← Тараджим

Тараджим · id 10906

سير أعلام النبلاء - ط الرسالة

شمس الدين الذهبي

Полный текст (14 211 стр.). Показаны 9416–9455 · переход к 9421.

стр. 9416

وَوَقع بَعْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَاعيَيه لِكَوْنِهِ مَا أَنْصَفَهُمَا، وَلاَ جَعَلَ لَهُمَا كَبِيْرَ مَنْصِب، فَشَكَّكَا فِيْهِ خوَاصَّهُمَا، وَتفرَّقَتْ كلمَةُ الجنودِ، وَوَقَعَ بينهُم مَصَافٌّ (١) . فَانتصر عُبَيْد اللهِ، وَذَبَحَ الأَخوينِ (٢) . وَدَانَتْ لَهُ الأَممُ. وَأَنشَأَ مَدِيْنَةَ المَهْدِيّةِ (٣) ، وَلَمْ يتوجَّه لِحَرْبِهِ جَيْشٌ لبُعْدِ الشُّقَّة وَلوَهْنِ شَأْنِ الخِلاَفَة بِإِمَارَةِ المُقْتَدِرِ (٤) . وَجَهَّزَ مِنَ المَغْرِب وَلَدَه ليَأْخذ مِصْرَ، فَلَمْ يتمّ لَهُ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو الحَسَنِ القَابِسيُّ، صَاحِبُ (الملخَّص (٥)) :إِنَّ الَّذِيْنَ قَتَلَهُم عُبَيْدُ اللهِ، وَبنوهُ أَرْبَعَة آلاَفٍ فِي دَارِ النَّحْرِ فِي العَذَابِ مِنْ عَالِمٍ وَعَابِدٍ ليرُدَّهُمْ عَنِ التَّرَضِّي عَنِ الصَّحَابَةِ، فَاختَارُوا المَوْتَ. فَقَالَ سهل الشَّاعِر: وَأَحَلَّ دَارَ النَّحْرِ فِي أَغْلاَلِهِ ... مَنْ كَانَ ذَا تَقْوَى وَذَا صلوَاتِ (٦) وَدُفِنَ سَائرُهُم فِي المُنَسْتِيْر (٧) ، وَهُوَ بلسَان الفرَنْجِ: المعْبَدُ الكَبِيْرُ. وكَانَتْ دَوْلَةُ هَذَا بِضْعاً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً. حَكَى الوَزِيْرُ القِفْطِيُّ (٨) فِي سيرَةِ بنِي عُبَيْد، قَالَ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الشِّيْعِيُّ أَحَدَ الدَّوَاهِي، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَمَعَ مَشَايِخ كُتَامَة ليشكِّكَهُم فِي الإِمَامِ.

стр. 9417

فَقَالَ: إِنَّ الإِمَامَ كَانَ بسَلَمِيَّة قَدْ نَزَلَ عِنْد يهودِي عَطَّار يُعْرَف بعُبَيْد، فَقَامَ بِهِ وَكَتَمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ مَاتَ عُبَيْد عَنْ وَلَدَيْنِ فَأَسْلَمَاهُمَا وَأُمُّهُمَا عَلَى يَد الإِمَام، وَتَزَوَّجَ بِهَا، وَبَقِيَ مُخْتَفِياً. وَبَقِيَ الأَخوَان فِي دُكَّانِ العِطْر. فَوَلَدَتْ لِلإِمَامِ ابْنينِ، فَعِنْدَ اجتمَاعِي بِهِ سَأَلْتُهُ أَيُّ الاثْنَيْن إِمَامِي بَعْدَك؟ فَقَالَ: مَنْ أَتَاكَ مِنْهُمَا فَهُوَ إِمَامُك. فسيَّرْتُ أَخِي لإِحْضَارهِمَا، فَوَجَدَ أَبَاهُمَا قَدْ مَاتَ هُوَ وَابْنُهُ الوَاحِدُ. فَأَتَى بِهَذَا. وَقَدْ خِفْتُ أَنْ يَكُوْنَ أَحَدَ وَلديّ عُبَيْد. فَقَالُوا: وَمَا أَنكرتَ مِنْهُ؟ قَالَ: إِنَّ الإِمَام يَعْلَمُ الكَائِنَاتِ قَبْلَ وَقوعهَا. وَهَذَا قَدْ دَخَلَ مَعَهُ بِوَلَدَيْنِ. وَنَصَّ الأَمْر فِي الصَّغِيْرِ بَعْدَهُ، وَمَاتَ بَعْد عِشْرِيْنَ يَوْماً - يَعْنِي: الوَلَد -. وَلَوْ كَانَ إِمَاماً لَعَلِمَ بِموته. قَالُوا: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: وَالإِمَامُ لاَ يَلْبَسُ الحَرِيرَ وَالذَّهبَ. وَهَذَا قَدْ لَبِسَهُماً. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَ إِلاَّ مَا تحقَّق أَمرَهُ. وَهَذَا قَدْ وَطِئَ نسَاء زِيَادَة الله، يَعْنِي: مُتَوَلِّي المَغْرِبِ. قَالَ: فَشَكَّكَتْ كُتَامَةُ فِي أَمرِهِ. وَقَالُوا: فَمَا تَرَى؟ قَالَ: قبضُه ثُمَّ نُسيِّر مَنْ يكشِفُ لَنَا عَنْ أَوْلاَدِ الإِمَامِ عَلَى الحَقِيْقَة. فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ. وَخَفَّ كَبِيْر كُتَامَة فواجَهَ المَهْدِيَّ، وَقَالَ: قَدْ شَكَكْنَا فِيك، فَائِتِ بآيَةٍ. فَأَجَابَهُ بِأَجوبَةٍ، قَبِلَهَا عَقْلُه. وَقَالَ: إِنَّكُم تيقَّنْتُم، وَاليقينُ لاَ يَزُول إِلاَّ بيقينٍ لاَ بشكٍ. وَإِنَّ الطِّفْلَ لَمْ يَمُتْ، وَإِنَّهُ إِمَامُك، وَإِنَّمَا الأَئِمَّة يَنْتَقِلُوْنَ، وَقَدِ انْتَقَلَ لإِصْلاَحِ جهَةٍ أُخْرَى. قَالَ: آمنتُ، فَمَا لُبْسَك الحَريرَ؟ قَالَ: أَنَا نَائِب الشَّرْع أَحلِّل لنفسِي مَا أُرِيْد، وَكُلُّ الأَمْوَالِ لِي، وَزِيَادَة الله كَانَ عَاصياً. وَأَمَّا عَبْدُ اللهِ الشِّيْعِيُّ وَأَخُوْهُ، فَإِنهُمَا أَخذَا يُخَبّبَان (١) عَلَيْهِ فَقَتَلَهُمَا.

стр. 9418

وَخَرَجَ عَلَيْهِ خَلْقٌ مِنْ كُتَامَةَ، فَظَفِرَ بحيلَةٍ وَقَتَلَهُم (١) . وَخَرَجَ عَلَيْهِ أَهْلُ طَرَابُلُس، فَجَهَّزَ وَلدَه القَائِمَ، فَافتتحهَا عَنْوَةً، وَافتَتَحَ بَرْقَة (٢) ، ثُمَّ افتَتَح صَقِلِّيَّة (٣) ، وَجَهَّزَ القَائِمَ مرَّتين لأَخذ مِصْرَ، وَيَرْجِعُ مهزوماً (٤) . وَبنَى المهديَّةَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلاَثِ مائَةٍ (٥) . وَخَلَّفَ ستَةَ بَنِينَ، وَسَبْعَ بنَاتٍ. وآخرهُم وَفَاةً أَحْمَد، عَاشَ إِلَى سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ بِمِصْرَ. وفِي أَيَّامِ المَهْدِيِّ، عَاثت القَرَامِطَةُ بِالبحرين، وَأَخَذُوا الحجيجَ، وَقتلُوا وَسبَوا، وَاسْتبَاحُوا حَرَمَ الله، وَقلَعُوا الْحجر الأَسودَ. وَكَانَ عُبَيْدُ اللهِ يُكَاتِبهُم، وَيحرِّضُهُم، قَاتَلَه اللهُ. وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي (تَارِيْخِ الإِسْلاَمِ) أَنَّ فِي سَنَةِ سَبْعِيْنَ وَمائَتَيْنِ ظهرتْ دَعْوَةُ المَهْدِيّ بِاليَمَنِ، وَكَانَ قَدْ سَيَّرَ دَاعِيينِ أَبَا القَاسِمِ بنَ حَوْشَب الكُوْفِيَّ، وَأَبَا الحُسَيْنِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ ابْنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ بنِ الصَّادِق جَعْفَر بن مُحَمَّد (٦) . وَنَقَلَ المُؤَيَّد الحَمَوِيُّ فِي (تَارِيْخِهِ (٧)) ، أَنَّ المَهْدِيَّ اسْمُهُ فِيْمَا

стр. 9419

وَكَانَ قِيْلَ: سَعِيْدُ بنُ الحُسَيْنِ، وَأَنَّ أَبَاهُ الحُسَيْنَ قَدِمَ سَلَمِيَّة. فَوُصِفَتْ لَهُ امْرَأَةُ يهودِي حدَّاد، قَدْ مَاتَ عَنْهَا (١) . فتَزَوَّجَهَا الحُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ القَدَّاح هَذَا وَكَانَ لَهَا وَلَدٌ مِنَ اليَهوديِّ، فَأَحَبَّه الحُسَيْنُ وَأَدَّبَه. وَلَمَّا احْتُضِرَ عَهِدَ إِلَيْهِ بِأُمُورٍ، وَعَرَّفَه أَسرَارَ البَاطنيَّة، وَأَعطَاهُ أَمْوَالاً، فَبثَّ لَهُ الدُّعَاة. وَقَدِ اخْتلف المُؤرخون، وَكثر كَلاَمُهُم فِي قِصَّةِ عُبَيْدِ اللهِ القَدَّاحِ بنِ مَيْمُوْنِ بنِ دَيْصَان. فَقَالُوا: إِن دَيْصَان هَذَا هُوَ صَاحِبُ كتَاب (المِيزَان) ، فِي الزَّنْدَقَة. وَكَانَ يتولَّى أَهْلَ البَيْتِ. وَقَالَ: وَنَشَأَ لمَيْمُوْنَ بنِ دَيْصَان ابْنُه عَبْد اللهِ، فَكَانَ يَقْدَحُ العينَ، وَتعلَّم مِنْ أَبِيْهِ حِيَلاً وَمَكْراً. سَار عَبْدُ اللهِ فِي نَوَاحِي أَصْبَهَانَ، وَإِلَى البَصْرَةِ. ثُمَّ إِلَى سَلَمِيَّة يدعُو إِلَى أَهْلِ البَيْتِ، ثُمَّ مَاتَ، فَقَامَ ابْنُهُ أَحْمَدُ بَعْدَهُ، فَصَحِبَه رُسْتُم بنُ حَوْشَب النَّجَّار الكُوْفِيُّ، فَبَعَثَه أَحْمَدُ إِلَى اليَمَنِ يدعُو لَهُ، فَأَجَابوهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللهِ الشِّيْعِيُّ مِنْ صَنْعَاء، وَكَانَ بِعَدَنَ، فَصَحِبَه، وَصَارَ مِنْ كُبَرَاء أَصْحَابِهِ، وَكَانَ لأَبِي عَبْدِ اللهِ هَذَا دَهَاء وَعُلُوْمٌ وَذكَاء، وَبَعَثَ ابْنُ حَوْشَب دُعَاةً إِلَى المَغْرِب، فَأَجَابَتْه كُتَامَةُ، فَنَفَّذَ ابْنُ حَوْشَب إِلَيْهِم أَبَا عَبْدِ اللهِ وَمَعَهُ ذهبٌ كَثِيْرٌ فِي سَنَةِ ثَمَانِيْنَ وَمائَتَيْنِ. فَصَارَ مِنْ أَمْره مَا صَارَ (٢) . فهَذَا قَوْلٌ، وَنرجِعُ إِلَى قَوْلٍ آخر هُوَ أَشهر. فسيَّر - أَعنِي: وَالد المَهْدِيّ - أَبَا عَبْدِ اللهِ الشِّيْعِيَّ، فَأَقَامَ بِاليَمَنِ أَعْوَاماً، ثُمَّ حَجَّ، فصَادَفَ طَائِفَةٌ مِنْ كُتَامَة حُجَّاجاً، فَنَفَقَ عَلَيْهِم، وَأَخذوهُ إِلَى المَغْرِب، فَأَضلَّهُم (٣) ، وَكَانَ

стр. 9420

يَقُوْلُ: إِنَّ لظوَاهِرِ الآيَاتِ وَالأَحَادِيْثِ بواطنَ، هِيَ كَالّلبِّ، وَالظَّاهِرُ كَالقِشْر، وَقَالَ: لِكُلِّ آيَةٍ ظهرٌ وَبطنٌ. فَمَنْ وَقَفَ عَلَى عِلْمِ البَاطِنِ، فَقَدِ ارْتَقَى، عَنْ رُتْبَةِ التَّكَالِيفِ (١) . وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللهِ ذَا مَكْرٍ وَدَهَاءٍ وَحِيَل وَرَبْط. وَلَهُ يدٌ فِي العِلْمِ. فَاشْتَهَرَ بِالقَيْرَوَانِ، وَبَايَعَتْهُ البربرُ، وَتَأَلَّهوهُ لزُهده، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُتَوَلِّي إِفْرِيْقِيَة يخوِّفُه وَيُهدَّدُه، فَمَا أَلوَى عَلَيْهِ. فَلَمَّا هَمَّ بقبضِهِ، اسْتَنْهَضَ الَّذِيْنَ تَبِعُوهُ، وَحَارَبَ فَانتصَرَ مَرَّاتٍ، وَاسْتفحَلَ أَمرُهُ، فَصَنَعَ صَاحِبُ إِفْرِيْقِيَة صُنْعَ مُحَمَّدِ بنِ يَعفُر صَاحِبِ اليَمَن، فَرَفَضَ الإِمَارَة، وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ، وَلبِسَ الصُّوف، وَردَّ المَظَالِم، وَمَضَى غَازياً نَحْو الرُّوْم، فتملَّك بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو العَبَّاسِ بنُ إِبْرَاهِيْمَ بنِ أَحْمَدَ، وَوصل الأَبُ إِلَى صَقِلِّيَّة، وَمِنْهَا إِلَى طَبَرْمِين (٢) فَافْتَتَحهَا. ثُمَّ مَاتَ مَبْطُوناً فِي ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِيْنَ وَمائَتَيْنِ. كَانَتْ دولتُه ثَمَانِياً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً، وَدُفِنَ بصَقليَة (٣) . وشُهِرَ الشِّيْعِيُّ بِالمَشْرقِيِّ، وَكَثُرَتْ جيوشُه، وَزَادَ الطَّلَبُ لعُبَيْدِ اللهِ، فَسَارَ بِابْنِهِ وَهُوَ صَبِيٌّ وَمَعَهُمَا أَبُو العَبَّاسِ أَخُو الدَّاعِي الشِّيْعِيّ فتحيّلُوا حَتَّى وَصلوا إِلَى طَرَابُلُس المَغْرِب، وَتَقَدَّمَهُمَا أَبُو العَبَّاسِ إِلَى القَيْرَوَان، وَبَالَغَ زِيَادَةُ اللهِ الأَغْلَبِيُّ (٤) فِي تَطَلُّبِهِمَا، فَوَقَعَ بِأَبِي العَبَّاسِ فَقرَّره، فَأَصرَّ عَلَى الإِنْكَارِ، فَحَبَسَهُ برَقَّادَةَ. وَعَرَفَ بِذَلِكَ المَهْدِيُّ فَعَدَلَ إِلَى سِجِلْمَاسَةَ، وَأَقَامَ بِهَا يتَّجِر، فَعَلِمَ بِهِ زِيَادَةُ الله، وَقَبَضَ مُتَوَلِّي البَلَد عَلَى المَهْدِيِّ وَابْنِهِ. ثُمَّ

стр. 9421

التقَى زِيَادَةُ اللهِ وَالشِّيْعِيُّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَينتصر الشِّيْعِيُّ، وَانهَزَمَ مِنَ السجنِ أَبُو العَبَّاسِ، ثُمَّ أُمْسِكَ (١) . وَأَمَّا زِيَادَةُ الله فَأَيس مِنَ المَغْرِب، وَلحِقَ بِمِصْرَ. وَأَقبلَ الشِّيْعِيُّ وَأَخُوْهُ فِي جَمْعٍ كَثِيْرٍ. فَقَصَدَا سِجِلْمَاسَةَ، فَبَرَزَ لَهُمَا مُتَوَلِّيهَا اليَسَع، فَانهزمَ جَيْشُهُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ وَمائَتَيْنِ، وَأَخرج الشِّيْعِيُّ عُبَيْدَ اللهِ وَابْنَه، وَاسْتَوْلَى عَلَى البِلاَد، وَتمهَّدَتْ لَهُ المَغْرِبُ (٢) . ثمَّ سَارَ فِي (٣) أَرْبَعِيْنَ أَلفاً براً وَبَحْراً يقصِدُ مِصْرَ، فَنَزَلَ لَبْدَة، وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَة مرَاحِل مِنَ الإِسْكَنْدَرِيَّة. فَفَجَّرَ تِكْين الخَاصَّة (٤) عَلَيْهِم النّيلَ فَحَال المَاءُ بينَهُم وَبَيْنَ مِصْرَ (٥) . قَالَ المُسَبِّحِيّ (٦) :فَكَانَتْ وَقْعَةُ بَرْقَةَ، فَسَلَّمَهَا المَنْصُوْرُ (٧) ، وَانهزَمَ إِلَى مِصْرَ. وَفِيْهَا: سَارَ حباسَة الكُتَامِيُّ فِي عَسْكَرٍ عَظِيْمٍ طليعَةً بَيْنَ يَدي ابْن المَهْدِيِّ. فَوَصَلَ إِلَى الجِيزَة، فتَاهُ عَلَى المَخَاضَة، وَبَرَزَ إِلَيْهِ عَسْكَرٌ وَمَنَعُوهُ. وَكَانَ النِّيلُ زَائِداً، فَرَجَعَ جَيْشُ المَهْدِيِّ وَعَاثُوا وَأَفسدُوا (٨) .

стр. 9422

ثمَّ قصدُوا مِصْرَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلاَثِ مائَةٍ مَعَ القَائِم، فَأَخَذَ الإِسْكَنْدَرِيَّةَ، وَكَثِيْراً مِنَ الصَّعيد. ثُمَّ (١) رَجَعَ، ثُمَّ أَقبلُوا فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَملكُوا الجِيزَةَ. وفِي نسَب المَهْدِيِّ أَقوَالٌ: حَاصِلُهَا أَنَّهُ لَيْسَ بهَاشمِيٍّ وَلاَ فَاطمِيِّ. وَكَانَ مَوْتُهُ قِي نِصْفِ ربيعٍ الأَوَّلِ سنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. وَلَهُ اثنتَانِ وَسِتُّوْنَ سَنَةً. وَكَانَتْ دولتُهُ خمساً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً وَأَشهراً (٢) . وقَام بَعْدَهُ ابْنُهُ القَائِم. نَقَلَ القَاضِي عِيَاض فِي تَرْجَمَة أَبِي مُحَمَّدٍ الكسترَاتِي (٣) ، أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ أَكْرَهَهُ بَنو عُبَيْد عَلَى الدُّخول فِي دَعْوَتهم أَوْ يُقْتَل؟ فَقَالَ: يختَارُ القَتْلَ وَلاَ يُعذر، وَيَجِبُ الفِرَار، لأَنَّ المُقَامَ فِي مَوْضِعٍ يُطلَب مِنْ أَهلِهِ تعطيلُ الشَّرَائِعِ، لاَ يَجُوْزُ (٤) . قَالَ القَاضِي عِيَاض: أَجمع العُلَمَاءُ بِالقَيْرَوَان، أَنَّ حَالَ بَنِي عُبَيْد حَال المرتَدِّينَ وَالزَّنَادِقَةِ (٥) . وَقِيْلَ: إِنَّ عُبَيْدَ اللهِ تملَّكَ المَغْرِب، فَلَمْ يَكُنْ يُفْصِحُ بِهَذَا المَذْهب إِلاَّ لِلْخوَاصِّ. فَلَمَّا تَمَكَّنَ أَكثَرَ القَتْلَ جِدّاً، وَسبَى الحريمَ، وَطَمِعَ فِي أَخذِ مِصْرَ.

стр. 9423

٦٦ - القَائِمُ أَبُو القَاسِمِ مُحَمَّدُ ابنُ المَهْدِيِّ عُبَيْدِ اللهِ * صَاحِبُ المَغْرِبِ، أَبُو القَاسِمِ مُحَمَّدُ ابنُ المَهْدِيِّ عُبَيْدِ اللهِ. مَوْلِدُهُ: بسَلَمِيَّةَ، فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِيْنَ وَمائَتَيْنِ (١) . وَدَخَلَ المَغْرِبَ مَعَ أَبِيْهِ، فَبُوْيِعَ هَذَا عِنْد موت أَبِيْهِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. وَكَانَ مَهِيْباً شُجَاعاً، قَلِيْلَ الخَيْر، فَاسِد العقيدَة. خَرَجَ عَلَيْهِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ أَبُو يَزِيْدَ مخْلَد بن كَيْدَاد البَرْبَرِيُّ. وَجَرَتْ بينهُمَا ملاَحمُ، وَحَصَره مَخْلَد بِالمهديَّة، وضيَّق عَلَيْهِ، وَاسْتَوْلَى عَلَى بلاَدِهِ (٢) . ثُمَّ وُسْوِسَ القَائِم، وَاخْتَلَطَ وَزَال عَقْلُه، وَكَانَ شيطَاناً مريداً يتزَنْدَق. ذَكَرَ القَاضِي عَبْدُ الجَبَّارِ المُتَكَلِّم، أَنَّ القَائِمَ أَظهر سبَّ الأَنْبِيَاء. وَكَانَ مُنَادِيه يَصيح: العنُوا الغَار وَمَا حَوَى (٣) . وَأَبَادَ عِدَّةً مِنَ العُلَمَاءِ. وَكَانَ يُرَاسل قَرَامِطَةَ الْبَحْرين، وَيَأْمرهُمُ بِإِحرَاق المَسَاجِد وَالمَصَاحِف. فَتَجمعت

стр. 9424

الإِبَاضِيَّةُ (١) وَالبربر عَلَى مَخْلد، وَأَقْبَلَ، وَكَانَ نَاسِكاً قَصِيْر الدّلق (٢) ، يَرْكَب حِمَاراً (٣) ، لَكِنَّهُم خوَارج، وَقَامَ مَعَهُ خَلْق مِنَ السُّنَّةِ وَالصُّلَحَاء، وَكَادَ أَنْ يتملَّك العَالِمَ، وَرُكِزت بُنودُهُم (٤) عِنْد جَامِع القَيْرَوَان فِيْهَا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، لاَ حُكْم إِلاَّ للهِ. وَبَنْدَان أَصفرَان فِيْهِمَا: نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ. وَبند لمَخْلَد فِيْهِ اللَّهُمَّ انْصُرْ وَليك عَلَى مِنْ سبّ نَبِيّك (٥) وَخطبهُم أَحْمَد بن أَبِي الوَلِيْد (٦) فحضّ عَلَى الجِهَاد ثُمَّ سَارُوا وَنَازلُوا المهديَّة وَلَمَّا التَقَوا وَأَيقن مَخْلَد بِالنَّصْر تَحَرَّكت نَفْسه الخَارجيَة. وَقَالَ لأَصْحَابِهِ: انكشفُوا، عَنْ أَهْل القَيْرَوَان حَتَّى ينَال مِنْهُم عدوهُم فَفَعلُوا ذَلِكَ فَاسْتُشْهِدَ خَمْسَة وَثَمَانُوْنَ نَفْساً مِنَ العُلَمَاءِ وَالزُّهَّاد (٧) وخوَارج المَغْرِب إِباضيَّة منسوبُوْنَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بنِ يَحْيَى بنِ إِباض الَّذِي خَرَجَ فِي أَيَّام مَرْوَان الحِمَار (٨) وَانْتَشَر أَتْبَاعه بِالمَغْرِب يَقُوْلُ: أَفعَالنَا مخلوقَة لَنَا وَيكفر بِالكبَائِر وَيَقُوْلُ: لَيْسَ فِي القُرْآن خُصُوْص وَمِنْ خَالَفَه حَلَّ دَمُه.

стр. 9425

نعم وَكَانَ القَائِم يُسَمَّى أَيْضاً نزَاراً (١) وَلَمَّا أَخذ أَكْثَر بلاَد مِصْر فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَلاَثِ مائَةٍ انْتدبَ لِحَرْبِهِ جَيْش المُقْتَدِر عَلَيْهِم مُؤنس فَالتَقَى الجمعَان فَكَانَتْ وَقعَة مَشْهُوْرَة ثُمَّ تقهقر القَائِم إِلَى المَغْرِب وَوَقَعَ فِي جَيْشِهِ الغلاَء وَالوبَاء وَفِي خَيْلهمْ وَتَبِعَهُ أَيَّاماً جَيْش المُقْتَدِر (٢) . وَكَانَ موت القَائِم فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلاَثِيْنَ محصوراً بِالمهديَّة (٣) لَكِن قَامَ بَعْدَهُ ابْنه المَنْصُوْر. وَقَدْ أَجمع عُلَمَاء المَغْرِب عَلَى محَاربَة آل عبيد لمَا شَهْروهُ مِنَ الكُفْر الصرَاح الَّذِي لاَ حِيْلَة فِيْهِ وَقَدْ رَأَيْت فِي ذَلِكَ توَاريخ عِدَّة يصدق بَعْضهَا بَعْضاً وَعُوتِبَ بَعْض العُلَمَاء فِي الخُرُوْجِ مَعَ أَبِي يَزِيْد الخَارِجِيّ فَقَالَ: وَكَيْفَ لاَ أَخرج وَقَدْ، سَمِعْتُ الكُفْر بِأُذُنَي حضرت عقداً فِيْهِ جمع مِنْ سنَة وَمشَارقَة وَفيهُم أَبُو قضَاعَة الدَّاعِي فَجَاءَ رَئِيْس فَقَالَ: كَبِيْر مِنْهُم إِلَى هُنَا يَا سيدِي ارْتَفَع إِلَى جَانب رَسُوْل اللهِ يَعْنِي: أَبَا قضَاعَة فَمَا نطق أَحَد (٤) ، وَوجد بِخَط فَقِيْه (٥) قَالَ: فِي رَجَبٍ، سَنَةَ ٣٣١ قَامَ المكوكب يقذف الصَّحَابَة وَيطعن عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعلقت رُؤُوْس حمِير وَكباش عَلَى الحوَانيت كتب عَلَيْهَا أَنَّهَا رُؤُوْس صَحَابَةٍ.

стр. 9426

وَخَرَجَ أَبُو إِسْحَاقَ الفَقِيْه (١) مَعَ أَبِي يَزِيْد، وَقَالَ: هُم أَهْل القِبْلَة وَأَولئك ليسُوا أَهْل قبلَة وَهُم بَنو عَدُوّ الله فَإِن ظفرنَا بِهِم لَمْ ندْخل تَحْتَ طَاعَة أَبِي يَزِيْد لأَنَّه خَارِجِيّ. قَالَ أَبُو مَيْسَرَة الضَّرِيْر (٢) :أَدخلنِي الله فِي شَفَاعَة أَسود رمَى هَؤُلاَءِ القَوْم بِحجر. وَقَالَ السبَائِي: أَي وَاللهِ نجد فِي قتل الْمُبدل لِلدين. وَتسَارع الفُقَهَاء وَالعبَاد فِي أَهبَة كَامِلَة بِالطبول وَالبنود وَخطبهُم فِي الجمعَة أَحْمَد بن أَبِي الوَلِيْد وَحرضهُم وَقَالَ: جَاهدُوا مِنْ كفر بِاللهِ وَزعم أَنَّهُ ربّ مِنْ دُوْنَ الله وَغَيّر أَحْكَام الله وَسب نَبِيّه وَأَصْحَاب نَبِيّه فَبَكَى النَّاس بكَاء شَدِيْداً وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا القرمطِي الكَافِر المَعْرُوْف بِابْنِ عُبَيْدِ اللهِ المدعِي الرُّبُوبِيَّة جَاحد (٣) لِنِعْمَتِك كَافِر بِرُبُوبِيَّتِك طَاعن عَلَى رسلك مُكَذب بِمُحَمَّد نَبِيّك سَافك لِلدمَاء فَالعنه لعناً وَبيلاً وَاخزه خزيّاً طَوِيْلاً وَاغضب عَلَيْهِ بكرَة وَأَصيلاً ثُمَّ نزل فَصَلَّى بِهِم الجمعَة (٤) . وَركب ربيع القَطَّان (٥) فرسه مُلبساً وَفِي عُنُقه المُصْحَف وَحَوْلَهُ

стр. 9427

جمع كَبِيْر وَهُوَ يَتْلُو آيَات جِهَاد الكفرَة فَاسْتُشْهِدَ ربيع فِي خلق مِنَ النَّاس يَوْم المَصَافّ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلاَثِيْنَ وَكَانَ غَرَض هَؤُلاَءِ المَجُوْس بنِي عبيد أَخذه حَيّاً ليُعَذّبوهُ. قَالَ أَبُو الحَسَنِ القَابسِي: اسْتُشْهِدَ مَعَهُ فضلاَء وَأَئِمَّة وَعبَاد (١) . وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاء فِي بنِي عبيد: المَاكر الغَادر الغَاوِي لشيعته ... شَرّ الزنَادق مِنْ صحب وَتُبَاع العَابدين إِذَا عجلاً يخَاطبهُم ... بِسحر هَاروت مِنْ كفر وَإِبدَاع لوْ قِيْلَ: لِلرُّومِ أَنْتُم مثلهُم لبكُوا ... أَوْ لِلْيَهُوْد لسدُوا صمخ أَسْمَاع ٦٧ - المَنْصُوْرُ أَبُو الطَّاهِرِ إِسْمَاعِيْل بن القَائِم بن المَهْدِيِّ * العُبيدِيُّ، البَاطنِيُّ، صَاحِب المَغْرِب. وَلِي بَعْد أَبِيْهِ، وَحَارَبَ رَأْس الإِبَاضِيَّة (٢) أَبَا يَزِيْدَ مَخْلَد بن كيدَاد الزَّاهِد، وَالتَقَى الجمعَان مَرَّات وَظهر مَخْلَد عَلَى أَكْثَر المَغْرِب وَلَمْ يَبْقَ لبنِي عبيد سِوَى المهديّة (٣) ، فَنَهَضَ المَنْصُوْر وَأَخفَى موت أَبِيْهِ (٤) ، وَصَابر الإِبَاضِيَّة حَتَّى ترحلُوا

стр. 9428

عَنْهُ وَنَازلُوا مَدِيْنَة سوسَة فَبرز المَنْصُوْر مِنَ المهديَّة وَالتَقَوا فَانكسر جَيْش مَخْلَد عَلَى كَثْرَتهمْ (١) وَأُسر هُوَ فِي سَنَةِ ٣٣٦، فَمَاتَ بَعْدَ الأَسر بِأَرْبَعَة أَيَّام مِنَ الجرَاح فَسلخَ وَحشِي قطناً وَصلب (٢) . وبنُوا مَدِيْنَة المَنْصُوْريَّة مَكَان الوقعَة فنزلهَا المَنْصُوْر (٣) . وَكَانَ بَطَلاً شُجَاعاً رَابط الجأْش فَصِيْحاً مُفَوَّهاً يرتجل الْخطب (٤) وَفِيْهِ إِسْلاَم فِي الجُمْلَةِ وَعقلٌ بِخِلاَف أَبِيْهِ الزِنْدِيْق. وَقَدْ جمع فِي قصره مرَّة مِنْ أَوْلاَد جُنْده وَرعيته عَشْرَة آلاَف صَبِيّ وَكسَاهُم كسوَة فَاخرَة وَعمل لَهُم وَليمَة لَمْ يُسْمَعْ قَطُّ بِمثلهَا وَختنهُم جَمِيْعاً وَكَانَ يهب لِلْوَاحِد مِنْهُم المائَة دِيْنَارٍ وَالخَمْسِيْنَ دِيْنَاراً عَلَى أَقدَارهم. وَمِنْ محَاسنه أَنَّهُ وَلَّى مُحَمَّد بن أَبِي الْمَنْظُور (٥) الأَنْصَارِيّ قَضَاء القَيْرَوَان وَكَانَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَاب الحَدِيْث قَدْ لقِي إِسْمَاعِيْل القَاضِي، وَالحَارِث بن أَبِي أُسَامَةَ فَقَالَ بِشَرْط أَنْ لاَ آخذ رزقاً وَلاَ أَركب دَابَّة (٦) فولاَهُ ليتَأَلف الرَّعِيَّة فَأَحضر إِلَيْهِ يهودِي قَدْ سبّ (٧) فَبطحه وَضَربه إِلَى أَنْ

стр. 9429

مَاتَ تَحْتَ الضَّرب خَاف أَنْ يحكم بِقَتْلِهِ فَتحل عَلَيْهِ الدَّوْلَة (١) . وَأَتَى يَوْماً بَيْته فَوَجَد سُلاَف دَايَة (٢) السُّلْطَان تشفع فِي امْرَأَة نَائِحَة فَاسقَة ليطلقهَا مِنْ حَبسه، فَقَالَ مَالِك، قَالَتْ قَضِيب (٣) مَحْبُوْبَة المَنْصُوْر تطلب مِنْكَ أَنْ تطلقهَا، فَقَالَ: يَا منتنَة لَوْلاَ شَيْء لَضَرَبْتُك لَعَنَك الله وَلعن مِنْ أَرْسَلك فولولت وَشقت ثيَابهَا ثُمَّ ذكرت أَمرهَا لِلْمَنْصُوْرِ. فَقَالَ: مَا أَصنع بِهِ مَا أَخذ منَا صلَة وَلاَ نقدر عَلَى عَزله نَحْنُ نحب إِصْلاَح البَلَد (٤) . خرج فِي رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ إِلَى مَكَان يتَنَزَّه فَأَصَابَه برد وَريح عَظِيْمَة فَأَثر ذَلِكَ فِيْهِ وَمَرِضَ وَمَاتَ عدد كَثِيْر مِمَّنْ مَعَهُ ثُمَّ مَاتَ هُوَ فِي سَلْخِ شَوَّال مِنَ السّنَة وَلَهُ تِسْع وَثَلاَثُوْنَ سَنَةً (٥) . وَقَدْ كَانَ فِي سَنَةِ أَرْبَعِيْنَ جهَّز جَيْشه فِي البَحْر إِلَى صَقِلِّيَّة فَهَزمُوا النَّصَارَى وَكَانَتْ ملحمَة عظمَى قتل فِيْهَا مِنَ العَدُوّ ثَلاَثُوْنَ أَلْفاً وَأُسر مِنْهُم أُلوف وَغنم الجُنْد مَا لاَ يعبر عَنْهُ (٦) . وَقِيْلَ: أَنَّهُ افتَتَح مَدِيْنَة جنوهُ وَنهب أَعمَال سُرْدَانِيَه (٧) .

стр. 9430

وحكَمَ عَلَى مملكَة صَقِلِّيَّة، وَافتَتَح لَهُ نَائِبه عَلَيْهَا فُتُوْحَات وَانتصر عَلَى العَدُوّ وَفرح بِذَلِكَ المُسْلِمُوْنَ وَتوطد سلطَانه (١) . وَخلف خَمْسَة بَنِينَ وَست بنَات (٢) . وَذَكَرَ المَشَايِخ أَنَّهُم مَا رأَوا فتحاً مثله قَطُّ. وَكَانَ المَنْصُوْر محبباً إِلَى الرَّعِيَّةِ مقتصراً عَلَى إِظهَار التَّشَيُّع وَقَامَ بَعْدَهُ المُعَزِّ وَلَدُه. ٦٨ - المُعِزُّ لِدِيْنِ اللهِ معد ابْن المَنْصُوْر إِسْمَاعِيْل بن القَائِم * هُوَ المُعَزِّ لِدِيْنِ اللهِ أَبُو تَمِيْم معد بن المَنْصُوْر إِسْمَاعِيْل بن القَائِم العبيدِي المهدوِي المَغْرِبِيّ الَّذِي بنيت القَاهرَة المعزيَّة لَهُ (٣) كَانَ صَاحِبَ المَغْرِب وَكَانَ وَلِي عهد أَبِيْهِ. وَلِي سَنَة إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ وَسَارَ فِي نَوَاحِي إِفْرِيْقِيَة يُمَهد ملكه فَذَلِّلْ الخَارجين عَلَيْهِ وَاسْتعمل مَمَالِيْكه عَلَى الْمدن وَاسْتخدم الجُنْد وَأَنفق الأَمْوَال (٤) وَجَهَّزَ مَمْلُوكه جَوْهَر (٥) القَائِد فِي الجُيُوش.

стр. 9431

فَسَارَ فَافْتَتَحَ سِجِلْمَاسَة، وَسَارَ إِلَى أَنْ وَصل إِلَى البَحْر الأَعْظَم، وَصيد لَهُ مِنْ سمكه، وَافتَتَح مَدِيْنَة فَاس وَأَسر صَاحِبهَا وَصَاحِب سَبْتَة وَبَعَثَ بِهِمَا إِلَى أُسْتَاذه (١) . وَقِيْلَ: لَمْ يقدر عَلَى سبتَة وَكَانَتْ لصَاحِب الأَنْدَلُس المَرْوَانِي (٢) . قَالَ القِفْطِيُّ (٣) :عَزَمَ المعزُّ عَلَى بعثَ جَيْشه إِلَى مِصْرَ فَسَأَلته أُمّه أَنْ يُؤخّر ذَلِكَ لتَحُجَّ خفيَة فَأَجَابهَا، وَحجت فَأَحس بقدومهَا الأُسْتَاذ كَافُوْر - يَعْنِي صَاحِب مِصْر - فَحَضَرَ إِلَيْهَا وَخدمهَا وَحمل إِلَيْهَا تُحَفاً وَبَعَثَ فِي خِدْمَتهَا أَجنَاداً فَلَمَّا رجعت منعت ابْنهَا مِنْ قصد مِصْر فَلَمَّا مَاتَ كَافُوْر بعثَ المُعَزِّ جَيْشه فَأَخذُوا مِصْر (٤) . قُلْتُ: قَدَّمَ عَلَيْهِم جوهراً فجنَى مَا عَلَى الْبَرْبَر مِنَ الضرَائِب فَكَانَ ذَلِكَ خَمْس مائَة أَلْف دِيْنَار، وَعمد المُعَزِّ إِلَى خزَائِن آبَائِهِ فَبذل مِنْهَا خَمْس مائَة حمل مِنَ المَال وَسَارُوا فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ فِي أُهبَة عَظِيْمَة (٥) . وكَانَتْ مِصْر فِي القَحط فَأَخَذَهَا جَوْهَر وَأَخَذَ الشَّام وَالحِجَازَ (٦) وَنفَّذَ مَا يُعَرِّف مَوْلاَهُ بَانتظَام الأَمْر. وَضربت السكَة عَلَى الدّينَار بِمِصْرَ وَهِيَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله مُحَمَّد رَسُوْل

стр. 9432

الله عليّ خَيْر الْوَصِيّين، وَالوَجْه الآخر اسْم المُعَزِّ وَالتَّارِيْخ (١) وَأَعلن الأَذَان بحِي عَلَى خَيْر الْعَمَل (٢) وَنُودِي مَنْ مَاتَ، عَنْ بنْت وَأَخ أَوْ أُخْت فَالمَال كُلّه لِلْبنت فَهَذَا رَأْي هَؤُلاَءِ (٣) . ثمَّ جهَّز جَوْهَر هَدِيَّة إِلَى المُعَزِّ وَهِيَ عِشْرُوْنَ كجَاوَة (٤) مِنْهَا وَاحِدَة مرصعَة بِالجَوَاهِر وَخَمْسُوْنَ فرساً كَامِلَة العدَة وَخَمْس وَخَمْسُوْنَ نَاقَة مزينَة وَثَلاَثِ مائَةٍ وَخَمْسُوْنَ جملاً بخَاتِي، وَعِدَّة أَحمَال مِنْ نفَائِس المَتَاع وَطيور فِي أَقفَاص سَارَ بِهَا جَعْفَر وَلد جَوْهَر وَمَعَهُ عِدَّة أُمرَاء إِخشيديَة تَحْتَ الحوطَة مكرمِين (٥) وَاعتقل أَبْنَاء الْملك عَلِيّ بن الإِخشيد فِي رفَاهيَة وَأَحسن إِلَى الرَّعِيَّةِ وَتصدَّق بِمَال عَظِيْم. وَأَخذت الرملَة بِالسَّيْف وَأسر صَاحِبهَا الحَسَن بن أَخِي الإِخشيد وَأَمرَاؤُه وَبعثَوا إِلَى المَغْرِب (٦) ، وَأَمر الأَعيَان بِأَنَّ يعولُوا المسَاكين لشِدَّة الغلاَء، فتَهَيَّأَ المُعَزِّ وَاسْتنَاب عَلَى المَغْرِب بلكين (٧) الصِنْهَاجِي وَسَارَ بخزَائِنه وَتوَابيت آبَائِهِ (٨) . وَكَانَ دُخُوْله (٩) إِلَى الإِسْكَنْدَرِيَّة فِي شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ

стр. 9433

وَسِتِّيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ وَتلقَاهُ قَاضِي مِصْر الذُّهْلِيّ (١) وَأَعيَانهَا فَأَكرمهُم وَطَال حَدِيْثه مَعَهُم وَعرفهُم أَن قصدهُ الحَقّ وَالجِهَاد، وَأَنَّ يخْتم عُمَره بِالأَعمَال الصَّالِحَة، وَأَنَّ يُقيم أَوَامر جدّه رَسُوْل اللهِ ﷺ ، وَوعظ وَذَكَّرَ حَتَّى أَعجبهُم وَبَكَى بَعْضهُم ثُمَّ خلع عَلَيْهِم (٢) . وَقَالَ لِلْقَاضِي أَبِي الطَّاهِرِ الذُّهْلِيّ: مَنْ رَأَيْتُ مِنَ الخُلَفَاء؟ فَقَالَ: وَاحِداً. قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ مولاَنَا، فَأَعجبه ذَلِكَ (٣) ، ثمَّ إِنَّهُ سَارَ حَتَّى خيم بِالجِيزَة فَأَخَذَ عَسْكَره فِي التَّعْدِيَة إِل?ى الفُسْطَاط ثُمَّ دَخَلَ القَاهرَة وَقَدْ بنِي لَهُ بِهَا قصر الإِمَارَة وَزينت مِصْر، فَاسْتوَى عَلَى سَرِير ملكه وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ (٤) . وَكَانَ عَاقِلاً لبيباً حَازماً ذَا أَدب وَعلم وَمَعْرِفَة وَجلاَلَة وَكرم يَرْجِع فِي الجُمْلَةِ إِلَى عدل وَإِنصَاف وَلَوْلاَ بدعته وَرفضه لكَانَ مِنْ خيَار المُلُوك. قِيْلَ: إِنَّ زَوْجَة صَاحِب مِصْر الإِخشيد لمَا زَالت دولتهُم أَودعت عِنْد يهودِي بغلطَاقاً مِنْ جَوْهَر ثُمَّ إِنَّهَا طلبته مِنْهُ فَأَنْكَرَهُ وَصمم فَبذلت لَهُ كمه فَأَصرّ فَمَا زَالت حَتَّى قَالَتْ: خُذْهُ وَهَاتِ كَمَا مِنْهُ فَمَا فعل فَأَتَتِ الْقصر فَأَذن المُعَزِّ لَهَا فَحَدَّثته بِأَمرهَا فَأَحضر اليَهودِي وَقرره فَلَمْ يقر فَنفذ إِلَى دَاره مِنْ أَخرب حيطَانهَا فَوَجَدُوا جرَّة فِيْهَا البغلطَاق، فَلَمَّا رَآهُ المُعَزِّ ابْتَهَرَ مِنْ حسنه وَقَدْ نَقصه اليَهودِي درتين بَاعهُمَا بِأَلف وَسِتّ مائَة دِيْنَارٍ فَسَلمهُ إِلَيْهَا، فَاجتهدت أَنْ يَأْخذه هديَة مِنْهَا أَوْ بِثمن فَأَبَى، فَقَالَتْ:

стр. 9434

يَا أَمِيْر المُؤْمِنِيْنَ! إِنَّمَا كَانَ يصلح لِي إِذْ كُنَّا أَصْحَاب البِلاَد وَأَمَّا اليَوْم فَلاَ ثُمَّ أَخذته وَمضت (١) . قِيْلَ: إِنَّ المنجمِين أَخبرُوا المُعَزِّ أَن عَلَيْك قطعاً فَأَشَارُوا أَنْ يتَّخذ سرباً (٢) يتوَارَى فِيْهِ سنَة فَفَعَل فَلَمَّا طَالت الغيبَة ظنّ جُنْده المغَاربَة أَنَّهُ رفع فَكَانَ الفَارس مِنْهُم إِذَا رَأَى غمَامَة ترَجل وَيَقُوْلُ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَمِيْر المُؤْمِنِيْنَ! ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ بَعْدَ سَنَةٍ فَخَرَجَ فَمَا عَاشَ بَعْدهَا إِلاَّ يَسِيْراً (٣) . وَللشعرَاء فِيْهِ مدَائِح (٤) . وَمِنْ شعره: أَطلع الحَسَن مِنْ جَبِينك شمساً ... فَوْقَ وَرد مِنْ (٥) وَجنتيك أَطلاَ فَكَانَ الجمَال خَاف عَلَى الْوَرْ ... د ذبولاً (٦) فمدَّ بِالشّعر ظلاَّ (٧) وَمِنْ شعره: للهِ مَا صنعت بنَا ... تِلْكَ المحَاجر (٨) فِي المعَاجر (٩) أَمْضَى وَأَقضَى فِي النُّفُو ... س مِنَ الخنَاجر فِي الحنَاجر

стр. 9435

وَلَقَدْ تَعِبت ببينكُم ... تَعب المُهَاجِر فِي الْهَوَاجِر (١) قِيْلَ: إِنَّهُ أُحضر إِلَى المُعَزِّ بِمِصْرَ كِتَاب (٢) فِيْهِ شهَادَة جدهمْ عُبَيْد اللهِ بسلمِيَّة وَفِيْهِ وَكَتَبَ عُبَيْد اللهِ بن مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ البَاهِلِيّ، فَقَالَ: نَعَمْ، هَذِهِ شهَادَة جدنَا وَأَرَادَ بِقَوله البَاهِلِيّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ المبَاهِلَة (٣) لاَ أَنَّهُ مِنْ بَاهِلَة (٤) . قُلْتُ: ظَهَرَ هَذَا الوَقْت الرَّفْض وَأَبدَى صَفحَته وَشمخ بِأَنفه فِي مِصْر وَالشَّام وَالحِجَاز وَالغرب بِالدَّوْلَة العُبَيْدِيَّة وَبَالعِرَاق وَالجَزِيْرَة وَالعجم بيني بُويه، وَكَانَ الخَلِيْفَة المُطِيع ضَعِيْف الدست وَالرتبَة مَعَ بَنَي بُوَيْه، ثُمَّ ضَعف بدنه وَأَصَابه فَالِج وَخرس فعزلُوهُ وَأَقَامُوا ابْنه الطَّائِع للهِ وَلَهُ السكَة وَالخطبَة وَقَلِيْل مِنَ الأُمُور فَكَانَتْ مملكَة هَذَا المُعَزِّ أَعْظَم وَأَمكن، وكَذَلِكَ دَوْلَة صَاحِب الأَنْدَلُس الْمُسْتَنْصر بِاللهِ المَرْوَانِي كَانَتْ موطدَة مستقلَة كوَالده النَّاصر لِدِيْنِ اللهِ الَّذِي وَلِي خَمْسِيْنَ عَاماً، وَأَعلن الأَذَان بِالشَّامِ وَمِصْر بحِي عَلَى خَيْر الْعَمَل فَللَّه الأَمْر كُلّه (٥) . قِيْلَ: مَا عرف، عَنِ المُعَزِّ غَيْر التَّشَيُّع، وَكَانَ يُطِيل الصَّلاَة وَمَاتَ قَبْلَهُ

стр. 9436

بِسَنَة ابْنه عَبْد اللهِ وَلِي الْعَهْد، وَصبر وَغلقت مِصْر لعزَائِه ثَلاَثاً وَشيعُوهُ بِلاَ عَمَائِم بَلْ بِمنَادِيل صوف فَأَمَّهُم المُعَزِّ بِأَتم الصَّلاَة وَأَحسنهَا فِي سنَة سِتِّيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ وَجد بِالسُّوق ... (١) قَدْ نسج فِيْهِ المُعَزِّ فَأَحضر النسَاج (٢) إِلَى الْجَوْهَر فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَصلب النسَاج ثُمَّ أَطلق. وَأَخَذَ الْمُحْتَسب مِنَ الطَّحَّانِينَ سَبْع مائَة دِيْنَارٍ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ جَوْهَر وَرد الذَّهَبَ إِلَيْهِم. وَأَبيع تليس (٣) الدَّقِيق بتِسْعَةَ عَشرَ دِيْنَاراً ثُمَّ انْحَل السّعر فِي سَنَةِ سِتِّيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ وَكَانَ الغلاَء أَرْبَع سِنِيْنَ. وَقبض جَوْهَر عَلَى تِسْع مائَة وَأَرْبَعِيْنَ جندياً وَالإِخشيد فِي وَقت وَاحِد وَقيدُوا (٤) ، وَثَارَت عَلَيْهِ القرَامطَة وَاسْتولُوا عَلَى كَثِيْر مِنَ الشَّام وَسَارُوا حَتَّى أَتُوا مِصْر فَحَاربهُم جَوْهَر وَجَرَتْ أُمُورٌ مهولَة (٥) . وَعزل سنَة ٣٦١ مِنَ الوِزَارَة ابْن حنزَابَة وَأَهين (٦) . وَوَقع المَصَافّ بَيْنَ جَوْهَر وَالقرَامطَة وَقُتِلَ خَلْقٌ وَذَلِكَ بِظَاهِرِ القَاهرَة،

стр. 9437

وَاسْتمرَّ ذَلِكَ ثَلاَثَة أَيَّام ثُمَّ ترحل الأَعسم (١) القرمطِي مُنْهَزِماً (٢) ، وَذلُّوا وَاتهم الأَعسم أُمَرَاءهُ بِالمخَامرَة فَقبض عَلَيْهِم، وَصَلَّى بِالنَّاسِ المُعَزِّ يَوْمِي العِيْد صَلاَة طَوِيْلَة بِحَيْثُ إِنَّهُ سبح فِي السُّجُود نَحْو ثَلاَثِيْنَ ثُمَّ خطبهُم فَأَبلغ وَأَحبته الرَّعِيَّة (٣) . وَصنع شَمْسِيَّة لِتعْمَل عَلَى الكَعْبَة ثَمَانيَة أَشبار فِي مثلهَا مِنْ حَرِير أَحمر وَفِيْهَا اثْنَا عَشرَ هلاَلاً مِنْ ذَهَب وَفِي الهلاَل ترنجَة (٤) قَدْ رصعت بجَوَاهر وَيَاقوت وَزمرد لَمْ يشَاهد أَحَد مثلهَا (٥) . وَقَدَّمَ لَهُ جَوْهَر القَائِد تُحَفاً بِنَحْوِ مِنْ أَلف أَلف دِيْنَار فَخلع عَلَيْهِ وَأَعطَاهُ مَا يَلِيق بِهِ (٦) . مَاتَ المُعَزِّ فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ، سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ بِالقَاهرَة الْمُعِزِّيَّةِ وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِالمهديَّة الَّتِي بنَاهَا جدهُم وَعَاشَ ستَا وَأَرْبَعِيْنَ سَنَةً. وكَانَتْ دَوْلَته أَربعاً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً (٧) . وقَام بَعْدَهُ ابْنه العَزِيْز بِاللهِ،

стр. 9438

وَقَدْ جرَى عَلَى دِمَشْق وَغَيْرهُمَا مِنْ عَسَاكِر المغَاربَة كُلّ قَبِيح مِنَ الْقَتْل وَالنهب وَفَعَلُوا مَا لاَ يَفْعَله الْفِرِنْج وَلَوْلاَ خوف الإِطَالَة لسقت مَا يَبْكِي الأَعْيَن (١) . ٦٩ - العَزِيْز بِاللهِ نزَار ابْن المُعِزِّ معد بنِ إِسْمَاعِيْلَ * صَاحِب مِصْر أَبُو مَنْصُوْرٍ نزَار بن المُعِزِّ معد بن إِسْمَاعِيْلَ العبيدِي المهدوِي المَغْرِبِيّ. وُلِدَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. قَام بَعْد أَبِيْهِ فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ، سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ وَكَانَ كَرِيْماً شُجَاعاً صفوحاً، أَسمر أَصهب الشّعر أَعْيَن (٢) أَشهل (٣) بعيد مَا بَيْنَ المَنْكِبين، حسن الأَخلاَق قَرِيْباً مِنَ الرَّعِيَّةِ مغرَى بِالصيد وَيكثر مِنْ صيد السِّبَاع وَلاَ يُؤثر سفك الدِّمَاء وَلَهُ نَظْمٌ وَمَعْرِفَة (٤) . تُوُفِّيَ فِي العِيْد وَلدٌ لَهُ، فَقَالَ: نَحْنُ بَنو المصطفَى ذَوُو مِحَن ... أَولنَا مبتلَى وَخَاتمنَا

стр. 9439

عجييَة فِي الأَنَام محنتنَا ... يجرعهَا فِي الحَيَاة كَاظمنَا يفرح هَذَا الورَى بعيدهُم ... طُرّاً وَأَعيَادنَا (١) مآتمنَا (٢) قَالَ أَبُو مَنْصُوْرٍ الثعَالبِي فِي اليتيمَة، سَمِعْتُ الشَّيْخ أَبَا الطّيب يَحْكِي أَنَّ الأُمَوِيّ صَاحِب الأَنْدَلُس كتب إِلَيْهِ نزَار صَاحِب مِصْر كِتَاباً سَبه فِيْهِ وَهجَاهُ فَكَتَبَ إِليه الأُمَوِيّ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنك عرفتنَا فَهجوتنَا وَلَوْ عرفنَاك لأَجبنَاك (٣) فَاشْتَدَّ هَذَا عَلَى العَزِيْز وَأَفحمه، عَنِ الجَوَاب يُشِير أَنَّك دَعِيٌّ لاَ نَعْرِف قَبِيلَتك. قَالَ أَبُو الفَرَجِ ابْنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ العَزِيْز قَدْ وَلَّى عِيْسَى بن نُسْطُورِس (٤) النَّصْرَانِيّ أَمر مِصْر وَاسْتنَاب مُنَشَّا اليَهودِي بِالشَّامِ فَكتبت إِلَيْهِ امْرَأَة بِالَّذِي أَعزّ اليَهُوْد وَالنَّصَارَى بِمُنَشَّا وَابْن نُسْطُورِس وَأَذلّ المُسْلِمِيْنَ بِك إِلاَّ مَا نظرت فِي أَمرِي فَقبض عَلَى الاثْنَيْن وَأَخَذَ مِنْ عِيْسَى ثَلاَث مائَة أَلْف دِيْنَار (٥) . قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ وَغَيْرهُ: أَكْثَر أَهْل العِلْمِ لاَ يصححُوْنَ نسب المَهْدِيّ عُبَيْد اللهِ جد خلفَاء مِصْر حَتَّى إِنَّ العَزِيْز فِي أَوَّلِ وَلاَيته صعد المِنْبَر يَوْم جُمُعَة فَوَجَد هُنَاكَ رقعَة فِيْهَا: إِذَا سمِعنَا نسباً مُنْكراً ... نبكِي عَلَى المِنْبَر وَالجَامِع (٦)

стр. 9440

إِنْ كُنْتَ فِيْمَا تَدَّعِي صَادِقاً ... فَاذْكُرْ أَباً بَعْدَ الأَبِ الرَّابِع (١) وَإِنْ تُرِدْ تَحْقِيْقَ مَا قُلْتَه ... فَانسُبْ لَنَا نَفْسَكَ كَالطَّائِعِ أَوْلا دَع الأَنسَابَ مَسْتورَةً ... وَادْخُلْ بنَا فِي النَّسَبِ الوَاسِعِ فَإِنَّ أَنسَابَ بَنِي هَاشِمٍ ... يَقْصُرُ عَنْهَا طَمَعُ الطَّامع (٢) وصَعِدَ مَرَّةً أُخْرَى، فَرَأَى وَرَقَةً فِيْهَا: بِالظُّلمِ وَالجُوْرِ قَدْ رَضِينَا ... وَلَيْسَ بِالكُفْرِ وَالحمَاقه إِنْ كُنْتَ أُعْطِيتَ عِلمَ غَيْبٍ ... فَقُلْ لَنَا كَاتِبَ البِطَاقَهْ ثُمَّ قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: وَذَلِكَ لأَنَّهُم ادَّعُوا عِلْمَ المغيَّبَاتِ. وَلهُم فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ مَشْهُوْرَة (٣) . وفُتحت للعَزِيْز حلَب وَحمَاهُ وَحِمْص. وَخَطَبَ أَبُو الذَّوَّاد مُحَمَّدُ بنُ المسَّيب بِالمَوْصِل لَهُ، وَرقَم اسْمَه عَلَى الأَعلاَمِ وَالسِّكَّةِ سنَةَ ٣٨٣، وَخُطِبَ لَهُ أَيْضاً بِاليَمَنِ وَبَالشَّام وَمدَائِنِ المَغْرِب (٤) . وكَانَتْ دَوْلَةُ هَذَا الرَّافِضيّ أَعظَمَ بكَثِيْرٍ مِنْ دَوْلَةِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ الطَّائِعِ ابْنِ المُطِيعِ العَبَّاسِيّ. قَالَ المُسَبِّحِيُّ (٥) :وَفِي سَنَةِ ثَمَانِيْنَ، أُسِّس جَامِعُ القَاهرَة (٦) . وَفِي

стр. 9441

أَيَّام العَزِيْز بُنِي قصرُ البَحْرِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ (١) مثلُه فِي شَرْقٍ وَلاَ غَرْبٍ، وَجَامِعُ القَرَافَة وَقصرُ الذَّهَب (٢) . وفِي أَيَّامه أُظهر سبُّ الصَّحَابَةِ جِهَاراً. وفِي سنَة ٣٦٦ حَجَّت جَمِيْلَةُ بنْتُ نَاصِر الدَّوْلَة، صَاحِبِ المَوْصِل. فممّا كَانَ مَعَهَا أَرْبَع مائَة محمل، فَكَانَتْ لاَ يُدْرَى فِي أَي محمل هِيَ. وَأَعْتقت خَمْس مائَة نَفْسٍ. وَنثَرَتْ عَلَى الكَعْبَة عَشْرَة آلاَفِ مِثقَالٍ (٣) . وَسَقَت جَمِيْعَ الوَفد سَوِيْقَ السُّكَّر وَالثَّلْجِ، كَذَا قَالَ الثَّعَالبِي، وَخَلَعَتْ وَكَسَتْ خَمْسِيْنَ أَلْفاً. وَلَقَدْ خَطَبَهَا السُّلْطَان عضُدُ الدَّوْلَة، فَأَبتْ فَحَنِقَ لِذَلِكَ، ثُمَّ تَمَكَّنَ مِنْهَا، فَأَفْقَرهَا وَعذَّبهَا، ثُمَّ أَلزمهَا أَنْ تقعُد فِي الحَانَة لتحصلَ مِنَ الفَاحشَة مَا تُؤدِّي، فَمَرَّتْ مَعَ الأَعوَانِ، فَقَذَفَتْ نَفْسهَا فِي دِجْلَةَ، فغرِقَتْ، عفَا الله عَنْهَا (٤) . وَفِي سَنَةِ ٦٧ جَرَتْ وَقعَات بَيْنَ المِصْرِيّين، وَهِفتكين (٥) الأَمِيْر، وَقُتِلَ خَلْقٌ، وضُرِبَ المَثَل بشجَاعَةِ هِفْتكين. وَهَزَمَ الجُيُوشَ، وَفَرَّ مِنْهُ جَوْهَرُ القَائِدُ. فَسَارَ لِحَرْبِهِ صَاحِبُ مِصْر العَزِيْزُ بنَفْسِهِ، فَالتَقَوا بِالرَّمْلَة. وَكَانَ هِفتكين عَلَى فَرَس أَدْهَم يجولُ فِي النَّاس، فَبَعَثَ إِلَيْهِ العَزِيْزُ رَسُوْلاً، يَقُوْلُ: أَزعجتَنِي وَأَحْوَجتَنِي لمبَاشرَة الحَرْب، وَأَنَا طَالبٌ لِلصُّلْح، وَأَهَب لَكَ الشَّامَ كُلَّه. قَالَ: فَنَزَلَ وَبَاسَ الأَرْضَ، وَاعْتَذَرَ وَوقَعَ الحَرْبُ. وَقَالَ: فَاتَ الأَمْرُ، ثُمَّ حَمَل عَلَى المَيْسَرَة، فَهَزَمَهَا، فَحْمل العَزِيْزُ بنَفْسِهِ عَلَيْهِ فِي

стр. 9442

الأَبطَال فَاْنَهَزَمَ هِفتكين، وَمَنْ مَعَهُ وَالقَرَامِطَة، وَاسْتَحَرَّ بِهِم القَتْلُ. وَنُودِي: مَنْ أَسَرَ هِفتكين فَلَهُ مائَةُ أَلْفِ دِيْنَارٍ. وَذهَبَ هِفتكين جريحاً فِي ثَلاَثَة، فَظَفِرَ بِهِ مُفْرِج بنُ دَغْفَل. ثُمَّ أَتَى بِهِ العَزِيْزَ، فَلَمْ يُؤْذِهِ بَلْ بَلَّغَه أَعْلَى الرُّتَب مُديدَةً ثُمَّ سقَاهُ ابْنُ كِلِّس (١) الوَزِيْر، فَأَنكَرَ العَزِيْزُ ذَلِكَ. فَدَارَاهُ ابْنُ كِلِّس بِخَمْسِ مائَة أَلْف دِيْنَار (٢) . وَفِي سَنَةِ ٣٦٨ توثَّب عَلَى دِمَشْق قسّام الجُبَيْلِي التَّرَّاب (٣) ، وَالتفَّ عَلَيْهِ أَحَدَاثُ البَلَد وَشُطَّارُهَا. وَلَمْ يَبْقَ لأَمِيْرهَا مَعَهُ أَمْر (٤) . وَجَاءَ رَسُوْلُ العَزِيْز إِلَى أَمِيْرِ الوَقْت عَضُد الدَّوْلَة ليَخْطُبَ لَهُ، فَأَجَابَهُ بتلطُّفٍ وَودٍّ وَإِتحَافٍ، وَلَمْ يتَهَيَّأَ ذَلِكَ (٥) . وَفِيْهَا - أَي سنَة ٦٩ -:سَلْطَنَ الطَّائِعُ عَضُدَ الدَّوْلَة. وَبَلَّغَهُ أَقصَى الرُّتَب، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ أُمُورَ الرَّعيّة شَرْقاً وَغَرْباً، وَعَقَدَ بِيَدِهِ لَهُ لوَاءْين، وَزَادَ فِي أَلقَابه تَاج الملَة (٦) . وَتَزَوَّجَ الطَّائِعُ بِبِنْتِهِ عَلَى مائَةِ أَلْفِ دِيْنَار (٧) .

стр. 9443

وَفِي سَنَةِ سَبْعِيْنَ رَجَعَ عضُد الدَّوْلَة مِنْ هَمَذَان، فَخَرَجَ الطَّائِع لِتَلَقِّيه، أُكره عَلَى ذَا، وَمَا جَرَتَ عَادَةٌ لخَلِيْفَةٍ (١) بِهَذَا. وَفِي سَنَةِ إِحْدَى، وَقَعَ حَرِيْق عَظِيْمٌ بِبَغْدَادَ. وَذهبتِ الأَمْوَال (٢) . وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ مَاتَ السُّلْطَانُ عَضُدُ الدَّوْلَة، وَالسيِّدَةُ المحُجَّبَة سَارَة أُخْت المُقْتَدِر، وَقَدْ قَاربت التِّسْعِيْنَ. وَلَطمُوا أَيَّاماً فِي الأَسوَاق عَلَى العَضُد، وَتَمَلَّكَ ابْنُهُ صَمصَامُ (٣) الدَّوْلَة. وَفِي سَنَةِ ٣٧٧ تَهَيَّأَ العَزِيْزُ لِغَزْو الرُّوْمِ، فَأُحْرِقَتْ مرَاكبُهُ فَغَضِبَ، وَقَتَلَ مَائَتَي نَفْس اتَّهمهُم. ثُمَّ وَصَلَت رسُل طَاغيَةِ الرُّوْمِ بهديَّةٍ، تطلُبُ الهُدنَة، فَأَجَابَ بِشَرْط أَنْ لاَ يبقَى فِي مَمْلَكَتهمْ أَسيرٌ، وَبأَن يخطبُوا للعَزِيْزِ بِقُسْطَنْطِينِيَّة فِي جَامِعِهَا. وَعُقِدَت سَبْعَة أَعْوَام (٤) . وَمَاتَ مُتَوَلِّي إِفْرِيْقِيَة يُوْسُفُ بُلّكِين (٥) ، وَقَامَ ابْنُهُ المَنْصُوْر، وَبَعَثَ تقَادم إِلَى العَزِيْز قيمتُها أَلف أَلف دِيْنَار (٦) . واشْتَدَّ القَحْطُ بِبَغْدَادَ. وَابتيعت كَارَة (٧) الدقيقِ بِمئتين وَسِتِّيْنَ دِرْهَماً (٨) .

стр. 9444

وَغلَبَ شَرَفُ الدَّوْلَة عَلَى بَغْدَادَ، وَقَبَضَ عَلَى أَخِيْهِ الصَّمْصَام (١) . وَفِي سَنَةِ ٣٨١ عُزِلَ مِنَ الخِلاَفَة الطَّائِعُ، وَوَلِيَ القَادِرُ (٢) . وفِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ فِي رَمَضَانَ مَاتَ العَزِيْز بِبِلْبِيس (٣) فِي حمَّام مِنَ القُولَنج، وَعمره اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُوْنَ سَنَةً وَأَشهر. وَقَامَ ابْنُهُ الحَاكِمُ الزِنْدِيْق (٤) . ٧٠ - الحَاكِمُ بِأَمرِ الله مَنْصُوْرُ بنُ العَزِيْز بنِ المُعِزِّ * صَاحِبُ مِصْرَ الحَاكِمُ بِأَمرِ الله، أَبُو عَلِيٍّ مَنْصُوْرُ بنُ العَزيز نزَار بنِ المُعزِّ مَعَدِّ بن المَنْصُوْر إِسْمَاعِيْلَ بنِ القَائِمِ مُحَمَّدِ بنِ المَهْدِيّ، العُبَيْديُّ المِصْرِيُّ الرَّافضيُّ، بَلِ الإِسْمَاعِيْلِيُّ الزِّنديق المدَّعِي الرُّبُوبِيَّة. مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. وَأَقَامُوهُ فِي المُلْك بَعْدَ أَبِيْهِ، وَلَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً. فحكَى هُوَ، قَالَ: ضمَّنِي أَبِي وَقَبَّلَنِي وَهُوَ عُرْيَان وَقَالَ: امضِ فَالْعب، فَأَنَا فِي عَافيَة. قَالَ: ثُمَّ تُوُفِّيَ، فَأَتَانِي بَرْجَوَان (٥) ، وَأَنَا عَلَى جُمَّيزَة فِي الدَّار.

стр. 9445

فَقَالَ: انزلْ وَيْحَكَ، اللهَ اللهَ فِيْنَا، فنزلتُ، فوضَعَ العِمَامَة بِالجَوْهر عَلَى رَأْسِي، وَقبَّل الأَرْضَ ثُمَّ قَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَمِيْر المُؤْمِنِيْنَ، وَخَرَجَ بِي إِلَى النَّاس، فَقبَّلُوا الأَرْضَ، وَسلَّمُوا عليَّ بِالخِلاَفَة (١) . قُلْتُ: وَكَانَ شَيطَاناً مَريداً جَبَّاراً عنيداً، كَثِيْر التلُوَّنَ، سفَّاكاً لِلدمَاء، خَبِيْثَ النِّحْلَة، عَظِيْمَ المكْرِ جَوَاداً مُمَدَّحاً، لَهُ شَأْنٌ عَجِيْبٌ، وَنبأٌ غَرِيْبٌ، كَانَ فِرْعَوْن زمَانه، يَخْتَرِع كُلَّ وَقتٍ أَحْكَاماً يُلْزِمُ الرَّعيَة بِهَا. أَمر بِسَبِّ الصَّحَابَةِ ﵃، وَبكِتَابَةِ ذَلِكَ عَلَى أَبْوَابِ المَسَاجِدِ وَالشوَارع. وَأَمر عُمَّالَه بِالسَّبِّ، وَبِقَتْل الكِلاَبِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. وَأَبطل الفُقَّاعَ (٢) وَالمُلوخيَا، وَحرَّمَ السَّمَكَ الَّذِي لاَ فُلُوسَ عَلَيْهِ (٣) ، وَوَقَعَ ببَائِعٍ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَقتلهُم (٤) . وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، حرَّم بيع الرُّطَب، وَجَمَع مِنْهُ شَيْئاً عَظِيْماً، فَأَحْرَقَه، وَمَنَعَ مِنْ بيع العِنَبِ، وَأَبَاد الْكُرُوم (٥) . وَأَمَرَ النَّصَارَى بِتَعْلِيق صَليبٍ فِي رِقَابِهِم زِنَتُه رَطْلٌ وَرُبْعٌ بِالدِّمَشْقِيّ. وَأَلزم اليَهُوْدَ أَنْ يعلِّقُوا فِي أَعنَاقهُم قُرمِيَّةً فِي زِنَةِ الصَّليب إِشَارَةً إِلَى رَأْس العِجْل الَّذِي عَبَدُوهُ، وَأَن تكُون عمَائِمُهُم سُوداً، وَأَن يَدْخُلُوا الحَمَّامَ بِالصَّليب وَبَالقُرمِيَّة. ثُمَّ أَفْرَدَ لَهُم حَمَّامَاتٍ. وَأَمر فِي العَامِ بِهَدْمِ كنيسَة قُمَامَة (٦) ، وَبهدم كنَائِسِ مِصْر.

стр. 9446

فَأَسْلَمَ عِدَّة، ثُمَّ إِنَّهُ نَهَى عَنْ تقبيلِ الأَرْضِ، وَعَنِ الدُّعَاءِ لَهُ فِي الخُطَب وَفِي الكُتُبِ، وَجَعَلَ بدله السَّلاَم عَلَيْهِ (١) . وَقِيْلَ: إِنَّ ابْنَ بَادِيس (٢) أَمِيْرَ المَغْرِب بَعَثَ يَنْقم عَلَيْهِ أُمُوراً. فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَمِيلَه، فَأَظهر التَّفَقُّه، وَحَمَلَ فِي كُمِّه الدَّفَاتَر، وَطَلَبَ إِلَى عِنْدَهُ فَقيهينِ، وَأَمرَهُمَا بتدريسِ فَقهِ مَالِكٍ فِي الجَامِع، ثُمَّ تغيَّرَ، فَقتلهُمَا صَبْراً (٣) . وَأَذِنَ لِلنَّصَارَى الَّذِيْنَ أَكْرَهَهُم فِي العَوْد إِلَى الكُفْر. وَفِي سَنَةِ ٤٠٤ نَفَى المنجِّمِينَ مِنْ بلاَدِهِ (٤) ، وَمَنَعَ النِّسَاء مِنَ الخُرُوج مِنَ البُيوت، فَأَحسنَ وَأَبطَلَ عَمَلَ الخِفَاف لَهُنَّ جُمْلَةً، وَمَا زِلْنَ مِمَّنوعَاتٍ مِنَ الخُرُوج سبعَ سِنِيْنَ وَسبعَةَ أَشْهُرٍ (٥) . ثمَّ بَعْد مُدَّة أَمرَ بِإِنشَاء مَا هَدَم مِنَ الكنَائِسِ، وَبتنصُّر مَنْ أَسْلَمَ (٦) . وَأَنشَأَ الجَامِعَ بِالقَاهِرَة، وَكَانَ العَزِيْز ابتدأَه (٧) . وَقَدْ خَرَجَ عَلَيْهِ أَبُو رَكْوَة (٨) الوَلِيْدُ بنُ هِشَام العُثْمَانِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ بِأَرْضِ بَرْقَة، وَالتفَّ عَلَيْهِ البَرْبَرُ، وَاسْتَفْحل أَمْرُه، فَجَهَّزَ الحَاكِمُ لِحَرْبِهِ جَيْشاً،

стр. 9447

فَانتصَرَ أَبُو رَكْوَة وَتَمَلَّكَ وَجَرَتْ خُطُوب، ثُمَّ أُسِرَ وَقُتِلَ مِنْ جُنْده نَحْوٌ مِنْ سَبْعِيْنَ أَلْفاً. وَحُمِلَ إِلَى الحَاكِم فِي سَنَةِ ٣٩٧، فَذَبَحَه صَبْراً (١) . وَقَدْ حُبِّبَ فِي الآخر إِلَى الحَاكِم العُزْلَةُ، وَبَقِيَ يَرْكَبُ وَحْدَهُ فِي الأَسوَاق عَلَى حمَار، وَيقيم الحِسْبَة بنَفْسِهِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عبدٌ ضخمٌ فَاجرٌ، فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ تَأَدِيْبٌ، أَمرَ العَبْدَ أَنْ يولجَ فِيْهِ، وَالمَفْعُوْل بِهِ يَصِيْح (٢) . وَقِيْلَ: إِنَّهُ أَرَادَ ادِّعَاءَ الإِلهيَّة، وَشَرَعَ فِي ذَلِكَ، فَكلَّمه الكُبَرَاء، وَخوَّفُوهُ مِنْ وَثوبِ النَّاسِ، فَتَوَقَّف (٣) . وَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِ مائَةٍ، أَقَامَ الدَّعوَة قِرْوَاشُ بنُ مُقَلد بِالمَوْصِل لِلْحَاكِم، فَأَعطَى الخَطِيْب نُسْخَة بِمَا يَقُوْله: الحَمْدُ للهِ الَّذِي انجلتْ بِنُورِهِ غَمَرَاتُِ الغصْبِ وَانقهرتْ بقدرتِهِ أَركَانُ النصْبِ، وَأَطْلَعَ بِأَمره شَمْسَ الحَقِّ مِنَ الغَرْب، وَمحَى بِعدْلِهِ جُوْرَ الظُّلْمَة، فَعَادَ الحَقُّ إِلَى نِصَابِهِ البَاين بذَاته، المُنْفَرِدِ بِصِفَاتِهِ، لَمْ يُشْبِه الصُوَرَ فتحتويه الأَمكِنَة، وَلَمْ تَرَه العُيُونُ فَتَصِفُهُ، ثمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ عليّ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ، وَسَيِّد الْوَصِيّين، وَعمَادِ العِلْمِ، وَعَلَى أَغصَانه البوَاسق. اللَّهُمَّ وَصلِّ عَلَى الإِمَامِ المَهْدِيّ بِك، وَالَّذِي جَاءَ بِأمرِكَ، وَصلِّ عَلَى القَائِم بِأَمرك، وَالمَنْصُوْر بنَصْرِكَ، وَعَلَى المُعِزِّ لدينك، المجَاهِد فِي سَبِيلك، وَصلِّ عَلَى العَزِيْزِ بِكَ، وَاجعل نوَامِي صلوَاتك عَلَى مولاَنَا إِمَام الزَّمَان، وَحِصْن

стр. 9448

الإِيْمَان، صَاحِب الدَّعوَة العَلَوِيَّة عبدِك وَوليِّك أَبِي عَلِيٍّ الحَاكِمِ بِأَمرك أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ (١) . وأُقيمت الدَّعْوَةُ عَلَى يدِ قِرْوَاش بِالكُوْفَةِ وَبَالمَدَائِن (٢) . ثمَّ اسْتمَالَ القَادِرُ بِاللهِ قِرْوَاشاً، وَنَفَّذّ إِلَيْهِ تُحَفاً بِثَلاَثِيْنَ أَلفَ دِيْنَارٍ، فَأَعَاد لَهُ الخُطبَة (٣) . وَاستحوذَتِ العَرَبُ عَلَى الشَّامِ، وَحَاصرُوا القِلاَع. وَتمَّ القَحْط الشَّدِيدُ بنَيْسَابُوْرَ وَنوَاحيهَا، حَتَّى هَلَكَ مائَة أَلْف أَوْ يَزيدُوْنَ. وَأُكِلت الجِيَف وَلحوم الآدمِيين (٤) . وفِي الأَربع مائَة وَبعدَهَا كَانَتِ الأَنْدَلُسُ تَغْلِي بِالحُرُوبِ وَالقِتَال عَلَى المُلْك (٥) . وَأَنشَأَ دَاراً كَبِيْرَةً ملأَهَا قيوداً وَأَغْلاَلاً وَجَعَلَ لَهَا سَبْعَةَ أَبْوَابٍ، وَسمَّاهَا جَهَنَّم، فَكَانَ مِنْ سَخِطَ عَلَيْهِ، أَسْكَنَه (٦) فِيْهَا. وَلَمَّا أَمَرَ بحَرِيْق مِصْر، وَاسْتبَاحَهَا، بَعَثَ خَادمَه ليشَاهدَ الحَال. فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: كَيْفَ رَأَيْتَ؟ قَالَ: لَوِ اسْتبَاحَهَا طَاغيَةُ الرُّوْم مَا زَادَ عَلَى مَا رَأَيْتُ، فَضَرَبَ عُنُقَه. وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِ مائَةٍ كُتِبَ بِبَغْدَادَ محَضرٌ يتضمَّن القَدْحَ فِي أَنْسَابِ

стр. 9449

أَصْحَابِ مِصْر وَعَقَائِدِهم وَأَنَّهُم أَدْعيَاء. وَأَنَّ انتمَاءهُم إِلَى الإِمَامِ عَلِيّ بَاطِلٌ وَزور، وَأَنَّ النَّاجمَ بِمِصْرَ اليَوْمَ وَسَلَفَه (١) كفّارٌ وَفُسَّاق وزنَادقَة، وَأَنَّهُم لمَذْهَبِ الثَّنَوِيَّة معتقدُوْنَ، عطَّلُوا الحُدُوْدَ، وَأَباحُوا الفُروج، وَسفكُوا الدِّمَاء، وَسبُّوا الأَنْبِيَاءَ، وَادَّعُو الربوبيَةَ، فَكَتَبَ خَلْقٌ فِي الْمحْضر مِنْهُم الشَّرِيْف الرَّضِي، وَأَخُوْهُ المُرْتَضَى، وَالقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ الأَكْفَانِي، وَالشَّيْخ أَبُو حَامِدٍ الإِسْفَرَايينِي، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الكَشْفُلِيُّ الفَقِيْه، وَالقُدورِيُّ، وَالصَّيْمَرِيُّ، وَعِدَّةٌ (٢) . وَهَرَبَ مِنْ مِصْرَ نَاظرُ الدِّيْوَانِ الوَزِيْرُ أَبُو القَاسِمِ بنُ المَغْرِبِيّ إِذْ قَتَلَ الحَاكِمُ أَبَاهُ وَعَمَّه وَصَارَ إِلباً عَلَيْهِ يَسْعَى فِي زوَالِ مُلْكه (٣) ، وَحسَّن لمفرج الطَّائِيّ أَمِيْرِ العَرَب الخُرُوجَ عَلَى الحَاكِم. فَفَعَلَ وَقُتِلَ قَائِدُ جَيْشه، وَعَزَمُوا عَلَى مبَايعَة صَاحِب مَكَّة العَلَوِيِّ، وَكَادَ أَنْ يتمَّ ذَلِكَ ثُمَّ تلاشَى (٤) . وفِي سَنَةِ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، أُخِذَ الوفدُ العِرَاقِيُّ، وَغوِّرت المِيَاهُ، وَهَلَكَ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلف مُسْلِمٍ. ثُمَّ أُخِذَ مِنَ العَرَب ببَعْض الثَّأْر، وَقُتِلَ عِدَّة (٥) . وَبَعَثَ المَلِكُ مَحْمُوْدُ بنُ سُبُكْتِكين كِتَاباً إِلَى الخَلِيْفَة بِأَنَّهُ وَرَدَ إِلَيْهِ مِنَ الحَاكِمِ كِتَابٌ يدعُوهُ فِيْهِ إِلَى بيعَته، وَقَدْ خرَّق الكِتَابَ، وَبصَقَ عَلَيْهِ (٦) . وفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ جَعَلَ الحَاكمُ وَلِيَّ عَهْدِهِ ابْنَ عَمِّهِ عَبْدَ الرَّحِيْمِ بنَ

стр. 9450

إِليَاس (١) ، وَصَلُحَتْ سِيرتهِ، وَأَعتقَ أَكْثَرَ مَمَالِيْكه. وفِي هَذَا الْقرب تمت مَلْحَمَة عَظِيْمَةٌ بَيْنَ ملكِ التُّرْكِ طُغَان بِالمُسْلِمِيْنَ، وَبَيْنَ عَسَاكِرِ الصين، فَدَامت الحَرْبُ أَيَّاماً، وَقُتِلَ مِنْ كُفَّار الصين نَحْوٌ مِنْ مائَةِ أَلْف (٢) . وَفِي سَنَةِ خَمْس ظَفِرَ الحَاكِمُ بنسَاءٍ عَلَى فسَادٍ، فَغَرّقَهُنَّ، وَكَانَتِ الغَاسِلَة لاَ تخرجُ إِلَى امْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ عَدلين. وَمَرَّ القَاضِي مَالِكُ بنُ سَعِيْدٍ الفَارقِي، فَنَادته صبية مِنْ رَوْزَنَةٍ (٣) :أَقْسَمت عَلَيْك بِالحَاكِمِ أَنْ تَقِفَ، فَوَقَفَ فَبكَتْ، وَقَالَتْ: لِي أَخٌ يموتُ، فَبِاللهِ إِلاَّ مَا حَمَلْتَنِي إِلَيْهِ لأَرَاهُ، فَرَقَّ، وَبَعَثَ مَعَهَا عَدْلَين، فَأَتَتْ بيْتاً، فَدَخَلَتْ، وَالبَيْت لعَاشِقِهَا. فَجَاءَ الزَّوجُ فسَأَلَ الجِيرَان، فَحَدَّثوهُ، فَجَاءَ إِلَى القَاضِي، وَصَاح، وَقَالَ: لاَ أَخَ لَهَا، وَمَا أُفَارقُك حَتَّى تردهَا إِلَيَّ (٤) ، فَحَار القَاضِي، وَطَلَعَ بِالرَّجُل إِلَى الحَاكِم، وَنَادَى العفْوَ فَأَمَرَه أَنْ يَرْكَبَ مَعَ الشَّاهدَيْن، فَوَجَدُوا المَرْأَةَ وَالشَّابَّ فِي إِزَارٍ وَاحِد عَلَى خُمَار (٥) فَحُمِلا عَلَى هيئتِهِمَا. فسأَلهَا الحَاكِمُ فَأَحَالتْ عَلَى الشَّابِّ، وَقَالَ: بَلْ هَجَمَتْ عَلِيَّ، وَزَعَمَتْ أَنَّهَا بِلاَ زوجٍ. فلُفَّتْ فِي بارِيَّةٍ (٦) ، وَأُحْرِقَتْ، وضُرِبَ الشَّابُّ أَلفَ سَوط (٧) . وولِي دِمَشْقَ لِلْحَاكُم عِدَّةُ أُمرَاء مَا كَانَ يَدَع النَّائِب يَسْتَقر حَتَّى يَعْزِله.

стр. 9451

وفِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِ مائَةٍ سقَطَتْ قُبَّة الصَّخْرَة (١) . وَفِيْهَا: اسْتولَى ابْن سُبُكْتِكين عَلَى خُوَارَزْم (٢) . وَفِيْهَا: قتل الدُّرْزِيُّ (٣) الزِّنديق لادِّعَائِه ربوبيَةَ الحَاكِم. وَفِي سَنَةِ تِسْعٍ افتَتَح مَحْمُوْد مَدِينَتَيْنِ مِنَ الهِنْد، وَجَرَتْ لَهُ حُرُوبٌ وَملاَحم عَجِيْبَة (٤) . وفِي شَوَّال سنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ عُدِمَ الحَاكِمُ، وَكَانَ الخَلْق فِي ضَنْكٍ (٥) مِنَ الْعَيْش مَعَهُ، صَالحهُم وَطَالحهُم، وَكَانُوا يَدسُّوْنَ إِلَيْهِ الرِّقَاع المَخْتُوْمَة بِسبِّه وَالدُّعَاءِ عَلَيْهِ، لأَنَّه كَانَ يَدُور فِي القَاهرَة عَلَى دَابَّةٍ، وَيتزهَّد. وعَمِلُوا هَيْئَةَ امْرَأَةٍ مِنْ كَاغَد (٦) بخُفٍّ وَإِزَار فِي يدِهَا قِصَّةٌ، فَأَخَذَهَا فَرَأَى فِيْهَا العظَائِمَ، فَهَمَّ بِالمَرْأَةِ فَإِذَا هِيَ تمثَال، فَطَلبَ العُرفَاء وَالأُمَرَاء فَأَمَرَ بِالمُضِي إِلَى مِصْرَ وَنهبهَا وَإِحرَاقهَا، فَذهبُوا لِذَلِكَ، فَقَاتل أَهْلُهَا، وَدَافَعُوا وَاسْتَمرَّت النَّار، وَالحَرْبُ بَيْنَ الرَّعيَة وَالعَبيد ثَلاَثاً، وَهُوَ يَركب حِمَاره، وَيشَاهدُ الحَرِيْقَ وَالضَّجَّةَ فيتَوَجَّعُ لِلنَّاسِ، وَيَقُوْلُ: لَعَنَ اللهُ مِنْ أَمر بِهَذَا. فَلَمَّا كَانَ ثَالثُ يَوْمٍ اجتَمع الكُبَرَاءُ وَالمَشَايِخ إِلَيْهِ، وَرَفعُوا المَصَاحِفَ وَبكُوا، فَرَحمهُمْ جُنْدُه الأَترَاك، وَانْضَمُّوا إِلَيْهِم، وَقَاتَلُوا مَعَهُم. وَقَالَ هُوَ: مَا أَذِنْتَ لَهُم، وَقَدْ أَذِنْتُ لَكُم فِي الإِيقَاع بِهِم. وَبَعَثَ فِي السرّ إِلَى العبيد: اسْتمرُّوا، وَقوَّاهُمْ بِالأَسلحَة. وَفَهِمَ

стр. 9452

ذَلِكَ النَّاسُ فَبعثُوا إِلَيْهِ يَقُوْلُوْنَ: نَحْنُ نَقْصِدُ أَيْضاً القَاهرَة، فَأَمرَ العبيدَ بِالكَفِّ بَعْدَ أَنْ أَحرق مِنْ مِصْرَ ثلثهَا، وَنَهَبَ وَأَسَرَ النِّصْفَ، ثُمَّ اشْتَرَى النَّاس حُرَمَهُم مِنَ العبيدِ بَعْدَ أَنْ فَجَرُوا بِهنَّ، وَكَانَ قَوْمٌ مِنْ جَهَلَةِ الغَوْغَاءِ إِذَا رأَوا الحَاكِم، يَقُوْلُوْنَ: يَا وَاحِدُ، يَا أَحَدْ، يَا مُحْيِي يَا مُمِيت، ثُمَّ أَوْحَش أُخْتَه سِتَّ المُلْك بِمرَاسلاَتٍ قبيحَة أَنَّهَا تزنِي، فَغَضِبَتْ، وَرَاسلت الأَمِيْرَ ابْنَ دَوَّاس، وَكَانَ خَائِفاً مِنَ الحَاكِم، ثُمَّ ذَهَبَتْ إِلَيْه سِرّاً، فَقبَّل قَدَمَهَا، فَقَالَتْ: جِئْتُ فِي أَمرٍ أَحْرُسُ نَفْسِي وَنفْسَك، قَالَ: أَنَا مَمْلُوكك. قَالَتْ: أَنْتَ وَنَحْنُ عَلَى خطرٍ مِنْ هَذَا. وَقَدْ هَتَكَ النَّاموسَ الَّذِي قررَّه آبَاؤنَا، وَزَاد بِهِ جُنونُه، وَعمِلَ مَا لاَ يَصْبر عَلَيْهِ مُسْلِمٌ، وَأَنَا خَائِفَةٌ أَنْ يُقتلَ فَنقْتَل، وَتنقضِي هَذِهِ الدَّوْلَة أَقبح انْقِضَاءٍ. قَالَ: صَدَقْتِ، فَمَا الرَّأْيُّ؟ قَالَتْ: تحلِفْ لِي، وَأَحلِفُ لَكَ عَلَى الكِتْمَان. فتعَاقدَا عَلَى قَتْله، وَإِقَامِة ابْنِه، وَتكُون أَنْتَ أَتَابكَه (١) ، فَاخْتَر عبدينِ تعتمدُ عَلَيْهِمَا عَلَى سرِّكَ. فَأَحْضَرَ عَبْدَيْنِ شَهْمِين، أَمِينين، فحلَّفَتْهُمَا، وَأَعْطَتْهُمَا أَلفَ دِيْنَارٍ، وَإِقْطَاعاً. وَقَالَتْ: اكْمُنَا لَهُ فِي الجَبَلِ، فَإِنَّهُ غداً يصعدُ، وَمَا مَعَهُ سِوَى رِكَابِيٍّ وَمَمْلُوْكٍ، ثُمَّ ينفَرِدُ عَنْهُمَا فَدُونَكُمَاهُ، وَكَانَ الحَاكِم ينظُر فِي النُّجُوْمِ وَعَلَيْهِ قطع حِيْنَئِذٍ مَتَى نَجَا مِنْهُ عَاشَ نَيِّفاً وَثَمَانِيْنَ سَنَةً. فَأَعلَم أُمّه، وَأَعطَاهَا مِفتَاح خِزَانَة فِيْهَا ثَلاَث مائَة أَلْف دِيْنَار، وَقَالَ: حوّلِيهَا إِلَى قصرك، فَبكَتْ، وَقَالَتْ: إِذَا كُنْتَ تتصوُّر هَذَا فَلاَ تركب اللَّيْلَةَ. قَالَ: نَعَمْ. وَكَانَ يعُسُّ (٢) فِي رِجَالٍ، فَفَعَل ذَلِكَ، وَنَامَ، فَانْتَبَه فِي الثُّث الأَخِيْر وَقَالَ: إِنْ لَمْ أَركبْ وَأَتفرجْ، خرجَتْ نَفْسِي. وَكَانَ مُسودَناً، فَرَكِبَ وَصعَّد فِي الجبلِ، وَمَعَهُ صَبِيٌّ، فشدَّ عَلَيْهِ العَبْدَان

стр. 9453

فَقَطَعَا يَدَيْهِ، وَشقَّا جَوْفَه، وَحَمَلاَهُ فِي عَبَاءةٍ لَهُ إِلَى ابْنِ دوَّاس، وَقتلاَ الصَّبيَّ، وَأَتَى بِهِ ابْنُ دوَّاس إِلَى أُخْته فَدَفَنَتْهُ فِي مَجْلِسٍ سِرّاً (١) . وَطلبتِ الوَزِيْر وَاسْتكتمَتْه، وَأَنَّ يطلُبَ وَلِيَّ العهدِ عَبْدَ الرَّحِيْم ليُسْرِع، وَكَانَ بِدِمَشْقَ، وَجهّزت أَمِيْراً فِي الطَّرِيْق ليقْبض عَلَى عَبْد الرَّحِيْمِ، وَيدَعه بتنِّيس، وَفُقِدَ الحَاكِم، وَمَاجَ الخَلْق، وَقصدُوا الجبلَ، فَمَا وَقفُوا لَهُ عَلَى أَثَرٍ. وَقِيْلَ: بَلْ وَجَدُوا حمَارَه مُعَرْقَباً (٢) ، وَجبَّتَه بِالدِّمَاء. وَقِيْلَ: قَالَتْ أُخْته: إِنَّهُ أَعْلَمنِي أَنَّهُ يغيبُ فِي الْجَبَل أُسْبُوْعاً، وَرتبتْ ركَابية يمضُون وَيعُودُوْنَ، فَيَقُوْلُوْنَ: فَارَقْنَاهُ بِمَكَان كَذَا وَكَذَا، وَوعَدَنَا إِلَى يَوْم كَذَا. وَأَقبلت سِتُّ المُلْك تَدْعُو الأُمَرَاء وَتستحلِفُهُم، وَتعطيهُم الذَّهب، ثُمَّ أَلبست عَلِيَّ بن الحَاكِم أَفخَر الثِّيَاب، وَقَالَتْ لاِبْنِ دوَّاس: المعوَّل فِي قيَامِ دَوْلته عَلَيْك، فَقبَّل الأَرْضَ، وَأَبرزت الصَّبيَّ، وَلقبتْه الظَّاهِرَ لإِعزَازِ دينِ الله. وَأَلبستْه تَاجَ جدِّهَا المُعِزِّ، وَأَقَامت النِّيَاحَة عَلَى الحَاكِم ثَلاَثَةَ أَيَّام، وَجَعَلت القَوَاعد كَمَا فِي النَّفْس، وَبَالَغَتْ فِي تعَظِيْم ابْنِ دوَّاس، ثُمَّ رتَّبَتْ لَهُ فِي الدِّهليز مائَةً، فَهبَّروهُ، وَقتلت جَمَاعَةً مِمَّن اطَّلع عَلَى سرِّهَا، فعظُمَت هيبتُهَا، وَمَاتَتْ بَعْد ثَلاَثِ سِنِيْنَ (٣) . وَذَكَرْنَا فِي تَرْجَمَتِهِ (٤) ، أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ القَصْر فطَافَ ليلَته، ثُمَّ أَصْبَحَ، فتوجَّه إِلَى شرقِي حُلْوَان مَعَهُ رِكَابيَان، فردَّ أَحَدهُمَا مَعَ تِسْعَةٍ مِنَ العَرَبِ، ثُمَّ أَمر الآخر ِالاَنْصرَافِ، فزعَمَ أَنَّهُ فَارقه عِنْد المَقْصَبَة (٥) . فَكَانَ آخِرَ الْعَهْد

стр. 9454

بِهِ. وَخَرَجَ النَّاسُ عَلَى رَسمْهم يلتَمِسُوْنَ رَجُوعَه، مَعَهُم الجَنَائِب، فَفَعلُوا ذَلِكَ جُمعَةً. ثُمَّ خَرَجَ فِي ثَانِي ذِي القَعْدَةِ مُظَفَّر صَاحِب المِظَلَّة (١) وَنسيم، وَعِدَّة، فَبلّغُوا دَير القُصَيْر (٢) ، وَأَمعَنُوا فِي الدُّخول فِي الجَبَل، فَبَصُرُوا بحمَارِهِ الأَشهب المسمَّى بقَمر، وَقَدْ ضُربت يدَاهُ، فَأَثَّر فِيْهِمَا الضَرْب، وَعَلَيْهِ سَرْجه وَلجَامُهُ، فتتبعُوا أَثَر الحِمَار فَإِذَا أَثر رَاجلٍ خَلْفَه، وَرَاجل قُدَّامه، فَقصُّوا الأَثر إِلَى بِرْكَةٍ بشرقِي حُلْوَان، فَنَزَلَ رَجُلٌ إِلَيْهَا، فَيجد فِيْهَا ثيَابه وَهِيَ سَبْع جِبَاب، فَوَجِدَت مُزَرَّرَةً، وَفِيْهَا آثَار السَّكَاكين، فَمَا شكُّوا فِي قَتْلِهِ (٣) . وَثَمَّ اليَوْم طَائِفَة مِنْ طَغَام الإِسْمَاعِيْلِيَّة الَّذِيْنَ يحلِفون بغيبَة الحَاكِم، مَا يعتقِدُوْنَ إِلاَّ أَنَّهُ باقٍ، وَأَنَّهُ سَيظْهر - نَعُوذ بِاللهِ مِنَ الجَهْل -. وحُلْوَان قريَةلإ نَزِهَةٌ عَلَى خَمْسَة أَمِيَالٍ مِنْ مِصْرَ، كَانَ بِهَا قصرُ الأَمِيْر عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ مَرْوَانَ، فَوُلِدَ لَهُ هُنَاكَ عمَر بن عَبْدِ العَزِيْزِ فِيْمَا يُقَال (٤) .

стр. 9455

وَقَدْ قَتَل الحَاكِمُ جَمَاعَةً مِنَ الأُمَرَاء بِلاَ ذَنْبٍ، وَذبَح قَاضيين لَهُ. وَأَمَّا عَبْدُ الرَّحِيْمِ بنُ إِليَاس العُبَيْدِي، فَإِنَّ الحَاكِم وَلاَّهُ عَهْدَه، ثُمَّ بَعَثَهَ عَلَى نِيَابَة دِمَشْق سَنَةَ عَشْرٍ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، فَأَقبلَ عَلَى المَلاَهِي وَالخُمور، وَاضطرب العَسْكَر عَلَيْهِ، وَوقَع الحَرْب بِدِمَشْقَ وَالنَّهب، وَصَادر هُوَ الرَّعيَة، فَلَمَّا مَاتَ الحَاكِمُ قَبضَ الأُمَرَاءُ عَلَى وَلِيِّ الْعَهْد، وَسجنوهُ وَاغتَالُوهُ. وَقِيْلَ: بَلْ نَحَر نَفْسَه قِي الحَبْس (١) . وسيرَةُ الحَاكِمِ، وَعَسْفُه تَحْتَمِل كَرَارِيْس. ٧١ - الظَّاهِرُ لإِعزَاز دينِ الله عَلِيُّ بنُ الحَاكِمِ بن العَزِيْز * صَاحِبُ مِصْرَ الظَّاهِر لإِعزَاز دينِ الله، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ الحَاكِمِ مَنْصُوْر بن العَزِيْز نزَارِ بنِ المُعِزّ، العُبَيْديُّ المِصْرِيُّ. وَلاَ أَسْتَحِلُّ أَنْ أَقُوْلَ العَلَوِيُّ الفَاطِميُّ، لمَا وَقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنَّهُ دَعِيٌّ. وَقِيْلَ: يُكْنَى أَبَا هَاشِمٍ. بُوْيِعَ وَهُوَ صَبِيّ لَمَّا قُتِلَ أَبُوْهُ فِي شَوَّالٍ سنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ. وكَانَتْ دولتُهُ عَلَى مِصْرَ وَالشَّام وَالمَغْرِب. وَلَكِنْ طمع فِي أَطرَاف بلاَده طوَائِفُ، فَتَقَّلبَ حَسَّانُ بنُ مفرِّج الطَّائِيّ صَاحِبُ الرَّمْلَة عَلَى كَثِيْرٍ مِنَ الشَّام، وضعُفت الإِمَارَة العُبَيْدِيَّة قَلِيْلاً (٢) .
следующие страницы →