Полный текст (14 211 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
فأعطى الأقرع مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ناسا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ، فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله. فقلت: والله لأخبرن رسول الله ﷺ . فأتيته فأخبرته، فتغير وجهه حتى صار كالصرف، وقال: "فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله"؟، ثم قال: "يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر". فقلت: لا جرم لا أرفع إليه بعد هذا حديثا. متفق عليه.
وقال الليث، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أتى رجل بالجعرانة النبي ﷺ وهو يقسم غنائم منصرفه من حنين، وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله ﷺ يقبض منها يعطي الناس. فقال: يا محمد، اعدل. فقال: "ويلك، ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل". فقال عمر: دعني أقتل هذا المنافق. قال: "معاذ الله، أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابى، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". أخرجه مسلم.
وقال شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري، قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسما، إذ أتاه ذو الخويصرة التميمى فقال: يا رسول الله اعدل. فقال: "ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أعدل". فقال عمر: إيذن لي فيه يا رسول الله أضرب عنقه. قال: "دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". وذكر
стр. 877
الحديث. أخرجه البخاري.
وقال عقيل، عن ابن شهاب، قال عروة: أخبرني مروان، والمسور بن مخرمة: أن رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوا أن يرد إليهم أموالهم ونساءهم. فقال: "معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه. فاختاروا إما السبي، وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم". وكان رسول الله ﷺ انتظرهم تسع عشرة ليلة حين قفل من الطائف. فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: إنا نختار سبينا، فقام رسول الله ﷺ في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد، فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم. فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل". فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله لهم. فقال: "إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم". فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم. ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ ، فأخبروه الخبر بأنهم قد طيبوا وأذنوا. أخرجه البخاري.
وقال موسى بن عقبة: ثم انصرف رسول الله ﷺ من الطائف إلى الجعرانة؛ وبها السبي، وقدمت عليه وفود هوازن مسلمين، فيهم تسعة من أشرافهم فأسلموا وبايعوا، ثم كلموه فيمن أصيب، فقالوا: يا رسول الله. إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات، وهن مخازي الأقوام، ونرغب إلى الله وإليك. وكان ﷺ رحيما جوادا كريما. فقال: سأطلب لكم ذلك.
стр. 878
قال في القصة: وقال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب، وعروة: أن سبي هوازن كانوا ستة آلاف.
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بحنين، فلما أصاب من هوازن ما أصاب من أموالهم وسباياهم، أدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، لنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا، من الله عليك. وقام خطيبهم زهير بن صرد، فقال: يا رسول الله: إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وعماتك وحواضنك اللائي كن يكلفنك، فلو أنا ملحنا ابن أبي شمر، أو النعمان بن المنذر، ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك، رجونا عائدتهما وعطفهما، وأنت خير المكفولين. ثم أنشده أبياتا قالها:
أمنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وندخر
أمنن على بيضة اعتاقها حزز ... ممزق شملها في دهرها غير
أبقت لها الحرب هتافا على حرن ... على قلوبهم الغماء والغمر
إن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلما حين يختبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك يملؤه من محضها درر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا، فإنا معشر زهر
إنا لنشكر آلاء وإن كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدخر
فقال رسول الله ﷺ : "نساؤكم أحب إليكم أم أموالكم"؟ فقالوا: خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا، أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا. فقال: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا صليت بالناس فقوموا وقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله، في أبنائنا ونسائنا، سأعينكم عند ذلك وأسأل لكم". فلما صلى رسول الله ﷺ بالناس الظهر، قاموا فقاموا ما أمرهم به، فقال: "أما ما
стр. 879
كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم". فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله. وقالت الأنصار كذلك. فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. فقال العباس بن مرداس السلمي: أما أنا وبنو سليم فلا. فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ . وقال عيينة بن بدر: أما أنا وبنو فزارة فلا، فقال رسول الله ﷺ : "من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ست فرائض من أول فيء نصيبه". فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم.
ثم ركب رسول الله ﷺ واتبعه الناس يقولون: يا رسول الله، اقسم علينا فيئنا، حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت منه رداءه، فقال: "ردوا علي ردائي، فوالذي نفسي بيده لو كان لي عدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما لقيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا". ثم قال إلى جنب بعير وأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين إصبعيه، وقال: "أيها الناس، والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم. فأدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة". فجاء رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال: أخذت هذه لأخيط بها برذعة بعير لي دبر. فقال رسول الله ﷺ : "أما حقي
стр. 880
منها فلك". فقال الرجل: أما إذ بلغ الأمر هذا فلا حاجة لي بها. فرمى بها.
وقال أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن عمر سأل النبي ﷺ وهو بالجعرانة، فقال: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام. قال: "اذهب فاعتكف". وكان رسول الله ﷺ قد أعطاه جارية من الخمس. فلما أن أعتق رسول الله ﷺ سبايا الناس، قال عمر: يا عبد الله، اذهب إلى تلك الجارية فخل سبيلها. أخرجه مسلم.
وقال ابن إسحاق: حدثني أبو وجزة السعدي: أن رسول الله ﷺ أعطى من سبي هوازن علي بن أبي طالب جارية، وأعطى عثمان وعمر، فوهبها عمر لابنه.
قال ابن إسحاق: فحدثني نافع، عن ابن عمر، قال: بعثت بجاريتي إلى أخوالي من بني جمح ليصلحوا لي منها حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم. فخرجت من المسجد فإذا الناس يشتدون، فقلت: ما شأنكم؟ فقالوا: رد علينا رسول الله ﷺ نساءنا. فقلت: دونكم صاحبتكم فهي في بني جمح، فانطلقوا فأخذوها.
قال ابن إسحاق: وحدثني أبو وجزة يزيد بن عبيد: أن رسول الله ﷺ قال لوفد هوازن: "ما فعل مالك بن عوف". قالوا: هو بالطائف. فقال: "أخبروه إن أتاني مسلما رددت إليه أهله وماله، وأعطيته مائة من الإبل". فأتى مالك بذلك، فخرج إليه من الطائف.
стр. 881
وقد كان مالك خاف من ثقيف على نفسه من قول رسول الله ﷺ . فأمر براحلة فهيئت، وأمر بفرس له فأتى به، فخرج ليلا ولحق برسول الله ﷺ ، فأدركه بالجعرانة أو بمكة، فرد عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل، فقال:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... في الناس كلهم بمثل محمد
أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدي ... وإذا تشا يخبرك عما في غد
وإذا الكتيبة عردت أنيابها ... أم العدى فيها بكل مهند
فكأنه ليث لدى أشباله ... وسط المباءة خادر في مرصد
فاستعمله النبي ﷺ على من أسلم من قومه، وتلك القبائل من ثمالة وسلمة وفهم، كان يقاتل بهم ثقيفا، لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى يصيبه.
قال ابن عساكر: شهد مالك بن عوف فتح دمشق، وله بها دار.
وقال أبو عاصم: حدثنا جعفر بن يحيى بن ثوبان، قال: أخبرني عمي عمارة بن ثوبان، أن أبا الطفيل أخبره، قال: كنت غلامًا أحمل عضو البعير، ورأيت رسول الله ﷺ يقسم لحما بالجعرانة، فجاءته امرأة فبسط لها رداءه. فقلت: من هذه؟ قالوا: أمه التي أرضعته.
وروى الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، قال: لما كان يوم فتح هوازن جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: أنا أختك شيماء بنت الحارث. فقال: "إن تكوني صادقة فإن بك مني أثرًا لن يبلى". قال: فكشفت عن عضدها. ثم قالت: نعم يا رسول الله، حملتك وأنت صغير فعضضتنى هذه العضة. فبسط لها رداءه ثم قال: "سلي تعطي، واشفعي
стр. 882
تشفعي".
الحكم ضعفه ابن معين.
عمرة الجعرانة:
قال همام، عن قتادة، عن أنس: أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي في حجته: عمرة زمن الحديبية -أو من الحديبية- في ذي القعدة، وعمرة؛ أظنه قال: العام المقبل، وعمرة من الجعرانة؛ حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته.
متفق عليه.
وقال موسى بن عقبة، وهو في "مغازي عروة": إن رسول الله ﷺ أهل بالعمرة من الجعرانة في ذي القعدة، فقدم مكة فقضى عمرته. وكان حين خرج إلى حنين استخلف معاذا على مكة وأمره أن يعلمهم القرآن ويفقههم في الدين. ثم صدر إلى المدينة وخلف معاذا على أهل مكة.
وقال ابن إسحاق: ثم سار رسول الله ﷺ من الجعرانة معتمرا، وأمر ببقايا الفيء فحبس بمجنة، فلما فرغ من عمرته انصرف إلى المدينة واستخلف عتاب بن أسيد على مكة، وخلف معه معاذا يفقه الناس.
قلت: ولم يزل عتاب على مكة إلى أن مات بها يوم وفاة أبي بكر. وهو عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية الأموي. فبلغنا أن النبي ﷺ قال له: يا عتاب، تدري على من استعملتك استعملتك على أهل الله،
стр. 883
ولو أعلم لهم خيرا منك استعملته عليهم. وكان عمره إذ ذاك نيفا وعشرين سنة، وكان رجلا صالحا. روي عنه أنه قال: أصبت في عملي هذا بردين معقدين كسوتهما غلامي، فلا يقولن أحدكم أخذ مني عتاب كذا، فقد رزقني رسول الله ﷺ كل يوم درهمين، فلا أشبع الله بطنا لا يشبعه كل يوم درهمان.
وحج الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحج عليه. والله أعلم.
قصة كعب بن زهير:
ولما قدم رسول الله ﷺ : من منصرفه، كتب بجير بن زهير؛ يعني إلى أخيه كعب بن زهير، يخبره أن رسول الله ﷺ قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقي من شعراء قريش؛ ابن الزبعري، وهبيرة بن أبي وهب، قد ذهبوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله ﷺ ، فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك من الأرض.
وكان كعب قد قال:
ألا أبلغا عني بجيرا رسالة ... فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا
فبين لنا إن كنت لست بفاعل ... على أي شيء غير ذلك دلكا
على خلق لم ألف يوما أبا له ... عليه وما تلفي عليه أخا لكا
فإن أنت لم تفعل فلست بآسف ... ولا قاتل إما عثرت: لعا لكا
стр. 884
سقاك بها المأمون كأسا روية ... فأنهلك المأمون منها وعلكا
فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله ﷺ فأنشده إياها. فقال لما سمع "سقاك بها المأمون": "صدق وإنه لكذوب". ولما سمع: "على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه". قال: "أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه".
ثم قال بجير لكعب:
من مبلغ كعبا فهل لك في التي ... تلوم عليها باطلا وهي أحزم
إلى الله -لا العزى ولا اللات- وحده ... فتنجو إذا كان النجاء وتسلم
لدى يوم لا تنجو ولست بمفلت ... من الناس إلا طاهر القلب مسلم
فدين زهير وهو لا شيء دينه ... ودين أبي سلمى علي محرم
فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان في حاضره من عدوه، فقالوا: هو مقتول. فلما لم يجد من شيء بدا قال قصيدته، وقدم المدينة.
وقال إبراهيم بن ديزيل، وغيره: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: حدثنا الحجاج ابن ذي الرقيبة بن عبد الرحمن بن كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني، عن أبيه، عن جده، قال: خرج كعب وبجير أخوه ابنا زهير حتى أتيا أبرق العزاف، فقال بجير لكعب: اثبت هنا حتى آتي هذا الرجل فأسمع ما يقول. قال: فجاء رسول الله ﷺ فعرض عليه الإسلام فأسلم، فبلغ ذلك كعبا، فقال:
ألا أبلغا عني بجيرا رسالة ... فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا
سقاك بها المأمون كاسا روية ... وأنهلك المأمور منها وعلكا
ويروى: سقاك أبو بكر بكأس روية.
стр. 885
ففارقت أسباب الهدى وتبعته ... على أي شيء ويب غيرك دلكا
على مذهب لم تلف أما ولا أبا ... عليه، ولم تعرف عليه أخا لكا
فاتصل الشعر بالنبي ﷺ فأهدر دمه. فكتب بجير إليه بذلك، ويقول له: النجاء وما أراك تنفلت. ثم كتب إليه: اعلم أن رسول الله ﷺ لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا قبل ذلك منه، وأسقط ما كان قبل ذلك. فأسلم كعب، وقال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ ، ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله ﷺ ، ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ مع أصحابه مكان المائدة من القوم، والقوم متحلقون معه حلقة دون حلقة، يلتفت إلى هؤلاء مرة فيحدثهم، وإلى هؤلاء مرة فيحدثهم.
قال كعب: فأنخت راحلتي، ودخلت، فعرفت رسول الله ﷺ بالصفة، فتخطيت حتى
جلست إليه فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، الأمان يا رسول الله. قال: "ومن أنت"؟ قلت: أنا كعب بن زهير. قال: "الذي يقول": ثم التفت إلى أبي بكر، فقال: "كيف يا أبا بكر". فأنشده:
سقاك أبو بكر بكأس روية ... وأنهلك المأمور منها وعلكا
قلت: يا رسول الله، ما قلت هكذا. قال: "فكيف قلت"؟. قلت: إنما قلت:
وأنهلك المأمون منها وعلكا
فقال: "مأمون، والله".
قال: ثم أنشده:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يلف مكبول
стр. 886
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول
تجلوا عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول
شجت بذي شبم من ماء محنية ... صاف بأبطح أضحى وهو مشمول
تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه ... من صوب سارية بيض يعاليل
أكرم بها خلة لو أنها صدقت ... موعودها، أو لو أن النصح مقبول
لكنها خلة قد سيط من دمها ... فجع وولع وإخلاف وتبديل
فما تدوم على حال تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول
ولا تمسك بالعهد الذي زعمت ... إلا كما يمسك الماء الغرابيل
فلا يغرنك ما منت وما وعدت ... إن الأماني والأحلام تضليل
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل
أرجو وآمل أن تدنو مودتها ... وما إخال لدينا منك تنويل
أمست سعاد بأرض لا يبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيل
ولن يبلغها إلا عذافرة ... فيها على الأين إرقال وتبغيل
من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت ... عرضتها طامس الأعلام مجهول
ترمي الغيوب بعيني مفرد لهق ... إذا توقدت الحزان والميل
стр. 887
ضخم مقلدها، فعم مقيدها ... في خلقها عن بنات الفحل تفضيل
غلباء وجناء علكوم مذكرة ... في دفها سعة قدامها ميل
وجلدها من أطوم ما يؤيسه ... طلح بضاحية المتنين مهزول
حرف أبوها أخوها من مهجنة ... وعمها خالها قوداء شمليل
تسعى الوشاة بدفيها وقيلهم ... إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول
وقال كل صديق كنت آمله: ... لا ألهينك، إني عنك مشغول
خلوا طريق يديها لا أبا لكم ... فكل ما قدر الرحمن مفعول
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آله حدباء محمول
أنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا رسول الله الذي أعطاك نافلة الـ ... ـقرآن، فيه مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب، ولو كثرت عني الأقاويل
لقد أقوم مقاما لو يقوم به ... أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل
لظل يرعد إلا أن يكون له ... من الرسول بإذن الله تنويل
حتى وضعت يميني لا أنازعه ... في كف ذي نقمات قيله القيل
لذلك أخوف عندي إذ أكلمه ... وقيل: إنك منسوب ومسؤول
من ضيغم من ليوث الأسد مسكنه ... من بطن عثر غيل دونه غيل
إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول
في فتية من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا: زولوا
стр. 888
زالوا، فما زال أنكاس ولا كشف ... عند اللقاء، ولا خيل معازيل
شم العرانين أبطال لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل
يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل
لا يفرحون إذا نالت سيوفهم ... قوما، وليسوا مجازيعًا إذا نيلوا
لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل
وفي سنة ثمان توفيت زينب بنت النبي ﷺ وأكبر بناته، وهي التي غسلتها أم عطية الأنصارية، وأعطاها النبي ﷺ حقوه، وقال: أشعرنها إياه. فجعلته شعارها تحت كفنها. وقد ولدت زينب من أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس أمامة التي كان النبي ﷺ يحملها في الصلاة.
وفيها: عمل منبر النبي ﷺ ، فخطب عليه، وحن إليه الجذع الذي كان يخطب عنده.
وفيها: ولد إبراهيم ابن النبي ﷺ .
وفيها: وهبت سودة أم المؤمنين يومها لعائشة، ﵂.
وفيها: توفي مغفل بن عبد نهم بن عفيف المزني؛ والد عبد الله؛ وله صحبة.
وفيها: مات ملك العرب بالشام؛ الحارث بن أبي شمر الغساني،
стр. 889
كافرا. وولي بعده جبلة بن الأيهم.
فروى أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، عن ابن عائذ، عن الواقدي، عن عمر بن عثمان الجحشي، عن أبيه، قال: بعث رسول الله ﷺ شجاع بن وهب إلى الحارث بن أبي شمر وهو بالغوطة، فسار من المدينة في ذي الحجة سنة ست. قال: فأتيته فوجدته يهيئ الإنزال لقيصر، وهو جاء من حمص إلى إيلياء؛ إذ كشف الله عنه جنود فارس؛ تشكر الله.
فلما قرأ الكتاب رمي به؛ وقال: ومن ينزع مني ملكي؟ أنا سائر إليه بالناس. ثم عرض إلى الليل، وأمر بالخيل تنعل، وقال: أخبر صاحبك بما ترى. فصادف قيصر بإيلياء وعنده دحية الكلبي بكتاب رسول الله ﷺ . فكتب قيصر إليه: أن لا يسير إليه، واله عنه، وواف إيلياه.
قال شجاع: فقدمت، وأخبرت رسول الله ﷺ ، فقال: "باد ملكه". ويقال: حج بالناس عتاب بن أسيد أمير مكة. وقيل: حج الناس أوزاعا.
حكاهما الواقدي. والله أعلم.
стр. 890
السنة التاسعة:
قيل: وفي ربيع الأول بعث رسول الله ﷺ جيشا إلى القرطاء، عليهم الضحاك بن سفيان الكلابي، ومعه الأصيد بن سلمة بن قرط، فلقوهم بالزج، زج لاوة، فدعوهم إلى الإسلام، فأبوا، فقاتلوهم فهزموهم، فلحق الأصيد أباه سلمة، فدعاه إلى الإسلام وأعطاه الأمان، فسبه وسب دينه، فعرقب الأصيد عرقوبي فرسه. ثم جاء رجل من المسلمين فقتل سلمة، ولم يقتله ابنه.
وفي ربيع الآخر، قيل: إن رسول الله ﷺ بلغه أن ناسا من الحبشة تراآهم أهل جدة.
فبعث النبي ﷺ علقمة بن مجزز المدلجي في ثلاث مائة، فانتهى إلى جزيرة في البحر، فهربوا منه.
وفي ربيع الآخر سرية علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه إلى الفلس؛ صنم طيئ، ليهدمه، في خمسين ومائة رجل من الأنصار، على مائة بعير وخمسين فرسًا، ومعه راية سوداء، ولواء أبيض. فشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر، فهدموا الفلس وخربوه، وملأوا أيديهم من السبي والنعم والشاء، وفي السبي أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام.
وفي هذه الأيام كانت سرية عكاشة بن محصن إلى أرض عذرة.
ذكر هذه السرايا شيخنا الدمياطي في "مختصر السيرة"، وأظنه أخذه
стр. 891
من كلام الواقدي.
وفي رجب: صلى رسول الله ﷺ ، قبل مسيره إلى تبوك على أصحمة النجاشي، صاحب الحبشة ﵁ وأصحمة بالعربي: عطية. وكان قد آمن بالله ورسوله. قال النبي ﷺ : "قد مات أخ لكم بالحبشة". فخرج بهم إلى المصلى، وصفهم، وصلى عليه.
قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة، قالت: لم مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور.
"ويكتب هنا الخبر الذي في السيرة قبل إسلام عمر".
وفي رجب غزوة تبوك:
قال ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم: أن رسول الله ﷺ قلما كان يخرج في غزوة إلا أظهر أنه يريد غيرها، إلا غزوة تبوك فإنه قال: أيها الناس، إني أريد الروم. فأعلمهم. وذلك في شدة الحر وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار؛ والناس يحبون المقام في ثمارهم.
فبينا رسول الله ﷺ ذات يوم في جهازه، إذ قال للجد بن قيس: "يا جد، هل لك في بنات بني الأصفر"؟. فقال: يا رسول الله، لقد علم قومي أنه ليس أحد أشد عجبا بالنساء مني، وإني أخاف إن رأيت نساء
стр. 892
بني الأصفر أن يفتنني، فائذن لي يا رسول الله. فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، وقال: "قد أذنت لك". فنزلت: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩] ، قال: وقال رجل من المنافقين: ﴿لا تَنْفِرُوا فِي الْحَر﴾ ، فنزلت ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ [التوبة: ٨١] .
ولم ينفق أحد أعظم من نفقة عثمان، وحمل على مائتي بعير.
قال عمرو بن مرزوق: حدثنا السكن بن أبي كريمة، عن الوليد بن أبي هشام، عن فرقد أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن خباب، قال: شهدت رسول الله ﷺ وحث على جيش العسرة، قال: فقام عثمان ﵁ فقال: يا رسول الله، علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. قال: ثم حث ثانية، فقام عثمان فقال: يا رسول الله، علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. ثم حض، أو قال: حث، الثالثة، فقام عثمان فقال: يا رسول الله، علي ثلاث مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. قال عبد الرحمن: أنا شهدت رسول الله ﷺ وهو يقول على المنبر: "ما على عثمان ما عمل بعد اليوم". أو قال: "بعدها". رواه أبو داود الطيالسي وغيره، عن السكن بن المغيرة.
وقال ضمرة، عن ابن شوذب، عن عبد الله بن القاسم، عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة، عن مولاه، قال: جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينارحين جهز جيش العسرة، ففرغها في حجر النبي ﷺ ، فجعل يقلبها ويقول: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم". قالها مرارا.
وقال بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله لهم الحملان، إذ هم معه في جيش العسرة؛
стр. 893
وهي غزوة تبوك. وذكر الحديث. متفق عليه.
وقال: وروى عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، في غزوة تبوك، قال: أمر النبي ﷺ المسلمين بالصدقة والنفقة في سبيل الله، فأنفقوا احتسابا، وأنفق رجال غير محتسبين. وحمل رجال من فقراء المسلمين، وبقي أناس. وأفضل ما تصدق به يومئذ أحد عبد الرحمن بن عوف؛ تصدق بمائتي أوقية، وتصدق عمر بمائة أوقية، وتصدق عاصم الأنصاري بتسعين وسقا من تمر. وقال النبي ﷺ لعبد الرحمن: "هل تركت لأهلك شيئا"؟ قال: نعم، أكثر مما أنفقت وأطيب. قال: كم؟ ما وعد الله ورسوله من الرزق والخير، ﵁.
وقال ابن إسحاق: ثم إن رجالا أتوا رسول الله ﷺ وهم البكاؤون، وهم سبعة منهم من الأنصار، سالم بن عمير، وعلبة بن زيد، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، وعمرو بن الحمام بن الجموح، وعبد الله بن المغفل؛ وبعضهم يقول: عبد الله بن عمرو المزني؛ وهرم بن عبد الله، والعرباض بن سارية الفزاري. فاستحملوا رسول الله ﷺ ، وكانوا أهل حاجة فقال: ﴿لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢] ، فبلغني أن يامين بن عمرو، لقي أبا ليلى وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان، فقال: ما يبكيكما؟ فقالا: جئنا رسول الله ﷺ ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج، فأعطاهما ناضحا له فارتحلاه وزودهما شيئا من لبن.
وأما علبة بن زيد فخرج من الليل فصلى ما شاء الله، ثم بكى،
стр. 894
وقال: اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في مال أو جسد أو عرض. ثم أصبح مع الناس فقال رسول الله ﷺ : "أين المتصدق هذه الليلة"؟ فلم يقم أحد.
ثم قال: "أين المتصدق؟ فليقم". فقام إليه فأخبره. فقال رسول الله ﷺ : "أبشر، فوالذي نفس محمد بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة". ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٠] ، فاعتذروا فلم يعذرهم الله. فذكر أنهم نفر من بني غفار.
قال: وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية عن رسول الله ﷺ ، حتى تخلفوا عن غير شك ولا ارتياب، منهم كعب بن مالك أخو بني سلمة، ومرارة بن الربيع أحد بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية أخو بني واقف، وأبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف. وكانوا رهط صدق.
ثم خرج رسول الله ﷺ يوم الخميس، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري. فلما خرج ضرب عسكره على ثنية الوداع، ومعه زيادة على ثلاثين ألفا من الناس. وضرب عبد الله بن أبي بن سلول عسكره على ذي حدة، عسكره أسفل منه، وما كان فيما يزعمون بأقل العسكرين. فلما سار رسول الله ﷺ ، تخلف عنه ابن سلول فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب. وخلف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه. فلما قال ذلك المنافقون، أخذ علي سلاحه ثم خرج حتى
أتى رسول الله ﷺ ، وهو نازل بالجرف، فقال: يا رسول الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتني تستثقلني وتخفف مني، قال: "كذبوا، ولكن خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي
стр. 895
وأهلك، ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي" فرجع إلى المدينة.
وأخرجا في الصحيحين من حديث الحكم بن عتيبة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: خلف رسول الله ﷺ عليا في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله، أتخلفني في النساء والصبيان؟ قال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي".
ورواه عامر، وإبراهيم، ابنا سعد بن أبي وقاص، عن أبيهما.
قال ابن إسحاق: حدثني بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن مسعود، قال: لما سار رسول الله ﷺ إلى تبوك، جعل لا يزال يتخلف الرجل فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان. فيقول: "دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه". حتى قيل: يا رسول الله، تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره. فقال: "دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه"، فتلوم أبو ذر بعيره فلما أبطأ عليه أخذ متاعة فجعله على ظهره، ثم خرج يتبع رسول الله ﷺ ماشيا. ونزل رسول الله ﷺ في بعض منازله، ونظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول الله، إن هذا لرجل يمشي على الطريق. فقال رسول الله ﷺ : "كن أبا ذر" فلما تأمله القوم قالوا: هو والله أبو ذر. فقال رسول الله ﷺ : "يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده". فضرب الدهر من ضربه، وسير أبو ذر إلى الربذة، فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه: إذا مت فاغسلاني وكفناني وضعاني على قارعة الطريق، فأول
стр. 896
ركب يمرون بكم فقولوا: هذا أبو ذر. فلما مات فعلوا به ذلك. فاطلع ركب، فما علموا به حتى كادت ركائبهم توطأ سريره، فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة. فقال:
ما هذا؟ فقيل: جنازة أبي ذر. فاستهل ابن مسعود يبكي، فقال: صدق رسول الله ﷺ : "يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده" فنزل، فوليه بنفسه حتى أجنه.
وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، أن أبا خيثمة، أحد بني سالم، رجع -بعد مسير رسول الله ﷺ أياما- إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في حائط قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعاما، فلما دخل قام على باب العريش، فقال: رسول الله في الضح والريح والحر، وأنا في ظل بارد وما بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء، في مالي مقيم؟ ما هذا بالنصف. ثم قال: لا، والله، لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ ، فهيئا لي زادا. ففعلتا. ثم قد ناضحه فارتحله. ثم خرج في طلب رسول الله ﷺ ، حتى أدركه بتبوك حين نزلها. وقد كان أدركه عمير بن وهب في الطريق فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك، قال أبو خيثمة لعمير: إن لي ذنبا، تخلف عني حتى آتي رسول الله ﷺ . ففعل. فسار حتى دنا مع رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "كن أبا خيثمة". فقالوا: هو والله أبو خيثمة، فأقبل وسلم، فقال له: "أولى لك أبا خيثمة". ثم أخبر رسول الله ﷺ الخبر، فقال له خيرًا.
وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة. وقاله موسى بن عقبة فذكرا نحوا من سياق ابن إسحاق.
وقال معمر، عبد الله بن محمد بن عقيل: في قوله -تعالى:
стр. 897
﴿اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَة﴾ [التوبة: ١١٧] قال: خرجوا في غزوة تبوك، الرجلان والثلاثة على بعير، وخرجوا في حر شديد، فأصابهم يوما عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم ليعصروا أكراشها ويشربوا ماءها.
وقال مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرف، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: كنا مع رسول الله ﷺ في مسير، فنفدت أزواد القوم، حتى هم أحدهم بنحر بعض حمائلهم ...
الحديث. رواه مسلم.
وقال الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد؛ شك الأعمش؛ قال: لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فننحر نواضحنا، فأكلنا وادهنا. فقال: "أفعل". فجاء عمر فقال: يا رسول الله، إن فعلت قل الظهر، ولكن ادع بفضل أزوادهم، وادع الله لهم فيها بالبركة. فقال: نعم. فدعا بنطع
فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم. فجعل الرجل يأتي بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير. فدعا رسول الله ﷺ بالبركة، ثم قال لهم: "خذوا في أوعيتكم". حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه، وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؛ لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة". أخرجه مسلم.
وقال عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، أنه قيل لعمر ﵁: حدثنا من شأن العسرة. فقال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان
стр. 898
الرجل ليذهب يلتمس الرجل، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن كان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده. فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا. قال: "أتحب ذلك"؟ قال: نعم. فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأظلت ثم سكبت، فملأوا ما معهم. ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت العسكر. حديث حسن قوي.
وقال مالك، وغيره، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: "لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم مثل ما أصابهم"؛ يعني أصحاب الحجر.
وقال سليمان بن بلال: حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: لما نزل رسول الله ﷺ الحجر، أمرهم أن لا يشربوا من بئرها، ولا يسقوا منها. فقالوا: قد عجنا منها واستقينا. فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين ويريقوا ذلك الماء. أخرجهما البخاري, ولمسلم مثل الأول منهما.
وقال عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله: أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ الحجر، فاستقوا من آبارها وعجنوا به. فأمرهم أن يهريقوا الماء، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي
стр. 899
كانت الناقة ترده. أخرجه مسلم.
وقال مالك، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، أن معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك، فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء. قال: فأخر الصلاة يوما، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا، ثم قال: "إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن
تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي. قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء. فسألهما رسول الله ﷺ : "هل مسستما من مائها شيئا"؟ قالا: نعم. فسبهما، وقال لهما ما شاء الله أن يقول. ثم غرفوا من العين قليلا قليلا، حتى اجتمع في شيء ثم غسل رسول الله ﷺ فيه وجهه، ثم أعاده فيها. فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس. ثم قال رسول الله ﷺ : "يوشك يا معاذ، إن طالت بك حياة، أن ترى ما ههنا قد ملئ جنانا". أخرجه مسلم.
وقال سليمان بن بلال، عن عمرو بن يحيى، عن عباس بن سهل، عن أبي حميد، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فأتينا وادي القرى، على حديقة لامرأة، فقال رسول الله ﷺ : "أخرصوها". فخرصناها وخرصها رسول الله ﷺ عشرة أوسق، وقال: "احصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله". فانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله ﷺ : "ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم فيها أحد منكم فمن كان له بعير فليشد عقاله". فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى
стр. 900
ألقته بجبلي طيئ، وجاء ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله ﷺ بكتاب، وأهدى له بغلة بيضاء، فكتب إليه رسول الله ﷺ ، وأهدى له بردا. ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى، فسأل رسول الله ﷺ المرأة عن حديقتها كم بلغ ثمرها، فقالت: بلغ عشرة أوسق. فقال: "إني مسرع فمن شاء منكم فليسرع". فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة. فقال: "هذه طابة، وهذا أحد، وهو جبل يحبنا ونحبه" أخرجه مسلم أطول منه؛ وللبخاري نحوه.
وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن عباس بن سهل: أن رسول الله ﷺ حين مر بالحجر استقوا من بئرها. فلما راحوا قال رسول الله ﷺ : "لا تشربوا من مائها، ولا توضأوا منه، وما كان من عجين عجنتموه منه فاعلفوه الإبل، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له". ففعل الناس ما أمرهم، إلا رجلين من بني ساعدة؛ خرج أحدهما لحاجته والآخر لطلب بعير له. فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الآخر فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيئ. فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: "ألم أنهكم"؟ ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي. وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله ﷺ حين قدم من تبوك. هذا مرسل منكر.
وقال ابن وهب: أخبرني معاوية، عن سعيد بن غزوان، عن أبيه: أنه نزل بتبوك وهو حاج، فإذا رجل مقعد، فسألته عن أمره، فقال: سأحدثك حديثا فلا تحدث به ما سمعت أني
حي: إن رسول الله ﷺ نزل بتبوك إلى نخلة، فقال: "هذه قبلتنا". ثم صلى إليها. فأقبلت، وأنا
стр. 901
غلام، أسعى حتى مررت بينه وبينها، فقال: "قطع صلاتنا، قطع الله أثره". قال: فما قمت عليها إلى يومي هذا.
وقال سعيد بن عبد العزيز، عن مولى ليزيد بن نمران، عن يزيد بن نمران، قال: رأيت مقعدا بتبوك. فقال: مررت بين يدي النبي ﷺ وأنا على حمار وهو يصلي. فقال: "اللهم اقطع أثره". فما مشيت عليهما بعد. أخرجهما أبو داود.
وقال يزيد بن هارون: أخبرنا العلاء أبو محمد الثقفي، قال: سمعت أنس بن مالك، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بتبوك، فطلعت الشمس، بضياء وشعاع ونور لم أرها طلعت فيما مضى، فأتى جبريل رسول الله ﷺ فقال: "يا جبريل، ما لي أرى الشمس اليوم طلعت بضياء ونور وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى"؟ فقال: ذاك أن معاوية بن معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه. قال: "وفيم ذاك"؟ قال: كان يكثر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ [الإخلاص: ١] ، بالليل والنهار، وفي ممشاه وقيامه وقعوده، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه؟ قال: "نعم"، قال: فصلى عليه، ثم رجع. العلاء منكر الحديث واه. ورواه الحسن الزعفراني، عن يزيد.
وقال يونس بن محمد: حدثنا صدقة بن أبي سهل، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، أن معاوية بن معاوية المزني توفي والنبي ﷺ في غزوة تبوك، فأتاه جبريل، فقال: هل لك في جنازة معاوية المزني؟ قال: "نعم". فقال: هكذا؛ ففرج له عن الجبال والآكام. فقام رسول الله ﷺ يمشي ومعه جبريل في سبعين ألف ملك، فصلى عليه. فقال: "يا
стр. 902
جبريل، بم بلغ هذا؟ " قال: بكثرة قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ [الأخلاص: ١] ، كان يقرؤها قائما وقاعدا وراكبا وماشيا. مرسل.
وقال ابن جوصا، وعلي بن سعيد الرازي، وأبو الدحداح أحمد بن محمد -واللفظ له- قالوا: حدثنا نوح بن عمرو بن حوى السكسكي، قال: حدثنا بقية، قال: حدثنا محمد بن زياد الألهاني، نا أبي أمامة، قال: نزل جبريل على رسول الله ﷺ وهو بتبوك، فقال: احضر جنازة معاوية بن معاوية المزني. فخرج رسول الله ﷺ ، وهبط جبريل في سبعين ألفا من الملائكة، فوضع جناحة على الجبال فتواضعت حتى نظروا إلى مكة والمدينة. فصلى رسول الله ﷺ وجبريل والملائكة. فلما قضى صلاته، قال: "يا جبريل، بم أدرك معاوية بن معاوية هذه المنزلة من الله؟ " قال: بقراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ قائما وقاعدا وراكبا وماشيا.
قلت: ما عملت في نوح جرحا، ولكن الحديث منكر جدا، ما أعلم أحدا تابعه عليه أصلا عن بقية. وقد أورد ابن حبان حديث العلاء، وقال: حديث منكر لا يتابع عليه. قال: ولا أحفظ في الصحابة من يقال له: معاوية بن معاوية. وقد سرق هذا الحديث شيخ من أهل الشام، ورواه عن بقية، عن محمد بن زياد، عن أبي أمامة الباهلي.
وقال عثمان بن الهيثم المؤذن: حدثنا محبوب بن هلال، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس، قال: جاء جبريل فقال: يا محمد، مات معاوية بن معاوية المزني، أفتحب أن تصلي عليه؟ قال: نعم. فضرب بجناحه فلم يبق من شجرة ولا أكمة إلا تضعضت له. فصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة، في كل صف سبعون ألف ملك. قلت: "يا
стр. 903
جبريل، بم نال هذا؟ " قال: بحبه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ يقرؤها قائما وقاعدا وذاهبا وجائيا، وعلى كل حال.
محبوب مجهول، لا يتابع على هذا.
وقال البكائي: قال ابن إسحاق: فلما أصبح الناس، يعني من يوم الحجر، ولا ماء معهم، دعا رسول الله ﷺ ، فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس. فحدثني عاصم، قال: قلت لمحمود بن لبيد: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال: نعم والله، لقد أخبرني رجال من قومي، عن رجل من المنافقين؛ لما كان من أمر الحجر ما كان؛ ودعا رسول الله ﷺ حين دعا فأرسل الله السحابة، فأمطرت. قالوا: أقبلنا عليه نقول: ويحك، هل بعد هذا شيء؟ قال: سحابة سائرة.
قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله ﷺ ، فضلت ناقته، فخرج أصحابه في طلبها، وعند رسول الله ﷺ رجل من أصحابه يقال له: عمارة بن حزم، وكان عقبيا بدريا، وكان في رحله زيد بن اللصيت القينقاعي كان منافقا، فقال زيد، وهو في رحل عمارة: أليس يزعم محمد أنه نبي، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله ﷺ ، وعمارة عنده: "إن رجلا قال كذا وكذا. وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله. وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي في شعب كذا، وقد حبستها شجرة بزمامها". فذهبوا فجاؤوا بها. فذهب عمارة إلى رحلة، فقال: والله عجب من شيئ حدثناه رسول الله ﷺ آنفا، من مقالة قائل أخبره الله عنه بكذا وكذا، فقال رجل ممن كان في رحل عمارة، ولم يحضر رسول الله ﷺ ، زيد والله، قال هذه المقالة قبل
стр. 904
أن تأتي. فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه، ويقول: أي عباد الله، إن في رحلي لداهية وما أشعر. اخرج أي عدو الله من رحلي. فزعم بعضهم أن زيدا تاب بعد ذلك.
قال ابن إسحاق: وقد كان رهط، منهم وديعة بن ثابت، ومخشن بن حمير؛ يشيرون إلى رسول الله ﷺ ، وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال؛ إرجافا وترهيبا للمؤمنين. فقال مخشن بن حمير: والله لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل منا مائة جلدة، وأنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه.
وقال رسول الله ﷺ ، فيما بلغني، لعمار بن ياسر: "أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا وكذا". فانطلق إليهم عمار، فقال ذلك لهم. فأتوا رسول الله ﷺ يعتذرون. فقال وديعة بن ثابت: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب. فنزلت: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] ، فقال مخشن بن حمير: يا رسول الله، قعد بي اسمي واسم أبي. فكان الذى عفي عنه في هذه الآية
стр. 905
مخشن؛ يعني ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] ، فتسمى عبد الرحمن، فسأل الله أن يقتله شهيدا لا يعلم بمكانه. فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر.
ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك، أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة، فصالح رسول الله ﷺ وأعطاه الجزية. وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية. وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابا، فهو عندهم.
وقال موسى بن عقبة: قال ابن شهاب: بلغ رسول الله ﷺ في غزوته تلك تبوكا ولم يتجاوزها. وأقام بضع عشرة ليلة؛ يعني بتبوك.
وقال يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر، قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة. أخرجه أبو داود. وإسناده صحيح.
فائدة: قال ابن إسحاق: أعطى رسول الله ﷺ أهل أيلة بردة مع كتابه، فاشتراها منهم أبو العباس عبد الله بن محمد -يعني السفاح- بثلاث مائة دينار.
وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان: أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك؛ رجل من كندة، وكان ملكا على دومة وكان نصرانيا. فقال رسول الله ﷺ لخالد: "إنك ستجده يصيد البقر". فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه منظر العين في ليلة مقمرة صافية، وهو على سطح ومعه امرأته، فأتت البقر تحك بقرونها باب القصر. فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله. قالت:
فمن يترك مثل هذا؟ قال: لا أحد. فنزل فأمر بفرسه فأسرج، وركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخوه
стр. 906
حسان. فتلقتهم خيل رسول الله ﷺ فأخذته وقتلوا أخاه، وقدموا به على رسول الله ﷺ ، فحقن دمه وصالحه على الجزية، وأطلقه.
فائدة: قال عبيد الله بن إياد بن لقيط، عن أبيه، عن قيس بن النعمان السكوني، قال: خرجت خيل رسول الله ﷺ فسمع بها أكيدر، فأتى النبي ﷺ ، فقال: بلغنا أن خيلك انطلقت فخفت على أرضي، فاكتب لي كتابا فإني مقر بالذي علي. فكتب له. فأخرج قباء من ديباج مما كان كسرى يكسوهم، فقال: يا محمد اقبل عني هذا هدية. قال: "ارجع بقبائك فإنه ليس يلبس هذا أحد إلا حرمه في الآخرة". فشق عليه أن رده. قال: "فادفعه إلى عمر". فأتى عمر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أحدث في أمر؟ فضحك النبي ﷺ حتى وضع يده، أو ثوبه، على فيه ثم قال: "ما بعثت به إليك لتلبسه، ولكن تبيعه وتستعين بثمنه".
وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، قال: ولما توجه رسول الله ﷺ قافلا إلى المدينة، بعث خالدا في أربع مائة وعشرين فارسا إلى أكيدر دومة الجندل، فلما عهد إليه عهده، قال خالد: يا رسول الله، كيف بدومة الجندل وفيها أكيدر، وإنما نأتيها في عصابة من المسلمين؟ فقال: "لعل الله يكفيكه". فسار خالد، حتى إذا دنا من دومة نزل في أدبارها.
فبينما هو وأصحابه في منزلهم ليلا، إذ أقبلت البقر حتى جعلت تحتك بباب الحصن، وأكيدر يشرب ويتغنى بين امرأتيه. فاطلعت إحداهما فرأت البقر، فقالت: لم أر كالليلة في اللحم.
فثار وركب فرسه، وركب غلمته وأهله، فطلبها. حتى مر بخالد وأصحابه فأخذوه ومن معه فأوثقوهم. ثم قال خالد لأكيدر: أرأيت إن أجرتك تفتح لي دومة؟ قال: نعم. فانطلق حتى دنا منها، فثار أهلها وأرادوا أن
стр. 907
يفتحوا له، فأبى عليهم أخوه. فلما رأى ذلك قال لخالد: أيها الرجل، حلني، فلك الله لأفتحنها لك، إن أخي لا يفتحها ما علم أني في وثاقك. فأطلقه خالد، فلما دخل أوثق أخاه وفتحها لخالد، ثم قال: اصنع ما شئت. فدخل خالد وأصحابه.
ثم قال: يا خالد، إن شئت حكمتك، وإن شئت حكمتني. فقال خالد: بل نقبل منك ما أعطيت. فأعطاهم ثمان مائة من السبي وألف بعير وأربع مائة درع وأربع مائة رمح.
وأقبل خالد بأكيدر إلى رسول الله ﷺ ، وأقبل معه يحنة بن رؤبة عظيم أيلة. فقدم على رسول الله ﷺ وأشفق أن يبعث إليه كما بعث إلى أكيدر، فاجتمعا عند رسول الله ﷺ وقاضاهما على قضيته؛ على دومة وعلى تبوك وعلى أيلة وعلى تيماء، وكتب لهم به كتابا، ورجع قافلا إلى المدينة.
ثم ذكر عروة قصة في شأن جماعة من المنافقين هموا بأذية رسول الله ﷺ فأطلعه الله على كيدهم. وذكر بناء مسجد الضرار.
وذكر ابن إسحاق، عن ثقة من بني عمرو بن عوف: أن رسول الله ﷺ أقبل من تبوك حتى نزل بذي أوان؛ بينه وبين المدينة ساعة من نهار. وكان مسجد الضرار قد أتوه، وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأتي فتصلي لنا فيه. فقال: إني على جناح سفر، فلو رجعنا -إن شاء الله- أتيناكم. فلما نزل رسول الله ﷺ بذي أوان، أتاه خبر السماء، فدعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي، فقال: "انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وأحرقاه". فخرجنا سريعين حتى دخلاه وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه. ونزل فيه من القرآن ما نزل.
стр. 908
وقال أبو الأصبغ عبد العزيز بن يحيى الحراني: حدثنا بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن حذيفة، قال: كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله ﷺ أقود به، وعمار يسوقه؛ أو قال: عمار يقوده وأنا أسوقه؛ حتى إذا كنا بالعقبة، فإذا أنا باثني عشر راكبا قد اعترضوه فيها، فأنبهت رسول الله ﷺ ؛ فصرخ بهم فولوا مدبرين. فقال لنا رسول الله ﷺ : "هل عرفتم القوم"؟ قلنا: لا، قد كانوا ملثمين. قال: "هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، أرادوا أن يزحموني في العقبة لأقع". قلنا: يا رسول الله، أولا تبعث عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: "لا، أكره أن يتحدث العرب أن محمدا قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم". ثم قال: "اللهم ارمهم بالدبيلة". قلنا: يا رسول الله، وما الدبيلة؟ قال: "شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك".
وقال قتادة، عن أبي نضرة، عن قيس بن عباد، في حديث ذكره عن عمار بن ياسر، أن حذيفة حدثه، عن النبي ﷺ أنه قال: "في أصحابي اثنا عشر منافقا، منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط". أخرجه مسلم.
وقال عبد الله بن صالح المصري: حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ [التوبة: ١٠٧] ، قال: أناس بنوا مسجدا فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم واستمدوا ما استطعتم من قوة وسلاح، فإني ذاهب إلى قيصر فآتي بجند من الروم، فأخرج محمدا وأصحابه. فلما فرغوا من مسجدهم أموا النبي
стр. 909
صلى الله عليه وسلم، فقالوا: نحب أن تصلي فيه. فنزلت: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة] .
وقال ابن عيينة، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: أذكر أنا حين قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك، خرجنا مع الصبيان نتلقاه إلى ثنية الوداع. أخرجه البخاري.
وقال غير واحد، عن حميد، عن أنس: أن رسول الله ﷺ لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة، قال: "إن بالمدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد، إلا كانوا معكم فيه". قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: "نعم، حبسهم العذر". أخرجه البخاري.
أمر الذين خلفوا:
قال شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب، أن بني قريظة كانوا حلفاء لأبي لبابة، فاطلعوا إليه، وهو يدعوهم إلى حكم النبي ﷺ فقالوا: يا أبا لبابة، أتأمرنا أن ننزل؟ فأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح. فأخبر عنه رسول الله ﷺ بذلك فقال له: لم تر عيني؟ فقال له رسول الله ﷺ : "أحسبت أن الله غفل عن يدك حين تشير إليهم بها إلى حلقك"؟ فلبث حينا ورسول الله ﷺ عاتب عليه.
ثم غزا رسول الله ﷺ تبوكا، فتخلف عنه أبو لبابة فيمن تخلف. فلما قفل رسول الله ﷺ جاءه أبو لبابة يسلم عليه، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، ففزع أبو لبابة، فارتبط بسارية التوبة، التي عند باب أم سلمة،
стр. 910
سبعا بين يوم وليلة، في حر شديد، لا يأكل فيهن ولا يشرب قطرة. وقال: لا يزال هذا مكانى حتى أفارق الدنيا أو يتوب الله علي. فلم يزل كذلك حتى ما يسمع الصوت من الجهد، ورسول الله ﷺ ينظر إليه بكرة وعشية. ثم تاب الله عليه فنودي: إن الله قد تاب عليك. فأرسل إليه رسول الله ﷺ ليطلق عنه رباطه، فأبى أن يطلقه عند أحد إلا رسول الله ﷺ . فجاءه فأطلق عنه بيده. فقال أبو لبابة حين أفاق: يا رسول الله، إني أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأنتقل إليك فأساكنك، وإني أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله. فقال: "يجزئ عنك الثلث". فهجر دار قومه وتصدق بثلث ماله، ثم تاب فلم ير منه بعد ذلك في الإسلام إلا خير، حتى فارق الدنيا. مرسل.
وقال ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] ، قال: هو أبو لبابة، إذ قال لقريظة ما قال، وأشار إلى حلقه بأن محمدا
يذبحكم إن نزلتم على حكمه. وزعم محمد بن إسحاق أن ارتباطه كان حينئذ. ولعله ارتبط مرتين.
وقال عبد الله بن صالح: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] ، قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن النبي ﷺ ، في غزوة تبوك. فلما حضر رجوع رسول الله ﷺ أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر النبي ﷺ عليهم. فلما رآهم قال: "من هؤلاء"؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول حتى تطلقهم وتعذرهم. قال: "وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين". فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا فأنزلت: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾
стр. 911
[التوبة: ١٠٢] ، و"عسى" من الله واجب.
فلما نزلت، أرسل إليهم فأطلقهم وعذرهم. ونزلت؛ إذ بذلوا أموالهم: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ، وروى نحوه عطية العوفي، عن ابن عباس.
وقال عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن أباه، قال: سمعت كعبا يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك.
قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط، إلا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت عن غزوة بدر، ولم يعاتب الله أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر، يعني أذكر في الناس منها.
وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة. والله ما اجتمعت عندي قبلها راحلتان حتى جمعتهما تلك الغزوة. ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورى بغيرها. حتى كانت تلك الغزوة غزاها في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، وأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ؛ يريد الديوان. قال كعب: فمل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن سيخفي له
ما لم ينزل فيه وحي. وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعر. فتجهز والمسلمون معه.
стр. 912
وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم ولم أقض شيئا، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردته. فلم يزل يتمادى بي حتى أستمر بالناس الجد. فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا. فقلت: أتجهز بعده يوما أو يومين ثم ألحقهم. فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا. فلم يزل ذلك يتمادي بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك. فكنت إذا خرجت في الناس أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا من النفاق؛ أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء. فلم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، قال وهو جالس في القوم: "ما فعل كعب"؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه براده ينظر في عطفه. فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا إلا خيرا.
فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلا من تبوك، حضرني همي فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي. فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد أظل قادما زاح عني بالباطل، وعرفت أني لا أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه. وأصبح قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا. فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله. فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال: تعال. فجئت أمشي حتى جلست بين يديه. فقال: " ما خلفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك" فقلت: بلى، يا رسول الله، إني والله لو جلست
стр. 913
عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كاذبا ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخط علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو عفو الله. لا، والله ما كان لي من عذر، ووالله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.
قال رسول الله ﷺ : "أما هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله فيك". فقمت، وثار رجال من بني سلمة فقالوا: لا والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، أعجزت أن لا تكون
أعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما أعتذر إليه المخلفون، قد كان كافيك لذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك. فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي. ثم قلت: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت. وقيل لهما مثل ما قيل لك. فقلت: من هما؟ فقالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي. فذكروا رجلين صالحين قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي.
ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، واجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيتهما، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد. وآتي رسول الله ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم عليه فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة المسلمين تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي؛ فسلمت عليه، فوالله ما رد. فقلت: يا أبا
стр. 914
قتادة، أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، فعدت له فسكت، فناشدته الثالثة، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار.
قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إلي. حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان؛ وكنت كاتبا؛ فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. وهذا أيضا من البلاء، فتيممت به التنور فسجرته به، حتى إذا مضى لنا أربعون ليلة من الخميس إذا رسول رسول الله ﷺ فقال: إن رسول الله ﷺ أمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل بها؟ فقال: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها. وأرسل إلي صاحبي بمثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله هذا الأمر.
قال كعب: فجاءت امرأة هلال رسول الله ﷺ ، فقالت: إن هلالا شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ فقال: لا، ولكن لا يقربنك. قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومي هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله في امرأتك؟ فقلت: لا والله، وما يدريني ما يقول لي رسول الله ﷺ إن استأذنته فيها، وأنا رجل شاب. فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة. فلما
أن صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التى ذكر الله منا؛ قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت؛ سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع: يا كعب بن مالك، أبشر. فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء الفرج.
стр. 915
وآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا، حين صلى صلاة الفجر. فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون. وركض رجل إلي فرسا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع إلي من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت ثوبي فكسوتهما إياه ببشراه، ووالله ما أملك غيرهما يومئذ. واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله ﷺ ، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة؛ يقولون: ليهنك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة. وقال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه بالسرور: "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك". قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: "لا، بل من عند الله".
وكان رسول الله ﷺ إذا بشر ببشارة يبرق وجهه كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى الرسول. قال: "أمسك بعض مالك فهو خير لك". فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت. فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين ابتلاه الله -تعالى- في صدق الحديث أحسن مما ابتلاني، ما تعمدت مذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ كذبًا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. وأنزل الله -تعالى- على رسوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين﴾ [التوبة: ١١٧- ١١٩] ، فوالله ما أنعم الله علي من نعمة، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ يومئذ، أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله -تعالى- قال للذين كذبوه، حين
следующие страницы →