← Тараджим

Тараджим · id 10906

سير أعلام النبلاء - ط الرسالة

شمس الدين الذهبي

Полный текст (14 211 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

فالتحف به ثم صلى ثمان ركعات؛ سبحة الضحى. أخرجه مسلم. وقال الليث، عن المقبري، عن أبي شريح العدوي، أنه قال لعمرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير، أحدث قولا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح؟ سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به؛ أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا له: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار. وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس. فليبلغ الشاهد الغائب". فقيل لأبي شريح: ماذا قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذاك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة. متفق عليه. وقال ابن عيينة، عن علي بن زيد، عمن حدثه عن ابن عمر، قال: قال النبي ﷺ فتح مكة وهو على درجة الكعبة: "الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا فيه مائة من الإبل، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها. ألا إن كل مأثرة في الجاهلية ودم مال تحت قدمي هاتين إلا ما كان من سدانة البيت وسقاية الحاج، فقد أنضيتها لأهلها". ضعيف الإسناد. وقال ابن إسحاق: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده،

стр. 842

قال: خطب رسول الله ﷺ الناس عام الفتح، ثم قال: "أيها الناس؛ ألا إنه لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لا يزيده إلا شدة. والمؤمنون يد على من سواهم، يجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، ترد سراياهم على قعيدتهم. لا يقتل مؤمن بكافر. ٨ دية الكافر نصف دية المسلم. لا جلب ولا جنب. ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم". وقال أبوالزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "منزلنا، إن شاء الله إذا فتح الله، الخيف؛ حيث تقاسموا على الكفر". أخرجه البخاري. وقال أبو الأزهر النيسابوري: حدثنا محمد بن شرحبيل الأبناوي، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان، أن محمد بن الأسود بن خلف، أخبره أن أباه الأسود حضر النبي ﷺ يبايع الناس يوم الفتح، وجلس عند قرن مستقلة، فجاءه الصغار والكبار والرجال والنساء فبايعوه على الإسلام والشهادة. وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: لما كان عام الفتح ونزل رسول الله ﷺ ذا طوى، قال أبو قحافة لابنة له كانت من أصغر ولده: أي بنية: أشرفي بي على أبي قبيس، وقد كف بصره. فأشرفت به عليه. فقال: ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادًا مجتمعا، وأرى رجلا يشتد بين ذلك السواد مقبلا ومدبرا. فقال: تلك الخيل يا بنية، وذلك الرجل

стр. 843

الوازع. ثم قال: ماذا ترين؟ قالت: أرى السواد انتشر. فقال: فقد والله إذن دفعت الخيل، فأسرعي بي إلى بيتي. فخرجت سريعا، حتى إذا هبطت به إلى الأبطح، لقيتها الخيل، وفي عنقها طول لها من روق، فاقتطعه إنسان من عنقها. فلما دخل رسول الله ﷺ المسجد، خرج أبو بكر حتى جاء بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "هلا تركت الشيخ في بيته حتى أجيئه"؟ فقال: يمشي هو إليك يا رسول الله أحق من أن تمشي إليه. فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره وقال: "أسلم تسلم". فأسلم. ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال: أنشد بالله والإسلام طوق أختي. فوالله ما أجابه أحد، ثم قال الثانية، فما أجابه أحد، فقال: يا أخيه، احتسبي طوقك، فوالله إن الأمانة اليوم في الناس لقليل. وقال أبو الزبير، عن جابر: أن عمر أخذ بيد أبي قحافة فأتى به النبي ﷺ ، فقال: "غيروا هذا الشيب ولا تقربوه سوادًا". وقال زيد بن أسلم: إن رسول الله ﷺ هنأ أبا بكر بإسلام أبيه. مرسل. وقال مالك: عن ابن شهاب: أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان على عهده نساء يسلمن بأرضهن، منهن ابنة الوليد بن المغيرة، وكانت تحت صفوان بن أمية، فأسلمت يوم الفتح وهرب صفوان، فبعث إليه رسول الله ﷺ ابن عمه عمير بن وهب برداء رسول الله ﷺ أمانًا لصفوان، ودعاه إلى الإسلام، وأن يقدم عليه، فإن رضي أمرا قبله، وإلا سيره شهرين. فقدم فنادى على رؤوس الناس: يا محمد، هذا عمير بن وهب جاءني بردائك وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك، فإن رضيت أمرا قبلته،

стр. 844

وإلا سيرتني شهرين. فقال رسول الله ﷺ : "انزل أبا وهب". فقال: لا والله، لا أنزل حتى تبين لي. فقال: لك تسيير أربعة أشهر. فخرج رسول الله ﷺ قبل هوازن، فأرسل إلى صفوان يستعيره أداة وسلاحا. فقال صفوان: أطوعا أو كرها؟ فقال: بل طوعا. فأعاره الأداة والسلاح. وخرج مع رسول الله ﷺ وهو كافر، فشهد حنينا والطائف، وهو كافر وامرأته مسلمة، فلم يفرق رسول الله ﷺ بينهما حتى أسلم، واستقرت عنده بذلك النكاح، وكان بين إسلامهما نحو من شهر. وكانت أم حكيم بنت الحارث بن هشام تحت عكرمة بن أبي جهل، فأسلمت يوم الفتح، وهرب عكرمة حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن ودعته إلى الإسلام فأسلم. وقدم على رسول الله ﷺ ، فلما رآه وثب فرحا به، ورمى عليه رداءه حتى بايعه، فثبتا على نكاحهما ذلك. وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن يزيد الهذلي، عن أبي حصين الهذلي، قال: استقرض رسول الله ﷺ من صفوان بن أمية خمسين ألف درهم، ومن عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألفا، ومن حويطب بن عبد العزى أربعين ألفا، فقسمها بين أصحابه من أهل الضعف. ومن ذلك المال بعث إلى جذيمة. وقال يونس: عن ابن شهاب، حدثني عروة، قال: قالت عائشة: إن هند بنت عتبة بن ربيعة، قالت: يا رسول الله، ما كان مما على ظهر الأرض أخباء أو خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل

стр. 845

خبائك. قال رسول الله ﷺ : "وأيضا، والذي نفس محمد بيده". قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل ممسك -أبو قالت: مسيك- فهل على من خرج أن أطعم من الذي له؟ قال: "لا، إلا بالمعروف". أخرجه البخاري. وأخرجاه، من حديث شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري. وعنده: فهل علي حرج أن أطعم من الذي له عيالنا. قال: "لا عليك أن تطعميهم بالمعروف". وقال الفريابي: حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، عن أبي السفر، عن ابن عباس، قال: رأى أبو سفيان رسول الله ﷺ يمشي والناس يطأون عقبه. فقال في نفسه: لو عاودت هذا الرجل القتال. فجاءه رسول الله ﷺ حتى ضرب في صدره، فقال: "إذا يخزيك الله". قال: أتوب إلى الله وأستغفر الله. وروى نحوه، مرسلا، أبو إسحاق السبيعي، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم. وقال موسى بن أعين، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: لما كان ليلة دخل الناس مكة، لم يزالوا في تكبير وتهليل وطواف بالبيت حتى أصبحوا. فقال أبو سفيان لهند: أترى هذا من الله؟ ثم أصبح فغدا إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: "قلت لهند أترين هذا من الله، نعم هذا من الله". فقال: أشهد أنك عبد الله ورسوله، والذي يحلف به أبو سفيان، ما سمع قولي هذا أحد من الناس إلا الله وهند.

стр. 846

وقال ابن المبارك: أخبرنا عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس: أقام رسول الله ﷺ بمكة تسعة عشر يوما، يصلي ركعتين. أخرجه البخاري. وقال حفص بن غياث، بن عاصم الأحول: سبعة عشر يوما. صحيح. وقال ابن علية: أخبرنا علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين: غزوت مع النبي ﷺ ، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، يقول: يا أهل البلد صلوا أربعا، فإنا سفر. أخرجه أبو داود، علي ضعيف. وقال ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله: أقام رسول الله ﷺ عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة. ثم روى ابن إسحاق، عن جماعة، مثل هذا. قال البيهقي: الأصح رواية ابن المبارك التى اعتمدها البخاري. وقال الواقدي: وفي رمضان بعثة خالد بن الوليد إلى العزى، فهدمها. وبعث عمرو بن العاص إلى سواع في رمضان، وهو صنم هذيل، فهدمه، وقال: قلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله. قال: وفي رمضان بعث سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة، وكانت بالمشلل، للأوس والخزرج وغسان. فلما كان يوم الفتح بعث رسول الله

стр. 847

صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الأشهلى في عشرين فارسا حتى انتهى إليها، وتخرج إلى سعد امرأة سوداء عريانة ثائرة الرأس تدعو بالوبل، فقال لها السادن: مناة، دونك بعض غضباتك. وسعد يضربها، فقتلها، وأقبل إلى الصنم، فهدموه لست بقين من رمضان. وقال منصور، عن مجاهد، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإن استنفرتم فانفروا". قاله يوم الفتح. متفق عليه. وقال عمرو بن مرة: سمعت أبا البختري يحدث عن أبي سعيد الخدري، قال: لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] ، قرأها رسول الله ﷺ ثم قال: "إني وأصحابي حيز والناس حيز، لا هجرة بعد الفتح". فحدثت به مروان بن الحكم -وكان على المدينة- فقال: كذبت. وعنده زيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وكانا معه على السرير. فقلت: إن هذين لو شاءا لحدثاك، ولكن هذا؛ يعني زيدا؛ يخاف أن تنزعه عن الصدقة، والآخر يخاف أن تنزعه عن عرافة فومه. قال: فشد عليه بالدرة، فلما رأيا ذلك قالا: صدق. وقال حماد بن زيد، عن أيوب: حدثني أبو قلابة، عن عمرو بن سلمة، ثم قال: هو حي، ألا تلقاه فتسمع منه؟ فلقيت عمرا فحدثني بالحديث، قال: كنا بممر الناس، فتمر بنا الركبان فنسألهم: ما هذا الأمر؟ وما للناس؟ فيقولون: نبي يزعم أن الله قد أرسله، وأن الله أوحى إليه كذا وكذا. وكانت العرب تلوم بإسلامها الفتح، ويقولون:

стр. 848

أنظروه، فإن ظهر فهو نبي فصدقوه، فلما كان وقعة الفتح نادى كل قوم بإسلامهم، فانطلق أبي بإسلام حوائنا إلى رسول الله ﷺ ، فقدم فأقام عنده كذا وكذا. ثم جاء فتلقيناه، فقال: جئتكم من عند رسول الله حقا، وإنه يأمركم بكذا، وصلاة كذا وكذا، وإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثرك قرآنا. فنظروا في أهل حوائنا فلم يجدوا أكثر قرآنا مني فقدموني، وأنا ابن سبع سنين، أو ست سنين. فكنت أصلي بهم، فإذا سجدت تقلصت بردة علي. تقول امرأة من الحي: غطوا عنا است قارئكم هذا. قال: فكسيت معقدة من معقد البحرين بستة دراهم أو بسبعة، فما فرحت بشيء كفرحي بذلك. أخرجه البخاري، عن سليمان بن حرب، عنه، والله أعلم. غزوة بني جذيمة: قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله ﷺ السرايا فيما حول مكة يدعوم إلى الله -تعالى- ولم يأمرهم بقتال. فكان ممن بعث، خالد بن الوليد، وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعيا، ولم يبعثه مقاتلا، فوطئ بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فأصاب منهم. وقال معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى -أحسبه قال: - بني جذيمة، فدعاهم إلى

стр. 849

الإسلام. فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، صبأنا. وجعل خالد بهم قتلا وأسرا، ودفع إلى كل رجل منا أسيره. حتى إذا أصبح يوما أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره. فقال ابن عمر: فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره. قال: فقدموا على رسول الله ﷺ فذكر له صنيع خالد. فقال؛ ورفع يديه ﷺ : "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد". مرتين. أخرجه البخاري. وقال ابن إسحاق: حدثني حكيم بن حكيم بن عباد، بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي، قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد، فخرج حتى نزل ببني جذيمة، وهم على مائهم، وكانوا قد أصابوا في الجاهلية عمه الفاكه بن المغيرة، ووالد عبد الرحمن بن عوف؛ فذكر الحديث، وفيه: فأمر خالد برجال منهم فأسروا وضربت أعناقهم. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما عمل خالد بن الوليد". ثم دعا رسول الله ﷺ عليا فقال: "اخرج إلى هؤلاء القوم، فأد دماءهم وأموالهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك". فخرج علي، وقد أعطاه رسول الله ﷺ مالا، فودى لهم دماءهم وأموالهم، حتى إنه ليعطيهم ثمن ميلغة الكلب، فبقي مع علي بقية من مال، فقال: أعطيكم هذا احتياطا لرسول الله ﷺ فيما لا يعلم رسول الله ﷺ ، وفيما لا تعلمون. فأعطاهم إياه، ثم قدم على رسول الله ﷺ وأخبره الخبر، فقال: "أحسنت وأصبت".

стр. 850

وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة، عن الزهري، قال: حدثني ابن أبي حدرد، عن أبيه، قال: كنت في الخيل التي أصاب فيها خالد بني جذيمة، إذا فتى منهم مجموعة يده إلى عنقة برمة -يقول: بحبل- فقال: يا فتى، هل أنت آخذ بهذه الرمة فمقدمي إلى هذه النسوة، حتى أقضي إليهن حاجة، ثم تصنعون ما بدا لكم؟ فقلت: ليسير ما سألت. ثم أخذت برمته فقدمته إليهن، قال: أسلم حبيش، على نفاد العيش، ثم قال: أرأيت إن طالبتكم فوجدتكم ... بحلية أو أدركتكم بالخوانق ألم يك حقا أن ينول عاشق ... تكلف إدلاج السرى والودائق فلا ذنب لي، قد قلت، إذ أهلنا معا ... أثيبي بود قبل إحدى الصفائق أثيبي بود قبل أن تشحط النوى ... وينأى الأمير بالحبيب المفارق فإني لا سر لدي أضعته ... ولا راق عيني بعد وجهك رائق على أن ما ناب العشيرة شاغل ... عن اللهو إلا أن تكون بوائق فقالت: وأنت حييت عشرا، وسبعا وترا، وثمانيا تترى. ثم قدمناه فضربنا عنقه. قال ابن إسحاق: فحدثنا أبو فراس الأسلمي، عن أشياخ من قومه قد شهدوا هذا مع خالد؛ قالوا: فلما قتل قامت إليه، فما زالت ترشفه حتى ماتت عليه.

стр. 851

غزوة حنين: قال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه، وحدثني عمرو بن شعيب، والزهري، وعبد الله بن أبي بكر، عن حديث حنين، حين سار إليهم رسول الله ﷺ ، وساروا إليه. فبعضهم يحدث بما لا يحدث به بعض، وقد اجتمع حديثهم: أن رسول الله ﷺ لما فرغ من فتح مكة، جمع عوف بن مالك النصري بني نصر وبني جشم وبني سعد بن بكر، وأوزاعا من بني هلال؛ وهم قليل؛ وناسا من بني عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، وأوعبت معه ثقيف الأحلاف، وبنو مالك. ثم شار بهم إلى رسول الله ﷺ ، وساق معه الأموال والنساء والأبناء، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، فقال: "اذهب فادخل في القوم، حتى تعلم لنا من علمهم". فدخل فيهم، فمكث فيهم يومًا أو اثنين. ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره خبرهم، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب: "ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد"؟ فقال عمر: كذب. فقال ابن أبي حدرد: والله لئن كذبتني يا عمر لربما كذبت بالحق. فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال: "قد كنت يا عمر ضالا فهداك الله". ثم بعث رسول الله ﷺ إلى صفوان بن أمية؛ فسأله أدراعا عنده؛ مائة درع، وما يصلحها من عدتها. فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة. ثم خرج رسول الله ﷺ سائرا.

стр. 852

قال ابن إسحاق: حدثنا الزهري، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى حنين في ألفين من مكة، وعشرة آلاف كانوا معه، فسار بهم. وقال ابن إسحاق: واستعمل على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية. وبالإسناد الأول: أن عوف بن مالك أقبل فيمن معه ممن جمع من قبائل قيس وثقيف، ومعه دريد بن الصمة؛ شيخ كبير في شجار له يقاد به، حتى نزل الناس بأوطاس. فقال دريد حين نزلوها فسمع رغاء البعير ونهيق الحمير ويعار الشاء وبكاء الصغير: بأي واد أنتم؟ فقالوا: بأوطاس. فقال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس، ما لي أسمع رغاء البعير وبكاء الصغير ويعار الشاء؟ قالوا: ساق مالك مع الناس أموالهم وذراريهم. قال: فأين هو؟ فدعي، فقال: يا مالك، إنك أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، فما دعاك إلى أن تسوق مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم. فأنفض به دريد وقال: يا راعي ضأن والله؛ وهل يرد وجه المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لا ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، فارفع الأموال والنساء والذراري إلى عليا قومهم وممتنع بلادهم. ثم قال دريد: وما فعلت كعب وكلاب؟ فقالوا: لم يحضرها منهم أحد. فقال فعلها: غاب الحد والجد، لو كان يوم

стр. 853

علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب ولوددت لو فعلتم فعلها، فمن حضرها؟ قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، فقال: ذانك الجذعان لا يضران ولا ينفعان. فكره مالك أن يكون لدريد فيها رأى، فقال: إنك قد كبرت وكبر علمك، والله لتطيعن يا معشر هوازن، أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري فقالوا: أطعناك. ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد. وقال الواقدي: سار رسول الله ﷺ من مكة لست خلون من شوال، في اثني عشر ألفا، فقال أبو بكر: لا نغلب اليوم من قلة. فانتهوا إلى حنين، لعشر خلون من شوال، وأمر النبي ﷺ أصحابه بالتعبئة، ووضع الألوية والرايات في أهلها، وركب بغلته ولبس درعين والمغفر والبيضة. فاستقبلهم من هوازن شيء لم يروا مثله من السواد والكثرة، وذلك في غبش الصبح. وخرجت الكتائب من مضيق الوادي وشعبه، فحملوا حملة واحدة، فانكشفت خيل بني سليم مولية، وتبعهم أهل مكة، وتبعهم الناس. فجعل رسول الله ﷺ يقول: "يا أنصار الله، وأنصار رسوله، أنا عبد الله ورسوله". وثبت معه يومئذ: عمه العباس وابنه الفضل، وعلي بن أبي طالب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأخوه ربيعة، وأبو بكر، وعمر، وأسامة بن زيد، وجماعة. وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني أمية بن عبد الله بن عمرو

стр. 854

بن عثمان، أنه حدث أن مالك بن عوف بعث عيونا، فأتوه وقد تقطعت أوصالهم، فقال: ويلكم، ما شأنكم؟ فقالوا: أتانا رجال بيض على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى. فلما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد. منقطع. وعن الربيع بن أنس، أن رجلا قال: لن نغلب من قلة. فشق ذلك على النبي ﷺ ، ونزلت ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٢٥] . وقال معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، سمع أبا سلام يقول: حدثني السلولي، أنه حدثه سهل الحنظلية، أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فأطنبوا السير حتى كان عشية، فحضرت صلاة الظهر عند رسول الله ﷺ ، فجاء فارس، فقال: يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم، بظعنهم ونعمهم وشائهم، اجتمعوا إلى حنين. فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله"، ثم قال: من يحرسنا الليلة؟ قال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله. قال: فاركب فرسا له، رجاء إلى رسول الله ﷺ فقال له: "استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه، ولا نغرن من قبلك الليلة". فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاة فركع ركعتين، ثم قال: "هل أحسستم فارسكم"؟ قالوا: يا رسول الله، لا. فثوب بالصلاة فجعل رسول الله ﷺ يصلي ويلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى صلاته وسلم قال: "أبشروا، فقد جاء فارسكم". فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب، فإذا هو قد جاء، حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله ﷺ ، فلما أصبحت اطلعت الشعبين، فنظرت فلم أر أحدا. فقال له رسول الله ﷺ : "هل نزلت الليلة"؟ قال: لا، إلا مصليا أو قاضي حاجة. فقال له رسول الله

стр. 855

صلى الله عليه وسلم: "قد أوجبت، فلا عليك أن لا تعمل بعدها". أخرجه أبو داود. قال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه، قال: خرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين، فسبق رسول الله ﷺ إليها، فأعدوا وتهيأوا في مضايق الوادي وأحنائه، وأقبل رسول الله ﷺ وأصحابه، فانحط بهم في الوادي في عماية الصبح. فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدت عليهم، وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين يقول: "أيها الناس، هلموا، إني أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله". فلا ينثني أحد، وركبت الإبل بعضها بعضا. فلما رأى رسول الله ﷺ أمر الناس، ومعه رهط من أهل بيته ورهط من المهاجرين، والعباس آخذ بحكمة بغلته البيضاء، وثبت معه علي، وأبو سفيان، وربيعة؛ ابنا الحارث، والفضل بن عباس، وأيمن بن أم أيمن، وأسامة، ومن المهاجرين أبو بكر وعمر. قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء أمام هوازن، إذا أدرك الناس طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فيتبعوه. فلما انهزم من كان مع رسول الله ﷺ من جفاة أهل مكة، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحور. وإن الأزلام لمعه في كنانته. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر، قال: سار أبو

стр. 856

سفيان إلى حنين، وإنه ليظهر الإسلام، وإن الأزلام التي يستقسم بها في كنانته. قال شيبة بن عثمان العبدري: اليوم أدرك ثأري -وكان أبوه قتل يوم أحد- اليوم أقتل محمدًا. قال: فأدرت برسول الله لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي، فلم أطلق، فعرفت أنه ممنوع. وحدثني عاصم، عن عبد الرحمن، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ حين رأى من الناس ما رأى قال: "يا عباس، اصرخ: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة". فأجابوا: لبيك لبيك. فجعل الرجل منهم يذهب ليعطف بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيقذف درعه من عنقه، ويؤم الصوت، حتى اجتمع إلى رسول الله ﷺ منهم مائة. فاستعرضوا الناس، فاقتتلوا. وكانت الدعوة أول ما كانت للأنصار، ثم جعلت آخرا بالخزرج، وكانوا صبرا عند الحرب، وأشرف رسول الله ﷺ في ركائبه؛ فنظر إلى مجتلد القوم فقال: "الآن حمي الوطيس". قال: فوالله ما رجعت راجعة الناس إلا والأسارى عند رسول الله ﷺ . فقتل الله من قتل منهم، وانهزم من انهزم منهم، وأفاء الله على رسوله أموالهم ونساءهم وأبناءهم. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، وقاله موسى بن عقبة: أن رسول الله ﷺ خرج إلى حنين، فخرج معه أهل مكة، لم يتغادر منهم أحد، ركبانا ومشاة؛ حتى خرج النساء مشاة؛ ينظرون ويرجون الغنائم، ولا يكرهون الصدمة برسول الله ﷺ وأصحابه. وقال ابن عقبة: جعل أبو سفيان كلما سقط ترس أو سيف من الصحابة، نادى رسول الله ﷺ : "أعطونيه أحمله، حتى أوقر جمله".

стр. 857

قالا: فلما أصبح القوم، اعتزل أبو سفيان، وابنه معاوية، وصفوان بن أمية، وحكيم بن حزام، وراء تل، ينظرون لمن تكون الدبرة. وركب رسول الله ﷺ فاستقبل الصفوف؛ فأمرهم، وحضهم على القتال. فبينا هم على ذلك حمل المشركون عليهم حملة رجل واحد، فولوا مدبرين. فقال حارثة بن النعمان: لقد حزرت من بقي مع رسول الله حين أدبر الناس فقلت مائة رجل. ومر رجل من قريش على صفوان، فقال: أبشر بهزيمة محمد وأصحابه، فوالله لا يجتبرونها أبدا. فقال: أتبشرني بظهور الأعراب؟ فوالله لرب من قريش أحب إلي من رب الأعراب. ثم بعث غلاما له فقال: اسمع لمن الشعار؟ فجاءه الغلام فقال: سمعتهم يقولون: يا بني عبد الرحمن، يا بني عبد الله، يا بني عبيد الله. فقال: ظهر محمد. وكان ذلك شعارهم في الحرب. وأن رسول الله ﷺ لما غشيه القتال قام في الركابين، ويقولون رفع يديه إلى الله -تعالى- يدعوه يقول: "اللهم إني أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا". ونادى أصحابه: "يا أصحاب البيعة يوم الحديبية، الله الله، الكرة على نبيكم". ويقال: قال: "يا أنصار الله وأنصار رسوله، يا بني الخزرج"، وأمر من يناديهم بذلك. وقبض قبضة من الحصباء فحصب بها وجوه المشركين، ونواحيهم كلها، وقال: "شاهت الوجوه". وأقبل إليه أصحابه سراعا، وهزم الله المشركين، وفر مالك بن عوف حتى دخل حصن الطائف في ناس من قومه. وأسلم حينئذ ناس كثير من أهل مكة، حين رأوا نصر الله رسوله. مختصر من حديث ابن عقبة. وليس عند عروة قيام النبي ﷺ في الركابين، ولا قوله: $"يا أنصار الله". وقال شعبة، عن أبي إسحاق، سمع البراء، وقال له رجل: يا أبا عمارة، أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 858

لم يفر، إن هوازن كانوا رماة، فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس فلقد رأيت رسول الله ﷺ ، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلته، والنبي صلى الله عليه سلم يقول: "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" متفق عليه. وأخرجه البخاري ومسلم، من حديث زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، وفيه: ولكن خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرا ليس عليهم كبير سلاح، فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم. وزاد فيه مسلم، من حديث زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق: "اللهم نزل نصرك". قال: وكنا إذا حمي البأس نتقي به ﷺ . وقال هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاص، قال: أخبرني سيابة بن عاصم: أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: "أنا ابن العواتك". وقال أبو عوانة، عن قتادة؛ أن رسول الله ﷺ قال في بعض مغازيه: "أنا ابن العواتك". وقال يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني كثير بن العباس بن عبد المطلب، قال: قال العباس: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث، ورسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار، ولى

стр. 859

المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار، وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركابه. فقال النبي ﷺ : "أي عباس، ناد أصحاب السمرة. فقال عباس -وكان رجلا صيتا- فقلت بأعلى صوتى: أي أصحاب السمرة. قال: فوالله، لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي، عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيكاه، يا لبيكاه. فاقتتلوا هم والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار. ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج. فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته، كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال: "هذا حين حمي الوطيس". ثم أخذ حصيات فرمى بهن في وجوه الكفار، ثم قال: "انهزموا ورب محمد". فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى، فوالله ما هو إلا أن رماهم رسول الله ﷺ بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا. أخرجه مسلم. وروى معمر، عن الزهري، عن كثير، نحوه، لكن قال: فروة بن نعامة الجذامي، وقال: "انهزموا ورب الكعبة". وقال عكرمة بن عمار: حدثني إياس بن سلمة، قال: حدثني أبي، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنينا، فلما واجهنا العدو، تقدمت فأعلوا ثنية فأستقبل رجلا من العدو فأرميه بسهم، وتوارى عني، فما دريت ما صنع. ثم نظرت إلى القوم، فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم والمسلمون فولى المسلمون، فأرجع منهزما، وعلي بردتان متزر بإحداهما، مرتد بالأخرى. ومررت على رسول الله ﷺ منهزما وهو على بغلته الشهباء، فقال: لقد رأى ابن الأكوع فزعا. فلما غشوا رسول الله

стр. 860

صلى الله عليه وسلم نزل من البغلة، ثم قبض قبضة من تراب، ثم استقبل به وجوههم، فقال: "شاهت الوجوه". فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا من تلك القبضة فولوا مدبرين. وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين. أخرجه مسلم. وقال أبو داود في مسنده: حدثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن يسار، عن أبي عبد الرحمن الفهري، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في حنين، فذكر الحديث، وفيه: فحدثني من كان أقرب إليه مني أنه أخذ حفنة من تراب، فحثا بها في وجوه القوم، وقال: "شاهدت الوجوه". قال يعلى بن عطاء: فأخبرنا أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بقي منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه من التراب، وسمعنا صلصلة من السماء كمر الحديد على الطست، فهزمهم الله. وقال عبد الواحد بن زياد: حدثنا الحارث بن حصيرة، قال: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: قال ابن مسعود: كنت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فولى عنه الناس، وبقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة. قال: ورسوله الله ﷺ على بغلته يمضي قدما، فحادت بغلته، فمال عن السرج، فشد نحوه، فقلت: ارتفع، رفعك الله. قال: "ناولني كفا من تراب". فناولته، فضرب به وجوههم، فامتلأت أعينهم ترابا. قال: "أين المهاجرون والأنصار"؟ فقلت: هم ههنا قال: "اهتف بهم". فهتفت بهم، فجاؤوا وسيوفهم بأيمانهم كأنهم الشهب، وولى المشركون

стр. 861

أدبارهم. وقال البخاري في تاريخه: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، قال: أخبرني عبد الله بن عياض بن الحارث، عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ أتى هوازن في اثني عشر ألفا، فقتل من أهل الطائف يوم حنين مثل من قتل يوم بدر، وأخذ رسول الله ﷺ كفا من حصباء فرمى به وجوهنا، فانهزمنا. وقال جعفر بن سليمان: حدثنا عوف، قال: حدثنا عبد الرحمن مولى أم برثن، عمر شهد حنينا كافرا، قال: لما التقينا والمسلمون لم يقوموا لنا حلب شاة، فجئنا نهش سيوفنا بين يدي رسول الله، حتى إذا غشيناه إذا بيننا وبينه رجال حسان الوجوه، فقالوا: شاهت الوجوه، فارجعوا. فهزمنا من ذلك الكلام. إسناده جيد. وقال الوليد بن مسلم، وغيره: حدثني ابن المبارك، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن شيبة بن عثمان، قال: لما رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين قد عري، ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما. فقلت: اليوم أدرك ثأري من محمد. فذهبت لأجيئه عن يمينه، فإذا أنا بالعباس قائم، عليه درع بيضاء كأنها فضة يكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله. قال: ثم جئته عن يساره، فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث، فقلت: ابن عمه ولن يخذله. قال: ثم جئته من خلفه فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف، إذ رفع لي شواظ من نار بيني وبينه كأنه برق، فخفت يمحشني، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى. والتفت رسول الله ﷺ وقال: "يا شيب يا شيب، ادن مني.

стр. 862

اللهم أذهب عنه الشيطان". فرفعت إليه بصري، فلهو أحب إلي من سمعي وبصري. وقال: "يا شيب، قاتل الكفار". غريب جدا. وقال أيوب بن جابر، عن صدقة بن سعيد، عن مصعب بن شيبة، عن أبيه، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ ، والله ما أخرجني إسلام، ولكن أنفت أن تظهر هوازن على قريش. فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله، إني أرى خيلا بلقا. قال: "يا شيبة، إنه لا يراها إلا كافر". فضرب يده على صدري، ثم قال: "اللهم اهد شيبة"؛ فعل ذلك ثلاثا، حتى ما كان أحد من خلق الله أحب إلي منه. وذكر الحديث. وقال ابن إسحاق: وقال مالك بن عوف، يذكر مسيرهم بعد إسلامه: اذكر مسيرهم للناس إذ جمعوا ... ومالك فوقه الرايات تختفق ومالك مالك ما فوقه أحد ... يومي حنين عليه التاج يأتلق حتى لقوا الناس خير الناس يقدمهم ... عليهم البيض والأبدان والدرق فضاربوا الناس حتى لم يروا أحدا ... حول النبي وحتى جنه الغسق حتى تنزل جبريل بنصرهم ... فالقوم منهزم منهم ومعتنق منا ولو غير جبريل يقاتلنا ... لمنعتنا إذا أسيافنا الغلق وقد وفى عمر الفاروق إذ هزموا ... بطعنة بل منها سرجه العلق وقال مالك، في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في عام حنين، فلما التقينا كان للمسلمين جولة. قال: فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين، فاستدرت له

стр. 863

فضربته بالسيف على حبل عاتقه، فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني. فأدركت عمر فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله. ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله ﷺ فقال: "من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه". فقمت ثم قلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. ثم قال: "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه". فقمت ثم قلت: من يشهد لي. ثم الثالثة، فقمت، فقال: "ما لك يا أبا قتادة"؟ فاقتصصت عليه القصة. فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله، وسلب ذلك القتيل عندي، فأرضه منه. فقال أبو بكر الصديق، لاها الله إذا، يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله، فيعطيك سلبه؟ فقال رسول الله ﷺ : "صدق فأعطه إياه". فأعطانيه. فبعت الدرع، فابتعت به مخرفا في بني سلمة. فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام. أخرجه البخاري، وأبو داود عن القعنبي، ومسلم. وقال حماد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس: قال رسول الله ﷺ يوم حنين: "من قتل قتيلا فله سلبه". فقتل يومئذ أبو طلحة عشرين رجلا وأخذ أسلابهم صحيح. وبه، عن أنس، قال: لقي أبو طلحة أم سليم يوم حنين ومعها خنجر، فقال: يا أم سليم، ما هذا؟ قالت: أردت إن دنا مني بعضهم أن

стр. 864

أبعج به بطنه. فأخبر بذلك النبي ﷺ أخرجه مسلم. غزوة أوطاس: وقال شيخنا الدمياطي في "السيرة" له: كان سيما الملائكة يوم حنين عمائم حمرا قد أرخوها بين أكتافهم. وقال رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه". وأمر بطلب العدو، فانتهى بعضهم إلى الطائف، وبعضهم نحو نخلة، ووجه قوم منهم إلى أوطاس. فعقد النبي ﷺ لأبي عامر الأشعري لواء ووجهه في طلبهم، وكان معه سلمة بن الأكوع، فانتهى إلى عسكرهم، فإذا هم ممتنعون، فقتل أبو عامر منهم تسعة مبارزة، ثم برز له العاشر معلما بعمامة صفراء فضرب أبا عامر فقتله. واستخلف أبو عامر أبا موسى الأشعري، فقاتلهم. حتى فتح الله عليه. وقال أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: لما فرغ النبي ﷺ من حنين، بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد، وهزم الله أصحابه، ورمي أبو عامر في ركبته، رماه رجل من بني جشم، فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه، فقلت: يا عم، من رماك؟ فأشار إلي أن ذاك قاتلي تراه. فقصدت له، فاعتمدته، فلحقته. فلما رآني ولى عني ذاهبا، فاتبعته، وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألست عربيا، ألا تثبت؟ فكف، فالتقينا، فاختلفنا ضربتين، أنا وهو، فقتلته. ثم رجعت إلى أبي عامر فقلت: قد قتل الله

стр. 865

صاحبك. قال: فنتزع هذا السهم. فنزعته، فنزا منه الماء. فقال: يا ابن أخي، انطلق إلى رسول الله ﷺ فأقره مني السلام، ثم قل له: يستغفر لي. قال: واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرا ومات. وذكر الحديث. متفق عليه. وقال ابن إسحاق: وقتل يوم حنين من ثقيف سبعون رجلا تحت رايتهم. وانهزم المشركون، فأتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم نحو نخلة. وتبعت خيل رسول الله ﷺ القوم، فأدرك ربيعة بن رفيع؛ ويقال له: ابن لدغة؛ دريد بن الصمة؛ فأخذ بخطام جمله، وهو يظن أنه امرأة، فإذا شيخ كبير ولم يعرفه الغلام. فقال له دريد: ماذا تريد بي؟ قال: أقتلك. قال: ومن أنت؟ قال: ربيعة بن رفيع السلمي. ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا. فقال: بئس ما سلحتك أمك، خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل، ثم أضرب به، وارفع عن الطعام، واخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب يوم والله قد منعت فيه نساءك. فقتله. فقيل: لما ضربه ووقع تكشف، فإذا عجانه وبطون فخذيه أبيض كالقرطاس من ركوب الخيل أعراء. فلما رجع إلى أمه أخبرها بقتله، فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات لك. وبعث رسول الله ﷺ في آثار من توجه إلى أوطاس، أبا عامر الأشعري فرمي بسهم فقتل، فأخذ الراية أبو موسى فهزمهم. وزعموا أن سلمة بن دريد هو الذي رمى أبا عامر بسهم.

стр. 866

واستشهد يوم حنين: أيمن بن عبيد، ولد أم أيمن؛ مولى بني هاشم، ويزيد بن زمعة بن الأسود الأسدي القرشي، وسراقة بن حباب بن عدي العجلاني الأنصاري، وأبو عامر عبيد الأشعري. ثم جمعت الغنائم، فكان عليها مسعود بن عمرو، وإنما تقسم بعد الطائف. غزوة الطائف: فسار رسول الله ﷺ من حنين يريد الطائف في شوال، وقدم خالد بن الوليد على مقدمته. وقد كانت ثقيف رموا حصنهم وأدخلوا فيه ما يكفيهم لسنة، فلما انهزموا من أوطاس دخلو الحصن وتهيأوا للقتال. قال محمد بن شعيب، عن عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ثم سار رسول الله ﷺ حتى بلغ الطائف فحاصرهم، ونادى مناديه: من خرج منهم من عبيدهم فهو حر. فاقتحم إليه من حصنهم نفر، منهم أبو بكرة بن مسروح أخو زياد من أبيه، فأعتقهم، ودفع كل رجل منهم إلى رجل من أصحابه ليحمله. ورجع رسول الله ﷺ حتى أتى على الجعرانة. فقال: "إني معتمر". وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، وقال إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى، قالا: ثم سار رسول الله ﷺ إلى الطائف، وترك السبي بالجعرانة، وملئت عرش مكة منهم. ونزل رسول الله ﷺ بالأكمة عند حصن الطائف بضع عشرة ليلة، يقاتلهم، وثقيف ترمي بالنبل، وكثرت الجراح، وقطعوا طائفة من أعنابهم ليغيظوهم بها، فقالت ثقيف: لا تفسدوا الأموال فإنها لنا أو لكم. واستأذنه المسلمون

стр. 867

في مناهضة الحصن، فقال: ما أرى أن نفتحه، وما أذن لنا فيه. وزاد عروة، قال: أمر رسول الله ﷺ المسلمين أن يقطع كل رجل من المسلمين خمس نخلات أو حبلات من كرومهم. فأتاه عمر فقال: يا رسول الله، إنها عفاء لم تؤكل ثمارها. فأمرهم أن يقطعوا ما أكلت ثمرته، الأول فالأول. وبعث مناديا ينادي: من خرج إلينا فهو حر. وقال ابن إسحاق: لم يشهد حنينا ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة، كانا بجرش يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق. ثم سار رسول الله ﷺ على نخلة إلى الطائف، وابتنى بها مسجدا وصلى فيه. وقتل ناس من أصحابه بالنبل، ولم يقدر المسلمون أن يدخلوا حائطهم، أغلقوه دونهم. وحاصرهم النبي ﷺ بضعا وعشرين ليلة، ومعه امرأتان من نسائه؛ إحداهما أم سلمة بنت أبي أمية. فلما أسلمت ثقيف بنى علي مصلى رسول الله ﷺ أبو أمية بن عمرو بن وهب مسجدا. وكان في ذلك المسجد سارية لا تطلع عليها الشمس يوما من الدهر؛ فيما يذكرون، إلا سمع لها نقيض. والنقيض: صوت المحامل. وقال يونس بن بكير، عن هشام بن سنبر، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي نجيح السلمي، قال: حاصرنا مع رسول الله ﷺ قصر الطائف، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بلغ بسهم فله درجة في الجنة". فبلغت يومئذ ستة عشر سهما. وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل

стр. 868

محرر". وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أمها، قالت: كان عندي مخنث، فقال لأخي عبد الله: إن فتح الله عليكم الطائف غدا، فإني أدلك على ابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فسمع رسول الله ﷺ قوله فقال: "لا يدخلن هذا عليكم". متفق عليه بمعناه. وقال الواقدى عن شيوخه، أن سلمان قال لرسول الله ﷺ : أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم -يعني الطائف- فإنا كنا بأرض فارس ننصبه على الحصون، فإن لم يكن منجنيق طال الثواء. فأمره رسول الله ﷺ فعمل منجنيقا بيده، فنصبه على حصن الطائف. ويقال: قدم بالمنجنيق يزيد بن زمعة، ودابتين. ويقال: الطفيل بن عمرو قدم بذلك. قال: فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فحرقت الدبابة. فأمر رسول الله ﷺ بقطع أعنابهم وتحريقها. فنادى سفيان بن عبد الله الثقفي: لم تقطع أموالنا؟ فإنما هي لنا أو لكم. فتركها. وقال أبو الأسود، عن عروة، من طريق ابن لهيعة: أقبل عيينة بن بدر حتى جاء رسول الله ﷺ ، فقال: ائذن لي أن أكلمهم، لعل الله أن يديهم. فأذن له، فانطلق حتى دخل الحصن، فقال: بأبي أنتم، تمسكوا بمكانكم، والله لنحن أذل من العبيد، وأقسم بالله لئن حدث به حدث لتملكن العرب عزا ومنعة، فتمسكوا بحصنكم. ثم خرج فقال له النبي ﷺ : "ماذا قلت لهم"؟. قال: دعوتهم إلى الإسلام، وحذرتهم

стр. 869

النار وفعلت. فقال: $"كذبت، بل قلت: كذا وكذا". قال: صدقت يا رسول الله، أتوب إلى الله وإليك. أخبرنا محمد بن عبد العزيز المقرئ سنة اثنين وتسعين وستة مائة، ومحمد بن أبي الحزم، وحسن بن علي، ومحمد بن أبي الفتح الشيباني، ومحمد بن أحمد العقيلي، ومحمد بن يوسف الذهبي، وآخرون، قالوا: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد السخاوي. "ح" وأخبرنا عبد المعطي بن عبد الرحمن؛ بالإسكندرية، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن مكي. "ح" وأخبرنا لؤلؤ المحسني؛ بمصر، وعلي بن أحمد، وعلي بن محمد الحنبليان، وآخرون، قالوا: أخبرنا أبو الحسن علي بن هبة الله الفقيه، قالوا: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن سلفة الحافظ، قال: أخبرنا أبو الحسن مكي بن منصور الكرجي. وقرأت على سنقر القضائي بحلب: أخبرك عبد اللطيف بن يوسف. وسمعته سنة اثنتين وتسعين على عائشة بنت عيسى بن الموفق، قالت: أخبرنا جدي أبو محمد بن قدامة سنة أربع عشرة وست مائة حضورا، قالا: أخبرنا أبو زرعة طاهر بن محمد المقدسي، قال: أخبرنا محمد بن أحمد الساوي سنة سبع وثمانين وأربع مائة، قالا: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا زكريا بن يحيى المروزي ببغداد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمر، قال: حاصر النبي ﷺ أهل الطائف، فلم ينل منهم شيئا. قال: إنا قافلون غدا إن شاء الله. فقال المسلمون: أترجع ولم نفتحه؟ فقال لهم رسول الله ﷺ : "اغدوا على القتال غدا". فأصابهم جراح. فقال لهم رسول الله ﷺ : "إنا

стр. 870

قافلون غدا إن شاء الله". فأعجبهم ذلك. فضحك النبي ﷺ . أخرجه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان هكذا. وعنده: عبد الله بن عمرو، في بعض النسخ بمسلم. وأخرجه البخاري، عن ابن المديني، عن سفيان، فقال: عبد الله بن عمرو. قال البخاري: قال الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عمرو، قال: سمعت أبا العباس الأعمى، يقول: عبد الله بن عمر بن الخطاب. وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، فذكره، وقال فيه: عبد الله بن عمرو. ثم قال أبو بكر: وسمعت ابن عيينة يحدث به مرة أخرى، عن ابن عمر. وقال المفضل بن غسان الغلابي، أظنه عن ابن معين. قال أبو العباس الشاعر، عن عبد الله بن عمرو، وابن عمر؛ في فتح الطائف: الصحيح ابن عمر. قال: واسم أبي العباس: السائب بن فروخ مولى بني كنانة. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة: أن النبي ﷺ ارتحل عن الطائف بأصحابه ودعا حين ركب قافلا: "اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم". وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، وعبد الله بن المكدم، عمن أدركوا، قالوا: حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك. ثم انصرف عنهم، فقدم المدينة، فجاءه وفدهم في

стр. 871

رمضان فأسلموا. قال ابن إسحاق: واستشهد مع رسول الله ﷺ بالطائف: سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية، وعرفطة بن حباب، وعبد الله بن أبي بكر الصديق، رمي بسهم فمات بالمدينة في خلافة أبيه، وعبد الله بن أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي؛ أخو أم سلمة، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب، وكان يقال لأبي أمية؛ واسمه حذيفة: زاد الراكب، وكان عبد الله شديدا على المسلمين، قيل: هو الذي قال: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] ، وما بعدها، ثم أسلم قبل فتح مكة بيسير، وحسن إسلامه، وهو الذي قال له هيت المخنث: يا عبد الله، إن فتح الله عليكم الطائف، فإني أدلك على ابنة غيلان ... الحديث -وعبد الله بن عامر بن ربيعة، والسائب بن الحارث، وأخوه: عبد الله، وجليحة بن عبد الله. ومن الأنصار: ثابت بن الجذع، والحارث بن سهل بن أبي صعصعة، والمنذر بن عبد الله، ورقيم بن ثابت. فذلك اثنا عشر رجلا، ﵃. ويروى أن النبي ﷺ استشار نوفل بن معاوية الديلي في أهل الطائف، فقال: ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك.

стр. 872

قسم غنائم حنين وغير ذلك: قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله ﷺ ، على رحيل، حتى نزل بالناس بالجعرانة، وكان معه من سبي هوازن ستة آلاف من الذرية، ومن الإبل والشاء ما لا يدرى عدته. وقال معتمر بن سليمان، عن أبيه: حدثنا السميط، عن أنس، قال: افتتحنا مكة، ثم إنا غزونا حنينا، فجاء المشركون بأحسن صفوت رأيت. قال: فصف الخيل، ثم صفت المقاتلة، ثم صف النساء من وراء ذلك، ثم صف الغنم، ثم صف النعم. قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف؛ أظنه يريد الأنصار. قال: وعلي مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرت الأعراب، فنادى رسول الله ﷺ : "يا للمهاجرين يا للمهاجرين، يا للأنصار يا للأنصار". قال أنس: هذا حديث عمية. قلنا: لبيك، يا رسول الله. فتقدم، فايم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله. وقال: فقبضنا ذلك المال، ثم انطلقنا إلى الطائف. قال فحاصرناهم أربعين ليلة، ثم رجعنا إلى مكة ونزلنا. فجعل رسول الله ﷺ يعطي الرجل المائة، ويعطي الرجل المائة. فتحدثت الأنصار بينهم: أما من قاتله فيعطيه، وأما من لم يقاتله فلا يعطيه. قال: ثم أمر بسراة المهاجرين والأنصار -لما بلغه الحديث- أن يدخلوا عليه. فدخلنا القبة حتى ملأناها. فقال: "يا معشر الأنصار؛ -ثلاث مرات، أو كما قال- ما حديث أتاني"؟ قالوا: ما أتاك يا رسول الله؟ قال: "أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبوا

стр. 873

برسول الله حتى تدخلوه بيوتكم"؟ قالوا: رضينا. فقال: "لو أخذ الناس شعبا وأخذت الأنصار شعبا أخذت شعب الأنصار". قالوا: رضينا يا رسول الله. قال: "فارضوا". أخرجه مسلم. وقال ابن عون، عن هشام بن زيد، عن أنس، قال: لما كان يوم حنين؛ فذكر القصة، إلى أن قال: وأصاب رسول الله ﷺ يومئذ غنائم كثيرة، فقسم في المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار شيئا. فقالت الأنصار: إذا كانت الشدة فنحن ندعى، ويعطى الغنيمة غيرنا. قال: فبلغه ذلك، فجمعهم في قبة وقال: "أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبوا برسول الله تحوزونه إلى بيوتكم"؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، رضينا. فقال: "لو سلك الناس واديا، وسلكت الأنصار شعبا، لأخذت شعب الأنصار". متفق عليه. وقال شعب، وغيره، عن الزهري: حدثني أنس، أن ناسا من الأنصار، قالوا: لرسول الله ﷺ ؛ حين أفاء الله عليهم من أموال هوازن ما أفاءه، فطفق يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل؛ فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ ، يعطي قريشا ويدعنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم. فبلغ رسول الله ﷺ ذلك، فجمعهم في قبة من أدم، ولم يدع معهم أحدا غيرهم، فلما اجتمعوا، قال: ما حديث بلغني عنكم؟ فقال له فقهاؤهم: أما ذوو رأينا فلم يقولوا شيئا. فقال: "فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله؟ فوالله ما تنقلبون به خير ما ينقلبون به". قالوا: قد رضينا. فقال: "إنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا

стр. 874

الله ورسوله على الحوض". قال أنس: فلم نصبر. متفق عليه. وقال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد، قال: لما قسم رسول الله ﷺ للمتألفين من قريش، وفي سائر العرب، ولم يكن في الأنصار منها قليل ولا كثير، وجدوا في أنفسهم. وذكر نحو حديث أنس. وقال ابن عيينة، عن عمر بن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، عن جده؛ أن النبي ﷺ أعطى المؤلفة قلوبهم من سبي حنين، كل رجل منهم مائة من الإبل. فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة، وأعطى صفوان بن أمية مائة، وأعطى عيينة بن حصن مائة، وأعطى الأقرع بن حابس مائة، وأعطى علقمة بن علاثة مائة، وأعطى مالك بن عوف النصري مائة، وأعطى العباس بن مرداس دون المائة. فأنشأ العباس يقول: أتجعل نهبي ونهب العبيـ ... ـد بين عيينة والأقرع وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع وقد كنت في الحرب ذا تدرأ ... فلم أعط شيئا ولم أمنع وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع فأتم له مائة. أخرجه مسلم، دون ذكر مالك بن عوف، وعلقمة، ودون البيت الثالث.

стр. 875

وقال عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ أعطى المؤلفة قوبلهم: أبا سفيان، وحكيم بن حزام، والحارث بن هشام المخزومي، وصفوان بن أمية الجمحي، وحويطب بن عبد العزى العامري؛ أعطى كل واحد مائة ناقة. وأعطى قيس بن عدي السهمي خمسين ناقة، وأعطى سعيد بن يربوع خمسين. فهؤلاء من أعطى من قريش. وأعطى العلاء بن جارية مائة ناقة، وأعطى مالك بن عوف مائة ناقة، ورد إليه أهله، وأعطى عيينة بن بدر الفزاري مائة ناقة، وأعطى عباس بن مرداس كسوة. فقال عبد الله بن أبي بن سلول للأنصار: قد كنت أخبركم أنكم ستلون حرها ويلي بردها غيركم. فتكلمت الأنصار، فقالوا: يا رسول الله، عم هذه الأثرة؟ فقال: "يا معشر الأنصار، ألم أجدكم مفترقين فجمعكم الله، وضلالا فهداكم الله، ومخذولين فنصركم الله". ثم قال: "والذي نفسي بيده، لو تشاؤون لقلتم ثم لصدقتم ولصدقتم: ألم نجدك مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، ومحتاجا فواسيناك". قالوا: لا نقول ذلك، إنما الفضل من الله ورسوله والنصر من الله ورسوله، ولكنا أحببنا أن نعلم فيم هذه الأثر؟ قال رسول الله ﷺ : "قوم حديثو عهد بعز وملك، فأصابتهم نكبة فضعضعتهم ولم يفقهوا كيف الإيمان، فأتألفهم، حتى إذا علموا كيف الإيمان، وفقهوا فيه علمتهم كيف القسم وأين موضعه". وساق باقي الحديث. وقال جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن أبي وائل، عبد الله، قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله ﷺ ناسا في القسمة،

стр. 876

فأعطى الأقرع مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ناسا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ، فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله. فقلت: والله لأخبرن رسول الله ﷺ . فأتيته فأخبرته، فتغير وجهه حتى صار كالصرف، وقال: "فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله"؟، ثم قال: "يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر". فقلت: لا جرم لا أرفع إليه بعد هذا حديثا. متفق عليه. وقال الليث، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أتى رجل بالجعرانة النبي ﷺ وهو يقسم غنائم منصرفه من حنين، وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله ﷺ يقبض منها يعطي الناس. فقال: يا محمد، اعدل. فقال: "ويلك، ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل". فقال عمر: دعني أقتل هذا المنافق. قال: "معاذ الله، أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابى، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". أخرجه مسلم. وقال شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري، قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسما، إذ أتاه ذو الخويصرة التميمى فقال: يا رسول الله اعدل. فقال: "ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أعدل". فقال عمر: إيذن لي فيه يا رسول الله أضرب عنقه. قال: "دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". وذكر

стр. 877

الحديث. أخرجه البخاري. وقال عقيل، عن ابن شهاب، قال عروة: أخبرني مروان، والمسور بن مخرمة: أن رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوا أن يرد إليهم أموالهم ونساءهم. فقال: "معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه. فاختاروا إما السبي، وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم". وكان رسول الله ﷺ انتظرهم تسع عشرة ليلة حين قفل من الطائف. فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: إنا نختار سبينا، فقام رسول الله ﷺ في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد، فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم. فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل". فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله لهم. فقال: "إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم". فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم. ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ ، فأخبروه الخبر بأنهم قد طيبوا وأذنوا. أخرجه البخاري. وقال موسى بن عقبة: ثم انصرف رسول الله ﷺ من الطائف إلى الجعرانة؛ وبها السبي، وقدمت عليه وفود هوازن مسلمين، فيهم تسعة من أشرافهم فأسلموا وبايعوا، ثم كلموه فيمن أصيب، فقالوا: يا رسول الله. إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات، وهن مخازي الأقوام، ونرغب إلى الله وإليك. وكان ﷺ رحيما جوادا كريما. فقال: سأطلب لكم ذلك.

стр. 878

قال في القصة: وقال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب، وعروة: أن سبي هوازن كانوا ستة آلاف. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بحنين، فلما أصاب من هوازن ما أصاب من أموالهم وسباياهم، أدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، لنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا، من الله عليك. وقام خطيبهم زهير بن صرد، فقال: يا رسول الله: إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وعماتك وحواضنك اللائي كن يكلفنك، فلو أنا ملحنا ابن أبي شمر، أو النعمان بن المنذر، ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك، رجونا عائدتهما وعطفهما، وأنت خير المكفولين. ثم أنشده أبياتا قالها: أمنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وندخر أمنن على بيضة اعتاقها حزز ... ممزق شملها في دهرها غير أبقت لها الحرب هتافا على حرن ... على قلوبهم الغماء والغمر إن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلما حين يختبر امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك يملؤه من محضها درر امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر لا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا، فإنا معشر زهر إنا لنشكر آلاء وإن كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدخر فقال رسول الله ﷺ : "نساؤكم أحب إليكم أم أموالكم"؟ فقالوا: خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا، أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا. فقال: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا صليت بالناس فقوموا وقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله، في أبنائنا ونسائنا، سأعينكم عند ذلك وأسأل لكم". فلما صلى رسول الله ﷺ بالناس الظهر، قاموا فقاموا ما أمرهم به، فقال: "أما ما

стр. 879

كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم". فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله. وقالت الأنصار كذلك. فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. فقال العباس بن مرداس السلمي: أما أنا وبنو سليم فلا. فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ . وقال عيينة بن بدر: أما أنا وبنو فزارة فلا، فقال رسول الله ﷺ : "من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ست فرائض من أول فيء نصيبه". فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم. ثم ركب رسول الله ﷺ واتبعه الناس يقولون: يا رسول الله، اقسم علينا فيئنا، حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت منه رداءه، فقال: "ردوا علي ردائي، فوالذي نفسي بيده لو كان لي عدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما لقيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا". ثم قال إلى جنب بعير وأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين إصبعيه، وقال: "أيها الناس، والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم. فأدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة". فجاء رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال: أخذت هذه لأخيط بها برذعة بعير لي دبر. فقال رسول الله ﷺ : "أما حقي

стр. 880

منها فلك". فقال الرجل: أما إذ بلغ الأمر هذا فلا حاجة لي بها. فرمى بها. وقال أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن عمر سأل النبي ﷺ وهو بالجعرانة، فقال: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام. قال: "اذهب فاعتكف". وكان رسول الله ﷺ قد أعطاه جارية من الخمس. فلما أن أعتق رسول الله ﷺ سبايا الناس، قال عمر: يا عبد الله، اذهب إلى تلك الجارية فخل سبيلها. أخرجه مسلم. وقال ابن إسحاق: حدثني أبو وجزة السعدي: أن رسول الله ﷺ أعطى من سبي هوازن علي بن أبي طالب جارية، وأعطى عثمان وعمر، فوهبها عمر لابنه. قال ابن إسحاق: فحدثني نافع، عن ابن عمر، قال: بعثت بجاريتي إلى أخوالي من بني جمح ليصلحوا لي منها حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم. فخرجت من المسجد فإذا الناس يشتدون، فقلت: ما شأنكم؟ فقالوا: رد علينا رسول الله ﷺ نساءنا. فقلت: دونكم صاحبتكم فهي في بني جمح، فانطلقوا فأخذوها. قال ابن إسحاق: وحدثني أبو وجزة يزيد بن عبيد: أن رسول الله ﷺ قال لوفد هوازن: "ما فعل مالك بن عوف". قالوا: هو بالطائف. فقال: "أخبروه إن أتاني مسلما رددت إليه أهله وماله، وأعطيته مائة من الإبل". فأتى مالك بذلك، فخرج إليه من الطائف.
следующие страницы →