← Тараджим

Тараджим · id 10906

سير أعلام النبلاء - ط الرسالة

شمس الدين الذهبي

Полный текст (14 211 стр.). Показаны 13056–13095 · переход к 13061.

стр. 13056

٦٦ - الأَبْلَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ بختيَارَ الجَوْهَرِيُّ * شَاعِرُ العِرَاقِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ بختيَار الجَوْهَرِيُّ، عُرِفَ بِالأَبْلَه لِغَفْلَةٍ فِيْهِ (١) . مدح الخُلَفَاء وَالوُزَرَاء. رَوَى عَنْهُ: عَلِيُّ بنُ نَصْرٍ الأَدِيْب، وَأَبُو الحَسَنِ القَطِيْعِيّ المُؤَرِّخ. وَكَانَ شَابّاً ظرِيفاً، مُتَهَجِّداً، رَائِق النّظم، وَ (دِيْوَانُه) مَشْهُوْر. مَاتَ: فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَة تِسْعٍ وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، لَمْ يَبلغ السِّتِّيْنَ. ٦٧ - القَزَّازُ نَصْرُ اللهِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بنِ مُحَمَّدٍ ** الشَّيْخُ الصَّالِحُ، المُعَمَّرُ، مُسْنِدُ بَغْدَادَ، أَبُو السَّعَادَاتِ نَصْرُ اللهِ ابْنُ الشَّيْخِ المُسْنِدِ أَبِي مَنْصُوْرٍ عَبْدِ الرَّحْمَانِ ابْنِ المُسْنِدِ أَبِي غَالِبٍ مُحَمَّدِ

стр. 13057

ابْنِ عَبْدِ الوَاحِدِ الشَّيْبَانِيُّ، البَغْدَادِيُّ، القَزَّازُ، ابْن زُرَيْق (١) الحَرِيْمِيُّ. سَمِعَ: جدّه، وَأَبَا سَعْد بن خُشَيْش، وَأَبَا القَاسِمِ الرَّبَعِيّ، وَأَبَا الحُسَيْن ابْن الطُّيُوْرِيّ، وَعَلِيّ بن مُحَمَّدِ ابْنِ العَلاَّفِ، وَابْن بيَان، وَابْن نَبْهَانَ، وَشُجَاعاً الذُّهْلِيّ، وَأَبَا العِزِّ مُحَمَّد بن المُخْتَارِ، وَعِدَّةٍ. وَانْتَهَى إِلَيْهِ عُلُوّ الإِسْنَادِ. حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ (٢) ، وَابْن الأَخْضَرِ، وَالعزّ مُحَمَّد بن الحَافِظِ، وَالبَهَاء عَبْد الرَّحْمَانِ، وَالتَّقِيّ ابْن بَاسُوَيْه، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ ابْن الدُّبَيْثِيّ، وَالجمال أَبُو حَمْزَةَ المَقْدِسِيّ، وَسَالِم بن صَصْرَى، وَفضل الله ابْن الجِيْلِيّ، وَمُحَمَّد بن عَلِيِّ ابْنِ السَّبَّاكِ، وَمُحَمَّد بن أَبِي الفُتُوْح ابْن الحُصْرِيِّ، وَعَبْد اللهِ بن عُمَرَ البَنْدَنِيْجِيّ، وَخَلْق. وَتَفَرَّد بِإِجَازته ابْن عَبْدِ الدَّائِمِ. قَالَ الدُّبَيْثِيّ (٣) : أَرَانِي مَوْلِدُهُ بِخَطِّ جدّه فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَة إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، وَتُوُفِّيَ فِي تَاسِع عَشَرَ رَبِيْع الآخر، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ. وَفِيْهَا مَاتَ: عَبْدُ الجَبَّارِ بنُ يُوْسُفَ شَيْخ الفُتوة، وَالمُحَدِّث عَبْد المُغِيْثِ بن زُهَيْرٍ، وَقَاضِي القُضَاةِ عَلِيّ بن أَحْمَدَ ابْنِ الدَّامَغَانِيّ، وَمُحَمَّد بن يَحْيَى أَبُو الفَتْحِ البَرَدَانِيّ، وَكَبِيْر الأُمَرَاء شَمْس الدِّيْنِ مُحَمَّد ابْن المقدَّم

стр. 13058

قتل بِعَرَفَةَ، وَشَيْخ المَالِكِيَّة أَبُو القَاسِمِ مَخْلُوْف بن جَارَة الإِسْكَنْدَرَانِيّ، وَشَيْخ الحَنَابِلَة نَاصِح الدِّيْنِ أَبُو الفَتْحِ ابْنُ المَنِّي، وَالصَّدْر مَجْد الدِّيْنِ هِبَة اللهِ بن عَلِيِّ ابْنِ الصَّاحب. ٦٨ - الثَّقَفِيُّ أَبُو الفَرَجِ يَحْيَى بنُ مَحْمُوْدِ بنِ سَعْدٍ * الشَّيْخُ، المُسْنِدُ، الجَلِيْلُ، العَالِمُ، أَبُو الفَرَجِ يَحْيَى بنُ مَحْمُوْدِ بنِ سَعْدٍ الثَّقَفِيُّ، الأَصْبَهَانِيُّ، الصُّوْفِيُّ. وُلِدَ: سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ (١) . وَسَمِعَ مِنْ: أَبِي عَلِيٍّ الحَدَّاد كَثِيْراً -وَهُوَ حَاضِر فِي السَّنَةِ الأُوْلَى (٢) - وَمِنْ حَمْزَة بن العَبَّاسِ العَلوِيّ حُضُوْراً، وَأَبِي عَدْنَانَ مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بنِ أَبِي نزَار حُضُوْراً. وَسَمِعَ مِنْ: فَاطِمَة الجُوْزدَانِيَّة، وَحَمْزَة بن مُحَمَّدِ بنِ طَبَاطَبَا، وَجده لأُمِّهِ الحَافِظ إِسْمَاعِيْل التَّيْمِيّ- وَعِنْدَهُ عَنْهُ كِتَاب (التَّرْغِيْب وَالتَّرْهِيْب) - وَمِنَ الحُسَيْن بن عَبْدِ المَلِكِ الخَلاَّل، وَعَبْد الكَرِيْمِ بن عَبْدِ الرَّزَّاقِ الحسنَابَاذِيّ، وَجَعْفَر بن عَبْدِ الوَاحِدِ الثَّقَفِيّ، وَعِدَّة. وَارتحل لمَا شَاخَ نَاشراً لرِوَايَاته بِأَصْبَهَانَ، وَحلب وَالمَوْصِل وَدِمَشْق.

стр. 13059

وَلَهُ أُصُوْل وَأَجزَاء اقتنَاهَا لَهُ وَالِده. حَدَّثَ عَنْهُ: الشَّيْخ أَبُو عُمَرَ، وَأَخُوْهُ الشَّيْخ المُوَفَّق، وَأَوْلاَدهُمَا (١) ، وَبدلٌ التَّبْرِيْزِيّ، وَالخَطِيْب عَلِيّ بن مُحَمَّدٍ المَعَافِرِيّ، وَالرَّضِيّ عَبْد الرَّحْمَانِ، وَالقَاضِي زَيْن الدِّيْنِ ابْن الأُسْتَاذ، وَمُحَمَّد بن طَرْخَانَ، وَيُوْسُف بن خَلِيْل، وَالحَسَن بن سَلاَّمٍ، وَسَالِم بن عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَخطيب عقربَاء، وَإِسْحَاق بن صَصْرَى، وَالشَّيْخ الضِّيَاء، وَالعِمَاد عَبْد الحَمِيْدِ بن عَبْدِ الهَادِي، وَأَخُوْهُ مُحَمَّد، وَخطيب مَرْدَا، وَالضِّيَاء صَقر الحَلَبِيّ، وَإِبْرَاهِيْم بن خَلِيْل، وَالزِّين ابْن عَبْدِ الدَّائِمِ، وَعِدَّةٍ. وَلَهُ قصيدَة مدح بِهَا القَاضِي الفَاضِل، مِنْهَا: فَمَا لِي مِنْ مَوْلَى وَمُوْلٍ وَمَوْئِلٍ ... وَمَالٍ وَمَأْمُوْلٍ سوَاكُم وَعَاصِم تُوُفِّيَ بِقُرْبِ هَمَذَان غرِيباً، فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ. وَقِيْلَ: فِي آخِرِ سَنَةِ ثَلاَثٍ. وَمَاتَ أَبُوْهُ أَبُو الرَجَاء فِي حُدُوْدِ الأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ. قَالَ السَّمْعَانِيُّ: قَرَأْت عَلَيْهِ ثَلاَثَة أَجزَاء انتقَاهَا لَهُ حَمُوْهُ الحَافِظُ إِسْمَاعِيْل، فِيْهَا عَنِ ابْنِ عَمِّ جدّه الرَّئِيْس الثَّقَفِيِّ، وَأَبِي نَصْرٍ السِّمْسَار، وَأَبِي القَاسِمِ بنِ بَيَانٍ الرَّزَّاز، وَكَانَ حرِيصاً عَلَى طلب الحَدِيْث وَجَمعه، وَحَصَّلَ الكُتُب الكِبَار.

стр. 13060

٦٩ - ابْنُ بَرِّيٍّ عَبْدُ اللهِ بنُ بَرِّيِّ بنِ عَبْدِ الجَبَّارِ المَقْدِسِيُّ * الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، نَحْوِي وَقْتِهِ، أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بنُ بَرِّيِّ بنِ عَبْدِ الجَبَّارِ بنِ بَرِّيٍّ المَقْدِسِيُّ، ثُمَّ المِصْرِيُّ، النَّحْوِيُّ، الشَّافِعِيُّ. وُلِدَ: فِي رَجَبٍ، سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ. وَقرَأَ الأَدب عَلَى: أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ المَلِكِ، وَسَمِعَ مِنْ: مُرشد بن يَحْيَى المَدِيْنِيّ، وَمُحَمَّد بن أَحْمَدَ الرَّازِيّ، وَعَبْد الجَبَّارِ بن مُحَمَّدٍ المَعَافِرِيّ، وَعَلِيّ بن عَبْدِ الرَّحْمَانِ الحَضْرَمِيِّ، وَأَبِي البَرَكَات مُحَمَّد بن حَمْزَةَ العِرْقِيّ، وَابْن الحُطَيْئَة (١) ، وَعِدَّة. وَتَصدّر بِجَامِع مِصْر لِلْعربيَّة، وَتَخَرَّجَ بِهِ أَئِمَّة، وَقُصد مِنَ الآفَاق.

стр. 13061

قَالَ الْجمال القِفْطِيّ (١) : كَانَ عَالِماً بـ (كِتَاب سِيْبَوَيْه) وَعلله، قيّماً بِاللُّغَةِ وَشوَاهدهَا، وَإِلَيه كَانَ التَّصفّح فِي دِيْوَان الإِنشَاء، لاَ يَصدر كِتَاب إِلَى المُلُوْك إِلاَّ بَعْد تَصفّحه، وَكَانَ فِيْهِ غفلَة (٢) ، وَقَدْ تَصدّر تَلاَمِذته فِي حيَاته، وَقل مَا صَنّف، وَلَهُ (جَوَاب المَسَائِل الْعشْر) ، وَ (حوَاش عَلَى الصِّحَاح) جَوَّدهَا، جَاءت فِي سِتّ مُجَلَّدَاتٍ (٣) ، وَكَانَ ثِقَةً، دَيِّناً. رَوَى عَنْهُ: عَبْدُ الغَنِيّ المَقْدِسِيّ، وَابْن المُفَضَّلِ، وَأَبُو عُمَرَ الزَّاهِد، وَأَبُو المَعَالِي عَبْدُ الرَّحْمَانِ بن عَلِيٍّ المُغِيرِيّ، وَمُصْطَفَى بن مَحْمُوْدٍ، وَنبأُ بن أَبِي المَكَارِمِ، وَأَبُو العَبَّاسِ القَسْطلاَنِيّ، وَابْن الجُمَّيْزِيّ، وَخَلْق. وَكَانَ يَتحدّث ملحوناً، وَيَتبرّم بِمَنْ يَتفَاصح. مَاتَ: فِي شَوَّالٍ، سَنَة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ. وَفِيْهَا مَاتَ: الحَسَن بن عَلِيِّ بنِ عُبَيْدَةَ الكَرخِيّ المُقْرِئ، وَعَبْد اللهِ بن مُحَمَّدِ بنِ جَرِيْرٍ الأُمَوِيّ النَّاسخ، وَعَبْد الغَنِيِّ ابْن الحَافِظِ أَبِي العَلاَءِ الهَمَذَانِيّ. ٧٠ - ابْنُ المَنِّيِّ أَبُو الفَتْحِ نَصْرُ بنُ فِتْيَانَ بنِ مَطَرٍ النُّهْرُوَانِيُّ * الشَّيْخُ، الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، المُفْتِي، شَيْخُ الحَنَابِلَة، نَاصِحُ الإِسْلاَمِ، أَبُو

стр. 13062

الفَتْحِ نَصْرُ بنُ فِتْيَانَ بنِ مَطَرِ ابْنِ المنِّيِّ النُّهْرُوَانِيُّ، الحَنْبَلِيُّ. وُلِدَ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْس مائَة. وَتَفَقَّهَ عَلَى: أَبِي بَكْرٍ الدِّيْنَوَرِيّ، وَلاَزمه حَتَّى بَرَعَ فِي الفِقْه. وَسَمِعَ مِنْ: هِبَة اللهِ بن الحُصَيْنِ، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ البَارِع، وَالحُسَيْن بن عَبْدِ المَلِكِ الخَلاَّل، وَأَبِي الحَسَنِ ابْنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَعِدَّة. وَتَصدّر لِلْعِلْمِ، وَتَكَاثر عَلَيْهِ الطلبَة. تَفقه عَلَيْهِ: الشَّيْخ مُوَفَّق الدِّيْنِ، وَالبَهَاء عَبْد الرَّحْمَانِ، وَالفَخْر إِسْمَاعِيْل. وَحَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو صَالِحٍ نَصْر بن عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَمُحَمَّد بن مُقْبِل ابْن المنِّيّ وَلد أَخِيْهِ، وَجَمَاعَة. قَالَ ابْنُ النَّجَّار: كَانَ وَرِعاً، عَابِداً، حسن السّمت، عَلَى مِنْهَاج السَّلَف، أَضَرَّ بِأَخَرَةٍ، وَثقل سَمِعَهُ، وَلَمْ يَزَلْ يَدرّس إِلَى حِيْنَ وَفَاته بِمسجده بِالمَأْمُوْنِيَّة. تُوُفِّيَ: فِي خَامِس رَمَضَان، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، وَحُمِلَ عَلَى الرُّؤُوس، وَتولَّى حَفِظ جِنَازَته جَمَاعَة مِنَ التّرْك لاَزدحَام الْخلق، ثُمَّ دُفِنَ بدَاره ﵀.

стр. 13063

٧١ - ابْنُ بَشْكُوَال خَلَفُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ الأَنْصَارِيُّ * الإِمَامُ، العَالِمُ، الحَافِظُ، النَّاقِدُ، المُجَوِّدُ، مُحَدِّثُ الأَنْدَلُسِ، أَبُو القَاسِمِ خَلَفُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ بنِ مَسْعُوْدِ بنِ مُوْسَى بنِ بَشْكُوَالَ (١) بنِ يُوْسُفَ بنِ دَاحَةَ (٢) الأَنْصَارِيُّ، الأَنْدَلُسِيُّ، القُرْطُبِيُّ، صَاحِبُ (تَارِيخ الأَنْدَلُس (٣)) . وُلِدَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ. وَسَمِعَ: أَبَاهُ، وَأَبَا مُحَمَّدٍ عَبْد الرَّحْمَانِ بن مُحَمَّدِ بنِ عَتَّاب -فَأَكْثَرَ عَنْهُ، وَهُوَ أَعْلَى شَيْخ لَهُ- وَأَبَا بَحْرٍ سُفْيَان بن العَاصِ، وَأَبَا الوَلِيْدِ بن رُشْدٍ الكَبِيْر، وَأَبَا الوَلِيْدِ بن طَرِيْفٍ، وَأَبَا القَاسِمِ بن بَقِيٍّ، وَأَبَا الحَسَنِ شُرَيح بن مُحَمَّدٍ، وَالقَاضِي أَبَا بَكْرٍ ابْن العَرَبِيّ، وَأَبَا جَعْفَرٍ أَحْمَد بن عَبْدِ الرَّحْمَانِ البُطْروْجِيّ، وَخَلْقاً كَثِيْراً. وَأَجَازَ لَهُ: أَبُو عَلِيٍّ بنُ سكّرَة الصَّدَفِيّ، وَأَبُو القَاسِمِ بنُ مَنْظُوْر، وَطَائِفَة. وَمِنْ بَغْدَاد: هِبَة اللهِ بن أَحْمَدَ الشِّبْلِيّ -وَلَوِ اسْتُجِيْز لَهُ فِي صغره مِنْ بَغْدَادَ، لأَدْرَكَ الحُسَيْن بن عَلِيٍّ البُسْرِيّ- وَأَبَا بَكْرٍ أَحْمَد بن عَلِيٍّ الطُّرَيْثِيْثِيّ،

стр. 13064

وَجَعْفَر بن أَحْمَدَ السَّرَّاج، وَالرِّوَايَة رزق مَقْسُوْم. وَقَدْ صَنَّفَ (مُعْجَماً) لِنَفْسِهِ (١) . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الأَبَّارُ (٢) : كَانَ متِسْع الرِّوَايَة، شَدِيد العنَايَة بِهَا، عَارِفاً بوجوههَا، حجَّة، مقدّماً عَلَى أَهْلِ وَقته، حَافِظاً، حَافلاً، أَخْبَارِيّاً، تَارِيخيّاً، ذَاكراً لأَخْبَار الأَنْدَلُس، سَمِعَ العَالِي وَالنَّازل، وَأَسند عَنْ مَشَايِخه أَزْيَدَ مِنْ أَرْبَع مائَة كِتَاب مِنْ بَيْنِ كَبِيْر وَصَغِيْر (٣) ، رَحل النَّاس إِلَيْهِ، وَأَخَذُوا عَنْهُ، وَحَدَّثَنَا عَنْهُ جَمَاعَة، وَوصفُوهُ بصلاَح الدِّخلَة، وَسلاَمَة البَاطِن، وَصحة التَّوَاضع، وَصدق الصَّبْر لِلطَّلبَة، وَطول الاحتمَال، وَأَلّف خَمْسِيْنَ تَأْلِيْفاً فِي أَنْوَاع العِلْم (٤) . وَوَلِيَ بِإِشْبِيْلِيَة قَضَاء بَعْض جهَاتهَا، نِيَابَةً عَنِ ابْنِ العَرَبِيِّ، وَعَقَدَ الشّروط، ثُمَّ اقْتصر عَلَى إِسْمَاع العِلْم، وَعَلَى هَذِهِ الصّنَاعَة، وَهِيَ كَانَتْ بضَاعته، وَالرُّوَاة عَنْهُ لاَ يُحْصَوْنَ، مِنْهُم: أَبُو بَكْرٍ بنُ خَيْر، وَأَبُو القَاسِمِ القَنْطَرِيّ، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ سمجُوْنَ، وَأَبُو الحَسَنِ بنُ الضَّحَّاكِ، وَكلّهُم مَاتَ قَبْلَهُ. قُلْتُ (٥) : وَمِنَ الرُّوَاة عَنْهُ: أَبُو القَاسِمِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ رُشْدٍ، وَأَحْمَد بن عَبْدِ المَجِيْدِ المَالقِيّ، وَأَحْمَد بن مُحَمَّدِ بنِ الأَصْلع، وَأَبُو القَاسِمِ أَحْمَدُ بنُ يَزِيْدَ بنِ بَقِيٍّ، وَأَحْمَد بن عَيَّاشٍ المُرْسِيّ، وَأَحْمَد بن أَبِي حجَّة القَيْسِيّ، وَثَابِت بن مُحَمَّدٍ الكَلاَعِيّ، وَمُحَمَّد بن إِبْرَاهِيْمَ بنِ صلتَان،

стр. 13065

وَمُحَمَّد بن عَبْدِ اللهِ ابْن الصَّفَّار، وَمُوْسَى بن عَبْدِ الرَّحْمَانِ الغَرْنَاطِيّ، وَأَبُو الخَطَّابِ بن دِحْيَة، وَأَخُوْهُ أَبُو عَمْرٍو اللُّغَوِيّ، وَعَدَد كَثِيْر. وَمِمَّنْ رَوَى عَنْهُ بِالإِجَازَةِ: أَبُو الفَضْلِ جَعْفَر بن عَلِيٍّ الهَمْدَانِيُّ، وَأَبُو القَاسِمِ سِبْط السِّلَفِيّ، وَلَمْ يَخْرُج مِنَ الأَنْدَلُس. وَمِنْ تَصَانِيْفه كِتَاب (صلَة تَارِيخ أَبِي الوَلِيْدِ ابْنِ الفَرَضِيّ) فِي مُجَلَّدتين، وَكِتَاب (غوَامض الأَسْمَاء المبهمَة) فِي مُجَلَّدٍ يُنْبِئُ عَنْ إِمَامته، وَكِتَاب (مَعْرِفَة العُلَمَاء الأَفَاضِل) مُجَلَّدَان، (طرق حَدِيْث الْمِغْفَر) ثَلاَثَة أَجزَاء، كِتَاب (الحِكَايَات المُسْتغربَة) مُجَلَّد، كِتَاب (القربَة إِلَى اللهِ بِالصَّلاَة عَلَى نَبِيِّهِ) ، كِتَاب (المُسْتَغِيْثين بِاللهِ) ، كِتاب (ذكر مَنْ رَوَى المُوَطَّأ عَنْ مَالِكٍ) جُزْآنِ، كِتَاب (أَخْبَار الأَعْمَش) ثَلاَثَة أَجزَاء، (تَرْجَمَة النَّسَائِيّ) جُزْء، (تَرْجَمَة (١) المحَاسِبِي) جُزْء، (تَرْجَمَة (٢) إِسْمَاعِيْل القَاضِي) جُزْء، (أَخْبَار ابْن وَهْبٍ) جُزْء، (أَخْبَار أَبِي المَطَرف القنَازعِي) جُزْء، (قُضَاة قُرْطُبَة) مُجَلَّد، (المُسَلْسَلاَت) جُزْء، (طرق حَدِيْث مَنْ كذب عليّ) جُزْء، (أَخْبَار ابْن المُبَارَكِ) جُزْآنِ، (أَخْبَار ابْن عُيَيْنَةَ) جُزْء ضَخْم (٣) . وَقَدْ ذَكَرَهُ: الحَافِظُ أَبُو جَعْفَرٍ بنُ الزُّبَيْرِ، فَاستوفَى تَرْجَمَته، فَمِنْ ذَلِكَ قَالَ: كَانَ ﵀ يُؤثر الخمُوْل وَالقنوع بِالدّوْنِ مِنَ الْعَيْش، لَمْ يَتدنّس بخُطة (٤) تحطّ مِنْ قدره، حَتَّى يَجد أَحَد إِلَى الكَلاَم فِيْهِ مِنْ سَبِيْل ... ، إِلَى أَنْ

стр. 13066

قَالَ: وَآخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ بِالسَّمَاع: شَيْخنَا أَبُو الحُسَيْنِ ابْنُ السَّرَّاج، وَبِالإِجَازَة المجرّدَة: أَبُو القَاسِمِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ البَلَوِيّ. قُلْتُ: وَقَعَ لَهُ حَدِيْث سبَاعِيّ الإِسْنَاد عَنِ ابْنِ عتَّاب، عَنْ حَكَم بن مُحَمَّدٍ، عَنْ شَيْخ، عَنْ أَبِي خَلِيْفَة الجُمَحِيّ. تُوُفِّيَ إِلَى رَحْمَة الله فِي: ثَامن شَهْر رَمَضَان، سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَثَمَانُوْنَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَة قُرْطُبَة، بِقُرْبِ قَبْر يَحْيَى بن يَحْيَى اللَّيْثِيّ الفَقِيْه. وَفِي هَذِهِ (١) السّنَة مَاتَ: شَيْخ العِرَاق الزَّاهِد القُدْوَة أَحْمَد بن عَلِيِّ بنِ الرِّفَاعِيّ وَقَدْ قَارب الثَّمَانِيْنَ، وَمُسْند وَقته خطيب المَوْصِل عَبْد اللهِ بن أَحْمَدَ الطُّوْسِيّ عَنِ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِيْنَ عَاماً، وَعَالِم دِمَشْق الإِمَام قُطْب الدِّيْنِ مَسْعُوْد بن مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُوْرِيّ الشَّافِعِيّ، وَالمُسْنِدُ أَبُو طَالِبٍ الخَضِر بن هِبَةِ اللهِ بنِ طَاوُوْسٍ المُقْرِئ. أَخْبَرْنَا إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ المُقْرِئ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ العَظِيْمِ الحَافِظ (٢) ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ المَالقِيّ، أَخْبَرَنَا خَلَف بن عَبْدِ المَلِكِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَانِ بن مُحَمَّدِ بنِ عَتَّاب بِقِرَاءتِي، أَخْبَرَنَا حَاتِم بن مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ فرَاس المَكِّيّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْمُ بنُ رَحْمُوْنَ السِنْجَارِيّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ، أَخْبَرَنَا مُوْسَى الطَّوِيْل، حَدَّثَنَا مَوْلاَيَ أَنَسٌ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : (طُوْبَى لِمَنْ رَآنِي، وَمَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي، وَمَنْ رَأَى مَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي) .

стр. 13067

وَقَعَ لَنَا حَدِيْث مُوْسَى الطَّوِيْل بِعُلُوّ دَرَجَتَيْنِ فِي (جُزْء طَلْحَة الكَتَّانِيّ) ، وَلَكِن مُوْسَى غَيْر ثِقَة، عَاشَ بَعْد المائَتَيْنِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ رَأَى أُمّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَة ﵂ (١) . ٧٢ - صَاحِبُ حِمْصَ المَلِكُ القَاهِرُ مُحَمَّدُ بنُ شِيرْكُوْه بنُ شَاذِي المَلِكُ القَاهِرُ، نَاصِرُ الدِّيْنِ، مُحَمَّدُ ابْنُ وَزِيْرِ الدِّيَارِ المِصْرِيَّة المَلِك أَسَد الدِّيْنِ شِيرْكُوْه بن شَاذِي بنِ مَرْوَانَ، ابْن عَمّ السُّلْطَانِ صَلاَحِ الدِّيْنِ.

стр. 13068

كَانَتْ حِمْص لوَالِده الْملك المُجَاهِد، ثُمَّ أَعْطَاهَا نُوْر الدِّيْنِ لابْنِهِ هَذَا، فَاسْتقلَّ بِهَا هُوَ وَأَوْلاَده مائَة سَنَة. وَكَانَ نَاصِر الدِّيْنِ ذَا شَهَامَة وَشجَاعَة، بِحَيْثُ أَنَّ السُّلْطَان (١) لما مرض بِحَرَّانَ فِي شَوَّالٍ، عظم مَرضه، وَأَوْصَى، فَسَارَ مِنْ عِنْدِهِ نَاصِر الدِّيْنِ، وَمَرَّ بِحَلَبَ، وَأَخَذَ خلقاً مِنَ الأَحدَاث، وَأَنفق فِيهِم، وَقَدِمَ حِمْص، فَرَاسل أَهْل دِمَشْقَ بِأَنَّ يَتملّكهَا، فَلَمَّا عوفِي السُّلْطَان، خَنَس، ثُمَّ لَمْ يَنشَب أَن مَاتَ، فَيُقَالُ: سُقِي (٢) ، وَقِيْلَ: مَاتَ فِي الخَمْر. وَالمَشْهُوْر أَنَّهُ مرض مرضاً حَادّاً، فَمَاتَ يَوْمَ عرفَة، سَنَة إِحْدَى وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، ثُمَّ نَقلته زَوجته -وَهِيَ بِنْت عَمّه، سِتّ الشَّام، أُخْت السُّلْطَان- إِلَى تربتهَا فِي مدرستهَا الشَّامِيّة، فَدفنته عِنْد أَخِيْهَا الْملك شَمْس الدَّوْلَةِ تَوَارنشَاه. قَالَ ابْنُ وَاصِلٍ (٣) : سَكِرَ، فَأَصْبَح مَيتاً، وَتَمَلَّكَ بَعْدَ ابْنه شِيرْكُوْه، وَبلغت تركته نَحْو أَلف أَلف دِيْنَار. ٧٣ - البَهْلَوَانُ ابْنُ الأَتَابِكِ إِلْدُكُز * صَاحِبُ أَذْرَبِيْجَانَ وَعِرَاقِ العَجَمِ، مِنْ كِبَارِ المُلُوْكِ كَوَالِدِهِ.

стр. 13069

مَاتَ أَبُوْهُ هُوَ وَسُلْطَانُه رسلاَن شَاه بنُ طغرِيل بن مُحَمَّدِ بنِ مَلِكْشَاه فِي سَنَةِ وَاحِدَة، عَام سَبْعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، فَتملّك البَهْلَوَانُ، وَأَقَامَ فِي السّلطنَة مَعَهُ طغرِيل بن رسلاَن شَاه المَذْكُوْر خَاتمَة بقَايَا السُّلْجُوْقِيَّة، وَكَانَ مِنْ تَحْت حكم البَهْلَوَان، وَكَانَتْ أَيَّامه إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، وَخلّف البَهْلَوَان خَمْسَة آلاَف مَمْلُوْك، وَمِنَ الدَّوَابّ ثَلاَثِيْنَ أَلْفَ رَأْس، وَمِنَ الأَمْوَال مَا لاَ يُعبّر عَنْهُ، فَلَمَّا مَاتَ، قَوِي شَأْن طغرِيل، وَعَمِلَ مَصَافّاً مَعَ الَّذِي قَامَ بَعْد البَهْلَوَان وَهُوَ أَخُوْهُ لأُمِّهِ قزل (١) ، وَكَانَتْ دَوْلَة قزل سَبْع سِنِيْنَ. مَاتَ البَهْلَوَان: فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ. ٧٤ - أَبُو اليُسْرِ شَاكِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ التَّنُوْخِيُّ * الصَّاحِبُ، البَلِيْغُ، البَارِعُ، شَاكِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ التَّنُوْخِيُّ، المَعَرِّيُّ، ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، كَاتِبُ السرِّ لِلمَلِكِ نُوْرِ الدِّيْنِ صَاحِبِ الشَّامِ. أَخَذَ الأَدب عَنْ: جَدِّهِ أَبِي المَجْدِ مُحَمَّد بن عَبْدِ اللهِ بحَمَاة، وَسَمِعَ، وَرَوَى شَيْئاً. حَدَّثَ عَنْهُ: الحَافِظ ابْن عَسَاكِرَ، وَأَبُو القَاسِمِ بنُ صَصْرَى، وَإِبْرَاهِيْم وَلده وَالِد الشَّيْخ تَقِيّ الدِّيْنِ ابْن أَبِي اليَسر. مَوْلِدُهُ: بشَيْزَر، سَنَة سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، وَعَاشَ خَمْساً وَثَمَانِيْنَ سَنَةً.

стр. 13070

٧٥ - البَاقِدَارِيُّ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي غَالِب بنِ أَحْمَدَ * المُحَدِّثُ، الحَافِظُ، الذَّكِيُّ، أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي غَالِب بنِ أَحْمَدَ بنِ مَرْزُوْقٍ البَاقِدَارِيُّ، البَغْدَادِيُّ، الأَعْمَى. قَدِمَ مِنْ قَرْيَة بَاقِدَارَ (١) . وَتَلاَ عَلَى: غَيْر وَاحِد. وَسَمِعَ مِنْ: سِبْط الخَيَّاط، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَابْن نَاصِر، وَخَلْق. قَالَ الدُّبَيْثِيّ (٢) : انْتَهَى إِلَيْهِ مَعْرِفَة رِجَال الحَدِيْث وَحفظه، وَعَلَيْهِ كَانَ المُعْتَمَد، سَمِعْتُ غَيْر وَاحِد مِنْ شُيُوْخنَا يَصفُوْنَهُ بِالحِفْظ وَمَعْرِفَة الرِّجَال وَالمتُوْن مَعَ ضَرَره، وَقِيْلَ: كَانَ ابْن نَاصِر يُرَاجعه فِي أَشيَاء، وَيَرْجِع إِلَيْهِ. قُلْتُ: مَاتَ كَهْلاً، فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ فِي آخرهَا، وَعمّرت بِنْته عَجِيْبَة (٣) ، وَانتهَى إِلَيْهَا عُلُوّ الإِسْنَادِ.

стр. 13071

٧٦ - ابْنُ زَرْقُوْنَ مُحَمَّدُ بنُ سَعِيْدِ بنِ أَحْمَدَ الأَنْصَارِيُّ * الشَّيْخُ، الفَقِيْهُ، الإِمَامُ، المُعَمَّرُ، المُقْرِئُ، بَقِيَّةُ السَّلَفِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ ابنُ أَبِي الطَّيِّبِ سَعِيْدِ (١) بنِ أَحْمَدَ بنِ سَعِيْدِ بنِ عَبْدِ البَرِّ بنِ مُجَاهِدٍ ابْن زَرْقُوْنَ (٢) الأَنْصَارِيُّ، الأَنْدَلُسِيُّ، الإِشْبِيْلِيُّ، المَالِكِيُّ. أَجَازَ لَهُ عَام اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِ مائَةٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ الخَوْلاَنِيّ رَاوِي (المُوَطَّأ) ، وَفِيْهَا وُلد (٣) ، وَتَفَرَّد فِي وَقْتِهِ عَنْهُ. وَسَمِعَ بِمَرَّاكش مِنْ: أَبِي عِمْرَانَ مُوْسَى بن أَبِي تليد، فَتَفَرَّد عَنْهُ أَيْضاً (٤) . وَسَمِعَ بِسبتَة مِنَ: القَاضِي عَبْد اللهِ بن أَحْمَدَ الوَحِيْديّ. وَسَمِعَ مِنْ: عَبْدِ المَجِيْدِ بن عيذُوْنَ (٥) ، وَخَلَف بن يُوْسُفَ الأَبْرَش، وَالقَاضِي عِيَاض بن

стр. 13072

مُوْسَى، وَحَدَّثَ عَنْهُم، وَعَنْ أَبِي بَحْر بن العَاصِ، وَمُحَمَّد بن شبرِيْنَ، وَأَبِي الحَسَنِ شُرَيْح بن مُحَمَّد. وَقرَأَ (التقصّي) عَلَى ابْنِ تَلِيْد، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ مُؤلّفه. وَسَمِعَ (المُوَطَّأ) مِنْ عيَاض، وَلاَزمه زَمَاناً. قَالَ الأَبَّار (١) : وَلِيَ قَضَاءَ سَبْتَة، فَشُكر، وَكَانَ مِنْ سروَات الرِّجَال، فَقِيهاً، مُبرّزاً، وَأَديباً كَامِلاً، حسن البزَّة (٢) ، ليّن الجَانب، جمع بَيْنَ (سُنَن أَبِي دَاوُدَ) ، وَ (جَامِع التِّرْمِذِيّ) ، وَارْتَحَلَ النَّاس إِلَيْهِ لعلُوْه. حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ الرّومِيَّة النّبَاتِيّ، وَإِبْرَاهِيْم بن قسوم، وَأَبُو سُلَيْمَانَ بنُ حَوْطِ الله، وَمُحَمَّد بن عَبْدِ النُّوْر، وَالحَافِظ ابْن خَلفُوْنَ، وَابْن دِحْيَة، وَ (٣) أَخُوْهُ، وَخَلْق. مَاتَ: فِي رَجَبٍ، سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.

стр. 13073

قَالَ أَبُو الرَّبِيْعِ بن سَالِمٍ الحَافِظ: وَمِنْ شُيُوْخِي: الفَقِيْه المشَاور (١) الحَافِظ ابْن زرقُوْنَ -وَزرقُوْنَ: لقب لِسَعِيْدٍ أَبِي جدّه، لقّب بِهِ لِشِدَّة حُمْرَته- كَانَ شَيْخنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مِنْ جِلَّةِ العُلَمَاء الحَافِظين لِلمَذْهَب (٢) ، مَعَ متَانَة الأَدب، وَجَلاَلَة الْقدر، وَكرم الْخلق، وَسعَة الصَّدْر، وَاتسَاع جَانب البِرّ، لَقِيْتُهُ بِإِشْبِيْلِيَة، وَقت لقَائِي لابْنِ الجدّ، فَقَرَأْت عَلَيْهِ (المُوَطَّأ) عَنِ الخَوْلاَنِيّ إِجَازَة بِسَمَاعه مِنْ عُثْمَانَ بن أَحْمَدَ اللَّخْمِيّ، عَنْ أَبِي عِيْسَى اللَّيْثِيّ، وَقرَأْته عَلَيْهِ بِسَمَاعه سَنَة عِشْرِيْنَ عَلَى القَاضِي عَبْد اللهِ بن أَحْمَدَ بنِ عُمَرَ القَيْسِيّ الوَحِيْديّ، بِسَمَاعه مِنْ مَوْلَى الطلاّع، وَقَرَأْت عَلَيْهِ (التقصّي) لابْنِ عَبْدِ البَرِّ، بِسَمَاعه بِمَرَّاكش سَنَة ٥١٦ مِنْ مُوْسَى بنِ أَبِي تليد. قَالَ: سمِعته مِنْهُ سَنَة سِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، وَقَرَأْت عَلَيْهِ (المنتقَى) لابْنِ الجَارُوْد عَنِ الخَوْلاَنِيّ، عَنْ أَبِي عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ بن عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ نَافِعٍ الخُزَاعِيّ، عَنْهُ، وَ (التَّيْسِيْر (٣)) قرَأته عَلَيْهِ، عَنِ الخَوْلاَنِيّ، عَنِ المُؤلّف إِجَازَة، وَ (النّوَادر) لِلْقَالِي، قرَأته عَلَيْهِ بقِرَاءته عَلَى ابْنِ عَيْذُوْنَ، وَخَلَف بن فَرتُوْنَ، عَنِ الوَزِيْر أَبِي بَكْرٍ عَاصِم بنِ أَيُّوْبَ، عَنِ ابْنِ العزَّاب، عَنْ هَارُوْنَ بنِ مُوْسَى، عَنْهُ، وَبإِجَازته مِنَ الخَوْلاَنِيّ، أَنْبَأَنَا الحَسَنُ بنُ أَيُّوْبَ الحَدَّاد الفَقِيْه، عَنِ القَالِي، وَهَذَا نِهَايَة فِي العلوّ. وَقَرَأْتُ (٤) عَلَى ابْنِ زرقُوْنَ: أَنبأَكم أَبُو عَبْدِ اللهِ الخَوْلاَنِيّ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِ مائَةٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ إِبْرَاهِيْمَ الشِّيْرَازِيّ بِإِشْبِيْلِيَة سَمَاعاً -أَظَنّ فِي سَنَةِ

стр. 13074

٤٢٣- أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بنُ سَلْمٍ، حَدَّثَنَا الكَجِّيّ، حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا ابْن عَوْنٍ ... ، فَذَكَر حَدِيْث: (الحَلاَل بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ ... ) (١) . وَمَاتَ مَعَهُ: المُحَدِّثُ الرَّئِيْس أَبُو المَوَاهِبِ بنُ صَصْرَى، وَأَبُو القَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَانِ بن مُحَمَّدِ بنِ غَالِب ابْن الشرَّاط القُرْطُبِيّ، وَالمُقْرِئُ أَبُو الطَّيِّبِ عَبْد المُنْعِمِ بن يَحْيَى بنِ الخَلُوْف الغَرْنَاطِيّ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ حُمَيْد بنِ مَأْمُوْنٍ البَلَنْسِيّ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ الجدّ الإِشْبِيْلِيّ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ المُبَارَكِ بنِ أَبِي السُّعُوْدِ الحَلاَوِيّ الحَرْبِيّ فِي عَشْرِ المائَة، وَمَسْعُوْد بن عَلِيّ ابْن النَّادر، وَأَبُو الفَتْحِ نَصْرُ اللهِ بنُ عَلِيِّ ابْنِ الكيَّال مُقْرِئ وَاسِط. ٧٧ - ابْنُ مُغَاوِرٍ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الرَّحْمَانِ بنُ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ * الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، الفَقِيْهُ، الكَاتِبُ، البَلِيْغُ، أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الرَّحْمَانِ بنُ مُحَمَّدِ

стр. 13075

بنِ مُغَاورِ بنِ حَكَمِ بنِ مُغَاورٍ السُّلَمِيُّ، الشَّاطِبِيُّ. وُلِدَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِ مائَةٍ. وَسَمِعَ مِنْ: أَبِيْهِ، وَأَبِي عَلِيٍّ بنِ سُكَّرَةَ الصَّدَفِيّ، وَهُوَ خَاتمَة أَصْحَابه. وَسَمِعَ (صَحِيْح البُخَارِيِّ) مِنْ: أَبِي جَعْفَرٍ بن غزلُوْنَ (١) صَاحِب أَبِي الوَلِيْدِ البَاجِيّ، وَسَمِعَ مِنْ: أَحْمَد بن جَحْدَرٍ الأَنْصَارِيّ. رَوَى عَنْهُ: أَبُو الرَّبِيْعِ بن سَالِمٍ، وَابنَا حَوْط اللهِ، وَهَانِئ بن هَانِئ، وَأَبُو القَاسِمِ الطيّب المُرْسِيّ، وَقَالَ: هُوَ رَئِيْس البلاغَة. وَقَالَ الأَبَّار (٢) : كَانَ بَقِيَّة مَشْيَخَة الكِتَاب وَالأُدَبَاء، مَعَ الثِّقَة وَالكرم، بَلِيْغاً، مُفَوَّهاً، مدركاً، لَهُ حظّ وَافر مِنْ قرض الشّعر، وَصدق اللهجَة، طَالَ عُمُرُهُ، وَعلت رِوَايَته، حَدَّثَ بِشَاطِبَة. تُوُفِّيَ: فِي صَفَرٍ، سَنَة سَبْعٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ. قَالَ ابْنُ سَالِم: لَقِيْتُه بِبَلَنْسِيَة فِي أَوَّلِ سَنَة ثَمَانِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، فَسَمِعْتُ مِنْهُ، وَأَجَازَ لِي، وَسَمِعْتُ مِنْهُ بِشَاطِبَة، فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ (فَوَائِد أَبِي عَلِيٍّ الصَّدَفِيّ) ، وَ (جُزْء ابْن عَرَفَةَ) ، وَ (عَوَالِي أَبِي الفَضْلِ بنِ خَيْرُوْنَ) ، حَدَّثَنِي ابْنُ مُغَاوِرٍ، أَخْبَرْنَا أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيّ، أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِمِ بنُ فَهْد العَلاَّف، وَآخَرُوْنَ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو الحَسَنِ بنُ مَخْلَدٍ ... ، فَذَكَر حَدِيْث: (أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيْحٌ شَحِيْحٌ ... ) (٣) .

стр. 13076

٧٨ - أَبُو مُوْسَى المَدِيْنِيُّ مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ بنِ أَحْمَدَ بنِ عُمَرَ * الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، الحَافِظُ الكَبِيْرُ، الثِّقَةُ، شَيْخُ المُحَدِّثِيْنَ، أَبُو مُوْسَى مُحَمَّدُ ابنُ أَبِي بَكْرٍ عُمَرَ ابنِ أَبِي عِيْسَى أَحْمَدَ بنِ عُمَرَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ أَبِي عِيْسَى المَدِيْنِيُّ، الأَصْبَهَانِيُّ، الشَّافِعِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ. مَوْلِدُهُ: فِي ذِي القَعْدَةِ، سَنَة إِحْدَى وَخَمْس مائَة. وَمَوْلِد أَبِيْهِ المُقْرِئ أَبِي بَكْرٍ: فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ. حرص عَلَيْهِ أَبُوْهُ، وَسَمَّعَهُ حُضُوْراً، ثُمَّ سَمَاعاً كَثِيْراً، مِنْ أَصْحَابِ أَبِي نُعَيْمٍ الحَافِظ، وَطَبَقَتهِم. وَعَمِلَ مُوْسَى لِنَفْسِهِ (مُعْجَماً) ، رَوَى فِيْهِ عَنْ أَكْثَر مِنْ ثَلاَث مائَة شَيْخ. رَوَى عَنْ: أَبِي سَعْدٍ مُحَمَّد بن مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدٍ المُطَرِّز حُضُوْراً

стр. 13077

وَإِجَازَة (١) ، وَعَنْ: أَبِي مَنْصُوْرٍ مُحَمَّد بن عَبْدِ اللهِ بنِ مَنْدَوَيْه، وَغَانِم بن أَبِي نَصْرٍ البُرْجِيّ، وَأَبِي عَلِيٍّ الحَدَّادِ -فَأَكْثَر جِدّاً- وَالحَافِظ هِبَة اللهِ بن الحَسَنِ الأَبَرْقُوْهِيّ، وَالحَافِظ يَحْيَى بن مَنْدَةَ، وَالحَافِظ مُحَمَّد بن طَاهِرٍ المَقْدِسِيّ، وَأَبِي العَبَّاسِ أَحْمَد بن الحُسَيْنِ بنِ أَبِي ذَرٍّ، وَمُحَمَّد بن إِبْرَاهِيْمَ الصَّالحَانِيّ، وَابْن عَمِّهِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ أَبِي ذَرٍّ -خَاتمَة مَنْ رَوَى عَنْ أَبِي طَاهِرٍ بن عَبْدِ الرَّحِيْمِ- وَأَبِي غَالِبٍ أَحْمَد بن العَبَّاسِ بنِ كُوشيذ، وَإِبْرَاهِيْم بن أَبِي الحُسَيْنِ بنِ أَبرويه سِبْط الصَّالحَانِيّ، وَعَبْد الوَاحِدِ بن مُحَمَّدٍ الصَّبَّاغ الدَّشْتَج (٢) ، وَأَبِي الفَتْحِ إِسْمَاعِيْل بن الفَضْلِ السَّرَّاج، وَالحَافِظ أَبِي القَاسِمِ إِسْمَاعِيْل بن مُحَمَّدِ بنِ أَبِي الفَضْلِ التَّيْمِيّ -لاَزمَه مُدَّة، وَتَخَرَّجَ بِهِ- وَأَبِي طَاهِرٍ إِسْحَاق بن أَحْمَدَ الرَّاشتينَانِيّ (٣) ، وَالوَاعِظ تَمِيْم بن عَلِيٍّ القَصَّار، وَالرَّئِيْس جَعْفَر بن عَبْدِ الوَاحِدِ الثَّقَفِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ حَمْزَة بن العَبَّاسِ العَلَوِيِّ، وَأَبِي شُكر حَمْد بن عَلِيٍّ الحبَّال، وَأَبِي الطَّيِّبِ حَبِيْب بن أَبِي مُسْلِمٍ الطِّهْرَانِيّ، وَأَبِي الفَتْحِ رَجَاء بن إِبْرَاهِيْمَ الخَبَّاز، وَطَلْحَة بن الحُسَيْنِ بنِ أَبِي ذَرٍّ الصَّالحَانِيّ، وَأَبِي القَاسِمِ طَاهِر بن أَحْمَدَ البَزَّار، وَالحَافِظ أَبِي الخَيْرِ عَبْد اللهِ بن مَرْزُوْق الهَرَوِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ عَبْد الجَبَّارِ بن عُبَيْدِ اللهِ بنِ فُورويه الدّلاَل -مِنْ أَصْحَابِ أَبِي نُعَيْمٍ- وَأَبِي

стр. 13078

نَهْشَل عَبْد الصَّمَدِ بن أَحْمَدَ العَنْبَرِيّ، وَمَحْمُوْد بن إِسْمَاعِيْلَ الصَّيْرَفِيّ الأَشْقَر، وَالهَيْثَم بن مُحَمَّدِ بنِ الهَيْثَم الأَشْعَرِيّ، وَخجستَة بِنْت عَلِيِّ بنِ أَبِي ذَرٍّ الصَّالحَانِيَّة، وَأُمّ اللَّيْث دَعْجَاءَ بِنْت أَبِي سهل الفَضْل بن مُحَمَّدٍ، وَفَاطِمَة بِنْت عَبْدِ اللهِ الجُوْزْدَانِيَّة. وَارتحل، فَسَمِعَ مِنْ: أَبِي القَاسِمِ بنِ الحُصَيْنِ (١) ، وَهِبَة اللهِ بن أَحْمَدَ بنِ الطَّبرِ، وَقَاضِي المَارستَان أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي الحَسَنِ ابْن الزَّاغُوْنِيِّ، وَأَبِي العِزِّ بن كَادِشٍ، وَخَلْقٌ سِوَاهُم. وَصَنَّفَ كِتَاب (الطّوَالاَت) فِي مُجَلَّدين، يُخضَع لَهُ فِي جَمعِه، وَكِتَاب (ذِيل مَعْرِفَة الصَّحَابَة (٢)) جمع فَأَوعَى، وَأَلّف كِتَاب (القُنُوت) فِي مُجَلَّدٍ، وَكِتَاب (تَتمَّة الغرِيبين (٣)) يَدلّ عَلَى برَاعته فِي اللُّغَة، وَكِتَاب (اللطَائِف فِي رِوَايَة الكِبَار وَنَحْوهم عَنِ الصّغَار) ، وَكِتَاب (عَوَالِي (٤)) يُنْبِئُ بتقدّمه فِي مَعْرِفَةِ العَالِي وَالنَّازل، وَكِتَاب (تَضْييع العُمُر فِي اصطنَاع المَعْرُوف إِلَى اللئَام) ، وَأَشيَاء كَثِيْرَة.

стр. 13079

وَحفظ (علُوْم الحَدِيْث) لِلْحَاكِم، وَعرضه (١) عَلَى إِسْمَاعِيْلَ التَّيْمِيّ. حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ مُوْسَى الحَازِمِيّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الغَنِيّ بن عَبْدِ الوَاحِدِ المَقْدِسِيّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ القَادِرِ بنُ عَبْدِ اللهِ الرُّهَاوِيّ، وَمُحَمَّد بن مَكِّيّ الأَصْبَهَانِيّ، وَأَبُو نَجِيْحٍ مُحَمَّد بن مُعَاوِيَةَ، وَالنَّاصح عَبْد الرَّحْمَانِ ابْن الحَنْبَلِيّ. وَلَوْ سَلِمَتْ أَصْبَهَان مِنْ سَيْف التَّتَار فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، لعَاشَ أَصْحَاب أَبِي مُوْسَى إِلَى حُدُوْدِ نَيِّف وَسِتِّيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ بِالإِجَازَةِ: عَبْد اللهِ بن بَرَكَات الخُشُوْعِيّ، وَطَائِفَة. قَالَ ابْنُ الدُّبَيْثِيّ (٢) : عَاشَ أَبُو مُوْسَى حَتَّى صَارَ أَوحد وَقته، وَشَيْخ زَمَانه إِسْنَاداً وَحفظاً. قَالَ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ (٣) : سَمِعْتُ مِنْ أَبِي مُوْسَى، وَكَتَبَ عَنِّي، وَهُوَ ثِقَةٌ، صَدُوْقٌ. وَقَالَ عَبْدُ القَادِرِ الحَافِظُ (٤) : حصّل أَبُو مُوْسَى مِنَ المَسْمُوْعَات بِأَصْبَهَانَ مَا لَمْ يَحصل لأَحدٍ فِي زَمَانِهِ، وَانضمّ إِلَى ذَلِكَ الحِفْظُ وَالإِتْقَان، وَلَهُ التَّصَانِيْف الَّتِي أَربَى فِيْهَا عَلَى المُتَقَدِّمِيْنَ، مَعَ الثِّقَة، وَالعفَّة، كَانَ لَهُ شَيْء يَسير يَتربّح بِهِ، وَيَنفق مِنْهُ، وَلاَ يَقبل مِنْ أَحَد شَيْئاً قَطُّ، أَوْصَى إِلَيْهِ غَيْر

стр. 13080

وَاحِد بِمَال، فِيردّه، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: فَرّقه عَلَى مَنْ تَرَى، فِيمتنع، وَكَانَ فِيْهِ مِنَ التَّوَاضع بِحَيْثُ أَنَّهُ يُقْرِئُ الصَّغِيْر وَالكَبِيْر، وَيُرشد الْمُبْتَدِئ، رَأَيْتهُ يَحفّظ الصِّبْيَان القُرْآن فِي الأَلوَاح، وَكَانَ يمْنَع مَنْ يَمْشِي مَعَهُ، فَعَلْت ذَلِكَ مرَّة، فَزجرنِي، وَتردّدت إِلَيْهِ نَحْواً مِنْ سَنَة وَنِصْف، فَمَا رَأَيْتُ مِنْهُ وَلاَ سَمِعْتُ عَنْهُ سقطَة تُعَاب عَلَيْهِ. وَكَانَ أَبُو مَسْعُوْدٍ كُوتَاه يَقُوْلُ: أَبُو مُوْسَى كنز مخفِيّ. قَالَ الحُسَيْنُ بنُ يَوْحن (١) البَاورِّيّ: كُنْت فِي مدينَة الخَان (٢) ، فَسَأَلنِي سَائِل عَنْ رُؤْيَا، فَقَالَ: رَأَيْتُ كَأنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ تُوُفِّيَ. فَقَالَ: إِنْ صدقت رُؤيَاك، يَموت إِمَام لاَ نَظير لَهُ فِي زَمَانِهِ، فَإِنَّ مِثْل هَذَا المَنَام رُئِيَ حَال وَفَاة الشَّافِعِيّ، وَالثَّوْرِيّ، وَأَحْمَد بن حَنْبَلٍ. قَالَ: فَمَا أَمسينَا حَتَّى جَاءنَا الخَبَر بِوَفَاة الحَافِظ أَبِي مُوْسَى المَدِيْنِيّ. وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ الخُجَنْدِيّ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو مُوْسَى، لَمْ يَكَادُوا أَن يَفرغُوا مِنْهُ، حَتَّى جَاءَ مَطَر عَظِيْم فِي الحرّ الشَّدِيد، وَكَانَ المَاء قَلِيْلاً بِأَصْبَهَانَ، فَمَا انْفَصل أَحَد عَنِ المَكَان مَعَ كَثْرَة الْخلق إِلاَّ قَلِيْلاً، وَكَانَ قَدْ ذَكَرَ فِي آخِرِ إِمْلاَء أَملاَهُ: أَنَّهُ مَتَى مَاتَ مَنْ لَهُ مَنْزِلَة عِنْد الله، فَإِنَّ اللهَ يَبعثُ سحَاباً يَوْم مَوْته، علاَمَة لِلمَغْفِرَة لَهُ، وَلِمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ. سَمِعْتُ شَيْخنَا العَلاَّمَة أَبَا العَبَّاسِ (٣) بن عَبْدِ الحَلِيْم يُثنِي عَلَى حِفْظِ أَبِي مُوْسَى، وَيُقْدّمه عَلَى الحَافِظ ابْن عَسَاكِرَ، بَاعْتِبَارِ تَصَانِيْفه وَنفعهَا.

стр. 13081

وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ مَحْمُوْدٍ الرُّوَيْدَشْتِيّ (١) : تُوُفِّيَ أَبُو مُوْسَى فِي تَاسع جُمَادَى الأُوْلَى، سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ. قُلْتُ: كَانَ حَافِظ المَشْرِق فِي زَمَانِهِ. وَفِيْهَا مَاتَ: حَافِظ المَغْرِب أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الحَقِّ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَانِ الأَزْدِيّ مصَنّف (الأَحكَام) ، وَعَالِم الأَنْدَلُس الحَافِظُ أَبُو زَيْد عَبْد الرَّحْمَانِ بن عَبْدِ اللهِ بنِ أَحْمَدَ بنِ إِصبغ الخَثْعَمِيّ السُّهَيْلِيّ المَالقِيّ الضّرِير صَاحِب (الرّوض الأُنُف) ، وَمُسْنِد الوَقْت أَبُو الفَتْحِ عُبَيْد اللهِ بن عَبْدِ اللهِ بنِ شَاتيل الدَّبَّاس بِبَغْدَادَ، وَحَافِظ أَصْبَهَان الإِمَامُ أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ الصَّائِغ، وَمُسْنِد دِمَشْق أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بنُ نَصْرٍ النَّجَّار، وَأَبُو المَجْدِ الفَضْل بن الحُسَيْنِ البَانْيَاسِيّ، وَشَيْخ حرَّان الزَّاهِد الشَّيْخ حَيَاة بن قَيْسٍ الأَنْصَارِيّ، وَشَيْخ الإِسْكَنْدَرِيَّة الفَقِيْهُ أَبُو الطَّاهِرِ إِسْمَاعِيْل بن عَوْفٍ الزُّهْرِيّ عَنْ سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ سَنَةً، وَمُحَدِّث مَكَّة أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بنُ عَبْدِ المَجِيْدِ المَيَانَشِيّ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ (٢) بنُ عَلِيِّ بنِ فَضْلٍ الحَنْبَلِيّ بِقِرَاءتِي، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَانِ بن نَجْم الوَاعِظ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ أَبِي بَكْرٍ المَدِيْنِيّ الحَافِظ، أَخْبَرْنَا أَبُو عَلِيٍّ الحَدَّادُ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ بنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَان وَبِهِ إِلَى أَبِي نُعَيْمٍ، وَحَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ رَزِيْنٍ الخَيَّاط، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ سُلَيْمَانَ، قَالاَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَانِ بن جَابِرٍ، حَدَّثَنَا عطيَة بن قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بن غَنْمٍ الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَامِرٍ، أَوْ أَبُو

стр. 13082

مَالِك الأَشْعَرِيّ -وَاللهِ مَا كَذَبَنِي-: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُوْل اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: (لَيَكُوْنَنَّ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّوْنَ الحِرَ وَالحَرِيْرَ وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ تَرُوْحُ عَلَيْهِم سَارِحَةٌ، فَيَأْتِيْهِم رَجُلٌ لِحَاجَةٍ، فَيَقُوْلُوْنَ لَهُ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَداً، فَيُبَيِّتُهُمُ اللهُ -تَعَالَى- وَيَضَعُ العِلْمَ عَلَيْهِم، وَيُمْسَخُ آخَرُوْنَ قِرَدَةً وَخَنَازِيْرَ) . رَوَاهُ: البُخَارِيُّ (١) ، عَنْ هِشَامٍ تَعليقاً، فَقَالَ: وَقَالَ هِشَام. وَأَخْرَجَهُ: أَبُو دَاوُدَ، مِنْ طرِيقِ بِشْر بن بَكْرٍ التِّنِّيْسِيّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بن يَزِيْدَ بنِ جَابِرٍ، بنَحْوهِ. المعَازف: اسْمٌ لِكُلِّ آلاَت الملاَهِي الَّتِي يُعزَف بِهَا، كَالزمر، وَالطنبور، وَالشّبّابَة، وَالصُّنوج. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ أَبِي العِزِّ بِطَرَابُلس، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَانِ بن نَجْم الوَاعِظ سَنَة ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ أَبِي بَكْرٍ الحَافِظ بِأَصْبَهَانَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ القَاضِي، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ يُوْسُفَ العَطَّار، حَدَّثَنَا الحَارِثُ بنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْد، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: رَجَعَ رَسُوْل اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَة تَبُوْك، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ المَدِيْنَةِ، قَالَ: (إِنَّ بِالمَدِيْنَةِ لأَقْوَاماً مَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ وَلاَ سِرْتُمْ مِنْ مَسِيْرٍ إِلاَّ كَانُوا مَعَكُم فِيْهِ) . قَالُوا: يَا رَسُوْلَ اللهِ! وَهُمْ بِالمَدِيْنَةِ؟ فَقَالَ: (نَعَمْ، خَلَّفَهُمُ العُذْرُ) (٢) .

стр. 13083

قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ (١) : انْتَشَر علم أَبِي مُوْسَى فِي الآفَاق، وَنفع الله بِهِ المُسْلِمِيْنَ، وَاجْتَمَعَ لَهُ مَا لَمْ يَجتمع لغَيْره مِنَ الحِفْظ، وَالعِلْم، وَالثِّقَة، وَالإِتْقَان، وَالصَّلاَح، وَحسن الطّرِيقَة، وَصحَة النَّقْل، قَرَأَ القُرْآنَ بِالرِّوَايَات، وَتَفَقَّهَ لِلشَّافِعِيِّ، وَمهر فِي النَّحْوِ وَاللُّغَة، وَكَتَبَ الكَثِيْر، رَحَلَ إِلَى بَغْدَادَ، وَحَجّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ وَسَنَة اثْنَتَيْنِ وأَرْبَعِيْنَ (٢) . قَالَ إِسْمَاعِيْلُ التَّيْمِيُّ لطَالب: الزمِ الحَافِظ أَبَا مُوْسَى، فَإِنَّهُ شَابّ مُتْقِن. وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ مَحْمُوْدٍ الرُّوَيْدَشْتِيّ: صَنّف الأَئِمَّة فِي مَنَاقِب شَيْخنَا أَبِي مُوْسَى تَصَانِيْف كَثِيْرَة. ٧٩ - عَبْدُ المُغِيْثِ بنُ زُهَيْرِ بنِ زُهَيْرِ بنِ عَلَوِيٍّ الحَرْبِيُّ * الشَّيْخُ، الإِمَامُ، المُحَدِّثُ، الزَّاهِدُ،

стр. 13084

الصَّالِحُ، المُتَّبَعُ، بَقِيَّةُ السَّلَفِ، أَبُو العِزِّ بنُ أَبِي حَرْبٍ البَغْدَادِيُّ، الحَرْبِيُّ. وُلِدَ: سَنَةَ خَمْس مائَة (١) . وَعُنِي بِالآثَار، وَقرَأَ الكُتُب، وَنسخ، وَجَمَعَ، وَصَنَّفَ، مَعَ الوَرَع، وَالِدّين، وَالصِّدْق، وَالتمسك بِالسُّنَن، وَالوقع فِي النُّفُوْس، وَالجَلاَلَة. سَمِعَ: أَبَا القَاسِمِ بن الحُصَيْنِ، وَأَبَا العِزِّ بن كَادِشٍ، وَهِبَة اللهِ بن الطَّبرِ، وَأَبَا غَالِب ابْن البَنَّاء، وَقَاضِي المَارستَان، وَعدداً كَثِيْراً. وَرَوَى الكَثِيْر، وَأَفَاد الطلبَة. حَدَّثَ عَنْهُ: الشَّيْخ المُوَفَّق، وَالحَافِظ عَبْد الغَنِيِّ، وَحَمْد بن صُدَيْقٍ، وَالبَهَاء عَبْد الرَّحْمَانِ، وَالحَافِظ مُحَمَّد ابْن الدُّبَيْثِيّ، وَطَائِفَة. وَقَدْ أَلّفَ (جُزْءاً) فِي فَضَائِل يَزِيْد، أَتَى فِيْهِ بعَجَائِب وَأَوَابد، لَوْ لَمْ يُؤَلّفه لَكَانَ خَيراً (٢) ، وَعَمِلَهُ ردّاً عَلَى ابْنِ الجَوْزِيّ، وَوَقَعَ بَيْنهُمَا عدَاوَة (٣) . وَلعَبْد المُغِيْثِ غلطَات تَدُلُّ عَلَى قلّة عِلْمه: قَالَ مرَّةً: مُسْلِم بن يَسَارٍ صَحَابِيّ، وَصحّح حَدِيْثَ الاستلقَاء، وَهُوَ مُنْكَر، فَقِيْلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ:

стр. 13085

إِذَا رددنَاهُ، كَانَ فِيْهِ إِزرَاء عَلَى مَنْ رَوَاهُ! وَقَدْ حفرَ لَهُ قَبْراً بِقُرْبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ دِمَشْقَ تَاجراً بِمَالٍ لِسَعْدِ الخَيْرِ (١) ، فَحَدَّثَ بِهَا، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي (تَارِيْخِهِ) . حكَى ابْنُ تَيْمِيَّةَ شَيْخُنَا، قَالَ: قِيْلَ: إِنَّ الخَلِيْفَةَ النَّاصِرَ لَمَّا بَلَغَهُ نَهْيُ عَبْدِ المُغِيْثِ عَنْ سَبِّ يَزِيْدَ، تَنَكَّرَ، وَقَصَدَهُ، وَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَتَبَالَهَ عَنْهُ، وَقَالَ: يَا هَذَا! إِنَّمَا قَصَدْتُ كَفَّ الأَلْسِنَةِ عَنْ لَعْنِ الخُلَفَاءِ، وَإِلاَّ فَلَو فَتَحْنَا هَذَا، لَكَانَ خَلِيْفَةُ الوَقْتِ أَحَقَّ بِاللَّعْنِ؛ لأَنه يَفْعَلُ كَذَا، وَيَفْعَلُ كَذَا ... ، وَجَعَلَ يُعَدِّدُ خَطَايَاهُ، قَالَ: يَا شَيْخُ! ادْعُ لِي، وَقَامَ. تُوُفِّيَ عَبْدُ المُغِيْثِ: فِي المُحَرَّمِ (٢) ، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ. ٨٠ - ابْنُ المَوَازِيْنِيِّ أَبُو الحُسَيْنِ أَحْمَدُ بنُ حَمْزَةَ بنِ عَلِيٍّ * الشَّيْخُ، العَالِمُ، المُحَدِّثُ، المُسْنِدُ، أَبُو الحُسَيْنِ أَحْمَدُ بنُ حَمْزَةَ ابْنِ المُحَدِّثِ أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بنِ الحَسَنِ بنِ الحُسَيْنِ ابْن المَوَازِيْنِيِّ، الدِّمَشْقِيُّ، المُعَدَّلُ. وُلِدَ: فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ، سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِ مائَةٍ.

стр. 13086

سَمِعَ مِنْ: جدّه أَبِي الحَسَنِ، وَوَالِدَتِه شُكْرِ بِنْت سَهْلِ بنِ بِشْرٍ الإِسْفَرَايِيْنِيِّ. وَأَجَازَ لَهُ مِنْ أَصْبَهَانَ: أَبُو عَلِيٍّ الحَدَّاد. وَارتحل، فَسَمِعَ مِنْ: أَبِي بَكْرٍ ابْنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَمُحَمَّد بن عُبَيْدِ اللهِ الرُّطَبِيّ، وَأَبِي الكَرَمِ الشَّهْرُزُوْرِيّ، وَسَعِيْد ابْن البَنَّاءِ، وَطَائِفَة. وَخَرَّجَ، وَجَمَعَ، وَسَكَنَ بِسَفْحِ قَاسيُوْن، وَأَنشَأَ زَاويَة، وَكَانَ مُقْبِلاً عَلَى شَأْنه، مُؤثراً لِلْعُزلَة، موَاسياً لِلْفُقَرَاء، خَرَّجَ لِنَفْسِهِ (مَشْيَخَة) حَسَنَة، فِيْهَا عَنْ: أَبِي الفَضْلِ الأُرْمَوِيّ، وَابْن الطَّلاَّيَةِ، وَعِدَّة. رَوَى عَنْهُ: الحَافِظُ الضِّيَاءُ، وَابْنُ خَلِيْلٍ، وَعَبْدُ الحَقِّ بنُ خَلَفٍ، وَالبَهَاءُ عَبْد الرَّحْمَانِ، وَمُحَمَّدُ بنُ سَعْدٍ، وَخَطِيْب مَرْدَا، وَالعِمَادُ ابْنُ عَبْدِ الهَادِي، وَالعِمَاد عَبْد اللهِ ابْن النَّحَّاسِ، وَالزِّين ابْن عَبْدِ الدَّائِمِ، وَخَلْق. قَالَ الضِّيَاء: كَانَ دَيِّناً، خَيِّراً، قَدِ انحنَى، سَمِعْنَا مِنْهُ أَكْثَر (الحِلْيَة) . مَاتَ: فِي المُحَرَّم، سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.

стр. 13087

الطَّبَقَةُ الحِادِيَةُ والثَّلاَثُوْنَ ٨١ - ابْنُ الصَّابُوْنِيِّ أَبُو الفَتْحِ مَحْمُوْدُ بنُ أَحْمَدَ المَحْمُوْدِيُّ * الإِمَامُ، بَقِيَّةُ المَشَايِخِ، أَبُو الفَتْحِ مَحْمُوْدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَلِيٍّ المَحْمُوْدِيُّ، الجَعْفَرِيُّ، ابْنُ الصَّابُوْنِيِّ. نُسبَ إِلَى جَدِّ وَالِدتِه شَيْخِ الإِسْلاَمِ أَبِي عُثْمَانَ الصَّابُوْنِيِّ الصُّوْفِيِّ المُقْرِئِ، وَكَانَ يَسكنُ بِالجَعْفَرِيّةِ بِبَغْدَادَ، فَنُسِبَ إِلَيْهَا. وُلِدَ: سَنَةَ خَمْس مائَة تَقَرِيْباً. وَتَلاَ بِالرِّوَايَات عَلَى: أَبِي العِزِّ القَلاَنسِيِّ. وَسَمِعَ: هِبَةَ اللهِ بنَ الحُصَيْنِ، وَجَمَاعَةً. وَصَحِبَ حَمَّاداً الدَّبَّاسَ، وَعَلِيَّ بنَ مَهْدِيٍّ البَصْرِيَّ، وَكَانَ لَهُ زَاوِيَةٌ بِبَغْدَادَ. رَوَى عَنْهُ: ابْنُهُ؛ عَلَم الدِّيْنِ، وَابْن المُفَضَّلِ الحَافِظ، وَطَائِفَة.

стр. 13088

وَكَانَ يُلَقَّبُ: جَمَال الدِّيْنِ. وَقِيْلَ لِجدِّه عَلِيّ بن أَحْمَدَ: المَحْمُوْدِيّ، لاتِّصَالِه بِالسُّلْطَانِ مَحْمُوْدٍ السَّلْجُوْقِيِّ. قَدِمَ أَبُو الفَتْحِ (١) ، فَزَارَهُ نُوْرُ الدِّيْنِ، وَسَأَلَهُ الإِقَامَةَ بِدِمَشْقَ، فَقَالَ: قصدِي زِيَارَة ضَرِيْحِ الشَّافِعِيِّ، فَجَهَّزَهُ سَنَة بِضْع وَسِتِّيْنَ، فِي صُحْبَة الأَمِيْر نَجْم الدِّيْنِ أَيُّوْب، وَصَارَ صديقاً لَهُ، فَكَانَ وَلدَاهُ السُّلْطَانَان صَلاَح الدِّيْنِ وَسَيْفُ الدِّيْنِ يَحْتَرِمَانِ أَبَا الفَتْحِ، وَيَرْعيَانِهِ. وَبَعَثَ الشَّيْخُ عُمَرُ المَلاَّء (٢) زَاهِدُ المَوْصِلِ إِلَى أَبِي الفَتْحِ هَذَا يَطلُبُ مِنْهُ الدُّعَاء (٣) . مَاتَ: فِي شَعْبَان، سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ. ٨٢ - ابْنُ الصَّاحِبِ مَجْدُ الدِّيْنِ هِبَةُ اللهِ * المَوْلَى الكَبِيْرُ، مَجْدُ الدِّيْنِ، هِبَةُ اللهِ ابْنُ الصَّاحِبِ أُسْتَاذِ دَارِ المُسْتَضِيْءِ. أَحَدُ مَنْ بَلَغَ أَعْلَى الرُّتَبِ، وَصَارَ يُوَلِّي، وَيَعزل، وَأَظهر الرّفض، ثُمَّ

стр. 13089

وَلِي حجَابَة بَاب النُّوْبِيِّ، وَلَمْ يَزَلْ فِي ارْتقَاءٍ حَتَّى قُتِلَ (١) ، وَعُلِّقَ رَأْسُهُ بِبَغْدَادَ. خَلَّفَ تَركَة ضَخْمَةً فِيْهَا مِنَ العَيْن أَلف أَلف دِيْنَار، وَمِنَ الفِضَّة جُمْلَةً، وَمِنَ الأَمتعَة وَالعقَارِ مَا لاَ يُوْصَفُ، فَتركت الأَملاَكُ لأَوْلاَدِهِ. طُلِبَ إِلَى دَارِ الخِلاَفَةِ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ الشّحنَةُ يَاقُوْتٌ فِي الدِّهْلِيْزِ، فَقَتَلَهُ، وَكَانَ قَدْ تَمرَّدَ، وَسَفَكَ الدِّمَاءَ، وَسَبَّ الصَّحَابَةَ، وَعَزَمَ عَلَى قَلْبِ الدَّوْلَةِ، فَقَصَمَهُ اللهُ. ٨٣ - ابْنُ مُنْقِذٍ أَبُو المُظَفَّرِ أُسَامَةُ بنُ مُرْشِدِ بنِ عَلِيٍّ الكِنَانِيُّ * الأَمِيْرُ الكَبِيْرُ، العَلاَّمَةُ، فَارِسُ الشَّامِ، مَجْدُ الدِّيْنِ، مُؤَيِّدُ الدَّوْلَةِ، أَبُو المُظَفَّرِ أُسَامَةُ ابْنُ الأَمِيْرِ مُرْشِدِ بنِ عَلِيِّ بنِ مُقَلَّدِ بنِ نَصْرِ بنِ مُنْقِذٍ الكِنَانِيُّ، الشَّيْزَرِيُّ. وُلِدَ: بِشَيْزَرَ، سَنَة ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ. وَسَمِعَ فِي سَنَةِ ٤٩٩ نُسْخَةَ أَبِي هُدْبَة مِنْ عَلِيِّ بنِ سَالِمٍ السِّنْبِسِيِّ.

стр. 13090

رَوَى عَنْهُ: ابْنُ عَسَاكِرَ، وَابْن السَّمْعَانِيّ، وَأَبُو المَوَاهِبِ، وَالحَافِظ عَبْد الغَنِيِّ، وَالبَهَاء عَبْد الرَّحْمَانِ، وَابْنه؛ الأَمِيْر مُرْهَفٌ، وَعَبْد الصَّمَدِ بن خَلِيْل الصَّائِغ، وَعَبْد الكَرِيْمِ بن أَبِي سُرَاقَة، وَمُحَمَّد بن عَبْدِ الكَافِي الصَّقَلِّيّ. وَلَهُ نَظْمٌ فِي الذِّرْوَةِ كَأَبِيْهِ. قَالَ السَّمْعَانِيُّ (١) : ذُكِرَ لِي أَنَّهُ يَحفظُ مِنْ شعر الجَاهِلِيَّة عَشْرَة آلاَف بَيْت. قُلْتُ: سَافر إِلَى مِصْرَ: وَكَانَ مِنْ أُمرَائِهَا الشِّيْعَة، ثُمَّ فَارقهَا، وَجَرَتْ لَهُ أُمُوْر، وَحضر حُرُوْباً أَلّفهَا فِي مُجَلَّدٍ فِيْهِ عبر. قَالَ يَحْيَى بنُ أَبِي طَيء فِي (تَارِيْخِهِ (٢)) : كَانَ إِمَامِيّاً، حسن العقيدَة، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يُدَارِي عَنْ مَنْصِبه، وَيُتَاقِي، وَصَنَّفَ كتباً مِنْهَا (التَّارِيْخ البَدْرِيّ) ، وَلَهُ (دِيْوَان) كَبِيْر (٣) . قُلْتُ: عَاشَ سَبْعاً وَتِسْعِيْنَ سَنَةً، وَمَاتَ بِدِمَشْقَ، فِي رَمَضَانَ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.

стр. 13091

وَلَهُ: مَعَ الثَّمَانِيْنَ عَاثَ الضَّعْفُ فِي جَسَدِي ... وَسَاءنِي ضَعْفُ رِجْلِي وَاضْطِرَابُ يَدِي إِذَا كَتَبتُ فَخطِّي خطُّ مُضطَربٍ ... كخطِّ مُرْتَعِشِ الكفَّيْنِ مُرْتَعِدِ فَاعجَبْ لضَعْفِ يَدِي عَنْ حَمْلهَا قَلَماً ... مِنْ بَعْدِ حَطْمِ القنَا فِي لبَّةِ الأَسَدِ فَقُلْ لِمَنْ يَتَمَنَّى طولَ مُدَّتِه: ... هَذِي عَواقِبُ طولِ الْعُمر وَالمُدَدِ وَمَاتَ ابْنُهُ الكَبِيْرُ عضد الدَّوْلَة مُرْهَفٌ (١) بن أُسَامَةَ فِي سَنَةِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ وَسِتّ مائَةٍ، عَنْ ثَلاَث وَتِسْعِيْنَ سَنَةً، وَلَهُ شعر رَائِق. رَوَى عَنْهُ: الزَّكِيّ المُنْذِرِيّ، وَالقوْصِيّ، وَجَمَعَ مِنَ الكُتُب مَا لاَ يُوْصَف. ٨٤ - الحَازِمِيُّ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ مُوْسَى بنِ عُثْمَانَ بنِ حَازِمٍ * الإِمَامُ، الحَافِظُ، الحُجَّةُ، النَّاقِدُ، النَسَّابَةُ، البَارِعُ، أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ مُوْسَى بنِ عُثْمَانَ بنِ حَازِمٍ الحَازِمِيُّ، الهَمَذَانِيُّ. مَوْلِدُهُ: فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.

стр. 13092

سَمِعَ مِنْ: أَبِي الوَقْت السِّجْزِيّ حُضُوْراً، وَلَهُ أَرْبَع سِنِيْنَ، وَسَمِعَ مِنْ: شَهْرَدَار بن شِيْرَوَيْه الدَّيْلَمِيّ، وَأَبِي زُرْعَةَ بن طَاهِرٍ المَقْدِسِيّ الحَافِظ، وَأَبِي العَلاَءِ العَطَّار، وَمَعْمَر بن الفَاخِرِ، وَأَبِي الحُسَيْنِ عَبْد الحَقِّ اليُوْسُفِيّ، وَعَبْد اللهِ بن الصَّمد العَطَّار، وَشُهْدَة الكَاتِبَة، وَأَبِي الفَضْلِ عَبْد اللهِ بن أَحْمَدَ خَطِيْب المَوْصِل، وَأَبِي طَالِبٍ مُحَمَّد بن عَلِيٍّ الكَتَّانِيّ الوَاسِطِيّ، وَمُحَمَّد بن طَلْحَةَ البَصْرِيّ المَالِكِيّ بِهَا، وَأَبِي العَبَّاسِ أَحْمَد بن يَنَال التّرْك، وَأَبِي الفَتْحِ عَبْد اللهِ بن أَحْمَدَ الخِرَقِيّ، وَأَبِي مُوْسَى مُحَمَّد بن أَبِي عِيْسَى المَدِيْنِيّ، وَأَقرَانهم بِالعِرَاقِ وَأَصْبَهَان وَالجَزِيْرَة وَالشَّام وَالحِجَاز. وَجَمَعَ، وَصَنَّفَ، وَبَرَعَ فِي الحَدِيْثِ، خُصُوْصاً فِي النَّسَبِ، وَاسْتَوْطَنَ بَغْدَاد. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الدُّبَيْثِيّ (١) : تَفَقَّهَ بِبَغْدَادَ فِي مَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَجَالَس العُلَمَاء، وَتَمَيَّزَ، وَفَهِم، وَصَارَ مِنْ أَحْفَظ النَّاس لِلْحَدِيْثِ وَلأَسَانِيْده وَرِجَاله، مَعَ زُهْد، وَتعبّد، وَرِيَاضَة، وَذِكْرٍ، صَنَّف فِي الحَدِيْثِ عِدَّة مُصَنَّفَات، وَأَملَى عِدَّة مَجَالِس، وَكَانَ كَثِيْرَ المَحْفُوْظ، حُلْو المذَاكرَة، يغلبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَة أَحَادِيْثَ الأَحكَام، أَملَى طرق الأَحَادِيْث الَّتِي فِي (المُهَذَّب) لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَأَسندهَا، وَلَمْ يُتِمَّه. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ النَّجَّار فِي (تَارِيْخِهِ (٢)) : كَانَ الحَازِمِيُّ مِنَ الأَئِمَّةِ الحُفَّاظ، العَالِمِين بِفقه الحَدِيْث وَمعَانِيه وَرِجَاله، أَلّف كِتَاب (النَّاسخ وَالمَنْسُوْخ) ، وَكِتَاب (عجَالَة الْمُبْتَدِئ فِي النَّسَبِ) ، وَكِتَاب (المُؤتلف

стр. 13093

وَالمُخْتَلِف فِي أَسْمَاء البُلْدَان) . وَأَسند أحَادِيث (المُهَذَّب) ، وَكَانَ ثِقَةً، حُجَّةً، نبيلاً، زَاهِداً، عَابِداً، وَرِعاً، مُلاَزِماً لِلْخلوَة وَالتصنِيف وَبثّ العِلْم، أَدْركه الأَجل شَابّاً، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ غَانِم الحَافِظ يَقُوْلُ: كَانَ شَيْخنَا الحَافِظُ أَبُو مُوْسَى المَدِيْنِيُّ يُفضّل أَبَا بَكْرٍ الحَازِمِيَّ عَلَى عَبْدِ الغَنِيِّ المَقْدِسِيّ، وَيَقُوْلُ: مَا رَأَينَا شَابّاً أَحْفَظ مِنَ الحَازِمِيّ، لَهُ كِتَاب فِي (النَّاسخ وَالمَنْسُوْخ) دَالٌّ عَلَى إِمَامته فِي الفِقْه وَالحَدِيْث، لَيْسَ لأَحدٍ مِثْلُه. قَالَ ابْنُ النَّجَّار: وَسَمِعْتُ بَعْضَ الأَئِمَّة يذكر أَنَّ الحَازِمِيّ كَانَ يَحفظ كِتَاب (الإِكمَال (١)) فِي المُؤتلف وَالمُخْتَلِف وَمُشْتَبِهِ النِّسْبَة، كَانَ يُكرَّر عَلَيْهِ، وَوجدتُ بِخَطِّ الإِمَام أَبِي الخَيْرِ القَزْوِيْنِيّ، وَهُوَ يَسْأَل الحَازِمِيَّ: مَاذَا يَقُوْلُ سَيِّدُنَا الإِمَامُ الحَافِظُ فِي كَذَا وَكَذَا؟ وَقَدْ أَجَابَ أَبُو بَكْرٍّ الحَازِمِيّ بِأَحْسَنِ جَوَابٍ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ النَّجَّار: سَمِعْتُ أَبَا القَاسِمِ المُقْرِئَ جَارنَا يَقُوْلُ -وَكَانَ صَالِحاً-: كَانَ الحَازِمِيّ ﵀ فِي رِبَاط البَدِيْع، فَكَانَ يَدخل بَيْته فِي كُلِّ لَيْلَة، وَيطَالع، وَيَكْتُبَ إِلَى طُلُوْع الفَجْر. فَقَالَ البَدِيْعُ لِلْخَادِمِ: لاَ تدفع إِلَيْهِ اللَّيْلَة بزراً لِلسِّرَاجِ لَعَلَّهُ يَسْتَرِيح اللَّيْلَة. قَالَ: فَلَمَّا جنّ اللَّيْل، اعْتذر إِلَيْهِ الخَادِم لأَجْل انقطَاع الْبزْر، فَدَخَلَ بَيْته، وَصفّ قَدَمَيْهِ يُصَلِّي، وَيَتلو، إِلَى أَنْ طلع الفَجْر، وَكَانَ الشَّيْخ قَدْ خَرَجَ ليعرف خَبَره، فَوَجَده فِي الصَّلاَةِ. مَاتَ أَبُو بَكْرٍ الحَازِمِيّ: فِي شَهْر جُمَادَى الأُوْلَى، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْس

стр. 13094

مائَة، وَلَهُ سِتٌّ وَثَلاَثُوْنَ سَنَة. قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الحمْد أَقُش (١) الافتخَارِيِّ (٢) ، أَخبركُم عَبْدُ اللهِ بنُ الحَسَنِ الدِّمْيَاطِيّ الخَطِيْب سَنَة سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ مُوْسَى الحَافِظُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ ذَاكر بِقِرَاءتِي، أَخبركُم حَسَن بن أَحْمَدَ القَارِئ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ الكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوْبُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ البَزَّاز، حَدَّثَنَا العَبَّاسُ بنُ يَزِيْدَ، حَدَّثَنَا غَسَّان بن مُضَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْلَمَة، قَالَ: سَأَلت أَنَس بن مَالِكٍ: أَكَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يَسْتَفتح بِالحَمْد للهِ رَبّ العَالِمِين؟ فَقَالَ: إِنَّك لَتسَأَلنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظه، وَمَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَد قَبْلك. قُلْتُ: أَكَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي فِي النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ (٣) .

стр. 13095

هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، غَرِيْبٌ، وَهُوَ ظَاهِر فِي أَنَّ أَبَا مَسْلَمَةَ سَعِيْد بن يَزِيْدَ سَأَلَ أَنساً عَنِ الصَّلَوَات الخَمْس، أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَفتح -يَعْنِي: أَوّلَ مَا يُحرمُ بِالصَّلاَةِ- بدُعَاء الاستِفْتَاحِ أَمْ بِالاسْتِعَاذَة، أَمْ بِالحَمْد للهِ رَبّ العَالِمِين؟ فَأَجَابَهُ: أَنَّهُ لاَ يَحفظ فِي ذَلِكَ شَيْئاً. فَأَمَّا الْجَهْر وَعدمه بِالبسملَة (١) ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ مِنْ حَدِيْثِ قَتَادَة، وَغَيْره، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا لاَ يَجهرُوْنَ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ (٢) . وَقَدْ رَوَى عَنِ الحَازِمِيّ: المُقْرِئُ تَقِيّ الدِّيْنِ ابْن بَاسُوَيْه (٣) الوَاسِطِيّ، وَالفَقِيْه عَبْد الخَالِقِ النَّشْتَبْرِيّ (٤) ، وَجَلاَل الدِّيْنِ عَبْد اللهِ بن الحَسَنِ
следующие страницы →