Полный текст (14 211 стр.). Показаны 14001–14040 · переход к 14006.
стр. 14001
وَهُوَ أَخُو القَاضِي حَمْزَةَ بنِ عَلِيٍّ الأَشْرَفِ.
مَاتَ: فِي رَمَضَانَ، سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَدُفِنَ بِتُربَة آبَائِهِ بِالقرَافَةِ.
١٠٨ - صَاحِبُ اليَمَنِ المَنْصُوْرُ عُمَرُ بنُ عَلِيِّ بنِ رَسُوْلِ بنِ هَارُوْنَ *
السُّلْطَانُ، المَلِكُ المَنْصُوْرُ، نُوْرِ الدِّيْنِ عُمَرُ بنُ عَلِيِّ بنِ رَسُوْل بن هَارُوْنَ بن أَبِي الفَتْحِ.
قِيْلَ: إِنَّهُ مِنْ وَلدِ جَبَلَة بن الأَيْهَمِ الغَسَّانِيّ.
تَملّك بِزَبِيْد، وَجَرَتْ لَهُ حُرُوْب وَسِيَرٌ، وَتَمَكَّنَ، وَكَانَ شُجَاعاً سَائِساً جَوَاداً مَهِيْباً، لَهُ نَحْوٌ مِنْ أَلف مَمْلُوْك.
وَقَدْ كَانَ الكَامِل جَهَّز مِنْ مِصْرَ عَسْكَراً، فَقصدهُم المَنْصُوْر، فَفَرُوا مِنْهُ.
وَقِيْلَ: بَلْ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ العَسْكَر أَجوبَة، فَظَفِرَ بِهَا مقدمهُم جغرِيل، فَخَافَ وَقفز أَمِيْرَانِ: فَيْرُوْز وَابْن بُرطَاس إِلَى المَنْصُوْرِ.
حَدَّثَنِي تَاج الدِّيْنِ عَبْد البَاقِي: أَن مَمَالِيْك المَنْصُوْر قَتلُوْهُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ (١) ، وَسَلطنُوا ابْنَ أَخِيْهِ فَخْرَ الدِّيْنِ أَبَا بَكْرٍ بنَ حسنٍ، وَلَقَّبوهُ стр. 14002
بِالمُعَظَّمِ، فَلَمْ يَسْتَمرَّ ذَلِكَ، وَتَمَلَّكَ المُظَفَّرُ ابْنُ المَقْتُولِ.
١٠٩ - المُسْتَعْصِمُ بِاللهِ أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ المُسْتَنْصِرِ بِاللهِ الهَاشِمِيُّ *
الخَلِيْفَةُ، الشَّهِيْدُ، أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ المُسْتَنْصِرِ بِاللهِ مَنْصُوْرٍُ ابْنِ الظَّاهِرِ مُحَمَّدٍ ابْنِ النَّاصِرِ أَحْمَد ابْنِ المُسْتَضِيْءِ الهَاشِمِيُّ، العَبَّاسِيُّ، البَغْدَادِيُّ.
وُلِدَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّ مائَةٍ.
وَاستخلف سَنَة أَرْبَعِيْنَ يَوْم مَوْت أَبِيْهِ فِي عَاشر (١) جُمَادَى الآخِرَة، وَكَانَ فَاضِلاً، تَالياً لِكِتَابِ اللهِ، مليح الكِتَابَة.
خَتَمَ (٢) عَلَى ابْنِ النَّيَّار، فَأَكْرَمَهُ يَوْم الْخَتْم سِتَّة آلاَف دِيْنَار، وَبلغت الخِلَعُ يَوْمَ بيعَته أَزْيَدَ مِنْ ثَلاَثَةَ عَشَرَ أَلفَ خِلْعَةٍ.
استَجَازَ لَهُ ابْنُ النَّجَّارِ المُؤَيَّد الطُّوْسِيَّ وَعَبْد المُعِزِّ الهَرَوِيّ، وَسَمِعَ مِنْهُ بِهَا شَيْخُه أَبُو الحَسَنِ ابْن النَّيَّار، وَحَدَّثَ عَنْهُ.
وَحَدَّثَ عَنْهُ بِهَذِهِ الإِجَازَة فِي حيَاته: البَاذَرَائِيُّ، وَمُحْيِي الدِّيْنِ ابْنُ الجَوْزِيِّ. стр. 14003
وَكَانَ كَرِيْماً، حَلِيماً، دَيِّناً، سَلِيمَ البَاطِنِ، حَسَنَ الهَيْئَةِ (١) .
وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ بِمَرَاغَةَ وَلَدُه الأَمِيْرُ مُبَارَكٌ (٢) .
قَالَ قُطْبُ الدِّيْنِ اليُوْنِيْنِيُّ (٣) : كَانَ مُتَدَيِّناً مُتمسِّكاً بالسُّنَّةِ كَأَبِيْهِ وَجَدِّهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي حزم أَبِيْهِ، وَتيقّظه، وَعُلُوِّ هِمْتِهِ، وَإِقدَامِهِ، وَإِنَّمَا قَدَّمُوْهُ عَلَى عَمِّهِ الخَفَاجِيّ لِمَا يَعلمُوْنَ مِنْ لِينهِ وَانْقِيَادِهِ وَضَعفِ رَأْيِه لِيَستَبِدُّوا بِالأُمُوْر.
ثُمَّ إِنَّهُ اسْتَوْزَر المُؤَيَّد ابْنَ العَلْقَمِيّ الرَّافضِيّ، فَأَهْلك الحَرْثَ وَالنَّسْلَ، وَحَسَّن لَهُ جَمعَ الأَمْوَال، وَأَنَّ يَقتصِرَ عَلَى بَعْض العَسَاكِر، فَقطع أَكْثَرهُم، وَكَانَ يَلعبُ بِالحَمَّامِ، وَفِيْهِ حرص وَتوَانٍ.
وَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ (٤) : عَاثت الخُوَارِزْمِيَّةُ بقُرَى الشَّامِ.
وَصَالَحَتِ التَّتَارُ صَاحِبَ الرُّوْمِ عَلَى أَلفِ دِيْنَارٍ، وَفرس وَمَمْلُوْك وَجَارِيَة (٥) فِي كُلِّ نَهَارٍ، بَعْدَ أَنِ اسْتبَاحُوا قَيْصَرِيَّةَ.
وَأُهْلِكَ قَاضِي القُضَاةِ بِدِمَشْقَ الرّفِيع الجِيْلِيّ.
وَدَخَلت الفِرَنْج القُدْس، وَرشُّوا الخَمْرَ عَلَى الصَّخْرَةِ، وَذَبَحُوا عِنْدَهَا خِنْزِيْراً، وَكَسَرُوا مِنْهَا شقفَةً. стр. 14004
وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ (١) : كَانَ حِصَارُ الخُوَارِزْمِيَّةِ عَلَى دِمَشْقَ فِي خدمَةِ صَاحِب مِصْر، وَاشتدَّ القَحط بِدِمَشْقَ، ثُمَّ التَقَى الشَّامِيُّوْنَ وَمَعَهُم عَسْكَر مِنَ الفِرَنْج، وَالمِصْرِيّون وَمَعَهُمُ الخُوَارِزْمِيَّةُ بَيْنَ عَسْقَلاَنَ وَغَزَّةَ، فَانْهَزَم الجمعَانِ، وَلَكِن حَصَدَتِ الخُوَارِزْمِيَّةُ الفِرَنْجَ فِي سَاعَةٍ، ثُمَّ أَسرُوا مِنْهُم ثَمَانِي مائَةٍ.
وَيُقَالُ: زَادت القَتْلَى عَلَى ثَلاَثِيْنَ أَلْفاً.
وَاندكَّ صَاحِب حِمْص، وَنُهِبَتْ خَزَائِنُه وَبَكَى، وَقَالَ: قَدْ علمت بِأَنَّا لاَ نُفلح لَمَّا سِرْنَا تَحْتَ الصُّلبَانِ، وَاشتدَّ الحصَارُ عَلَى دِمَشْقَ.
وَجَاءت مِنَ الحَجّ أُمُّ المُسْتَعْصِم وَمُجَاهِد الدِّيْنِ الدُّوَيْدَار وَقيرَان (٢) ، وَكَانَ وَفداً عَظِيْماً.
وَمَاتَ الوَزِيْرُ ابْنُ النَّاقِدِ، فَوزرَ المُؤَيَّدُ ابْنُ العَلْقَمِيّ وَالأُسْتَاذُ دَارِيَة لِمُحْيِي الدِّيْنِ ابْنِ الجَوْزِيِّ.
وَدَخَلت سَنَةَ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعِيْنَ: وَالحصَار عَلَى دِمَشْقَ، وَتَعَثَّرت الرَّعِيَّة، وَخَربت الحوَاضرُ، وَكَثُرَ الفنَاءُ، وَفِي الآخَرِ ترك البَلَدَ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيْلُ، وَصَاحِبُ حِمْص، وَتَرَحَّلاَ إِلَى بَعْلَبَكَّ، وَدَخَلَ البَلَدَ مُعِيْنُ الدِّيْنِ حَسَنٌ ابْنُ الشَّيْخِ، وَحَكَمَ وَعَزل مِنَ القَضَاء مُحْيِي الدِّيْنِ ابْنَ الزَّكِيّ، وَوَلَّى صَدْر الدِّيْنِ ابْنَ سَنِيِّ الدَّوْلَة.
وَجَاءَ رَسُوْلُ الخِلاَفَةِ ابْنُ الجَوْزِيِّ (٣) بِخِلَعِ السَّلْطَنَةِ لِلملكِ الصَّالِح نَجْم الدِّيْنِ. стр. 14005
وَفِيْهَا جَاءت فِرقَة مِنَ التَّتَار إِلَى بعقوبَا، فَالتقَاهُم الدُّوَيْدَار، فَكسرهُم.
وَفِي ذِي القَعْدَةِ: بلغت غرَارَة الْقَمْح بِدِمَشْقَ أَلْفاً وَمائتَيْ دِرْهَمٍ (١) .
وَفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ (٢) : عَاثَت الخُوَارِزْمِيَّة وَتَخَرّبت القُرَى، فَالتقَاهُم عَسْكَرُ حَلَبَ وَحِمْصَ، فَكُسرُوا شَرَّ كَسْرَةٍ عَلَى بُحَيْرَةِ حِمْصَ، وَقُتِلَ مُقَدَّمُهُم بَرَكَة خَان، وَحَار الصَّالِح إِسْمَاعِيْل فِي نَفْسِهِ، وَالْتَجَأَ إِلَى صَاحِبِ حَلَبَ.
وَفِيْهَا خِتَانُ أَحْمَدَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَلَدِيِ الخَلِيْفَة وَأَخِيْهِ عليّ (٣) ، فَمَنِ الوليمَة أَلفٌ وَخَمْسُ مائَةِ رَأْسِ شوَاءٍ (٤) .
وَقَدِمَ رَسُوْلاَنِ مِنَ التَّتَار أَحَدهُمَا مِنْ بَركَة، وَالآخرِ مِنْ بايجُو، فَاجْتَمَعُوا بِابْنِ العَلْقَمِيّ، وَتعمّت الأَخْبَار (٥) .
وَفِيْهَا أَخذتِ الفِرَنْجُ شَاطِبَةَ.
وَفِي سَنَة خَمْسٍ وَأَرْبَعِيْنَ (٦) : رَاح الصَّالِح إِلَى مِصْرَ، وَخلّف جَيْشَهُ يُحَاصِرُوْنَ عَسْقَلاَن وَطَبَرِيَة فَافْتَتَحُوهُمَا، وَحَاصَرَ الحَلَبِيُّوْنَ حِمْص أَشْهُراً، وتَعِبَ صَاحِبهَا الأَشْرَف فَسلَّمهَا، وَعُوِّضَ عَنْهَا بِتَلِّ بَاشِرَ فِي سَنَةِ سِتّ.
وَفِي سَنَةِ سَبْعٍ (٧) : هَجَمت الفِرَنْج دِمْيَاط فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ، فَهَرَبَ стр. 14006
النَّاسُ مِنَ البَابِ الآخرِ، وَتَمَلَّكَهَا الفِرَنْج صَفْواً عَفْواً - نَعُوذ بِاللهِ مِنَ الخِذْلاَنِ - وَكَانَ السُّلْطَان بِالمَنْصُوْرَةِ، فَغَضِبَ عَلَى أَهْلِهَا، وَشَنَقَ سِتِّيْنَ مِنْ أَعيَانِ أَهْلهَا، وَذَاقُوا ذُلاً وَجوعاً، وَاسْتوحشَ العَسْكَر مِنَ السُّلْطَانِ - وَقِيْلَ: هَمَّ مَمَالِيْكُه بِقَتْلِهِ - فَقَالَ نَائِبه فَخْرُ الدِّيْنِ ابْن الشَّيْخ: اصبِرُوا فَهُوَ عَلَى شفَا.
فَمَاتَ فِي نِصْفِ شَعْبَانَ، وَأُخْفِيَ مَوْتُهُ إِلَى أَنْ أُحْضِرَ ابْنُهُ المُعَظَّمُ تُوْرَانْشَاه مِنْ حِصنِ كَيْفَا، فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ قَلِيْلاً وَقَتَلُوْهُ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ المَنْصُوْرَةِ فِي ذِي القَعْدَةِ، فَسَاقت الفِرَنْج إِلَى الدِّهْلِيْز، فَخَرَجَ نَائِب السّلطنَةِ فَخْرُ الدِّيْنِ ابْن الشَّيْخ وَقَاتَلَ فَقُتِلَ، وَانْهَزَم المُسْلِمُوْنَ وَعَظُمَ الخَطْبُ، ثُمَّ تَنَاخَى العَسْكَر، وَكَرُّوا عَلَى العَدُوِّ فَطَحَنُوهُم، وَقَتَلُوا خَلْقاً، وَنَزَلَ النَّصْرُ.
ثُمَّ فِي ذِي الحِجَّةِ: كَانَ وُصُوْل المُعَظَّمِ، وَكَانَ نَوَى أَنْ يَفتك بِفَخْرِ الدِّيْنِ، لأَنَّه بَلَغَهُ أَنَّهُ رَامَ السَّلْطَنَةَ.
وَاستهلّت سَنَةَ ثَمَانٍ: وَالفِرَنْج عَلَى المَنْصُوْرَةِ بِإِزَاء المُسْلِمِيْنَ، وَلَكِنهُم فِي ضَعْفٍ وَجُوْعٍ، وَمَاتَتْ خَيلهُم، فَعزم الفَرنسِيسُ (١) عَلَى الرُّكوبِ ليلاً إِلَى دِمْيَاط، فَعَلِمَ المُسْلِمُوْنَ، وَكَانَتِ الفِرَنْج قَدْ عَملُوا جِسْراً عَظِيْماً عَلَى النِّيلِ، فَذَهلُوا عَنْ قطعه، فَدَخَلَ مِنْهُ المُسْلِمُوْنَ فَكَبَسُوهُم، فَالتَجَأَتِ الفِرَنْج إِلَى مُنْيَةِ أَبِي عَبْدِ اللهِ، فَأَحَاطَ بِهِم الجَيْش، وَظَفِرَ أصطول المُسْلِمِيْنَ بِأصطولهم، وَغنمُوا مَرَاكِبَهُم، وَبَقِيَ الفَرنسيس فِي خَمْس مائَة فَارِسٍ وَخُذِلَ، فَطَلبَ الطّوَاشِي رشيد وَسَيْف الدِّيْنِ القيمرِي، فَأَتَوْهُ، فَطَلبَ أَمَاناً، فَأَمَّنَاهُ عَلَى أَنْ لاَ يَمرُّوا بِهِ بَيْنَ النَّاس، وَهَرَبَ جُمْهُوْرِ الفِرَنْج، وَتَبِعَهُم العَسْكَر، وَبقوا جُمْلَةً وَجُملَةً حَتَّى أُبِيْدت خَضْرَاؤُهُم، حَتَّى قِيْلَ: نَجَا مِنْهُم فَارِسَانِ، ثُمَّ غَرِقَا فِي البَحْر! وَغنم المُسْلِمُوْنَ مَا لاَ يُعَبَّر عَنْهُ. стр. 14007
أَنْبَأَنِي الخَضِرُ بنُ حَمُّوَيْه، قَالَ: لَوْ أَرَادَ ملكهُم لنجَا عَلَى فَرَسِهِ وَلَكِنَّهُ حَمَى سَاقيه، فَأُسر هُوَ وَجَمَاعَة مُلُوْك وَكُنُوْد (١) ، فَأُحْصِي الأَسرَى فَكَانُوا نَيِّفاً وَعِشْرِيْنَ أَلْفاً، وَغَرِقَ وَقُتِلَ سَبْعَة آلاَف، وَكَانَ يَوْماً مَا سَمِعَ المُسْلِمُوْنَ بِمِثْلِهِ، وَمَا قُتِلَ مِنَ المُسْلِمِيْنَ نَحْو المائَة، وَاشْتَرَى الفرنسيسُ نَفْسه بِرَدِّ دِمْيَاط وَبِخَمْس مائَةِ أَلْفِ دِيْنَارٍ.
وَجَاءَ كِتَابُ المُعَظَّم، وَفِيْهِ فِي أَول السّنَة ترك العَدُوّ خِيَامهُم، وَقَصَدُوا دِمْيَاطَ، فَعملَ السَّيْفُ فِيهِم عَامَّةَ اللَّيْلِ، وَإِلَى النَّهَار، فَقَتَلنَا مِنْهُم ثَلاَثِيْنَ أَلْفاً غَيْرَ مَنْ أَلقَى نَفْسَهُ فِي المَاء، وَأَمَّا الأَسرَى فَحَدِّثْ عَنِ البَحْرِ وَلاَ حَرَجَ.
وَفِي أَوَاخِرِ المُحَرَّم قتلُوا المُعَظَّم.
وَفِيْهَا اسْتولَى صَاحِب حَلَب عَلَى دِمَشْقَ، ثُمَّ سَارَ ليَأْخُذَ مِصْرَ، وَهَزَمَ المِصْرِيّينَ، ثُمَّ تَنَاخَوْا وَهَزَمُوْهُ وَقتلُوا نَائِبَهُ.
وَاستولَى لُؤْلُؤٌ عَلَى جَزِيْرَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَقُتِلَ مَلِكُهَا فِي سَنَةِ تِسْعٍ.
وَفِي سَنَةِ خَمْسِيْنَ أَغَارتِ التَّتَارُ عَلَى مَيَّافَارِقِيْنَ وَسروج، وَعَلَيْهِم كشلوخَان المَغُلِي.
وَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِيْنَ: أَخَذَ المُسْلِمُوْنَ صَيْدَا، وَهَرَبَ أَهْلُهَا إِلَى قَلعَتِهَا.
وَفِيْهَا: قَدَمت بِنْتُ عَلاَءِ الدِّيْنِ صَاحِب الرُّوْم، فَدَخَلَ بِهَا صَاحِبُ دِمَشْقَ الْملك النَّاصِرُ، فَكَانَ عُرْساً مَشْهُوْداً، وَعُملت القِبَابُ، وَكَانَ الخُلْفُ وَاقِعاً بَيْنَ النَّاصِرِ وَبَيْنَ صَاحِبِ مِصْرَ المُعِزِّ، ثُمَّ بَعْد مُدَّةٍ وَقَعَ الصُّلحُ. стр. 14008
وَفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِيْنَ: كَانَ ظُهُوْرُ الآيَةِ الكُبْرَى - وَهِيَ النَّارُ - بِظَاهِرِ المَدِيْنَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَدَامت أَيَّاماً تَأْكُل الحجَارَةِ، وَاسْتغَاثَ أَهْلُ المَدِيْنَةِ إِلَى اللهِ وَتَابُوا، وَبَكَوْا، وَرَأَى أَهْلُ مَكَّةَ ضَوْءهَا مِنْ مَكَّةَ، وَأَضَاءتْ لَهَا أَعْنَاقُ الإِبِل بِبُصْرَى، كَمَا وَعَدَ بِهَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فِيمَا صَحَّ عَنْهُ.
وَكُسِفَ فِيْهَا الشَّمْسُ وَالقَمَرُ، وَكَانَ فِيْهَا الغَرَقُ العَظِيْمُ بِبَغْدَادَ، وَهَلَكَ خَلْقٌ مِنْ أَهْلِهَا، وَتَهدَّمتِ البُيُوْتُ، وَطَفَحَ المَاء عَلَى السُّوْر.
وَفِيْهَا: سَارَ الطَّاغِيَة هُوْلاَكُو بنُ تولي بن جنكزخَان فِي مائَةِ أَلْفٍ، وَافتَتَح حصن الأَلموت، وَأَبَادَ الإِسْمَاعِيْلِيَّة، وَبَعَثَ جَيْشاً عَلَيْهِم باجونَوِين، فَأَخذُوا مَدَائِنَ الرُّوْمِ، وَذلَّ لَهُم صَاحِبهَا، وَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيْرٌ.
وَفِيْهَا كَانَ حَرِيْق مَسْجِدِ النَّبِيّ ﷺ جَمِيْعِهِ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ مِنْ مسرجَة القَيِّمِ - فَلله الأَمْرُ كُلُّهُ -.
وَفِي سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِيْنَ: مَاتَ صَاحِبُ مِصْرَ الملكُ المُعِزُّ أَيبك التُّرُكْمَانِيّ، قَتَلَتْه زَوجَتُه شَجَرُ الدُّرِّ فِي الغِيْرَةِ، فَوُسِّطَتْ.
وَجَرَتْ فِتْنَةٌ مَهُولَةٌ بِبَغْدَادَ بَيْنَ النَّاس وَبَيْنَ الرَّافِضَّةِ، وَقُتِلَ عِدَّة مِنَ الفَرِيْقَيْنِ، وَعَظُمَ البَلاَءُ، وَنُهِبَ الكَرْخُ، فَحنقَ ابْن العَلْقَمِيّ الوَزِيْرُ الرَّافضِيُّ، وَكَاتَبَ هُوْلاَكُو، وَطَمَّعَهُ فِي العِرَاق، فَجَاءت رُسُل هُوْلاَكُو إِلَى بَغْدَادَ، وَفِي البَاطِنِ مَعَهُم فَرمَانَات لِغَيْرِ وَاحِدٍ، وَالخَلِيْفَةُ لاَ يَدْرِي مَا يَتُم، وَأَيَّامُه قَدْ وَلّت، وَصَاحِب دِمَشْق شَابٌّ غرٌّ جبَانٌ، فَبَعَثَ وَلَدَهُ الطِّفْلَ مَعَ الحَافِظِيِّ بِتقَادمٍ وَتُحَفٍ إِلَى هُوْلاَكُو، فَخَضَعَ لَهُ، وَمِصْرُ فِي اضْطِرَابٍ بَعْدَ قَتلِ المُعِزِّ، وَصَاحِبُ الرُّوْمِ قَدْ هَرَبَ إِلَى بِلاَدِ الأَشكرِيِّ، فَتَمَرَّدَ هُوْلاَكُو وَتَجَبَّرَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى المَمَالِكِ، وَعَاثَ جُندُه الكَفرَةُ يَقْتُلُوْنَ وَيَأْسرُوْنَ وَيَحرِقُوْنَ.
стр. 14009
وَدَخَلتْ سَنَةُ سِتٍّ: فَسَارَ عَسْكَرُ النَّاصِرِ وَعَلَيْهِم المُغِيْثُ ابْنُ صَاحِبِ الكَرَكِ لِيَأْخذُوا مِصْرَ، فَالتقَاهُمُ المُظَفَّرُ قُطُزُ، وَهُوَ نَائِبٌ لِلْمَنْصُوْرِ عَلِيٍّ وَلَدِ المُعِزّ بِالرَّملِ، فَكَسَرهُم، وَأَسَرَ جَمَاعَةَ أُمَرَاءَ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُم.
وَأَمَّا هُوْلاَكُو، فَقصدَ بَغْدَادَ، فَخَرَجَ عَسْكَرُهَا إِلَيْهِ، فَانكَسَرُوا، وَكَاتَبَ لُؤْلُؤٌ صَاحِبُ المَوْصِلِ وَابْنُ صلاَيَا مُتَوَلِّي إِرْبِلَ الخَلِيْفَةَ سِرّاً يَنْصَحَانِه، فَمَا أَفَادَ، وَقُضِيَ الأَمْرُ، وَأَقْبَلَ هُوْلاَكُو فِي المَغُوْلِ وَالتُّركِ وَالكُرْجِ وَمَددٍ مِنِ ابْنِ عَمِّهِ بَرَكَةَ وَمَددٍ مِنْ عَسْكَرِ لُؤْلُؤٍ عَلَيْهِم ابْنُه الملكُ الصَّالِحُ، فَنَزَلُوا بِالجَانبِ الغَربِيِّ، وَأَنشَأَوا عَلَيْهِم سُوراً، وَقِيْلَ: بَلْ أَتَى هُوْلاَكُو البلدَ مِنَ الجَانبِ الشَّرْقِيِّ (١) ، فَأَشَارَ الوَزِيْرُ عَلَى الخَلِيْفَةِ بِالمدَارَاةِ، وَقَالَ: أَخرُجُ إِلَيْهِ أَنَا.
فَخَرَجَ، وَاسْتوثَقَ لِنَفْسِهِ، وَردَّ، فَقَالَ: القَانُ رَاغِبٌ فِي أَنْ يُزوِّج بِنْتَهُ بِابْنِكَ أَبِي بَكْرٍ، وَيُبْقَي لَكَ مَنصِبَك كَمَا أَبْقَى صَاحِبَ الرُّوْم فِي مَمْلَكتِه مِنْ تَحْتِ أَوَامرِ القَانِ، فَاخرُجْ إِلَيْهِ.
فَخَرَجَ فِي كُبَرَاءِ دَوْلَتِه لِلنِّكَاحِ يَعْنِي، فَضَرَبَ أَعْنَاق الكُلِّ بِهَذِهِ الخَديعَةِ، وَرُفِسَ المُسْتَعْصِمُ حَتَّى تلف، وَبَقِيَ السَّيْفُ فِي بَغْدَادَ بَضْعَةً وَثَلاَثِيْنَ يَوْماً، فَأَقلُّ مَا قِيْلَ: قُتلَ بِهَا ثَمَانُ مائَةِ أَلْفِ نَفْسٍ، وَأَكْثَرُ مَا قِيْلَ: بَلَغُوا أَلفَ أَلفٍ وَثَمَانِ مائَةِ أَلْفٍ، وَجَرَتِ السُّيُولُ مِنَ الدِّمَاءِ - فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْنَ -.
ثُمَّ بَعْدَ ذَهَابِ البلدِ وَمَنْ فِيْهِ إِلاَّ اليَسِيْرَ، نُودِيَ بِالأَمَانِ، وَانعكسَ عَلَى الوَزِيْرِ مَرَامُه، وَذَاقَ ذُلاًّ وَوَيلاً، وَمَا أَمهلَهُ اللهُ.
وَمِنَ القَتْلَى: مُجَاهِدُ الدِّيْنِ الدُّوَيْدَارُ، وَالشَّرَابِيُّ، وَابْنُ الجَوْزِيِّ أُسْتَاذُ الدَّارِ، وَبَنُوهُ، وَقُتِلَ بَايْجُو نَوِيْنَ نَائِبُ هُوْلاَكُو، اتَّهمَه بِمُكَاتِبَةِ الخَلِيْفَةِ، стр. 14010
وَرجع هُوْلاَكُو بِالسَّبْيِ وَالأَمْوَال إِلَى أَذْرَبِيْجَانَ، فَنَزَلَ إِلَى خِدْمَتِه لُؤْلُؤٌ، فَخلعَ عَلَيْهِ، وَردَّه إِلَى المَوْصِلِ، وَنَزَلَ إِلَيْهِ ابْنُ صلاَيَا، فَضَرَبَ عُنُقَه، وَبَعَثَ عَسْكَراً حَاصرُوا مَيَّافَارِقِيْنَ، وَبَعَثَ رَسُوْلاً إِلَى النَّاصِرِ وَكِتَابُه: خِدْمَة ملك نَاصِر طَالَ عُمُرُهُ إِنَّا فَتحنَا بَغْدَادَ، وَاسْتَأْصلنَا مَلِكَهَا وَمُلْكَهَا، وَكَانَ ظَنَّ إِذْ ضنَّ بِالأَمْوَالِ وَلَمْ يُنَافس فِي الرِّجَالِ أَن ملكه يَبْقَى عَلَى ذَلِكَ الحَال، وَقَدْ علاَ قدرُه وَنَمَى ذِكْرُهُ، فَخُسف فِي الكَمَال بَدرُه:
إِذَا تَمَّ أَمرٌ بَدَا نَقصُهُ ... تَوقَّعْ زَوَالاً إِذَا قِيْلَ: تَمّ
وَنَحْنُ فِي طَلَبِ الازْدِيَادِ عَلَى مَمرِّ الآبَادِ، فَأَبدِ مَا فِي نَفْسِك، وَأَجِبْ دَعْوَةَ ملكِ البَسيطَةِ تَأْمنْ شَرَّه، وَتَنَلْ بِرَّهُ، وَاسْعَ إِلَيْهِ، وَلاَ تُعوِّقْ رَسُوْلنَا، وَالسَّلاَمُ.
ذَكرَ جَمَالُ الدِّيْنِ سُلَيْمَانُ بنُ رَطْلَيْن الحَنْبَلِيُّ، قَالَ:
جَاءَ هُوْلاَكُو فِي نَحْوِ مائَتَيْ أَلْفٍ، ثُمَّ طَلبَ الخَلِيْفَةَ، فَطَلَعَ مَعَهُ القُضَاةُ وَالأَعيَانُ فِي نَحْوٍ مِنْ سَبْعِ مائَةِ نَفْسٍ، فَمُنعُوا، وَأُحضرَ الخَلِيْفَةُ وَمَعَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ كَانَ أَبِي (١) مِنْهُم، وَضَرَبَ رِقَابَ سَائِرِ أُوْلَئِكَ، فَأُنْزِلَ الخَلِيْفَةُ فِي خَيمَةٍ وَالسَّبْعَةَ عَشَرَ فِي خَيمَةٍ.
قَالَ أَبِي: فَكَانَ الخَلِيْفَةُ يَجِيْءُ إِلَيْنَا فِي اللَّيْلِ، وَيَقُوْلُ: ادعُوا لِي.
قَالَ: فَنَزَلَ عَلَى خَيمَتِه طَائِرٌ، فَطَلَبَهُ هُوْلاَكُو، فَقَالَ: أَيش عَملُ هَذَا الطَّائِرِ؟ وَمَا قَالَ لَكَ؟
ثُمَّ جَرَتْ لَهُ مُحَاوَرَةٌ مَعَهُ، وَأَمرَ بِهِ وَبِابْنِه أَبِي بَكْرٍ، فَرُفِسَا حَتَّى مَاتَا، وَأَطلَقُوا السَّبْعَةَ عَشَرَ وَأَعْطوهُم نشَابَةً، فَقُتل مِنْهُم اثْنَانِ، стр. 14011
وَأَتَى البَاقُوْنَ دُورَهُم، فَوَجَدُوهَا بَلاَقعَ، فَأَتيتُ أَبِي بِالمُغِيْثِيَّةِ، فَوَجَدتُه مَعَ رِفَاقِه، فَلَمْ يَعرِفْنِي أَحَدٌ مِنْهُم، وَقَالُوا: مَا تُرِيْدُ؟
قُلْتُ: أُرِيْدُ فَخْرَ الدِّيْنِ ابْنَ رَطْلَيْن، وَقَدْ عَرَفْتُهُ.
فَالْتَفَتَ إِلَيَّ، وَقَالَ: مَا تُرِيْدُ مِنْهُ؟
قُلْتُ: أَنَا وَلدُهُ.
فَنَظَرَ، فَلَمَّا تَحَقَّقنِي، بَكَى، وَكَانَ مَعِي قَلِيْلُ سِمْسِمٍ، فَتركتُه بَيْنَهُم.
وَعَمِلَ ابْنُ العَلْقَمِيِّ عَلَى تَركِ الجُمُعَاتِ، وَأَنْ يَبنِيَ مَدْرَسَةً عَلَى مَذْهَبِ الرَّافِضَّةِ، فَمَا بلغَ أَملُه، وَأُقيمتِ الجُمعَاتُ.
وَحَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: كَانَ قَدْ مَشَى حَالُ الخَلِيْفَةِ بِأَنْ يَكُوْنَ لِلتَّتَارِ نِصْفُ دَخْلِ العِرَاقِ، وَمَا بَقِيَ شَيْءٌ، أَنْ يَتم ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ العَلْقَمِيّ: بَلِ المَصْلحَةُ قَتْلُه، وَإِلاَّ فَمَا يَتم لَكُم مُلك العِرَاق (١) .
قُلْتُ: قَتلُوْهُ خنقاً.
وَقِيْلَ: رَفساً.
وَقِيْلَ: غمّاً فِي بِسَاطٍ، وَكَانُوا يُسمُّونَهُ: الأَبْلَهَ.
وَأَنْبَأَنِي الظَّهِيْرُ الكَازَرُوْنِيُّ فِي (تَارِيْخِهِ (٢)) : أَنَّ المُسْتَعْصِمَ دَخَلَ بَغْدَادَ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ إِلَى هُوْلاَكُو، فَأَخَرَجَ لَهُ الأَمْوَالَ، ثُمَّ خَرَجَ فِي رَابِعِ صَفَرٍ، وَبُذِلَ السَّيْفُ فِي خَامِسِ صَفَرٍ.
قَالَ: وَقُتِلَ المُسْتَعْصِمُ بِاللهِ يَوْم الأَرْبعَاء، رَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ.
فَقِيْلَ: جُعِلَ فِي غرَارَةٍ وَرُفس إِلَى أَنْ مَاتَ ﵀ وَدُفِنَ وَعُفِي أَثره، وَقَدْ بلغَ سِتّاً وَأَرْبَعِيْنَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
قَالَ: وَقُتِلَ ابْنَاهُ أَحْمَدُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَبَقِيَ وَلدُهُ مُبَارَكٌ، وَفَاطِمَةُ، وَخَدِيْجَةُ، وَمَرْيَمُ فِي أَسرِ التَّتَارِ. стр. 14012
قُلْتُ: وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ إِلَى اليَوْمِ بِأَذْرَبِيْجَانَ، وَانقطعتِ الإِمَامَةُ العَبَّاسِيَّةُ ثَلاَثَ سِنِيْنَ وَأَشْهُراً بِمَوْتِ المُسْتَعْصِمِ، فَكَانَتْ دَوْلَتُهُم مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ وَمائَةٍ، إِلَى سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، فَذَلِكَ خَمْسُ مائَةٍ وَأَرْبَعٌ وَعِشْرُوْنَ سَنَةً - وَللهِ الأَمْرُ -.
١١٠ - الجَوَادُ يُوْنُسُ بنُ مَمْدُوْدِ بنِ العَادِلِ أَبِي بَكْرٍ الأَيُّوْبِيُّ *
السُّلْطَانُ، المَلِكُ، الجَوَادُ، مُظَفَّرُ الدِّيْنِ يُوْنُسُ بنُ مَمْدُوْدٍ (١) ابْنِ السُّلْطَانِ المَلِكِ العَادِلِ أَبِي بَكْرٍ بنِ أَيُّوْبَ الأَيُّوْبِيُّ.
نَشَأَ فِي خِدمَةِ عَمِّهِ الكَامِلِ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا، فَتَأَلَّمَ، وَجَاءَ إِلَى عَمِّهِ المُعَظَّمِ، فَأَكْرَمَه، ثُمَّ عَادَ إِلَى مِصْرَ، وَاصطلحَ هُوَ وَالكَامِلُ، وَلَمَّا (٢) تُوُفِّيَ الأَشْرَفُ، جَاءَ الكَامِلُ وَمَعَهُ هَذَا، ثُمَّ مَاتَ الكَامِلُ، فَمَلَّكُوا الجَوَادَ دِمَشْقَ.
وَكَانَ جَوَاداً، مُبَذِّراً لِلْخَزَائِن، قَلِيْلَ الحَزْمِ، وَفِيْهِ مَحبَّةٌ لِلصَّالحينَ، وَالتفَّ حَوْلَهُ ظَلَمَةٌ، ثُمَّ تَزَلْزَلَ أَمرُهُ، فَكَاتَبَ الملكَ الصَّالِحَ أَيُّوْبَ ابْنَ الكَامِلِ صَاحِبَ سِنْجَارَ وَغَيْرَهَا، فَبَادَرَ إِلَيْهِ وَأَعْطَاهُ دِمَشْقَ، وَعَوَّضَهُ بِسِنْجَارَ وَعَانَةَ، فَخَابَ البَيْعُ، فَذَهَبَ إِلَى الجَزِيْرَةِ، فَلَمْ يَتِمَّ لَهُ أَمرٌ، وَأُخِذت مِنْهُ стр. 14013
سِنْجَارُ، وَبَقِيَ فِي عَانَة حَزِيناً، فَتركهَا، وَمَضَى إِلَى بَغْدَادَ، فَبَاع عَانَةَ لِلمُسْتَنْصِر بِمَالٍ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى الملكِ الصَّالِح أَيُّوْبَ، فَمَا أَقْبَل عَلَيْهِ، وَهَمَّ بِاعْتقَالِه، فَفَرَّ إِلَى الكَرَكِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ النَّاصِرُ، ثُمَّ هَرَبَ مِنْ مَخَالِيبِهِ، فَقَدم عَلَى صَاحِب دِمَشْقَ يَوْمَئِذٍ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيْلَ عَمِّه، فَمَا بشَّر بِهِ، وَتَرَاجَمَتْهُ الأَحْوَالُ، فَقصدَ الفِرَنْجِيَّ ملكَ بَيْرُوْتَ، فَأَكرمُوْهُ، وَحضر مَعَهُم وَقْعَةَ قلنسوَةَ مِنْ عَملِ نَابُلُسَ، قتلُوا بِهَا أَلفَ مُسْلِم - نَعُوذ بِاللهِ مِنَ الْمَكْر وَالخزي - ثُمَّ تَحَيَّل عَمُّه الصَّالِح إِسْمَاعِيْل عَلَيْهِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ ابْن يغمور، فَخدعه، وَجَاءَ فَقَبَضَ عَلَيْهِ الصَّالِح، فَسَجَنَهُ بِعَزّتَا.
وَقِيْلَ: إِنَّ الجَوَادَ لَمَّا تَسَلطنَ، التَقَى هُوَ وَالنَّاصِرُ دَاوُدُ بِظهْر حِمَار، فَانْهَزَم دَاوُدُ، وَأَخَذَ الجَوَادُ خَزَائِنه، وَدَخَلَ دَارَ المُعَظَّم الَّتِي بِنَابُلُسَ، فَاحتَوَى عَلَى مَا فِيْهَا، وَكَانَ بِمِصْرَ قَدْ تَمَلَّكَ العَادلُ وَلدُ الكَامِلِ، فَنفذ يَأْمر الجَوَادَ بِردِّ بِلاَده إِلَيْهِ، وَأَنْ يردّ إِلَى دِمَشْقَ، فَرَدَّ إِلَيْهَا، وَدَخَلَهَا فِي تَجمُّلٍ زَائِدٍ، وَزَيَّنُوا البَلَد، وَكَانَ يُخطبُ لَهُ بَعْد ذِكْرِ العَادلِ ابْنِ عَمِّهِ، مَضَى هَذَا، ثُمَّ إِنَّ الفِرَنْج أَلَحُّوا عَلَى الصَّالِحِ، وَكَانَ مُصَافِياً لَهُم، فِي إِطلاَقِ الجَوَادِ، وَقَالُوا: لاَ بُدَّ لَنَا مِنْهُ.
وَكَانَتْ أُمُّه إِفرَنْجيَةً - فِيْمَا قِيْلَ - فَأَظهر لَهُم أَنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ، فَقِيْلَ: خَنَقهُ فِي شَوَّالٍ، سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَحُمِلَ، فَدُفِنَ عِنْدَ المُعَظَّمِ بِسَفحِ قَاسِيُوْنَ - سَامَحَهُ اللهُ تَعَالَى -.
١١١ - صَاحِبُ تُوْنُسُ يَحْيَى بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ عُمَرَ الهَنْتَانِيُّ *
المَلِكُ، أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى ابْنُ الأَمِيْرِ عَبْدِ الوَاحِدِ ابْنِ الشَّيْخِ عُمَرَ الهَنتَانِيُّ، الموحّدِيُّ.
стр. 14014
كَانَ أَبُوْهُ متولِّياً لِمَدَائِنِ إِفْرِيْقِيَةَ لآلِ عَبْدِ المُؤْمِنِ، فَمَاتَ وَوَلِيَ بَعْدَهُ الأَمِيْرُ عَبُّو، فَولِي مُدَّةً، ثُمَّ تَوثَّب عَلَيْهِ يَحْيَى هَذَا، وَاسْتَوْلَى عَلَى إِفْرِيْقِيَة وَتَمَكَّنَ، وَامتدت دَوْلَته بِضْعاً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً، وَاشْتَغَل عَنْهُ بَنُوْ عَبْد المُؤْمِنِ بِأَنْفُسِهِم، وَقَوِيَ أَيْضاً عَلَيْهِم يَغَمْرَاسَنُ (١) صَاحِبُ تِلِمْسَانَ.
مَاتَ الْملك يَحْيَى: بِمدينَةِ بُوْنَةَ مِنْ إِفْرِيْقِيَة، فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ.
وَقِيْلَ: بَعْدَ ذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ.
وَتَمَلَّكَ بَعْدَهُ ابْنه.
وَهِيَ مَمْلَكَةٌ كَبِيْرَةٌ فِي قدرِ مَمْلَكَةِ اليَمَن بَلْ أَكْبَر، وَعَسْكَره نَحْوٌ مِنْ سَبْعَةِ آلاَفِ فَارِسٍ، وَسُلْطَانهَا اليَوْمَ هُوَ أَبُو بَكْرٍ الهَنْتَانِيُّ أَحَد الشُّجعَانِ مُصَالِحٌ لِلسُّلْطَانِ أَبِي الحَسَنِ المَرِيْنِيِّ وَمُصَاهرٌ لَهُ.
١١٢ - صَاحِبُ الغَرْبِ المُعْتَضِدُ بِاللهِ عَلِيُّ بنُ إِدْرِيْسَ المُؤْمِنِيُّ *
السُّلْطَانُ السَّعِيْدُ - وَيُقَالُ لَهُ: المُعْتَضِدُ بِاللهِ - عَلِيُّ ابْنُ المَأْمُوْنِ إِدْرِيْسَ بنِ يَعْقُوْبَ المُؤْمِنِيُّ. стр. 14015
تَملَّكَ المَغْرِبَ سَنَةَ أَرْبَعِيْنَ بَعْدَ أَخِيْهِ الرَّشِيْدِ عَبْدِ الوَاحِدِ، وَكَانَ أَسوَدَ الجِلدَةِ.
قُتِلَ: فِي صَفَرٍ، سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، فَقَامَ بَعْدَهُ المُرْتَضَى عُمَرُ بنُ أَبِي إِبْرَاهِيْمَ بنِ يُوْسُفَ الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِ أَبُو دَبوس، وَقتلَه سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ (١) : سَارَ السَّعِيْدُ، وَحَاصَرَ قَلْعَةً بِقُرْبِ تِلِمْسَانَ، وَقُتِلَ هُنَاكَ عَلَى ظَهرِ جَوَادِه (٢) .
١١٣ - المَلِكُ الصَّالِحُ أَبُو الفُتُوْحِ أَيُّوْبُ ابنُ الكَامِلِ ابْنِ العَادِلِ *
السُّلْطَانُ الكَبِيْرُ، المَلِكُ الصَّالِحُ، نَجْمُ الدِّيْنِ، أَبُو الفُتُوْحِ أَيُّوْبُ ابْنُ السُّلْطَانِ المَلِكِ الكَامِلِ مُحَمَّدِ ابْنِ العَادِلِ.
وَأُمُّه جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ اسْمهَا: وَرْدُ المُنَى. стр. 14016
مَوْلِدُه: سَنَةَ ثَلاَثٍ وَسِتِّ مائَةٍ، بِالقَاهِرَةِ.
وَنَاب عَنْ أَبِيْهِ لَمَّا جَاءَ لِحصَارِ النَّاصِرِ دَاوُدَ، فَلَمَّا رَجَعَ، انتقدَ أَبُوْهُ عَلَيْهِ أَشيَاءَ، وَمَالَ عَنْهُ إِلَى وَلَدِهِ الآخِر العَادلِ، فَلَمَّا اسْتولَى الكَامِل عَلَى آمدَ وَحصنِ كَيْفَا وَسِنْجَارَ، سَلْطَنَ نَجْمَ الدِّيْنِ، وَجَعَلَهُ عَلَى هَذِهِ البِلاَد، فَبَقِيَ بِهَا إِلَى أَنْ جَاءَ وَتَمَلَّكَ دِمَشْقَ، ثُمَّ سَاقَ إِلَىالغَوْر، فَوَثَبَ عَلَى دِمَشْقَ عَمُّه إِسْمَاعِيْل، فَأَخَذَهَا، وَنَزَلَ عَسْكَر الكَرَكِ، فَأَحَاطُوا بِالصَّالِحِ، وَأَخَذوهُ إِلَى الكَرَكِ، ثُمَّ ذهب بِهِ النَّاصِرُ لَمَّا كَاتَبَهُ الأُمَرَاءُ الكَامِليَّةُ، فَعَزَلُوا أَخَاهُ العَادلَ وَمَلَّكُوهُ، وَرَجَعَ النَّاصِر بِخُفَّي حُنَيْنٍ.
قَالَ ابْنُ وَاصِلٍ: كَانَ لاَ يَجتمعُ بِالفُضَلاَءِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُشَاركَةٌ، بِخلاَفِ أَبِيْهِ، وَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ اصطَلَحَ الصَّالِحُ وَعَمُّه الصَّالِحُ (١) عَلَى أَنَّ دِمَشْقَ لِعَمِّه، وَأَنْ يُقيم هُوَ وَالحَلَبِيُّوْنَ وَالحِمْصيون الخُطبَة لِلصَّالح نَجْمِ الدِّيْنِ، وَأَنْ يُبعَثَ إِلَيْهِ وَلدُهُ الملكُ المُغِيْثُ وَابْنُ أَبِي عَلِيٍّ وَمُجِيْرُ الدِّيْنِ ابْنُ أَبِي زكرِي، فَأَطلَقهُم عَمُّه، وَاتَّفَقتِ المُلُوْكُ عَلَى عَدَاوَةِ صَاحِبِ الكَرَكِ، وَبَعَثَ إِسْمَاعِيْلُ جَيْشاً يُحَاصرُوْنَ عَجلُوْنَ، وَهِيَ بِيَدِ النَّاصِرِ، ثُمَّ انْحلَّ ذَلِكَ؛ لِورقَةٍ وَجَدَهَا إِسْمَاعِيْلُ مِنْ أَيُّوْبَ إِلَى الخُوَارِزْمِيَّةِ يَحَثُّهُم علَى المَجِيْءِ لِيُحَاصرُوا عَمَّه، فَحَبَسَ حِيْنَئِذٍ المُغِيْثَ، وَصَالَحَ صَاحِبَ الكَرَكِ، وَاتَّفَقَ مَعَ صَاحِبِ حِمْصَ وَصَاحِبِ حَلَبَ، وَاعتضدَ بِالفِرَنْجِ، فَأَقْبَلَ المِصْرِيُّونَ، عَلَيْهِم بِيْبَرْسُ الصَّالِحيُّ البُنْدُقْدَارُ الكَبِيْرُ الَّذِي قَتلَه أُسْتَاذُه، وَأَعْطَى إِسْمَاعِيْلُ الفِرَنْجَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وَعمرُوا طَبرِيَةَ وَعَسْقَلاَنَ، وَوضَعَتِ الرُّهبَانُ قَنَانِي الخَمْرِ عَلَى الصَّخْرَةِ، وَأُبطِلَ الأَذَانُ стр. 14017
بِالحَرَمِ، وَعَدَّت الخُوَارِزْمِيَّةُ الفُرَاتَ فِي عَشْرَةِ آلاَفٍ، فَمَا مَرُّوا بِشَيْءٍ إِلاَّ نَهبُوْهُ، وَأَقْبَلُوا، فَهَرَبتِ الفِرَنْجُ مِنْهُم مِنَ القُدْسِ، فَقَتلُوا عِدَّةً مِنَ النَّصَارَى، وَهَدمُوا قُمَامَةَ (١) ، وَنَبشُوا عِظَامَ الموتَى، وَجَاءتْهُ الخِلَعُ وَالنَّفقَةُ مِنْ مِصْرَ، ثُمَّ سَارَ عَلَى الشَّامِيّينَ المَنْصُوْرُ صَاحِبُ حِمْصَ، وَوَافَتْهُ الفِرَنْجُ.
قَالَ المَنْصُوْرُ: لَقَدْ قَصَّرتُ يَوْمَئِذٍ، وَعرفتُ أَنَّنَا لاَ نُفلِحُ بِالنَّصَارَى، فالَتَقَوْا.
قَالَ: فَانْهَزَمَ الشَّامِيُّوْنَ، ثُمَّ جَاءَ جَيْشُ السُّلْطَانِ نَجْمِ الدِّيْنِ، وَعَلَيْهِم مُعِيْنُ الدِّيْنِ ابْنُ الشَّيْخِ، وَمَعَهُ خِزَانَةُ مَالٍ، فَنَازَلُوا دِمَشْقَ مُدَّةً، ثُمَّ أُخِذَتْ بِالأَمَانِ؛ لِقلِّةِ مَنْ مَعَ صَاحِبِهَا؛ وَلِمُفَارقَةِ الحَلَبِيِّينَ لَهُ، فَتَرَكَهَا، وَذَهَبَ إِلَى بَعْلَبَكَّ، وَحَصلَ لِلْخُوَارِزْمِيَةِ إِدلاَلٌ، وَطَمِعُوا فِي كِبَارِ الأَخبَازِ، فَلَمْ يَصِحَّ مَرَامُهُم، فَغَضِبُوا، وَنَابَذُوا، ثُمَّ حَلَفُوا لإِسْمَاعِيْلَ، وَجَاءَ تَقلِيدُ الخِلاَفَةِ لِلسُّلْطَانِ بِمِصْرَ وَالشَّامِ وَالشَّرْقِ، وَلَبِسَ العِمَامَةَ وَالجُبَّةَ السَّوْدَاءَ.
ثُمَّ إِنَّ الصَّالِحَ إِسْمَاعِيْلَ كَرَّ بِالخُوَارِزْمِيَّةِ إِلَى دِمَشْقَ، وَنَازَلَهَا، وَمَا بِهَا كَبِيْرُ عَسْكَرٍ، فَكَانَ بِالقَلْعَةِ رَشِيْدٌ الخَادِمُ، وَبِالمَدِيْنَةِ حُسَامُ الدِّيْنِ ابْنُ أَبِي عَلِيٍّ، فَقَامَ بِحِفظِهَا، وَاشتَدَّ بِهَا القَحطُ حَتَّى أَكَلُوا الجِيَفَ، حَتَّى قِيْلَ: إِنَّ رَجُلاً مَاتَ فِي الحَبْسِ، فَأَكلُوْهُ.
وَجَرَتْ أُمُوْرٌ مُزعجَةٌ، ثُمَّ التَقَى الحَلَبِيُّوْنَ وَالخُوَارِزْمِيَّةُ، فَكُسرَتِ الخُوَارِزْمِيَّةُ، وَقُتِلَ خَلْقٌ مِنْهُم، وَفَرَّ إِسْمَاعِيْلُ إِلَى حَلَبَ، فَبَعَثَ السُّلْطَانُ يَطلبُهُ مِنْ صَاحِبِهَا الملكِ النَّاصِرِ يُوْسُفَ، فَقَالَ: كَيْفَ يَلِيقُ أَنْ يَلتَجِئَ إِلَيَّ خَالُ أَبِي؟!
فَأَسلمَه، ثُمَّ سَارَ عَسْكَرٌ، فَأَخذُوا بَعْلَبَكَّ مِنْ أَوْلاَدِ إِسْمَاعِيْلَ، وَبُعِثَوا تَحْتَ الحَوطَةِ إِلَى مِصْرَ وَأَمِيْنُ الدَّوْلَةِ الوَزِيْرُ وَابْنُ يَغْمُوْرَ، فَحُبِسُوا، وَصَفتِ البِلاَدُ لِلسُّلْطَانِ، وَبَقِيَ صَاحِبُ الكَرَكِ كَالمَحْصُوْرِ.
ثُمَّ رَضِي السُّلْطَانُ стр. 14018
عَنْ فَخْرِ الدِّيْنِ (١) ابْنِ الشَّيْخِ، وَأَطلَقَه، وَجَهَّزَه فِي جَيْشٍ، فَاسْتولَى عَلَى بِلاَدِ النَّاصِرِ، وَخَرَّبَ قُرَى الكَرَكِ، وَحَاصَرَه، وَقَلَّ نَاصِرُ النَّاصِرِ، فَعَمِلَ تِيْكَ القَصيدَةَ البَدِيْعَةَ يُعَاتِبُ السُّلْطَانَ:
قُلْ لِلَّذِي قَاسَمْتُهُ مُلْكَ اليَدِ ... وَنَهَضْتُ فِيْهِ نَهْضَةَ المُتَأَسِّدِ:
عَاصَيْتُ فِيْهِ ذَوِي الحجَى مِنْ أُسرتِي ... وَأَطَعْتُ فِيْهِ مَكَارِمِي وَتَوَدُّدِي
يَا قَاطِعَ الرَّحِمِ الَّتِي صِلَتِي بِهَا ... كُتِبَتْ عَلَى الفَلَكِ الأَثِيْرِ بِعَسْجَدِ
إِنْ كُنْتَ تَقدَحُ فِي صرِيح منَاسبِي ... فَاصْبِرْ بِعرضكِ لِلَّهِيبِ المُرصَدِ عَمِّي أَبُوْكَ وَوَالِدِي عَمٌّ بِهِ ... يَعلو انتسَابُك كُلّ ملْك أَصْيدِ
صَالاَ وَجَالاَ كَالأُسْوَدِ ضَوَارِياً ... وَارتد تيَّارُ الفُرَاتِ المُزْبِدِ
دَعْ سَيْفَ مِقولِيَ البَلِيْغَ يَذُبُّ عَنْ ... أَعْرَاضِكُم بِفِرَنْدِهِ المُتَوَقِّدِ
فَهُوَ الَّذِي قَدْ صَاغَ تَاجَ فَخَارِكُم ... بِمُفصَّلٍ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدِ
يَا مُحرجِي بِالقَوْلِ وَاللهِ الَّذِي ... خضعتْ لِعزَّتِه جِباهُ السُّجَّدِ
لَوْلاَ مَقَالُ الهُجْرِ مِنْكَ لَمَا بَدَا ... مِنِّي افْتخَارٌ بِالقرِيضِ المُنْشَدِ
إِنْ كُنْتُ قُلْتُ خِلاَفَ مَا هُوَ شِيمتَي ... فَالحَاكِمُوْنَ بِمَسْمَعٍ وَبِمَشْهَدِ
ثُمَّ طَلبَ السُّلْطَانُ حُسَامَ الدِّيْنِ، وَاسْتنَابَه بِمِصْرَ، وَبَعَثَ عَلَى دِمَشْقَ جَمَالَ الدِّيْنِ ابْنَ مَطْرُوْحٍ، وَقَدِمَ الشَّامَ، فَجَاءَ إِلَى خِدْمَتِه صَاحِبُ حَمَاةَ المَنْصُوْرُ صَبِيٌّ وَصَاحِبُ حِمْصَ، وَرَجعَ إِلَى مِصْرَ مُتَمرِّضاً، وَأَعدمَ العَادِلُ أَخَاهُ سِرّاً، وَلَهُ ثَمَانٍ وَعِشْرُوْنَ سَنَةً، وَحَصلَ لَهُ قَرحَةٌ، وَمَرِضَ فِي أُنْثَيَيْهِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى دِمَشْقَ عَلِيلاً فِي مِحَفَّةٍ لَمَّا بَلَغه أَنَّ الحَلَبيينَ أَخَذُوا حِمْصَ، فَبَلَغَهُ حَركَةُ الفِرَنْجِ لِقَصدِ دِمْيَاطَ، فَرُدَّ فِي المِحَفَّةِ، ثُمَّ خيَّمَ стр. 14019
بِأَشْمُوْنَ، وَأَقْبَلتِ الفِرَنْجُ مَعَ ريْذَا فرنس (١) ، فَأُملِيَتْ (٢) دِمْيَاطُ بِالذَّخَائِرِ، وَأُتْقِنت (٣) الشَّوَانِي، وَنَزَلَ فَخْرُ الدِّيْنِ ابْنُ الشَّيْخِ بِالجَيْشِ عَلَى جِيْزَةِ دِمْيَاطَ، وَأَرسَتْ مَرَاكِبُ الفِرَنْجِ تلقَاءهُم فِي صَفَرٍ، سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ، ثُمَّ طَلعُوا وَنَزَلُوا فِي البِرِّ مَعَ المُسْلِمِيْنَ، وَوَقَعَ قِتَالٌ، فَقُتِلَ الأَمِيْرُ ابْنُ شَيْخِ الإِسْلاَمِ (٤) ، وَالأَمِيْرُ الوَزِيْرِيُّ، فَتحوَّلَ الجَيْشُ إِلَى البَرِّ الشَّرْقِيِّ الَّذِي فِيْهِ دِمْيَاطُ، ثُمَّ تَقَهقَرُوا، وَوَقَعَ عَلَى أَهْلِ دِمْيَاطَ خِذلاَنٌ عَجِيبٌ، فَهَرَبُوا مِنْهَا طُولَ اللَّيْلِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِهَا آدَمِيٌّ، وَذَلِكَ بِسُوءِ تَدبِيْرِ ابْنِ الشَّيْخِ، هَرَبُوا لَمَّا رَأَوْا هَرَبَ العَسْكَرِ، وَعَرفُوا مَرضَ السُّلْطَانِ، فَدَخَلَتْهَا الفِرَنْجُ بِلاَ كُلفَةٍ، مَمْلُوْءةً خَيْرَاتٍ وَعُدَّةً وَمَجَانِيْقَ، فَلَمَّا عَلِمَ السُّلْطَانُ، غَضبَ وَانزعجَ، وَشَنقَ مِنْ مُقَاتِلِيهَا سِتِّيْنَ، وَردَّ، فَنَزَلَ بِالمَنْصُوْرَةِ فِي قَصْرِ أَبِيْهِ، وَنُودِيَ بِالنَّفِيرِ العَامِ، فَأَقْبَلَ خَلاَئِقُ مِنَ المُطوّعَةِ، وَنَاوَشُوا الفِرَنْجَ، وَأُيِسَ مِنَ السُّلْطَانِ.
وَأَمَّا الكَرَكُ، فَذَهَبَ النَّاصِرُ إِلَى بَغْدَادَ، فَسَارَ وَلدُه الأَمْجَدُ إِلَى بَابِ السُّلْطَانِ، وَسَلَّمَ الكَرَكَ إِلَيْهِ، فَبَالغَ السُّلْطَانُ فِي إِكرَامِ أَوْلاَدِ النَّاصِرِ، وَأَقطَعَهُم بِمِصْرَ.
قَالَ ابْنُ وَاصِلٍ: كَانَ الملكُ الصَّالِحُ نَجْمُ الدِّيْنِ عَزِيزَ النَّفْسِ، أَبِيَّهَا، عَفِيْفاً، حَيِّياً، طَاهِرَ اللِّسَانِ وَالذَّيْلِ، لاَ يَرَى الهَزلَ وَلاَ العَبَثَ، وَقُوْراً، كَثِيْرَ الصَّمْتِ، اقْتَنَى مِنَ التُّركِ مَا لَمْ يَشتَرِهِ مَلِكٌ، حَتَّى صَارُوا стр. 14020
مُعْظَمَ عَسْكَرِهِ، وَرَجَّحَهُم عَلَى الأَكرَادِ، وَأَمَّرَ مِنْهُم، وَجَعَلَهُم بِطَانَتَه وَالمُحِيطِيْنَ بِدِهلِيزِه، وَسَمَّاهُمُ البَحْرِيَّةَ.
قُلْتُ: لِكَوْنِ التُّجَّارِ جَلَبُوهُم فِي البَحْرِ مِنْ بِلاَدِ القَفْجَاقِ.
قَالَ ابْنُ وَاصِلٍ: حَكَى لِي حُسَامُ الدِّيْنِ ابْنُ أَبِي عَلِيٍّ:
أَنَّ هَؤُلاَءِ المَمَالِيْكَ مَعَ فَرطِ جَبَروتِهِم وَسَطوتِهِم، كَانُوا أَبلغَ مَنْ يَهَابُ السُّلْطَانَ، وَإِذَا خَرَجَ يُرعدُوْنَ مِنْهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقعْ مِنْهُ فِي حَالِ غَضِبِه كَلمَةٌ قَبِيحَةٌ قَطُّ، وَأَكْثَرُ مَا يَقُوْلُ: يَا مُتَخَلِّفُ.
وَكَانَ كَثِيْرَ البَاهِ بِجَوَارِيه، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِي الآخِرِ سِوَى زَوْجَتَينِ؛ الوَاحِدَةُ شَجَرُ الدُّرِّ، وَالأُخْرَى بِنْتُ العَالِمَةِ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ مَمْلُوْكِهِ الجُوْكَنْدَارِ، وَكَانَ إِذَا سَمِعَ الغِنَاءَ لَمْ يَتَزعزَعْ، لاَ هُوَ وَلاَ مَنْ فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ لاَ يَسْتَقلُّ أَحَدٌ مِنَ الكِبَارِ فِي دَوْلَتِه بِأَمرٍ، بَلْ يُرَاجع مَعَ الخُدَّامِ بِالقصص، فَيوقِّعُ هُوَ مَا يَعتمِدُهُ كُتَّابُ الإِنشَاءِ، وَكَانَ يُحبُّ أَهْلَ الفَضْلِ وَالدِّيْنِ، يُؤثرُ العُزلَةَ وَالانْفِرَادَ، لَكِنْ لَهُ نهمَةٌ فِي لَعِبِ الكُرَةِ، وَفِي إِنشَاءِ الأَبنِيَةِ العَظِيْمَةِ.
وَقِيْلَ: كَانَ لاَ يَجْسُرُ أَحَدٌ أَنْ يُخَاطِبَه ابْتدَاءً.
وَقِيْلَ: كَانَ فَصِيْحاً، حَسَنَ المُحَاوَرَةِ، عَظِيْمَ السَّطوَةِ، تَعَلَّلَ، وَوقَعَتِ الآكلَةُ فِي فَخِذِه، ثُمَّ اعتَرَاهُ إِسهَالٌ؛ فَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، بقَصْرِ المَنْصُوْرَة، مُرَابِطاً، فَأَخفَوْا مَوْتَه، وَأَنَّهُ عَليلٌ حَتَّى أَقدمُوا ابْنَه المَلِكَ المُعَظَّمَ تُوْرَانْشَاهَ مِنْ حِصْنِ كَيْفَا، ثُمَّ نُقلَ، فَدُفِنَ بِتُربَتِهِ بِالقَاهِرَةِ، وَكَانَ بَنُوْ شَيْخِ الشُّيُوْخِ قَدْ تَرقَّوا لَدَيه، وَشَارَكوهُ فِي المَمْلَكَةِ، وَقَدْ غَضِبَ مُدَّةً عَلَى فَخْرِ الدِّيْنِ يُوْسُفَ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ، وَصَيَّرَهُ نَائِبَ السَّلْطنَةِ؛ لِنُبلِهِ، وَكَمَالِ سُؤْدُدِهِ، وَكَانَ جَوَاداً، مُحَبَّباً إِلَى النَّاسِ، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَاوَلُ النَّبِيذَ.
وَلَمَّا مَاتَ السُّلْطَانُ، عُيِّنَ فَخْرُ الدِّيْنِ لِلسَّلطنَةِ، فَجَبُنَ (١) ، وَنَهضَ بِأَعبَاءِ стр. 14021
الأُمُوْرِ، وَسَاسَ الجَيْشَ، وَأَنفقَ فِيهِم مائَتَيْ أَلْفِ دِيْنَارٍ، وَأَحضَرَه تُوْرَانْشَاه، وَسَلطَنَه.
وَيُقَالُ: إِنْ تُوْرَانْشَاه هَمَّ بِقَتْلِهِ.
اتَّفَقَ (١) حَركَةُ الفِرَنْجِ وَتَأَخُّرُ العَسَاكِرِ، فَرَكِبَ فَخْرُ الدِّيْنِ فِي السَّحَرِ، وَبَعَثَ خَلفَ الأُمَرَاءِ لِيَركَبُوا، فَسَاقَ فِي طَلَبِه، فَدَهَمَهُ طُلب الدَّوَايَّةِ، فَحَملُوا عَلَيْهِ، فَتفلَّلَ عَنْهُ أَجنَادُه، وَطُعنَ وَقُتِلَ، وَنَهبتْ غِلمَانُه أَمْوَالَه وَخَيلَه، فَرَاحَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.
قَالَ ابْنُ عَمِّهِ سَعْدُ الدِّيْنِ: كَانَ الضَّبَابُ شَدِيداً، فَطُعنَ، وَجَاءتْه ضَربَةُ سَيْفٍ فِي وَجْهِهِ، وَقُتِلَ مَعَهُ جَمْدَارُه وَعِدَّةٌ، وَتَرَاجَعَ المُسْلِمُوْنَ، فَأَوقَعُوا بِالفِرَنْجِ، وَقَتَلُوا مِنْهُم أَلْفاً وَسِتَّ مائَةِ فَارِسٍ، ثُمَّ خَنْدَقَتِ الفِرَنْجُ عَلَى نُفُوْسِهِم.
قَالَ: وَأُخربَتْ دَارُ فَخْرِ الدِّيْنِ لِيَوْمِهَا، وَبِالأَمسِ كَانَ يَصطفُّ عَلَى بَابِهَا عصَائِبُ سَبْعِيْنَ أَمِيْراً (٢) .
قُتِلَ: فِي رَابِعِ ذِي القَعْدَةِ، سَنَةَ سَبْعٍ، وَلَهُ خَمْسٌ وَسِتُّوْنَ سَنَةً.
١١٤ - المُعَظَّمُ تُوْرَانْشَاه بنُ أَيُّوْبَ ابْنِ الكَامِلِ ابْنِ العَادِلِ *
السُّلطَانُ، المَلِكُ، المُعَظَّمُ، غِيَاثُ الدِّيْنِ تُوْرَانْشَاه ابْنُ السُّلْطَانِ المَلِكِ الصَّالِحِ أَيُّوْبَ ابْنِ الكَامِلِ ابْنِ العَادِلِ. стр. 14022
وُلِدَ بِمِصْرَ، وَعَمِلَ نِيَابَةَ أَبِيْهِ، ثُمَّ تَمَلَّكَ بِحِصنِ كَيْفَا وَآمدَ وَتِلْكَ البِلاَدِ، وَكَانَ أَبُوْهُ لاَ يَختَارُ أَنْ يَجِيْءَ لَمَّا مَلكَ مِصْرَ، كَانَ لاَ يُعجبُه هَوَجُهُ وَلاَ طَيشُه، سَارَ لإِقدَامِه الأَمِيْرُ الفَارِسُ أَقْطَاي، وَسَافَرَ بِهِ يَتحَايدُ مُلُوْكَ الأَطرَافِ فِي نَحْوٍ مِنْ خَمْسِيْنَ فَارِساً عَلَى الفُرَاتِ وَعَانَةَ، ثُمَّ عَلَى أَطرَافِ السَّمَاوَةِ، وَعَطِشُوا، فَدَخَلَ دِمَشْقَ، وَزُيِّنتْ لَهُ، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا بَعْدَ شَهرٍ، فَاتَّفَقتْ كَسرَةُ الفِرَنْجِ عِنْدَ وُصُوْلِه، وَتَيمَّنَ النَّاسُ بِهِ، فَبدَا مِنْهُ حَركَاتٌ مُنفِّرَةٌ، وَتَركَ بِحصنِ كَيْفَا ابْنَه الملكَ المُوَحِّدَ صَبِيّاً، فَطَالَ عُمُرُه، وَاسْتَولَتِ التَّتَارُ عَلَى الحصنِ، فَبقِيَ فِي مَمْلَكَةٍ صَغِيرَةٍ حَقِيرَةٍ مِنْ تَحْتِ يَدِ التَّتَارِ إِلَى بَعْدَ السَّبْعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ.
وَقَالَ لِي تَاجُ الدِّيْنِ الفَارِقِيُّ: عَاشَ إِلَى بَعْدَ الثَّمَانِيْنَ، وَتُوُفِّيَ بَعْدَهُ ابْنُه -يَعْنِي الملكَ الكَامِلَ ابْنَ المُوَحِّدِ- الَّذِي قَتلَه قَازَانُ سَنَةَ سَبْعِ مائَةٍ، وَأُقيمَ بَعْدَهُ ابْنُه الصَّالِحُ فِي رُتْبَةِ جُندِيٍّ، وَكَانَ السُّلْطَانُ يَقُوْلُ: تُوْرَانْشَاهُ مَا يَصلُحُ لِلمُلكِ.
وَكَانَ حُسَامُ الدِّيْنِ ابْنُ أَبِي عَلِيٍّ يَلحُّ عَلَيْهِ فِي إِحضَارِه، فَيَقُوْلُ: أُحضِرُه لِيَقتلُوْهُ، فَكَانَ كَمَا قَالَ.
قَالَ ابْنُ حَمُّوَيْه سَعْدُ الدِّيْنِ: لَمَّا قَدِمَ، طَالَ لِسَانُ كُلُّ خَامِلٍ،
стр. 14023
وَوجدُوْهُ خَفِيفَ العَقْلِ، سَيِّئَ التَّدْبِيْرِ، وَقَعَ بِخُبزِ فَخْرِ الدِّيْنِ لِلاَلاَهُ جَوْهَرٍ (١) ، وَتطلَّع الأُمَرَاء إِلَى أَنْ يُنفق فِيهِم كَمَا فَعلَ بِدِمَشْقَ، فَمَا أَعْطَاهُم شَيْئاً، وَكَانَ لاَ يَزَالُ يَتحرَّكُ كتفُه الأَيْمَنُ مَعَ نِصْفِ وَجهِه، وَيُكثر الولَعَ بِلِحيتِهِ، وَمتَى سَكِرَ ضَرَبَ الشُّموعَ بِالسَّيْفِ، وَيَقُوْلُ: هَكَذَا أَفْعَلُ بِمَمَالِيْكِ أَبِي.
وَيَتَهَدَّدُ الأُمَرَاءَ بِالقَتلِ، فَتَنكَّرُوا لَهُ، وَكَانَ ذَكيّاً، قَوِيَّ المُشَاركَةِ، يَبحثُ، وَيَنْقلُ.
قَالَ سِبْطُ الجَوْزِيِّ (٢) : كَانَ يَكُوْنُ (٣) عَلَى السِّمَاطِ بِدِمَشْقَ، فَإِذَا سَمِعَ فَقِيْهاً يَنقلُ مَسْأَلَةً، صَاحَ: لاَ نُسَلِّمْ.
وَاحتجبَ عَنْ أُمُوْرِ النَّاسِ، وَانْهَمَكَ فِي الفَسَادِ بِالغِلمَانِ، وَمَا كَانَ أَبُوْهُ كَذَلِكَ.
وَيُقَالُ: تَعرَّضَ لِسرَارِي أَبِيْهِ، وَقَدَّمَ أَرذَال (٤) ، وَوعد أَقطَاي بِالإِمْرَةِ، فَمَا أَمَّرَه، فَغَضِبَ، وَكَانَتْ شَجَرُ الدُّرِّ قَدْ ذَهَبتْ مِنَ المَنْصُوْرَةِ إِلَى القَاهِرَةِ، فَمَا (٥) وَصلَ بَقِيَ يَتهدَّدُهَا، وَيُطَالبُهَا بِالأَمْوَالِ، فَعَامَلتْ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا كَانَ فِي المُحَرَّمِ (٦) ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ: وَثَبَ عَلَيْهِ بَعْضُ البَحرِيَّةِ عَلَى السِّمَاطِ، فَضَرَبَه عَلَى يَدِه، فَقطعَ أَصَابعَه، فَقَامَ إِلَى البُرْجِ الخَشَبِ، وَصَاحَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟
قَالُوا: إِسْمَاعِيْلِيٌّ.
قَالَ: لاَ وَاللهِ، بَلْ مِنَ البَحْرِيَّةِ، وَاللهِ لأُفْنِيَنَّهُم.
وَخَاطَ المُزَيِّنُ يَدَه، فَقَالُوا: بُتُّوهُ (٧) ، وَإِلاَّ رُحنَا.
فَشدُّوا عَلَيْهِ، فَطَلَعَ إِلَى أَعْلَى البُرجِ، فَرَمَوُا البُرجَ بِالنفطِ وَبِالنشَابِ، стр. 14024
فَرمَى المِسْكِيْنُ بِنَفْسِهِ، وَعدَا إِلَى النِّيلِ وَهُوَ يَصيحُ: مَا أُرِيْدُ المُلكَ، خَلُّونِي أَرجعْ إِلَى الحِصْنِ يَا مُسْلِمِيْنَ (١) ، أَمَا فِيْكُم مَنْ يَصْطَنِعُنِي؟!
فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَد، وَتعلّقَ بِذَيلِ أَقطَاي، فَمَا أَجَارَه، وَعَجِزَ، فَنَزَلَ فِي المَاءِ إِلَى حَلقِهِ، فَقُتِلَ فِي المَاءِ.
وَكَانَ قَدْ نَزَلَ بِحِصْنِ كَيْفَا وَلَدُهُ:
١١٥ - المَلِكُ المُوَحِّدُ عَبْدُ اللهِ
وَهُوَ مُرَاهِقٌ، فَتَمَلَّكَ حِصنَ كَيْفَا مُدَّةً، وَجَاءهُ عِدَّةُ أَوْلاَدٍ.
قَالَ لِي تَاجُ الدِّيْنِ الفَارِقِيُّ: رَأَيْتهُ مَربُوعاً، وَكَانَ شُجَاعاً، وَهُوَ تَحْتَ أَوَامرِ التَّتَارِ، تُوُفِّيَ بَعْدَ سَنَةِ ثَمَانِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَلَهُ ابْنٌ تَمَلَّكَ بَعْدَهُ بِالحِصنِ.
قُلْتُ: وَلقَّبُوهُ بِالمَلِكِ الكَامِلِ، وَبَقِيَ إِلَى حُدُوْدِ سَنَةِ سَبْع مائَةٍ، وَمَاتَ.
فَأُقِيْمَ بَعْدَهُ بِحِصْنِ كَيْفَا ابْنُهُ:
١١٦ - المَلِكُ الصَّالِحُ *
فِي رُتْبَةِ جُندِيٍّ وَالأَمْرُ لِلتَّتَارِ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا قَدِمَ الشَّامَ، وَذَهَبَ إِلَى خدمَةِ السُّلْطَانِ، فَمَا أُكرِمَ، ثُمَّ ردَّ إِلَى حِصنِ كَيْفَا، فَتلقَّاهُ أَخٌ لَهُ، ثُمَّ جَهَّزَ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَه، وَقُتِلَ وَلدُه، وَأَخَذَ مَوْضِعَه فِي سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِيْنَ وَسَبْعِ مائَةٍ، نَعم. стр. 14025
وَأَمَّا المُعَظَّمُ المَقْتُولُ: فَأُخْرِجَ مِنَ المَاءِ، وَتُرِكَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مُلقَىً حَتَّى انتفخَ.
بَاشرَ قَتْلَهُ أَرْبَعَةٌ، ثُمَّ خطبُوا لأُمِّ خَلِيْلٍ شَجَرِ الدُّرِّ.
وَقِيْلَ: ضَربَه البُنْدُقْدَارِيُّ بِالسَّيْفِ.
وَقِيْلَ: اسْتغَاثَ بِرَسُوْلِ الخَلِيْفَةِ: يَا عَمِّي عِزَّ الدِّيْنِ، أَدْرِكْنِي.
فَجَاءَ، وَكَلَّمَهُم فِيْهِ، فَقَالُوا: ارْجِعْ.
وَتَهَدَّدُوْهُ، ثُمَّ بَعْد أَيَّامٍ سَلطَنُوا المُعِزَّ التُّرُكْمَانِيَّ.
وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ أَيْضاً: قُتلَ صَاحِبُ اليَمَنِ السُّلْطَانُ نُوْرُ الدِّيْنِ عُمَرُ بنُ رَسُوْلٍ التُّرُكْمَانِيُّ؛ قَتلَه غِلمَانُه، وَسَلطَنُوا ابْنَه الملكَ المُظَفَّرَ يُوْسُفَ بنَ عُمَرَ، فَدَام فِي الملكِ بِضْعاً وَأَرْبَعِيْنَ سَنَةً.
وَفِي شَعْبَانِهَا: هُدِمتْ أَسوَارُ دِمْيَاطَ، وَعَادتْ كَقَرْيَةٍ.
وَأَمَّا:
١١٧ - الفَارِسُ أَقْطَايُ (١)
فَعظم، وَصَارَ نَائِبَ المَمْلَكَة لِلمعزِّ، وَكَانَ بَطَلاً، شُجَاعاً، جَوَاداً، مَلِيْحَ الشَّكلِ، كَثِيْرَ التَّجَمُّلِ، أُبيعَ بِأَلفِ دِيْنَارٍ، وَأَقطع مِنْ جُمْلَة إِقطَاعِهِ الإِسْكَنْدَرِيَّة، وَكَانَ طَيَّاشاً، ظلُوْماً، عَمَّالاً عَلَى السّلطنَةِ، بَقِيَ يَرْكُب فِي دست الْملك، وَلاَ يَلتفت عَلَى المُعِزّ، وَيَأْخذ مَا شَاءَ مِنَ الخَزَائِن، بِحَيْثُ إِنَّهُ قَالَ: اخْلُوا لِي القَلْعَة حَتَّى أَعمل عُرسَ بِنْت صَاحِب حَمَاة بِهَا.
فَهَيَّأَ لَهُ المُعِزّ مَمْلُوْكَه قُطُزَ، فَقَتَلَهُ، فَرَكبت حَاشيته نَحْو السَّبْع مائَة، فَأُلْقِيَ إِلَيْهِمُ الرَّأْس، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ. стр. 14026
١١٨ - المُعِزُّ أَيْبَكُ التُّرُكْمَانِيُّ الصَّالِحِيُّ الجَاشنكير *
السُّلطَانُ، الملكُ المُعِزُّ، عِزُّ الدُّنْيَا وَالدِّيْنِ، أَيْبَكُ التُّرُكْمَانِيُّ، الصَّالِحِيُّ، الجَاشنكِيْرُ، صَاحِبُ مِصْرَ.
لَمَّا قَتلُوا المُعَظَّم، وَخطبُوا لأُمِّ خَلِيْل أَيَّاماً، وَكَانَتْ تُعَلِّم عَلَى المنَاشير، وَتَأْمُر وَتَنْهَى، وَيُخطَبُ لَهَا بِالسلطنَة.
وَكَانَ المُعِزُّ أَكْبَرَ الصَّالِحيَّةِ، وَكَانَ دَيِّناً، عَاقِلاً، سَاكِناً، كَرِيْماً، تَارِكاً لِلشرب.
مَلَّكوهُ فِي أَواخِرِ رَبِيْعٍ الآخِرِ، سَنَةَ ثَمَانٍ، وَتَزَوَّجَ بِأُمِّ خَلِيْلٍ، فَأَنِفَ مِنْ سَلطَنَتِه جَمَاعَةٌ، فَأَقَامُوا فِي الاسْم الملكَ الأَشْرَفَ مُوْسَى بنَ النَّاصِرِ يُوْسُفَ ابْنِ المَسْعُوْدِ أَطسزَ ابْنِ السُّلْطَانِ الملكِ الكَامِلِ وَلَهُ عشر سِنِيْنَ، وَذَلِكَ بَعْد خَمْسَة أَيَّام، فَكَانَ التَّوقيع يَبرزُ وَصُوْرتُه: رُسِمَ بِالأَمْرِ العَالِي السُّلطَانِي الأَشْرَفِيِّ وَالمَلِكِيِّ المُعِزِّيِّ.
وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ وَالأُمُوْر بِيَدِ المُعِزِّ، وَكَاتَبَ عِدَّةٌ المُغِيْثَ الَّذِي بِالكَرَكِ، وَأَخَذُوا فِي الخُطبَة لَهُ، فَقَالَ المُعِزّ: نَادُوا أَنَّ الدِّيَار المِصْرِيَّة لِمَوْلاَنَا المُسْتَعْصِمِ بِاللهِ، وَأَنَّ المَلِكَ المُعِزَّ نَائِبُهُ.
ثُمَّ جُدِّدَتِ الأَيْمَانُ، وَفَاجَأَهُم صَاحِبُ الشَّام الْملك النَّاصِرُ الحَلَبِيّ، فَالتَقَوا، وَكَادَ النَّاصِر أَنْ يَملِكَ، فَتنَاختِ الصَّالِحيَّةُ، وَحَمَلُوا، فَكَسَرُوهُ، وَذَبَحُوا نَائِبَه لُؤْلُؤاً وَجَمَاعَةً.
وَكَانَ فِي المُعِزِّ تَؤُدَةٌ وَمُدَارَاةٌ، بَنَى مَدْرَسَةً كَبِيْرَة، ثُمَّ إِنَّهُ خَطَبَ ابْنَةَ
стр. 14027
بَدْرِ الدِّيْنِ صَاحِبِ المَوْصِلِ، فَغَارتْ أُمُّ خَلِيْلٍ، فَقَتَلَتْهُ فِي حَمَّامٍ، وَثَبَ عَلَيْهِ سَنْجَرُ الجوجرِي وَخدَّام، فَأَمسكُوا عَلَى بيضِهِ، فَتَلِفَ، وَقُطعتْ هِيَ نِصْفَيْنِ.
وَقِيْلَ: بَلْ خُنِقَت، وَلَمْ تُوسط، وَرُمِيت مَهتُوكَةً، وَصُلِب الجوجرِي وَالخدَام، وَمَلَّكُوا وَلده الْملك المَنْصُوْر عَلِيَّ بنَ أَيْبَكَ وَلَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَصَيَّرُوا أَتَابَكَهُ عَلَمَ الدِّيْنِ الحَلَبِيَّ.
عَاشَ المُعِزُّ نَيِّفاً وَخَمْسِيْنَ، وَقُتِلَ فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ، سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ.
وَكَانَتْ شَجَرُ الدُّرِّ (١) أُمُّ خَلِيْلٍ أُمَّ وَلَدٍ لِلصَّالِحِ، ذَاتُ حُسنٍ وَظَرْفٍ وَدَهَاء وَعَقْلٍ، وَنَالت مِنَ العِزِّ وَالجَاهِ مَا لَمْ تَنَلْه امْرَأَةٌ فِي عَصرهَا، وَكَانَ مَمَالِيْك الصَّالِح يَخضعُوْنَ لَهَا، وَيَرَوْنَ لَهَا، فَملَّكُوهَا بَعْد قَتْلِ المُعَظَّمِ أَزْيَدَ مِنْ شَهْرَيْنِ، وَكَانَ المُعِزُّ لاَ يَقطع أَمراً دُونَهَا، وَلَهَا عَلَيْهِ صَوْلَة، وَكَانَتْ جرِيئَةً وَقِحَةً، قَتَلَت وَزِيْرَهَا الأَسْعَدَ، وَقَدْ وَلَدَت بِالكَرَكِ مِنَ الصَّالِحِ خَلِيْلاً، فَمَاتَ صَغِيراً، وَكَانَ الصَّالِحُ يُحبُّهَا كَثِيْراً، وَكَانَتْ تَحْتجِرُ عَلَى المُعِزِّ، فَأَنِفَ مِنْ ذَلِكَ.
قِيْلَ: لَمَّا تَيقَّنَتِ الهَلاَكَ، أَخَذَتْ جَوَاهرَ مُثمَّنَةً وَدَقَّتْهَا فِي الهَاونِ.
وَلَمَّا قَتلُوا الفَارِسَ أَقطَاياً، تَمَكَّنَ المُعِزُّ، وَاسْتقَلَّ بِالسَّلطنَةِ، وَعَزلَ الملكَ الأَشْرَفَ، وَأَبطل ذِكْرَهُ، وَبَعَثَ إِلَى عَمَّاتِه القُطبِيَّاتِ، وَدَافَعَ مَمَالِيْكُ الصَّالِحِ عَنْ شَجَرِ الدُّرِّ، فَلَمْ تُقتَلْ إِلاَّ بَعْدَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِيْنَ يَوْماً، فَقُتِلَتْ، وَرُمِيتْ مَهتُوكَةً.
وَقِيْلَ: خُطِبَ لَهَا ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ، وَكَانَ المَنْصُوْرُ وَأُمُّه يُحرِّضَانِ عَلَى قَتلِهَا، فَقُتِلتْ فِي حَادِي عَشَرَ رَبِيْعٍ الآخِرِ، بَعْد مَقْتَلِ المُعِزِّ بِدُوْنِ الشَّهْرِ، وَدُفِنتْ بِتُربَتِهَا، بِقُرْبِ قَبْرِ السَّيِّدَةِ نَفِيْسَةَ.
وَقِيْلَ: إِنَّهَا أَودعَتْ стр. 14028
أَمْوَالاً كَثِيْرَةً، فَذَهَبت.
وَكَانَتْ حَسَنَةَ السِّيْرَةِ، لَكِن هَلَكتْ بِالغِيرَةِ.
وَكَانَ الخُطَبَاءُ يَقُوْلُوْنَ: وَاحفَظِ اللَّهُمَّ الحُرمَةَ الصَّالِحَةَ مَلِكَةَ المُسْلِمِيْنَ عِصْمَةَ الدُّنْيَا وَالدِّيْنِ أُمَّ خَلِيْلٍ المُسْتَعْصِمِيَّةَ صَاحِبَةَ السُّلْطَانِ الملكِ الصَّالِحِ.
وَأَمَّا المَنْصُوْرُ عَلِيٌّ، فَعُزلَ، وَتَمَلَّكَ قُطزُ الَّذِي كَسَرَ التَّتَارَ، فَبَعَثَ بِعَلِيٍّ وَبأَخِيْهِ قليج إِلاَّ بِلاَد الأَشكرِي؛ فَحَدَّثَنِي سَيْف الدِّيْنِ قليج هَذَا:
أَنْ أَخَاهُ تَنصَّرَ بِقُسْطَنْطِيْنِيَّةَ، وَتَزَوَّجَ، وَجَاءته أَوْلاَدٌ نَصَارَى، وَعَاشَ إِلَى نَحْوِ سَنَةِ سَبْعِ مائَةٍ، وَسَمَّى نَفْسَه: مِيْخَائِيْلَ.
قُلْتُ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّقَاءِ، فَهَذَا بَعْدَ سَلْطَنَةِ مِصْرَ كَفَرَ وَتَعَثَّرَ.
١١٩ - المُظَفَّرُ قُطُزُ بنُ عَبْدِ اللهِ المُعِزِّيُّ *
السُّلْطَانُ الشَّهِيْدُ، المَلِكُ المُظَفَّرُ، سَيْف الدِّيْنِ قُطُزُ بنُ عَبْدِ اللهِ المُعِزِّيُّ.
كَانَ أَنبل مَمَالِيْك المُعِزّ، ثُمَّ صَارَ نَائِب السّلطنَة لوَلَده المَنْصُوْر.
وَكَانَ فَارِساً شُجَاعاً، سَائِساً، دَيِّناً، مُحبَّباً إِلَى الرَّعِيَّةِ.
هَزَمَ التَّتَار، وَطَهَّرَ الشَّام مِنْهُم يَوْم عَينِ جَالُوت، وَهُوَ الَّذِي كَانَ قَتَلَ الفَارِس أَقطَاي فَقُتل بِهِ، وَيَسْلَمُ لَهُ - إِنْ شَاءَ اللهُ - جِهَادُهُ (١) ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ ابْنُ أُخْتِ خُوَارِزْم شَاه جَلاَلِ الدِّيْنِ، وَإِنَّهُ حُرٌّ وَاسْمُهُ مَحْمُوْد بن مَمْدُوْدٍ. стр. 14029
وَيُذكر عَنْهُ أَنَّهُ يَوْم عين جَالُوت لَمَّا أَن رَأَى انكشَافاً فِي المُسْلِمِيْنَ، رَمَى عَلَى رَأْسه الخُوذَةَ وَحَمَلَ، وَنَزَلَ النَّصْر.
وَكَانَ شَابّاً أَشقر، وَافر اللِّحْيَة، تَامّ الشّكل، وَثَبَ عَلَيْهِ بَعْض الأُمَرَاء وَهُوَ رَاجع إِلَى مِصْرَ بَيْنَ الغُرَابِي وَالصَّالِحيَّة، فَقُتل فِي سَادِسَ عَشَرَ ذِي القَعْدَةِ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَلَمْ يَكملْ سَنَةً فِي السّلطنَة ﵀.
١٢٠ - الكَامِلُ مُحَمَّدُ بنُ غَازِي بنِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ أَيُّوْبَ *
المَلِكُ الكَامِلُ، الشَّهِيْدُ، نَاصِرُ الدِّيْنِ مُحَمَّدُ ابنُ المَلِكِ المُظَفَّرِ شِهَابِ الدِّيْنِ غَازِي ابْنِ السُّلْطَانِ الملكِ العَادلِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ أَيُّوْبَ.
تَملَّكَ مَيَّافَارِقِيْنَ وَغَيْرهَا بَعْد أَبِيْهِ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِيْنَ، وَكَانَ شَابّاً، عَاقِلاً، شُجَاعاً، مَهِيْباً، مُحسناً إِلَى رَعيَّتِهِ، مُجَاهِداً، غَازِياً، دَيِّناً، تَقيّاً، حَمِيْدَ الطَّرِيقَةِ، حَاصره عَسْكَر هُولاَكو نَحْواً مِنْ عِشْرِيْنَ شَهْراً حَتَّى فَنِي النَّاسُ جُوعاً وَوبَاء، حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِالبَلَدِ سِوَى سَبْعِيْنَ رَجُلاً - فِيْمَا قِيْلَ -.
فَحَدَّثَنِي الشَّيْخ مَحْمُوْد بن عَبْدِ الكَرِيْمِ الفَارِقِيّ، قَالَ:
سَار الكَامِل إِلَى قِلاعٍ بِنوَاحِي آمدَ فَأَخَذَهَا، ثُمَّ نَقل إِلَيْهَا أَهْلَه، وَكَانَ أَبِي فِي خِدْمَتِه، فَرحلَ بِنَا إِلَى قَلْعَةٍ مِنْهَا، فَعبرتِ التَّتَار عَلَيْنَا، فَاسْتَنْزلُوا أَهْل الْملك الكَامِل بِالأَمَان مِنْ قَلْعَة أُخْرَى، وَردُّوا بِهِم عَلَيْنَا، وَأَنَا صَبِيّ مُمِيِّز، وَحَاصرُوا مَيَّافَارِقِيْن أَشْهُراً، فَنَزَلَ عَلَيْهِم الثَّلج، وَهَلَكَ بَعْضهُم، وَكَانَ الكَامِل يَبرزُ إِلَيْهِم وَيُقَاتِلهُم، وَيُنْكِي فِيهِم فَهَابُوهُ، ثُمَّ بَنَوا عَلَيْهِم سُوراً بِإِزَاء
стр. 14030
البَلَد، بِأَبرجَة، وَنَفَدَتِ الأَقوَات، حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ يَموت فَيُؤكل، وَوَقَعَ فِيهِمُ المَوْتُ، وَفتر عَنْهُم التَّتَارُ وَصَابَرُوهُم، فَخَرَجَ إِلَيْهِم غُلاَم أَوْ أَكْثَر وَجَلَوْا لِلتَّتَارِ أَمرَ البَلَدِ، فَمَا صَدَقُوا، ثُمَّ قَربُوا مِنْ السُّورِ وَبَقوا أَيَّاماً لاَ يَجسرُوْنَ عَلَى الْهُجُوم، فَدلَى إِلَيْهِم مَمْلُوْك لِلْكَامِل حِبالاً، فَطَلعُوا إِلَى السُّوْرِ، فَبَقُوا أُسبوعاً لاَ يَجسرُوْنَ، وَبَقِيَ بِالبَلَدِ نَحْوُ التِّسْعِيْنَ بَعْد أُلوف مِنَ النَّاسِ، فَدَخَلتِ التَّتَارُ دَارَ الكَامِل وَأَمَّنوهُ، وَأَتَوا بِهِ هُولاَكو بِالرُّهَا، فَإِذَا هُوَ يَشرب الخَمْر، فَنَاول الكَامِلَ كَأْساً فَأَبَى، وَقَالَ: هَذَا حَرَامٌ.
فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: نَاوِلِيهِ أَنْتِ.
فَنَاولته، فَأَبَى، وَشتم وَبصق - فِيْمَا قِيْلَ - فِي وَجهِ هُولاَكو.
وَكَانَ الكَامِل مِمَّنْ سَارَ قَبْل ذَلِكَ وَرَأَى القَانَ الكَبِيْرَ، وَفِي اصطِلاَحِهِم مَنْ رَأَى وَجه القَان لاَ يُقتل، فَلَمَّا وَاجه هُولاَكو بِهَذَا، اسْتشَاط غضباً، وَقَتَلَهُ.
ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ الكَامِلُ شَدِيدَ البَأْسِ، قَوِيَّ النَّفْسِ، لَمْ يَنقهر لِلتَّتَارِ بِحَيْثُ إِنَّهُم أَخَذُوا أَوْلاَده مِنْ حِصنِهِم، وَأَتَوهُ بِهِم إِلَى تَحْتَ سُورِ مَيَّافَارِقِيْنَ، وَكلَّمُوْهُ أَنْ يُسلِّم البَلَد بِالأَمَان، فَقَالَ: مَا لَكُم عِنْدِي إِلاَّ السَّيْف.
قُلْتُ: طِيفَ بِرَأْسِهِ بِدِمَشْقَ بِالطُّبولِ، وَعُلِّق عَلَى بَابِ الفَرَادِيْسِ، فَلَمَّا انْقَلَعُوا، وَجَاءَ المُظَفَّرُ وَدُفِنَ الرَّأْس.
وَكَانَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ قَدِمَ دِمَشْق مُسْتنجداً بِالنَاصِر، فَبَالغ فِي إِكرَامه وَاحترَامِه، وَوعدَه بِالإِنجَادِ، وَرجع إِلَى مَيَّافَارِقِيْنَ، وَقُتِلَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ ﵀.
١٢١ - العَزِيْزُ غِيَاثُ الدِّيْنِ مُحَمَّدُ ابْنُ الظَّاهِرِ بنِ صَلاَحِ الدِّيْنِ *
السُّلْطَانُ، الْملك العَزِيْز، غِيَاث الدِّيْنِ مُحَمَّد ابْنُ السُّلْطَانِ الملكِ الظَّاهِرِ ابْنِ السُّلْطَانِ الكَبِيْرِ صَلاَحِ الدِّيْنِ.
стр. 14031
ملَّكوهُ حَلَب بَعْد أَبِيْهِ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَع سِنِيْنَ، وَجَعَلَ أَتَابَكَهُ الطّوَاشِيَّ طُغْرِيْلَ، فَأَجَاز ذَلِكَ السُّلْطَان الْملك العَادل، لِمَكَانِ بِنْتِهِ الصَّاحبَةِ ضيفَة أُمّ العَزِيْز، وَكَانَ شَابّاً عَادِلاً شَفوقاً عَلَى الرَّعِيَّةِ مُتودِّداً لاَ بَأْسَ بِهِ.
تُوُفِّيَ: فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلاَثِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَملكُوا بَعْدَهُ ابْنَةَ النَّاصِر.
وَفِيْهَا مَاتَ بِحَلَبَ عَمُّهُ:
١٢٢ - المَلِكُ المُحْسِنُ أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ يُوْسُفَ بنِ أَيُّوْبَ *
المُحَدِّثُ، الزَّاهِدُ، العَالِم، يَمِيْن الدِّيْنِ، أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ ابنُ السُّلْطَان يُوْسُف بن أَيُّوْبَ.
حَدَّثَ عَنْ: ابْنِ صَدَقَة الحَرَّانِيّ، وَهِبَة اللهِ البُوْصِيْرِيّ، وَحَنْبَل، وَخَلْق.
وَنسخ وَقَرَأَ وَحصل، وَكَانَ صَحِيْح النَّقْل، مُتَوَاضِعاً، مفضلاً عَلَى أَهْلِ الحَدِيْثِ وَعَلَى الرُّوَاة، يَتجمَّل بِهِ المُحَدِّثُونَ، وَقَدِ ارْتَحَلَ وَسَمِعَ بِمَكَّةَ مِنِ
стр. 14032
ابْن الحُصَرِيّ، وَابْنِ البَنَّاء، وَبِبَغْدَادَ مِنْ عَبْدِ السَّلاَمِ الدَّاهِرِيِّ، وَطَائِفَة.
قَالَ الضِّيَاء: حصل المُحْسِنُ الكَثِيْرَ، وَانتفعَ الخَلقُ بِإِفَادَتِهِ، وَطَلَبَ الحَدِيْثَ عَلَى وَجهِهِ.
قُلْتُ: حَدَّثَ عَنْهُ: القَاضِي شَمْسُ الدِّيْنِ ابْنُ الشِّيْرَازِيِّ أَحَد شُيُوْخِهِ، وَمَجْد الدِّيْنِ ابْن العَدِيْم، وَشيخُنَا سُنْقُر الزَّيْنِي.
مَاتَ: فِي المُحَرَّم، سَنَةَ أَرْبَعٍ.
وَبَقِيَ أَخُوْهُ الصَّالِح أَحْمَد صَاحِب عَيْنتَابَ حيّاً إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِيْنَ، وَأُمُّه أُمّ وَلد.
١٢٣ - النَّاصِرُ يُوْسُفُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ غَازِي بنِ يُوْسُفَ بنِ أَيُّوْبَ *
السُّلْطَان، الْملك النَّاصِر، صَلاَحُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، يُوْسُفُ ابْنُ الملكِ العَزِيْزِ مُحَمَّدِ ابنِ الملكِ الظَّاهِر غَازِي ابْنِ السُّلْطَانِ صَلاَحِ الدِّيْنِ يُوْسُفَ بنِ أَيُّوْبَ صَاحِبُ حَلَبَ وَدِمَشْقَ.
مَوْلِدُهُ: فِي رَمَضَانَ، سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ.
وَملكه خالُه السُّلْطَان الْملك الكَامِل فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَلاَثِيْنَ رِعَايَةً لأُخْتِهِ الصَّاحِبَةِ جَدَّةِ النَّاصِرِ، فَدَبَّرَ دَوْلَتَهُ الْمقر شَمْس الدِّيْنِ لُؤْلُؤ الأَمِينِي،
стр. 14033
وَإِقبال، وَالجَمَالُ القِفْطِيُّ الوَزِيْرُ، وَالأُمُوْرُ كُلَّهَا مَنُوطَة بِالصَّاحبَةِ، وَتَوَجَّه رَسُوْلاً قَاضِي حَلَب زَيْن الدِّيْنِ ابْن الأُسْتَاذ إِلَى الكَامِل وَمَعَهُ سلاَح العَزِيْز وَعدته، فَحزن عَلَيْهِ الكَامِل.
وَفِي سَنَة ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ نَازل السُّلْطَان دِمَشْق، فَفُتِحت لَهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَجَعَلهَا دَار مُلكه، ثُمَّ سَارع لِيَأْخذ مِصْر فَانْكَسَرَ، وَقُتِلَ نَائِبُه لُؤْلُؤ.
وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِيْنَ: كَانَ عُرسُه عَلَى بِنْت صَاحِب الرُّوْم وَأَولَدَهَا.
وَكَانَ جَوَاداً مُمَدَّحاً، حَسَنَ الأَخلاَقِ، مَزَّاحاً، لَعَّاباً، كَثِيْر الحِلمِ، مُحِبّاً لِلأَدبِ وَالعِلْم، وَفِي دَوْلَته انْحَلاَل وَانخنَاث؛ لِعدمِ سَطوتِه، وَكَانَ يَمدُّ سِمَاطه بَاهِراً مِنَ الدَّجَاج المحشِي، وَيُذبح لَهُ فِي اليَوْمِ أَرْبَعُ مائَة رَأْس، فَيَبِيعُ الفراشُوْنَ مِنَ الزبَادِي الكِبَار الفَاخِرَة الأَطعمَة شَيْئاً كَثِيْراً؛ بِحَيْثُ إِنَّ النَّاصِر زَار يَوْماً العِزّ المُطَرِّز، فَمدَّ لَهُ أَطعمَة فَاخِرَة، فَتعجب وَكَيْفَ تَهَيَّأَ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا خُوند، لاَ تَعجبْ، فَكله مِنْ فَضلة سِمَاط السُّلْطَان أَيده الله.
وَكَانَ السُّلْطَان يَحْفَظ كَثِيْراً مِنَ النَّوَادر وَالأَشعَار، وَيُبَاسِط جُلَسَاءهُ، وَقِيْلَ: رُبَّمَا غرم عَلَى السِّمَاط عِشْرِيْنَ أَلْفاً.
أَنْشَأَ مَدْرَسَتَهُ بِدِمَشْقَ، وَحَضَرَهَا يَوْم التَّدرِيسِ، وَأَنشَأَ الرِّبَاط الكَبِيْر، وَأَنشَأَ خَان الطّعْم، وَلَمَّا أَقْبَلت التَّتَارُ، تَأَخَّر إِلَى قطيَا، ثُمَّ خَاف مِنَ المِصْرِيّين، فَشرَّقَ نَحْو التِّيهِ، وَردَّ إِلَى البلقَاء، فَكَبَستْهُ التَّتَار فَهَرَبَ، ثُمَّ انْخَدَعَ وَاغترَّ بِأَمَانِهِم، فَذَهَبَ وَنَدِمَ، وَبَقِيَ فِي هوَانٍ وَغُربَة، هُوَ وَأَخُوْهُ الْملك الظَّاهِر.
وَقِيْلَ: لَمَّا كَبسوهُ دَخَلَ البرِيَة، فَضَايقوهُ حَتَّى عَطش، فَسَلَّمَ نَفْسه، فَأَتَوا بِهِ إِلَى كَتْبُغَا وَهُوَ يُحَاصر عَجلُوْنَ، فَوَعَده وَكذبه
стр. 14034
وَسقَاهُ خَمراً - وَقِيْلَ: أَكرمه هولاَوَو (١) مُدَّة - فَلَمَّا جَاءهُ قَتْلُ كتبغَا انْزَعَجَ، وَأَخْرَج غَيْظه فِي النَّاصِر وَأَخِيْهِ، فَيُقَالُ: قُتِلَ بِالسَّيْف بِتِبْرِيْز رَمَاهُ بِسَهمٍ، وَضُربت عُنُق أَخِيْهِ وَجَمَاعَة مِمَّنْ مَعَهُ فِي أَوَاخِرِ سَنَة ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَعَاشَ إِحْدَى وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً ﵀.
وَقِيْلَ: إِنَّهُ مَا سلَّم نَفْسه إِلَى التَّتَارِ حَتَّى بلغت عِنْدَهُ الشربَة مائَةَ دِيْنَارٍ (٢) .
ذكر قُطْب الدِّيْنِ (٣) : إِنَّ هُولاَكو لَمَّا سَمِعَ بِهَزِيْمَةِ عَيْنِ جَالُوتَ غَضِبَ، وَتَنَكَّرَ لِلنَّاصِرِ، وَلَمَّا بَلَغَهُ وَقْعَةُ حِمْصَ انزعجَ، وَقَتَلَهُ، وَقِيْلَ: خَصَّه بِعَذَابٍ دُوْنَ رِفَاقه، وَلَهُ شعر جَيِّد.
قَالَ ابْنُ وَاصِل: عُمل عَزَاؤُه بِدِمَشْقَ، فِي جُمَادَى الأُوْلَى، سَنَةَ تِسْع.
قَالَ: وَصُوْرَة ذَلِكَ مَا تَوَاتر أَن هُوْلاَكُو لمَا بلغه كسرَة جَيْشه بِعَيْنِ جَالُوتَ وَحِمْص، أَحضر النَّاصِرَ وَأَخَاهُ، وَقَالَ لِلتَّرْجَمَان: قل أَنْتَ زعمت البِلاَد مَا فِيْهَا أَحَد وَهُم فِي طَاعتك حَتَّى غَررت بِي.
فَقَالَ النَّاصِر: هُم فِي طَاعتِي لَوْ كُنْتُ هُنَاكَ، وَمَا كَانَ يشهر أَحَدٌ سَيْفاً، أَمَّا مَنْ هُوَ بِتورِيز كَيْفَ يَحكم عَلَى الشَّامِ؟
فَرمَاهُ هُولاَكو بِسَهْمٍ أَصَابه (٤) ، فَاسْتغَاث، فَقَالَ أَخُوْهُ: اسكُتْ وَلاَ تَطلُبْ مِنْ هَذَا الكَلْبِ عَفْواً، فَقَدْ حضرت.
ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمٍ آخرَ أَتلفَه، وَضُربت عُنُق الظَّاهِر وَأَتْبَاعُهُمَا.
وَفِيْهَا: قُتل السُّلْطَان قُطز بَعْد المَصَافّ مائَة، وَصَاحِب (٥) стр. 14035
الصُّبيبَة (١) الْملك السَّعِيْد حَسَن ابْن العَزِيْز عُثْمَان ابْن السُّلْطَان الْملك العَادل، تَملك الصُّبيبة بَعْد أَخِيْهِ الْملك الظَّاهِر سَنَة إِحْدَى وَثَلاَثِيْنَ، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُ السُّلْطَان الْملك الصَّالِح بَعْد سِنِيْنَ، وَأَعْطَاهُ خُبزاً (٢) بِمِصْرَ، فَلَمَّا قتلُوا المُعَظَّم سَاق إِلَى غَزَّة، وَأَخَذَ مَا فِيْهَا، ثُمَّ تَسَلَّمَ الصُّبَيبةَ، فَلَمَّا تَملَّك النَّاصِرُ دِمَشْقَ، أَخَذَ السَّعِيْدَ، وَسَجَنَهُ بِقَلْعَةِ إِلبِيْرَةَ، فَلَمَّا أَخَذَ أَصْحَابُ هُولاَكُو إِلْبِيْرَةَ، أَحضَرُوهُ مُقَيَّداً عِنْد القَانِ، فَأَطلقه، وَخلعَ عَلَيْهِ بِسرَاقوج وَصَارَ تَتَرِيّاً، فَردُّوا إِلَيْهِ الصُّبيبةَ، وَلاَزَمَ خدمَة كَتبُغَا، وَقَاتَلَ مَعَهُ يَوْم عَينِ جَالُوت، ثُمَّ جَاءَ بِوَجْه بَسِيط إِلَى بَيْنَ يَدِي قُطُزَ، فَأَمر بِضربِ عُنُقه فِي آخِرِ رَمَضَان، وَكَانَ بَطَلاً شُجَاعاً (٣) .
١٢٤ - الشَّلَوْبِيْنُ أَبُو عَلِيٍّ عُمَرُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ الأَزْدِيُّ *
الأُسْتَاذ، العَلاَّمَة، إِمَام النَّحْو، أَبُو عَلِيٍّ عُمَر بن مُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ الأَزْدِيّ، الإِشْبِيْلِيّ، الأَنْدَلُسِيّ، النَّحْوِيّ، المُلَقَّب بِالشَّلَوْبِيْنِ. стр. 14036
وَالشَّلَوْبِيْنُ فِي لُغَة الأَنْدَلُسِيّين: هُوَ الأَبيض الأَشْقَر.
مَوْلِدُهُ: فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، بِإِشْبِيْلِيَة.
سَمِعَ مِنْ: أَبِي بَكْرٍ ابْن الجَدِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ زَرْقُوْنَ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ بنِ بُوْنُهْ، وَأَبِي زَيْدٍ السُّهَيْلِي، وَعَبْد المُنْعِمِ بن الفَرَسِ، وَطَائِفَة.
وَلَهُ إِجَازَة خَاصَّة مِنْ: أَبِي طَاهِرٍ السِّلَفِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ خَيْر، وَأَبِي القَاسِمِ بنِ حُبَيْش.
اخْتصَّ بِابْن الجَدِّ، وَرُبِّي فِي حَجْرِهِ؛ لأَنَّ أَبَاهُ كَانَ خَادِماً لابْنِ الجَدِّ، وَلَهُ سَمَاع كَثِيْر.
وَأَخَذَ النَّحْو عَنِ: ابْنِ مُلكُوْن، وَأَبِي الحَسَنِ نَجبَةَ.
وَكَانَ إِمَاماً فِي العَرَبِيَّة لاَ يُشَقُّ غُبَارُهُ وَلاَ يُجَارَى.
تَصَدَّرَ لإِقْرَائِهَا سِتِّيْنَ سَنَةً، ثُمَّ فِي أَوَاخِرِ عُمُرِهِ تَرَكَ الإِقْرَاءَ لإِطباقِ الفِتَنِ وَاسْتيلاَءِ العَدُوِّ.
وَلَهُ تَصَانِيْفُ مُفِيْدَةٌ، وَعَمِلَ لِنَفْسِهِ (مَشْيَخَةً) نصَّ فِيْهَا عَلَى اتِّسَاعِ مَسْمُوْعَاتِهِ، فَقَالَ الأَبَّارُ: سَمِعْتُ مَنْ يُنكِرُ ذَلِكَ وَيَدفَعُهُ -يَعْنِي الاتِّسَاعَ- وَكَانَ أَنِيقَ الكِتَابَةِ، أَخَذَ عَنْهُ عَالِمٌ لاَ يُحْصَوْنَ.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ (١) : قَدْ رَأَيْت جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكُلّ مِنْهُم يَقُوْلُ: مَا يَتقَاصر أَبُو عَلِيٍّ شَيْخنَا عَنِ الشَّيْخ أَبِي عَلِيٍّ الفَارِسِيّ، وَقَالُوا: كَانَ فِيْهِ مَعَ فَضِيْلتِه غَفلَة وَصُوْرَة بَلَهٍ حَتَّى قَالُوا: كَانَ إِلَى جَانب نَهْرٍ، وَبِيَدِهِ كُرَّاس، فَوَقَعَ فِي المَاءِ، فَاغتَرَفَهُ بِكُرَّاسٍ آخرَ، فَتَلِفَا.
وَلَهُ عَلَى (الجزوليَة) شرحَان.
عَاشَ: ثَلاَثاً وَثَمَانِيْنَ سَنَةً.
تُوُفِّيَ: فِي صَفَرٍ، سَنَة خَمْسٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ. стр. 14037
١٢٥ - الدَّبَّاجُ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ جَابِرِ بنِ عَلِيٍّ الإِشْبِيْلِيُّ *
العَلاَّمَةُ، شَيْخُ القُرَّاءِ وَالنُّحَاةِ بِالأَنْدَلُسِ.
أَخَذَ القِرَاءات عَنْ: أَبِي الحَسَنِ نَجبَة بن يَحْيَى، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ صَاف.
وَأَخَذَ العَرَبِيَّة عَنْ: أَبِي ذَرٍّ بن أَبِي رُكبٍ الخُشَنِيّ، وَابْن خَرُوْف، وَتَصَدَّرَ لِلْعِلْمَينِ خَمْسِيْنَ عَاماً.
قَالَ الأَبَّارُ (١) : أَمَّ بِجَامِعِ العَدَبَّسِ (٢) .
وَهُوَ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ جَابِرٍ بنِ عَلِيٍّ الإِشْبِيْلِيّ الدَّبَّاجُ، مِنْ أَهْلِ الفَضْلِ وَالصَّلاَحِ.
وُلِدَ: سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، وَتُوُفِّيَ بِإِشْبِيْلِيَة، فِي شَعْبَانَ (٣) ، سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، بَعْد دُخُوْلِ الرُّوْمِ - لَعَنَهُم الله - صُلحاً بِأَيَّام، فَإِنَّهُ تَأَسَّفَ، وَهَالَهُ نطق النَّوَاقِيسِ، وَخَرَس الآذَان، فَاضْطَرَب، وَارتَمَضَ لِذَلِكَ، إِلَى أَنْ قَضَى نَحْبَه، وَقِيْلَ: بَلْ مَاتَ يَوْمَ دُخُوْلِهِم.
قُلْتُ: كَانَ حُجَّة فِي النَّقل، مُسدداً فِي الْبَحْث، يُقْرِئُ (كِتَاب سِيْبَوَيْه) .
أَخَذَ عَنْهُ: أَبُو الحَسَنِ بنُ عُصْفُور، وَغَيْرُهُ، تَسَلَّمَ صَاحِبُ قَشتَالَة البَلَدَ стр. 14038
بَعْدَ حِصَارٍ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْراً، وَاسْتقلَّ بِهَا، وَمَاتَ زَمَنَ الحصَارِ الحَافِظ المُحَدِّثُ الأَدِيْب الشَّاعِر أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بنُ القَاسِمِ اللَّخْمِيّ الإِشْبِيْلِيّ الحَرِيْرِيّ كَهْلاً؛ سَمِعَ (صَحِيْحَ البُخَارِيِّ) مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَلِيٍّ الزُّهْرِيِّ.
وَلَهُ كِتَابٌ فِي النَّسَبِ، وَآخَرُ فِي تَارِيْخِ عُلَمَاءِ الأَنْدَلُسِ، وَغَيْر ذَلِكَ.
١٢٦ - صَاحِبُ حَمَاةَ المُظَفَّرُ مَحْمُوْدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ الأَيُّوْبِيُّ *
المَلِكُ، المُظَفَّرُ، تَقِيُّ الدِّيْنِ مَحْمُوْدُ ابْنُ المَنْصُوْرِ مُحَمَّدِ بنِ المُظَفَّرِ تَقِيِّ الدِّيْنِ عُمَرَ بنِ شَاهِنْشَاه الأَيُّوْبِيُّ، الحَمَوِيُّ.
كَانَتْ دَوْلَته خَمْساً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً.
تَمَلَّكَ بَعْدَ أَخِيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ عَاماً وَأَشْهُراً، وَكَانَ بَطَلاً شُجَاعاً إِلَى الغَايَة، وَكَانَ دَائِماً يَرْكُب بِاللتّ (١) عَلَى كَتِفِهِ، قل مَنْ يَقدر أَنْ يَحمله، وَلَهُ موَاقف مَشْهُوْدَة.
ذكره: ابْن وَاصِل، وَبَالَغَ.
وَكَانَ فَطناً، قَوِيّ الفرَاسَة، طَيِّب المُفَاكهَة، وَكَانَ نَاقص الْحَظ مَعَ جِيرَانه المُلُوْك، وَحرص جِدّاً عَلَى قيَام مُلْكِ الْملك الصَّالِح نَجْم الدِّيْنِ، стр. 14039
وَخَطَبَ لَهُ بِحَمَاةَ، ثُمَّ تَعلَّل طَوِيْلاً أَزْيَد مِنْ سَنَتَيْنِ، وَفُلِجَ، ثُمَّ مَرِضَ بِحُمَّى، وَمَاتَ، وَقَامَتِ بِالأُمُوْر زَوجتُه أُخْتُ الْملك الصَّالِح، وَحزن الصَّالِح لِمَوْتِهِ كَثِيْراً، وَجَلَسَ لِلْعزَاء ثَلاَثَة أَيَّام.
مَاتَ: فِي جُمَادَى الأُوْلَى، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَعَاشَ ثَلاَثاً وَأَرْبَعِيْنَ سَنَةً، فَتَمَلَّكَ بَعْدَهُ ابْنه المَنْصُوْر مُحَمَّد، وَلَهُ عشر سِنِيْنَ وَأَيَّام.
١٢٧ - ابْنُ الفَاضِلِ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيْمِ بنِ عَلِيٍّ المِصْرِيُّ *
الوَزِيْرُ، القَاضِي الأَشْرَف أَحْمَد ابْن القَاضِي الفَاضِل عَبْد الرَّحِيْمِ بن عَلِيٍّ المِصْرِيّ.
وُلِدَ: سَنَةَ ثَلاَثٍ وَسَبْعِيْنَ.
وَسَمِعَ مِنَ: القَاسِمِ ابْن عَسَاكِرَ، وَالأَثِيْر بن بُنَانٍ، وَبنت سَعْد الخَيْرِ، وَأَبِيْهِ، وَأَقْبَلَ عَلَى طلب الحَدِيْث فِي كُهولته إِلَى الغَايَة، وَاجتهد، وَكَتَبَ العَالِي وَالنَّازل، وَأَنفق عَلَى المُحَدِّثِيْنَ.
وَكَانَ سَرِيع القِرَاءة، صَدْراً عَالِماً مُعَظَّماً، وَزرَ لِلْعَادل، فَلَمَّا مَاتَ عُرضت عَلَيْهِ الوَزَارَة فَأَبَى، وَدرَّس بِمَدْرَسَة أَبِيْهِ.
مَاتَ: سَنَةَ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَلَهُ سَبْعُوْنَ سَنَةً (١) . стр. 14040
١٢٨ - ابْنُ العِزِّ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الغَنِيِّ المَقْدِسِيُّ *
شَيْخُ الحَنَابِلَة، تَقِيّ الدِّيْنِ، أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ ابْنُ المُحَدِّث عِزّ الدِّيْنِ مُحَمَّد ابْنِ الحَافِظِ عَبْد الغَنِيِّ المَقْدِسِيّ، الصَّالِحيّ.
وُلِدَ: سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.
وَسَمِعَ مِنَ: الخُشُوْعِيّ، وَعِدَّةٍ، وَبِأَصْبَهَانَ مِنْ: أَسَعْد بن رَوْحٍ، وَعفِيفَةَ، وَخَلْق.
وَلَزِمَ جدّه لأُمِّهِ الشَّيْخ مُوَفَّق الدِّيْنِ حَتَّى بَرَعَ وَحفظ (الكَافِي) لَهُ، وَتَفَقَّهَ بِبَغْدَادَ عَلَى الفَخْر غُلاَم ابْن المَنِّي، وَدرَّس وَأَفتَى، وَتَخَرَّجَ بِهِ الفُقَهَاء.
رَوَى عَنْهُ: العِزُّ ابْنُ العِمَادِ، وَالشَّمْسُ ابْنُ الوَاسِطِيِّ، وَالقَاضِي تَقِيّ الدِّيْنِ، وَمُحَمَّد بن مُشْرِق.
وَكَانَ دَيِّناً مُؤثراً فَصِيْحاً مَهِيْباً، مَلِيحَ الشّكل، وَافِرَ الحُرْمَةِ عِنْد الدَّوْلَة، أَمَر زَمَنَ الخُوَارِزْمِيَة بِتَدرِيبِ الطُّرقِ فِي الصَّالِحيَّةِ، وَتَحْصِيْلِ الْعدَد وَالرِّجَال، وَبِالاحْتِرَاز، وَلَمَّا قربت الخُوَارِزْمِيَّة مِنَ الميطور برز بِالرِّجَالِ إِلَيْهِم، فَجَاءَ رَسُوْلُهُم يُبَشِّرُ بِالأَمَانِ، وَأَنَّهُم لاَ يَمُرُّوْنَ بِهِم إِلاَّ بِأَمْرِ الشَّيْخِ، وَلَمَّا رَأَوُا الشَّيْخَ، نَزَلَ الخَانَات عَنْ خيلهِم وَرحَّبُوا بِالشَّيْخ، وَقبَّلُوا يَده، وَمَرُّوا بِسَفْحِ الْجَبَل إِلَى العقبَة، ثُمَّ إِلَى المِزَّة، وَلَمْ يُؤذُوا، لَكِن حسن غُلاَم ابْن المُعْتَمِد قَاتلهُم، فَقتلُوْهُ.
ثُمَّ مَاتَ الشَّيْخ: فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعِيْنَ (١) . следующие страницы →