحُمَيْدِيُّ، وَأَبُو المُظَفَّرِ السَّمْعَانِيّ، وَهِبَةُ اللهِ الشيرَازِي، وَمُحَمَّدُ بنُ طَاهِرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ الأَنْصَارِيّ، وَإِسْمَاعِيْلُ بنُ السَّمَرْقَنْدِيّ، وَعَلِيُّ بنُ سُكَيْنَة، وَعَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيّ، وَالحُسَيْنُ بنُ عَلِيٍّ سِبْط الخَيَّاط، وَيَحْيَى بنُ عَلِيِّ بنِ الطّرَّاح، وَآخَرُوْنَ. وَسَمِعَ مِنَ: المُخَلِّص (النّسَب) لِلزُّبِير، وَكِتَاب (الْفتُوح) ، وَكِتَاب (المُزَنِيّ) ، وَ (أَخْبَار الأَصْمَعِيّ) ، وَكِتَاب (البِرّ) ، وَكِتَاب (الزُّهْد) لابْنِ المُبَارَكِ، وَكِتَاب (المزَاح) لِلزبِير، وَأَشيَاء. ذكره الخَطِيْب، فَقَالَ (١) :عُرف وَالِده بهَزَارْمَرْدَ، قَدِمَ أَبُو مُحَمَّدٍ بَغْدَاد دَفَعَات، وَحَدَّثَ بِهَا، وَكَانَ صَدُوْقاً. وَقَالَ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ: شَيْخٌ صَالِحٌ خَيِّر، صَارَت إِلَيْهِ الرّحلَةُ، وُلِدَ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ أَحْمَدَ النَّاسِ طرِيقَةً، وَأَجْمَلَهم خليقَة، وَأَخلصَهم نِيَّةً، وَأَصفَاهم طويَّةً، سَمِعَ مِنْهُ الكِبَار. حَكَى ابْنُ طَاهِرٍ أَنَّ هِبَة اللهِ بن عَبْدِ الوَارِثِ كَانَ مُصعِداً إِلَى الشَّامِ، فَدَخَلَ صَرِيفِيْن، فَرَأَى شَيْخاً ذَا هيئَةٍ، قَاعِداً عَلَى بَاب دَاره، فَسَأَلَهُ: هَلْ سَمِعْتَ شَيْئاً؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ مِنِ ابْنِ حَبَابَة، وَالكَتَّانِي، وَأَبِي طَاهِر المُخَلِّص، وَطَبَقَتهم. فَتعجَّب مِنْ ذَلِكَ، وَطَالبه بِالأُصُوْل، فَأَخْرَجَ لَهُ أُصُوْلاً عَتِيْقَة بِخَط ابْن البَقَّال، وَغَيْره، فَقَرَأَ هِبَةُ اللهِ مَا عِنْدَهُ، وَنسخ. وَنمَّ الخَبَر إِلَى عُكْبَرَا وَبغدَاد، فَرحل النَّاس إِلَيْهِ (٢) . قَالَ أَبُو الفَضْلِ بنُ خَيْرُوْنَ: هُوَ ثِقَةٌ، لَهُ أُصُوْلٌ جيَاد، قَرَأْت بخطِّ

стр. 11411

وَالِده: وُلِد ابْنِي عَبْدُ اللهِ لَيْلَة الجُمُعَة، لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ صفر، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِيْنَ. تُوُفِّيَ ابْنُ هَزَارْمَرْدَ: فِي ثَالِثِ جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. كَتَبَ إِلَيْنَا أَبُو الحَسَنِ بنُ البُخَارِيّ، وَغَيْرهُ بِكِتَاب (الجعديَات) أَنَّ عُمَرَ بن مُحَمَّد أَخْبَرَهم قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الحَافِظُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ الخَطِيْب (١) ، أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِمِ بنُ حَبَابَة، أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِمِ البَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ الجَعْد، أَخْبَرَنِي أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : (مَنْ قَالَ أَنَا فِي الجَنَّةِ، فَهُوَ فِي النَّارِ) . هَذَا مُرْسَلٌ غَرِيْب (٢) . وَبِهِ: حَدَّثَنَا عليّ، أَخْبَرَنِي مُبَارَكُ بنُ فَضَالَةَ، عَنِ الحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بنُ حُصَيْن: أَنَّ رَجُلاً أَعتق سِتَّة مَمْلُوْكين لَهُ عِنْدَهُ مَوْته، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُم، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَقْرَعَ بَيْنهُم، وَأَعْتَقَ اثنِيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً. إِسْنَادُهُ صَالِحٌ (٣) ، وَهُوَ نصٌّ فِي شرعيَّة القُرعَة فِي مِثْل هَذَا - وَاللهُ أَعْلَمُ -.

стр. 11412

١٥٤ - الشَّيْخُ الأَجَلُّ عَبْدُ المَلِكِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ يُوْسُفَ البَغْدَادِيُّ * هُوَ الصَّدْرُ الأَنْبَلُ، الرَّئِيْسُ القُدْوَةُ، أَبُو مَنْصُوْرٍ عَبْدُ المَلِكِ بنُ مُحَمَّدِ (١) بنِ يُوْسُفَ البَغْدَادِيُّ، سِبْطُ الإِمَامِ أَبِي الحُسَيْنِ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ السُّوْسَنْجِرديّ (٢) . وَكَانَ يُلَقَّبُ بِالشَّيْخ الأَجْل. سَمِعَ: جدَّه، وَأَبَا مُحَمَّدٍ بنَ البَيِّع، وَأَحْمَدَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ الصَّلْت الأَهْوَازِيّ، وَأَبَا عُمَر بن مَهْدِيّ. حَدَّثَ عَنْهُ: ابْنَاهُ، وَأَقَارَبُه، وَغَيْرُ وَاحِد. قَالَ الخَطِيْبُ (٣) :كَانَ أَوحَدَ وَقْتِهِ فِي فِعل الخَيْر، وَدوَام الصَّدَقَة وَالإِفضَال عَلَى العُلَمَاء، وَالنَّصْرِ لأَهْل السُّنَّة، وَالقمعِ لأَهْل البِدَع، تُوُفِّيَ وَهُوَ فِي عَشْرِ السَّبْعِيْنَ. قُلْتُ: مَاتَ فِي المُحَرَّمِ، سَنَةَ سِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. أَرَّخَهُ ابْنُ خَيْرُوْنَ، وَقَالَ: دُفن عِنْد جدّه لأُمِّهِ، وَحضره جمِيْعُ الأَعيَان، وَكَانَ صَالِحاً، عَظِيْمَ الصَّدَقَة، مُتعصباً لِلسُّنَّة، قَدْ كَفَى عَامَّة العُلَمَاء وَالصُّلَحَاء. قُلْتُ: كَانَ ذَا جَاهٍ عرِيض وَاتصَالٍ بِالخَلِيْفَة (٤) . وَقَالَ أُبَيٌّ النَّرْسِيّ: لَمْ أَرَ خَلْقاً قَطُّ مِثْل مَنْ حضَر جِنَازَته ﵀.

стр. 11413

وَفِيْهَا تُوُفِّيَ: أَحْمَدُ بنُ الفَضْلِ البَاطِرْقَانِي شَيْخ أَصْبَهَان (١) ، وَمُفْتِي قُرْطُبَة أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عِيْسَى بن القَطَّان القُرْطُبِيّ (٢) ، وَالمُعَمَّر العَلاَّمَة أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ مَكِّيّ النَّسَفِي الحَنَفِيّ ثُمَّ الشَّافِعِيّ (٣) ، وَالوَاعِظَة خَدِيْجَةُ بِنْتُ مُحَمَّد بن عَلِيٍّ الشَّاهجَانِيَّة (٤) ، الَّتِي تروِي عَنِ ابْنِ سَمْعُوْنَ، وَالمُعَمَّر عبدُ الدَّائِم بنُ الحَسَنِ الهِلاَلِي (٥) الحَوْرَانِيّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيّ، صَاحِب عَبْد الوَهَّابِ الكِلاَبِيّ، وَشيخُ الرَّافِضَّة أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ الطُّوْسِيّ (٦) المُفسِّر، وَمُسْنِد هَرَاة أَبُو مُضْمر مُحَلِّم بن إِسْمَاعِيْلَ الضَّبِّيّ. ١٥٥ - أَبُو جَعْفَرٍ الطُّوْسِيُّ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ * شَيْخُ الشِّيْعَةِ، وَصَاحِبُ التَّصَانِيْفِ، أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ الطُّوْسِيُّ. قَدِمَ بَغْدَاد، وَتَفَقَّهَ أَوَّلاً لِلشَافعِي. ثُمَّ أَخَذَ الكَلاَم وَأُصُوْل القَوْم عَنِ

стр. 11414

الشَّيْخ المُفِيد (١) رَأْسِ الإِمَامِيَّة، وَلزمه وَبَرَعَ، وَعَمِلَ التَّفْسِيْر (٢) ، وَأَملَى أَحَادِيْث وَنوَادر فِي مُجَلَّدين، عَامَّتُهَا عَنْ شَيْخه المُفِيد. وَرَوَى عَنْ: هِلاَل الحَفَّار، وَالحُسَيْنِ بن عُبَيْد اللهِ الفَحَّام، وَالشَّرِيْف المرتضَى، وَأَحْمَد بن عبدُوْنَ، وَطَائِفَة. رَوَى عَنْهُ: ابْنُهُ أَبُو عَلِيٍّ. وَأَعرض عَنْهُ الحُفَّاظ لِبِدعته، وَقَدْ أُحرقت كتبه عِدَّة نُوب فِي رَحْبَة جَامِع الْقصر، وَاسْتَتَر لَمَّا ظهر عَنْهُ مِنَ التنقُّص بِالسلف، وَكَانَ يَسكن بِالكَرْخ، محلَّة الرَّافِضَّة، ثُمَّ تَحَوّل إِلَى الكُوْفَةِ، وَأَقَامَ بِالمَشْهَد يُفَقِّههُم. وَمَاتَ: فِي المُحَرَّمِ سَنَةَ سِتِّيْنَ (٣) وَأَرْبَعِ مائَة. وَكَانَ يُعَدُّ مِنَ الأَذكيَاء لاَ الأَزكيَاء. ذَكَرَهُ ابْنُ النَّجَّار فِي (تَارِيْخِهِ) . وَلَهُ تَصَانِيْف كَثِيْرَة مِنْهَا: كِتَاب (تَهْذِيْب الأَحكَام) كَبِيْر جداً، وكِتَاب (مُخْتَلف الأَخْبَار) ، وَكِتَاب (الْمُفْصِح فِي الإِمَامَة) وَأَشيَاء. وَرَأَيْت لَهُ مُؤَلّفاً فِي فَهرسَة كُتبهم وَأَسْمَاء مُؤَلّفِيْهَا (٤) . ١٥٦ - ابْنُ حَمْدَانَ حُسَيْنُ بنُ حَسَنِ بنِ الحُسَيْنِ التَّغْلِبِيُّ * الأَمِيْرُ الكَبِيْرُ، نَاصِرُ الدَّوْلَةِ، حُسَيْنُ (٥) ابنُ الأَمِيْرِ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ وَسيفهَا

стр. 11415

حَسَنِ بنِ الحُسَيْنِ ابنِ صَاحِب المَوْصِل نَاصِر الدَّوْلَة، أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَن بن عَبْدِ اللهِ بنِ حَمْدَان، التَّغْلِبِيّ. كَانَ أَبُوْهُ قَدْ عَمِلَ نِيَابَة دِمَشْق لصَاحِب مِصْر المُسْتنصر، وَنَشَأَ نَاصِرُ الدَّوْلَة، فَكَانَ شَهْماً شُجَاعاً، مِقْدَاماً مَهِيْباً، وَافر الحِشْمَة، تَمَكَّنَ بِمِصْرَ، وَتَقدم عَلَى أُمرَائِهَا، وَجَرَتْ لَهُ حُرُوْبٌ وَخُطُوبٌ. وَكَانَ عَازماً عَلَى إِقَامَة الدَّعوَة لِبَنِي العَبَّاسِ، فَإِنَّهُ تَهَيَّأَت لَهُ الأَسبَاب، وَقهر المُسْتنصر، وَتركه عَلَى بَرد الدِّيَار، وَأَخَذَ مِنْهُ أَمْوَالاً لاَ تُحصَى، ثُمَّ فِي الآخِرِ انْتُدِبَ لاغتيَاله وَللفتك بِهِ إِلْدكز (١) التركِي فِي جَمَاعَةٍ، فَقتلُوْهُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ (٢) وَأَرْبَعِ مائَة، وَكَانَ قَدْ وَلِي إِمْرَة دِمَشْق أَيْضاً، وَقُتِلَ مَعَهُ أَخُوْهُ فَخر العَرَب، وَطَائِفَةٌ مِنَ الحَمْدَانِيَّة بِمِصْرَ، وَاضْطَرَب الجَيْشُ وَمَاجُوا. وَكَانَ قَدْ راسَل السُّلْطَان أَلب آرسلاَن لِيُنْجِده بِعَسْكَرٍ فَأَجَابَهُ (٣) . ١٥٧ - حَاتِمُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ حَاتِمٍ التَّمِيْمِيُّ * المُحَدِّثُ المُتْقِنُ، الإِمَامُ الفَقِيْهُ، أَبُو القَاسِمِ التَّمِيْمِيُّ، الطَّرَابُلسِيُّ، ثُمَّ الأَنْدَلُسِيُّ القُرْطُبِيُّ. أَصلُه مِنْ طرَابلس الشَّام. مَوْلِدُهُ: فِي نِصْفِ شَعْبَان، سَنَة ثَمَانٍ وَسَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. وَسَمِعَ مِنْ: عُمَر بنِ حُسَيْن بن نَابِل صَاحِبِ قَاسِم بن أَصْبَغ، وَمِنْ أَبِي
следующие страницы →