← Тараджим

Тараджим · id 10906

سير أعلام النبلاء - ط الرسالة

شمس الدين الذهبي

Полный текст (14 211 стр.). Показаны 9381–9420 · переход к 9386.

стр. 9381

إِلَيْهِ فَوَجَدَه بِالرَّقَّةِ. وَبَانَ لِلْمُتَّقِّي مِنْ بَنِي حَمْدَان الضَّجر، فرَاسل تَوْزون، وَاسْتوثَقَ مِنْهُ (١) ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ الإِخْشِيد، فَقَالَ لِلْمُتَّقِّي: أَنَا عبدُك، وَقَدْ عرفتَ غدْر الأَترَاكِ، فَاللهَ اللهَ فِي نَفْسِك، سِرْ مَعِي إِلَى الشَّامِ وَمِصْرَ، لتَأَمنَ. فَلَمْ يُطْعه، فرُدَّ إِلَى بلاَده (٢) . وَقُتِلَ بِبَغْدَادَ حَمْدِي اللِّصُّ الَّذِي ضَمِنَ (٣) اللُّصُوصِيَّة فِي الشَهْر بخَمْسَةٍ وَعِشْرِيْنَ أَلْف دِيْنَارٍ. فَكَانَ ينزِل عَلَى الدُّور وَالأَسوَاق بِالشَّمْعِ وَالمَشْعَل جِهَاراً. ظَفِرَ بِهِ شِحْنَةُ بَغْدَاد فوسَّطه (٤) . وَكَانَ توزون بِبَغْدَادَ وَإِليه الأُمُور فَاعْتَرَاهُ صَرْع (٥) . وَهلك أَبُو عَبْدِ اللهِ البَريديُّ، وَخَلَّفَ أَلفَ أَلفِ دِيْنَارٍ، وَبِضْعَةَ عشر أَلف أَلفِ دِرْهَم، وَمِنَ الآلاَت وَالقُمَاشِ مَا قيمتُهُ أَلفُ أَلفِ دِيْنَارٍ (٦) . وَتوجَّه المُتَّقِّي مِنَ الرَّقَّة إِلَى بَغْدَادَ، فَأَقَامَ بِهِيْتَ، وَحَلَفَ لَهُ تَوْزون، فَلَمَّا الْتَقَاهُ، ترجَّل لَهُ وَقَبَّلَ الأَرْضَ، وَمَشَى بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى مخيَّمٍ ضَرَبَه لِلْمُتَّقِّي، فَلَمَّا نَزَلَ قَبَضَ توزون عَلَيْهِ وَسَمَله، وَأُدْخِلَ بَغْدَادَ أَعْمَى (٧) ، فَللَّه الأَمْرُ، وَأَخَذَ مِنْهُ البُردَ وَالقَضِيْبَ وَالخَاتَمَ. وَأَحْضَرَ عَبْدَ اللهِ المستكفِي بِاللهِ بن المُكْتَفِي فَبايَعَهُ بِالخِلاَفَة.

стр. 9382

خُلِعَ المُتَّقِّي فِي العِشْرِيْنَ مِنَ الُحَرَّم سَنَةَ ثَلاَثٍ وَثَلاَثِيْنَ. وَقِيْلَ: فِي صَفَرٍ وَلَمْ يُمْهل توزون وَلاَ حَال عَلَيْهِ الحَوْلُ. تُوُفِّيَ المُتَّقِي فِي السِّجن بَعْد كَحْلِهِ بِدَهْرٍ وَذَلِكَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. وَلَهُ مِنَ الأَوْلاَد: أَبُو مَنْصُوْرٍ مُحَمَّد فَقط. ٦٠ - المُسْتَكْفِي بِاللهِ عَبْدُ اللهِ بنُ المُكْتَفِي بنِ المُعْتضدِ * الخَلِيْفَةُ، المُسْتكفِي بِاللهِ، أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ اللهِ ابنُ المُكْتَفِي عَلِيِّ بنِ المُعْتضد العَبَّاسِيُّ. كَانَ ربْعَ القَامَة مَلِيحاً، معتدلَ البَدَن، أَبيضَ بحمرَة، خَفِيْفَ العَارضين. وَأُمُّه أُمّ وَلد. بُوْيِع وَقت خَلْع المُتَّقِّي للهِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ إِحْدَى وَأَرْبَعُوْنَ سنَةً. قَامَ ببيعتِهِ توزونُ، فَأَقبلَ أَحْمَدُ بنُ بُويه، وَاسْتَوْلَى عَلَى الأَهْوَاز وَالبَصْرَة وَوَاسط، فَبَرَزَ لمحَاربته جَيْشُ بَغْدَاد مَعَ توزون، فَدَام الحَرْب بينهُمَا أَشهُراً، وَينهزمُ فِيْهَا توزون وَلاَزَمه الصَّرْع، وَضَاق بِأَحْمَدَ الحَالُ وَالقَحطُ، فردَّ إِلَى الأَهْوَاز، وَقَطَعَ توزونُ الجِسْر وَرَاءهُ، وَعَادَ إِلَى بَغْدَادَ مشغولاً بنَفْسِهِ (١) . وَوَزَرَ أَبُو الفَرَجِ السَّامَرِّيُّ، ثُمَّ عَزَلَهُ توزون بَعْد أَرْبَعِيْنَ يَوْماً، وَأَغرمَهُ ثَلاَث مائَة أَلْفِ

стр. 9383

دِيْنَار (١) . وَرَدَّ إِلَى الوِزَارَة أَبَا جَعْفَرٍ بنَ شيرزَاد (٢) ، وَاشْتَدَّ بِالعِرَاقِ القَحط، وَمَاتَ النَّاس جُوعاً، وَهَلَكَ ملك الأُمَرَاءِ توزون فِي أَوَّلِ سَنَةِ أَرْبَعٍ، فَطَمِعَ فِي مَنْصِبِهِ ابْنُ شيرزَاد، وَحلَّفَ العَسَاكِر، وَنَزَلَ بِظَاهِر بَغْدَاد، وَبَعَثَ المستكفِي إِلَيْهِ بِالخِلعَ وَالإِقَامَات، فصَادر التُّجَّارَ وَالكُتَّاب، وَسلَّط جندَه عَلَى العوَامّ. فَهَرَبَ النَّاس، وَانْقَطَع الجَلبُ، وَوَهَن أَمن بَغْدَاد (٣) . وَأَمَّا أَحْمَدُ بنُ بُوَيه فَقَصَد بَغْدَاد، وَنَزَلَ بَاجِسْرَاي (٤) ، وَهَرَبَ الأَترَاكُ إِلَى المَوْصِلِ، وَاسْتتر المُسْتَكْفِي، وَابْنُ شيرزَاد، فَنَزَلَ مُعزُّ الدَّوْلَة أَحْمَد بن بُوَيْه بِالشَّمَّاسيَّةِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ الخَلِيْفَة التُّحَفَ وَالخِلَعَ، ثُمَّ حَضَرَ وَبَايَعَ، فلقَّبه الخَلِيْفَة بِمعزّ الدَّوْلَة، وَلقَّب أَخَاهُ عَلِيّاً عمَادَ الدَّوْلَة، وَأَخَاهُ الآخِر الحَسَنَ رُكْنَ الدَّوْلَة. وضُرِبَت أَسمَاؤُهُم عَلَى السِّكَّةِ، ثُمَّ ظَهَرَ ابْنُ شيرزَاد، وَقَرَّر مَعَ معزِّ الدَّوْلَة أُمُوراً، مِنْهَا: فِي الشَّهْرِ لِلْخَلِيْفَة مائَةٌ وَخَمْسُوْنَ أَلفَ دِرْهَم لَيْسَ إِلاَّ (٥) ، وَكَانَتْ عَلمَ القَهْرمَانَة معظَّمَة عِنْد المُسْتكفِي تَأمر وَتنَهَى فعَمِلَتْ دَعْوَةً لِلأُمرَاء فَاتَّهَمهَا معزُّ الدَّوْلَة (٦) وَكَانَ أَصفَبذ (٧) قَدْ شَفَعَ إِلَى الخَلِيْفَة فِي شيعِيّ مَغْبِن فَرَدَّهُ فَحَقَدَ. وَقَالَ لمعزِّ الدَّوْلَة: الخَلِيْفَة يُرَاسلنِي فيكَ، فتَخَيَّل

стр. 9384

مِنْهُ (١) ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى الخَلِيْفَة اثْنَانِ مِنَ الدَّيْلَمِ، فَطَلبَا مِنْهُ الرِّزْقَ، فمدَّ يدَهُ لِلتَّقْبِيل، فجبذَاهُ (٢) مِنْ سريرِ الخِلاَفَة، وَجَرَّاهُ بعِمَامَته، وَنُهِبتْ دَارهُ، وَأَمسكُوا القَهْرَمَانَة وَجَمَاعَةً، وسَاقُوا المُسْتَكْفِي مَاشياً إِلَى منزِلِ مُعزِّ الدَّوْلَة، فَخَلَعَ المستكفِي وَسَمَلَه. فَكَانَتْ خِلاَفَتُهُ ستّةَ عشرَ شَهْراً، وَبَايعُوا فِي الحَال الفَضْلَ بنَ المُقْتَدر، وَلقَّبُوهُ المُطِيع للهِ. وَبَقِيَ المستكفِي مسجوناً إِلَى أَنْ مَاتَ: فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلاَثِيْنَ وَثلاث مائَة، وَلَهُ سِتٌّ وَأَرْبَعُوْنَ سنَةً، وَاسْتقلَّ بِملك العِرَاق معزُّ الدَّوْلَة. وضعُفَ دَسْت الخِلاَفَة جِدّاً، وَظَهَرَ الرَّفض وَالاعتزَالُ ببنِي بُويه، نَسْأَل اللهَ العفوَ. وَكَانَ إِكحَالُ المُسْتَكْفِي بَعْدَ أَنْ خَلَعَ نَفْسه ذليلاً مقهوراً فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلاَثِيْنَ، فَعَاشَ بَعْد العَزْل وَالكَحْل أَرْبَعَة أَعْوَامٍ (٣) . ٦١ - المُطِيعُ للهِ الفَضْلُ ابنُ المُقْتَدِرِ جَعْفَرِ بنِ المُعْتَضِدِ * الخَلِيْفَةُ، أَبُو القَاسِمِ الفَضْلُ ابنُ المُقْتَدِرِ جَعْفَرِ ابنِ المُعْتضدِ أَحْمَدَ بنِ المُوَفَّقِ العَبَّاسِيُّ. وُلِدَ: سَنَةَ إِحْدَى وَثَلاَثِ مائَةٍ. وبُوْيِعَ بحكمِ خَلْعِ المستكفِي نَفْسه سنَةَ ٣٣٤، وَأُمُّه اسْمُهَا: مشغلَة (٤) أُمُّ وَلدٍ.

стр. 9385

حَدَّثَ عَنْ: أَبِي القَاسِمِ البَغَوِيِّ. رَوَى عَنْهُ: أَبُو الفَضْلِ التَّمِيْمِيَّ (١) . وَكَانَ كَالمقهورِ مَعَ نَائِب (٢) العِرَاقِ ابْن بُوَيْه، قرَّرَ لَهُ فِي اليَوْمِ مائَةَ دِيْنَارٍ فَقط (٣) . وَاشْتَدَّ الغلاَءُ المُفْرِط بِبَغْدَادَ، فَذَكَرَ ابْنُ الجَوْزِيّ أَنَّهُ اشتُرِيَ لمعزِّ الدَّوْلَة كُرُّ دَقِيق بِعِشْرِيْنَ أَلْف دِرْهَم (٤) . قُلْتُ: ذَلِكَ سَبْعَةَ عَشَرَ قِنطَاراً بِالدِّمَشْقِيّ، لأَنَّ الكُرَّ أَرْبَعَة وَثَلاَثُوْنَ كَارَة (٥) ، وَالكَارَة خَمْسُوْنَ رِطلاً. وَاقتتل صَاحِبُ المَوْصِل نَاصرُ الدَّوْلَة، وَمعِزُّ الدَّوْلَة، فَالتَقَوا بعُكْبَرَا، فَانتصرَ نَاصرُ الدَّوْلَة، وَنَزَلَ بِالجَانبِ الشَّرْقِيّ، ثُمَّ تلاشَى أَمرُهُ، وَفَرَّ، فَوَضَعتِ الدَّيْلَم السَّيْفَ وَالنهبَ فِي البَلدِ، وَسُبيتِ النِّسَاء. ثُمَّ تَمَكَّنَ المُطِيعُ قَلِيْلاً ثُمَّ اصطلحَ ابْنُ بُويه، وَصَاحِبُ المَوْصِل، فعزَّ ذَلِكَ عَلَى الأَترَاكِ الَّذِيْنَ قويَ بِهِم صَاحِبُ المَوْصِل، وَهمُّوا بِقَتْلِهِ، فَحَاربَهُم فمزَّقهُم (٦) ، وَهَرَبَ إِلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ بنُ شيرزَاد، فسمله وَسَجَنَهُ (٧) . وَفِيْهَا -، أَعنِي: سنَةَ ٣٣٦ - خَرَجَ معزُّ الدَّوْلَةِ، وَالمُطِيعُ إِلَى البَصْرَةِ

стр. 9386

لِحَرْب أَبِي القَاسِمِ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ البَريديّ، فَاسْتَأمَنَ إِلَيْهِم عَسْكَرُ أَبِي القَاسِمِ، وَهَرَبَ هُوَ إِلَى القَرَامِطَة (١) ، وَعظُمَ معزُّ الدَّوْلَة، ثُمَّ جَاءَ أَبُو القَاسِمِ مستَأمناً إِلَى بَغْدَادَ، فَأُقطع قرَىً (٢) ، ثُمَّ اخْتَلَفَ صَاحِبُ المَوْصِل، وَمعزُّ الدَّوْلَة، وَفَرَّ عَنِ المَوْصِل صَاحِبُهَا، ثُمَّ صَالح عَلَى أَنْ يَحْمِلَ فِي السَّنَة ثَمَانيَةَ آلاَف أَلفِ دِرْهَم (٣) . وفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ، مَرِضَ معزُّ الدَّوْلَة بعِلَّة الإِنعَاظ (٤) ، وَأُرْجِفَ بِموته، فَعَقَدَ إِمرَةَ الأُمَرَاء لابْنِهِ بختيَار، وَاسْتَوْزَرَ (٥) أَبَا مُحَمَّدٍ المُهَلَّبِيَّ، وَعظُمَ قَدْرُه (٦) . وفِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ، اسْتولَى معزُّ الدَّوْلَة عَلَى المَوْصِل، وَسَاقَ وَرَاءَ نَاصرِ الدَّوْلَة إِلَى نَصِيبين فَهَرَبَ إِلَى حَلَبَ فَبالَغَ أَخُوْهُ فِي خِدْمَتِهِ، وَترَاسلاَ فِي أَنْ يَكُوْنَ المَوْصِلُ بِيَدِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ لأَنْ نَاصرَ الدَّوْلَة غَدَرَ وَنَكَثَ غَيْرَ مَرَّةٍ بِابْنِ بُوَيه، وَمَنَعَ الحِمْلَ، ثُمَّ رُدَّ معزُّ الدَّوْلَة إِلَى بَغْدَادَ. (٧) وَفِي سَنَةِ خَمْسِيْنَ ضمَّن (٨) معزُّ الدَّوْلَة الشُّرْطَة وَالحِسْبَة بِبَغْدَادَ،

стр. 9387

وَظَلَمَ، وَأَنشَأَ دَاراً لَمْ يُسْمَعْ بِمثلِهَا، خَرَّبَ لأَجلهَا دُورَ النَّاسِ، وَغَرِمَ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ مَاتَ سِتّ مائَة أَلْف دِيْنَار (١) . وَاسْتضرتِ الرُّوْمُ عَلَى بلاَد الشَّامِ، وَأَخَذُوا حَلَبَ بِالسَّيْفِ وَغيرَهَا مِنَ المَدَائِن كَسَرُوْج وَالرُّهَا، وَأَوَّل تمكُّنِهُم أَنَّهُم هَزَمُوا سَيْفَ الدَّوْلَة فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَلاَثِيْنَ. فَنَجَا بِالجَهْد فِي نَفَر يَسِيْر، وَبَلَغَهُم وَهْنُ الخِلاَفَة، وَعَجْزُ سَيْفِ الدَّوْلَة عَنْهُم بَعْدَ أَنْ هَزَمَهُم غَيْرَ (٢) مَرَّةٍ. وَفِي سَنَةِ ٣٥٣ قَصَدَ معزُّ الدَّوْلَة المَوْصِل فَفَرّ عَنْهَا نَاصرُ الدَّوْلَةِ، ثُمَّ التَقَوا فَانتصرَ نَاصر الدَّوْلَة، وَأَسَرَ التُّرك، وَاسْتَأمَنَ إِلَيْهِ الدَّيْلَم، وَأَخَذَ ثَقَلَ معزِّ الدَّوْلَة وَخزَائِنَه، ثُمَّ صَالحَه (٣) ، وَكَانَ يُقَام مأْتم عَاشُورَاء بِبَغْدَادَ، وَيقَع فِتن كِبَارٌ لِذَلِكَ. ثُمَّ مَاتَ الوَزِيْرُ المُهَلَّبِيُّ سنَةَ ٣٥١ (٤) ، وَمَاتَ معزُّ الدَّوْلَة، فَقَامَ ابْنُهُ عزُّ الدَّوْلَة بَخْتِيَار سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ (٥) ، فَجَرَتْ فِتْنَةُ مُحَمَّد بنِ الخَلِيْفَةِ المُسْتَكفِي فَإِنَّهُ لَمَّا كُحِلَ أَبُوْهُ فرَّ هُوَ إِلَى مِصْرَ، وَأَقَامَ عِنْد كَافُور، ثُمَّ قَويَتْ نَفْسُه، وَقَدِمَ بَغْدَادَ سِرّاً، فَعَرَفَ عزُّ الدَّوْلَة، وَبَايَعَهُ فِي البَاطن كُبَرَاء، فَظَفِرَ بِهِ عزُّ الدَّوْلَة فَقَطَعَ أَنفَه وَأُذُنَيْه، وَسَجَنَهُ ثُمَّ هَرَبَ هُوَ وَأَخُوْهُ عليّ مِنَ الدَّارِ يَوْمَ عيد، وَصَارَ إِلَى مَا وَرَاء النَّهْر، وَخَمَلَ أَمرُه (٦) . وَفِي سَنَةِ سِتِّيْنَ فُلِجَ المُطِيعُ، وَبطَلَ نِصْفُه، وَتَمَلَّكَ بَنو عُبَيْد مِصْرَ

стр. 9388

وَالشَّامَ، وَأَذَّنُوا بِدِمَشْقَ بحِي عَلَى خَيْر الْعَمَل (١) ، وَغَلَتِ البِلاَدُ بِالرَّفْضِ شَرْقاً وَغَرْباً (٢) ، وَخَفِيَتِ السُّنَّة قَلِيْلاً، وَاسْتبَاحتِ الرُّوْم نَصِيبين وَغيرَهُا، فَلاَ قوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ (٣) ، وَقُتِلَ بِبَغْدَادَ رَاجلٌ مِنْ أَعوَان الشِّحْنَة، فَبَعَثَ رَئِيْسُ بَغْدَادَ مَن طَرَح َالنَّار فِي أَسوَاقٍ فَاحْتَرَقَتْ بَغْدَادُ حَرِيْقاً مهوّلاً. وَاحترق النِّسَاء وَالأَوْلاَد، فَعِدَّة مَا احْتَرَقَ ثَلاَث مائَة وَعِشْرُوْنَ دَاراً، وَثَلاَثِ مائَةٍ وَسبعَة عشر دُكَّاناً، وَثَلاَثَةٌ وَثَلاَثُوْنَ مَسْجِداً. وَكُثر الدُّعَاء عَلَى الرّئيس، وَهُوَ أَبُو الفَضْلِ الشِّيْرَازيُّ (٤) ، ثُمَّ سُقي، وَهَلَكَ (٥) ، وَأُنْشِئَتْ مَدِيْنَةُ القَاهرَة لِلْمعزِّ العُبَيدِيّ. وَوَزَرَ بِبَغْدَادَ أَبُو طَاهِرٍ بنُ بَقِيَّة، فَكَانَ رَاتِبُهُ مِنَ الثَّلج فِي اليَوْمِ أَلف رِطل، وَمِنَ الشَّمع فِي الشَّهْرِ أَلف مَنٍّ، فَوِزْرُ لعزّ الدَّوْلَة أَرْبَع سِنِيْنَ، ثُمَّ صلبَه عضدُ الدَّوْلَة (٦) . وَلَمَّا تحكَّم الفَالِج فِي المُطِيع دَعَاهُ سُبُكْتِكِين الحَاجِبُ إِلَى عَزْل نَفْسِهِ، وَتَسْلِيمِ الخِلاَفَة إِلَى ابْنِهِ الطَّايعِ فَفَعَلَ ذَلِكَ فِي ثَالث عشر ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَسِتِّيْنَ (٧) . وَأَثبتُوا خَلْعَه عَلَى أَبِي الحَسَنِ

стр. 9389

ابْنِ أُمِّ شَيْبَان القَاضِي. ثُمَّ كَانَ بَعْدُ يُدعَى الشَّيْخَ الفَاضِلَ (١) . وَفِيْهَا: أُقيمت الدَّعوَة العُبَيْدِيَّة بِالحَرَمَيْنِ لِلْمعزِّ (٢) . وَاسْتَفْحَلَ البلاَءُ بِاللُّصوص بِبَغْدَادَ، وَركِبُوا الخيلَ، وَأَخَذُوا الخَفَارَةَ، وَتلقَّبُوا بِالقُوَّاد (٣) . ثُمَّ إِنَّ المُطِيعَ خَرَجَ وَوَلَده الخَلِيْفَة الطَّايع للهِ إِلَى وَاسِطَ فَمَاتَ هُنَاكَ فِي المُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ بَعْد ثَلاَثَةِ أَشهرٍ مِنْ عَزْلِهِ (٤) . وَعمرُهُ ثَلاَثٌ وَسِتُّوْنَ سَنَةً ﵀. فَكَانَتْ خِلاَفتُهُ ثَلاَثِيْنَ سَنَةً سِوَى أَشهرٍ. وَفِي أَيَّامه تلقَّب صَاحِبُ الأَنْدَلُس النَّاصر المَرْوَنُّي بِأَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ (٥) . وَقَالَ: أَنَا أَحقُّ بِهَذَا اللَّقَب مِنْ خَلِيْفَةٍ مِنْ تَحْتِ يدِ بنِي بُوَيه. وَصَدَقَ النَّاصر، فَإِنَّهُ كَانَ بَطَلاً شُجَاعاً سَائِساً مَهِيْباً، لَهُ غَزَوَاتٌ مشهودَةٌ، وَكَانَ خليقاً لِلْخِلاَفَةِ، وَلَكِنْ كَانَ أَعظَمَ مِنْهُ بكَثِيْر المعزُّ العُبَيْدِيُّ (٦) الإِسْمَاعِيْلِيُّ النِّحلَة، وَأَوسعَ ممَالِك، حَكَمَ عَلَى الحَرَمَيْنِ وَمِصْرَ وَالشَّام وَالمَغْرِبِ. ٦٢ - الطَّائِعُ للهِ عَبْدُ الكَرِيْمِ بنُ المُطِيعِ للهِ بنِ المُقْتَدِرِ * الخَلِيْفَةُ، أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الكَرِيْمِ ابنُ المُطِيعِ للهِ الفَضْلِ ابنِ المُقْتَدِرِ جَعْفَرِ بنِ المُعْتَضِدِ العَبَّاسِيُّ. وَأُمُّه أُمُ وَلَدٍ.

стр. 9390

نَزَلَ لَهُ أَبُوْهُ لَمَّا فُلِجَ عَنِ الخِلاَفَة فِي ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَسِتِّيْنَ. وَكَانَ الحَلُّ وَالعَقْدُ لِلْملكِ عزّ الدَّوْلَةِ، وَابْنِ عَمِّهِ عضُد الدَّوْلَة. وَكَانَ أَشقَرَ مَرْبوعاً كَبِيْرَ الأَنفِ (١) . قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ رَكِبَ وَعَلَيْهِ البُرْدَةُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ سُبُكْتِكِين الحَاجِبُ وَخَلَعَ مِنَ الغَدِ عَلَى سُبُكْتِكِيْنَ خِلَعَ السَّلْطَنَةِ، وَعَقَدَ لَهُ اللِّوَاءَ، وَلَقَّبَه نصرَ الدَّوْلَةِ. وَلَمَّا كَانَ عيدُ الأَضْحَى رَكِبَ الطَّائِعُ إِلَى المُصَلَّى، وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ وَعِمَامَةٌ، فَخَطَبَ خُطْبَةً خَفِيْفَةً بَعْدَ أَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَتَعَرَّضَ عِزُّ الدَّوْلَةِ لإِقطَاع سُبُكْتِكِين، فَجَمَعَ سُبُكْتِكِينُ الأَترَاك فَالتَقَوا، فَانْتَصَرَ سُبُكْتِكِين، وَقَامَتْ مَعَهُ العَامَّة. وَكَتَبَ عِزُّ الدَّوْلَةِ يَسْتَنجِد بَعْضُدِ الدَّوْلَةِ، فَتَوَانَى، وَصَارَ النَّاسُ حِزْبين، فَكَانَتِ السُّنَّةُ وَالدَّيْلَمُ يُنَادُوْنَ بشعَار سُبُكْتِكِيْن، وَالشِّيْعَةُ يُنَادُوْنَ بشعَارِ عزِّ الدَّوْلَة، وَوَقَعَ القِتَالُ، وَسُفِكَتِ الدِّمَاءُ، وَأُحْرِقَ الكَرْخ (٢) . وَكَانَ الطَّائِع قويّاً فِي بدنِهِ، زَعِرَ الأَخلاَق، وَقَدْ قُطعت خُطْبَتُهُ فِي العَامِ الَّذِي تولّى خَمْسِيْنَ يَوْماً مِنْ بَغْدَادَ. فَكَانَتِ الخُطَبَاء لاَ يَدعُونَ لإِمَامٍ حَتَّى أُعيْدَتْ فِي رَجَبٍ (٣) ، وَقَدِمَ عضُدُ الدَّوْلَة فَأَعجبَه مُلكُ العِرَاقِ، وَاسْتمَالَ الجُنْدَ، فَشَغَّبُوا عَلَى ابْنِ عَمِّهِ عزِّ الدَّوْلَةِ فَأَغْلَقَ عِزُّ الدَّوْلَةِ بَابَه، وَكَتَبَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَنِ الطَّائِعِ إِلَى الآفَاقِ بتوليتِهِ، ثُمَّ اضْطَرَب أَمرُهُ، وَلَمْ يَبْقَ بِيَدِهِ غَيْر بَغْدَادَ فَنَفَّذَ إِلَى أَبِيْهِ ركنِ الدَّوْلَةِ (٤) ، يُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَدْ خَاطَرَ بنَفْسِهِ وَجُنْدِهِ. وَقَدْ

стр. 9391

هَذَّب مملكَةَ العِرَاقِ، وَرَدَّ الطَّائِعَ إِلَى دَارِهِ، وَأَنَّ عزَّ الدَّوْلَةِ عَاصٍ، فَغَضِبَ أَبُوْهُ، وَقَالَ لرَسُوْلِه: قُلْ لَهُ: خَرَجْتَ فِي نُصْرَةِ ابْنِ أَخِي، أَوْ فِي أَخْذِ مُلْكِهِ؟، فَأَفْرَجَ حِيْنَئِذٍ عَنْ عزِّ الدَّوْلَةِ، وَذهَبَ إِلَى فَارسَ (١) وَتَزَوَّجَ الطَّائِعُ ببنتِ عِزِّ الدَّوْلَة الَسْتّ شهْنَاز عَلَى مائَةِ أَلْفِ دِيْنَارٍ (٢) ، وَعَظُمَ القَحْطُ، حَتَّى أبيع (٣) الكُرُّ بِمائَةٍ وَسَبْعِيْنَ دِيْنَاراً (٤) . وَفِي هَذَا الوَقْت كَانَتِ الحَرْبُ متصلَةً بَيْنَ جَوْهَر المُعِزِّي (٥) ، وَبَيْنَ هفتكين (٦) بِالشَّامِ، حَتَّى جَرَتْ بينهُمَا اثْنَتَا عَشْرَةَ وَقعَة، وَجَرَتْ وَقعَةٌ بَيْنَ عزِّ الدَّوْلَة، وَعَضُدِ الدَّوْلَةِ، أُسِرَ فِيْهَا مَمْلُوْكٌ أَمْردُ لعزِّ الدَّوْلَة فَجُنَّ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ فِي البُكَاءِ، وَتركَ الأَكْلَ، وَتذلَّلَ فِي طَلَبِهِ، فَصَارَ ضُحْكَةً وَبَذَلَ جَاريتين عَوَّادتين فِي فِدَائِهِ (٧) . وفِي سَنَة خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ حَجَّتْ جَميلَة بنْتُ صَاحِبِ المَوْصِل، فَكَانَ مَعَهَا أَرْبَع مائَة جَمَل، وَعِدَّةُ محَامِلَ لاَ يُدْرَى فِي أَيِّهَا هِيَ، وَأعتقَتْ خَمْس مائَة

стр. 9392

نَفْس، وَخَلَعَتْ خَمْسِيْنَ أَلفَ ثَوْبٍ. وَقِيْلَ: كَانَ مَعَهَا أَرْبَعُ مائَة مَحْمِلٍ (١) . ثُمَّ فِي الآخر، اسْتولَى عَضُدُ الدَّوْلَة عَلَى أَمْوَالهَا وَقِلاعهَا، وَافْتَقَرَتْ لِكَوْنِهِ خَطَبَهَا فَأَبتْ وَآل بِهَا الحَالُ إِلَى أَنْ هَتَكَهَا وَأَلزمهَا أَنْ تَخْتَلِفَ مَعَ الخواطئ لِتُحصِّل مَا تُؤدِّيه، فَرَمَتْ بنفسهَا فِي دِجْلَةَ (٢) . وفِي سَنَةِ سَبْعٍ وَسِتِّيْنَ أَقْبَلَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ فِي جيوشِهِ، وَأَخَذَ بَغْدَادَ، وَتلقَّاهُ الطَّائِعُ، وَعُمِلَتْ قِبَابُ الزِّينَة. ثُمَّ خَرَجَ فَعَمل المَصَافَّ مَعَ عزِّ الدَّوْلَة فَأَسرَ عزَّ الدَّوْلَة، ثُمَّ قَتَلَه، وَنَفَّذَ إِلَى الطَّائِعِ أَلفَ أَلفِ دِرْهَم، وَخَمْسِيْنَ أَلف دِيْنَار، وَخَيْلاً وَبِغَالاً، وَمِسْكاً وَعَنْبراً (٣) . وَكَانَ الغَرَقُ العَظيمُ بِبَغْدَادَ وَبَلَغَ المَاءُ أَحَداً وَعِشْرِيْنَ ذِرَاعاً، وَغَرِقَ خَلْق (٤) . وَتمكَّن عضدُ الدَّوْلَة، وَلقِّب أَيْضاً تَاج المِلَّة (٥) ، وَضُرِبَتْ لَهُ النَّوْبَةُ فِي ثَلاَثَةِ أَوقَاتٍ (٦) ، وَعلاَ سُلطَانُه علُوّاً لاَ مزيدَ عَلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ الارْتِقَاء فَكَانَ يخضَعُ لِلطَّائِعِ. وَجَاءهُ رَسُوْلُ العَزِيْز صَاحِبِ مِصْر، فرَاسلَه بتودُّدٍ (٧) ، وَطلبَ مِنَ الطَّائِع أَنْ يَزِيْدَ فِي أَلقَابِهِ، فَجَلَسَ لَهُ الطَّائِع وَحَوْلَهُ مائَةٌ بِالسُّيوفِ

стр. 9393

وَالزِّينَة وَبَيْنَ يَدَيْهِ المُصْحَفُ العُثْمَانِيُّ، وَعَلَى كَتِفِهِ البُرْدَة وَبِيَدِهِ القَضِيْبُ، وَهُوَ متقلِّد السَّيْفَ (١) ، وَأُسْبِلَتِ السِّتَارَة، وَدَخَلَ التُّرْكُ وَالدَّيْلَمُ بِلاَ سلاَحٍ. ثُمَّ أَذِنَ لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَرُفِعَتْ لَهُ السِّتَارَة، فَقبَّل الأَرْضَ. قَالَ: فَارْتَاعَ زِيَادٌ (٢) القَائِدُ، وَقَالَ بِالفَارسيَّة: أَهَذَا هُوَ الله. فَقِيْلَ لَهُ: بَلْ خَلِيْفَةُ الله فِي أَرْضِهِ. وَمَشَى عضُدُ الدَّوْلَةِ، وَقبَّل الأَرْض مَرَّاتٍ سَبْعاً. فَقَالَ الطَّائِع لخَادِمِه: اسْتَدْنِه. فَصَعَدَ، وَقبَّل الأَرْض مرَّتين، فَقَالَ: ادْنُ إِلَيَّ، فَدَنَا حَتَّى قَبَّل رِجْلَه، فثنَى الطَّائِعُ يدَهُ عَلَيْهِ، وَأَمره، فَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيٍّ بَعْد الامْتِنَاعِ، حَتَّى قَالَ: أَقسمتُ لَتَجْلِسَنَّ، ثُمَّ قَالَ: مَا كَانَ أَشوقَنَا إِلَيْك، وَأَتوقنَا إِلَى مُفَاوضَتِكَ فَقَالَ: عُذرِي معلومٌ. قَالَ: نِيَّتُك موثوقٌ بِهَا، فَأَومأَ بِرَأْسِهِ فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَفوّض إِلَيْك مَا وَكَلَهُ الله إِلَيَّ مِنْ أُمُورِ الرَّعيَّة فِي شرْق الأَرْض وَغَرْبهَا سِوَى خَاصَّتِي وَأَسبَابِي، فتولَّى ذَلِكَ مستجيراً بِاللهِ. قَالَ: يُعيننِي اللهُ عَلَى طَاعَة مولاَنَا أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ وَخِدْمَتِهِ، وَأُرِيْدُ كِبار القُوَّادِ أَنْ يَسمعُوا لَفْظك. قَالَ الطَّائِع: هَاتُوا الحُسَيْن بن مُوْسَى، وَابْن مَعْرُوْف، وَابْن أُمّ شَيْبَان، فَقُدِّمُوا، فَأَعَاد الطَّائِع قَوْلَه بِالتَّفويض، ثُمَّ أُلْبسَ الخِلَعَ وَالتَّاجَ، فَأَومأَ ليقبِّل الأَرْضَ فَلَمْ يُطقْ. فَقَالَ الطَّائِع: حَسْبُك. وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءَين بِيَدِهِ. ثُمَّ قَالَ: يُقرأَ كِتَابهُ فَقُرِئ. فَقَالَ الطَّائِع: خَار اللهُ لَنَا وَلك وَلِلْمُسْلِمِينَ، آمركَ بِمَا أَمَرَكَ اللهُ بِهِ، وَأَنْهَاكَ عَمَّا نهَاكَ اللهُ عَنْهُ، وَأَبرأُ إِلَى اللهِ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، انهضْ عَلَى اسْمِ اللهِ. ثُمَّ أَعطَاهُ بِيَدِهِ سَيْفاً ثَانياً غَيْرَ سَيْف الخِلْعَةِ، وَخَرَجَ مِنْ بَابِ الخَاصَّةِ، وَشقّ البلدَ. وعَمِلَ أَبُو إِسْحَاقَ الصَّابِئ (٣) قصيدتَه فَمِنْهَا:

стр. 9394

يَا عَضدَ الدَّوْلَة الَّذِي عَلِقَتْ ... يدَاهُ مِنْ فَخْرِهِ بأَعْرُقِهِ يفْتَخر النَّعْلُ تَحْتَ أَخْمَصِهِ ... فَكَيْفَ بِالتَّاج فَوْقَ مَفْرِقِهِ (١) ؟! وَتَزَوَّجَ الطَّائِع ببنتِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ (٢) ، وَرُدَّ العضُدُ مِنْ هَمَذَانَ إِلَى بَغْدَادَ، فتلقَّاهُ الخَلِيْفَةُ، وَلَمْ تجرِ بِذَلِكَ عَادَةٌ، وَلَكِنْ بَعَثَ يطلُبُ ذَلِكَ. فَمَا وَسِع الطَّائِع التَّأَخّرُ، كَانَ مُفْرِطَ السَّطْوَة (٣) . وَبَعَثَ إِلَيْهِ العَزِيْز كِتَاباً أَوَّلُهُ: مِنْ عَبْدِ اللهِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَة أَبِي شجَاع مَوْلَى أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ. سلاَمٌ عَلَيْك، مضمُوْنُ الرِّسَالَة الاسْتِمَالَة مَعَ مَا يُشَافِهُهُ بِهِ الرَّسُول، فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُوْلاً وَكِتَاباً فِيْهِ مودَّةٌ وَاعتِذَارٌ مُجْمَلٌ. وَأُديرَ المَارَسْتَانُ العضُدِيُّ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ، ثُمَّ مَاتَ هُوَ فِي شوَّالِهَا (٤) . وَقَامَ وَلده صَمْصَام الدَّوْلَة، وَكُتم مَوْتُهُ أَرْبَعَةَ أَشهرٍ، وَجَاءَ الخَلِيْفَةُ فَعزّى وَلَدَهُ، وَلُطِم عَلَيْهِ فِي الأَسوَاقِ أَيَّاماً (٥) . وَفِي سَنَةِ ٣٧٦ اخْتَلَفَ عَسْكُر العِرَاقِ، وَمَالُوا إِلَى شرفِ الدَّوْلَةِ شِيْرَوَيْه (٦) أَخِي صَمْصَامِ الدَّوْلَة، فَذلَّ الصَّمْصَام وَبَادَرَ إِلَى خِدْمَةِ أَخِيْهِ، فَاعتَقَلَهُ ثُمَّ أَمَرَ بكحلِهِ فَمَاتَ شرف الدَّوْلَة وَالمَكْحُوْلُ فِي شَهْر مِنْ سنَة ٣٧٩،

стр. 9395

وَكَانَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ فِيْهِ عَدْلٌ، وَوَزَرَ فِي أَيَّامه أَبُو مَنْصُوْرٍ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ، وَمِمَّا قَدِمَ مَعَهُ عِشْرُوْنَ أَلف أَلف دِرْهَم، وَكَانَ ذَا رِفْق وَدِينٍ (١) . وَمِنْ عَدْلِ شرفِ الدَّوْلَة رَدَّهُ عَلَى السَّيد أَبِي الحَسَنِ مُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ أَملاكَه. وَكَانَ مَغلُّهَا فِي السَّنَة أَزيدَ مِنْ أَلفِ أَلفِ دِيْنَار (٢) . وعظُم الغَلاَءُ بِبَغْدَادَ، حَتَّى بِيْعَتْ كَارَة (٣) الدَّقِيق الخُشكَار (٤) بِمئتينِ وَأَرْبَعِيْنَ دِرْهَماً (٥) . وفِي هَذَا الحُدُوْدِ جَاءَ بِالبَصْرَةِ سَمُوم حَارَّةٌ (٦) ، فَمَاتَ جَمَاعَة فِي الطُّرُق (٧) . وَجَاءَ بفَم الصِّلْحِ رِيْح خَرَقَتْ (٨) دِجْلَةَ، حَتَّى بَانتْ أَرضُهَا - فِيْمَا قِيْلَ -، وَهدَّتْ فِي جَامِعِهَا، وَاحتملَتْ زَوْرَقاً فِيْهِ موَاشِيَ، فَطَرَحَتْهُ بِأَرْضِ جوخى (٩) فرأَوهُ بَعْد أَيَّام، نَسْأَل اللهَ العَافيَة (١٠) . وَلَمَّا مَاتَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ، جَاءَ الطَّائِع يُعزِي أَخَاهُ (١١) بهَاءَ الدَّوْلَةِ أَبَا نَصْرٍ. فَقبَّل أَبُو نَصْرٍ الأَرْض مَرَّات، وَسَلْطَنَه الطّ?ائِع بِالطَّوْق وَالسِّوَارين وَالخِلَع السَّبْع، فَأَقَرَّ فِي وَزَارَتِهِ أَبَا مَنْصُوْر المَذْكُوْر، وَيُعْرَفُ بِابْنِ

стр. 9396

صَالحَان (١) . وَكَانَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ ذَا هَيْبَةٍ وَوَقَار وَحَزْم، وَحَارَبَه ابْنُ صَمْصَام الدَّوْلَةِ الَّذِي كُحِلَ. وَخُرِّبَت البَصْرَةُ وَالأَهْوَازُ، وَعَظُمَت الفِتَنُ، وَتوَاتَر أَخذُ العَمَلاَت بِبَغْدَادَ (٢) ، وَتحَارَبَتِ الشِّيْعَةُ وَالسُّنَّة مُدَّةً، ثُمَّ وَثبُوا عَلَى الطَّائِع للهِ فِي دَارِه فِي تَاسِعَ عَشَرَ شَعْبَان (٣) سنَة ٣٨١، وَسَبَبُه أَن شَيْخَ الشِّيْعَة ابْنَ المُعَلِّم (٤) كَانَ مِنْ خوَاصّ بهَاءِ الدَّوْلَة فَحُبِسَ، فَجَاءَ بهَاءُ الدَّوْلَةِ، وَقَدْ جَلَس الطَّائِع فِي الرِّوَاق متقلِّدَ السَّيْف، فَقبَّل الأَرْضَ، وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيٍّ، فَتَقَدَّم جَمَاعَةٌ مِنْ أَعوَانه، فجذَبُوا الطَّائِعَ بحمَائِل سيْفِهِ، وَلفُّوهُ فِي كِسَاءٍ، وَأُصْعِدَ فِي سَفِينَته إِلَى دَار المملكَةِ، وَمَاجَ النَّاسُ وَظنَّ الجُنْدُ أَنَّ القَبْضَ عَلَى بهَاءِ الدَّوْلَةِ، فَوَقَعَ النَّهْبُ، وَقُبض عَلَى الرَّئيس عَلِيِّ بنِ حَاجِب النُّعْمِيّ (٥) وَجَمَاعَةٍ، وصُودرُوا وَاحتيط عَلَى الخَزَائِنِ وَالخَدَمِ أَيْضاً (٦) . فَكَانَ الطَّائِع هَمَّ بِالقَبْضِ عَلَى ابْنِ عَمِّه القَادِرِ بِاللهِ وَهُوَ أَمِيْرٌ، فَهَرَبَ إِلَى البطَائِح (٧) ، وَانضمَّ إِلَى مهذِّبِ الدَّوْلَةِ (٨) ، وَبَقِيَ مَعَهُ عَامِين، فَأَظهر

стр. 9397

بهَاءُ الدَّوْلَةِ أَمْرَ القَادِرِ وَأَنَّهُ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ. وَنُوديَ بِذَلِكَ، وَأُشهد عَلَى الطَّائِعِ بِخَلْعِ نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ سَلَّمَ الخِلاَفَة إِلَى القَادِرِ بِاللهِ، وَشَهِدَ الكُبَرَاءُ بِذَلِكَ، ثُمَّ طُلبَ القَادِرُ، وَاسْتحثُّوهُ عَلَى القدومِ، وَاسْتبُيحتْ دَارُ الخِلاَفَة حَتَّى نُقِضَ خشبُهَا (١) . وَكَتَبَ القَادِرُ: مِنْ عَبْدِ اللهِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ القَادِرِ بِاللهِ إِلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، وضيَاءِ المِلَّةِ أَبِي نَصْر بنِ عضُدِ الدَّوْلَةِ. سلاَمٌ عَلَيْك. أَمَّا بَعْدُ: أَطَالَ اللهُ بقَاءَك وَأَدَام عِزَّك، وَرَد كِتَابُك بِخَلْعِ العَاصي المتلقِّب بِالطَّائِع لبوَائِقهِ وَسُوءِ نيَّتِهِ. فَقَدْ أَصبحت سَيْفَ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ المُبِير (٢) . ثُمَّ فِي السَّنَة الآتيَةِ سُلِّمَ الطَّائِعُ المخلوعُ إِلَى القَادِرِ فَأَنزله فِي حُجْرَةٍ موكّلاً بِهِ، وَأَحسنَ صيَانَتَه، وَكَانَ المخلوعُ يُطلب مِنْهُ أُمُوراً ضخمَةً، وَقدِّمت بَيْنَ يَدَيْهِ شَمْعَة قَدِ اسْتُعملتْ فَأَنكرَ ذَلِكَ، فَأَتْوهُ بجَدِيْدَةٍ (٣) ، وَبَقِيَ مُكَّرماً إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ (٤) . وَمَا اتَّفَقَ هَذَا الإِكرَامُ لخَلِيْفَةٍ مخلوعٍ مثلِهِ. وكَانَتْ دولتُهُ ثَمَانِي عَشْرَة سَنَةً (٥) . وَبَقِيَ بَعْد عَزْله أَعْوَاماً إِلَى أَنْ مَاتَ لَيْلَةَ عيدِ الفِطْرِ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَتِسْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ القَادِر وَكَبَّرَ خمساً،

стр. 9398

وَرثَاهُ الشَّرِيْفُ الرَّضِيّ بقَصِيْدَةٍ (١) . وَعَاشَ ثَلاَثاً وَسَبْعِيْنَ (٢) سَنَةً ﵀. ٦٣ - القَادِرُ بِاللهِ أَحْمَدُ ابنُ الأَمِيْرِ إِسْحَاقَ بنِ المُقْتَدِرِ * الخَلِيْفَةُ، أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ ابنُ الأَمِيْرِ إِسْحَاقَ ابنِ المقتدِرِ جَعْفَرِ بنِ المُعْتَضِدِ العَبَّاسِيُّ، البَغْدَادِيُّ. وَأُمُّه اسْمُهَا: تمني (٣) . مولده: سَنَةَ سِتٍّ وَثَلاَثِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. وَمَاتَتْ أمه فِي دَوْلته، وَقَدْ عَجزَتْ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. وَكَانَ أَبْيَضَ كثَّ اللِّحْيَة يَخْضِبُ ديِّناً عَالِماً متعبِّداً وَقُوْراً مِنْ جِلَّة الخُلَفَاءِ وَأَمثلِهِمْ. عَدَّه ابْنُ الصَّلاَح (٤) فِي الشَّافِعِيَّة. تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي بِشْر أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ الهَرَوِيِّ (٥) .

стр. 9399

قَالَ الخَطِيْبُ: كَانَ مِنَ الدِّين، وَإِدَامَةِ التهجُّدِ، وَكَثْرَةِ الصَّدقَاتِ عَلَى صفَةٍ اشتُهِرَتْ عَنْهُ. وَصَنَّفَ كِتَاباً فِي الأُصُوْلِ، ذَكَرَ فِيْهِ فضل (١) الصَّحَابَةِ، وَإِكفَارَ مَنْ قَالَ: بِخَلْقِ القُرْآنِ. وَكَانَ ذَلِكَ الكِتَاب يُقرأُ فِي كُلِّ جُمُعَة فِي حَلْقَةِ أَصْحَابِ الحَدِيْثِ، وَيحضُرُه النَّاسُ مُدَّة خِلاَفته، وَهِيَ إِحْدَى وَأَرْبَعُوْنَ سنَةً وَثَلاَثَة أَشهر (٢) . قُلْتُ: قَامَ بِخِلاَفته بهَاءُ الدَّوْلَةِ كَمَا تقدَّم (٣) فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِيْنَ، وَاسْتقدمُوهُ مِنَ البَطَائحِ فَجَهَّزَهُ أَمِيْرُهَا مهذِّبُ الدَّوْلَةِ عَلِيُّ بنُ نَصْرٍ، وَحمَّله مِنَ الآلاَتِ وَالرخت بِمَا أَمكن، وَأَعطَاهُ طَيَّاراً (٤) فَلَمَّا قَدِمَ وَاسِطَ، أَتَاهُ الأَجْنَادُ، وَطَلَبُوا رسمَ البَيْعَة، وَهَاشُوا (٥) ، فوعدهُم بِالجَمِيْلِ، فرضُوا، فَكَانَ مُقَامُه بِالبَطيحَة أَزيدَ مِنْ سَنَتَيْنِ، فَقَدِمَ (٦) ، وَاسْتَكْتب أَبَا الفَضْل مُحَمَّد بن أَحْمَدَ عَارض الدَّيْلَم، وَجَعَلَ أُسْتَاذَ دَارِه عَبْد الوَاحِدِ الشِّيْرَازِيَّ وَحلفَ هُوَ وَبهَاء الدَّوْلَة كُلّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ ثُمَّ سَلْطنه (٧) . وَذكر مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ الهَمَذَانِيُّ (٨) ، أَنَّ القَادِرَ كَانَ يَلْبَسُ زيَّ العَامَّةِ، وَيَقْصِدُ الأَمَاكنَ المُبَارَكَةَ (٩) . وَطلب مِنْ أَبِي الحَسَنِ بن القَزْوِيْنِيّ

стр. 9400

أَنْ ينفّذ لَهُ مِنْ طعَامه، فَنفَّذ باذِنجَاناً مقلُواً بخلٍّ وَبَاقِلَّى وَدِبْساً، فَأَكل مِنْهُ وَفَرَّق، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِمَائتَيْ دِيْنَار فَقبِلَها. ثُمَّ طلبَ مِنْهُ بَعْدُ طعَاماً، فَبَعَثَ إِلَيْهِ زبَادِي فرَاريج وَدجَاج وَفَالوذج، فتعجَّب الخَلِيْفَةُ وَسَأَلَهُ، فَقَالَ: لم أَتكلَّفْ، وَلَمَّا وَسِّع عَلِيّ وَسعتُ عَلَى نَفْسِي فَأَعجبه، وَكَانَ يَتَفَقَّدهُ (١) . وعَمِلَت الرَّافِضَة عيدَ الْغدير (٢) ، يَعْنِي: يَوْم المُؤَاخَاة، فثَارتِ السُّنَّةُ، وَقووا، وَخَرَّقُوا عَلَمَ السُّلْطَانِ. وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ، وَصُلِبَ آخرُوْنَ، فكفّوا (٣) . وفِي هَذَا القُرب طَلَبَ أَمِيْرُ مَكَّة أَبُو الفُتُوْحِ العَلَوِيُّ الخِلاَفَةَ، وَتَسَمَّى بِالرَّاشد بِاللهِ، وَلَحِقَ بِآل جَرَّاح الطَّائِيّ بِالشَّامِ، وَمَعَهُ أَقَاربه، وَنحوٌ مِنْ أَلفِ عَبْدٍ، وَحَكَمَ بِالرَّمْلَةِ، فَانزعج العَزِيْزُ (٤) بِمِصْرَ، وَتلطَّف (٥) بِالطَّائِيين، وَبَذَلَ لَهُم الأَمْوَالَ، وَكَتَبَ بِإِمَارَةِ الحَرَمَيْنِ لاِبْنِ عَمِ الرَّاشدِ، فَوهَنَ أمْرُ الرَّاشدِ، فَأَجَارَه أَبُو حَسَّانَ الطَّائِيّ، وَتلطَّف لَهُ حَتَّى عَادَ إِلَى إِمرَة مَكَّة (٦) . وَفِيْهَا: اسْتولَى بُزَال (٧) عَلَى دِمَشْق، وَهَزَم مُتَوَلِّيهَا منيراً (٨) .

стр. 9401

وَنقَصَ التَّشَيُّع مِنْ بَغْدَادَ، وَاسْتضرَت الأُمَرَاءُ عَلَى بهَاءِ الدَّوْلَة، وَقهروهُ حَتَّى سَلَّم إِلَيْهِم أَبَا الحَسَنِ ابْنَ المُعَلِّم الكوكَبِي، فَخُنق (١) ، وَعَظُمَ القَحْطُ بِبَغْدَادَ. وَفِي سَنَةِ ٣٨٣ تَزَوَّجَ القَادِر بِاللهِ سُكَيْنَة بنْت الْملك بهَاءِ الدَّوْلَة (٢) ، وَاسْتفحل البلاَءُ بِالعَيَّارين بِبَغْدَادَ، وَلَمْ يَحجَّ أَحَدٌ مِنَ العِرَاقِ (٣) . وَمَاتَ: فِي سَنَةِ ٨٧ فَخرُ الدَّوْلَة عَلِيُّ بنُ ركنِ الدَّوْلَةِ بن بُوَيه بِالرَّيّ، وَوزَرَ لَهُ ابْنُ عَبَّاد (٤) . وَكَانَ شَهْماً شُجَاعاً، كَانَ الطَّائِع قَدْ لَقبه ملك الأُمَّة عَاشَ ستاً وَأَرْبَعِيْنَ سَنَةً. وَكَانَتْ دَوْلَته أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَترك أَلفِي أَلف دِيْنَار وَثَمَان مائَةِ أَلْف دِيْنَار، وَمِنَ الجَوَاهِرِ مَا قيمتُهُ ثَلاَثَة آلاَف أَلف، وَمِنْ آنيَة الذَّهبِ مَا وَزنُهُ أَلفُ أَلفٍ، وَمِنْ آنيَة الفِضَّةِ مَا وَزنه ثَلاَثَة آلاَفِ أَلفٍ، وَمِنْ فَاخر الثِّيَابِ ثَلاَثَة آلاَفِ حِمْل. وَكَانَتْ خَزَائِنهُ عَلَى ثَلاَثَة آلاَف وَخَمْسِ مائَة جَمَل (٥) . وفِي سَنَة ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ هَلَكَ تِسْعَة مُلُوْك: صَاحِبُ مِصْرَ العَزِيْزُ، وَصَاحِب خُرَاسَان، وَفخر الدَّوْلَة المَذْكُوْرُ، وَصَاحِب خُوَارَزْم مَأْمُوْنُ بنُ مُحَمَّدٍ، وَصَاحِب بُسْت (٦) سُبُكْتِكيِن وَغَيْرُهُم (٧) .

стр. 9402

وَفِي سَنَةِ تِسْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ ظَهَرَ بسِجِسْتَان معدِنُ الذَّهَب (١) . وَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ عَقَدَ القَادِرُ بولاَيَةِ العَهْدِ لابْنِهِ الغَالِبِ بِاللهِ، وَهُوَ فِي تِسْعِ سِنِيْنَ، وَعجَّل بِذَلِكَ، لأَن الخَطِيْبَ الوَاثِق (٢) سَارَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَافتعل كِتَاباً مِنَ القَادِر بِأَنَّهُ وَلِيُّ عَهْدِهِ. وَاجْتَمَعَ ببَعْضِ المُلُوكِ فَاحْتَرَمَه، وَخطَبَ لَهُ بَعْدَ القَادِر، وَنفَّذ رَسُوْلاً إِلَى القَادِرِ بِمَا فَعَل، فَأَثْبتَ فِسْقِ الوَاثِقِيّ، وَمَاتَ غَرِيْباً (٣) . وَكَانَ الرَّفضُ عَلاَنيَةً بِدِمَشْقَ فِي سَنَةِ أَرْبَعِ مائَة. وَلَقَدْ أَخَذَ نَائِبُهَا تمصُولُت (٤) البَرْبَرِيُّ رَجُلاً فِي سَنَةِ ثَلاَثٍ وَتِسْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ فطيفَ بِهِ عَلَى حمَارٍ: هَذَا جزَاء مَنْ يُحِبُّ أَبَا بَكْرٍ وَعمرَ، ثُمَّ قُتِل (٥) . وفِي هَذَا الْحِين ظَهَرَ أَبُو ركْوةَ (٦) الأُمَوِيُّ، وَالتفَّ عَلَيْهِ مِنَ المغَاربَة وَالعَرَب خَلْق، وَحَارَبَ وَلَعَنَ الحَاكِمَ، فَجَهَّزَ الحَاكِمُ لِحَرْبِهِ ستّةَ عشرَ أَلْفاً، فَظفِرُوا بِهِ وَقُتِلَ.

стр. 9403

وفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ مائَة عَمِلَ ابْنُ سَهلاَن (١) سوراً مَنِيعاً عَلَى مشهدِ عليٍّ (٢) . وَافتَتَح مَحْمُوْدُ بنُ سُبُكْتِكِين فتحاً عَظِيْماً مِنَ الهِنْد. وفِي هَذَا الوَقْتِ انبثَّتْ دُعَاةُ الحَاكِمِ فِي الأَطرَافِ، فَأَمر القَادِرُ بِعَمَل مَحْضرٍ يتضمَّنُ القَدْحَ فِي نَسَبِ العُبَيْدِيَّة (٣) ، وَأَنَّهُم منسوبُوْنَ إِلَى دَيصَان بن سَعِيْدٍ الخُرَّمِيّ، فَشَهِدُوا جَمِيْعاً أَنَّ النَّاجمَ بِمِصْرَ مَنْصُوْر بن نزَار الحَاكِم حَكَمَ الله عَلَيْهِ بِالبوَارِ، وَأَنَّ جدَّهُم لَمَّا صَارَ إِلَى الغَرْب تسمّى بِالمَهْدِيّ عُبَيْدِ اللهِ، وَهُوَ وَسَلَفُهُ أَرجَاسٌ أَنجَاسٌ خوَارجُ أَدْعيَاء، وَأَنْتُم تعلمُوْنَ أَنَّ أَحَداً مِنَ الطَّالبيين لَمْ يتوقفْ عَنْ إِطلاَقِ القَوْلِ بِأَنَّهُم أَدعيَاء، وَأَنَّ هَذَا النَّاجمَ وَسلفه (٤) كفَارٌ زَنَادقَة، وَلِمَذْهَب الثَّنَوِيَّة (٥) وَالمَجُوْسِيَّة (٦) معتقدُوْنَ، عطَّلُوا الحُدُوْدَ، وَأَباحُوا الفروجَ، وَسفكُوا الدِّمَاء، وَسبُّوا الأَنْبِيَاءَ، وَلعنُوا السَّلَفَ، وَادَّعَوُا الربوبيّة، وَكَتَبَ فِي الْمحْضر الشَّرِيْف الرَّضِيّ، وَالشَّرِيْف المُرْتَضَى، وَمُحَمَّد بن مُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ، وَابْن الأَزْرَق العَلَويون، وَالقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ الأَكفَانِي، وَالقَاسِم أَبُو القَاسِمِ الجَزَرِيّ، وَالشَّيخ أَبُو حَامِدٍ الإِسْفَرَايينِي، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الكَشْفُلِيُّ (٧) ، وَأَبُو الحُسَيْنِ

стр. 9404

القُدورِي وَأَبُو عَلِيٍّ بنُ حَمَكَان (١) . وَوَرَدَ عَلَى الخَلِيْفَة كِتَابُ مَحْمُوْد أَنَّهُ غَزَا الكُفَّارَ، وَهُم خَلْقٌ مَعَهُم سِتّ مائَة فيل، وَأَنَّهُ نُصر عَلَيْهِم (٢) . وفِي سَنَةِ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعِ مائَةٍ اسْتُبيحَ وَفْدُ العِرَاقِ، وَقلَّ مَنْ نَجَا، فيُقَال: هلكَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفاً، وَتُسَمَّى وَقعَة الفرعَاء. فَسَارَ ابْنُ مَزْيَد (٣) ، وَلحِقهُم بِالبريَّة، فَقَتل مِنْهُم مَقْتَلَةً، وَأَسَر أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ كِبَارهُم، فَأُهلكُوا بِبَغْدَادَ (٤) . وَبَعَثَ ابْنُ سُبُكْتِكِين إِلَى القَادِرِ بِأَنَّهُ وَردَ إِلَيْهِ الدَّاعِي مِنَ الحَاكِمِ يدعُوهُ إِلَى طَاعته، فَخرَّق كِتَابَهُ، وَبَصَق عَلَيْهِ (٥) . وَمَاتَ فِي حُدُوْدِهَا أَيلَك خَانُ صَاحِبُ مَا وَرَاء النهرِ الَّذِي أَخَذ البِلاَدَ مِنْ آلِ سَامَانَ مِنْ بضْع عَشْرَة سَنَةً. وَكَانَ ظَالماً مَهِيْباً، شَدِيدَ الوطْأَة. وَقَدْ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طُغَانَ ملكِ التُّرْك حُرُوبٌ، فَوَرِثَ أَخُوْهُ طُغَانُ مملكتَه (٦) ، وَمَالأَه ابْنُ سُبُكْتِكِين، فتحركتْ جيوشُ الصينِ لِحَرْبِ طُغَانَ فِي أَزيدَ مِنْ مائَة أَلْف خركَاة (٧) ، فَالتفَاهُم طُغَان، وَنَصَرَهُ الله (٨) .

стр. 9405

وَمَاتَ بهَاءُ الدَّوْلَة أَحْمَد (١) بن عضد الدَّوْلَة، وَتسلطن ابْنه سُلْطَان الدَّوْلَةِ فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ (٢) ، وَجَلَسَ القَادِرُ لِذَلِكَ، وَقبَّل الأَرْضَ فَخر الْملك الوَزِيْر (٣) ، وَقرأَ ابْنُ حَاجِب النُّعْمَان الْعَهْد، وَعَلَّم عَلَيْهِ القَادِر، وَأُحْضرت الخِلَعُ وَالتَّاجُ وَالطَّوقُ وَالسِّوَارَانِ وَاللوَاءانِ فعقدهُمَا الخَلِيْفَةُ بِيَدِهِ، وَأَعطَى سيفاً لِلْخَادم، فَقَالَ: قَلَّدْه بِهِ فَهُوَ فَخرٌ لَهُ وَلِعَقبه، وَبُعِثَ بِذَلِكَ إِلَى شِيرَاز. وَفِيْهَا: أَبطَلَ الحَاكِمُ المنجِّمِين مِنْ ممَالكِهِ، وَأَعتق أَكْثَر مَمَالِيْكه (٤) ، وَجَعَلَ وَلِيَّ عَهْدِهِ ابْن عَمِّهِ عَبْد الرَّحِيْمِ بن إِليَاس، وَأَمر بِحَبْس النِّسَاءِ فِي البُيوتِ، فَاسْتمرَّ ذَلِكَ خَمْسَة أَعْوَام (٥) ، وَصلُحت سيرتُه - لاَ أَصلَحَه الله - وَمَنَعَ بِبَغْدَادَ فَخرُ الْملك مِنْ عَمَل عَاشُورَاء (٦) . ووقعَت القُبَّة الَّتِي عَلَى صخرَة بَيْت المَقْدِس (٧) ، وَافتَتَح ابْنُ سُبُكْتِكِين خُوَارَزم (٨) ، وَوقَعَ بِبَغْدَادَ بَيْنَ الشِّيْعَةِ وَالسُّنَّة فِتَنٌ عُظْمَى، وَاشْتَدَّ البلاَء، وَاسْتضرت عَلَيْهِم السُّنَّة، وَقُتِلَ جَمَاعَة (٩) . وَاستتَابَ القَادُر فُقَهَاءَ المُعْتَزِلَة، فَتبرَّؤَا مِنَ الاعتزَال وَالرَّفضِ، وَأُخذت خُطُوطهُم بِذَلِكَ (١٠) .

стр. 9406

وَتَزَوَّجَ سُلْطَان الدَّوْلَة بِبِنْت صَاحِب المَوْصِلِ قِروَاش (١) . وَقُتِلَ الدُّرْزِيّ (٢) الَّذِي ادَّعَى ربوبيَّة الحَاكِم. وَامتَثَل ابْنُ سُبُكْتِكِين أَمرَ القَادِر، فَبَثَّ السُّنَّة بِممَالِكه، وَتهدَّد بِقَتْلِ الرَّافِضَة وَالإِسْمَاعِيْليَّة وَالقرَامطَة، وَالمشبِّهَة وَالجَهْمِيَّة وَالمُعْتَزِلَة. وَلُعنُوا عَلَى المنَابِرِ (٣) . وَفِيْهَا: أَعنِي سنَة تِسْعٍ، قَدِمَ سُلْطَان الدَّوْلَةِ بَغْدَادَ (٤) . وَافتَتَح ابْنُ سُبُكْتِكِين عِدَّةَ مدَائِن بِالهِنْدِ. وَوَرَدَ كِتَابهُ فَفِيْهِ: صَدَرَ العَبْدُ مِنْ غَزْنَة فِي أَوَّلِ سَنَةِ عَشْرٍ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، وَانتُدِبَ لتنفيذِ الأَوَامرِ، فرتَّب فِي غَزْنَة خَمْسَةَ عَشَرَ أَلف فَارس، وَأَنهضَ ابْنه فِي عِشْرِيْنَ أَلْفاً، وَشَحنَ بَلْخ وَطَخَارُسْتَان بِاثْنَيْ عشرَ أَلف فَارس، وَعشرَة آلاَف رَاجل، وَانتَخَبَ ثَلاَثِيْنَ أَلف فَارس، وَعشرَة آلاَف رَاجل لصحبه رَايَة الإِسْلاَم. وَانضمَّ إِلَيْهِ المُطَّوِّعَةُ، فَافْتَتَحَ قِلاعاً وَحُصوناً، وَأَسلم زُهَاء عِشْرِيْنَ أَلْفاً، وَأَدَّوْا نَحْو أَلف أَلف مِنَ الوَرِق، وَثَلاَثِيْنَ فيلاً. وَعِدَّةُ الهَلكَى خَمْسُوْنَ أَلْفاً. وَوَافَى العَبْدُ مَدِيْنَةً لَهُم عَاينَ فِيْهَا نَحْوَ أَلف قَصْر، وَأَلفَ بَيْتٍ لِلأَصْنَام. وَمَبْلَغُ مَا عَلَى الصَّنَم ثَمَانيَةٌ وَتِسْعُوْنَ أَلف دِيْنَار، وَقَلَع أَزيدَ مِنْ أَلفِ صَنَمٍ. وَلهُم صنمٌ

стр. 9407

معظَّم يُؤرخون مُدَّته بجهَالتهم بِثَلاَث مائَة أَلْف سنَة، وَحصَّلنَا مِنَ الغَنَائِم عِشْرِيْنَ أَلْف أَلف دِرْهَم، وَأَفْرَدَ الخُمْس مِنَ الرَّقيق. فَبلغ ثَلاَثَةٌ وَخَمْسِيْنَ أَلْفاً، وَاسْتعرضنَا ثَلاَث مائَة وَسِتَّةً وَخَمْسِيْنَ فِيلاً (١) . وَنفذت مِنَ القَادِر باللهِ خِلَع السَّلْطنَة لقوَام الدَّوْلَة بولاَيَةِ كَرْمَان (٢) . ونَاب بِدِمَشْقَ عَبْد الرَّحِيْمِ وَلِيُّ عهْدِ الحَاكِمِ. وَقُتِلَ بِمِصْرَ الحَاكِمُ وَأَرَاحَ اللهُ مِنْهُ فِي سَنَة إِحدى عَشْرَة (٣) . وفِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ أَقبَلَ الْملك مشرِّف الدَّوْلَة مصعِّداً إِلَى بَغْدَادَ مِنْ نَاحِيَة وَاسِط، وَطَلَب مِنَ القَادِرِ بِاللهِ أَنْ يخرُجَ لتلقِّيه، فتلقَّاهُ فِي الطَّيَّار وَمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِملكٍ قَبْلَه، وَجَاءَ مَشرِّفُ الدَّوْلَة، فَصَعَدَ مِنْ زبزبه إِلَى (٤) الطَّيَّار، فَقبَّل الأَرْض، وَأُجلس عَلَى كُرْسِيّ (٥) ، وَكَانَ موت مُشرِّف الدَّوْلَة (٦) بن بهَاء الدَّوْلَة فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ، فنُهِبَتْ خَزَائِنه. وَخُطب لجلاَلِ الدَّوْلَةِ، ثُمَّ إِنَّ الأُمَرَاء عَدَلُوا إِلَى الْملك أَبِي كَاليجَار (٧) ، وَنوَّهوا باسمِهِ، وَكَانَ وَلِيَّ عهد أَبِيْهِ سُلْطَان الدَّوْلَةِ فَخُطِبَ لِهَذَا بِبَغْدَادَ، وَكَثُرَت العَمْلاَت (٨) بِبَغْدَادَ جِدّاً، وَاسْتبَاحَ جلاَلُ الدَّوْلَةِ الأَهْوَازَ فَنَهَبَ مِنْهَا مَا قيمتُه

стр. 9408

خَمْسَة آلاَف أَلف دِيْنَار، وَأُحرقت فِي أَمَاكن (١) ، وَدثرت. وَمَرِضَ القَادِرُ بِاللهِ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ، ثُمَّ جَلَس لِلنَّاسِ، وَأَظهرَ وَلاَيَة الْعَهْد لوَلَده أَبِي جَعْفَرٍ (٢) . وَكَانَ طَاغيَةُ الرُّوْم قَدْ قَصَدَ الشَّام فِي ثَلاَث مائَة أَلْف، وَمَعَهُ المَالُ عَلَى سَبْعِيْنَ جَمَّازَة (٣) ، فَأَشرَفَ عَلَى عسكرِه مائَةُ فَارس مِنَ الأَعرَابِ، وَأَلفُ رَاجلٍ فَظَنُّوا أَنَّهَا كَبْسَةٌ، فَلَبِسَ ملكُهُم خُفّاً أَسوَد لكِي يختفِي، وَهَرَبَ فنُهِبَ مِنْ حوَاصِله (٤) أَرْبَع مائَة بغل بِأَحْمَالهِا. وَقُتِلَ مِنْ جَيْشه خَلْقٌ، وَأَخَذَ البُرْجُميُّ (٥) اللِّصُّ وَأَعوَانُه العَمْلاَت وَالمخَازن الكِبَار، وَنهبَوا الأَسوَاق، وَعَمَّ البلاَء (٦) ، وَخَرَجَ عَلَى جلاَل الدَّوْلَة جندُهُ لِمَنْع الأَرزَاق (٧) . وفِي ذِي الحِجَّةِ مِنْ سَنَة اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، مَاتَ القَادِرُ بِاللهِ فِي أَوَّلِ أَيَّام التَّشْريق. وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُه القَائِمُ بِأَمرِ اللهِ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَربعاً. وَدُفِنَ فِي الدَّارِ، ثُمَّ بَعْد عَشْرَة أَشهر نُقل تَابوتُه إِلَى الرُّصَافَة، وَعَاشَ سَبْعاً وَثَمَانِيْنَ سَنَةً سِوَى شَهْرٍ وَثَمَانيَة أَيَّام (٨) وَمَا عَلِمْتُ أَحَداً مِنْ خُلفَاء هَذِهِ الأُمَّة بَلَغَ هَذَا السِّنّ، حَتَّى وَلاَ عُثْمَان ﵁.

стр. 9409

٦٤ - القَائِم بِأَمْرِ اللهِ عَبْدُ اللهِ ابنُ القَادِرِ بِاللهِ بنِ إِسْحَاقَ * الخَلِيْفَةُ، أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ اللهِ ابنُ القَادِرِ بِاللهِ أَحْمَدَ بنِ إِسْحَاقَ ابنِ المقتدِر جَعْفَرٍ العَبَّاسِيُّ، البَغْدَادِيُّ. وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ فِي نِصْفِ ذِي القَعْدَةِ، وَأُمُّه بَدْر الدجَى الأَرْمنيَّةُ. وَقِيْلَ: قَطْر النَّدَى بقيت إِلَى أَثْنَاء خِلاَفته (١) . وَكَانَ مَلِيحاً وَسِيْماً أَبيضَ بحُمرَة، قويَّ النَّفْسِ، ديِّناً وَرِعاً متصدِّقاً. لَهُ يدٌ فِي الكِتَابَةِ وَالأَدبِ، وَفِيْهِ عَدْلٌ وَسمَاحَةٌ. بُوْيِعَ يَوْم موتِ أَبِيْهِ بعهدٍ لَهُ مِنْهُ فِي ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ. وَأَبُوْهُ هُوَ الَّذِي لقَّبهُ. وَلَمْ يَزَلْ أَمرُهُ مُسْتَقِيْماً إِلَى أَنْ قُبِضَ عَلَيْهِ فِي سَنَةِ خَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، لأَنْ أَرْسَلاَن التُّركِيَّ البَسَاسِيرِيَّ (٢) ، عَظُمَ شَأْنُهُ لعدمِ نَظِيْرٍ لَهُ. وَتهيبتْه أُمرَاءُ العَرَب وَالعَجَم، وَدُعِي لَهُ عَلَى المَنَابر. وَظَلَمَ وَخرَّب القُرَى، وَانقهرَ مَعَهُ القَائِمُ، ثُمَّ تحُدِّثَ بِأَنَّهُ يُرِيْدُ نهبَ دَارِ الخِلاَفَةِ، وَعَزْلَ القَائِمِ. فَكَاتَب القَائِم طُغْرُلْبَك (٣) مَلِكَ الغُزّ يَسْتَنهضه، وَكَانَ بِالرَّيّ، ثُمَّ أُحْرِقَتْ دَارُ البَسَاسِيرِي،

стр. 9410

وَهَرَبَ، وَقَدِمَ طُغْرُلبك فِي سَنَةِ ٤٤٧، وَذَهبَ البَسَاسِيرِيُّ إِلَى الرَّحْبَة (١) وَمَعَهُ عَسْكَر، فَكَاتَبَ المُسْتَنْصِرَ فَأَمدَّه مِنْ مِصْرَ بِالأَمْوَالِ، وَمَضَى طُغْرلْبَك سنَةَ تِسْعٍ إِلَى نِصيبينَ وَمَعَهُ أَخُوْهُ ينَال، فَكَاتِب البَسَاسِيرِيُّ ينَالَ فَأَفسدَه، وَطَمعَ بِمنصِب أَخِيْهِ. فَسَارَ بجيشٍ ضَخم إِلَى الرَّي، فَسَارَ أَخُوْهُ فِي أَثَرِهِ، وَتفرَّقت الكَلِمَة. وَالتُّقَى الأَخوَان بِهَمَذَانَ. وَظَهَر ينَال، وَاضطرب أَمرُ بَغْدَاد، وَوَقَعَ النَّهب، وَفرّتْ زَوْجَةُ طُغْرُلْبَك فِي جَيْشٍ نَحْو هَمَذَان. فَوَصَلَ البَسَاسِيرِيُّ فِي ذِي القَعْدَةِ إِلَى الأَنْبَار. وَبُطِّلتِ الجُمُعَة، وَدَخَلَ شَاليش عَسْكَره، ثُمَّ دَخَلَ هُوَ بَغْدَاد فِي الرَّايَاتِ المِصْرِيَّة، وضرَبَ سُرَادِقَه عَلَى دِجْلَة، وَنصَرَتْه الشِّيْعَة. وَكَانَ قَدْ جَمَعَ العَيَّارين وَالفلاَّحين، وَأَطمَعَهُم فِي النَّهب. وَعظُم القَحْطُ، وَاقْتَتَلُوا فِي السُّفُنِ. ثُمَّ فِي الجُمُعَةِ المقبلَة دُعِيَ لصَاحِبِ مِصْرَ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، وَأَذَّنُوا: بحيَّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ. وَخندَقَ الخَلِيْفَةُ حولَ دَارِه، ثُمَّ نهَضَ البَسَاسِيرِيُّ فِي أَهْل الكَرْخ وَغَيْرهم إِلَى حَرْبِ القَائِم، فَاقتلُوا يَوْمِيْنِ، وَكَثُرت القَتْلَى، وَأُحرقت الأَسوَاق، وَدخلُوا الدَّارَ (٢) فَانتهبُوهَا، وَتذمِّم القَائِمُ إِلَى الأَمِيْر قُرَيْش العُقَيْلِيِّ (٣) . وَكَانَ مِمَّنْ قَامَ مَعَ البَسَاسِيرِيُّ - فَأَذمَّه، وَقبَّل بَيْنَ يَدَيْهِ. فَخَرَجَ القَائِم رَاكباً، بَيْنَ يَدَيْهِ الرَّايَة، وَالأَترَاكُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأُنزل فِي خَيْمَة، ثُمَّ قَبَضَ البَسَاسِيرِيُّ عَلَى الوَزِيْر أَبِي القَاسِمِ عَلِيِّ بن المُسْلمَة، وَالقَاضِي أَبِي عَبْدِ اللهِ الدَّامَغَانِيِّ، وَجَمَاعَةٍ، فصَلبَ الوَزِيْرَ فَهَلَكَ (٤) .

стр. 9411

وَكَانَ القَائِمُ فِيْهِ خَيْرٌ وَاهتمَام بِالرَّعيَة، وَقضَاءٌ لِلْحَوَائِجِ. وَقِيْلَ: أَنَّهُ لمَا بَقِيَ مُعتقلاً عِنْد العَرَبِ كتبَ قِصَّةً، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى بَيْتِ اللهِ مستَعْدِياً مِمَّن ظَلَمَهُ وَهِيَ: إِلَى اللهِ العَظِيْمِ مِنَ المِسْكِيْنِ عَبده: اللَّهُمَّ إِنَّك العَالِمُ بِالسَّرَائِر، المطَّلِعُ عَلَى الضَّمَائِر. اللَّهُمَّ إِنَّك غَنِيٌ بِعِلْمِكَ وَاطِّلاعِكَ عليَّ عَنْ إِعلاَمِي، هَذَا عبدُكَ قَدْ كَفَر نِعَمَكَ وَمَا شَكَرهَا، أَطْغَاهُ حِلْمُكَ حَتَّى تعدَّى عَلَيْنَا بَغْياً. اللَّهَّم قَلَّ النَّاصِر وَاعتزَّ الظَالِمُ، وَأَنْتَ المطَّلِعُ الحَاكِم، بِكَ نعتز عَلَيْهِ، وَإِليك نهرُب مَنْ يَدَيْهِ، فَقَدْ حَاكَمْنَاهُ (١) إِلَيْكَ، وَتوكلْنَا فِي إِنصَافِنَا مِنْهُ عَلَيْكَ، وَرفَعْنَا ظُلاَمَتَنَا إِلَى حَرَمك، وَوثِقْنَا فِي كَشْفهَا بكَرَمِك. فَاحكمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الحَاكمِين (٢) . وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ طُغْرُلْبَك، فَإِنَّهُ ظَفِرَ بِأَخِيْهِ وَقَتَله (٣) . ثُمَّ كَاتِب مُتَوَلِّي عَانَة (٤) فِي أَنْ يَرُدَّ القَائِمَ إِلَى مَقرِّ عزّه (٥) . وَقِيْلَ: إِنَّ البَسَاسِيرِيَّ عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ لَمَّا بَلَغَه السُّلْطَان طُغْرُلْبَك، فَحَصَّلَ القَائِمَ فِي مقرّ دَوْلته فِي الخَامِس وَالعِشْرِيْنَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِيْنَ (٦) . ثمَّ جهَّز طُغْرُلْبَك عَسْكَراً قَاتلُوا البَسَاسِيرِيَّ فَقُتل وَطيف بِرَأْسِهِ (٧) . فكَانَتِ الخُطْبَة لِلْمستنصر بِبَغْدَادَ سنَةً كَامِلَة.

стр. 9412

تُوُفِّيَ القَائِمُ فِي ثَالث عشر شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ (١) . ٦٥ - المَهْدِيُّ عُبَيْدُ اللهِ أَبُو مُحَمَّدٍ ، وَذُرِّيَتُهُ * أَوَّلُ مَنْ قَامَ مِنَ الخُلَفَاءِ الخَوَارِجِ العُبَيْدِيَّة البَاطنيَّةِ الَّذِيْنَ قَلَبُوا الإِسْلاَمَ، وَأَعْلنُوا بِالرَّفضِ، وَأَبطنُوا مَذْهَبَ الإِسْمَاعِيليَّة (٢) ، وَبثُّوا الدُّعَاةَ، يَسْتَغوون الجَبَليَّة وَالجَهَلَةَ. وَادَّعَى هَذَا المدْبرُ، أَنَّهُ فَاطمِيٌّ مِنْ ذُرِّيَّة جَعْفَر الصَّادِق (٣) فَقَالَ: أَنَا عُبَيْد اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَيْمُوْنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ بنِ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّد. وَقِيْلَ: بَلْ قَالَ: أَنَا عُبَيْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ إِسْمَاعِيْلَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ بنِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ. وَقِيْلَ: لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ عُبَيْد اللهِ، بَلْ إِنَّمَا هُوَ سَعِيْدُ بنُ أَحْمَدَ. وَقِيْلَ: سَعِيْدُ بنُ الحُسَيْنِ.

стр. 9413

وَقِيْلَ: كَانَ أَبُوْهُ يَهُودِيّاً. وَقِيْلَ: مِنْ أَوْلاَد دَيصَان (١) الَّذِي أَلَّف فِي الزَّنْدَقَةِ. وَقِيْلَ: لمَا رَأَى اليَسَعُ صَاحِبُ سِجِلْمَاسَة (٢) الغَلَبَة، دَخَلَ فَذَبَحَ المَهْدِيَّ. فَدَخَلَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الشِّيْعِيُّ، فَرَآهُ قَتِيلاً، وَعِنْدَهُ خَادمٌ لَهُ، فَأَبْرَزَ الخَادِمَ، وَقَالَ لِلنَّاسِ: هَذَا إِمَامكُمْ (٣) . وَالمحقِّقوْنَ عَلَى أَنَّهُ دَعِيٌّ (٤) بِحَيْثُ إِنَّ المُعزّ مِنْهُم لَمَّا سأَله السَّيِّدُ بنُ طَبَاطَبَا (٥) عَنْ نسبه، قَالَ: غداً أُخْرِجه لَكَ، ثُمَّ أَصْبَحَ وَقَدْ أَلقَى عَرَمَة (٦) مِنَ الذَّهب، ثُمَّ جَذَبَ نِصْف سَيفِهِ مِنْ غِمُّدِهِ. فَقَالَ: هَذَا نسبِي، وَأَمرهُمْ بنهبِ الذَّهب، وَقَالَ: هَذَا حَسَبِي (٧) ،

стр. 9414

وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ البَاقِلاَّنِي وَغَيْرُهُ مِنَ الأَئِمَّةِ فِي هَتْكِ مقَالاَتِ العُبَيْدِيَّة، وَبُطلاَنِ نَسَبهم. فَهَذَا نَسَبُهُم، وَهَذِهِ نِحْلَتُهُم. وَقَدْ سُقتُ فِي حَوَادِثِ تَارِيْخنَا مِنْ أَحْوَالِ هَؤُلاَءِ وَأَخْبَارِهِم فِي تفَاريقِ السّنينَ عجَائِب. وَكَانَ هَذَا مِنْ أَهْلِ سَلَمِيَّة (١) لَهُ غوْر، وَفِيْهِ دهَاءٌ وَمكرٌ، وَلَهُ هِمَّة عليَّة، فَسَرَى عَلَى أُنموذج عَلِيّ بنِ مُحَمَّدٍ الخَبِيْثِ (٢) ، صَاحِبِ الزِّنْجِ الَّذِي خَرَّبَ البَصْرَةَ وَغيرَهَا، وَتَمَلَّك بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَأَهلكَ البِلاَدَ وَالعِبَادَ. وَكَانَ بلاَءً عَلَى الأُمَّةِ، فَقُتِلَ سَنَةَ سَبْعِيْنَ وَمائَتَيْنِ. فَرَأَى عُبَيْدُ اللهِ أَنَّ مَا يَرُومه مِنَ المُلْك، لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُوْنَ ظُهُوْره بِالعِرَاقِ وَلاَ بِالشَّامِ، فَبَعَثَ أَوَّلاً لَهُ دَاعِيينِ شيطَانينِ دَاهيتينِ، وَهُمَا الأَخوَانِ أَبُو عَبْدِ اللهِ الشِّيْعِيّ (٣) ، وَأَخُوْهُ أَبُو العَبَّاسِ، فَظَهَرَ أَحَدُهُمَا بِاليَمَنِ، وَالآخر بِأَفْرِيقية، وَأَظْهَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا الزُّهْدَ وَالتَأَلُّه، وَأَدَّبَا أَوْلاَدَ النَّاسِ، وَشوَّقَا إِلَى الإِمَام المَهْدِيِّ (٤) .

стр. 9415

وَلهُم (١) البَلاغَاتُ السَّبْعَة: فَالأَوَّل للعوَام وَهُوَ الرَّفض، ثُمَّ البَلاَغ الثَّانِي لِلْخوَاصّ، ثُمَّ البلاغُ الثَّالِث لِمَنْ تَمَكَّنَ، ثُمَّ الرَّابِعُ لِمَنِ اسْتمَّر سَنَتَيْنِ، ثُمَّ الخَامِسُ لِمَنْ ثَبْتَ فِي المَذْهَب ثَلاَثَ سِنِيْنَ، ثُمَّ السَّادِسُ لِمَنْ أَقَامَ أَرْبَعَة أَعْوَامٍ، ثُمَّ الخِطَابُ بِالبلاغ السَّابعِ وَهُوَ النَّاموسُ الأَعْظَمُ. قَالَ مُحَمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ النَّدِيْم: قرأْتُهُ (٢) فرَأَيْتُ فِيْهِ أَمراً عَظِيْماً مِنْ إِباحَةِ المَحْظُورَاتِ، وَالوَضْع مِنَ الشَّرَائِعِ وَأَصحَابهِا، وَكَانَ فِي أَيَّام معزِّ الدَّوْلَةِ ظَاهِراً شَائِعاً، وَالدُّعَاةُ منبَثُّونَ فِي النَّوَاحِي، ثُمَّ تَنَاقَصَ (٣) . قُلْتُ: ثُمَّ اسْتَحْكَم أَمْر أَبِي عَبْدِ اللهِ بِالمَغْرِب، وَتَبِعَهُ خلقٌ مِنَ البَرْبَر، ثُمَّ لَحِقَ بِهِ أَخُوْهُ، وَعَظُمَ جمْعُهُ، حَتَّى حَاربَ مُتَوَلِّي المَغْرِبِ وَقَهَرَه، وَجرتْ لَهُ أُمُورٌ طَوِيْلَة فِي أَزيدَ مِنْ عَشْرَة أَعْوَام (٤) . فلَمَّا سَمِعَ عُبَيْد اللهِ بظُهُوْر دَاعِيه، سَارَ بِوَلَدِهِ فِي زِيِّ تُجَّار، وَالعُيُونُ عَلَيْهِمَا إِلَى أَنْ ظَفرَ بِهِمَا مُتَوَلِّي الإِسْكَنْدَرِيَّة فسرَّ بِهِمَا، وَكَاشر لَهُمَا التَّشَيُّع فِيْهِ فَدَخَلاَ المَغْرِب (٥) . فَظَفِرَ بِهِمَا أَمِيْرُ المَغْرِب فسجَنَهُمَا، وَلَمْ يقرَّا لَهُ بِشَيْءٍ (٦) ، ثُمَّ التَقَى هُوَ وَأَبُو عَبْدِ اللهِ الشِّيْعِيّ، فَانتصَرَ أَبُو عَبْدِ اللهِ، وَتَمَلَّك (٧) البِلاَد، وَأَخْرَجَ المَهْدِيَّ مِنَ السجنِ، وَقَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ لقُوَّاده: هَذَا إِمَامُنَا، فَبايَعَه (٨) الملأُ.

стр. 9416

وَوَقع بَعْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَاعيَيه لِكَوْنِهِ مَا أَنْصَفَهُمَا، وَلاَ جَعَلَ لَهُمَا كَبِيْرَ مَنْصِب، فَشَكَّكَا فِيْهِ خوَاصَّهُمَا، وَتفرَّقَتْ كلمَةُ الجنودِ، وَوَقَعَ بينهُم مَصَافٌّ (١) . فَانتصر عُبَيْد اللهِ، وَذَبَحَ الأَخوينِ (٢) . وَدَانَتْ لَهُ الأَممُ. وَأَنشَأَ مَدِيْنَةَ المَهْدِيّةِ (٣) ، وَلَمْ يتوجَّه لِحَرْبِهِ جَيْشٌ لبُعْدِ الشُّقَّة وَلوَهْنِ شَأْنِ الخِلاَفَة بِإِمَارَةِ المُقْتَدِرِ (٤) . وَجَهَّزَ مِنَ المَغْرِب وَلَدَه ليَأْخذ مِصْرَ، فَلَمْ يتمّ لَهُ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو الحَسَنِ القَابِسيُّ، صَاحِبُ (الملخَّص (٥)) :إِنَّ الَّذِيْنَ قَتَلَهُم عُبَيْدُ اللهِ، وَبنوهُ أَرْبَعَة آلاَفٍ فِي دَارِ النَّحْرِ فِي العَذَابِ مِنْ عَالِمٍ وَعَابِدٍ ليرُدَّهُمْ عَنِ التَّرَضِّي عَنِ الصَّحَابَةِ، فَاختَارُوا المَوْتَ. فَقَالَ سهل الشَّاعِر: وَأَحَلَّ دَارَ النَّحْرِ فِي أَغْلاَلِهِ ... مَنْ كَانَ ذَا تَقْوَى وَذَا صلوَاتِ (٦) وَدُفِنَ سَائرُهُم فِي المُنَسْتِيْر (٧) ، وَهُوَ بلسَان الفرَنْجِ: المعْبَدُ الكَبِيْرُ. وكَانَتْ دَوْلَةُ هَذَا بِضْعاً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً. حَكَى الوَزِيْرُ القِفْطِيُّ (٨) فِي سيرَةِ بنِي عُبَيْد، قَالَ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الشِّيْعِيُّ أَحَدَ الدَّوَاهِي، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَمَعَ مَشَايِخ كُتَامَة ليشكِّكَهُم فِي الإِمَامِ.

стр. 9417

فَقَالَ: إِنَّ الإِمَامَ كَانَ بسَلَمِيَّة قَدْ نَزَلَ عِنْد يهودِي عَطَّار يُعْرَف بعُبَيْد، فَقَامَ بِهِ وَكَتَمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ مَاتَ عُبَيْد عَنْ وَلَدَيْنِ فَأَسْلَمَاهُمَا وَأُمُّهُمَا عَلَى يَد الإِمَام، وَتَزَوَّجَ بِهَا، وَبَقِيَ مُخْتَفِياً. وَبَقِيَ الأَخوَان فِي دُكَّانِ العِطْر. فَوَلَدَتْ لِلإِمَامِ ابْنينِ، فَعِنْدَ اجتمَاعِي بِهِ سَأَلْتُهُ أَيُّ الاثْنَيْن إِمَامِي بَعْدَك؟ فَقَالَ: مَنْ أَتَاكَ مِنْهُمَا فَهُوَ إِمَامُك. فسيَّرْتُ أَخِي لإِحْضَارهِمَا، فَوَجَدَ أَبَاهُمَا قَدْ مَاتَ هُوَ وَابْنُهُ الوَاحِدُ. فَأَتَى بِهَذَا. وَقَدْ خِفْتُ أَنْ يَكُوْنَ أَحَدَ وَلديّ عُبَيْد. فَقَالُوا: وَمَا أَنكرتَ مِنْهُ؟ قَالَ: إِنَّ الإِمَام يَعْلَمُ الكَائِنَاتِ قَبْلَ وَقوعهَا. وَهَذَا قَدْ دَخَلَ مَعَهُ بِوَلَدَيْنِ. وَنَصَّ الأَمْر فِي الصَّغِيْرِ بَعْدَهُ، وَمَاتَ بَعْد عِشْرِيْنَ يَوْماً - يَعْنِي: الوَلَد -. وَلَوْ كَانَ إِمَاماً لَعَلِمَ بِموته. قَالُوا: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: وَالإِمَامُ لاَ يَلْبَسُ الحَرِيرَ وَالذَّهبَ. وَهَذَا قَدْ لَبِسَهُماً. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَ إِلاَّ مَا تحقَّق أَمرَهُ. وَهَذَا قَدْ وَطِئَ نسَاء زِيَادَة الله، يَعْنِي: مُتَوَلِّي المَغْرِبِ. قَالَ: فَشَكَّكَتْ كُتَامَةُ فِي أَمرِهِ. وَقَالُوا: فَمَا تَرَى؟ قَالَ: قبضُه ثُمَّ نُسيِّر مَنْ يكشِفُ لَنَا عَنْ أَوْلاَدِ الإِمَامِ عَلَى الحَقِيْقَة. فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ. وَخَفَّ كَبِيْر كُتَامَة فواجَهَ المَهْدِيَّ، وَقَالَ: قَدْ شَكَكْنَا فِيك، فَائِتِ بآيَةٍ. فَأَجَابَهُ بِأَجوبَةٍ، قَبِلَهَا عَقْلُه. وَقَالَ: إِنَّكُم تيقَّنْتُم، وَاليقينُ لاَ يَزُول إِلاَّ بيقينٍ لاَ بشكٍ. وَإِنَّ الطِّفْلَ لَمْ يَمُتْ، وَإِنَّهُ إِمَامُك، وَإِنَّمَا الأَئِمَّة يَنْتَقِلُوْنَ، وَقَدِ انْتَقَلَ لإِصْلاَحِ جهَةٍ أُخْرَى. قَالَ: آمنتُ، فَمَا لُبْسَك الحَريرَ؟ قَالَ: أَنَا نَائِب الشَّرْع أَحلِّل لنفسِي مَا أُرِيْد، وَكُلُّ الأَمْوَالِ لِي، وَزِيَادَة الله كَانَ عَاصياً. وَأَمَّا عَبْدُ اللهِ الشِّيْعِيُّ وَأَخُوْهُ، فَإِنهُمَا أَخذَا يُخَبّبَان (١) عَلَيْهِ فَقَتَلَهُمَا.

стр. 9418

وَخَرَجَ عَلَيْهِ خَلْقٌ مِنْ كُتَامَةَ، فَظَفِرَ بحيلَةٍ وَقَتَلَهُم (١) . وَخَرَجَ عَلَيْهِ أَهْلُ طَرَابُلُس، فَجَهَّزَ وَلدَه القَائِمَ، فَافتتحهَا عَنْوَةً، وَافتَتَحَ بَرْقَة (٢) ، ثُمَّ افتَتَح صَقِلِّيَّة (٣) ، وَجَهَّزَ القَائِمَ مرَّتين لأَخذ مِصْرَ، وَيَرْجِعُ مهزوماً (٤) . وَبنَى المهديَّةَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلاَثِ مائَةٍ (٥) . وَخَلَّفَ ستَةَ بَنِينَ، وَسَبْعَ بنَاتٍ. وآخرهُم وَفَاةً أَحْمَد، عَاشَ إِلَى سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ بِمِصْرَ. وفِي أَيَّامِ المَهْدِيِّ، عَاثت القَرَامِطَةُ بِالبحرين، وَأَخَذُوا الحجيجَ، وَقتلُوا وَسبَوا، وَاسْتبَاحُوا حَرَمَ الله، وَقلَعُوا الْحجر الأَسودَ. وَكَانَ عُبَيْدُ اللهِ يُكَاتِبهُم، وَيحرِّضُهُم، قَاتَلَه اللهُ. وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي (تَارِيْخِ الإِسْلاَمِ) أَنَّ فِي سَنَةِ سَبْعِيْنَ وَمائَتَيْنِ ظهرتْ دَعْوَةُ المَهْدِيّ بِاليَمَنِ، وَكَانَ قَدْ سَيَّرَ دَاعِيينِ أَبَا القَاسِمِ بنَ حَوْشَب الكُوْفِيَّ، وَأَبَا الحُسَيْنِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ ابْنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ بنِ الصَّادِق جَعْفَر بن مُحَمَّد (٦) . وَنَقَلَ المُؤَيَّد الحَمَوِيُّ فِي (تَارِيْخِهِ (٧)) ، أَنَّ المَهْدِيَّ اسْمُهُ فِيْمَا

стр. 9419

وَكَانَ قِيْلَ: سَعِيْدُ بنُ الحُسَيْنِ، وَأَنَّ أَبَاهُ الحُسَيْنَ قَدِمَ سَلَمِيَّة. فَوُصِفَتْ لَهُ امْرَأَةُ يهودِي حدَّاد، قَدْ مَاتَ عَنْهَا (١) . فتَزَوَّجَهَا الحُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ القَدَّاح هَذَا وَكَانَ لَهَا وَلَدٌ مِنَ اليَهوديِّ، فَأَحَبَّه الحُسَيْنُ وَأَدَّبَه. وَلَمَّا احْتُضِرَ عَهِدَ إِلَيْهِ بِأُمُورٍ، وَعَرَّفَه أَسرَارَ البَاطنيَّة، وَأَعطَاهُ أَمْوَالاً، فَبثَّ لَهُ الدُّعَاة. وَقَدِ اخْتلف المُؤرخون، وَكثر كَلاَمُهُم فِي قِصَّةِ عُبَيْدِ اللهِ القَدَّاحِ بنِ مَيْمُوْنِ بنِ دَيْصَان. فَقَالُوا: إِن دَيْصَان هَذَا هُوَ صَاحِبُ كتَاب (المِيزَان) ، فِي الزَّنْدَقَة. وَكَانَ يتولَّى أَهْلَ البَيْتِ. وَقَالَ: وَنَشَأَ لمَيْمُوْنَ بنِ دَيْصَان ابْنُه عَبْد اللهِ، فَكَانَ يَقْدَحُ العينَ، وَتعلَّم مِنْ أَبِيْهِ حِيَلاً وَمَكْراً. سَار عَبْدُ اللهِ فِي نَوَاحِي أَصْبَهَانَ، وَإِلَى البَصْرَةِ. ثُمَّ إِلَى سَلَمِيَّة يدعُو إِلَى أَهْلِ البَيْتِ، ثُمَّ مَاتَ، فَقَامَ ابْنُهُ أَحْمَدُ بَعْدَهُ، فَصَحِبَه رُسْتُم بنُ حَوْشَب النَّجَّار الكُوْفِيُّ، فَبَعَثَه أَحْمَدُ إِلَى اليَمَنِ يدعُو لَهُ، فَأَجَابوهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللهِ الشِّيْعِيُّ مِنْ صَنْعَاء، وَكَانَ بِعَدَنَ، فَصَحِبَه، وَصَارَ مِنْ كُبَرَاء أَصْحَابِهِ، وَكَانَ لأَبِي عَبْدِ اللهِ هَذَا دَهَاء وَعُلُوْمٌ وَذكَاء، وَبَعَثَ ابْنُ حَوْشَب دُعَاةً إِلَى المَغْرِب، فَأَجَابَتْه كُتَامَةُ، فَنَفَّذَ ابْنُ حَوْشَب إِلَيْهِم أَبَا عَبْدِ اللهِ وَمَعَهُ ذهبٌ كَثِيْرٌ فِي سَنَةِ ثَمَانِيْنَ وَمائَتَيْنِ. فَصَارَ مِنْ أَمْره مَا صَارَ (٢) . فهَذَا قَوْلٌ، وَنرجِعُ إِلَى قَوْلٍ آخر هُوَ أَشهر. فسيَّر - أَعنِي: وَالد المَهْدِيّ - أَبَا عَبْدِ اللهِ الشِّيْعِيَّ، فَأَقَامَ بِاليَمَنِ أَعْوَاماً، ثُمَّ حَجَّ، فصَادَفَ طَائِفَةٌ مِنْ كُتَامَة حُجَّاجاً، فَنَفَقَ عَلَيْهِم، وَأَخذوهُ إِلَى المَغْرِب، فَأَضلَّهُم (٣) ، وَكَانَ

стр. 9420

يَقُوْلُ: إِنَّ لظوَاهِرِ الآيَاتِ وَالأَحَادِيْثِ بواطنَ، هِيَ كَالّلبِّ، وَالظَّاهِرُ كَالقِشْر، وَقَالَ: لِكُلِّ آيَةٍ ظهرٌ وَبطنٌ. فَمَنْ وَقَفَ عَلَى عِلْمِ البَاطِنِ، فَقَدِ ارْتَقَى، عَنْ رُتْبَةِ التَّكَالِيفِ (١) . وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللهِ ذَا مَكْرٍ وَدَهَاءٍ وَحِيَل وَرَبْط. وَلَهُ يدٌ فِي العِلْمِ. فَاشْتَهَرَ بِالقَيْرَوَانِ، وَبَايَعَتْهُ البربرُ، وَتَأَلَّهوهُ لزُهده، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُتَوَلِّي إِفْرِيْقِيَة يخوِّفُه وَيُهدَّدُه، فَمَا أَلوَى عَلَيْهِ. فَلَمَّا هَمَّ بقبضِهِ، اسْتَنْهَضَ الَّذِيْنَ تَبِعُوهُ، وَحَارَبَ فَانتصَرَ مَرَّاتٍ، وَاسْتفحَلَ أَمرُهُ، فَصَنَعَ صَاحِبُ إِفْرِيْقِيَة صُنْعَ مُحَمَّدِ بنِ يَعفُر صَاحِبِ اليَمَن، فَرَفَضَ الإِمَارَة، وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ، وَلبِسَ الصُّوف، وَردَّ المَظَالِم، وَمَضَى غَازياً نَحْو الرُّوْم، فتملَّك بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو العَبَّاسِ بنُ إِبْرَاهِيْمَ بنِ أَحْمَدَ، وَوصل الأَبُ إِلَى صَقِلِّيَّة، وَمِنْهَا إِلَى طَبَرْمِين (٢) فَافْتَتَحهَا. ثُمَّ مَاتَ مَبْطُوناً فِي ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِيْنَ وَمائَتَيْنِ. كَانَتْ دولتُه ثَمَانِياً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً، وَدُفِنَ بصَقليَة (٣) . وشُهِرَ الشِّيْعِيُّ بِالمَشْرقِيِّ، وَكَثُرَتْ جيوشُه، وَزَادَ الطَّلَبُ لعُبَيْدِ اللهِ، فَسَارَ بِابْنِهِ وَهُوَ صَبِيٌّ وَمَعَهُمَا أَبُو العَبَّاسِ أَخُو الدَّاعِي الشِّيْعِيّ فتحيّلُوا حَتَّى وَصلوا إِلَى طَرَابُلُس المَغْرِب، وَتَقَدَّمَهُمَا أَبُو العَبَّاسِ إِلَى القَيْرَوَان، وَبَالَغَ زِيَادَةُ اللهِ الأَغْلَبِيُّ (٤) فِي تَطَلُّبِهِمَا، فَوَقَعَ بِأَبِي العَبَّاسِ فَقرَّره، فَأَصرَّ عَلَى الإِنْكَارِ، فَحَبَسَهُ برَقَّادَةَ. وَعَرَفَ بِذَلِكَ المَهْدِيُّ فَعَدَلَ إِلَى سِجِلْمَاسَةَ، وَأَقَامَ بِهَا يتَّجِر، فَعَلِمَ بِهِ زِيَادَةُ الله، وَقَبَضَ مُتَوَلِّي البَلَد عَلَى المَهْدِيِّ وَابْنِهِ. ثُمَّ
следующие страницы →