Полный текст (14 211 стр.). Показаны 13651–13690 · переход к 13656.
стр. 13651
بِهِ، وَنفذَ إِلَيْهِ النَّاصِرَ تَقليداً بِالسَّلطنَةِ، فَلَبِسَ الخِلْعَةَ، وَحَاصَرَ أَلموتَ، فَوَثَبَ باطنِيٌّ عَلَى وَزِيْرِهِ فَقَتَلَهُ، وَقَتلُوا رَئِيْسَ الشَّافِعِيَّةِ صَدْرَ الدِّيْنِ ابْنَ الوَزَّانِ.
وَمَاتَ: سُلْطَانُ المَغْرِبِ يَعْقُوْبُ، فَتَمَلَّكَ وَلدُهُ مُحَمَّدٌ.
وَمَاتَ: صَاحِبُ مِصْرَ الملكُ العَزِيْزُ صَلاَحُ الدِّيْنِ، وَأَقْبَلَ الأَفْضَلُ مِنْ صَرْخَدٍ إِلَى مِصْرَ، فَدبَّرَ دَوْلَةَ عَلِيِّ ابْنِ العَزِيْزِ، ثُمَّ سَارَ بِالجَيْشِ وَنَازلَ عَمَّهُ العَادلَ بِدِمَشْقَ، وَأَحرَقَ الحوَاضِرَ، وَكَادَ أَنْ يَملِكَ، وَضَايَقَ البلدَ أَشْهُراً، وَجَاءت النَّجدَةُ العَادلَ فَكبسُوا المِصْرِيّينَ، وَضَعفَ أَمرُ الأَفْضَلِ.
سَنَة ٩٦: مَاتَ السُّلْطَانُ عَلاَءُ الدِّيْنِ تُكُشُ بنُ آتْسِز خُوَارِزْمشَاه، وَتسلْطَنَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ.
وَاشتدَّ الحصَارُ عَلَى دِمَشْقَ، وَتَمحَّقَتْ خَزَائِنُ العَادلِ عَلَى العَسْكَرِ، وَاسْتدَانَ، وَاشتدَّ الغلاَءُ وَالبَلاَءُ بِدِمَشْقَ، وَأَقْبَلَ الشِّتَاءُ، فَترحَّلَ الأَفْضَلُ وَالظَّاهِرُ، فَبَادَرَ العَادلُ وَقصدَ الأَفْضَلَ، فَأَدْرَكَهُ بِالغُرَابِيِّ، وَدَخَلَ القَاهِرَةَ، وَتَمَكَّنَ، وَردَّ الأَفْضَلَ منَحْوساً إِلَى صَرْخَدٍ بَعْدَ مَصَافٍّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمِّهِ، ثُمَّ اسْتنَابَ العَادلُ بِمِصْرَ وَلدَهُ الكَامِلَ، وَعزلَ المَنْصُوْر عَلِيّ ابْن العَزِيْزِ، وَقَالَ: هَذَا صَبِيٌّ يُرِيْدُ المَكْتَبَ (١) .
وَنقصَ النِّيلُ، وَوَقَعَ القَحطُ، وَهَلَكَ أَهْلُ مِصْرَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ الكِبَارِ، فَإِنَّ النِّيلَ كسر مِنْ ثَلاَثَةَ عَشَرَ ذرَاعاً سِوَى ثَلاَثَة أَصَابع.
وَدَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ، وَالبَلاَءُ شَدِيدٌ، وَأَكلُوا الجِيَفَ وَلُحُوْمَ الآدَمِيِّينَ، وَجَرَى مَا لاَ يُعَبَّرُ عَنْهُ. стр. 13652
قَالَ المُوَفَّقُ عَبْدُ اللَّطِيْفِ: وَعُدِمَ البَيْضُ، وَلَمَّا وُجِدَ بِيْعَتِ البيضَةُ بِدِرْهَمٍ، وَبيعَ فَرُّوجٌ بِمائَةٍ، وَبيعَ مُدَيدَة بدِيْنَارٍ، وَالَّذِي دَخَلَ تَحْتَ قَلَمِ الحُشْرِيَّةِ مِنَ الموتَى فِي اثْنَيْنِ وَعِشْرِيْنَ شَهْراً مائَةُ أَلْفٍ وَأَحَدَ عشرَ أَلْفاً، إِلاَّ شَيْئاً يَسيراً، وَهُوَ نَزْرٌ فِي جَنْبِ مَا هَلَكَ بِمِصْرَ وَالحوَاضرِ، وَكلُّهُ نَزرٌ فِي جَنْبِ مَا هَلَكَ بِالإِقْلِيْمِ، وَسَمِعنَا مِنْ ثِقَاتٍ عَنِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ أَنَّ الإِمَامَ صَلَّى يَوْمَ جُمُعَةٍ عَلَى سَبْعِ مائَةِ جَنَازَةٍ، ثُمَّ سَاقَ عِدَّةَ حِكَايَاتٍ فِي أَكْلِ لُحُوْمِ بنِي آدَمَ، وَتَمَّتْ زَلْزَلَةٌ فَكَانَتْ حَرَكَتُهَا كَالغَرْبَلَةِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، قَالَ: فَصحَّ عِنْدِي أَنَّهَا حَرَّكَتْ مِنْ قُوصٍ إِلَى الشَّامِ، وَتعفَّتْ بلاَدٌ كَثِيْرَةٌ، وَهَلَكَ أُمَمٌ لاَ تُحصَى، وَأَنْكَتْ فِي بلاَدِ الفِرَنْجِ أَكْثَرَ، وَسَمِعنَا أَنَّهَا وَصلَتْ إِلَى خِلاَطٍ، وَجَاءنِي كِتَابٌ مِنَ الشَّامِ فِيْهِ: كَادَتْ لَهَا الأَرْضُ تسيرُ سَيْراً، وَالجِبَالُ تَمورُ مَوْراً، وَمَا ظَنَنَّا إِلاَّ أَنَّهَا زَلْزَلَةُ السَّاعَةِ، وَأَتَتْ دُفْعَتَينِ: الأُوْلَى مِقْدَارَ سَاعَةٍ أَوْ أَزْيَدَ، وَالثَّانِيَةُ دُوْنَ ذَلِكَ، لَكِنْ أَشدُّ، وَفِي كِتَابٍ آخرَ: دَامَتْ بقدَرِ مَا قرَأَ سُوْرَةَ الكهفِ، وَأَنَّ صَفَدَ لَمْ يَسلَمْ بِهَا سِوَى وَلدِ صَاحِبِهَا ...
قُلْتُ: فِي هَذَا الكِتَابِ خسفٌ وَإِفكٌ، وَفِيْهِ أَنَّ عِرقَةَ وَصَافِيثَا خُسِفَ بِهِمَا.
وَقَالَ أَبُو شَامَةَ (١) : وَفِي شَعْبَانَ جَاءتْ زَلْزَلَةٌ عَمَّتِ الدُّنْيَا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَهدمَتْ نَابُلُسَ، فَمَاتَ تَحْتَ الهَدْمِ ثَلاَثُوْنَ أَلْفاً، وَهدمَتْ عكَّا وَصُوْرَ، وَجَمِيْعَ قلاعِ السَّاحِلِ.
قُلْتُ: وَهَذِهِ مُجَازفَةٌ ظَاهِرَةٌ.
قَالَ: وَرُمَّتْ بَعْضُ المنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ، وَأَكْثَرُ الكَلاّسَةِ وَالمَارستَان وَعَامَّةُ стр. 13653
دورِ دِمَشْقَ، وَهَرَبَ النَّاسُ إِلَى المِيَادِيْنِ، وَسقطَ مِنَ الجَامِعِ سِتَّةَ عشرَ شُرْفَةً، وَتشقَّقَتْ قُبَّةُ النَّسْرِ ... ، إِلَى أَنْ قَالَ - وَالعُهْدَةُ عَلَيْهِ -: وَأُحْصِيَ مَنْ هَلَكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَكَانَ أَلفَ أَلفٍ وَمائَةَ أَلْفِ إِنْسَانٍ، ثُمَّ قَالَ: نقَلْتُ ذَلِكَ مِنْ تَارِيخِ أَبِي المُظَفَّرِ سِبْطِ ابْنِ الجَوْزِيِّ.
وَكَانَتْ خُرَاسَانُ فِي هَيْجٍ وَحُرُوْبٍ عَلَى المُلكِ، وَالتَقَى جَيْشُ السُّلْطَانِ غِيَاثِ الدِّيْنِ الغُوْرِيِّ كُفَّارَ الهِنْدِ، فَانْهَزَمَ الكُفَّارُ.
وَأَنْبَأَنِي ابْنُ البُزُوْرِيِّ فِي (تَارِيْخِهِ) قَالَ: زُلْزِلَتِ الجَزِيْرَةُ وَالشَّامُ وَمِصْرُ، فَتخرَّبَتْ أَمَاكنُ كَثِيْرَةٌ جِدّاً بِدِمَشْقَ وَحِمْصَ وَحَمَاةَ، وَاسْتَوْلَى الخرَابُ عَلَى صُوْرٍ وَعكَا وَنَابُلُسَ وَطَرَابُلُسَ، وَانخسفَتْ قَرْيَةٌ، وَخَرِبَتْ عِدَّةُ قلاعٍ.
وَحَارَبَ المُعِزُّ بنُ (١) إِسْمَاعِيْلَ بنِ سَيْفِ الإِسْلاَمِ صَاحِبُ اليَمَنِ عَلَويّاً (٢) خَرَجَ عَلَيْهِ، فَهَزمَ العَلَوِيّ، وَقتلَ مِنْ جندِهِ سِتَّةَ آلاَفٍ، وَقهرَ (٣) الرَّعِيَّةَ، وَادَّعَى أَنَّهُ أُمَوِيٌّ، وَتَسَمَّى بِأَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ.
وَقَدِمَ مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ، وَكَانَ قَدْ بُعِثَ رَسُوْلاً مِنَ النَّاصِرِ إِلَى الغُوْرِيِّ.
وَنُدِبَ طَاشتكين لِلْحَجِّ، وَلمُحَارَبَة المُعِزِّ بِاليَمَنِ، فَبَعَثَ إِلَى أُمَرَاءَ يُنْذِرُهُم، وَيَحضُّهُم عَلَى طَاعَةِ الإِمَامِ، فَشدُّوا عَلَى المُعِزِّ فَقتلُوْهُ.
سَنَةُ ثَمَانٍ وَتِسْعِيْنَ: تَنَاقَصَ الفنَاءُ بِمِصْرَ لقلَّةِ مَنْ بَقِيَ، فَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ كَبِيْرَةٍ لَمْ يَبْقَ بِهَا بَشَرٌ، حَتَّى لِنَقَلَ بَعْضُهُم أَنَّ بَلَداً كَانَ بِهَا أَرْبَعُ مائَةِ نَولٍ لِلنَّسَّاجَةِ لَمْ يَبْقَ بِهَا أَحَدٌ. стр. 13654
وَأَرَّخَ العِزُّ النَّسَّابَةُ خَبَرَ الزَّلْزَلَةِ فِيْهَا، فَوَهِمَ، وَقَالَ (١) : هِيَ الزَّلْزَلَةُ العُظْمَى الَّتِي هَدَمَتْ بلاَدَ السَّاحِلِ صُوْرَ وَطَرَابُلُسَ وَعِرقَةَ، وَرَمتْ بِدِمَشْقَ رُؤُوْسَ المآذنِ، وَأَهْلكَتِ اثْنَيْنِ (٢) بِالكلاَّسَةِ.
سَنَة ٥٩٩: قَالَ لَنَا ابْنُ البُزُوْرِيِّ: مَاجَتِ النُّجُوْمُ، وَتطَايرَتْ كَالجَرَادِ، وَدَامَ ذَلِكَ إِلَى الفَجْرِ، وَضجَّ الخلقُ إِلَى اللهِ.
وَمَاتَ سُلْطَانُ غَزْنَةَ غِيَاثُ الدِّيْنِ، وَقَامَ بَعْدَهُ أَخُوْهُ شِهَابُ الدِّيْنِ.
وَأَبعدَ العَادلُ ابْنَ ابْنِ أَخِيْهِ المَنْصُوْرَ العَزِيْزَ إِلَى الرُّهَا، وَحَاصَرَ مَارْدِيْنَ، ثُمَّ صَالَحَهُ صَاحِبُهَا عَلَى حملِ مائَةٍ وَخَمْسِيْنَ أَلْفَ دِيْنَارٍ فِي العَامِ، وَأَنْ يَخطبَ لَهُ، وَالتَقَى صَاحِبُ حَمَاةَ المَنْصُوْرُ الفِرَنْجَ مرَّتينِ، وَيهزمُهُم.
وَفِي سَنَةِ سِتِّ مائَةٍ: التَقَى الأَشْرَفُ ابْنُ العَادلِ وَصَاحِبُ المَوْصِلِ نُوْرُ الدِّيْنِ، فَكسرَهُ الأَشْرَفُ، وَأَسَرَ أُمَرَاءهُ، ثُمَّ اصطلحَا، وَتَزَوَّجَ الأَشْرَفُ بِالأَتَابَكيَّةِ أُخْتِ نُوْرِ الدِّيْنِ.
وَدَخَلَتِ الفِرَنْجُ فِي النِّيلِ (٣) ، فَاسْتبَاحُوا فوّة يَوْمِ العِيْدِ.
وَنَازلَ صَاحِبُ سيسَ أَنطَاكيَةَ، وَجدَّ فِي حصَارِهَا، ثُمَّ ترحَّلَ خَوْفاً مِنْ عَسْكَرِ حَلَبَ، ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ أَقْبَلَ وَهجمَ أَنطَاكيَةَ بِموَاطَأَةٍ مِنْ أَهْلِهَا، فَقَابلَهُ البُرْنُسُ سَاعَةً، ثُمَّ التَجَأَ إِلَى القَلْعَةِ، وَنَادَى بشعَارِ صَاحِبِ حَلَبَ، وَسرَّحَ بطَاقَةً، فَسَارعَ لنجدتِهِ صَاحِبُ حَلَبَ، فَفَرَّ الأَرْمَنِيُّ.
وَأَقْبَلتْ جيوشُ الفِرَنْجِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ إِلَى عَكَّا، عَازمِينَ عَلَى قصدِ стр. 13655
القُدْسِ، وَنَزَلَ العَادلُ تَحْتَ الطُّورِ، وَجَاءتْهُ أَمْدَادُ العَسَاكِرِ، وَأَغَارتِ الفِرَنْجُ، وَعَاثَتْ، وَاسْتمرَّ الخوفُ شُهوراً.
وَمَا زَالتِ قُسْطَنْطِيْنِيَّةَ لِلرُّومِ، فَتحزَّبَتِ الفِرَنْجُ وَملوكُهَا فِي هَذَا الوَقْتِ.
وَسَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّ مائَةٍ: احترقَتْ دَارُ الخِلاَفَةِ، وَكَانَ أَمراً مهولاً، حَتَّى قِيْلَ: إِنَّ قيمَةَ مَا ذهبَ ثَلاَثَةُ آلاَفِ أَلفِ دِيْنَارٍ وَسَبْعِ مائَةِ أَلْفِ دِيْنَارٍ، قَالَهُ أَبُو شَامَةَ (١) .
وَفِيْهَا: وَقعَتِ الهدنَةُ بَيْنَ العَادلِ وَبَيْنَ الفِرَنْجِ، بَعْدَ أَنْ عَاثُوا وَأَغَارُوا عَلَى حِمْصَ وَعَلَى حَمَاةَ، وَلَوْلاَ ثَبَاتُ المَنْصُوْرِ لرَاحَتْ حَمَاةُ، ثُمَّ أَغَارُوا عَلَى جبلَةَ وَاللاَّذِقِيَّةَ، وَاسْتضرُّوا، وَكَانَ العَادلُ قَدْ مَضَى إِلَى مِصْرَ، فَخَافَ وَأَهَمَّهُ أَمرُ العَدُوِّ، ثُمَّ عَملَ هِمَّةً، وَأَقْبَلَ فِي سَنَةِ ثَلاَثٍ وَسِتِّ مائَةٍ، فَحَاصَرَ عَكَّا مُدَّةً، فَصَالَحُوْهُ، فَلَمْ يَغْتَرَّ، وَطلبَ العَسْكَرَ مِنَ النَّوَاحِي، وَأَنفقَ الأَمْوَالَ، وَعلمَ أَنَّ الفِرَنْجَ لاَ يَنَامُوْنَ، فَنَازَلَ حصنَ الأَكرَادِ، وَأَخَذَ مِنْهَا بُرْجاً، ثُمَّ نَازلَ طَرَابُلُسَ مُدَّةً، فَملَّ جندُهُ، وَخضعَ لَهُ ملكُ طَرَابُلُسَ، وَسَيّرَ لَهُ تُحَفاً وَثَلاَثَ مائَةِ أَسيرٍ وَصَالح.
وَاستضرَّتِ الكُرْجُ، وَعَاثُوا بِأَذْرَبِيْجَانَ، وَقتلُوا خَلْقاً، وَعظُمَ البَلاَءُ، فَالتقَاهُم صَاحِبُ خِلاَطٍ وَنجدَةُ مِنَ الرُّومِيِّينَ، فَنَصْرَ اللهُ، وَقُتِلَ طَاغِيَةُ الكُرْجِ.
وَفِي سَنَةِ ٦٠٢: وَزَرَ النَّصِيْر بن مَهْدِيٍّ العَلَوِيّ، وَركِبَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ دَوَاةٌ مُحلاَّةٌ بِأَلفِ مثقَالٍ، وَورَاءهُ المهدُ وَأَلويَةُ الحَمْدِ وَالكوسَاتُ (٢) ، وَالعَهْدُ مَنْشُوْراً، стр. 13656
وَالأُمَرَاءُ مشَاةٌ، فَعذَّبَ الوَزِيْر ابْن حديدَة، وَصَادرَهُ، فَهَرَبَ مِنْهُ، ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ مُدَّةٍ خَبَرُهُ بِمَرَاغَةَ.
وَأَغَارتِ الأَرمنُ عَلَى نوَاحِي حَلَبَ، وَكبسُوا العَسْكَرَ، وَقَتَلُوا فِيهِم، فَسَارعَ الظَّاهِرُ، وَقصدَ ابْنَ لاَون، فَفَرَّ إِلَى قلاعِهِ.
وَسَلَّمَ خُوَارِزْم شَاه بلدَ تِرْمِذَ إِلَى الخَطَا مَكِيدَةً، ليتمكَّنَ مِنْ تَملُّكِ خُرَاسَانَ.
وَفِيْهَا وُجِدَ بِإِرْبِلَ خروفٌ وَجهُهُ وَجهُ آدَمِيٍّ.
وَسَارَ صَاحِبُ الرَّيِّ إِيدغمش، فَافْتَتَحَ خَمْسَ قلاعٍ لِلإسْمَاعِيليَّةِ، وَصمَّمَ عَلَى أَخْذِ ألموتَ، وَاسْتِئصَالهُم، وَكَانَتْ خُرَاسَانُ تَموجُ بِالحُرُوْبِ.
وفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ: قصدَ خوَارم شَاه الخَطَا فِي جَيْشٍ عَظِيْمٍ، فَالتَقَوا، وَتَمَّتْ بَيْنهُم مصَافَّاتٌ، ثُمَّ وَقعَتِ الهَزِيْمَةُ عَلَى المُسْلِمِيْنَ، وَقُتِلَ خَلْقٌ، وَأُسِرَ السُّلْطَانُ وَأَمِيْرٌ مِنْ أُمَرَائِهِ، فَأَظهرَ أَنَّهُ مَمْلُوْكٌ لِلأَمِيْرِ، فَبقِي الَّذِي أَسَرَهُمَا يَحترمُ الأَمِيْرَ.
فَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ تُقَرِّرَ عليَّ مَالاً، وَأَبعثُ مَمْلُوْكِي هَذَا حَتَّى يَحضرُ المَالُ، فَانخدعَ الخطائِيُّ، وَسيَّبَ المَمْلُوْكَ، وَمَعَهُ مَنْ يَخْفُرُهُ وَيَحفظُهُ إِلَى خُوَارِزْم، فَنجَا السُّلْطَانُ، وَتَمَّتِ الحيلَةُ، وَزُيِّنَتِ البِلاَدُ.
ثُمَّ قَالَ الخطائِيُّ لذَاكَ الأَمِيْرِ: قَدْ عُدِمَ سُلْطَانُكُم.
قَالَ: أَومَا تَعرفُهُ؟
قَالَ: لاَ.
قَالَ: هُوَ مَمْلُوْكِي الَّذِي رَاحَ.
قَالَ الخطائِيُّ: فَسِرْ بِنَا إِلَى خِدْمَتِهِ، وَهلاَّ عَرَّفْتَنِي حَتَّى كُنْتُ أَخدمُهُ (١) !؟ وَكَانَ خُوَارِزْم شَاه مُحَمَّد قَدْ عَظُمَ جِدّاً، وَدَانَتْ لَهُ الأُمَمُ، وَتحتَ يَدِهِ مُلُوْكٌ وَأَقَالِيمُ. стр. 13657
وَفِي سَنَةِ ٦٠٥: كَانَتِ الزَّلْزَلَةُ العُظْمَى بِنَيْسَابُوْرَ، دَامت عَشْرَةُ أَيَّامٍ، وَمَاتَ الخلقُ تَحْتَ الرَّدْمِ.
وَفِي سَنَةِ ٦٠٦: حَاصرَ ملكُ الكُرْجِ خِلاَط، وَكَادَ أَنْ يَأْخذَهَا، وَبِهَا الأَوحدُ ابْنُ الملكِ العَادلِ، فَقَالَ لإِيوَاي (١) الملكِ منجِّمُهُ: مَا تَبِيْتُ اللَّيْلَةَ إِلاَّ فِي قَلْعَةِ خِلاَط، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ سَكِرَ وَحَمَلَ فِي جَيْشِهِ، وَخَرَجَ المُسْلِمُوْنَ، وَالْتَحَمَ الحَرْبُ، وَقُتِلَ خَلْقٌ، وَأُسِرَ إِيوَاي، فَمَا بَاتَ إِلاَّ فِي القَلْعَةِ، وَنَازلَتِ الكُرْجُ أَرْجَيْش (٢) ، وَافْتَتَحوهَا بِالسَّيْفِ.
وَكَانَ العَادلُ رُبَّمَا تركَ الجِهَادَ، وَقَاتَلَ عَلَى الدُّنْيَا، فَحَاصَرَ سِنْجَارَ مُدَّةً.
وَقَالَ ابْنُ الأَثِيْرِ (٣) : سَارَ خُوَارِزْم شَاه، فَعبَرَ جَيْحُونَ بجيوشِهِ، فَالتقَاهُ طَاينكو طَاغِيَةُ الخَطَا، فَانْهَزَمَتِ الخَطَا، وَأُسِرَ ملكُهُم، وَأَتَى بِهِ خُوَارِزْمشَاه، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى خُوَارِزْم، وَعصَى صَاحِبُ سَمَرْقَنْدَ عَلَى حَمُوْهُ (٤) خُوَارِزْمشَاه، وَظلمَ وَتَمرَّدَ، وَقَتَلَ مَنْ عِنْدَهِ مِنَ العَسْكَرِ الخُوَارِزْمِيَّةِ، فَنَازلَهُ خُوَارِزْم شَاه، وَأَخَذَ مِنْهُ سَمَرْقَنْدَ، وَبَذَلَ فِيْهَا السَّيْفَ، فَيُقَالُ: قتلَ بِهَا مائَتَا أَلف مُسْلِمٍ، ثُمَّ زَحَفَ عَلَى القَلْعَةِ، وَأَسَرَ ملكَهَا، فَذبَحَهُ.
وَفِي (٥) هَذَا الوَقْتِ أَوَّلُ مَا سُمِعَ بذِكْرِ التَّتَارِ، فَخَرَجُوا مِنْ أَرَاضيهِم بَادِيَةِ الصِّينِ، وَرَاءَ بلاَدِ تُرْكُستَانَ، فَحَاربُوا الخَطَا مَرَّاتٍ، وَقووا بِكسرَةِ خُوَارِزْم стр. 13658
شَاه لِلْخَطَا، وَعَاثُوا، وَكَانَ رَأْسُهُم يُدعَى كشلو خَان (١) ، فَكَتَبَ ملكُ الخَطَا إِلَى خُوَارِزْمشَاه: مَا جَرَى بَيْنَنَا مغفورٌ، فَقَدْ أَتَانَا عدوٌّ صعبٌ، فَإِنْ نُصِرُوا عَلَيْنَا، فَلاَ دَافع لَهُم عَنْكَ، وَالمصلحَةُ أَنْ تُنْجِدَنَا، فَكَتَبَ: هَا أَنَا قَادِمٌ لنصرتِكُم، وَكَاتَبَ كشلوخَان: إِنَّنِي قَادِمٌ وَأَنَا مَعَكَ عَلَى الخَطَا، فَكَانَ بِئسَ الرَّأْي، فَأَقْبَلَ وَالتَقَى الجمعَانِ، وَنَزَلَ خُوَارِزْم شَاه بِإِزَائِهِمَا، يُوهِمُ كُلاًّ مِنَ الفرقَيْنِ أَنَّهُ مَعَهُ، وَأَنَّهُ كَمِينٌ لَهُ، فَوَقَعتِ الكَسْرَةُ عَلَى الخَطَا، فَمَالَ خُوَارِزْم شَاه حِيْنَئِذٍ مُعِيناً لَكشلوخَان، وَاسْتَحَرَّ القتلُ بِالخَطَا، وَلجؤُوا إِلَى رُؤُوْسِ الجِبَالِ، وَانضمَّ مِنْهُم خلقٌ إِلَى خُوَارِزْم شَاه، وَخضعَ لَهُ كشلوخَان، وَقَالَ: نَتقَاسمُ مَمْلَكَةَ الخَطَا.
فَقَالَ خُوَارِزْم شَاه: بَلِ البِلاَدُ لِي، وَسَارَ لِحَرْبِهِ، ثُمَّ تَبيَّن لَهُ قوَّةَ التَّتَارِ، فَأَخَذَ يُرَاوِغُهُم وَيَكبِسُهُم، فَبَعَثَ إِلَيْهِ كشلو: مَاذَا فِعلُ ملكٍ، ذَا فِعْلُ اللُّصُوصِ، فَإِنْ كُنْتَ ملِكاً فَاعملْ مصَافّاً (٢) .
فَلَمْ يُجِبْهُ، وَأَمرَ أَهْلَ فَرغَانَةَ وَالشَّاشَ وَمَدَائِنَ التُّرْكِ بِالجفلِ إِلَى بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ، وَخرَّبَ المَدَائِنَ وَدحَاهَا عجزاً عَنْ حَفِظِهَا مِنْهُم.
ثُمَّ خَرَجَ عَلَى كشلوخَان الطَّاغِيَةُ جِنْكِزْ خَان، فَتحَاربُوا مُدَّةً، وَظَفِرَ جِنْكِزْ خَان، وَطغَى وَتَمرَّدَ، وَأَبَاد البِلاَدَ وَالعِبَادَ، وَأَخَذَ أَقَالِيمَ الخَطَا، وَجَعَلَ خَان بِالق دَارَ مُلْكِهِ، وَأَفنَى الأُمَمَ بِإِقْلِيْمِ التُّرْكِ، وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَخُرَاسَانَ، وَهَزَمَ الجُيُوْشَ.
وَمَا جَرَى لَهُ فَسِيرَةٌ مُفْرَدَةٌ، وَقَدْ جَوَّدَ وَصفَهُم المُوَفَّقُ البَغْدَادِيُّ، فَقَالَ: стр. 13659
حَدِيْثُهُم حَدِيْثٌ يَأْكُلُ الأَحَادِيْثَ، وَخبرٌ يُنسِي التَّوَارِيخَ، وَنَازلَةٌ تُطْبِقُ الأَرْضَ، هَذِهِ أُمَّةٌ لغتُهَا مَشوبَةٌ بلُغَةِ الهِنْدِ لمُجَاوِرتِهِم، عِرَاضُ الوُجُوهِ، وَاسِعُو الصُّدُوْرِ، خفَافُ الأَعجَازِ، صِغَارُ الأَطرَافِ، سُمْرٌ، سرِيعُو الحركَةِ، تَصلُ إِلَيْهِم أَخْبَارُ الأُمَمِ، وَلاَ تَصلُ أَخْبَارُهَا إِلَيْهِم، وَقَلَّمَا يَقدِرُ جَاسوسٌ أَنْ يَتمكَّنَ مِنْهُم؛ لأَنَّ الغَرِيْبَ لاَ يُشْبِهُهُم، وَإِذَا أَرَادُوا وجهَةً كتمُوا أَمرَهُم، وَنهضُوا دَفْعَةً، فَتنسدُّ لِهَذَا عَلَى النَّاسِ وُجُوهُ الحِيَلِ، وَتضيقُ طُرُقُ الهربِ، وَيسبقُوْنَ التَأَهُّبَ، نِسَاؤهُم يقَاتِلْنَ، يَقتلُوْنَ النِّسَاءَ وَالوِلدَانَ بِغَيْرِ اسْتثنَاءٍ، وَرُبَّمَا أَبقَوا ذَا صنعَةٍ، أَوْ ذَا قُوَّةٍ، وَغَالِبُ سلاَحِهِم النُّشَّابُ، وَيطعنُوْنَ بِالسُّيوفِ أَكْثَرَ مِمَّا يَضربُوْنَ بِهَا، جَوَاشنُهُم مِنْ جُلُودٍ، وَخيلُهُم تَأْكلُ الكلأَ وَمَا تَجدُ مِنْ وَرقٍ وَخشَبٍ، وَسُرُوجُهُم صِغَارٌ، لَيْسَ لَهَا قيمَةٌ، وَأَكلُهُم أَيُّ حيوَانٍ وُجِدَ، وَتَمَسُّهُ النَّارُ تَحِلَّةَ القسمِ، لَيْسَ فِي قتلِهِم اسْتثنَاءٌ، كَانَ قصدُهُم إِفنَاءُ النَّوعِ، مَا سَلِمَ مِنْهُم إِلاَّ غَزْنَةَ وَأَصْبَهَانَ.
قُلْتُ: ثُمَّ اسْتبَاحُوا أَصْبَهَانَ سَنَة ٦٣٢.
قَالَ: وَهَذِهِ القبيلَةُ الخبيثَةُ تُعْرَفُ بِالتّمرجِيِّ، سُكانَ برَارِي قَاطع الصَّينِ، وَمَشتَاهُم بِأَرغونَ، وَهُم مَشْهُوْرُوْنَ بِالشَّرِّ وَالغَدْرِ، وَالصِّينُ مُتَّسِعٌ، وَهُوَ سِتُّ مَمَالِكَ، قَانُهُمُ الأَكْبَرُ مُقِيْمٌ بطمغَاج، وَكَانَ سُلْطَانُ أَحَدِ المَمَالِكِ السِّتِّ دوش خَان، زوجَ عمَّةِ جِنْكِزْ خَان، فَزَارَ جِنْكِزْ خَان عَمَّتَهُ إِذْ مَاتَ زوجُهَا وَمَعَهُ كشلوخَان.
فَقَالَتْ: زوجِي مَا خلَّفَ ابْناً، فَأَرَى أَنْ تَقُوْمَ مقَامَهُ، فَقَامَ جِنْكِزْ خَان وَنفذَ تُحَفاً إِلَى القَانِ الكَبِيْرِ، فَتنمَّرَ وَأَنِفَ منْ تَملّكِ تَترِيٍّ (١) ، فَتعَاقدَ جِنْكِزْ خَان وَكشلوخَان عَلَى التَّنَاصُرِ، وَأَبدوا الخلاَفَ، وَكثُرَ стр. 13660
جمعُهُم، فَالتَقَوا، فَطحنُوا عَسَاكِرَ البِلاَدِ، وَعلمَ القَانُ قوَّتَهُم، فَأَرْسَلَ يُخَوِّفُهُم، ثُمَّ التقَوْهُ، فَكسرُوهُ أَقبحَ كَسْرَة، وَنجَا القَانُ بِنَفْسِهِ، وَاسْتَوْلَى جِنْكِزْ خَان عَلَى بلاَدِهِ، فَرَاسلَهُ القَانُ بِالمسَالَمَةِ، وَقنعَ بِمَا بَقِيَ فِي يَدِهِ، وَسَارَا إِلَى سَاقُوْنَ مِنَ الصِّيْنِ، فَملكَاهَا، ثُمَّ مَاتَ كشلوخَان، فَقَامَ بَعْدَهُ وَلدُهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَعَ جِنْكِزْ خَان كَبِيْر أَمرٍ، فَتَأَلَّمَ وَافترقَا، وَتحَاربَا، فَظَفِرَ جِنْكِزْ خَان بِهِ، وَانْفَرَدَ، وَدَانَتْ لَهُ قبَائِلُ المغولِ، وَوَضَعَ لَهُم يَاسَةً (١) يَتمسَّكُوْنَ بِهَا، لاَ يُخَالِفونَهَا أَلبتَةَ، وَتعبَّدُوا بطَاعتِهِ وَتعَظِيْمِهِ، ثُمَّ أَوَّلُ مَصَافٍّ وَقَعَ بَيْنَ خُوَارِزْم شَاه وَبَيْنَ التَّتَارِ كَانَ قَائِدُهُم وَلدُ جِنْكِزْ خَان دوشِي خَان، فَانْهَزَمَ دوشِي خَان، وَرجعَ خُوَارِزْم شَاه مِنْ بلاَدِ التُّرْكِ فِي هَمٍّ وَفِكْرٍ مِنْ هَذَا العَدُوِّ لما رَأَى مِنْ كثرَتِهِم وَإِقدَامِهِم وَشَجَاعَتِهِم.
وَفِي سَنَةِ ٦٠٧: اتَّفَقتِ المُلُوْكُ عَلَى العَادلِ، سُلْطَانُ الرُّوْمِ وَصَاحِبُ المَوْصِلِ وَالظَّاهِرُ وَمَلِكُ الجَزِيْرَةِ وَصَاحِبُ إِرْبِلَ، وَعزمُوا عَلَى إِقَامَةِ الخطبَةِ بِالسَّلطنَةِ لِصَاحِبِ الرُّوْمِ خسروشاه بنِ قِلْج أَرْسَلاَن، وَحَسَّنُوا لِلْكُرجِ قصد خِلاَط، فَلَمَّا أُسِرَ مُقَدِّمُهُم تَفرَّقَتِ الآرَاءُ، وَصَالحُوا العَادلَ، وَافتكَّ إِيوَائِي نَفْسَهُ بِأَلْفَي أَسِيْرٍ وَثَمَانِيْنَ أَلْفَ دِيْنَارٍ وَعِشْرِيْنَ قَلْعَةٍ كَانَ تغلَّبَ عَلَيْهَا، وَأَنَّ يُزَوِّجَ الملكَ الأَوحدَ بِابْنتِهِ، فَعَاد إِلَى مُلْكِهِ، وَسومِحَ بِبَعْضِ مَا التزَمَهُ، وَلَمَّا تَملَّكَ الأَشْرَفُ خِلاَط، تَزَوَّجَ بِابْنَةِ إِيوَائِي، وَتَزَوَّجَ صَاحِبُ المَوْصِلِ بِبنتِ العَادلِ، فَمَاتَ قَبْلَ وُصُوْلِهَا إِلَيْهِ (٢) .
وَنقصَتْ دِجْلَةَ إِلَى الغَايَةِ حَتَّى خَاضَهَا النَّاسُ فَوْقَ بَغْدَادَ.
سَنَة ٦٠٨: فِيْهَا اسْتبَاحَ رَكْبَ العِرَاقِ قَتَادَةُ صَاحِبُ مَكَّةَ، وَقُتِلَ عِدَّةٌ، стр. 13661
وَخَرَجَ خلقٌ، فَيُقَالُ: ذهبَ لِلوفْدِ مَا قيمتُهُ أَلْفَا أَلفِ دِيْنَارٍ، وَزُفَّتْ بِنْتُ العَادلِ ضَيْفَةً إِلَى صَاحِبِ حَلَبَ الظَّاهِرِ، تَزَوَّجَهَا عَلَى خَمْسِيْنَ أَلْفِ دِيْنَارٍ، وَنفّذَ جهَازَهَا عَلَى ثَلاَثِ مائَةِ جَمَلٍ وَخَمْسِيْنَ بَغْلاً وَخَمْسُوْنَ جَارِيَةً، وَخلَعَ عَلَيْهَا الزَّوْجُ جَوَاهرَ بِثَلاَثِ مائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
وَتَمَلَّكَ أَلبَانُ صَاحِبُ عَكَّا أَنطَاكيَةَ، فَشنَّ الغَارَاتِ عَلَى التُّرُكْمَانِ، وَهجمَ عَلَى بُورَةَ (١) مِنْ إِقْلِيْمِ مِصْرَ، فَاسْتبَاحهَا، فَبَيَّتَهُ التُّرُكْمَانُ وَقتلُوْهُ، وَقتلُوا فُرْسَانَهُ.
وَفِي سَنَةِ ٦٠٩: المَلْحَمَةُ الكُبْرَى بِالأَنْدَلُسِ، وَتُعْرَفُ بوقعَةِ العُقَابِ بَيْنَ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بنِ يَعْقُوْبَ المُؤْمِنِيِّ، وَبَيْنَ الفِرَنْجِ، فَنَزَلَ النَّصْرُ، لَكِنِ اسْتُشْهِدَ خَلْقٌ كَثِيْرٌ.
سَنَة عشر: قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَفِيْهَا خلصَ خُوَارِزْم شَاه مِنَ الأَسرِ، خطرَ لَهُ أَنْ يَكشِفَ التَّتَارَ بِنَفْسِهِ، فَدَخَلَ فِيهِم هُوَ وَثَلاَثَةٌ بِزِيِّهِم، فَقبضُوا عَلَيْهِم، فَضربُوا اثْنَيْنِ فَمَاتَا تَحْتَ العَذَابِ، وَرَسَمُوا عَلَى خُوَارِزْم شَاه وَآخرَ فَهَرَبا فِي اللَّيْلِ (٢) .
وَقتلَتِ التُّرُكْمَانُ إِيدغمش صَاحِبَ الرَّيِّ وَهَمَذَانَ، فَتَأَلَّمَ الخَلِيْفَةُ، وَتَمَكَّنَ منْكلِي وَعظم.
فِي سَنَةِ ٦١١: تَملَّكَ خُوَارِزْم شَاه كِرْمَانَ وَمُكْرَانَ وَالسِّنْدَ، وَخَطَبَ لَهُ بِهُرْمُزَ وَهلوَات، وَكَانَ يصيفُ بِسَمَرْقَنْدَ، وَإِذَا قصدَ بَلَداً سبقَ خَبَرُهُ. стр. 13662
وَفِي سَنَةِ ٦١٢: أَغَارتِ الكُرْجُ عَلَى أَذْرَبِيْجَانَ، وَغَنِمُوا الأَمْوَالَ، وَأَزْيَدَ مِنْ مائَةِ أَلْفِ أَسِيْرٍ، قَالَهُ أَبُو شَامَةَ (١) .
وَبَعَثَ الملكُ الكَامِلُ وَلَدَهُ المَسْعُوْدَ، فَأَخَذَ اليَمَنَ بِلاَ كُلْفَةٍ وَظَلَمَ وَعَتَا وَتَمرَّدَ.
وَتَوثَّبَ خُوَارِزْم شَاه عَلَى غَزْنَةَ، فَتَمَلَّكهَا، وَجَعَلَ بِهَا وَلدَهُ جَلاَلَ الدِّيْنِ منْكُوبرِي.
وَهَزَمَ صَاحِبُ الرُّوْمِ كيكَاوس الفِرَنْجَ، وَأَخَذَ مِنْهُم أَنطَاكيَةَ، ثُمَّ صَارَت لِبِرِنْسَ طَرَابُلُسَ.
وَفِيْهَا: كُسِرَ مُنْكلِي صَاحِبُ أَصْبَهَانَ وَالرَّيِّ وَهَمَذَانَ وَقُتِلَ.
وَفِي سَنَةِ ٦١٣: أُحْضِرَتْ أَرْبَعَةُ أَوتَارٍ (٢) لِنَسْرِ القُبَّةِ (٣) ، طُولُ اثْنَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ ذَرَاعاً، أُدْخِلَتْ مِنْ بَابِ الفَرَجِ (٤) إِلَى بَابِ النَّاطِفِيِّينَ، وَأُقِيمَتْ لأَجْلِ القرنَة، ثُمَّ مُدِّدَتْ.
وَحُرِّرَ خَنْدَقُ القَلْعَةِ (٥) ، وَعَمِلَ فِيْهِ كُلُّ أَحَدٍ، وَالفُقَهَاءُ وَالصُّوْفِيَّةُ. وَالمُعَظَّمُ بِنَفْسِهِ، وَأُنشِئَ المُصلَّى، وَعُمِلَ بِهِ الخَطْبَةُ.
وَوَقَعَ بِالبَصْرَةِ بَرَدٌ صِغَارُهُ كَالنَّارِنْجِ.
وَفِي سَنَةِ ٦١٤: كَانَ الغَرقُ.
قَالَ سِبْطُ الجَوْزِيِّ (٦) - بِقِلَّةِ وَرَعٍ -: стр. 13663
فَانهدمَتْ بَغْدَادُ بِأَسْرِهَا، وَلَمْ يَبْقَ أَنْ يَطفحَ المَاءُ عَلَى رَأْسِ السُّوْرِ إِلاَّ قَدرَ إِصبعينِ ... ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَبَقِيَتْ بَغْدَادُ مِنَ الجَانِبَينِ تُلُوْلاً لاَ أَثرَ لَهَا.
قُلْتُ: العجبُ مِنْ أَبِي شَامَةَ (١) يَنقلُ أَيْضاً هَذَا وَلاَ يُبَالِي بِمَا يَقُوْلُ.
وَقَالَ أَبُو المُظَفَّرِ (٢) : نَزلَ خُوَارِزْم شَاه فِي أَرْبَعِ مائَةِ أَلْفٍ قَاصداً بَغْدَادَ، فَاسْتعدَّ النَّاصِرُ، وَفرَّقَ الأَمْوَالَ وَالعُدَدَ، وَنفَّذَ إِلَيْهِ رَسُوْلاً السُّهْرَوَرْدِيَّ (٣) ، فَأَهَانَهُ، فَاسْتوقفَهُ وَلَمْ يُجْلِسْهُ، وَفِي الخِدْمَةِ مُلُوْكُ العجمِ.
قَالَ: وَهُوَ شَابٌّ عَلَى تَخْتٍ، وَعَلَيْهِ قبَاءٌ يُسَاوِي خَمْسَةَ درَاهِم، وَعَلى رَأْسِهِ قُبعُ جلدٍ يُسَاوِي دِرْهَماً، فَسَلَّمْتُ فَمَا ردَّ، فَخطبْتُ وَذكَّرْتُ فَضلَ بَنِي العَبَّاسِ، وَعَظَّمْتُ الخَلِيْفَةَ، وَالتَّرْجَمَانُ يُعيدُ عَلَيْهِ.
فَقَالَ لِلتَّرْجَمَانِ: قُلْ هَذَا الَّذِي يَصفُهُ: مَا هُوَ فِي بَغْدَادَ، بَلَى أَنَا أُقيمُ خَلِيْفَةً كَمَا تَصِفُ، وَرَدّنَا بِلاَ جَوَابٍ، وَنَزَلَ ثَلجٌ عَظِيْمٌ، فَهلكَتْ خَيْلُهُم وَجَاعُوا، وَكَانَ مَعَهُ سَبْعُوْنَ أَلْفاً مِنَ الخَطَا، فَصرَفَهُ اللهُ عَنْ بَغْدَادَ.
وَقِيْلَ: إِنَّهُ قَالَ: أَنَا مَنْ (٤) آذِيتُ أَحَداً مِنْ بَنِي العَبَّاسِ؟ بَلْ فِي جَيْشِ الخَلِيْفَةِ خَلْقٌ مِنْهُم، فَأَعِدْ هَذَا عَلَى مَسَامِعِ الخَلِيْفَةِ، وَمَنَعَهُ اللهُ بثلوجٍ لاَ تُوصَفُ.
وَفِيْهَا: أَقْبَلتْ جُيوشُ الفِرَنْجِ لِقَصدِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَالأَخْذِ بِالثَّأْرِ، وَوصلُوا إِلَى بَيْسَانَ، وَتَأَخَّرَ العَادلُ فَتَبِعُوْهُ، وَنَزَلَ بِمرْجِ الصُّفَّرِ (٥) ، وَاسْتحثَّ العَسَاكِرَ وَالمُلُوْكَ، وَضَجَّ الخَلْقُ بِالدُّعَاءِ، وَكَانَتْ هُدنَةٌ، فَانْفسخَتْ وَنَهَبَتِ الفِرَنْجُ بلاَدَ стр. 13664
الشَّامِ، وَوصلُوا إِلَى الخربَةِ (١) ، وَحَاصرُوا قَلْعَةَ الطُّورِ الَّتِي بنَاهَا المُعَظَّمُ مُدَّةً، وَعَجَزُوا عَنْهَا، وَرَجَعُوا، فَجَاءَ المُعَظَّم، وَخَلَعَ عَلَى مَنْ بِهَا، ثُمَّ اتَّفَقَ هُوَ وَأَبُوْهُ عَلَى هَدْمِهَا، وَأَخَذَتْ خَمْسُ مائَةٍ مِنَ الفِرَنْجِ جِزِّينَ، وَفَرَّ رِجَالُهَا فِي الجبلِ، ثُمَّ بَيَّتُوا الفِرَنْجَ، فَاسْتَحَرَّ بِهِمُ القتلُ، حَتَّى مَا نَجَا مِنَ الفِرَنْجِ سِوَى ثَلاَثَةٌ.
وَبَادَرَتِ الفِرَنْجُ إِلَى قَصْدِ مِصْرَ لِخُلُوِّهَا مِنَ العَسَاكِرِ، وَأَشرفَ النَّاسُ عَلَى التَّلَفِ، وَمَا جَسَرَ العَادلُ عَلَى المُلْتَقَى لِقِلَّةِ مَنْ عِنْدَهِ مِنَ العَسَاكِرِ، فَتَقَهْقَرَ.
وَدَخَلتْ سَنَةُ ٦١٥: فَنَازَلَتِ الفِرَنْجُ دِمْيَاطَ، وَأَقْبَلَ الكَامِلُ ليكشِفَ عَنْهَا، فَدَامَ الحصَارُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَمَاتَ العَادلُ، وَخلصَ وَاسْترَاحَ.
وَفِيْهَا: كَسَرَ الأَشْرَفُ صَاحِبَ الرُّوْمِ، ثُمَّ أَقْبَلَ وَأَخَذَ مَعَهُ عَسْكَرَ حَلَبَ مُغِيراً عَلَى سوَاحلِ الفِرَنْجِ.
وَأَخَذتِ الفِرَنْجُ بُرْجَ السِّلْسِلَةِ مِنْ دِمْيَاطَ، وَهُوَ قُفْلٌ عَلَى مِصْرَ؛ بُرجٌ عَظِيْمٌ فِي وَسطِ النِّيلِ، فَدِمْيَاطُ بحذَائِهِ، وَالجِيْزَةُ مِنَ الحَافَّةِ الغربيَّةِ، وَفِيْهِ سِلْسِلَتَانِ، تَمتَدُّ كُلُّ وَاحِدَةٍ عَلَى وَجْهِ النِّيلِ إِلَى سُورِ دِمْيَاطَ، وَإِلَى الجِيْزَةِ، يَمنعَانِ مَرْكَباً يَدخلُ مِنَ البَحْرِ فِي النِّيلِ، وَعَدَتِ الفِرَنْجُ إِلَى بَرِّ دِمْيَاطَ، فَفَرَّ العَسَاكِرُ مِنَ الخِيَامِ، فَطَمِعَ العَدُوُّ، ثُمَّ كَرَّ عَلَيْهِمُ الكَامِلُ، فَطَحَنَهُم، فَعَادُوا إِلَى دِمْيَاطَ.
وَمَاتَ كِيكَاوسُ صَاحِبُ الرُّوْمِ، وَكَانَ جَبَّاراً ظَلُوْماً.
وَمَاتَ القَاهِرُ مَسْعُوْدٌ صَاحِبُ المَوْصِلِ.
وَرجعَ مِنْ بلاَدِ بُخَارَى خُوَارِزْم شَاه إِلَى نَيْسَابُوْرَ، وَقَدْ بلغَهُ أَنَّ التَّتَارَ стр. 13665
قَاصِدُوْهُ، وَجَاءهُ رَسُوْلُ جِنْكِزْ خَان يَطلبُ الهدنَةَ يَقُوْلُ: إِنَّ القَانَ الأَعْظَمَ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ وَيَقُوْلُ: مَا يَخفَى عليَّ عِظَمُ سُلْطَانِكَ، وَأَنْت كَأَعزِّ أَوْلاَدِي، وَأَنَا بيدِي مَمَالِكُ الصِّيْنِ، فَاعقِدْ بَيْنَنَا المَوَدَّةَ، وَتَأَذَّنْ لِلتُّجَّارِ، وَتنْعَمِرُ البِلاَدُ.
فَقَالَ السُّلْطَانُ لِمَحْمُوْدٍ الخُوَارِزْمِيِّ الرَّسُولِ: أَنْتَ مِنَّا وَإِلَينَا.
وَأَعْطَاهُ جَوَاهرَ، وَطلبَ أَنْ يَكُوْنَ مُنَاصحاً لَهُ، فَأَجَابَهُ، فَقَالَ: اصدُقْنِي، تَملَّكَ جِنْكِزْ خَان طمغَاجَ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَمَا المصلحَةُ؟
قَالَ: الصُّلحُ.
فَأَجَابَ، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ جِنْكِزْ خَان، وَمَشَى الحَالُ.
ثُمَّ جَاءَ مِنْ جِهَةِ التَّتَارِ تُجَّارٌ، فَشَرِهَتْ نَفْسُ خَالِ السُّلْطَانِ مُتَوَلِّي مَا وَرَاءَ النَّهْرِ إِلَى أَخْذِ أَمْوَالِهِم، وَقبضَ عَلَيْهِم، وَظنَّهُم جَوَاسيسَ لِلتَّتَارِ، فَجَاءَ رَسُوْلُ جِنْكِزْخَانَ يَقُوْلُ:
إِنَّك أَمَّنْتَ تُجَّارَنَا، وَالغَدْرُ قَبِيحٌ، فَإِنْ قُلْتَ: فَعلَهُ خَالِي، فَسلِّمْهُ إِلَيْنَا، وَإِلاَّ سَترَى مِنِّي مَا تَعرِفُنِي بِهِ.
فَحَارَتْ نَفْسُ خُوَارِزْم شَاه، وَتَجَلَّدَ، وَأَمرَ بِقَتْلِ الرُّسُلِ - فَيَا بِئسَ مَا صَنَعَ - وَحصَّنَ سَمَرْقَنْدَ، وَشحنهَا بِالمُقَاتِلَةِ، فَمَا نَفعَ، وَقُضِيَ الأَمْرُ.
وَدَخَلتْ سَنَةُ ٦١٦: فَتقهقَرَ خُوَارِزْم شَاه، وَأَقْبَلتِ المُغْلُ كَاللَّيْلِ المُظْلِمِ، وَمَا زَالَ أَمرُ خُوَارِزْم شَاه فِي إِدبارٍ، وَسعدُهُ فِي سَفَالٍ، وَمُلْكُهُ فِي زوَالٍ، وَهُوَ فِي تَقهقُرٍ وَاندفَاعٍ، إِلَى أَنْ قَارَبَ هَمَذَانَ، وَتَفرَّقَ عَنْهُ جَمْعُهُ حَتَّى بَقِيَ فِي عِشْرِيْنَ أَلْفاً، فَمَا بَلَعَ رِيقَهُ إِلاَّ وَطلاَئِعُ المُغْلِ قَدْ أَظلَّتْهُ وَأَحَدقُوا بِهِ، فَنجَا بِنَفْسِهِ، وَاسْتَحَرَّ القتلُ بِجُندِهِ، وَفَرَّ إِلَى الجبلِ، ثُمَّ إِلَى مَازَندرَان، وَنَزَلَ بِمسجدٍ عَلَى حَافَّةِ البَحْرِ يُصَلِّي بِجَمَاعَةٍ، وَيَتلُو وَيَبْكِي، ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ كَبَسَهُ العَدُوُّ، فَهَرَبَ فِي مَرْكبٍ صَغِيْرٍ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ نَشَّابُهُم، وَخَاضَ وَرَاءهُ طَائِفَةٌ، فَبقِيَ فِي لُجَّةٍ، وَمَرِضَ بِذَاتِ الجَنْبِ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! مَا بَقِيَ لَنَا مِنْ مَمْلَكَتِنَا قدرَ ذِرَاعَينِ نُدْفَنُ فِيْهَا.
فَوَصَلَ إِلَى جَزِيْرَةٍ، فَأَقَامَ بِهَا طرِيْداً وَحيداً مجهوداً، وَمَاتَ، فَكَفَّنَهُ فَرَّاشُهُ فِي عِمَامَتِهِ سَنَة سَبْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّ مائَةٍ.
стр. 13666
وَفِي أَوَّلِ سَنَةِ ٦١٦: خرَّبَ أَسوَارَ القُدْسِ المُعَظَّم خَوْفاً مِنْ تَملُّكِ الفِرَنْجِ، وَهجَّ النَّاسُ مِنْهُ عَلَى وُجُوْهِهِم، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ أَحصنَ مَا يَكُوْنُ وَأَعمرَهُ، وَذَاكَ لأَنَّه كَانَ فِي نَجدَةِ أَخِيْهِ عَلَى دِمْيَاطَ، وَسَمِعَ أَنَّ الفِرَنْجَ عَلَى قصْدِهِ، وَكَانَ بِهِ أَخُوْهُ الملكُ العَزِيْزُ وَعزُّ الدِّينِ أَيْبَكُ صَاحِبُ صَرْخَدَ، فَشرعُوا فِي هَدْمِهِ، وَتَمَزَّقَ أَهْلُهُ، وَتعثَّرُوا، وَنَهَبُوا، وَبِيْعَ رَطْلُ النُّحَاسِ بنِصْفٍ، وَالزَّيْتُ عَشْرَةُ أَرطَالٍ بِدِرْهَمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الأَثِيْرِ (١) : لَمَّا أَخذَتِ الفِرَنْجُ برجُ السِّلْسِلَةِ، عَمِلَ الكَامِلُ عَلَى النِّيلِ جِسْراً عَظِيْماً، فَالتحَمَ القِتَالُ حَتَّى قطعَتْهُ الفِرَنْجُ، فَعمدَ الكَامِلُ إِلَى عِدَّةِ مَرَاكِبَ، وَملأَهَا حجَارَةً وَغَرَّقَهَا فِي المَاءِ ليمنَعَ مَرْكَباً مِنْ سُلُوْكٍ، فَحَفَرَتِ الفِرَنْجُ خَلِيْجاً وَأَخَّرُوهُ، وَأَدخلُوا مَرَاكِبَهُم مِنْهُ، حَتَّى دَخَلُوا بُورَةً، وَحَاذَوُا الكَامِلَ، وَقَاتَلُوْهُ مَرَّاتٍ فِي المَاءِ، وَلَمْ يَتغَيَّرْ عَنْ أَهْلِ دِمْيَاطَ شَيْءٌ، لأَنَّ المِيْرَةَ وَاصِلَةٌ إِلَيْهِم، وَمَاتَ العَادلُ، فَهَمَّ جَمَاعَةٌ (٢) بِتَملِيكِ الفَائِزِ بِمِصْرَ، فَبَادرَ الكَامِلُ وَأَصْبَحَ الجَيْشُ فِي خَبْطَةٍ، وَقَدْ فَقَدُوا الكَامِلَ، فَشدَّتِ الفِرَنْجُ عَلَى دِمْيَاطَ، وَأَخَذُوا بَرَّهَا بِلاَ كُلْفَةٍ، وَلَوْلاَ لُطْفُ اللهِ وَقُدومُ المُعَظَّم بَعْدَ يَوْمَيْنِ لَرَاحتْ مِصْرُ، فَفَرحَ بِهِ الكَامِلُ، وَبعثَوا عِمَادَ الدِّيْنِ أَحْمَدَ بنَ المَشْطُوْبِ الَّذِي سَعَى لِلْفَائِزِ إِلَى الشَّامِ، وَتَمَادَى حِصَارُ الفِرَنْجِ لدِمْيَاطَ، وَصَبَرَ أَهْلُهَا صَبْراً عَظِيْماً، وَقُتِلَ مِنْهُم خلقٌ، وَقَلُّوا وَجَاعُوا، فَسلَّمُوهَا بِالأَمَانِ (٣) ، فَحَصَّنَهَا العَدُوُّ، وَأَشرفَ النَّاسُ عَلَى خِطَّةٍ صَعْبَةٍ، وَهَمَّ أَهْلُ مِصْرَ بِالجلاَءِ، وَأُخِذَتْ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، وَدَامَ الكَامِلُ مُرَابِطاً إِلَى سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ (٤) ، وَأَقْبَلَ الأَشْرَفُ مُنْجِداً стр. 13667
لأَخِيهِ، وَقَوِيَ المُسْلِمُوْنَ، وَحَاربُوا الفِرَنْجَ مَرَّاتٍ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ فِي هُدنَةٍ، وَبَذَلُوا لِلْفرنجِ القُدْسَ وَعَسْقَلاَنَ وَقِلاَعاً سِوَى الكَرَكِ، فَأَبَوْا، وَطَلَبُوا ثَلاَثَ مائَةِ أَلْفِ دِيْنَارٍ عِوَضاً عَنْ تَخرِيبِ
سُورِ القُدْسِ، فَاضطرَّ المُسْلِمُوْنَ إِلَى حَرْبِهِم.
فَقَلَّتِ المِيْرَةُ عَلَى الفِرَنْجِ، فَفَجَّرَ المُسْلِمُوْنَ النِّيلَ عَلَى مَنْزِلَةِ الفِرَنْجِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُم مَسْلَكٌ غَيْرُ جهَةٍ ضَيِّقَةٍ، فَنَصَبَ الكَامِلُ الجسورَ عَلَى النِّيلِ، وَدَخَلتِ العَسَاكِرُ، فَملَكُوا المضِيْقَ، وَسُقِطَ فِي أَيدِي الفِرَنْجِ، وَجَاعُوا، فَأَحرقُوا خِيَامَهُم وَأَثقَالَهُم وَمَجَانِيْقَهُم، وَعزمُوا عَلَى الزَّحْفِ إِلَى المُسْلِمِيْنَ، فَعَجَزُوا وَذلّوا، وَعَزَّ المُسْلِمُوْنَ عَلَيْهِم، فَطَلبُوا مِنَ الكَامِلِ الأَمَانَ، وَيَتْرُكُوا لَهُ دِمْيَاطَ، فَبَيْنَمَا هُم فِي ذَلِكَ إِذَا رَهَجٌ (١) عَظِيْمٌ، وَضجَّةٌ مِنْ جِهَةِ دِمْيَاطَ، فَظنُّوهَا نَجدَةً لِلْفرنجِ جَاءت، وَإِذَا بِهِ المَلِكُ المُعَظَّمُ فِي جُندِهِ، فَخُذِلَتِ الملاعِينُ وَسَلّمُوا دِمْيَاطَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ، وَدخلَهَا المُسْلِمُوْنَ، وَقَدْ بَالَغَتِ الكِلاَبُ فِي تَحْصِينِهَا - وَللهِ الحَمْدُ -.
أَنْبَأَنِي مَسْعُوْدُ بنُ حمويَه، قَالَ: لَمَّا تَقرَّرَ الصُّلحُ، جلسَ السُّلْطَانُ فِي مُخَيَّمِهِ، عَنْ يَمِيْنِهِ المُجَاهِدُ شِيرْكُوْهُ، ثُمَّ الأَشْرَفُ، ثُمَّ المُعَظَّم، ثُمَّ صَاحِبُ حَمَاةَ، ثُمَّ الحَافِظُ صَاحِبُ جَعْبَرَ، وَمقدَّمُ عَسْكَرِ حَلَبَ، وَمقدَّمُ المَوَاصِلَةِ، وَالمَاردَانِيْنَ، وَمقدَّمُ جُنْدِ إِرْبِلَ وَمَيَّافَارِقِيْنَ، وَعَنْ شِمَالِهِ نَائِبُ البَابَا، ثُمَّ صَاحِبُ عَكَّا، ثُمَّ صَاحِبُ قُبْرصَ، وَصَاحِبُ طَرَابُلُسَ، وَصَاحِبُ صَيْدَا، ثُمَّ أَربَابُ القلاعِ، وَمقدَّمُ الدّيويَةَ، وَمقدَّمُ الإِسبتَارِ، وَكَانَ يَوْماً مَشْهُوْداً، فَأَذِنَ السُّلْطَانُ بِأَنْ يُبَاعَ عَلَيْهِم المَأْكولُ، فَكَانَ يَدخلُ إِلَيْهِم كُلَّ يَوْمٍ خَمْسُوْنَ أَلْفَ رَغِيْفٍ، وَمائتَا стр. 13668
أَردب شعير، وَكَانُوا يَبيعُوْنَ سِلاَحَهُم بِالخبزِ، وَكَانَ السُّلْطَانُ قَدْ أَنشَأَ هُنَاكَ مدينَةً سَمَّاهَا المَنْصُوْرَةَ، نَزلَهَا بِجَيْشِهِ وَسَوَّرَهَا.
وَفِي سَنَةِ ٦١٧: التقَى مُظَفَّرُ الدِّيْنِ صَاحِبُ إِرْبِلَ وَبدرُ الدِّينِ لُؤْلُؤ نَائِبُ المَوْصِلِ، فَانْهَزَمَ لُؤْلُؤٌ، وَنَازَلَ مُظَفَّرُ الدِّيْنِ المَوْصِلَ، فَنجَدَهَا الأَشْرَفُ وَاصطلحُوا.
وَفِي رَجَبٍ وَقْعَةُ البَرَلُّسِ (١) بَيْنَ الكَامِلِ وَالفِرَنْجِ، فَنَصَرَ اللهُ، وَقُتِلَ مِنَ الفِرَنْجِ عَشْرَةُ آلاَفٍ، وَانْهَزَمُوا، فَاجْتَمَعُوا بِدِمْيَاطَ.
وَفِيْهَا أَخذَتِ التَّتَارُ بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ بِالسَّيْفِ، وَعَدَوا جَيْحُونَ.
قَالَ ابْنُ الأَثِيْرِ (٢) : لَوْ قِيْلَ: إِنَّ العَالِمَ مُنْذُ خُلِقَ إِلَى الآنَ لَمْ يُبْتَلَوا بِمِثْلِ كَائِنَةِ التَّتَارِ، لَكَانَ صَادِقاً، فَإِنَّ التَّوَارِيخَ لَمْ تَتضمَّنْ مَا يُقَارِبُهَا، قَوْمٌ خَرَجُوا مِنْ أَطرَافِ الصِّينِ، فَقصدُوا بِلاَدَ تركستَانَ، ثُمَّ إِلَى بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ، فَتملَّكُوهَا، ثُمَّ تَعبُرُ طَائِفَةٌ مِنْهُم إِلَى خُرَاسَانَ فَيَفْرَغُونَ مِنْهَا تَخرِيباً وَقَتلاً إِلَى الرَّيِّ وَهَمَذَانَ، ثُمَّ يَقصدُوْنَ أَذْرَبِيْجَانَ وَنوَاحيهَا، وَيستبيحونَهَا فِي أَقلَّ مِنْ سَنَةٍ، أَمرٌ لَمْ نَسْمَعْ بِمِثْلِهِ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى دَرْبَند شِرْوِينَ، فَملَكُوا مُدنَهُ، وَعبرُوا إِلَى بلاَدِ اللاَنِ وَاللّكز (٣) قتلاً وَأَسراً، ثُمَّ قصدُوا بلاَدَ قَفْجَاقَ، فَقتلُوا مَنْ وَقَفَ، وَهَرَبَ مَنْ بَقِيَ إِلَى الشُّعَرَاءِ (٤) وَالجِبَالِ، وَاسْتولَتِ التَّتَارُ عَلَى بِلاَدِهِم، وَمَضتْ فِرقَةٌ أُخْرَى إِلَى غَزْنَةَ وَسِجِسْتَان وَكِرمَانَ، فَفَعلُوا كَذَلِكَ وَأَشَدَّ.
هَذَا مَا لَمْ يَطرقِ стр. 13669
الأَسْمَاعَ مِثْلُهُ، فَإِنَّ الإِسْكَنْدَرَ مَا ملَكَ الدُّنْيَا بِهَذِهِ السُّرْعَةِ، بَلْ فِي نَحْوِ عَشرِ سِنِيْنَ، وَلَمْ يَقتُلْ أَحَداً.
وَقَالَ (١) : وَخيلُهُم لاَ تَعرِفُ الشَّعيرَ، إِنَّمَا تَحفُرُ بِحوَافرِهَا وَتَأْكلُ عُرُوْقَ النَّبَاتِ، وَهُم يَسْجُدُوْنَ لِلشَّمْسِ، وَلاَ يُحَرِّمُوْنَ شَيْئاً، وَيَأْكلُوْنَ الحيوَانَاتِ وَبنِي آدَمَ (٢) ، وَلاَ يَعرفُوْنَ زَوَاجاً، وَهُم صِنْفٌ مِنَ التُّرْكِ، مَسَاكِنُهُم جبالُ طمغَاج.
وَبَعَثَ خُوَارِزْم شَاه جَوَاسيسَ، فَأَتَوْهُ، فَأَخبرُوهُ أَنَّ التَّتَرَ يَفوقُوْنَ الإِحصَاءَ، وَأَنَّهُم أَصبرُ شَيْء عَلَى القِتَالِ، لاَ يَعرفُوْنَ هَزِيْمَةً، فَندِمَ خُوَارِزْم شَاه عَلَى قَتْلِ تُجَّارِهِم، وَتَقَسَّمَ فَكَرِهَ، ثُمَّ عَمِلَ مَعَهُم مَصَافّاً مَا سُمِعَ بِمِثْلِهِ، دَامَ ثَلاَثاً، وَقُتِلَ مِنَ الفَرِيْقَيْنِ خَلاَئِقُ لاَ يُحصَوْنَ، حَتَّى لَقُتِلَ مِنَ المُسْلِمِيْنَ عِشْرُوْنَ أَلْفاً، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الوَاقعَةَ، وَأَنَّهَا مَا حَضَرهَا جِنْكِزْ خَان، وَتَحَاجَزَ الجمعَانِ، وَمَرَّ خُوَارِزْم شَاه، فَتركَ بِبُخَارَى عِشْرِيْنَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَبِسَمَرْقَنْدَ خَمْسِيْنَ أَلْفاً، وَقَالَ: احْفظُوا البِلاَدَ حَتَّى أَجْمَعَ الجُيُوْشَ وَأَعُوْدَ.
فَعَسْكَرَ عَلَى بَلْخَ، فَلَمَّا أَحَاطَتِ التَّتَارُ بِبُخَارَى، خَرَجَ عَسْكَرُهَا فِي اللَّيْلِ عَلَى حَمِيَّةٍ وَتركُوهَا، فَخَرَجَ إِلَى القَانِ بدرُ الدِّينِ ابْنُ قَاضِي خَان يَطلبُ الأَمَانَ، فَأَعْطَاهُم، وَدخلوهَا فِي رَابعِ ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَلَمْ يَتعرَّضُوا أَوَّلاً إِلَى غَيْرِ الحوَاصِلِ السُّلطَانِيَّةِ، وَطَلَبُوا مِنْهُم العَوْنَ عَلَى حربِ مَنْ بِقَلعَتِهَا، فَطَمُّوا خَنْدَقهَا بِالتُّرَابِ وَالأَخشَابِ، حَتَّى بِالرَّبعَات، وَأُخِذَتْ بِالسَّيْفِ، وَصدَقَ أَهْلُهَا اللِّقَاءَ حَتَّى أُبِيدُوا، ثُمَّ غدَرَ جِنْكِزْ خَان بِالنَّاسِ، وَهلكُوا وَتَمزَّقُوا وَسَبُوا الذُّرِّيَّةَ، وَبقيَتْ بُخَارَى كَأَمسِ الذَّاهبِ، ثُمَّ أَحَاطُوا بِسَمَرْقَنْدَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ ٦١٧.
فَقِيْلَ: بَرزَ مِنْ أَهْلِهَا نَحْوُ سَبْعِيْنَ أَلْفاً، فَقَاتلُوا، فَانْهَزَمَ لَهُم التَّتَرُ، ثُمَّ стр. 13670
حَالُوا بَيْنهُم وَبَيْنَ البلَدِ، وَحَصدُوْهُم، ثُمَّ جَهَّزَ جِنْكِزْ خَان خَلْفَ خُوَارِزْم شَاه، فَعبَرُوا جَيْحُونَ خوضاً وَسباحَةً، فَانْهَزَمَ مِنْهُم وَهُم وَرَاءهُ، ثُمَّ عطفُوا فَأَخذُوا الرَّيَّ وَمَازَندرَانَ، وَظفرُوا بِأُمِّ خُوَارِزْم شَاه، وَمَعَهَا خَزَائِنُهُ، فَأَسَرُوهَا، ثُمَّ أَخذُوا قَزْوِيْنَ بِالسَّيْفِ، وَبلغَتِ القَتْلَى أَرْبَعِيْنَ أَلفاً، ثُمَّ أَخذُوا أَذْرَبِيْجَانَ، وَصَالَحَهُم ملكُ تَبرِيزَ ابْنُ البَهْلَوَانِ عَلَى أَمْوَالٍ، فَمضَوْا لِيَشْتُوا بِمُوقَانَ، وَهَزمُوا الكُرْجَ، وَأَخَذُوا مَرَاغَةَ بِالسَّيْفِ، ثُمَّ قَصدُوا إِرْبِلَ، فَتَحَزَّبَ لَهُم عَسْكَرٌ، فَعَادُوا إِلَى هَمَذَانَ، وَكَانُوا قَدْ بدعُوا فِيْهَا، وَقرَّرُوا بِهَا شحنَةً، فَطَالبَهُم بِأَمْوَالٍ، فَقَتَلُوْهُ، وَتَمنَّعُوا، فَحَاصَرَهُم التَّتَارُ، فَبَرَزُوا لِمُحَارَبَتِهِم، وَقَتلُوا مِنَ التَّتَارِ، وَجُرِحَ فَقِيهُهُم جِرَاحَاتٍ، ثُمَّ بَرَزُوا مِنَ الغَدِ، فَالتحمَ القِتَالُ، ثُمَّ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ عَجِزَ الفَقِيْهُ عَنِ الرُّكوبِ، وَعزمَتِ التَّتَارُ عَلَى الرَّحيلِ لِكَثْرَةِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُم، فَمَا رَأَوا مَنْ خَرَجَ لقِتَالِهِم، فَطمِعُوا وَزَحَفُوا عَلَى البلَدِ فِي رَجَبٍ سَنَة ثَمَانِي عَشْرَةَ، فَدَخَلُوْهُ بِالسَّيْفِ، فَاقْتَتَلُوا فِي الأَزِقَّةِ قِتَالَ المَوْتِ، وَقُتِلَ مَا لاَ يُحصَى، وَأُحرِقَتْ هَمَذَانُ، وَسَارَتِ التَّتَارُ إِلَى تَبْرِيزَ، فَبذلَ أَهْلُهَا أَمْوَالاً، فَسَارُوا إِلَى بَيْلَقَانَ فَأَخَذُوهَا عَنْوَةً فِي رَمَضَانَ، سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ، وَحَصَدُوا أَهْلَهَا حَتَّى كَانُوا يَزنُوْنَ بِالمَرْأَةِ، ثُمَّ
يَقتلُونَهَا، وَسَارُوا إِلَى كنجَةَ وَهِيَ أُمُّ أرَانَ، فَصَانَعُوهُم بِالأَمْوَالِ، ثُمَّ التَقَوُا الكُرْجَ، فَطحَنُوهُم، وَقُتِلَ مِنَ الكُرْجِ ثَلاَثُوْنَ أَلْفاً، ثُمَّ قصدُوا الدَّرْبَنْدَ، فَافْتتحُوا مدينَةَ سَمَاخِي عَنْوَةً، وَلَمْ يَقدرُوا عَلَى وُلُوجِ الدَّرْبَنْدِ، فَبعثَوا يَطلبُوْنَ مِنْ شَرْوَانَ شَاه رَسُوْلاً، فَبَعَثَ عَشْرَةً، فَقتَلُوا وَاحِداً، وَقَالُوا لِمَنْ بَقِيَ: إِنْ لَمْ تَدُلُّونَا عَلَى طَرِيْقٍ، قَتَلْنَاكُم.
قَالُوا: لاَ طَرِيْقَ، لَكِنْ هُنَا مَسلَكٌ ضَيِّقٌ.
فَمَرُّوا فِيْهِ قتلاً وَسبياً، وَأَسرفُوا فِي قَتْلِ اللاَنِ، ثُمَّ بَيَّتُوا القَفْجَاقَ، وَأَبَادُوا فِيهِم، وَأَتَوا سُودَاقَ (١) ، فَملَكُوهَا، وَأَقَامُوا هُنَاكَ إِلَى سَنَةِ عِشْرِيْنَ وَسِتِّ стр. 13671
مائَةٍ.
وَأَمَّا جِنْكِزْ خَان فَجَهَّزَ فِرقَةً إِلَى تِرْمِذَ، وَطَائِفَةً إِلَى كلاَثَةَ عَلَى جَانبِ جَيْحُونَ، فَاسْتبَاحُوهَا، ثُمَّ عَادُوا إِلَيْهِ، وَهُوَ بِسَمَرْقَنْدَ، فَجَهَّزَ جَيْشاً كَثِيفاً مَعَ وَلدِهِ لِحَرْبِ جَلاَلِ الدِّيْنِ ابْنِ خُوَارِزْم شَاه، وَحَاصرُوا خُوَارِزْم ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ، وَأَخَذوهَا وَعَلَيْهِم أوكتَاي الَّذِي تَمَلَّكَ بَعْدَ جِنْكِزْ خَان، وَقُتِلَ بِهَا أُمَمٌ لَكِنْ بَعْدَ أَنْ قَتَلُوا خَلاَئِقَ مِنَ التَّتَارِ، وَأَخَذُوا بِالسَّيْفِ مَرْوَ وَبلْخَ وَنَيْسَابُوْرَ وَطُوسَ وَسَرْخَسَ وَهرَاةَ، فَلاَ يُحصَى مَنْ رَاحَ تَحْتَ السَّيْفِ.
وَقَالَ المُوَفَّقُ عَبْدُ اللَّطِيْفِ: قصدَتْ فِرقَةٌ أَذْرَبِيْجَانَ وَأَرَّانَ وَالكُرْجَ، وَفِرقَةٌ هَمَذَانَ وَأَصْبَهَانَ، وَخَالطَتْ حُلْوَانَ قَاصدَةً بَغْدَادَ، وَمَاجُوا فِي الدُّنْيَا بِالإِفسَادِ يَعضُّونَ عَلَى مَنْ سَلَّمَ الأَنَاملَ مِنَ الغِيظِ ...
إِلَى أَنْ قَالَ: وَعَبرُوا إِلَى أُمَمِ القَفْجَاقِ وَاللاَنِ، فَغسلُوهُم بِالسَّيْفِ، وَخَرَجَ مِنْ رَقِيْقِ التُّرْكِ خلقٌ حَتَّى فَاضُوا عَلَى البِلاَدِ.
وَأَمَّا الخَلِيْفَةُ فَإِنَّهُ جَمعَ الجُمُوْعَ، وَجَيَّشَ الجُيُوْشَ، وَحشرَ فَنَادَى، وَأَتتْهُ البُعُوثُ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُوْنَ، وَلَمَّا جَاءَ رَسُوْلُ التَّتَارِ، احْتَفَلَ الجَيْشُ وَبَالغُوا، حَتَّى امتلأَ قَلْبُهُ رُعْباً، وَدِمَاغُهُ خيَالاً، فَرَجَعَ مُخَبِّراً.
وَأَمَّا أَهْلُ أَصْبَهَانَ فَفَتَحُوا، وَدَخَلَتِ التَّتَارُ، فَمَالَ عَلَيْهِمُ النَّاسُ قتلاً، فَقَلَّ مَنْ نَجَا مِنَ التَّتَارِ.
سُئِلَ عَنْهُمُ الملكُ الأَشْرَفُ، فَقَالَ: مَا أَقُوْلُ فِي قَوْمٍ لَمْ يُؤسَرْ أَحَدٌ مِنْهُم قَطُّ.
وَعَنْ نَيْسَابُوْرِيٍّ قَالَ: أُحْصِيَ مَنْ قُتِلَ بِنَيْسَابُوْرَ، فَبلَغُوا أَزْيَدَ مِنْ خَمْسِ مائَةِ أَلْفٍ، وَمِمَّا أَبَادُوْهُ بلاَدَ فَرغَانَةَ، وَهِيَ سَبْعُ مَمَالِكَ، وَمتَى التَمَسَ الشَّخْصُ رَحمتَهُم ازدَادُوا عُتُوّاً، وَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى خَمْرٍ، أَحضرُوا
стр. 13672
أُسَارَى وَيُمَثِّلُوْنَ بِهِم، بِأَنْ يُقَطِّعُوا أَعضَاءهُم، فَكلَّمَا صَاحَ ضَحِكُوا - نَسْأَلُ اللهَ العَافِيَةَ - وَقَدْ جُمِعَ فِيهِم مِنْ كُلِّ وَحْشٍ رَدِيءُ خُلُقِهِ.
وَقَالَ ابْنُ وَاصِلٍ (١) : أَحصَيْتُ القَتْلَى بِمَرْوَ فَكَانُوا سَبْعَ مائَةِ أَلْفٍ.
وَفِي سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ: التقَى خُوَارِزْم شَاه وَتُولِّي بنُ جِنْكِزْ خَان فَانْهَزَمُوا، وَقُتِلَ تُولِّي، وَبلغَ الخَبَرَ أَبُوْهُ، فَجُنَّ وَتنمَّرَ وَأَسرعَ مُجِدّاً، فَالتقَاهُ خُوَارِزْم شَاه فِي شَوَّالِهَا، فَحَمَلَ عَلَى قَلْبِ جِنْكِزْ خَان، فَمَزَّقَهُ، وَانْهَزَمُوا لَوْلاَ كَمِينٍ لَهُم خَرَجُوا عَلَى المُسْلِمِيْنَ، فَانكَسَرُوا، وَأَسرُوا وَلدَ جَلاَلِ الدِّيْنِ، وَتَقهقَرَ إِلَى نَهْرِ السِّنْدِ، فَغَرِقَ حرمُهُ، وَنجَا فِي نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعَةِ آلاَفٍ حُفَاةً عُرَاةً لِيختفِي فِي الجِبَالِ وَالآجَامِ، يَعِيْشُوْنَ مِنَ النَّهْبِ، فَحَارَبَهُ ملكٌ مِنْ مُلُوْكِ الهِنْدِ، فَرمَاهُ جَلاَلُ الدِّيْنِ بِسَهْمٍ فِي فؤَادِهِ، فَسَقَطَ وَتَمَزَّقَ جَيْشُهُ، وَحَازَ جَلاَلُ الدِّيْنِ الغَنَائِمَ، وَعَاشَ، فَسَارَ إِلَى سِجِسْتَان، وَبِهَا خَزَائِنُ لَهُ، فَأَنفقَ فِي جندِهِ.
وَقَالَ ابْنُ وَاصِلٍ (٢) : التقَاهُم جَلاَلُ الدِّيْنِ بكَابُلَ، فَهَزمَهُم، ثُمَّ فَارقَهُ شطْرُ جَيْشِهِ لفِتْنَةٍ جَرتْ، وَفَاجَأَهُ جِنْكِزْ خَان، فَتحَيَّرَ جَلاَلُ الدِّيْنِ، وَسَارَ إِلَى نَهْرِ السِّنْدِ، فَلَمْ يَجِدْ سُفُناً تَكفِيهِم، وَضَايقَهُ جِنْكِزْ خَان، فَالتقَاهُ حَتَّى دَامَ الحَرْبُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، وَقُتِلَ خَلْقٌ مِنَ الفَرِيْقَيْنِ، وَجَاءت سُفُنٌ، فَعَدَوا فِيْهَا، وَنَازلَتِ التَّتَارُ غَزْنَةَ فَاسْتبَاحوهَا.
قُلْتُ: هَذَا كُلُّهُ وَجَيْشُ مِصْرَ وَالشَّامِ فِي مُصَابِرَةِ الفِرَنْجِ بدِمْيَاطَ، وَالأَمْرُ شَدِيدٌ.
وَدَخَلتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ: فَتحزَّبَتْ مُلُوْكُ الهِنْدِ عَلَى جَلاَلِ الدِّيْنِ لأَذِيَّتِهِ стр. 13673
لَهُم، فَاسْتنَابَ أَخَاهُ جَهَان عَلَى مَا فَتحَهُ مِنْ طَرِيْقِ الهِنْدِ، وَقصدَ العِرَاقَ، وَقَاسَى المشَاقَّ، فَتَوَصَّلَ فِي أَرْبَعَةِ آلاَفٍ مِنْهُم مَنْ هُوَ رَاكِبُ البقرِ وَالحُمُرِ فِي سَنَةِ ٦٢١، فَقَدِمَ شيرَازَ، فَأَتَاهُ علاَءُ الدَّوْلَةِ أَتَابَك مُذْعِناً بِطَاعتِهِ، فَتَزَوَّجَ جَلاَلُ الدِّيْنِ بِابْنتِهِ، وَقَدِمَ أَصْبَهَانَ، فَسَرَّهُم قُدومُهُ، وَكَانَ أَخُوْهُ غِيَاثُ الدِّيْنِ فِي ثَلاَثِيْنَ أَلْفاً، وَبَينَهُم إِحَنٌ، وَهَرَبَ غِيَاثُ الدِّيْنِ، ثُمَّ اصطَلَحَا وَاجتَمَعَا، وَالتفَّتِ العَسَاكِرُ عَلَى جَلاَلِ الدِّيْنِ، وَعظُمَ شَأْنُهُ.
وَفِي العَامِ: كَانَتِ الوقعَةُ بَيْنَ التَّتَارِ الدَّاخلينَ مِنَ الدَّرْبَنْد، وَبَيْنَ القفجَاقِ وَالرُّوْسِ، وَصَبَرُوا أَيَّاماً، ثُمَّ اسْتَحَرَّ القتلُ بِالرُّوْسِ وَالقفجَاقِ.
وَفِي سَنَةِ ٦٢١: أَخَذَ الأَشْرَفُ مِنْ أَخِيْهِ غَازِي خِلاَطَ، وَأَبقَى عَلَيْهِ مَيَّافَارِقِيْنَ.
وَفِيْهَا: سَارَ جَلاَلُ الدِّيْنِ خُوَارِزْم شَاه إِلَى أَذْرَبِيْجَانَ، فَاسْتولَى عَلَيْهَا، وَرَاسلَهُ (١) المُعَظَّم لِينصُرَهُ عَلَى أَخِيْهِ الأَشْرَفِ.
وَفِيْهَا: خَنَقَ بدرُ الدِّينِ لُؤْلُؤٌ الملكَ القَاهِرَ سِرّاً، وَتَمَلَّكَ المَوْصِلَ.
وَبُنِيَتْ دَارُ الحَدِيْثِ الكَامِليَّةُ، وَشيخُهَا ابْنُ دِحْيَةَ.
وَقَدِمَ صَاحِبُ اليَمَنِ أَقسيس ابْنُ الملكِ الكَامِلِ طَامعاً فِي أَخْذِ الشَّامِ، فَمَاتَ، وَورِثَ مِنْهُ أَبُوْهُ أَمْوَالاً عَظِيْمَةً.
وَفِيْهَا: رَجَعَتِ التَّتَارُ مِنْ بلاَدِ القَفْجَاقِ، فَاسْتبَاحُوا الرَّيَّ وَسَاوه وَقُمّ، ثُمَّ التَقَوا الخُوَارِزْمِيَّةَ. стр. 13674
وَفِيْهَا: قصدَ غِيَاثُ الدِّيْنِ أَخُو خُوَارِزْم شَاه بلاَدَ شِيرَازَ، فَأَخَذَهَا مِنْ أَتَابَك سَعْدٍ، وَعَصَى أَتَابَك فِي قَلْعَةٍ، وَتَصَالَحَا.
وَفِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ ٦٢٢: وَصلَ جَلاَلُ الدِّيْنِ، فَأَخَذَ دقوقا بِالسَّيْفِ، وَفعلَ كُلَّ قبيحٍ لِكَوْنِهِم سَبُّوهُ عَلَى الأَسْوَارِ، وَعَزَمَ عَلَى مُنَازِلَةِ بَغْدَادَ، فَانزعجَ الخَلِيْفَةُ، وَكَانَ قَدْ فُلِجَ، فَأَنفقَ أَلفَ أَلفِ دِيْنَارٍ، وَفرَّقَ العُدَدَ وَالأَهرَاءَ.
قَالَ سِبْطُ الجَوْزِيِّ (١) : قَالَ لِي المُعَظَّم: كَتَبَ إِلَيَّ جَلاَلُ الدِّيْنِ يَقُوْلُ:
تَجِيْءُ أَنْتَ، وَاتَّفِقْ مَعِي حَتَّى نَقصدَ الخَلِيْفَةَ، فَإِنَّهُ كَانَ السَّبَبَ فِي هَلاَكِ أَبِي، وَفِي مَجِيْءِ التَّتَارِ، وَجَدْنَا كُتُبَهُ إِلَى الخَطَا، وَتَواقيعَهُ لَهُم بِالبِلاَدِ وَالخِلَعِ وَالخيلِ.
فَكَتَبتُ إِلَيْهِ: أَنَا مَعَكَ (٢) إِلاَّ عَلَى الخَلِيْفَةِ، فَإِنَّهُ إِمَامُ الإِسْلاَمِ.
قَالَ: وَخَرَجَتْ عَلَيْهِ الكُرْجُ، فَكَرَّ نَحْوَهُم، وَعَمِلَ مَصَافّاً، فَقتلَ مِنْهُم سَبْعِيْنَ أَلْفاً - قَالَهُ أَبُو شَامَةَ (٣) - وَأَخَذَ تَفلَيْسَ بِالسَّيْفِ، وَافتَتَحَ مَرَاغَةَ، ثُمَّ حَاصرَ تَبرِيزَ، وَتسلَّمَهَا، وَبدَّعَ وَظلَمَ كعوَائِدِهِ.
وَفِي سَلْخِ رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ: تُوُفِّيَ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ، فَبُوْيِعَ ابْنُهُ الظَّاهِرُ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدٌ كَهْلاً، فَكَانَتْ دَوْلَةُ النَّاصِرِ سَبْعاً وَأَرْبَعِيْنَ سَنَةً.
قَالَ ابْنُ الأَثِيْرِ (٤) : بَقِيَ النَّاصِرُ ثَلاَثَ سِنِيْنَ عَاطلاً عَنِ الحركَةِ بِالكُلِّيَّةِ، стр. 13675
وَقَدْ ذَهَبَتْ عينُهُ (١) ﵀ ثُمَّ مَاتَ، وَبُوْيِعَ الظَّاهِرُ ابْنُهُ.
١٣٢ - جِنْكِزْ خَان *
ملكُ التَّتَارِ وَسُلْطَانُهُم الأَوّلُ الَّذِي خَرَّبَ البِلاَدَ، وَأَفنَى العِبَادَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى المَمَالِكِ، وَلَيْسَ لِلتَّتَارِ ذِكرٌ قَبْلَهُ، إِنَّمَا كَانَتْ طَوَائِفُ المغولِ بَادِيَةً بِأَرَاضِي الصِّينِ، فَقَدَّمُوْهُ عَلَيْهِم، فَهَزمَ جَيْشَ الخَطَا، وَاسْتَوْلَى عَلَى مَمَالِكِهِم، ثُمَّ عَلَى تركستَانَ، وَإِقْلِيْمِ مَا وَرَاءِ النَّهْرِ، ثُمَّ إِقْلِيْمِ خُرَاسَانَ وَبلاَدِ الجبلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَذعَنَتْ بطَاعتِهِ جَمِيْعُ التَّتَارِ، وَأَطَاعُوْهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَتقيَّدُ بدينِ الإِسْلاَمِ وَلاَ بِغَيْرِهِ، وَقَتْلُ المُسْلِمِ أَهوَنُ عِنْدَهُ مِنْ قَتْلِ البُرْغُوثِ، وَلَهُ شَجَاعَةٌ مُفْرِطَةٌ، وَعَقلٌ وَافرٌ، وَدَهَاءٌ وَمَكرٌ، وَأَوَّلُ مَظْهْرِهِ كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَتِسْعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.
وَمَاتَ فِي رَمَضَانَ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَقَدْ شَاخَ، وَاسْمُهُ تُمرجين، وَالملكُ فِي عَقِبِهِ إِلَى اليَوْمِ، وَكُرْسِيُّ مَمْلَكتِهِ خَان بِالق قَاعِدَةُ الخَطَا، وَخلَّفَ سِتَّةَ بَنِيْنَ، تَملَّكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أوكتَاي، ثُمَّ بَعْدَهُ مونكوقَا أَخُو هُولاَكو الطَّاغِيَة، ثُمَّ وَلِي قُبلاَي أَخُوْهُم، فَبقِي قُبلاَي إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَثَلاَثتُهُم بَنُوْ تُولِّي بنِ جِنْكِزْ خَان، وَقُتِلَ تُولِّي فِي مَلحَمَةٍ стр. 13676
بَيْنَهُ وَبَيْنَ خُوَارِزْم شَاه جَلاَلِ الدِّيْنِ فِي حَيَاةِ جِنْكِزْ خَان، سَنَة ثَمَانِي عَشْرَةَ وَسِتِّ مائَةٍ.
١٣٣ - ابْنُ الجَبَّابِ عَبْدُ القوِيِّ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ الحُسَيْنِ التَّمِيْمِيُّ *
الشَّيْخُ، الإِمَامُ، العَدْلُ الكَبِيْرُ، فَخرُ الأَكَابِرِ، القَاضِي الأَسْعَدُ، صفِيُّ المُلْكِ، أَبُو البَرَكَاتِ عَبْدُ القوِيِّ ابْنُ القَاضِي الجَلِيْسِ أَبِي المَعَالِي عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ الحُسَيْنِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ الحُسَيْنِ بنِ الجَبَّابِ (١) التَّمِيْمِيُّ، السَّعْدِيُّ، الأَغْلَبِيُّ، المِصْرِيُّ، المَالِكِيُّ.
وُلِدَ: سَنَةَ سِتٍّ وَثَلاَثِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.
وَسَمِعَ مِنْ: أَبِي مُحَمَّدٍ بنِ رِفَاعَةَ الفَرَضِيِّ، وَأَبِي الفُتُوْحِ الخَطِيْبِ المُقْرِئِ، وَابْنِ العِرْقِيِّ، وَأَبِي طَاهِرٍ السِّلَفِيِّ، وَأَبِي البقَاءِ عُمَرَ ابنِ المَقْدِسِيِّ، وَطَائِفَةٍ.
حَدَّثَ عَنْهُ: ابْنُ الأَنْمَاطِيِّ، وَعُمَرُ بنُ الحَاجِبِ، وَالمُنْذِرِيُّ، وَالفَخْرُ عَلِيٌّ، وَشَرفُ القُضَاةِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الجَبَّابِ، وَالنَّجِيْبُ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ الهَمَذَانِيُّ، وَأَبُو المَعَالِي الأَبَرْقُوْهِيُّ، وَأَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الكَرِيْمِ المُحْتَسِبُ، وَجَمَاعَةٌ.
قَالَ ابْنُ الحَاجِبِ: مِنْ بَيْتِ السُّؤْدُدِ، وَالفَضْلِ، وَالكَرمِ، وَالتَّقَدُّمِ، لَهُ مِنَ стр. 13677
الوَقَارِ وَالهَيْبَةِ مَا لَمْ يُعْرَفُ لغَيْرِهِ، وَكَانَ ذَا حِلْمٍ وَصمتٍ، وَلِيَ وِلاَيَاتٍ أَبَانَ فِيْهَا عَنْ أَمَانَةٍ وَنزَاهَةٍ، وَكَانَ كَثِيْرَ اللُّطْفِ، وَأَصلُهُ مِنَ القَيْرَوَانِ، تَفَرَّدَ بِالسِّيرَةِ عَنِ ابْنِ رِفَاعَةَ، سَمِعَهَا فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ بقِرَاءةِ يَحْيَى بنِ عَلِيٍّ القَيْسِيِّ، وَتَحتَ الطَّبَقَةِ تَصْحِيْح ابْنِ رِفَاعَةَ.
قَالَ عُمَرُ بنُ الحَاجِبِ: وَكَانَ شَيْخاً ثِقَةً، ثَبْتاً، عَارِفاً بِمَا سَمِعَ، لاَ يُنْسَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى غرضٍ.
قَالَ: وَرَأَيْتُ خطَّ تَقِيِّ الدِّيْنِ ابْنِ الأَنْمَاطِيِّ، وَهُوَ يُثْنِي عَلَى شَيْخِنَا هَذَا ثنَاءً جَمِيْلاً، وَيذكرُ مِنْ جُمْلَةِ مَسْمُوْعَاتِهِ السِّيرَةَ، وَكَانَ قَدْ صَارَتِ السِّيرَةُ عَلَى ذِكْرِ الشَّيْخِ بِمَنْزِلَةِ الفَاتِحَةِ، يُسَابِقُ القَارِئَ إِلَى قِرَاءتِهَا، وَكَانَ قَيِّماً بِهَا وَبِمُشْكِلِهَا، وَهُوَ أَنبلُ شَيْخٍ وَجَدْتُهُ بِمِصْرَ رِوَايَةً وَدرَايَةً، وَكَانَ لاَ يُحَدِّثُ إِلاَّ وَأَصلُهُ بِيَدِهِ، وَلاَ يَدعُ القَارِئَ يُدْغِمُ، وَكَانَ أَبُوْهُ جَلِيْساً لخَلِيْفَةِ مِصْرَ.
قَالَ: وَحَضَرتُهُ يَوْماً وَقَدْ أَهدَى لَهُ بَعْضُ السَّامعينَ هديَةً، فَرَدَّهَا، وَأَثَابَهُ عَلَيْهَا، وَقَالَ: مَاذَا وَقتُ هَدِيَّةٍ.
وَكَانَ طَوِيْلَ الرُّوحِ عَلَى السَّمَاعِ، كُنَّا نَسْمَعُ عَلَيْهِ مِنَ الصُّبْحِ إِلَى العصرِ.
إِلَى أَنْ قَالَ: وَمَا رَأَيْتُ فِي رِحلتِي شَيْخاً لَهُ خَمْسٌ وَثَمَانُوْنَ سَنَةً أَحْسَنَ هَدْياً وَسَمْتاً وَاسْتقَامَةَ قَامَةٍ مِنْهُ، وَلاَ أَحْسَنَ كَلاَماً، وَلاَ أَظرفَ إِيرَاداً مِنْهُ، فَلَقَدْ كَانَ جَمَالاً لِلدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ نُقْطَةَ: سَمِعْتُ الحَافِظَ عَبْدَ العَظِيْمِ يَتَكَلَّمُ فِي سَمَاعِهِ لِلسِّيرَةِ، وَيَقُوْلُ: هُوَ بقِرَاءةِ يَحْيَى بنِ عَلِيٍّ، وَكَانَ كَذَّاباً، وَكَانَ ابْنُ الأَنْمَاطِيِّ يُثَبِّتُ سَمَاعَهُ وَيُصَحِّحُهُ (١) .
قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى (العُنوَانَ) فِي القِرَاءاتِ عَنِ الشَّرِيْفِ أَبِي الفُتُوْحِ стр. 13678
الخَطِيْبِ، رَوَاهُ عَنْهُ شَيْخٌ سَنَةَ نَيِّفٍ وَثَمَانِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَقَرَأْتُ السِّيرَةَ عَلَى الأَبَرْقُوْهِيِّ بِسَمَاعِهِ مِنْهُ فِي صَفَرٍ، سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَمَاتَ فِي السَّنَةِ فِي سَلْخِ شَوَّالِهَا.
١٣٤ - ابْنُ مُكَرَّمٍ مُحَمَّدُ بنُ هِبَةِ اللهِ بنِ المُكَرَّمِ البَغْدَادِيُّ *
الشَّيْخُ الصَّالِحُ، المُسْنِدُ، الزَّاهِدُ، أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ هِبَةِ اللهِ بنِ المُكَرَّمِ بنِ عَبْدِ اللهِ البَغْدَادِيُّ، الصُّوْفِيُّ.
وُلِدَ: سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلاَثِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ (١) .
وَسَمِعَ مِنْ: أَبِيْهِ، وَأَبِي الفَضْلِ الأُرْمَوِيِّ، وَمُحَمَّدِ بنِ نَاصِرٍ، وَالمُعَمَّرِ بنِ أَحْمَدَ الأَنْصَارِيِّ، وَأَبِي الوَقْتِ السِّجْزِيِّ، وَطَائِفَةٍ.
وَكَانَ وَالِدُهُ يَرْوِي عَنْ: نَصْرِ بنِ البَطِرِ، وَكَانَ أَخُوْهُ المكرَّمُ مِنْ رُوَاةِ (جُزءِ الأَنْصَارِيِّ) .
يَرْوِي عَنْهُ: الضِّيَاءُ، وَابْنُ عَبْدِ الدَّائِمِ (٢) .
حَدَّثَ أَبُو جَعْفَرٍ بِـ (صَحِيْحِ البُخَارِيِّ) بِإِرْبِلَ.
رَوَى عَنْهُ: ابْنُ الدُّبَيْثِيِّ، وَابْنُ النَّجَّارِ، وَالبِرْزَالِيُّ، وَالجمَالُ مُحَمَّد ابْن الدَّبَّابِ، وَالإِمَامُ مَجْدُ الدِّيْنِ ابْنُ الظَّهِيْرِ، وَالقَاضِي شَمْسُ الدِّيْنِ ابْنُ خَلِّكَانَ (٣) ، وَأَخُوْهُ بَهَاءُ الدِّيْنِ مُحَمَّدٌ قَاضِي بَعْلَبَكَّ، وَآخَرُوْنَ. стр. 13679
مَاتَ: بِبَغْدَادَ، فِي خَامِسِ المُحَرَّمِ، سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ.
أَنبَانَا الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّيْنِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ الإِرْبِلِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ بنُ مُكَرَّمٍ بِإِرْبِلَ ... ، فَذَكَرَ حَدِيْثاً.
وَمَاتَ مَعَهُ: أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ أَبِي الفَتْحِ بنِ صِرْمَا الأَزَجِيُّ، وَالحَافِظُ أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُدُ بنُ سُلَيْمَانَ بنِ دَاوُدَ بنِ حَوْطِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ بِمَالَقَةَ، وَأَبُو بَكْرٍ زَيْدُ بنُ يَحْيَى الأَزَجِيُّ البَيِّعُ، وَالمُقْرِئُ أَبُو طَالِبٍ عَبْدُ الرَّحْمَانِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ السَّمِيْعِ الهَاشِمِيُّ الوَاسِطِيُّ، وَأَبُو البَرَكَاتِ عَبْدُ القوِيِّ بنُ الجَبَّابِ السَّعْدِيُّ، وَأَبُو القَاسِمِ عَبْدُ الكَرِيْمِ بنُ عَلِيٍّ اللَّخْمِيُّ ابْنُ البَيْسَانِيِّ أَخُو القَاضِي الفَاضِلِ - قَالَ المُوَفَّقُ عَبْدُ اللَّطِيْفِ (١) : كَانَ عِنْدَهُ زُهَاءُ مائَتَيْ أَلفِ كِتَابٍ (٢) - وَعَبْدُ اللَّطِيْفِ بنُ مُعَمَّرِ بنِ عَسْكَرَ، وَالقَاضِي عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الرَّشِيْدِ ابْنُ بُنَيْمَانَ الهَمَذَانِيُّ، وَعَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ النَّبِيْهِ الشَّاعِرُ صَاحِبُ (الدِّيْوَانِ) ، وَعَلِيُّ بنُ يُوْسُفَ بنِ صَبُوخَا، وَشَيْخُ الطِّبِّ شَمْسُ الدِّيْنِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدَانَ الدِّمَشْقِيُّ ابْنُ اللّبودِيِّ، وَشَيْخُ المَالِكِيَّةِ أَبُو الحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ زَرْقُوْنَ الإِشْبِيْلِيُّ، وَالمُقْرِئُ الفَخْرُ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي الفَرَجِ المَوْصِلِيُّ، وَالقُدْوَةُ الكَبِيْرُ الشَّيْخُ عليٍّ الفرنثيِّ بِالجبلِ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ اليَتِيْمِ الأَنْدَرَشِيُّ المُحَدِّثُ الرَّحَّالُ.
١٣٥ - ابْنُ البَنَّاءِ عَلِيُّ بنُ نَصْرِ بنِ المُبَارَكِ الوَاسِطِيُّ *
الشَّيْخُ الجَلِيْلُ، المُسْنِدُ، أَبُو الحَسَنِ، عَلِيُّ ابنُ أَبِي الكَرَمِ نَصْرِ بنِ المُبَارَكِ стр. 13680
بنِ أَبِي السَّيِّدِ (١) بنِ مُحَمَّدٍ الوَاسِطِيُّ الأَصْلِ، البَغْدَادِيُّ، ثُمَّ المَكِّيُّ، الخَلاَّلُ، ابْنُ البَنَّاءِ.
رَاوِي (الجَامِعِ) عَنْ عَبْدِ المَلِكِ الكَرُوْخِيِّ، وَمَا علمتُهُ رَوَى شَيْئاً غَيْرَهُ، حَدَّثَ بِهِ بِمَكَّةَ وَالإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَمِصْرَ، وَدِمْيَاطَ، وَقُوصَ.
حَدَّثَ عَنْهُ: ابْنُ نُقْطَةَ، وَالمُنْذِرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بنُ مَنْصُوْرٍ الحَضْرَمِيُّ، وَالحَسَنُ بنُ عُثْمَانَ القَابِسِيُّ، وَذَاكرُ بنُ عَبْدِ المُؤْمِنِ مُؤَذِّنُ الحرمِ، وَالبَهَاءُ زُهَيْرٌ المُهَلَّبِيُّ الشَّاعِرُ، وَإِسْحَاقُ بنُ قُرَيْشٍ المَخْزُوْمِيُّ، وَقُطْبُ الدِّيْنِ مُحَمَّدُ بنُ القَسْطَلاَنِيِّ، وَمُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الخَالِقِ بنِ طَرْخَانَ الأُمَوِيُّ، وَعَلِيُّ بنُ صَالِحٍ الحُسَيْنِيُّ، وَيُوْسُفُ بنُ إِسْحَاقَ الطَّبَرِيُّ المَكِّيَّانِ، وَمُحَمَّدُ بنُ تَرْجَمَ المِصْرِيُّ.
مَاتَ: بِمَكَّةَ، فِي صَفَرٍ (٢) - وَقِيْلَ: فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ (٣) - سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ.
١٣٦ - ابْنُ يُوْنُسَ أَبُو الفَضْلِ أَحْمَدُ بنُ مُوْسَى الإِرْبِلِيُّ *
العَلاَّمَةُ، شَرَفُ الدِّيْنِ، أَبُو الفَضْلِ أَحْمَدُ ابْنُ الشَّيْخِ الكَبِيْرِ كَمَالِ الدِّيْنِ стр. 13681
مُوْسَى ابنِ الشَّيْخِ رَضِيِّ الدِّيْنِ يُوْنُسَ بنِ مُحَمَّدٍ الإِرْبِلِيُّ، ثُمَّ المَوْصِلِيُّ، الشَّافِعِيُّ، صَاحِبُ (شَرْحِ التَّنْبِيْهِ) .
مَاتَ: فِي رَبِيْعٍ الآخَرِ، سَنَة اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، كَهْلاً فِي حَيَاةِ أَبِيْهِ، وَقَدِ اخْتصرَ (الإِحيَاءَ) مَرَّتَينِ، وَلَهُ مَحْفُوْظَاتٌ كَثِيْرَةٌ، وَذِهْنٌ وَقَّادٌ.
١٣٧ - القَزْوِيْنِيُّ أَبُو المَجْدِ مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ أَحْمَدَ *
القَاضِي، الإِمَامُ، الفَاضِلُ، المُحَدِّثُ الصَّالِحُ، الجَوَّالُ، مَجْدُ الدِّيْنِ، أَبُو المَجْدِ مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ ابنِ أَبِي المَكَارِمِ أَحْمَدَ بنِ حُسَيْنِ بنِ بَهْرَامَ القَزْوِيْنِيُّ، الصُّوْفِيُّ.
وُلِدَ: فِي صَفَرٍ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِيْنَ، بقَزْوِيْنَ.
وَسَمِعَ: أَبَاهُ، وَمُحَمَّدَ بنَ أَسْعَدَ العَطَّارِيَّ حَفَدَةَ، وَأَحْمَدَ بنَ يَنَالَ الأَصْبَهَانِيَّ التُّركَ، وَأَبَا الخَيْرِ القَزْوِيْنِيَّ الوَاعِظَ، وَأَبَا الفَرَجِ ثَابِتَ بنَ مُحَمَّدٍ المَدِيْنِيَّ، وَأَبَا حَفْصٍ المَيَانَشِيَّ، وَجَمَاعَةً.
وَحَدَّثَ بِأَذْرَبِيْجَانَ، وَبَغْدَادَ، وَالمَوْصِلَ، وَأَصْبَهَانَ، وَرَأْسَ عينٍ، وَدِمَشْقَ، وَبَعْلَبَكَّ، وَحَرَّانَ، وَأَقْصَرَا، وَنَصِيْبِيْنَ، وَأَبهرَ، وَقَزْوِيْنَ، وَخَوِي، وَإِرْبِلَ، وَدُوَيْنَ (١) ، وَالرَّيَّ، وَمِصْرَ، وَنَزَلَ بِخَانقَاه سَعِيْدِ السُّعدَاءِ، وَاشْتُهِرَ اسْمُهُ، وَتَفَرَّدَ بِرَاويَةِ هَذَيْنِ الكِتَابَينِ: (معَالِم التَّنْزِيلِ) ، وَ (شرح السُّنَّةِ) لِلْبَغَوِيِّ (٢) . стр. 13682
حَدَّثَ عَنْهُ: الضِّيَاءُ، وَالمُنْذِرِيُّ، وَعزُّ الدِّينِ عَبْدُ الرَّازقِ الرَّسْعَنِيُّ، وَالسَّيْفُ عَبْدُ الرَّحْمَانِ بنُ مَحْفُوْظٍ، وَالفَخْرُ عَبْدُ الرَّحْمَانِ بنُ يُوْسُفَ، وَالقَاضِي تَاجُ الدِّيْنِ عَبْدُ الخَالِقِ، وَالبَهَاءُ عَبْدُ اللهِ بنُ مَحْبُوبٍ، وَأَبُو الغَنَائِمِ بنُ مَحَاسِنَ المِعْمَارُ، وَعَبْدُ القَاهِرِ بنُ تَيْمِيَةَ، وَالفَقِيْهُ عَبَّاسُ بنُ عَبْدَانِ، وَأَبُو اليُمْنِ ابنُ عَسَاكِرَ، وَابْنُ عَمِّهِ شَرَفُ الدِّيْنِ أَحْمَدُ، وَالمحيِي يَحْيَى بنُ عَلِيٍّ ابْنُ القَلاَنسِيِّ، وَالكَمَالُ عَبْدُ اللهِ بنُ قوَامٍ، وَالجمَالُ عُمَرُ ابنُ العَقِيْمِيِّ، وَالعِزُّ إِسْمَاعِيْلُ ابنُ الفَرَّاءِ، وَالتَّقِيُّ إِبْرَاهِيْمُ ابنُ الوَاسِطِيِّ، وَأَخُوْهُ مُحَمَّدٌ، وَالتَّقِيُّ أَحْمَدُ بنُ مُؤْمِنٍ، وَالعِزُّ أَحْمَدُ ابنُ العِمَادِ، وَإِبْرَاهِيْمُ بنُ أَبِي الحَسَنِ الفَرَّاءُ، وَالعِمَادُ بنُ سَعْدٍ، وَالشَّمْسُ خَضِرُ بنُ عَبْدَانَ، وَالشِّهَابُ الأَبَرْقُوْهِيُّ، وَالضِّيَاءُ عَبْدُ الرَّحْمَانِ السُّلَمِيُّ خَطِيْبُ بَعْلَبَكَّ، وَبِهِ خُتِمَ حَدِيْثَهُ.
مَاتَ: بِالمَوْصِلِ، فِي ثَالِثَ عَشَرَ شَعْبَانَ (١) - وَقِيْلَ: فِي الحَادِي وَالعِشْرِيْنَ مِنْهُ - سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ.
قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: حَدَّثَ بِأَمَاكنَ، وَحصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا صَالِحٌ، وَهُوَ شَيْخٌ مُتَيَقِّظٌ، حسنُ الوَجْهِ، طلَبَ، وَكَتَبَ، وَحصَّلَ، وَهُوَ مِنْ بَيْتٍ مَشْهُوْرٍ بِالعِلْمِ وَالرِّوَايَةِ، وَسَمِعَ مِنْ جدِّهِ أَبِي المَكَارِمِ، حَدَّثَ سَنَةَ عِشْرِيْنَ بِبَغْدَادَ بِـ (أَرْبَعِيْنَ) مِنْ جَمْعِهِ.
١٣٨ - الأَنْدَرَشِيُّ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ *
الإِمَامُ، المُحَدِّثُ، الجَوَّالُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ стр. 13683
عَبْدِ اللهِ، ابْنُ اليَتيمِ الأَنْدَلُسِيُّ، الأَنْصَارِيُّ، الأَنْدَرَشِيُّ، وَيُعْرَفُ أَيْضاً: بِابْنِ البَلَنْسِيِّ.
وُلِدَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.
وَسَمِعَ مِنْ: أَبِي الحَسَنِ بنِ هُذَيْلٍ، وَابْنِ النِّعْمَةِ بِبَلَنْسِيَّةَ، وَمِنْ أَبِي مَرْوَانَ بنِ قُزْمَانَ بِأَشبونَةَ، وَمِنْ أَبِي إِسْحَاقَ بنِ قُرْقُوْلَ بِمَالقَةَ، وَمِنِ ابْنِ حُبَيْشٍ بِمُرْسِيَةَ، وَمِنْ أَبِي القَاسِمِ بنِ بَشْكُوَالَ بقُرْطُبَةَ، وَمِنْ أَبِي الحَسَنِ بنِ حُنَيْنٍ بِفَاسَ، وَمِنْ عَبْدِ الخَالِقِ الحَافِظِ بِبَجَايَةَ، وَمِنَ السِّلَفِيِّ بِالثَّغْرِ، وَمِنْ عُثْمَانَ بنِ فَرَجٍ بِمِصْرَ، وَمِنْ شُهْدَةَ الكَاتِبَةِ بِبَغْدَادَ، وَمِنْ أَبِي الفَضْلِ الخَطِيْبِ بِالمَوْصِلِ، وَمِنِ ابْنِ عَسَاكِرَ بِدِمَشْقَ، وَمِنَ المَيَانَشِيِّ بِمَكَّةَ، وَجَمَعَ وَخَرَّجَ عَلَى لِيْنٍ فِيْهِ.
قَالَ ابْنُ مَسْدِيٍّ: لَمْ يَكُنْ سليماً مِنَ التَّرْكِيبِ حَتَّى كثُرَتْ سَقَطَاتُهُ، تَتبَّعَ عثرَاتِهِ أَبُو الرَّبِيْعِ الكَلاَعِيُّ، وَكَانَ أَبُوْهُ يُعْرَفُ بِالأُسْتَاذِ، فَجَالَ بِهِ فِي الطَّلَبِ، وَأَسْمَعَهُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِيْنَ مِنْ جَمَاعَةٍ تَفَرَّدَ عَنْهُم، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَافِظاً، وَكَانَ شَرِهاً يَرْوِي المَوْضُوْعَاتِ.
قَالَ ابْنُ مَسْدِي: سَمِعْتُ مِنْهُ كَثِيْراً، وَرَأَيْتُ بِخَطِّهِ إِسْنَادَ (صَحِيْحِ البُخَارِيِّ) ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ السِّلَفِيِّ، عَنِ ابْنِ البَطِر، عَنِ ابْنِ البَيِّعِ، عَنِ المَحَامِلِيِّ، عَنْهُ.
قُلْتُ: لَيْسَ عِنْدَ أَحَدٍ مَنْ هَؤُلاَءِ بِهَذَا العُلُوِّ - أَعنِي السِّلَفِيَّ وَشيخَهُ - سِوَى حَدِيْثٍ وَاحِدٍ، وَقَعَ فِي (الدُّعَاءِ) لِلمَحَامِلِيِّ، عَنِ البُخَارِيِّ.
وَقَدْ وَثَّقَ الأَنْدَرَشِيَّ جَمَاعَةٌ، وَحَمَلُوا عَنْهُ، وَمَا هُوَ بِمُتْقِنٍ، وَوَلِيَ خِطَابَةَ المَرِيَّةِ.
стр. 13684
قَالَ الأَبَّارُ (١) : كَانَ مُكْثِراً رَحَّالَةً، نَسَبَهُ بَعْضُ شُيُوْخِنَا إِلَى الاضْطِرَابِ، وَمَعَ ذَلِكَ انتَابَهُ النَّاسُ، وَأَخَذَ عَنْهُ أَبُو سُلَيْمَانَ بنُ حَوْطِ اللهِ وَأَكَابِرُ أَصْحَابِنَا، وَأَجَاز لِي، وَأَوَّلُ رِحلَتِهِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.
تُوُفِّيَ: فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ (٢) ، سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، عَلَى ظَهْرِ البَحْرِ، قَاصداً مَالقَةَ.
وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: سَمِعَ (المُوَطَّأَ) مِنِ ابْنِ حُنَيْنٍ بِفَاسَ، عَنِ ابْنِ الطَّلاَّعِ.
قُلْتُ: عِنْدَهُ مِنْ عَوَالِي مَالِكٍ مَا سَمِعَهُ مِنْ شُهْدَةَ.
١٣٩ - الرَّافِعِيُّ عَبْدُ الكَرِيْمِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الكَرِيْمِ *
شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ، عَالِمُ العَجمِ وَالعَربِ، إِمَامُ الدِّينِ، أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ الكَرِيْمِ ابنُ العَلاَّمَةِ أَبِي الفَضْلِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الكَرِيْمِ بنِ الفَضْلِ بنِ الحُسَيْنِ الرَّافِعِيُّ، القَزْوِيْنِيُّ.
مَوْلِدُهُ: سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِيْنَ.
وَقرَأَ عَلَى أَبِيْهِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّيْنَ.
وَرَوَى عَنْهُ، وَعَنْ: عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي الفُتُوْحِ بنِ عِمْرَانَ الفَقِيْهِ، وَحَامِدِ بنِ стр. 13685
مَحْمُوْدٍ الخَطِيْبِ الرَّازِيِّ، وَأَبِي الخَيْرِ الطَّالْقَانِيّ، وَأَبِي الكَرَمِ عَلِيِّ بنِ عَبْدِ الكَرِيْمِ الهَمَذَانِيِّ، وَعَلِيِّ بنِ عُبَيْدِ اللهِ الرَّازِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ أَحْمَدَ بنِ حَسْنَوَيْه، وَعَبْدِ العَزِيْزِ بنِ الخَلِيْلِ الخَلِيْلِيّ، وَمُحَمَّدِ بنِ أَبِي طَالِبٍ الضَّرِيْرِ، وَالحَافِظِ أَبِي العَلاَءِ العَطَّارِ - وَأُرَاهُ بِالإِجَازَةِ - وَبِهَا عَنْ: أَبِي زُرْعَةَ المَقْدِسِيِّ، وَأَبِي الفَتْحِ بنِ البَطِّيِّ.
سَمِعَ مِنْهُ: الحَافِظُ عَبْدُ العَظِيْمِ بِالمَوْسِمِ، وَأَجَازَ لأَبِي الثَّنَاءِ مَحْمُوْدِ بنِ أَبِي سَعِيْدٍ الطَّاوُوْسِيِّ، وَعَبْدِ الهَادِي بنِ عَبْدِ الكَرِيْمِ خَطِيْبِ المِقيَاسِ، وَالفَخْرِ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ ابْنِ السُّكَّرِيِّ.
وَكَانَ مِنَ العُلَمَاءِ العَامِلِينَ، يُذْكَرُ عَنْهُ تَعَبُّدٌ، وَنُسْكٌ، وَأَحْوَالٌ، وَتوَاضعٌ انْتَهَت إِلَيْهِ مَعْرِفَةُ المَذْهَبِ.
لَهُ: (الفَتْحُ العَزِيْزِ فِي شرحِ الوجِيْزِ) ، وَشرحٌ آخرُ صَغِيْرٌ، وَلَهُ (شرحُ مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ) فِي مُجَلَّدَيْنِ، تَعِبَ عَلَيْهِ، وَأَرْبَعُوْنَ حَدِيْثاً مَرْوِيَّةً، وَلَهُ (أَمَالِي عَلَى ثَلاَثِيْنَ حَدِيْثاً) ، وَ (كِتَابُ التَّذْنِيبِ) فَوَائِدُ عَلَى الوجِيْزِ.
قَالَ ابْنُ الصَّلاَحِ: أَظَنُّ لَمْ أَرَ فِي بلاَدِ العجمِ مِثْلَهُ، كَانَ ذَا فُنُوْنٍ، حَسَنَ السِّيْرَةِ، جَمِيْلَ الأَمْرِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ الإِسْفَرَايِيْنِيُّ الصَّفَّارُ: هُوَ شَيْخُنَا، إِمَامُ الدِّينِ، نَاصِرُ السُّنَّةِ صِدْقاً، أَبُو القَاسِمِ، كَانَ أَوحدَ عصرِهِ فِي الأُصُوْلِ وَالفُرُوْعِ، وَمُجْتَهِدَ زَمَانِهِ، وَفرِيْدَ وَقتِهِ فِي تَفْسِيْرِ القُرْآنِ وَالمَذْهَبِ، كَانَ لَهُ مَجْلِسٌ لِلتَّفْسِيرِ وَتَسمِيْعِ الحَدِيْثِ بِجَامِعِ قَزْوِيْنَ، صَنَّفَ كَثِيْراً، وَكَانَ زَاهِداً، وَرِعاً، سَمِعَ الكَثِيْرَ.
قَالَ الإِمَامُ النَّوَاوِيُّ: هُوَ مِنَ الصَّالِحِيْنَ المُتَمَكِّنِيْنَ، كَانَتْ لَهُ كَرَامَاتٌ كَثِيْرَةٌ ظَاهِرَةٌ.
стр. 13686
وَقَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: تُوُفِّيَ فِي ذِي القَعْدَةِ، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: سَمِعْتُ مِنْ أَبِي حُضُوْراً فِي الثَّالِثَةِ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّيْنِ الفَزَارِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ خَلِّكَانَ: أَنَّ خُوَارِزْم شَاه (١) غَزَا الكُرْجَ، وَقَتَلَ بسيفِهِ حَتَّى جَمَدَ الدَّمُ عَلَى يَدِهِ، فَزَارَهُ الرَّافِعِيُّ، وَقَالَ: هَاتِ يَدَكَ الَّتِي جَمَدَ عَلَيْهَا دَمُ الكُرْجِ حَتَّى أُقَبِّلَهَا (٢) .
قَالَ: لاَ، بَلْ أَنَا أُقَبِّلُ يَدَكَ، وَقَبَّلَ يَدَ الشَّيْخِ.
قُلْتُ: وَلوَالِدِ الرَّافِعِيِّ رِحلَةٌ، لَقِيَ فِيْهَا عَبْدَ الخَالِقِ ابْنَ الشَّحَّامِيِّ وَطَبَقَتَهُ، وَبَقِيَ إِلَى سَنَةِ نَيِّفٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ (٣) .
وَقَالَ مُظَفَّرُ الدِّيْنِ قَاضِي قَزْوِيْنَ: عِنْدِي بِخَطِّ الرَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ (التَّدْوِيْنِ فِي تَوَارِيخِ قَزْوِيْنَ) لَهُ أَنَّهُ مَنْسُوْبٌ إِلَى رَافِعِ بنِ خَدِيْجٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁.
قَالَ لِي أَبُو المَعَالِي بنُ رَافِعٍ: سَمِعْتُ الإِمَامَ رُكْنَ الدِّيْنِ عَبْدَ الصَّمَدِ بنَ مُحَمَّدٍ القَزْوِيْنِيَّ الشَّافِعِيَّ (٤) يَحكِي ذَلِكَ سَمَاعاً مِنْ مُظَفَّرِ الدِّيْنِ، ثُمَّ قَالَ الرُّكْنُ: لَمْ أَسْمَعْ بِبلاَدِ قَزْوِيْنَ بِبلدَةٍ يُقَالُ لَهَا: رَافِعَانِ (٥) . стр. 13687
أَخْبَرْنَا إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ المُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ العَظِيْمِ الحَافِظُ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِيْنَ، حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ الكَرِيْم بنُ مُحَمَّدٍ القَزْوِيْنِيّ لَفْظاً بِمَسْجِدِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ إِذْناً (ح) .
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الخَالِقِ القَاضِي، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ قُدَامَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُوْرٍ بنُ المُقَوِّمِيِّ إِجَازَةً - إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَاعاً - أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِمِ الخَطِيْبُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بنُ إِبْرَاهِيْمَ القَطَّانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَاجَه (١) ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ رَاشِدٍ (٢) ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الكَرِيْمِ (٣) ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ:
أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: (صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيْمَا سِوَاهُ، إِلاَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ، وَصَلاَةٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ) .
قَالَ عَبْدُ العَظِيْمِ: صوَابُهُ ابْنُ أَسَدٍ.
١٤٠ - البُخَارِيُّ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ أَحْمَدَ *
العَلاَّمَةُ، الأُصُوْلِيُّ، الشَّمْسُ، أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ أَحْمَدَ المَقْدِسِيُّ، الحَنْبَلِيُّ، المُلَقَّبُ بِالبُخَارِيِّ، أَخُو الحَافِظِ الضِّيَاءِ، وَوَالِدُ الشَّيْخِ الفَخْرِ. стр. 13688
وُلِدَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّيْنَ (١) .
وَارْتَحَلَ فَسَمِعَ مِنِ: ابْنِ شَاتيلَ، وَالقَزَّازِ، وَبِنَيْسَابُوْرَ مِنْ: عَبْدِ المُنْعِمِ ابنِ الفُرَاوِيِّ، وَبِهَمَذَانَ مِنْ: عَلِيِّ بنِ عَبْدِ الكَرِيْمِ العَطَّارِ، وَبِدِمَشْقَ مِنْ: أَبِي المَعَالِي بنِ صَابِرٍ، وَأَبِي الفَهْمِ ابنِ أَبِي العَجَائِزِ، وَعِدَّةٍ.
وَأَقَامَ بِبُخَارَى مُدَّةً (٢) يَشتغلُ عَلَى أَبِي الخَطَّابِ شرفٍ، وَأَخَذَ الخلاَفَ عَنِ الرَّضِيِّ النَّيْسَابُوْرِيِّ، وَكَانَ ذَكيّاً مُفَنَّناً، مُنَاظراً، وَقُوْراً، فَصِيْحاً، نَبيلاً، حُجَّةً، كُلُّ أَحَدٍ يُثنِي عَلَيْهِ.
رَوَى عَنْهُ: أَخُوْهُ، وَوَلَدُهُ، وَابْنُ أَخِيْهِ شَمْسُ الدِّيْنِ مُحَمَّدُ ابنُ الكَمَالِ، وَابْنُ خَالِهِ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّيْنِ عَبْدُ الرَّحْمَانِ، وَالقُوْصِيُّ، وَالعِزُّ ابنُ العِمَادِ، وَابْنُ الفَرَّاءِ، وَمُحَمَّدُ ابنُ الوَاسِطِيِّ، وَخَدِيْجَةُ بِنْتُ الرَّضِيِّ.
وَكَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ العِلْمِ، نَزلَ حِمْصَ مُدَّةً.
وَمَاتَ: فِي نِصْفِ جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ.
١٤١ - ابْنُ دُمْدُمٍ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَحْمَدَ الرَّبَعِيُّ *
فَقِيْهُ المَغْرِبِ، أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ ابنُ العَلاَّمَةِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بنِ أَحْمَدَ الرَّبَعِيُّ، التُّوْنُسِيُّ، المَالِكِيُّ، مُفْتِي غَرْنَاطَةَ.
قَالَ ابْنُ مَسْدِيٍّ: هُوَ أَحْفَظُ مَنْ لَقِيْتُ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ، تَفَقَّهَ بِأَبِيْهِ دُمْدُمٍ، وَسَمِعَ مِنَ الحَافِظِ عَبْدِ الحَقِّ. стр. 13689
مَاتَ: سَنَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَلَهُ نَيِّفٌ وَثَمَانُوْنَ سَنَةً.
١٤٢ - المِصْرِيُّ يُوْنُسُ بنُ بَدْرَانَ بنِ فَيْرُوْزِ بنِ صَاعِدٍ *
العَلاَّمَةُ، قَاضِي الشَّامِ، جَمَالُ الدِّيْنِ، يُوْنُسُ بنُ بَدْرَانَ بنِ فَيْرُوْزِ بنِ صَاعِدِ بنِ عَالِي القُرَشِيُّ، الشَّيْبِيُّ، الحِجَازِيُّ، ثُمَّ المليجِيُّ، المِصْرِيُّ، الشَّافِعِيُّ.
وُلِدَ: سَنَةَ خَمْسِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ تَقَرِيْباً.
وَسَمِعَ مِنَ: السِّلَفِيِّ، وَعَلِيِّ بنِ هِبَةِ اللهِ الكَامِلِيِّ، وَذَهَبَ رَسُوْلاً إِلَى الخَلِيْفَةِ، وَوَلِيَ وَكَالَةَ بَيْتِ المَالِ، وَتَدرِيسَ الأَمِينِيَّةِ، ثُمَّ قَضَاءَ القُضَاةِ، وَأَلقى بِالعَادليَّةِ جَمِيْعَ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ دُروساً، وَاختصرَ (الأُمَّ) ، وَلَهُ مصَنَّفٌ فِي الفَرَائِضِ، وَكَانَ شَدِيدَ الأُدْمَةِ، يَلثغُ بِالقَافِ هَمزَةً.
قَالَ أَبُو شَامَةَ (١) : كَانَ فِي وِلاَيتِهِ عَفِيْفاً، نَزِهاً، مَهِيْباً، يَحكمُ بِالجَامِعِ، وَنُقِمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ وِرَاثَةُ شَخْصٍ يَأْمرُهُ بِمُصَالَحَةِ بَيْتِ المَالِ، وَلكونِهِ اسْتنَابَ ابْنَ أَخِيْهِ مُحَمَّدٍ (٢) .
إِلَى أَنْ قَالَ: وَتُكُلِّمَ فِي نسبِهِ.
قَرَأْتُ بِخَطِّ الحَافِظِ الضِّيَاءِ: تُوُفِّيَ بِدِمَشْقَ، وَقَلِيْلٌ مَنْ تَرَحَّمَ عَلَيْهِ. стр. 13690
قُلْتُ: رَوَى عَنْهُ: البِرْزَالِيُّ، وَعُمَرُ بنُ الحَاجِبِ، وَالقُوْصِيُّ.
قَالَ ابْنُ الحَاجِبِ: كَانَ يُشَارِكُ فِي عُلُوْمٍ كَثِيْرَةٍ.
قُلْتُ: مَاتَ فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَدُفِنَ بدَارِهِ بِقُرْبِ القليجيَّةِ.
١٤٣ - ابْنُ بَازٍ الحُسَيْنُ بنُ عُمَرَ بنِ نَصْرٍ المَوْصِلِيُّ *
الحَافِظُ، الإِمَامُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنُ بنُ عُمَرَ بنِ نَصْرِ بنِ حَسَنِ بنِ سَعْدٍ، ابْنُ بَازٍ المَوْصِلِيُّ، التَّاجِرُ، السَّفَّارُ.
مُحَدِّثٌ، مُتْقِنٌ، مُفِيْدٌ.
سَمِعَ مِنْ: عَبْدِ الحَقِّ اليُوْسُفِيِّ، وَشُهْدَةَ الكَاتِبَةِ، وَلاَحِقِ بنِ كَارِهٍ، وَأَبِي شَاكِرٍ السَّقْلاَطُوْنِيِّ، وَعِدَّةٍ.
حَدَّثَنَا عَنْهُ: الأَبَرْقُوْهِيُّ، وَكَتَبَ عَنْهُ ابْنُ مَسْدِيٍّ، وَالرَّحَّالَةُ، وَعُنِيَ بِالحَدِيْثِ مُدَّةً، وَسَافَرَ فِي التَّكَسُّبِ إِلَى مِصْرَ وَالشَّامِ، ثُمَّ صَارَ شَيْخَ دَارِ الحَدِيْثِ المُظَفَّرِيَّةِ بِالمَوْصِلِ.
مَوْلِدُهُ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ (١) .
وَسَمِعَ بِالمَوْصِلِ مِنْ خَطِيْبِهَا، следующие страницы →