← Тараджим

Тараджим · id 10906

سير أعلام النبلاء - ط الرسالة

شمس الدين الذهبي

Полный текст (14 211 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.

стр. 7491

حَدَّثَ عَنْهُ: مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي دَاوُدَ، وَمُحَمَّدُ بنُ يُوْسُفَ الفِرَبْرِيُّ. وَوَقَعَ لَنَا رِوَايَتُهُ عَنْهُ فِي تَعْلِيَةِ حَدِيْثِ مُوْسَى وَالخَضِرِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بنُ خَشْرَمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، فَذَكَرَهُ. لَكِنْ لَيْسَ هَذَا فِي كُلِّ النُّسَخِ بِالصَّحِيْحِ. وَمِمَّنْ حَدَّثَ عَنْهُ: مُحَمَّدُ بنُ مُعَاذٍ المَالِيْنِيُّ، وَأَبُو عَلِيٍّ بنُ رَزِيْنٍ البَاشَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بنُ المُنْذِرِ شَكَّر (١) ، وَمُحَمَّدُ بنُ عَقِيْلٍ البَلْخِيُّ، وَأَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بنُ حَمْدُوْنَ الأَعْمَشِيُّ، وَعَدَدٌ كَثِيْرٌ. وَانْتَهَى إِلَيْهِ عُلُوُّ الإِسْنَادِ بِمَا وَرَاء النَّهرِ، وَبِمَرْوَ، وَهَرَاةَ. قَالَ أَبُو رَجَاءَ: سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: صُمتُ ثَمَانِيَةً وَثَمَانِيْنَ رَمَضَاناً. قَالَ: وَمَاتَ فِي رَمَضَانَ، سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِيْنَ وَمائَتَيْنِ. ١٦٦ - أَحْمَدُ بنُ بَكَّارِ ابْنِ أَبِي مَيْمُوْنَةَ زَيْدٍ الأُمَوِيُّ * (س) مَوْلاَهُمُ، الحَرَّانِيُّ، الحَافِظُ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. رَوَى عَنْ: أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَمَخْلَدِ بنِ يَزِيْدَ، وَابْنِ فُضَيْلٍ، وَمُحَمَّدِ بنِ سَلَمَةَ، وَوَكِيْعٍ، وَعِدَّةٍ. وَعَنْهُ: النَّسَائِيُّ، وَالبَاغَنْدِيُّ، وَأَبُو عَرُوْبَةَ، وَجَمَاعَةٌ. قَالَ النَّسَائِيُّ: لاَ بَأْسَ بِهِ.

стр. 7492

قُلْتُ: امتَنَعَ مِنَ الأَخْذِ عَنْ يَعْلَى بنِ الأَشْدَقِ؛ لأَنَّهُ سَمِعَهُ يُفْحِشُ فِي خِطَابِهِ. تُوُفِّيَ: سَنَةَ ٢٤٤، فِي صَفَرٍ. ١٦٧ - الخَطْمِيُّ إِسْحَاقُ بنُ مُوْسَى بنِ عَبْدِ اللهِ * (م، ت، س، ق) الإِمَامُ، الحَافِظُ، الثِّقَةُ، القَاضِي، أَبُو مُوْسَى إِسْحَاقُ بنُ مُوْسَى بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُوْسَى بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ يَزِيْدَ الخَطْمِيُّ، الأَنْصَارِيُّ، المَدَنِيُّ، الفَقِيْهُ، نَزِيْلُ سَامَرَّاءَ، ثُمَّ قَاضِي نَيْسَابُوْرَ. سَمِعَ: سُفْيَانَ بنَ عُيَيْنَةَ، وَعَبْدَ السَلاَّمِ بنَ حَرْبٍ، وَمَعْنَ بنَ عِيْسَى القَزَّازَ، وَجَمَاعَةً. حَدَّثَ عَنْهُ: مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَبَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ، وَجَعْفَرٌ الفِرْيَابِيُّ، وَابْنُهُ؛ مُوْسَى بنُ إِسْحَاقَ، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ خُزَيْمَة، وَآخَرُوْنَ. وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ. أَطْنَبَ أَبُو حَاتِمٍ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُ: ثِقَةٌ. وَيَروِي التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ كَثِيْراً، وَيَقُوْلُ: حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ. وَلَهُ حَدِيْثٌ يَنْفَرِدُ بِهِ.

стр. 7493

وَقَالَ النَّسَائِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ مُوْسَى، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ إِدْرِيْسَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ إِلَى ابْنِ مَسْعُوْدٍ، وَإِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي مَسْعُوْدٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا الحَدِيْثُ الَّذِي تُكْثِرُوْنَ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ؟ فَحَبَسَهُم بِالمَدِيْنَةِ حَتَّى اسْتُشْهِدَ. هَذَا حَدِيْثٌ غَرِيْبٌ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ: عَبْدُ اللهِ بنُ نَاجِيَةَ، وَغَيْرُهُ، عَنْ إِسْحَاقَ الخَطْمِيِّ. قِيْلَ: إِنَّهُ مَاتَ بِجُوْسِيَةَ - بُلَيْدَةٍ مِنْ أَعْمَالِ حِمْصَ - فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَمائَتَيْنِ. وَكَانَ وَلَدُهُ مُوْسَى بنُ إِسْحَاقَ مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ الدِّيْنِ. نَجَزَ بِعَوْنِهِ -تَعَالَى- وَتَوْفِيْقِهِ الجُزْءُ الحَادِي عَشَرَ، وَيَلِيْهِ الجُزْءُ الثَّانِي عَشَرَ، وَأَوَّلُهُ: تَرْجَمَةُ يَحْيَى بنِ أَكْثَمَ.

стр. 7494

الجُزْءُ الثَّانِي عَشَرَ ١ - يَحْيَى بنُ أَكْثَمَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ قَطَنٍ التَّمِيْمِيُّ * (ت) قَاضِي القُضَاةِ، الفَقِيْهُ، العَلاَّمَةُ، أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ، المَرْوَزِيُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ. وُلِدَ: فِي خِلاَفَةِ المَهْدِيِّ. وَسَمِعَ مِنْ: عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ أَبِي حَازِمٍ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَعَبْدِ العَزِيْزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، وَجَرِيْرِ بنِ عَبْدِ الحَمِيْدِ، وَسُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، وَالفَضْلِ السِّيْنَانِيِّ (١) ، وَعَبْدِ اللهِ بنِ إِدْرِيْسَ، وَعِدَّةٍ. وَلَهُ رِحْلَةٌ وَمَعْرِفَةٌ.

стр. 7495

حَدَّثَ عَنْهُ: التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَالبُخَارِيُّ خَارِجَ (صَحِيْحِهِ) ، وَإِسْمَاعِيْلُ القَاضِي، وَإِبْرَاهِيْمُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مَتَّوَيْه، وَأَبُو العَبَّاسِ السَّرَّاجُ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ مَحْمُوْدٍ المَرْوَزِيُّ، وَآخَرُوْنَ. وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الاجْتِهَادِ، وَلَهُ تَصَانِيْفُ، مِنْهَا كِتَابُ (التَنْبِيْهِ) . قَالَ الحَاكِمُ: مَنْ نَظَرَ فِي (التَنْبِيهِ) لَهُ، عَرَفَ تَقَدُّمَهُ فِي العُلُومِ (١) . وَقَالَ طَلْحَةُ الشَّاهِدُ (٢) :كَانَ وَاسِعَ العِلْمِ بِالفِقْهِ، كَثِيْرَ الأَدَبِ، حَسَنَ العَارِضَةِ (٣) ، قَائِماً بِكُلِّ مُعْضِلَةٍ. غَلَبَ عَلَى المَأْمُوْنِ، حَتَّى لَمْ يَتَقَدَّمْهُ عِنْدَهُ أَحَدٌ مَعَ بَرَاعَةِ المَأْمُوْنِ فِي العِلْمِ. وَكَانَتِ الوُزَرَاءُ لاَ تُبْرِمُ شَيْئاً حَتَّى تُرَاجِعَ يَحْيَى (٤) . قَالَ الخَطِيْبُ: وَلاَّهُ المَأْمُوْنُ قَضَاءَ بَغْدَادَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ أَكْثَمَ بنِ صَيْفِيٍّ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ: سَمِعَ مِنِ ابْنِ المُبَارَكِ صَغِيراً، فَصَنَعَ أَبُوْهُ طَعَاماً، وَدَعَا النَّاسَ، وَقَالَ: اشْهَدُوا أَنَّ ابْنِي سَمِعَ مِنْ عَبْدِ اللهِ (٥) . قَالَ أَبُو دَاوُدَ السِّنْجِيُّ (٦) : سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُوْلُ: كُنْتُ عِنْدَ سُفْيَانَ،

стр. 7496

فَقَالَ: بُلِيْتُ بِمُجَالَسَتِكُم بَعْدَ مَا كُنْتُ أُجَالِسُ مَنْ جَالَسَ الصَّحَابَةَ، فَمَنْ أَعْظَمُ مِنِّي مُصِيْبَةً؟ قُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، الَّذِيْنَ بَقُوا حَتَّى جَالَسُوكَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ، أَعْظَمُ مِنْكَ مُصِيْبَةً (١) . وَرَوَى: أَحْمَدُ بنُ أَبِي الحَوَارِيِّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَلِيَّتِي إِلاَّ أَنِّي حِيْنَ كَبِرْتُ صَارَ جُلَسَائِيَ الصِّبْيَانُ بَعْدَ مَا كُنْتُ أُجَالِسُ مَنْ جَالَسَ الصَّحَابَةَ. قلتُ: أَعْظَمُ مِنْكَ مُصِيْبَةً مَنْ جَالَسَكَ فِي صِغَرِكَ بَعْدَ مَا جَالَسَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْل اللهِ ﷺ . قَالَ: فَسَكَتَ (٢) . قَالَ عَلِيُّ بنُ خَشْرَمٍ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى، قَالَ: صِرْتُ إِلَى حَفْصِ بنِ غِيَاثٍ، فَتَعَشَّيْنَا عِنْدَهُ، فَأَتَى بِعُسٍّ (٣) ، فَشَرِبَ، وَنَاوَلَ أَبَا بَكْرٍ بنَ أَبِي شَيْبَةَ، فَشَرِبَ، وَنَاوَلَنِي. قَالَ: فَقُلْتُ: أَيُسْكِرُ كَثِيْرُهُ؟ قَالَ: إِيْ وَاللهِ، وَقَلِيْلُهُ. فَتَرَكْتُهُ (٤) . وَرَوَى: أَبُو حَازِمٍ القَاضِي، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: وَلِيَ يَحْيَى بنُ أَكْثَمَ قَضَاءَ

стр. 7497

البَصْرَةِ وَلَهُ عِشْرُوْنَ سَنَةً، فَاسْتَصْغَرُوْهُ، وَقِيْلَ: كَمْ سِنُّ القَاضِي؟ قَالَ: أَنَا أَكْبَرُ مِنْ عَتَّابِ بنِ أَسِيدٍ؛ الَّذِي وَلاَّهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ عَلَى مَكَّةَ، وَأَكْبَرُ مِنْ مُعَاذٍ حِيْنَ وَجَّهَ بِهِ رَسُوْلُ اللهِ قَاضِياً عَلَى اليَمَنِ، وَأَكْبَرُ مِنْ كَعْبِ بنِ سُوْرٍ الَّذِي وَجَّهَ بِهِ عُمَرُ قَاضِياً عَلَى البَصْرَةِ (١) . قَالَ الفَضْلُ الشَّعْرَانِيُّ: سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ أَكْثَمَ يَقُوْلُ: القُرْآنُ كَلاَمُ اللهِ، فَمَنْ قَالَ: مَخْلُوْقٌ، يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلاَّ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ (٢) . وَعَنْ يَحْيَى، قَالَ: مَا سُرِرْتُ بِشَيْءٍ سُروْرِي بِقَوْلِ المُسْتَمْلِي: مَنْ ذَكَرْتَ رَضِيَ اللهُ عَنْكَ (٣) . وَذُكِرَ لأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ مَا يُرْمَى بِهِ يَحْيَى، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! مَنْ يَقُوْلُ هَذَا (٤) ؟! قُلْتُ: قَدْ وَلِعَ النَّاسُ بِيَحْيَى لِتَوَلُّعِهِ بِالصُّوَرِ حُبّاً أَوْ مُزَاحاً. الصُّوْلِيُّ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيْلَ القَاضِي يُعَظِّمُ شَأْنَ يَحْيَى بنِ أَكْثَمَ، وَذكَرَ لَهُ يَوْمَ قِيَامِهِ فِي وَجْهِ المَأْمُوْنِ لَمَّا أَبَاحَ مُتْعَةَ النِّسَاءِ، فَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى رَدَّهُ إِلَى الحَقِّ، وَنَصَّ لَهُ الحَدِيْثَ فِي تَحْرِيْمِهَا (٥) ، فَقِيْلَ لإِسْمَاعِيْلَ: فَمَا

стр. 7498

كَانَ يُقَالُ؟ قَالَ: مَعَاذَ اللهِ أَنْ تَزُوْلَ عَدَالَةُ مِثْلِهِ بِكَذِبِ بَاغٍ أَوْ حَاسِدٍ. ثُمَّ قَالَ: وَكَانَتْ كُتُبُهُ فِي الفِقْهِ أَجَلَّ كُتُبٍ، تَرَكَهَا النَّاسُ لِطُوْلِهَا (١) . قَالَ أَبُو العَيْنَاءِ: سُئِلَ رَجُلٌ مِنَ البُلَغَاءِ عَنْ يَحْيَى بنِ أَكْثَمَ، وَأَحْمَدَ بنِ أَبِي دُوَادَ، أَيُّهُمَا أَنْبَلُ؟ قَالَ: كَانَ أَحْمَدُ يَجِدُّ مَعَ جَارِيَتِهِ وَبَيْتِهِ، وَكَانَ يَحْيَى يَهْزِلُ مَعَ عَدُوِّهِ وَخَصْمِهِ (٢) . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: فِيْهِ نَظَرٌ (٣) . وَقَالَ جَعْفَرُ بنُ أَبِي عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ مَعِيْنٍ: كَانَ يَكْذِبُ. وَقَالَ ابْنُ رَاهْوَيْه: ذَاكَ الدَّجَّالُ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ. وَقَالَ عَلِيُّ بنُ الجُنَيْدِ: يَسْرِقُ الحَدِيْثَ (٤) . وَقَالَ صَالِحٌ جَزَرَةُ: حَدَّثَ عَنِ ابْنِ إِدْرِيْسَ بِأَحَادِيْثَ لَمْ يَسْمَعْهَا. وَقَالَ أَبُو الفَتْحِ الأَزْدِيُّ: رَوَى عَنِ الثِّقَاتِ عَجَائِبَ.

стр. 7499

قُلْتُ: مَا هُوَ مِمَّنْ يَكْذِبُ، كَلاَّ، وَكَانَ عَبَثُهُ بِالمُرْدِ أَيَّامَ الشَّبِيْبَةِ، فَلَمَّا شَاخَ، أَقْبَلَ عَلَى شَأْنِهِ، وَبَقِيَتِ الشَّنَاعَةُ، وَكَانَ أَعْوَرَ. قَالَ أَبُو العَيْنَاءِ (١) : وَقَفَ لَهُ الأَضِرَّاءُ (٢) ، فَطَالَبُوْهُ، فَقَالَ: لَيْسَ لَكُمْ عِنْدَ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ شَيْءٌ. فَقَالُوا: لاَ تَفْعَلْ يَا أَبَا سَعِيْدٍ. فَصَاحَ: الحَبْسَ الحَبْسَ. فَحُبِسُوا، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ضَجَّوُا، فَقَالَ المَأْمُوْنُ: مَا هَذَا؟ قِيْلَ: الأَضِرَّاءُ. فَقَالَ لَهُ: وَلِمَ حَبَسْتَهُمْ؟ أَعَلَى أَنْ كَنَّوْكَ؟ قَالَ: بَلْ حَبَسْتُهُم عَلَى التَّعْرِيْضِ بِشَيْخٍ لاَئِطٍ فِي الحَرْبِيَّةِ (٣) . قَالَ فَضْلَكُ الرَّازِيُّ: مَضَيْتُ أَنَا وَدَاوُدُ الأَصْبَهَانِيُّ إِلَى يَحْيَى بنِ أَكْثَمَ وَمَعَنَا عَشْرَةُ مَسَائِلَ، فَأَجَابَ فِي خَمْسَةٍ مِنْهَا أَحْسَنَ جَوَابٍ. وَدَخَلَ غُلاَمٌ مَلِيْحٌ، فَلَمَّا رَآهُ اضْطَرَبَ، فَلَمْ يَقْدِرْ يَجِيءُ وَلاَ يَذْهَبُ فِي مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ دَاوُدُ: قُمْ، اخْتُلِطَ الرَّجُلُ (٤) .

стр. 7500

قَالَ أَبُو العَيْنَاءِ: كُنَّا فِي مَجْلِسِ أَبِي عَاصِمٍ، فَنَازَعَ أَبُو بَكْرٍ بنُ يَحْيَى بنِ أَكْثَمَ غُلاَماً، فَقَالَ أَبُو عَاصِمٌ: مَهْيَمْ (١) ؟ قِيْلَ: أَبُو بَكْرٍ يُنَازِعُ غُلاَماً، فَقَالَ: إِنْ يَسْرِقْ، فَقَدْ سَرَقَ أَبٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ (٢) . وَقَدْ هُجِيَ بِأَبْيَاتٍ مُفَرَّقَةٍ لَمْ أَسُقْهَا. قَالَ الخَطِيْبُ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ المُتَوَكِّلُ، صَيَّرَ يَحْيَى فِي مَرْتَبَةِ ابْنِ أَبِي دُوَادَ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ خَمْسَ خِلَعٍ (٣) . وَقَالَ نِفْطَوَيْه: لَمَّا عُزِلَ يَحْيَى مِنَ القَضَاءِ بِجَعْفَرٍ الهَاشِمِيِّ، جَاءهُ كَاتِبُهُ، فَقَالَ: سَلِّمِ الدِّيْوَانَ. فَقَالَ: شَاهِدَانِ عَدْلاَنِ عَلَى أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ بِذَلِكَ. فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، وَأُخِذَ مِنْهُ قَهْراً، وَأَمَرَ المُتَوَكِّلُ بِقَضِّ أَمْلاَكِهِ، وَحُوِّلَ إِلَى بَغْدَادَ، وَأُلزِمَ بَيْتَهُ. قَالَ الكَوْكَبِيُّ: حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بنُ أَحْمَدَ الكَاتِبُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ مُسْلِمٍ السَّعْدِيُّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى يَحْيَى بنِ أَكْثَمَ، فَقَالَ: افْتَحْ هَذَا القِمَطْرَ. فَفَتَحَ، فَإِذَا فِيْهِ شَيْءٌ رَأْسُهُ رَأْسُ إِنْسَانٍ، وَمِنْ سُرَّتِهِ إِلَى أَسْفَلٍ خِلْقَةُ زَاغٍ (٤) ، وَفِي ظَهْرِهِ سِلْعَةٌ -يَعْنِي: حَدْبَةٌ- وَفِي صَدْرِهِ كَذَلِكَ.

стр. 7501

فَكَبَّرْتُ وَهَلَّلْتُ وَجَزِعْتُ، وَيَحْيَى يَضْحَكُ (١) ، فَقَالَ لِي بِلِسَانٍ طَلْقٍ: أَنَا الزَّاغُ أَبُو عَجْوَه ... أَنَا ابْنُ اللَّيْثِ وَاللَّبْوَه أُحِبُّ الرَّاحَ وَالرَّيْحَا ... نَ وَالنَّشْوَةَ وَالقَهْوَه فَلاَ عَرْبَدَتِي تُخْشَى ... وَلاَ تُحْذَرُ لِي سَطْوَه (٢) ثُمَّ قَالَ: يَا كَهْلُ، أَنْشِدْنِي شِعْراً غَزِلاً، فَأَنْشَدْتُهُ: أَغَرَّكِ أَنْ أَذْنَبْتِ ثُمَّ تَتَابَعَتْ ... ذُنُوبٌ، فَلَمْ أَهْجُرْكِ ثُمَّ أَتُوْبُ

стр. 7502

وَأَكْثَرْتِ حَتَّى قُلْتِ: لَيْسَ بِصَارِمِي ... وَقَدْ يُصْدَمُ الإِنْسَانُ وَهُوَ حَبِيْبُ (١) فَصَاحَ: زَاغْ زَاغْ زَاغْ، فَطَارَ ثُمَّ سَقَطَ فِي القِمَطْرِ. فَقُلْتُ: أَعَزَّ اللهُ القَاضِيَ، وَعَاشِقٌ أَيْضاً؟! فَضَحِكَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هُوَ مَا تَرَى، وَجَّهَ بِهِ صَاحِبُ اليَمَنِ إِلَى أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ، وَمَا رَآهُ بَعْدُ. قَالَ سَعِيْدُ بنُ عُفَيْرٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوْبُ بنُ الحَارِثِ، عَنْ شَبِيْبِ بنِ شَيْبَةَ بنِ الحَارِثِ، قَالَ: قَدِمْتُ الشِّحْرَ (٢) عَلَى رَئِيْسِهَا (٣) ، فَتَذَاكَرْنَا النَّسْنَاسَ (٤) ، فَقَالَ: صِيْدُوا لَنَا مِنْهَا. فَلَمَّا أَنْ رُحْتُ إِلَيْهِ، إِذَا بِنَسْنَاسٍ مَعَ الأَعْوَانِ، فَقَالَ: أَنَا بِاللهِ وَبِكَ (٥) ! فَقُلْتُ: خَلُّوهُ. فَخَلَّوْهُ، فَخَرَجَ يَعْدُو، وَإِنَّمَا يَرْعَوْنَ النَّبَاتَ، فَلَمَّا حَضَرَ الغَدَاءُ، قَالَ: اسْتَعِدُّوا لِلصَّيْدِ، فَإِنَّا خَارِجُوْنَ. فَلَمَّا كَانَ السَّحَرُ، سَمِعْنَا قَائِلاً يَقُوْلُ: أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّ الصُّبْحَ قَدْ

стр. 7503

أَسْفَرَ، وَهَذَا اللَّيْلُ قَدْ أَدْبَرَ، وَالقَانِصُ (١) قَدْ حَضَرَ، فَعَلَيْكَ بِالوَزَرِ. فَقَالَ (٢) : كُلِي وَلاَ تُرَاعِي. فَقَالُوا: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، فَهَرَبَ وَلَهُ وَجْهٌ كَوَجْهِ الإِنْسَانِ، وَشَعَرَاتٌ بِيْضٌ فِي ذَقْنِهِ، وَمِثْلُ اليَدِ فِي صَدْرِهِ، وَمِثْلُ الرِّجْلِ بَيْنَ وَرِكَيْهِ، فَأَلَظَّ (٣) بِهِ كَلْبَان، وَهُوَ يَقُوْلُ: إِنَّكُمَا حِيْنَ (٤) تُجَارِيَانِي ... أَلْفَيْتُمَانِي خَضِلاً عِنَانِي لَوْ بِي شَبَابٌ مَا مَلَكْتُمَانِي ... حَتَّى تَمُوْتَا أَوْ تُفَارِقَانِي (٥) قَالَ: فَأَخَذَاهُ. قَالَ: وَيَزْعَمُوْنَ أَنَّهُمْ ذَبَحُوا مِنْهَا نَسْنَاساً، فَقَالَ قَائِلٌ: سُبْحَانَ اللهِ، مَا أَحْمَرَ دَمَهُ (٦) ! قَالَ: يَقُوْلُ نَسْنَاسٌ مِنْ شَجَرَةٍ: كَانَ يَأْكُلُ السُّمَّاقَ (٧) ، فَقَالُوا: نَسْنَاسٌ. فَأَخَذُوْهُ، وَقَالُوا: لَوْ سَكَتَ، مَا عُلِمَ بِهِ.

стр. 7504

فَقَالَ آخَرُ مِنْ شَجَرَةٍ: أَنَا صُمَيْمِيْتٌ. فَقَالُوا: نَسْنَاسٌ، خُذُوْهُ. قَالَ: وَبَنُو مَهْرَةَ يَصْطَادُوْنَهَا وَيَأْكُلُوْنَهَا. قَالَ: وَكَانَ بَنُو أُمِيْمَ بنِ لاَوَذَ بنِ سَامِ بنِ نُوْحٍ (١) سَكَنُوا زُنَّارَ أَرْضِ رَمْلٍ كَثِيْرَةِ النَّخْلِ، وَيُسْمَعُ فِيْهَا حِسُّ الجِنِّ حَتَّى كَثُرُوا، فَعَصَوْا، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ، فَأَهْلَكَهُمْ، وَبَقِيَ مِنْهُمْ بَقَايَا لِلْعَرَبِ تَقَعُ عَلَيْهِمْ، وَلِلرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ مِنْهُمْ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ فِي شِقٍّ وَاحِدٍ، يُقَالُ لَهُمُ: النَّسْنَاسُ. قُلْتُ: هَذَا كَقَوْلِ بَعْضِهِم: ذَهَبَ النَّاسُ، وَبَقِيَ النَّسْنَاسُ. يُشْبِهُونَ النَّاسَ، وَليْسُوا بِنَاسٍ، وَلَعَلَّ هَؤُلاَءِ تَوَلَّدُوا مِنْ قِرَدَةٍ وَنَاسٍ - فَسُبْحَانَ القَادِرِ -. وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّ يَحْيَى بنَ أَكْثَمَ (٢) رُئِيَ فِي النَّوْمِ، وَأَنَّهُ غُفِرَ لَهُ، وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ. قَالَ السَّرَّاجُ (٣) فِي (تَارِيْخِهِ) : مَاتَ بِالرَّبَذَةِ (٤) ، مُنصَرَفَهُ مِنَ الحَجِّ، يَوْمَ الجُمُعَةِ، فِي ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ وَمائَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ أُخْتِهِ: بَلَغَ ثَلاَثاً وَثَمَانِيْنَ سَنَةً.

стр. 7505

وَدُعَابَةُ يَحْيَى مَعَ المُرْدِ أَمْرٌ مَشْهُوْرٌ، وَبَعْضُ ذَلِكَ لاَ يَثْبُتُ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَشِيْخَ - عَفَا اللهُ عَنْهُ وَعَنَّا -. ٢ - ابْنُ السِّكِّيْتِ يَعْقُوْبُ بنُ إِسْحَاقَ البَغْدَادِيُّ النَّحْوِيُّ * شَيْخُ العَرَبِيَّةِ، أَبُو يُوْسُفَ يَعْقُوْبُ بنُ إِسْحَاقَ بنِ السِّكِّيْتِ (١) البَغْدَادِيُّ، النَّحْوِيُّ، المُؤَدِّبُ، مُؤلِفُ كِتَابِ (إصْلاَحِ المَنْطِقِ) ، دَيِّنٌ خَيِّرٌ، حُجَّةٌ فِي العَرَبِيَّةِ. أَخَذَ عَنْ: أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، وَطَائِفَةٍ. رَوَى عَنْهُ: أَبُو عِكْرِمَةَ الضَّبِّيُّ، وَأَحْمَدُ بنُ فَرَحٍ المُفَسِّرُ، وَجَمَاعَةٌ. وَكَانَ أَبُوْهُ مُؤَدِّباً، فَتَعَلَّمَ يَعْقُوْبُ، وَبَرَعَ فِي النَّحْوِ وَاللُّغَةِ، وَأَدَّبَ أَوْلاَدَ الأَمِيْرِ؛ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ طَاهِرٍ (٢) ، ثُمَّ ارْتَفَعَ مَحَلُّهُ، وَأَدَّبَ وَلَدَ المُتَوَكِّلِ. وَلَهُ مِنَ التَّصَانِيْفِ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِيْنَ كِتَاباً (٣) .

стр. 7506

رَوَى أَبُو عُمَرَ (١) عَنْ ثَعَلبٍ، قَالَ: مَا عَرَفْنَا لاِبْنِ السِّكِّيْتِ خَرْبَةٌ قَطُّ (٢) . وَقِيْلَ: إِنَّهُ أَدَّبَ مَعَ أَبِيْهِ الصِّبْيَانَ. وَرَوَى عَنِ الأَصْمَعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَالفَرَّاءِ، وَكُتُبُهُ صَحِيْحَةٌ نَافِعَةٌ. قَالَ ثَعْلَبٌ: لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفَاذٌ فِي النَّحْوِ، وَكَانَ يَتَشَيَّعُ. وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ عُبَيْدٍ: شَاوَرَنِي يَعْقُوْبُ فِي مُنَادَمَةِ المُتَوَكِّلِ، فَنَهَيْتُهُ، فَحَمَلَ قَوْلِي عَلَى الحَسَدِ، وَلَمْ يَنْتَهِ (٣) . وَقِيْلَ: كَانَ إِلَيْهِ المُنْتَهَى فِي اللُّغَةِ، وَأَمَّا التَّصْرِيْفُ فَقَدْ سَأَلَهُ المَازِنِيُّ عَنْ وَزْنِ (نَكْتَلْ) ، فَقَالَ: (نَفْعَل) ، فَرَدَّهُ. فَقَالَ: (نَفْتَعِل) ، فَقَالَ: أَتَكُوْنُ أَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ وَزْنُهَا خَمْسَةُ أَحْرُفٍ؟ فَوَقَفَ يَعْقُوْبُ، فَبَيَّنَ المَازِنِيُّ أَنَّ وَزْنَهُ (نَفْتَلُ) . فَقَالَ الوَزِيْرُ ابْنُ الزَّيَّاتِ: تَأْخُذُ كُلَّ شَهْرٍ أَلفَيْنِ (٤) وَلاَ تَدْرِي مَا وَزْنُ (نَكْتَل) ؟ فَلَمَّا خَرَجَا، قَالَ ابْنُ السِّكِّيْتُ لِلْمَازِنِيِّ: هَلْ تَدْرِي مَا صَنَعْتَ بِي؟ فَاعْتَذَرَ (٥) .

стр. 7507

وَلابْنِ السِّكِّيْتِ شِعْرٌ جَيِّدٌ (١) . وَيُرْوَى أَنَّ المُتَوَكِّلَ نَظَرَ إِلَى ابْنَيْهِ؛ المُعْتَزِّ وَالمُؤَيِّدِ، فَقَالَ لاِبْنِ السِّكِّيْتِ: مَنْ أَحَبُّ إِلَيْكَ هُمَا، أَوِ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ (٢) ؟ فَقَالَ: بَلْ قَنْبَرٌ (٣) . فَأَمَرَ الأَتْرَاكَ، فَدَاسُوا بَطْنَهُ، فَمَاتَ بَعْدَ يَوْمٍ. وَقِيْلَ: حُمِلَ مَيْتاً فِي بِسَاطٍ. وَكَانَ فِي المُتَوَكِّلِ نَصْبٌ (٤) - نَسْأَلُ اللهَ العَفْوَ -. مَاتَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَمائَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيْتِ: كَتَبَ رَجُلٌ إِلَى صَدِيْقٍ لَهُ: قَدْ عَرَضْتُ حَاجَةً إِلَيْكَ، فَإِنْ نَجَحَتْ فَالفَانِي مِنْهَا حَظِّيَ، وَالبَاقِي حَظُّكَ، وَإِنْ تَعَذَّرَتْ فَالخَيْرُ مَظنُوْنٌ بِكَ، وَالعُذْرُ مُقَدَّمٌ لَكَ، وَالسَّلاَمُ. قَالَ ثَعْلَبٌ: أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ بَعْدَ ابْنِ الأَعْرَابِيِّ أَعْلَمَ بِاللُّغَةِ مِنِ ابْنِ السِّكِّيْتِ. وَكَانَ المُتَوَكِّلُ قَدْ أَلْزَمَهُ تَأْدِيْبَ وَلَدِهِ المُعْتَزِّ، فَلَمَّا حَضَرَ، قَالَ لَهُ ابْنُ السِّكِّيْتِ: بِمَ تُحِبُّ أَنْ تَبْدَأَ؟ قَالَ: بِالانْصِرَافِ. قَالَ: فَأَقُوْمُ. قَالَ المُعْتَزُّ: فَأَنَا أَخَفُّ مِنْكَ، وَبَادَرَ، فَعَثَرَ، فَسَقَطَ

стр. 7508

وَخَجِلَ. فَقَالَ يَعْقُوْبُ: يَمُوْتُ (١) الفَتَى مِنْ عَثْرَةٍ بِلِسَانِهِ ... وَلَيْسَ يَمُوْتُ (١) المَرْءُ مِنْ عَثْرَةِ الرِّجْلِ فَعَثْرَتُهُ بِالقَوْلِ (٢) تُذْهِبُ رَأْسَهُ ... وَعَثْرَتُهُ بِالرِّجْلِ تَبْرَا عَلَى (٣) مَهْلِ (٤) قِيْلَ: كِتَابُ (إصْلاَحِ المَنْطِقِ) كِتَابٌ بِلاَ خُطْبَةٍ، وَكِتَابُ (أَدَبِ الكَاتِبِ) خُطْبَةٌ بِلاَ كِتَابٍ (٥) . قَالَ أَبُو سَهْلٍ بنُ زِيَادٍ: سَمِعْتُ ثَعْلَباً يَقُوْلُ: عَدِيُّ بنُ زَيْدٍ العِبَادِيُّ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ فِي اللُّغَةِ. وَكَانَ يَقُوْلُ قَرِيْباً مِنْ ذَلِكَ فِي ابْنِ السِّكِّيْتِ. قُلْتُ: (إصْلاَحُ المَنْطِقِ) كِتَابٌ نَفِيْسٌ مَشْكُوْرٌ فِي اللُّغَةِ (٦) . ٣ - حَمِيْدُ بنُ زَنْجُوْيَةَ أَبُو أَحْمَدَ الأَزْدِيُّ * (د، س) الإِمَامُ، الحَافِظُ الكَبِيْرُ، أَبُو أَحْمَدَ. وَاسْمُهُ: حَمِيْدُ بنُ مَخْلَدِ بنِ قُتَيْبَةَ

стр. 7509

الأَزْدِيُّ، النَّسَائِيُّ، صَاحِبُ كِتَابِ (التَّرْغِيْبِ وَالتَّرْهِيْبِ) ، وَكِتَابِ (الأَمْوَالِ) ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. مَوْلِدُهُ: فِي حُدُوْدِ سَنَةِ ثَمَانِيْنَ وَمائَةٍ. سَمِعَ: النَّضْرَ بنَ شُمَيْلٍ، وَجَعْفَرَ بنَ عَوْنٍ، وَيَزِيْدَ بنَ هَارُوْنَ، وَسَعِيْدَ بنَ عَامِرٍ الضُّبَعِيَّ، وَوَهْبَ بنَ جَرِيْرٍ، وَمُحَمَّدَ بنَ يُوْسُفَ الفِرْيَابِيَّ، وَروْحَ بنَ أَسْلَمَ، وَمُؤَمَّلَ بنَ إِسْمَاعِيْلَ، وَعُبَيْدَ اللهِ بنَ مُوْسَى، وَعَبْدَ اللهِ بنَ صَالِحٍ الكَاتِبَ، وَخَلْقاً كَثِيْراً. حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابَيْهِمَا، وَإِبْرَاهِيْمُ الحَرْبِيُّ، وَمُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ البُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ - وَلَكِنْ مَا وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ فِي (صَحِيْحَيْهِمَا) - وَأَبُو العَبَّاسِ السَّرَّاجُ، وَابْنُ صَاعِدٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ جَرِيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ خُرَيْمٍ المُرِّيُ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ عَتَّابِ بنِ الزِّفْتِيِّ (١) ، وَمُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ الجَبَّارِ الرَّيَّانِيُّ، وَآخَرُوْنَ. وَكَانَ أَحَدَ الأَئِمَّةِ المُجَوِّدِيْنَ. قَالَ النَّسَائِيُّ: ثِقَةٌ (٢) . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ البُسْتِيُّ: هُوَ الَّذِي أَظْهَرَ السُّنَّةَ بنَسَا.

стр. 7510

قَالَ: وَمَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَمائَتَيْنِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ: مَا قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ فِتْيَانِ خُرَاسَانَ مِثْلُ حَمِيْدَ بنَ زَنْجُوْيَةَ، وَأَحْمَدَ بنَ شَبَّوَيْه (١) . قُلْتُ: آخِرُ أَصْحَابِهِ مَوْتاً القَاضِي أَبُو عَبْدِ اللهِ المَحَامِلِيُّ. وَذَكَرَهُ الحَاكِمُ، فَقَالَ: أَبُو أَحْمَدَ كَثِيْرُ الحَدِيْثِ، قَدِيْمُ الرِّحْلَةِ إِلَى الحِجَازِ، وَمِصْرَ، وَالشَّامِ، وَالعِرَاقَيْنِ (٢) ... إِلَى أَنْ قَالَ: رَوَى عَنْهُ بِالعِرَاقِ إِمَامَا الحَدِيْثِ: إِبْرَاهِيْمُ الحَرْبِيُّ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلِ، ... إِلَى أَنْ قَالَ: قَرَأْتُ بِخَطِّ أَبِي عَمْرٍو المُسْتَمْلِي: حَدَّثَنَا حَمِيْدُ بنُ زَنْجُوْيَةَ النَّسَائِيُّ بِنَيْسَابُوْرَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَمائَتَيْنِ. وَقَالَ أَبُو القَاسِمِ فِي (شُيُوْخِ النَّبَلِ) : مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِيْنَ وَمائَتَيْنِ، وَيُقَالُ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنِ وَمائَتَيْنِ (٣) . قُلْتُ: ارْتَحَلَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ نَاشِراً لِعِلْمِهِ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى مِصْرَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا، فَأَدْرَكَتْهُ المَنِيَّةُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِيْنَ. هَذَا الصَّحِيْحُ فِي وَفَاتِهِ. سَمِعْتُ أَبَا الحَجَّاجِ الحَافِظَ يَقُوْلُ لِشَيْخِنَا؛ أَبِي الفَضْلِ أَحْمَدَ بنِ هِبَةِ اللهِ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ: أَخَبَرَكُمْ أَبُو الغَنَائِمِ المُسَلَّمُ (٤) أَحْمَدُ

стр. 7511

بنُ عَلِيٍّ المَازِنِيُّ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مَائةٍ فَأَقَرَّ بِهِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بنُ الحَسَنِ الحَافِظُ ببَعْلَبَكَّ (١) ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ الفَضْلِ الفُرَاوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو الهَرَوِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ (٢) بنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ الجَبَّارِ، حَدَّثَنَا حَمِيْدُ بنُ زَنْجُوْيَةَ النَّسَوِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيْعَةَ، عَنْ أَبِي قَبِيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ أَنَّهُ قَالَ: الصِّيَامُ وَالقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِصَاحِبِهِمَا يَوْمَ القِيَامَةِ. يَقُوْلُ الصِّيَامُ: يَا رَبِّ، إِنِّي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ، وَالشَّرَابَ، وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيْهِ. وَيَقُوْلُ القُرْآنُ: يَا رَبِّ، إِنِّي مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيْهِ، فَيُشَفَّعَانِ فِيْهِ. إِسْنَادُهُ لَيِّنٌ (٣) .

стр. 7512

٤ - أَبُو هَمَّامٍ الوَلِيْدُ بنُ أَبِي بَدْرٍ السَّكُوْنِيُّ * (م، د، ت، ق) الإِمَامُ، الحَافِظُ، الصَّدُوْقُ، أَبُو هَمَّامٍ الوَلِيْدُ ابنُ الإِمَامِ أَبِي بَدْرٍ شُجَاعِ بنِ الوَلِيْدِ بنِ قَيْسٍ السَّكُوْنِيُّ، الكُوْفِيُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ. سَمِعَ: أَبَاهُ، وَإِسْمَاعِيْلَ بنَ جَعْفَرٍ، وَشَرِيْكَ بنَ عَبْدِ اللهِ القَاضِي، وَعَبْدَ اللهِ بنَ المُبَارَكِ، وَعَبْدَ اللهِ بنَ وَهْبٍ، وَالوَلِيْدَ بنَ مُسْلِمٍ، وَطَبَقَتَهُم. جَالَ فِي الحَدِيْثِ، وَجَمَعَ وَأَلَّفَ. حَدَّثَ عَنْهُ: مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَعَبَّاسٌ الدُّوْرِيُّ، وَمُوْسَى بنُ هَارُوْنَ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ نَاجِيَةَ، وَأَبُو القَاسِمِ البَغَوِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى المَوْصِلِيُّ، وَيَحْيَى بنُ صَاعِدٍ، وَخَلْقٌ كَثِيْرٌ. قَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ: لاَ بَأْسَ بِهِ (١) . وَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: مَا أَخْرَجَ إِلَيَّ الشُّيُوْخُ كِتَاباً إِلاَّ وَفِيْهِ: فَرَغَ أَبُو هَمَّامٍ، فَرَغَ أَبُو هَمَّامٍ (٢) . وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ زَكَرِيَّا الغَلاَبِيُّ: سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ مَعِيْنٍ يَقُوْلُ: عِنْدَ أَبِي هَمَّامٍ مائَةُ أَلْفِ حَدِيْثٍ عَنِ الثِّقَاتِ (٣) .

стр. 7513

وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لاَ بَأْسَ بِهِ (١) . وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: اكْتُبُوا عَنْهُ (٢) . وَقَالَ سُرَيْجُ بنُ يُوْنُسَ: مَا (٣) فَعَلَ ابْنُ أَبِي بَدْرٍ؟ كَانُوا يُضعِّفُوْنَهُ (٤) . وَقَالَ صَالِحٌ جَزَرَةُ: تَكَلَّمُوا فِي أَبِي هَمَّامٍ (٥) . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لاَ يُحْتَجُّ بِهِ (٦) . قُلْتُ: قَدِ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ، وَهُوَ عَلَى سَعَةِ عِلْمِهِ قَلَّ أَنْ تَجِدَ لَهُ حَدِيْثاً مُنْكَراً. وَهَذِهِ صِفَةُ مَنْ هُوَ ثِقَةٌ. مَاتَ: فِي شَهْرِ رَبِيْعٍ الأَوَّلِ، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَمائَتَيْنِ، فِي عَشْرِ التِّسْعِيْن. وَقَعَ لِي مِنْ عَوَالِيْهِ. ٥ - أَبُو حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ أَحْمَدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ * (ق) الإِمَامُ، المُحَدِّثُ، الفَقِيْهُ، المُعَمَّرُ، أَبُو حُذَافَةَ أَحْمَدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ بنِ

стр. 7514

مُحَمَّدِ بنِ نُبَيْهٍ السَّهْمِيُّ، القُرَشِيُّ، المَدَنِيُّ، نَزِيْلُ بَغْدَادَ، وَبَقِيَّةُ المُسْنِدِيْنَ. حَدَّثَ عَنْ: مَالِكِ بنِ أَنَسٍ (المُوَطَّأَ (١)) ، فَكَانَ خَاتِمَةَ مَنْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي الزِّنَادِ، وَمُسْلِمِ بنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ، وَعَبْدِ العَزِيْزِ بنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ، وَحَاتِمِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ، وَطَائِفَةٍ. انْفَرَدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُمْ، وَعَاشَ مائَةَ عَامٍ. حَدَّثَ عَنْهُ: ابْنُ مَاجَهْ، وَيَحْيَى بنُ صَاعِدٍ، وَعَبْدُ الوَهَّابِ بنُ أَبِي عِصْمَةَ، وَإِسْمَاعِيْلُ بنُ العَبَّاسِ الوَرَّاقُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ - ثُمَّ تَرَكَهُ - وَأَبُو عَبْدِ اللهِ المَحَامِلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بنُ مَخْلَدٍ، وَآخَرُوْنَ. قَالَ المَحَامِلِيُّ (٢) : سَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: سَأَلْتُ أَبَا مُصْعَبٍ عَنْ أَبِي حُذَافَةَ، فَقَالَ: كَانَ يَحْضُرُ مَعَنَا العَرْضَ عَلَى مَالِكٍ (٣) . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هُوَ قَوِيُّ السَّمَاعِ عَنْ مَالِكٍ.

стр. 7515

وَقَالَ البَرْقَانِيُّ (١) : كَانَ الدَّارَقُطْنِيُّ حَسَنَ الرَّأْي فِي أَبِي حُذَافَةَ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُخَرِّجَ حَدِيْثَهُ فِي (الصَّحِيْحِ (٢)) . وَقَالَ الخَطِيْبُ: قَرَأْتُ بِخَطِّ الدَّارَقُطْنِيِّ: أَحْمَدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ أَبُو حُذَافَةَ ضَعِيْفُ الحَدِيْثِ، كَانَ مُغَفَّلاً، رَوَى (المُوَطَّأَ) عَنْ مَالِكٍ مُسْتَقِيْماً، وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ أَحَادِيْثُ عَنْ مَالِكٍ فِي غَيْرِ (المُوَطَّأِ) ، فَقَبِلَهَا، لاَ يُحْتَجُّ بِهِ (٣) . قَالَ الخَطِيْبُ: لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَتَعَمَّدُ البَاطِلَ (٤) . قُلْتُ: مِمَّا نَقَمُوا عَلَيْهِ رِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوْعاً: (أَفْطَرَ الحَاجِمُ (٥)) . وَبِهَذَا السَّنَدِ حَدِيْثُ: (قَضَى بِاليَمِيْنِ مَعَ الشَّاهِدِ (٦)) . فَهَذَا إِسْنَادٌ مُرَكَّبٌ، وَلَمْ يَأْتِ أَبُو حُذَافَةَ بِمَتْنٍ بَاطِلٍ.

стр. 7516

وَقَدْ رَمَاهُ بِالكَذِبِ: الفَضْلُ بنُ سَهْلٍ الأَعْرَجُ (١) . مَاتَ: يَوْمَ الفِطْرِ، سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِيْنَ. وَقَعَ لَنَا مِنْ عَوَالِيْهِ. ٦ - الحَسَنُ بنُ عِيْسَى بنِ مَاسَرْجِسَ النَّيْسَابُوْرِيُّ (٢) * (م، د، س) الإِمَامُ، المُحَدِّثُ، الثِّقَةُ، الجَلِيْلُ، أَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُوْرِيُّ. حَدَّثَ عَنْ: أَبِي الأَحْوَصِ سَلاَّمِ بنِ سُلَيْمٍ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ عَيَّاشٍ، وَجَرِيْرِ بنِ عَبْدِ الحَمِيْدِ، وَعَبْدِ اللهِ بنِ المُبَارَكِ مَوْلاَهُ، وَعَبْدِ السَّلاَمِ بنِ حَرْبٍ، وَسُعَيرِ بنِ الخِمْسِ (٣) ، وَنُوْحِ بنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيْرِ، وَطَبَقَتِهِم.

стр. 7517

رَوَى عَنْهُ: مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَبِوَاسِطَةٍ: النَّسَائِيُّ، وَالبُخَارِيُّ فِي غَيْرِ (صَحِيْحِهِ) ، وَزَكَرِيَّا خَيَّاطُ السُّنَّةِ (١) ، وَأَبُو يَعْلَى المَوْصِلِيُّ، وَأَبُو القَاسِمِ البَغَوِيُّ، وَيَحْيَى بنُ صَاعِدٍ، وَأَبُو العَبَّاسِ السَّرَّاجُ، وَآخَرُوْنَ. وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ مَعَ تَقَدُّمِهِ. كَانَ مِنْ كُبَرَاءِ النَّصَارَى، فَأَسْلَمَ. قَالَ الحَاكِمُ: سَمِعْتُ الحُسَيْنَ بنَ أَحْمَدَ المَاسَرْجِسِيَّ، يَحْكِي عَنْ جَدِّهِ، وَغَيْرِهِ، قَالَ: كَانَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ ابْنَا عِيْسَى يَرْكَبَانِ مَعاً، فَيَتَحَيَّرُ النَّاسُ مِنْ حُسْنِهِمَا وَبَزَّتِهِمَا، فَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُسْلِمَا، فَقَصَدَا حَفْصَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: أَنْتُمَا مِنْ أَجَلِّ النَّصَارَى، وَابْنُ المُبَارَكِ قَادِمٌ (٢) لِيَحُجَّ، فَإِذَا أَسْلَمْتُمَا عَلَى يَدِهِ، كَانَ ذَلِكَ أَعْظَمَ عِنْدَ المُسْلِمِيْنَ، وَأَرْفَعَ لَكُمَا، فَإِنَّهُ شَيْخُ المَشْرِقِ. فَانْصَرَفَا عَنْهُ، فَمَرِضَ الحُسَيْنُ، فَمَاتَ نَصْرَانِيّاً، فَلَمَّا قَدِمَ ابْنُ المُبَارَكِ، أَسْلَمَ الحَسَنُ عَلَى يَدِهِ (٣) . قُلْتُ: يَبْعُدُ أَنْ يَأْمُرَهُمَا حَفْصٌ بِتَأخِيْرِ الإِسْلاَمِ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ عَالِمٌ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَمَوْتُ الحُسَيْنُ مُرِيْداً لِلإِسْلاَمِ مُنْتَظِراً قُدُوْمَ ابْنِ المُبَارَكِ ليُسْلِمَ نَافِعٌ لَهُ. قَالَ الحَاكِمُ: حَدَّثَنَا الحَافِظُ أَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُوْرِيُّ، عَنْ شُيُوْخِهِ: أَنَّ ابْنَ المُبَارَكِ نَزَلَ مَرَّةً بِرَأْسِ سِكَّةِ عِيْسَى، وَكَانَ الحَسَنُ بنُ عِيْسَى يَرْكَبُ

стр. 7518

فَيُجْتَازُ بِهِ وَهُوَ فِي المَجْلِسِ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ الشَبَابِ وَجْهاً (١) ، فَسَأَلَ ابْنُ المُبَارَكِ عَنْهُ، فَقِيْلَ: هُوَ نَصْرَانِيٌّ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ الإِسْلاَمَ، فَاسْتُجِيْبَ لَهُ (٢) . قَالَ أَبُو العَبَّاسِ السَّرَّاجُ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ عِيْسَى مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بنِ المُبَارَكِ - وَكَانَ عَاقِلاً -: عُدَّ فِي مَجْلِسِهِ بِبَابِ الطَّاقِ (٣) اثْنَا عَشَرَ أَلفَ محْبَرَةٍ (٤) . وَمَاتَ: بِالثَّعْلَبِيَّةِ (٥) ، مُنْصَرَفَهُ مِنْ مَكَّةَ، سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلاَثِيْنَ وَمائَتَيْنِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ بَكْرٍ: مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعِيْنَ. قَالَ الحَاكِمُ: سَمِعْتُ ابْنَي المُؤَمَّلِ بنِ الحَسَنِ يَقُوْلاَنِ: أَنْفَقَ جَدُّنَا فِي الحَجَّةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيْهَا ثَلاَثَ مائَةِ أَلْفٍ (٦) . قَالَ الحَاكِمُ: فَحَجَجْتُ مَعَ ابْنَي المُؤمَّلِ، وَزُرْنَا بِالثَّعْلَبِيَّةِ قَبْرَ جَدِّهِمَا، فَقَرَأْتُ عَلَى لَوْحِ قَبْرِهِ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُوْلهِ، ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ، فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ [النِّسَاء: ١٠٠]

стр. 7519

هَذَا قَبْرُ الحَسَنِ بنِ عِيْسَى بنِ مَاسَرْجِسٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بنِ المُبَارَكِ، تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعِيْنَ (١) . وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ المُؤَمَّلِ بنِ الحَسَنِ: سَمِعْتُ أَبَا يَحْيَى البَزَّازَ يَقُوْلُ لأَبِي رَجَاءٍ القَاضِي: كُنْتُ فِيْمَنْ حَجَّ مَعَ الحَسَنِ بنِ عِيْسَى وَقْتَ مَوْتِهِ، فَاشْتَغَلْتُ بِحِفْظِ جَمَلِي (٢) عَنْ شُهُوْدِهِ، فَأُرِيْتُهُ فِي النَّوْمِ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي وَلِكُلِّ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ. قُلْتُ: فَإِنِّي فَاتَنِيَ الصَّلاَةُ عَلَيْكَ لِغَيبَةِ عَدِيْلِي (٣) . فَقَالَ: لاَ تَجْزَعْ، وَغُفِرَ لِكُلِّ مَنْ يَتَرَحَّمُ عليَّ (٤) . ﵀. قُلْتُ: وَفِي ذُرِّيَتِهِ وَأَقَارِبِهِ مُحَدِّثُوْنَ وَفُضَلاَءُ. ٧ - المُتَوَكِّلُ عَلَى اللهِ الخَلِيْفَةُ جَعْفَرُ بنُ المُعْتَصِمِ بِاللهِ * الخَلِيْفَةُ، أَبُو الفَضْلِ جَعْفَرُ ابنُ المُعْتَصِمِ بِاللهِ مُحَمَّدِ ابنِ الرَّشِيْدِ هَارُوْنَ بنِ المَهْدِيِّ بنِ المَنْصُوْرِ القُرَشِيُّ، العَبَّاسِيُّ، البَغْدَادِيُّ. وُلِدَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَمائَتَيْنِ.

стр. 7520

وَبُوْيِعَ عِنْدَ مَوْتِ أَخِيْهِ الوَاثِقِ فِي ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ. حَكَى عَنْ: أَبِيْهِ، وَيَحْيَى بنِ أَكْثَمَ. وَكَانَ أَسْمَرَ جَمِيْلاً، مَلِيْحَ العَيِنَيْنِ، نَحِيْفَ الجِسْمِ، خَفِيْفَ العَارِضَيْنِ، رَبْعَةً، وَأُمُّهُ اسْمُهَا شُجَاعٌ. قَالَ خَلِيْفَةُ بنُ خَيَّاطٍ: اسْتُخْلِفَ المُتَوَكِّلُ، فَأَظْهَرَ السُّنَّةَ، وَتَكَلَّمَ بِهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَتَبَ إِلَى الآفَاقِ بِرَفْعِ المِحْنَةِ، وَبَسْطِ السُّنَّةِ، وَنَصْرِ أَهْلِهَا، وَقَدْ قَدِمَ المُتَوَكِّلُ دِمَشْقَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ٢٤٤ فَأَعْجَبَتْهُ، وَعَزَمَ عَلَى المُقَامِ بِهَا، وَنَقَلَ دَوَاوِيْنَ المُلْكِ إِلَيْهَا، وَأَمَرَ بِالبِنَاءِ بِهَا، وَأَمَرَ لِلأَتْرَاكِ بِمَالٍ رَضُوا بِهِ، وَأَنْشَأَ قَصْراً كَبِيْراً بِدَارَيَّا مِمَّا يَلِي المِزَّةَ (١) . قَالَ عَلِيُّ بنُ الجَهْمِ: كَانَتْ لِلْمُتَوَكِّلِ جُمَّةٌ (٢) إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ مِثْلَ أَبِيْهِ وَالمَأْمُوْنِ. وَقَالَ الفَسَوِيُّ: رَجَعَ مِنْ دِمَشْقَ بَعْدَ شَهْرَيْنِ إِلَى سَامَرَّاءَ. وَقِيْلَ: نُعِتَتْ لَهُ دِمَشْقَ، وَأَنَّهَا تُوَافِقُ مِزَاجَهُ، وَتُذْهِبُ عِلَلَهُ الَّتِي تَعْرِضُ لَهُ بِالعِرَاقِ. قَالَ خَلِيْفَةُ (٣) : وَحَجَّ بِالنَّاسِ قَبْلَ الخِلاَفَةِ.

стр. 7521

وَكَانَ قَاضِي البَصْرَةِ؛ إِبْرَاهِيْمُ بنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ يَقُوْلُ: الخُلَفَاءُ ثَلاَثَةٌ: أَبُو بَكْرٍ يَوْمَ الرِّدَّةِ، وَعُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ فِي رَدِّ المظَالِمِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَالمُتَوَكِّلُ فِي مَحْوِ البِدَعِ، وَإِظْهَارِ السُّنَّةِ (١) . وَقَالَ يَزِيْدُ بنُ مُحَمَّدٍ المُهَلَّبِيُّ، قَالَ لِي المُتَوَكِّلُ: إِنَّ الخُلَفَاءَ كَانَتْ تَتَصَعَّبُ عَلَى النَّاسِ ليُطِيْعُوهُمْ (٢) ، وَأَنَا أُلِيْنُ لَهُمْ ليُحِبُّونِي وَيُطِيْعُونِي. وحَكَى الأَعْسَمُ (٣) : أَنَّ عَلِيَّ بنَ الجَهْمِ دَخَلَ عَلَى المُتَوَكِّلِ وَبِيَدِهِ دُرَّتَانِ يُقَلِّبُهُمَا، فَأَنْشَدَهُ قَصِيْدَةً لَهُ، فَدَحَا (٤) إِلَيْهِ بِالوَاحِدَةِ فَقَلَّبْتُهَا (٥) ، فَقَالَ: تَسْتَنْقِصُ بِهَا؟ هِيَ وَاللهِ خَيْرٌ مِنْ مائَةِ أَلْفٍ. فَقُلْتُ: لاَ وَاللهِ، لَكِنِّي فَكَّرْتُ فِي أَبْيَاتٍ آخُذُ بِهَا الأُخْرَى، وَأَنْشَأْتُ أَقُوْلُ: بِسُرَّ مَنْ رَأَى إِمَامٌ (٦) عَدْلٌ (٧) ... تَغْرِفُ مِنْ بَحْرِهِ البِحَارُ يُرْجَى وَيُخْشَى لِكُلِّ خَطْبٍ ... كَأَنَّهُ جَنَّةٌ وَنَارُ المُلْكُ فِيْهِ وَفِي بَنِيْهِ (٨) ... مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ لَمْ تَأَتِ مِنْهُ اليَمِيْنُ شَيْئاً ... إِلاَّ أَتَتْ مِثْلَهَا اليَسَارُ (٩)

стр. 7522

فَدَحَا بِهَا إِلَيَّ، وَقَالَ: خُذْهَا، لاَ بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيْهَا. قَالَ الخَطِيْبُ (١) : وَرُوِيَتْ هَذِهِ للبُحْتُرِيِّ فِي المُتَوَكِّلِ (٢) . وَعَنْ مَرْوَانَ بنِ أَبِي الجَنُوْبِ: أَنَّهُ مَدَحَ المُتَوَكِّلَ بِقَصِيْدَةٍ، فَوَصَلَهُ بِمائَةٍ وَعِشْرِيْنَ أَلْفاً وثِيَابٍ. قَالَ عَلِيُّ بنُ الجَهْمِ: كَانَ المُتَوَكِّلُ مَشْغُوْفاً بِقَبِيْحَةَ لاَ يَصْبِرُ عَنْهَا، فَوَقَفَتْ لَهُ وَقَدْ كَتَبَتْ عَلَى خَدِّهَا بِالغَالِيَةِ (٣) : (جَعْفَرٌ) ، فَتَأَمَّلَهَا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُوْلُ: وَكَاتِبَةٍ بِالمِسْكِ فِي الخَدِّ جَعْفَراً ... بِنَفْسِي مَحَطُّ المِسْكِ مِنْ حَيْثُ أَثَّرَا لَئِنْ أَوْدَعَتْ سَطْراً مِنَ المِسْكِ خَدَّهَا ... لَقَدْ أَوْدَعَتْ قَلْبِي مِنَ الحُبِّ أَسْطُرَا (٤) وفِي أَوَّلِ خِلاَفَتِهِ كَانَتِ الزَلْزَلَةُ بِدِمَشْقَ، سَقَطَ شُرُفَاتُ الجَامِعِ، وَانْصَدَعَ حَائِطُ المِحْرَابِ، وَهَلَكَ خَلْقٌ تَحْتَ الرَّدْمِ، دَامَتْ ثَلاَثَ

стр. 7523

سَاعَاتٍ، وَهَرَبَ النَّاسُ إِلَى المُصَلَّى يَسْتَغِيْثُونَ. وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ كَامِلٍ (١) فِي (تَارِيْخِهِ) : وَمَاتَ تَحْتَ الهَدْمِ مُعْظَمُ أَهْلِهَا - كَذَا قَالَ - وَامْتَدَتْ إِلَى الجَزِيْرَةِ، وَهَلَكَ بِالمَوْصِلِ خَمْسُوْنَ أَلْفاً، وَبِأَنْطَاكِيَةَ عِشْرُوْنَ أَلْفاً، وَبُلِيَ ابْنُ أَبِي دُوَادَ بِالفَالِجِ. وَفِي سَنَةِ ٢٣٤: أَظْهَرَ المُتَوَكِّلُ السُّنَّةَ، وَزَجَرَ عَنِ القَوْلِ بِخَلْقِ القُرْآنِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى الأَمْصَارِ، وَاسْتَقْدَمَ المُحَدِّثِيْنَ إِلَى سَامَرَّاءَ، وَأَجْزَلَ صِلاَتِهِمْ، وَرَوَوْا أَحَادِيْثَ الرُّؤْيَةِ وَالصِّفَاتِ (٢) . وَنَزَعَ الطَّاعَةَ مُحَمَّدُ بنُ البُعَيْثِ نَائِبُ أَذْرَبِيْجَانَ وَأَرْمِيْنِيَةَ، فَسَارَ لِحَرْبِهِ بُغَا الشَّرَابِيُّ ثُمَّ بَعْدَ فُصُوْلٍ أُسِرَ (٣) . وَفِي سَنَةِ ٢٣٥: أَلْزَمَ المُتَوَكِّلُ النَّصَارَى بِلُبْسِ العَسَلِيِّ (٤) . وَفِي سَنَةِ سِتٍّ: أَحْضَرَ القُضَاةَ مِنَ البُلْدَانِ لِيَعْقِدَ بِوِلاَيَةِ العَهْدِ لبَنِيْهِ؛ المُنْتَصِرِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ لِلْمُعْتَزِّ، ثُمَّ لِلْمُؤيَّدِ إِبْرَاهِيْمَ. وَكَانَتِ الوَقْعَةُ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ وَالرُّوْمِ، وَنصر الله.

стр. 7524

وفِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلاَثِيْنَ: هَدَمَ المُتَوَكِّلُ قَبْرَ الحُسَيْنِ ﵁ فَقَالَ البَسَّامِيُّ (١) أَبْيَاتاً مِنْهَا: أَسِفُوا عَلَى أَنْ يَكُوْنُوا شَارَكُوا ... فِي قَتْلِهِ فَتَتَّبعُوهُ رَمِيْمَا (٢) وَكَانَ المُتَوَكِّلُ فِيْهِ نَصْبٌ وَانْحِرَافٌ، فَهَدَم هَذَا المَكَانَ وَمَا حَوْلَهُ مِنَ الدُّوْرِ، وَأَمَرَ أَنْ يُزْرَعَ، وَمَنَعَ النَّاسَ مِنْ انْتِيَابِهِ (٣) . قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: هَكَذَا قَالَهُ أَرْبَابُ التَّوَارِيْخِ. وَفِي سَنَةِ سَبْعٍ: قَتَلَتِ الأُمَرَاءُ عَامِلَ أَرْمِيْنِيَةَ يُوْسُفَ، فَسَارَ لِحَرْبِهِم بُغَا الكَبِيْرُ، فَالتَقَوا، وَبَلَغَتِ المَقْتَلَةُ ثَلاَثِيْنَ أَلْفاً (٤) . وَعَفَّى قَبْرَ الشَّهِيْدِ الحُسَيْنِ وَمَا حَوْلَهُ مِنَ الدُّوْرِ، فَكَتَبَ النَّاسُ شُتَمَ المُتَوَكِّلِ عَلَى الحِيْطَانِ، وَهَجَتْهُ الشُّعَرَاءُ كَدِعْبِلٍ وَغَيْرِهِ. وَبَعَثَ المُتَوَكِّلُ إِلَى نَائِبِهِ بِمِصْرَ، فَحَلَقَ لِحْيَةَ قَاضِي القُضَاةِ مُحَمَّدِ بنِ أَبِي اللَّيْثِ، وضَرَبَهُ، وَطَوَّفَ بِهِ عَلَى حِمَارٍ فِي رَمَضَانَ، وَسُجِنَ، وَكَانَ ظَلُوْماً

стр. 7525

جَهْمِيّاً. ثُمَّ وَلِيَ القَضَاءَ الحَارِثُ بنُ مِسْكِيْنٍ، فَكَانَ يَضْرِبُهُ كُلَّ حِيْنٍ عِشْرِيْنَ سَوْطاً ليُؤَدِّيَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ - فَإِنَّا للهِ -. وَغَضِبَ المُتَوَكِّلُ عَلَى أَحْمَدَ بنِ أَبِي دُوَادَ، وَصَادَرَهُ، وَسَجَنَ أَصْحَابَهُ، وَحُمِّلَ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ (١) ، وَافْتَقَرَ هُوَ وَآلُهُ. وَولَّى يَحْيَى بنَ أَكْثَمَ القَضَاءَ، وَأَطْلَقَ مَنْ تَبَقَّى فِي الاعْتِقَالِ مِمَّنِ امْتَنَعَ مِنَ القَوْلِ بِخَلْقِ القُرْآنِ، وَأُنْزِلَتْ عِظَامُ أَحْمَدَ بنِ نَصْرٍ الشَّهِيْدِ، وَدَفَنَهَا أَقَارِبُهُ، وَبنَى قَصَرَ العَرُوْسِ بِسَامَرَّاءَ، وَأُنْفِقَ عَلَيْهِ ثَلاَثُونَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَالْتَمَسَ المُتَوَكِّلُ مِنْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَذَهَبَ إِلَى سَامَرَّاءَ وَلَمْ يَجْتَمِعْ بِهِ، اسْتَعْفَى، فَأَعْفَاهُ، وَدَخَلَ عَلَى وَلَدِهِ المُعْتَزِّ، فَدَعَا لَهُ. وفِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلاَثِيْنَ: عَصَى مُتَوَلِّي تَفْلِيْسَ، فَنَازَلهَا بُغَا، وَقَتَلَ مُتَوَلِّيْهَا وَأَحْرَقَهَا، وَفَعَلَ القَبَائِحَ، وَافْتَتَحَ عِدَّةَ حُصُوْنٍ (٢) . وَأَقْبَلَتِ الرُّوْمُ فِي ثَلاَثِ مائَةِ مَرْكَبٍ، فَكَبَسُوا دِمْيَاطَ، وَسَبَوْا سِتَّ مَائةِ امْرَأَةٍ، وَأَحْرَقُوا، وَرَدُّوا مُسْرِعِيْنَ، فَحَصَّنَهَا المُتَوَكِّلُ (٣) . وَفِي سَنَةِ ٢٣٩: غَزَا يَحْيَى بنُ عَلِيٍّ الأَرْمَنِيُّ بِلاَدَ الرُّوْمِ، حَتَّى قَرُبَ مِنْ

стр. 7526

القُسْطَنْطِيْنِيَّة، وَأَحْرَقَ أَلْفَ قَرْيَةٍ، وَسَبَى عِشْرِيْنَ ألْفاً، وَقَتَلَ نَحْوَ العَشْرَةِ آلاَفٍ، وَعُزِلَ يَحْيَى بنُ أَكْثَمَ مِنَ القَضَاءِ، وَأُخِذَ مِنْهُ أَرْبَعَةُ آلاَفِ جَرِيْبٍ وَمَائةُ أَلْفِ دِيْنَارٍ (١) . وَفِي سَنَةِ أَرْبَعِيْنَ: فِيْهَا سَمِعَ أَهْلُ خَلاَطٍ (٢) صَيحَةً مِنَ السَّمَاءِ، مَاتَ مِنْهَا جَمَاعَةٌ كَثِيْرَةٌ (٣) . وَفِي سَنَةِ ٢٤١: مَاجَتِ النُّجُوْمُ، وَتنَاثَرَتْ شِبْهَ الجَرَادِ أَكْثَرَ اللَّيْلِ، فَكَانَ ذَلِكَ آيَةً مُزْعِجَةً (٤) . وَفِيْهَا: خَرَجَ مَلِكُ البُجَاةِ (٥) ، وَسَارَ المِصْرِيُّونَ لِحَرْبِهِ، فَحَمَلُوا عَلَى البُجَاةِ، فَنَفَرَتْ جِمَالُهُم، وَكَانُوا يقَاتِلُونَ، ثُمَّ تَمَزَّقُوا، وَقُتِلَ خَلْقٌ، وَجَاءَ مَلِكُهُمْ بِأَمَانٍ إِلَى المُتَوَكِّلِ، وَهُمْ يَعْبُدُوْنَ الأَصْنَامَ (٦) . وَفِي سَنَةِ ٢٤٢: الزَلْزَلَةُ بِقُومِسَ وَالدَّامَغَانِ، وَالرَّيِّ وَطَبَرِسْتَانَ، وَنَيْسَابُوْرَ، وَأَصْبَهَانَ، وَهَلَكَ مِنْهَا بِضْعَةٌ وَأَرْبَعُوْنَ أَلْفاً، وَانْهَدَّ نِصْفُ مَدِيْنَةِ الدَّامَغَانِ (٧) .

стр. 7527

وَفِي سَنَةِ ٢٤٤: نَفَى المُتَوَكِّلُ طَبِيْبَهُ بَخْتِيَشُوعَ (١) . وَاتَّفَقَ عِيْدُ النَّحْرِ وَعِيْدُ النَّصَارَى وَعِيْدُ الفَطِيْرِ (٢) فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ (٣) . وَفِي سَنَةِ ٢٤٥: عَمَّتِ الزَلْزَلَةُ الدُّنْيَا، وَمَاتَ مِنْهَا خَلاَئِقُ. وَبنَى المُتَوَكِّلُ المَاحُوْزَةَ، وَسَمَّاهَا الجَعْفَرِيَّ (٤) ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا بَعْدَ مُعَاوَنَةِ الجَيْشِ لَهُ أَلْفَي أَلْفِ دِيْنَارٍ، وَتَحَوَّلَ إِلَيْهَا، وَفِيْهَا وَقَعَ بِنَاحِيَةِ بَلْخَ مَطَرٌ كَالدَّمِ العَبِيْطِ. وَكَانَ المُتَوَكِّلُ جَوَاداً مُمَدَّحاً لَعَّاباً، وَأَرَادَ أَنْ يَعْزِلَ مِنَ العَهْدِ المُنْتَصِرَ، وَيُقدِّمَ عَلَيْهِ المُعْتَزَّ لِحُبِّهِ أُمَّهُ قَبِيْحَةَ، فَأَبَى المُنْتَصِرُ، فَغَضِبَ أَبُوْهُ وَتَهَدَّدَهُ، وَأَغْرَى بِهِ، وَانْحَرَفَتِ الأَتْرَاكُ عَلَى المُتَوَكِّلِ لمُصَادَرَتِهِ وَصِيْفاً وَبُغَا حَتَّى اغْتَالُوهُ. قَالَ المُبَرِّدُ: قَالَ المُتَوَكِّلُ لِعَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الرِّضَا: مَا يَقُوْلُ وَلَدُ أَبِيْكَ فِي العَبَّاسِ؟ قَالَ: مَا تَقُوْلُ يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ فِي رَجُلٍ فَرَضَ اللهُ طَاعَتَهُ عَلَى نَبِيِّهِ ... ، وَذَكَرَ حِكَايَةً طَوِيْلَةً. وَبَكَى المُتَوَكِّلُ، وَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الحَسَنِ، لَيَّنْتَ مِنَّا قُلُوْباً قَاسِيَةً، أَعَلَيْكَ دَيْنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَرْبَعَةُ آلاَفِ دِيْنَارٍ، فَأَمَرَ لَهُ بِهَا. حَكَى المَسْعُوْدِيُّ: أَنَّ بُغَا الصَّغِيْرَ (٥) دَعَا بِبِاغِرَ التُّرْكِيِّ، فَكَلَّمَهُ، وَقَالَ:

стр. 7528

قَدْ صَحَّ عِنْدِي أَنَّ المُنْتَصِرَ عَامِلٌ عَلَى قَتْلِي، فَاقْتُلْهُ. قَالَ: كَيْفَ بِقَتْلِهِ وَالمُتَوَكِّلُ بَاقٍ؟ إِذاً يُقَيِّدُكُمْ بِهِ. قَالَ: فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: نَبْدَأُ بِهِ. قَالَ: وَيْحَكَ وَتَفْعَلُ؟! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَادْخُلْ عَلَى أَثَرِي، فَإِنْ قَتَلْتُهُ، وَإِلاَّ فَاقْتُلْنِي، وَقُلْ: أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ مَوْلاَهُ. فَتَمَّ التَّدْبِيْرُ، وَقُتِلَ المُتَوَكِّلُ. وَحَدَّثَ البُحْتُرِيُّ، قَالَ: اجْتَمَعْنَا فِي مَجْلِسِ المُتَوَكِّلِ، فَذُكِرَ لَهُ سَيْفٌ هِنْدِيٌّ، فَبَعَثَ إِلَى اليَمَنِ، فَاشْتُرِيَ لَهُ بِعَشْرَةِ آلاَفٍ، فَأَعْجَبَهُ. وَقَالَ لِلْفَتْحِ: ابْغِنِي غُلاَماً أَدْفَعْ إِلَيْهِ هَذَا السَّيْفَ لاَ يُفَارِقُنِي بِهِ. فَأَقْبَلَ بَاغِرُ، فَقَالَ الفَتْحُ بنُ خَاقَانَ: هَذَا مَوْصُوْفٌ بِالشَّجَاعَةِ وَالبَسَالَةِ، فَأَعْطَاهُ السَّيْفَ، وَزَادَ فِي أَرْزَاقِهِ. فَمَا انْتَضَى السَّيْفَ إِلاَّ لَيْلَةً، ضَرَبَهُ بِهِ بَاغِرُ (١) ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ مِنَ المُتَوَكِّلِ فِي لَيْلَتِهِ عَجَباً، رَأَيْتُهُ يَذُمٌّ الكِبْرَ، وَيتَبَرَّأُ مِنْهُ. ثُمَّ سَجَدَ وَعَفَّرَ وَجْهَهُ، وَنَثَرَ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَتَطَيَّرْتُ لَهُ. ثُمَّ جَلَسَ، وَعَمِلَ فِيْهِ النَّبِيْذُ، وَغُنِّيَ صَوْتاً أَعْجَبَهُ، فَبَكَى، فَتَطَيَّرْتُ مِنْ بُكَائِهِ. فَإِنَّا فِي ذَلِكَ، إِذْ بَعثَتْ لَهُ قَبِيْحَةُ خِلْعَةً اسْتَعْمَلَهَا دِرَاعَةً حَمْرَاءَ مِنْ خَزٍّ وَمِطْرَفِ خَزٍّ، فَلَبِسَهُمَا، ثُمَّ تَحَرَّكَ فِي المِطْرَفِ، فَانْشَقَّ، فَلَفَّهُ، وَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ ليَكُوْنَ كَفَنِي. فَقُلْتُ: إِنَّا للهِ، انْقَضَتْ -وَاللهِ- المُدَّةُ. وَسَكِرَ المُتَوَكِّلُ سُكْراً شَدِيْداً، وَمَضَى مِنَ اللَّيْلِ إِذْ أَقْبَلَ بَاغِرُ فِي عَشْرَةِ مُتَلَثِمِيْنَ تَبْرُقُ أَسْيَافُهُم، فَهَجَمُوا عَلَيْنَا، وَقَصَدُوا المُتَوَكِّلَ، وَصَعِدَ بَاغِرُ وَآخَرُ إِلَى السَّرِيْرِ، فصَاحَ الفَتْحُ: وَيلَكُم مَوْلاَكُمْ! وَتَهَارَبَ الغِلْمَانُ وَالجُلَسَاءُ وَالنُّدَمَاءُ، وَبَقِيَ الفَتْحُ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَداً أَقْوَى نَفساً مِنْهُ، بَقِيَ يُمَانِعُهُم، فَسَمِعْتُ صَيْحَةَ المُتَوَكِّلِ إِذْ ضَرَبَهُ بَاغِرُ بِالسَّيْفِ المَذْكُوْرِ عَلَى عَاتِقِهِ، فَقَدَّهُ إِلَى خَاصِرَتِهِ، وَبَعَجَ آخَرُ الفَتْحَ بِسَيْفِهِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ ظَهْرِهِ، وَهُوَ صَابِرٌ لاَ يَزُوْلُ، ثُمَّ طَرَحَ

стр. 7529

نَفْسَهُ عَلَى المُتَوَكِّلِ، فَمَاتَا، فَلُفَّا فِي بِسَاطٍ، ثُمَّ دُفِنَا مَعاً. وَكَانَ بُغَا الصَّغِيْرُ اسْتَوْحَشَ مِنَ المُتَوَكِّلِ لِكَلاَمٍ، وَكَانَ المُنْتَصِرُ يَتَأَلَّفُ الأَتْرَاكَ، لاَ سِيِّمَا مَنْ يُبْعِدُهُ أَبُوْهُ (١) . قَالَ المَسْعُوْدِيُّ: وَنُقِلَ فِي مَقْتَلِهِ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ: وَقَدْ أَنْفَقَ المُتَوَكِّلُ - فِيْمَا قِيْلَ - عَلَى الجَوْسَقِ وَالجَعْفَرِيِّ وَالهَارُوْنِيِّ أَكْثَرَ مِنْ مَائَتَي أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ آلاَفِ سُرِّيَّةٍ وَطِئَ الجَمِيْعَ. وَقُتِلَ وَفِي بَيْتِ المَالِ أَرْبَعَةُ آلاَفِ أَلْفِ دِيْنَارٍ، وَسَبْعَةُ آلاَفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلا يُعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ رُؤُوْسِ الجِدِّ وَالهَزْلِ إِلاَّ وَقَدْ حَظِيَ بِدَوْلَتِهِ وَاسْتَغْنَى، وَقَدْ أَجَازَ الحُسَيْنَ بنَ الضَّحَّاكِ الخَلِيْعَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَبْيَاتٍ أَرْبَعَةَ آلاَفِ دِيْنَارٍ. وَفِيْهِ يَقُوْلُ يَزِيْدُ بنُ مُحَمَّدٍ المُهَلَّبِيُّ: جَاءتْ مَنِيَّتُهُ وَالعَيْنُ هَاجِعَةٌ ... هَلاَّ أَتَتْهُ المنَايَا وَالقَنَا قُصُدُ خَلِيْفَةٌ لَمْ يَنَلْ مِنْ مَالِهِ (٢) أَحَدٌ ... وَلَمْ يُصَغْ مِثْلُهُ رُوْحٌ وَلاَ جَسَدُ (٣) قَالَ عَلِيُّ بنُ الجَهْمِ: أَهْدَى ابْنُ طَاهِرٍ إِلَى المُتَوَكِّلِ وَصَائِفَ عِدَةً، فِيْهَا مَحْبُوبَةُ، وَكَانَتْ شَاعِرَةً عَالِمَةً بِصُنُوْفٍ مِنَ العِلْمِ عَوَّادَةً، فَحَلَّتْ مِنَ المُتَوَكِّلِ مَحَلاًّ يَفُوتُ الوَصْفَ، فَلَمَّا قُتِلَ، ضُمَّتْ إِلَى بُغَا الكَبِيْرِ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ يَوْماً لِلْمُنَادَمَةِ، فَأَمَرَ بِهَتْكِ السِّتْرِ، وَأَمَرَ القِيَانَ، فَأَقْبَلْنَ يَرْفُلْنَ فِي الحُلِيِّ وَالحُلَلِ، وَأَقْبَلَتْ هِيَ فِي ثِيَابٍ بِيْضٍ، فَجَلَسَتْ مُنْكَسِرَةً، فَقَالَ: غَنِّي. فَاعْتَلَّتْ، فَأَقْسَمَ عَلَيْهَا، وَأَمَرَ بِالعُوْدِ فَوُضِعَ فِي حِجْرِهَا، فغَنَّتِ ارْتِجَالاً:

стр. 7530

أَيُّ عَيْشٍ يَلَذُّ لِي ... لاَ أَرَى فِيْهِ جَعْفَرَا؟ مَلِكٌ قَدْ رَأَيْتُهُ ... فِي نَجِيْعٍ مُعَفَّرَا كُلُّ مَنْ كَانَ ذَا خَبَا ... لٍ وَسُقْمٍ فَقَدْ بَرَا (١) غَيْرَ مَحْبُوْبَةَ الَّتِي ... لَوْ تَرَى المَوْتَ يُشْتَرَى لاشْتَرَتْهُ بِمَا حَوَتْـ ... ـهُ يَدَاهَا لِتُقْبَرَا (٢) فَغَضِبَ بُغَا، وَأَمَرَ بِسَحْبِهَا، وَكَانَ آخِرَ العَهْدِ بِهَا (٣) . وَبُوْيِعَ المُنْتَصِرُ مِنَ الغَدِ بِالقَصْرِ الجَعْفَرِيِّ يَوْمَ خَامِسِ شَوَّالٍ، سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَمائَتَيْنِ. وَقِيْلَ: لَمْ يَصُّح عَنْهُ النَّصْبُ، وَقَدْ بَكَى مِنْ وَعْظِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ العَسْكَرِيِّ العَلَوِيِّ، وَأَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ آلاَفِ دِيْنَارٍ - فَاللهُ أَعْلَمُ -. لِلْمُتَوَكِّلِ مِنَ البَنِيْنَ: المُنْتَصِرُ مُحَمَّدٌ وَمُوْسَى، وَأُمُّهُمَا حَبَشِيَّةُ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ المُعْتَزُّ وَإِسْمَاعِيْلُ، وَأُمُّهُمَا قَبِيْحَةٌ، وَالمُؤَيَّدُ إِبْرَاهِيْمُ، وَأَحْمَدُ - وَهُوَ المُعْتَمِدُ - وَأَبُو الحُمَيْدِ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَآخَرُوْنَ. وَقَدْ مَاتَتْ أُمُّهُ شُجَاعٌ قَبْلَهُ بِسَنَةٍ، وَخلَّفَتْ أَمْوَالاً لاَ تُحْصَرُ، مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةُ آلاَفِ أَلْفِ دِيْنَارٍ مِنَ العَيْنِ وَحْدَهُ.
следующие страницы →