← Тараджим

Тараджим · id 10907

تكملة سير أعلام النبلاء - ط الرسالة العالمية

شمس الدين الذهبي

Полный текст (937 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تقديم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإنَّ كتاب "سير أعلام النبلاء" (١) يُعدُّ من أجود كتب التراجم التي صنِّفت قبل المؤلف وأعظمها نفعًا، وتكمن أهميته في أمرين: أولاهما: أنَّ مؤلفه هو الإمام شمس الدين أبو عبد الله الذهبي، وهو إمام هذا الفن بلا منازع، فقد تقدم فيه وبرع وفاق أقرانه حتى استحق أن يسمى إمام المؤرخين، ويكفيه اعتراف الحافظ ابن حجر بفضله وبراعته عندما شرب من ماء زمزم وسأل الله أن يصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ وفطنته. ثانيهما: أن كتاب "السير" يعدُّ من أوسع كتب التراجم وأشملها بعد "تاريخ الإسلام" (٢) وذلك لأنه اشتمل على تراجم الأعلام لفترة امتدت قرابة السبع مئة عام، المنتشرين في رقعة البلاد الإسلامية الواسعة الممتدة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، كما اشتمل على تراجم لجميع فئات المجتمع فقهاء ومحدثين وقضاة وصلحاء وأمراء وملوكًا وغيرهم (٣). _________ (١) والذي شَرُفَت مؤسسة الرسالة بالعناية به عناية فائقة ونشرته محقَّقًا في ثمانينيات القرن الماضي، وقام على تحقيقه نخبة من الأساتذة بإشراف أستاذنا الشيخ شعيب الأرنؤوط حفظه الله. (٢) وقد قام بتحقيقه تحقيقًا مجوَّدًا الأستاذ المحقق الدكتور بشار عواد معروف حفظه الله، وطبع في دار الغرب الإسلامي في ١٧ مجلدًا. (٣) انظر مقدمة الدكتور بشار عواد لكتاب "السير" ص ١٣٧ وما بعدها.

стр. 2

هذه التكملة وعلاقتها بالكتاب الأصل: قبل الكلام على تكملتنا هذه، لا بدَّ من الإشارة إلى التتمة التي طُبعت في مؤسسة الرسالة ناشرون، والقول بأنها لا علاقة لها بكتاب "السير"، فهي تراجم مختصرة مستلّة من الكتاب الآخر للذهبي وهو "تاريخ الإسلام"، حيث انتهى فيه إلى سنة ٧٠٠ هـ، بينما أشار المؤرخون الناقلون عن الذهبي أن كتابه "السير" مع تتمّته وصل في تقييده إلى حين وفاته في سنة ٧٤٨ هـ. أمّا هذه التكملة التي بين أيدينا فقد اشتملت على فترتين: الأولى: من سنة ٦٥٤ هـ إلى سنة ٧٠٠ هـ. الثانية: من سنة ٧٠١ هـ إلى حين وفاة المؤلف. أما الفترة الأولى: فقد سعينا للحصول على أصل خطي يشتمل عليها إلا أنه لم يتيسر لنا، ولذلك فقد اعتمدنا فيها على طبعة دار الفكر، والذي يظهر أن ناشريها قد اعتمدوا فيها على أصل خطي رديء، مما أوقع محققها في أخطاء كثيرة جدًّا بين سقط وتحريف وتصحيف وإدخال بعض التراجم في بعض، بحيث لا يكاد يُفهَم سياق الكلام في كثير من التراجم، إلا أنه لو اعتني بمراجعة هذه التراجم على المصادر، لأصلح كثيرًا من الأخطاء. ولقد كان عملنا فيها شاقًا وتطلب منا مزيدًا من التأنِّي والتحرِّي والدقة في البحث، فقمنا بمراجعة هذه التراجم وما تضمنتها من أحداث وتواريخ وشخوص على كثير من المصادر، وبخاصة كتب الذهبي نفسه، مما ساعدنا على تصحيح كثير من هذه التحريفات والتصحيفات واستدراك

стр. 3

بعض السقوطات منها وفرز بعض التراجم المتداخلة في بعضها. كما قمنا بإعادة ترتيب تراجم هذه الفترة على حسب السنوات - إذ وقع في الأصل المعتمد عليه اضطراب - لتكون على نسق الفترة الثانية من هذه التكملة وعلى سياقها. أما الفترة الثانية: وهي من سنة ٧٠١ هـ إلى آخر حياة المصنف، فقد اعتمدنا فيها على أصلين خطيين جيدين: أحدهما: هو نسخة شستربتي بدبلن - إيرلندا برقم (٤١٠٠)، وقد كُتبت في حياة المؤلف وقُرئت عليه، وهي ناقصة من أولها بمقدار عشر ورقات. والثاني: هو نسخة جامعة ليدن بهولندا برقم (٣٢٠)، وناسخها عبد القادر بن عبد الوهاب القرشي، نسخها سنة ٨٧٥ هـ (١). وقد طُبعت هذه الفترة في مجلد باسم "ذيل تاريخ الإسلام" في دار المغني بعناية مازن باوزير (٢)، ونشره بهذا الاسم اعتمادًا على ما ذكره القرشي في بداية نسخته: من أن غير واحد أخبره عن الحافظ الذهبي أنه قال: هذا مجلد ملحق بتاريخ الإسلام شِبه الذيل عليه. قلنا: وهذا ما سبَّب اختلاف الناقلين عن الذهبي من هذه التكملة في تسميته، فهذا تقي الدين الفاسي في عدة مواضع من كتابه "ذيل التقييد في _________ (١) وهاتان النسختان أرسل بهما إلينا صاحبنا المفضال الشيخ محمد بن ناصر العجمي حفظه الله وبارك في عمره. (٢) ولم يسلم عمله من كثرة التحريفات والتصحيفات، لكن ليس كما وقع في طبعة دار الفكر.

стр. 4

رواة السنن والمسانيد" (١) لا يجزم في هذه الفترة بتسمية، فيقول: ذيل سير النبلاء، وقيل: هو ذيل تاريخ الإسلام. إلا أنه لما ألَّف كتابه "تعريف ذوي العلا بمن لم يذكره الذهبي من النبلا عاد فاعتبر هذه الفترة ذيلًا لـ "سير النبلاء" ثم ذيل هو عليه بـ "التعريف". وأما ابن تغري بردي فسمّاه في "المنهل الصافي" (٢): "ذيل تاريخ الإسلام". وسمّاه الحافظ ابن حجر في "الدرر الكامنة": "ذيل سير النبلاء"، وعدَّه من مصادره في كتاب "الدرر" (٣). وكذلك سمّاه السخاوي في "التحفة اللطيفة" (٤). وسمّاه الحافظ في الدرر مرة أخرى: "سير أعلام النبلاء" وذلك أثناء ترجمة صالح بن عبد الله ابن الصباغ (٧٢٧ هـ) (٥). أما الدكتور بشار عواد فرجح أن يكون هذا القسم هو المتمِّم لـ "سير أعلام النبلاء" وليس ذيلًا عليه ولا على "تاريخ الإسلام"، وهو المجلد الرابع عشر من الكتاب الذي خُتِمَ به الكتاب. وقد دلَّل على ذلك بأدلة ذكرها في المقدمة التي كتبها ل "السير" (٦). _________ (١) انظر: ١/ ٢٨٦ و ٢/ ١٦٧، ١٩٦، ٢٢١. (٢) المنهل الصافي: ١/ ٢٠٣، حيث نقل منه ترجمة القاضي السروجي الحنفي المتوفى سنة ٧١٠ هـ. (٣) مقدمة الدرر الكامنة: ١/ ٣، وانظر أيضًا ٣/ ٢٧ ترجمة عبد الله بن أبي جمرة السبتيّ المالكي المتوفى سنة ٧١٠ هـ، فقد ذكر أنه نقلها من "ذيل سير النبلاء". (٤) ١/ ٢٤٩ في ترجمة جوبان المتوفى سنة ٧٢٨. (٥) الدرر الكامنة: ٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧. (٦) ص ٩٥ - ٩٧.

стр. 5

ومما يَصلُح أن يتأيّد به قولُ الدكتور بشار أيضًا عدة أمور: أولها: ظاهر كلام تقي الدين الفاسي في خطبة "تعريف ذوي العلا فيمن لم يذكره الذهبي من النبلا، حيث ذكر أن الذهبي قد ختم كتابه "سير أعلام النبلاء" بترجمة الحافظ جمال الدين المِزِّي. وترجمة المزّي هذه هي التي ختم بها الذهبي هذه التكملة التي بين أيدينا، كما في النسخة المعتمدة في طبعة الفكر. ثانيها: ما نقله الشوكاني في "البدر الطالع" (١) عن الذهبي في ترجمة تنكز نائب الشام، فقد قال الشوكاني قال الذهبي في أواخر كتابه "سير أعلام النبلاء": كان ذا سطوة وهيبة … إلى آخره. وترجمة تنكز هذا في هذه التكملة برقم (٩٣٢). ثالثها: أن العلّامة ابن الوزير في كتابه "العواصم والقواسم" (٢) نقل ترجمة ابن تيميّة بنصها كما هي هنا في هذه التكملة، وأشار إلى أنه أخذها من "النبلاء" للذهبي، مما يعني أنها من أصل الكتاب، وليس ذيلًا عليه. رابعها: أنه وقع في الأصلين الخطيين قبل ترجمة الكحال رقم (٨١٨) عنوان فيه: الطبقة الأربعون. وهذا دليل على أنَّ هذا الجزء هو الذي تمم فيه المصنف كتابه "سير أعلام النبلاء" إلى أربعين طبقة، والله تعالى أعلم. لكن يعكِّر على ذلك ما ذكرناه سابقًا من كلام الحافظ الذهبي فيما نقله القرشي في نسخته: أن هذا مجلد ملحق بتاريخ الإسلام شبه الذيل _________ (١) ١/ ١٧٣. (٢) ٥/ ٢٦٢.

стр. 6

عليه. ومن أقوال المؤرخين ممن نقل عن الذهبي كما سبق. من هنا يظهر أنَّ هناك اختلافًا واضطرابًا بين أهل العلم في تسمية هذه التكملة هل هي من أصل "السير" أم هي ذيل عليه أم هي ذيل على "تاريخ الإسلام"، لكن من خلال عملنا تبين لنا أنَّ هذه التكملة هي عبارة عن فترتين: الأولى (٦٥٤ - ٧٠٠) وهي تكملة للسير بلا ريب، لأنَّ كثيرًا من تراجمها مترجم بنحوه في "تاريخ الإسلام"، وأما الثانية (٧٠١ - إلى وفاة المؤلف) فتصلح أن تكون تكملةً للكتابين معًا، لذلك رأينا - خروجًا من هذا الخلاف - أن نجعل تسميته "تكملة الحافظ الذهبي على كتابيه سير أعلام النبلاء وتاريخ الإسلام"، وبذلك نكون قد أعملنا القولين، ويكون قد تمَّ للذهبي ﵀ مراده في إكمال كتابيه الجليلين والله تعالى أعلم، وهو الموفِّق. عادل مرشد أحمد برهوم عمّان: ٢٢ رجب ١٤٣٥ هـ ٢٢ أيار ٢٠١٤ م

стр. 7

الورقة الأولى من نسخة القرشي

стр. 8

الورقة الأخيرة من نسخة القرشي

стр. 9

ورقة من البداية من نسخة دبلن، وما قبلها ناقص

стр. 10

ورقة أخيرة من نسخة دبلن فيها ثبت قراءة على المصنف

стр. 11

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين ١ - ابن الشَّعّار * الإمام الأديب الأوحد، كمال الدين أبو البركات، المبارك بن أبي بكر بن حمدان بن عُلْوان، المَوصِلي، المشهور بابن الشَّعّار. مصنّف كتاب "عقود الجُمَان في شعراء الزمان". سمع من: يعقوب بن صابر المَنجَنيقي، وطائفة. لم تَبلُغنا أخبارُه إِلّا أنَّ الدِّمْياطي روى عنه، و "تاريخه" موجود في السُّمَيساطية. توفي بحلب في سابع جمادى الآخرة وله إحدى وستون سنة، من سنة أربع وخمسين وست مئة. ٢ - الشَّاذِلي ** الشيخ الزاهد الكبير، أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن تَميم، المغربي الشاذلي الضرير، نزيل الإسكندرية. انتَسَب في بعض تواليفه بأنه علي بن عبد الله بن عبد الجبَّار بن تميم بن هرمز بن حاتم بن قصي بن يوسف بن يوشع بن برد بن بطال بن أحمد بن محمّد بن عيسى بن إدريس بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن

стр. 12

الحسن ابن الإمام علي بن أبي طالب العَلَوي. وهذا نسب ما أعلمُ صحتَه، وكان الأَولى به تركه، وترك كثير من تلك العبارات التي يُلمِح بها. وهو كبير المَقام، كثير الكلام، وله نثر ونظم، الله أعلم بمقصده في ذلك، وكان القَبّاري ﵀ يتكلم فيه، وله أصحاب وأتباع. ولقد صَحِبْنا الشيخ عماد الدين الحزامي وقال لنا: صحبت الشيخ نجم الدين الأصبهاني المجاور وصحب الشيخ أبا العباس المُرْسي صاحب أبي الحسن الشاذلي بكل حال، قال: خذ الكتاب والسنّة صاحبًا، وذرِ الناس جانبًا، واحذر بُنيّات الطريق، وإيّاك والمتشابه، وعليك بالعتيق، واسأل الله التوفيق، فياغوثاه بالله. وشاذِلةُ من قرى إفريقيّة. حجَّ الشيخ مرات، وتوفي بصحراء عَيْذاب قاصدًا للحج في ذي القعدة سنة ست وخمسين (١). ٣ - الأمير سيف الدين * علي بن عمر بن قَزل بن جَلْدك التُّركماني الياروقي. له ديوان مشهور، ونظم جَزْلِ رائق، وليَ شدَّ الدواوين بدمشق مدة، وكان قد وُلد بمصر سنة اثنتين وست مئة (٢). وكان الأميرُ الكبير فخر الدين عثمان عمَّه، والأميرُ الكبير جمال الدين قرابتَه. روى عنه من شعره الدِّمْياطي والفخر بن عساكر وغيرهما، وهو

стр. 13

القائل: وكأنما الفانوس في غَسَق الدُّجا … صبٌّ براهُ سُقْمُه وسُهادُهْ حنَّت أضالعُه ورقَّ أديمُه … وجَرَت مدامُعه وذاب فؤادُهْ ٤ - الصَّرْصَري * العلّامة اللغوي الزاهد، الشيخ جمال الدين أبو زكريا يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور بن معمر، الصَّرصري البغدادي الحنبلي الضرير الشاعر، صاحب المدائح النبوية السائرة في الآفاق. صحب الشيخ عليَّ بن إدريس وغيره، وعاش ثمانية وستين سنة، ونظمه في الذّروة، وهو على قدمٍ في العبادة والخير والعلم، ولما دخلت التتار بغداد، طعن واحدًا منهم بعكّازه فقتله، ثم قتلوه رحمه الله تعالى في صفر سنة ست وخمسين وست مئة. وأضرَّ في أثناء عمره، رأيت خطه في إجازة قويًّا بعد العمى، نسب: الصرصري جمال الدين يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور بن معمر الحنبلي. ولد فيما نقل الدِّمياطي في ترجمته في رمضان سنة ثمان وثمانين، وقال: كان إمامًا متواضعًا صاحب تهجّد وليل، انتفع بصحبة الشيخ علي بن إدريس، وكتب المنسوب ثم أضرَّ في كبره، ورأى النبي ﷺ في النوم مرَّات، ونظمه في الذّروة جزالةً وعذوبةً. سمع عليه: ابن وضَّاح، وابن مزروع، والدِّمياطي، وعبد الرحيم ابن

стр. 14

الزجاج، والرشيد ابن أبي القاسم، وأحمد ابن العتيقة، وآخرون. قيل: لما دخل المغولُ طعن تتريًّا بعكّازه بعد مصارعته، ثم قُتل شهيدًا. نَظَمَ مختصر "الخِرَقي"، وله اليد البيضاء في علم اللغة. ٥ - الشيخ الفقيه * هو السيد الإمام العالم الحافظ القدوة الربَّاني، الصَّالح، العابد، الفقيه، شيخ الإسلام، تقي الدين أبو عبد الله محمّد بن أبي الحسين أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أبي الرِّجال أحمد بن علي، اليُونيني البَعلَبَكِّي الحنبلي. ذكر نسبه هكذا الشيخ قُطْب الدين في "تاريخه" (١)، ورفع في ذلك فقال بعد علي: ابن محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق ابن الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علي ابن رَيْحانة رسول الله ﷺ الشهيد أبي عبد الله الحسين بن علي ﵉. وحدَّث شيخنا الحافظ الثبت أبو الحسين علي: أن والده الشيخ الفقيه قال له قبل موته بقليل: نحن من ذرّية الحسين، وسَرَدَ له هذا النَّسب، فبينه وبين جعفر الصّادق أحد عشر نفسًا. مولده في رجب سنة اثنتين وسبعين وخمس مئة بُيونِين. وكان والده مرخّمًا ببعلبكَّ وبدمشق، فسافر وترك ابنه هذا عند أمه بدمشق بناحية الكُشك، ثم توفي، وكان في جوارهم أولاد أمير، فتردد محمد معهم إلى الجامع وتلقَّن أحزابًا، ثم خرج الصبيان إلى بستان،

стр. 15

فأسلمته أمُّه عند نشابي، فصار أُجرته في الشهر خمسة دراهم، ثم ذهب يومًا إلى ذلك المُقْرئ، فقال له: لمَ لا تلازم، فإنك يجيء منك شيء؟ فاعتذر بالصَّنعة، فأخرج له خمسة دنانير وقال: أنا أعطيك كل شهر هكذا، فذهب إلى أمّه وكلَّمها، فخَتَمَ عليه في مدة يسيرة. وصَحِبَ الشيخَ عبدَ الله اليُونيني، فطلب له مجوِّدًا، فقال له: إن كتب محمّد مثلَك أعطيك مني ثلاث مئة درهم، فبَرَع بالكتابة، وشارَط المجوِّد رجلًا على نسخ كتاب في القصص بثلاث مئة، فكتب من أوله ورقة، وأعطاه محمّدًا فنسخه بخطه، ثم قال المجوِّد: قد برئت ذمةُ الشيخ عبد الله من الثلاث مئة. ثم حُبِّبَ إليه الحديث، فأقبل على درسه حتى حفظ "الجمع بين الصَّحيحين" للحُمَيدي، وكان يتعفَّف، وربما يتجوَّع. وقد سمع من التاج الكِنْدي، فكتب الطّبقة، فنظر إليه الكِنْدي فقال: هذا خطُّك، وهذا حظُّك. قلت: ولبس الخِرقةَ من الشيخ عبد الله البَطَائحي صاحب الشيخ عبد القادر. وكان الشيخ اليُونيني الكبير يربِّيه يُشفق عليه، وفقَّهه مدة على الشيخ موفق الدين، واشتغل على الحافظ عبد الغني في الحديث، وسمع من أبي طاهر الخُشُوعي وأبي تمّام القَلَانسي وحَنْبَل المكبِّر، وطائفة كثيرة، وقرأ على المشايخ الواردين ببعلبك كالقَزْويني وابن واصل والبهاء عبد الرَّحمن والشيخ الموفَّق وابن أبي الضوء، وروى الكثير، فحدَّث بـ "مسند الإمام أحمد"، وكرَّر على أكثره، وكان من أحفظ أهل زمامه وأذكاهم، يحفظ

стр. 16

في الجلسة نحوًا من سبعين حديثًا. حدَّث عنه: أولاده أبو الحسين الحافظ، وأبو الخير موسى صاحبِ "التاريخ" (١)، وآمنة، وأمة الرحيم، وأبو عبد الله بن أبي الفتح النَّحْوي، وموسى بن عبد العزيز، والدِّمْياطي، وابن الظاهري، والطبري، وابن الخَبَّاز، والشيخ إبراهيم بن حاتم، والشيخ أبو الحسن بن حصن، ومحيي الدين يحيى بن المَقْدسي، وذبيان الدلَّال، ومحمد وإبراهيم ابنا بركات، ومحمّد بن المحبّ، وأبو عبد الله بن الزرَّاد، وعبد الرحيم بن الحبّال، وعلي بن المظفَّر الأديب، وعدّة. قال ابن الحاجب في "معجمه": اشتغل الشيخ الفقيه بالفقه والحديث إلى أن صار إمامًا حافظًا، وصار مقدَّم الطائفة، لم يَرَ في زمانه مثلَ نفسه في كماله وبراعته، جمع بين علمي الشريعة والحقيقة، وكان حميد المساعي والآثار، حسن الخَلْق والخُلُق، نفَّاعًا للخلق، مطَّرحًا للتكلُّف، من جملة محفوظاته "الجمع بين الصحيحين"، وحَدَّثني أنه حفظ "صحيح مسلم" جميعه، وكرَّر عليه في أربعة أشهر، قال: وكان يكرر على أكثر "مسند أحمد" من حفظه، وأنه كان يحفظ في المرة الواحدة ما يزيد على سبعين حديثًا. قال الشيخ قُطْب الدين: كان الوالد يصلي بالشيخ عبد الله، وحفظ "الجمع" و"صحيح مسلم" وأكثر "المسند"، وحفظ سورة الأنعام في يوم، وحفظ ثلاث مقامات من الحريرية إلى نصف نهار الظهر، وتزوج بستّ

стр. 17

زوجات، وخلّف خمسة أولاد عليًّا وخديجة وآمنة، وأمهم تركمانية، وموسى - يعني نفسه - وأَمَة الرحيم، وأمهما زين العرب بنت نصر الله. ثم قال: والنسب الذي ذكرناه، رواه عنه ولده أبو الحسين علي، فقال: أظهره لي أبي قبل وفاته، لأعلم أنَّ الصَّدقة لا تحلُّ لنا. وكان الملك الأشرف يحترمه ويعظِّمه، وكذلك أخوه الصالح، ولما قدم الملك الكامل دمشق طلب من عند الملك الأشرف أن يجمع بينه وبين الشيخ الفقيه ليراه، فأُقدم من بعلبكّ، فلما رآه عَظُمَ في عينه، وأرسلَ إليه مالًا فلم يقبله، ولما تملَّك الملك الصالح نَجْم الدين أيوب البلاد، قالوا له عنه: إنه يميل إلى عمك إسماعيل، فبقي عنده منه شيء، فلما اجتمع به بالغ في إكرامه ولم يشتغل عنه بغيره، فلما فارقه أخذ في الثناء عليه، فقيل له: إلّا أنّه يحب عمك الصالح إسماعيل، فقال: حاشى ذاك الوجه المليح. وقد قدم في أواخر عمره دمشقَ في سنة خمس وخمسين السلطان الملك الناصر إلى زيارته بزاوية الفرنثي وتأدَّب معه، وعظَّمه واستعرض حوائجه، وكان ﵀ يكره الاجتماع بالملوك ولا يؤثره، ولا يقبل إلا هديّة من مأكول، ويجود. قلت: قد خدمه مدةً شيخُنا علي بن زين الدين أحمد بن عبد الدائم، فقال: كان الشيخ الفقيه له أوراد لو جاء ملك من الملوك ما أخَّرها عن وقتها، وما كان يرى إظهار الكرامات، ويقول: كما أوجب الله على الأنبياء إظهارَ المعجزات، أوجب على الأولياء إخفاءَ الكرامات. قال: وذكروا عنده الكرامات، فقال: ما لكم؟ أيش الكرامات، كنت عند الشيخ عبد الله وأنا صغير، فكان عنده بغادِدَة يعملون مجاهَدات،

стр. 18

فكنت أرى من يخرج من باب دمشق، وأرى الدنيا قدامي مثل الوردة، فكنت أقول للشيخ: يا سيدي، يجيء إلى عندك أناس من دمشق ومعهم كذا وكذا، وناس من حمص ومن مصر، فإذا جاء ما أقوله، يقولون: يا سيدي، نحن نعمل مجاهدات وما نرى هذا، وهذا يرى! فيقول: هذا ما هو بالمجاهدات هذا موهبة من الله. وذكر خطيب زَمْلكا ابنُ العز عمر في مناقب الشيخ: أخبرني إسرائيل بن إبراهيم العارف قال: طلب الشيخ الفقيه من عثمان شيخ دير ناعس قضيّة، قال: فقضيت الحاجة، فقال الشيخ الفقيه له: أحسنت يا شيخ عثمان، قال: فقال فقير لعثمان: يا سيدي، أنت ما عندك مثل الشيخ الفقيه، هلّا قام هو في هذا بنفسه، فقال: الخليفةُ إذا أراد أمرًا، يأمر بعضِ من عنده يقوم فيه. قال الإمام فخر الدين عبد الرحمن بن يوسف الحنبلي: حدَّثني الشيخ عثمان قال: كان في خاطري ثلاث مسائل أريد أن أسأل الشيخ الفقيه عنها، فأجابني عنها قبل أن أسأله. وقال شمس الدين حسين بن المَوّاق: كان الشيخ الفقيه حسنَ المحاورة ما كنت أشتهي أن أفارقه من فصاحته. وذكر إبراهيم ابن الشيخ عثمان بدير ناعس عن أبيه قال: قُطِب الشيخ الفقيه ثمان عشرة سنة. وقال الإمام تقي الدين بن الواسطي: رأيت للشيخ الفقيه رؤيا تدل على أنه أُعطيَ ولاية. قال: وسمعت قاضي القضاة ابن الصائغ يقول: سأل الملك الأشرف

стр. 19

الشيخ الفقيه بأن يريه كرامةً، قال: أيش هذا، فلما أراد الخروج بادر الأشرف فقدم مَدَاسه، فقال الشيخ: هذا الذي كنت تطلب قد رأيتَه، أنت الملك الأشرف ابن الملك العادل، وأنا ابن واحد من يُونين، تقدّم مداسي. حدثني شيخنا أبو الحسين: أنَّ أباه توضأ بقلعة دمشق على البِركة، فلما فرغ رأيت الملك الأشرف نقض لفّةً من عمامته لأبي يستنشف بها. قال ابن الحاجب: كان الشيخ مليح الشيبة، حسن الشكل والصورة، زاهدًا وقورًا، ظريف الشمائل، مليح الحركات، حميد المساعي، بَشُوش الوجه، له الصِّيت المشهور، والإفضال على المنتابين، وكان من المقبولين المعظَّمين عند الملوك. قلت: سمعت شيخنا أبا الحسين يقول: قدم الملك الأشرف بعلبكَّ فجاء إلى دار، والدي، فنزل ودقَّ، الباب فقيل: من ذا؟ فقال: المملوك موسى. توفي الشيخ الفقيه في تاسع عشر رمضان سنة ثمان وخمسين وست مئة ببعلبكّ، ودفن عند الباب بجانب عبد الله اليونيني، وقبره ظاهر يُزار. قرأت "الأحكام الكبرى" للحافظ عبد الغني على أبي الحسين الحافظ بسماعه من أبيه، بسماعه من المؤلِّف، وقرأت القراءات العشرَ على أبي الحسين بها بسماعه من جماعة سمعوها من السِّلَفي، وبسماعه من والده بإجازته الصحيحة والعامَّة من السِّلفي. وأما ما ذكره من أنه علويٌّ شريفٌ، فشيء لم أعرفه ولا تحقَّقتُه، والله أعلم.

стр. 20

٦ - ابن سَنِيِّ الدَّولة * الإمام العلّامة قاضي القضاة، صدر الدين أبو العباس، أحمد ابن قاضي القضاة شمس الدين أبي البركات يحيى بن هبة الله بن حسن بن يحيى بن الخيَّاط، التَّغلِبي الدِّمشقي الشافعي، ابن سَنِيِّ الدولة. كان أبوه من كبار العلماء، فوليَ قضاءَ دمشق، ومات في سنة خمس وثلاثين، وحدَّثونا عنه، وسمع هذا من الخُشُوعي ومن عبد اللطيف بن أبي. سعد وحَنْبَل وجماعة، وخرّجوا له "مشيخة"، سمعها خلق. حدَّث عنه: الدِّمْياطي، والقاضي الحنبلي، وابن الخبَّاز، والخطيب شرف الدين الفَزَاري، ومحيي الدين يحيى بن المقدسي، والعلاء الكِنْدي، وأبو عبد الله بن الزّرَّاد، ومحمد بن المُحبّ، وناصر الدين محمّد بن البعلبكيّ الشاهد، وآخرون. وُلد سنة تسعين ونيِّف. وتفقَّه بأبيه وابن عساكر، فقرأ الخلاف، وناب في القضاء عن أبيه في سنة ست وعشرين، وقد كان جدُّهم سنيُّ الدولة الحسن بن يحيى من كتَّاب الإنشاء بدمشق، له دُور وأوقاف وقفها في سنة ثمان وعشرِين وخمس مئة، له قَرَابة في شاعر الشام ابن الخيّاط. ولي صدر الدين وكالة بيت المال ودرَّس بالإقْبالية وبالجاروخية، واشتغل بقضاء الشام مدة وحُمِدَت سيرته، وكان كثير الاحتمال، كان صاحب دمشق الملك الناصر يُثْني عليه ويحبّه، ذهب إلى الخدمة ثم

стр. 21

رجع عليلًا، فأدركه الأجلُ ببَعلبَك، وعاش لجمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وست مئة، ﵀. ٧ - ابن قراجا * الشيخ إبراهيم بن خليل بن قراجا عبد الله، الشيخ المسند المعمَّر، نجيب الدين أبو إسحاق، الدِّمشقي الأَدَمي. ولد يوم الجمعة (١)، وسمَّعه أخوه المحدِّث شمس الدين يوسف من: يحيى الثَّقفيّ، وعبد الرَّحمن بن الحارث، ويوسف بن المعالي، وإسماعيلَ الجَنْزَويّ، ومنصور الطبري، وبركات الخُشُوعي، وعبد اللطيف بن أبي سعد، وأبي طالب محمّد بن الحسين بن عَبْدان، وجماعة. وروى الكثير بدمشق وحلب وجعل له أجزاءً بمرويّاته، وهو صحيح السماع، صحيح الكتاب. حدَّث عنه: الدِّمْياطي، وشرف الدين الفزاري، وأخوه، وتاج الدين صالح الجَعبَري، والشيخ نصر المَنْبِجي، والنّجم بن الخبَّاز، ومحمد بن أحمد البِجَّدي، وبدر الدين بن الجوهري، وأحمد بن العِزّ، والجمال بن الشاطبي، والبدر بن أبي السائب، وزينب بنت الكمال، وأبو عبد الله بن الزَّرّاد، وعدد كثير. قال الدِّمْياطي في "معجمه": بعثت إبراهيم لينوبَ عني في التسميع في وظيفتي بحلب، فعُدِمَ في وقعة التتار في صفر سنة ثمان وخمسين وست مئة، ﵀.

стр. 22

٨ - ابن قَوام * الزاهد القُدوة بركة الشام، الشيخ أبو بكر بن قوام بن علي بن قوام بن منصور بن علي البالسي، جدُّ شيخنا الشيخ محمد بن عمر ﵏. جمع شيخُنا حفيدُه له ترجمة طويلة في كراريس، وكان عابدًا ورعًا قانتًا، وافر النصيب، صاحب مقامات وأحوال. مولده سنة أربع وثلاثين وخمس مئة، ونشأ ببالِس، وهي بُليدة صغيرة من أعمال حلب. وكان كثير التواضع دائم البِشْر، وافرَ الدِّين، متّبعًا للسنَّة داعيًا لها، له مراقبة وتقوى ولزوم للآداب، وكان مقصودًا بالزيارة، انتفع بصحبته جماعة. ومن كلامه في بدايته قال: كانت الأحوال تَطرُقني، وكنت أُخبر بها شيخي، فينهاني عن الكلام فيها، وكان عنده سوط، يقول: متى تكلَّمتَ في شيء من هذا ضربتك، ويقول: لا تلتفت إلى هذه الأحوال. وروى غير واحد عن الشيخ هذا، قال: لو لم يُؤذّن لي في الكلام ما تكلّمت. قال حفيده: سمعته وأنا ابن ست سنين يقول لزوجته: ولدك قد أخذه قُطّاع الطريق الساعةَ، وهم يريدون قتله وقتل رفاقه، فراعها ذلك، فسمعته يقول: لا بأس عليك، فقد حجبتُهم عن أذاه وأذى رفاقه غير أنَّ مالهم يذهب، وغدًا يَقفُلون، فلما كان من الغد قفلوا، وكنت ممن تلقّاهم، وذلك سنة ثلاث وخمسين. وحدَّثني الشيخ شمس الدين الخابُوري قال: وقع في نفسي أن أسأل

стр. 23

الشيخ عن الرُّوح، فلما دخلت عليه قال لي: أنت يا أحمد ما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى قال اقرأ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]، وهذا شيء لم يتكلم فيه رسول الله ﷺ ، كيف يجوز لنا أن نتكلم فيه، فسألته عن قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وقلت: فقد عُبِدَ عيسى، فقال: تفسيرها ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١]، فقلت: يا سيدي، أنت تكتب ولا تقرأ، فمن أين لك هذا؟ فقال: يا أحمد، وعزَّةِ المعبود، لقد سمعت الجواب فيها كما سمعتُ سؤالك. وقيل: همَّ الملك الكامل بزيارة الشيخ، ثم بعث إليه بخمسة عشر ألف درهم، فلم يقبلها وقال: ننفقها في الخير. وحكى الدَّبَاهي: حدَّثني الفَلَك ابن الحَريمي قال: كنت في أمر ببغداد بالشام فزرتُ ببالس الشيخ أبا بكر، فقال: أهلك سلموا إلّا أخاك، وهم في مكان كذا وكذا وقِبالة الدَّرب الذي هم فيه شجر. فقدمت بغداد، فوجدت الأمر كما أخبرني. وكان الشيخ يُلزِم أصحابه بقيام الليل ويحثّهم على الاكتساب ويقول: أصل العبادة أكل الحلال والعمل في سُنّة. وكان شديدَ الإنكار على أهل البدع، رجع به في بالس كثيرٌ من الرافضة وصحبوه، واستخرج لأهل البلد نهرًا، وكان يسلّم على من رآه، حتى على الصبيان، وجاءت امرأة فقالت: عندي دابة وما لي من يجرّها فقال هاتي حبلًا، وجاء وربط فيها الحبل ثم جرَّها بنفسه إلى باب البلد. وكان دأبه جبرَ قلوب الضعفاء، ولا يمكِّن أحدًا من تقبيل يده، ويَقبَل

стр. 24

ممن يعلم كَسْبَه. وأخبرنا الدَّبَاهي قال: حدَّثني الشيخ عبد الله قال: أتيت الشيخ أبا بكر ببالس فهِبتُه وعلمت أنه وليٌّ الله. توفي في سَلْخ رجب سنة ثمان وخمسين وست مئة، وقال لابنه: اجعلني في تابوت فلا بد أن أُنقَل. قلت: نُقِلَ سنة سبعين اللحدُ لتُربة ابن ابنه. ٩ - ملك الأمراء * حسام الدين أبو علي بن محمد بن أبي علي الهَذَباني. كان ذا هيبة وهيئة، وحكمة ورأي، وقوّة جأْش. ناب بدمشق عَقيب الخُوَارزميَّة، وكان الصالح أبو الجيش لما تملَّك حَبَسه ثم أطلقه فذهب إلى مصر. حكى اليُونيني (١) قال: طلبه الملك الناصر يومًا فقال لي: ما أحبُّ الجلوسَ تحت أحد فناصر الدين القَيمُري عن يساره وابن يَغمُور عن يمينه، وذهب، فسمح له ناصر الدين بالقعود فوقه، وأكرموه. وقد قدم بعلبكَّ لحصار أولاد الصالح، فسلَّموها له، ثم ناب في سلطنة مصر، وتوفي أبوه عنده فعمل عند قبره قبةً، وقد حجَّ سنة تسع وأربعين، وأصله من إربِلَ، وله نظم جيد وفهم. أصابه في أواخر عمره علَّة الصَّرع، وتزايد به، فمات سنة ثمان وخمسين وست مئة، وله ست وستون سنة.

стр. 25

١٠ - الإسرائيلي الإشبيلي * شاعر وقته، وكان يهوديًا فأسلم، ديوانه مشهور. توفي غريقًا في البحر سنة ثمان وخمسين وست مئة كهلًا. ونظمه في الذّروة، وله ديوان يحفظه الأدباء لحسنه، وهو القائل: مضى الوصلُ إلّا منيةً تبعثُ الأسى … أداوي بها همِّي إذا الليل عَسعَسا أتاني حديث الوصل زَورًا على النوى … رداءً وسقاني من الحب أكؤُسا وله: تأمَّلْ لظى شوقي وموسى يَشُبُّها … تجد خير نارٍ عندها خير مُوقِدِ إذا ما رَنَا شزْرًا فعن لحظِ أحورٍ … وإن يلوِ إعراضًا فصفحةُ أغيَدِ وعذَّب بالي نعَّم الله باله … وسهَّدَني لا ذاق بلوى التسهُّدِ فيا طيبَ سُكْر الحب لولا جنونُه … مَحَالذَّة النشوان سكرُ المعربِدِ وبلغني عن أبي حيان النَّحْوي: أنَّ قاضي الأندلس محمّد بن أبي نصر قال: نظم الهيثم مديحًا في المتوكل بن هود، وقدمت ألويةٌ وأعلام من الخليفة العباسي، ولم يتابع أحدٌ بني العباس قبله بالأندلس، فحضر ابن سهل عند الهيثم وهو ينشد قصيدته، فقال ابن سهل - وكان حَدَثًا وفهمًا -: أعلامه السُّودُ إعلامٌ بسُؤدَدِه … كأنهنَّ بخدِّ المُلك خِيلانُ فقال: أهذا لك؟ قال: نعم، الساعةَ قلتُه، فقال: إن عاش هذا ليكوننَّ أشعرَ أهل الأندلس.

стр. 26

أنشدني صلاح الدين، أنشدنا الأستاذ أبو حيان لابن سهل يمدح النبيَّ ﷺ قبل أن يُسلِم: ورَكْبٍ دعتهم نحوَ طَيْبةَ نيَّةٌ … فما وجدتْ إلّا مطيعًا وسامعا يسابق وَخْدَ العِيس ماء شؤونهم … فيَقْفون بالشوق المَليّ المَدامعا إذا انعطفوا أو رجّعوا الذِّكر خِلتَهم … غصونًا لِدانًا أو حمامًا سواجعا تضيء من التقوى خبايا صدورهم … وقد لَبِسوا الليلَ البهيمَ مَدارعا تكاد مناجاة النبيّ محمد … تنمُّ بهم مِسْكًا على الشمّ ذائعا تَلاقَى على وِرْد اليقين قلوبهم … خوافق يذكرن القَطا والمشارعا قلوب عرفن الحق فهي قد انطوت … عليها جنوبٌ ما عرفن المضاجعا سقى دمعُهم غرسَ الأسى في ثَرَى الجَوَى … فأنبت أزهارَ الشُّحوب الفواقعا تساقَوْا لِبان الصدق محضًا بعزمهم … وحرّم تفريطي عليَّ المراضعا فلا تصرفوه إن قتلتم فإنه … أمانتكم ألا فردُّوا الودائعا مع الجَمَرات ارموا فؤادي فإنه … حصاةٌ تلقَّت من يد الشوق صادعا بلغتَ نصاب الأربعين فزكِّها … بفعل تُرى فيه منيبًا ورابعا وما اشتبَهَت طرق النجاة وإنما … ركبتَ إليها من يقينك ظالعا وهذا مَعين النصح إن كنت واردًا … وهذا دليل الفوز لو كنت تابعا هم دخلوا باب القَبول بقَرْعهم … وحسبيَ أن أبقى لسنّي قارعا ووالله مالي في الدخول وسيلةٌ … تُرجَّى ولكنْ أعرف البابَ واسِعا

стр. 27

١١ - الأكّال * الشيخ المبارك، أبو عبد الله محمد بن خليل بن عبد الوهاب بن بدر، الحَوْراني ثم الدمشقي. مولده بقصر حَجّاج في سنة ست مئة. ذكره قطب الدين في "تاريخه" (١) فقال: كان كامل المروءة رجلًا صالحًا مؤثِرًا، وله حكايات مشهورة في الأكل، وكان يأكل مثل الناس، لكنه لا يأكل لأحد شيئًا إلا بأُجرة، وبقي له ذلك، وصحَّ معه، فاشتَهَر ذكرُه، وتفعّل له الناس وعبثوا به، وكان مهما حصل له من الأُجرة على كبرها يصرفُه في القُرَب والأرامل والمُعدِمين، وكان جماعة ينكرون على من يعطيه على أكله، فلما حضروا معه انفعلوا له وأعطوه مهما طلب. وكان حسن الشكل، مليح العبارة، حلو المحادثة، له قَبول عظيم، وكان يحب الشيخ الفقيه اليُونيني، ويتردَّد إليه ويأكل له بالأُجرة. وكان يطلب الأُجرة على قدر قيمة المأكول، فإن كان غاليًا طالب على قيمته، وكذا إن كان المُطعِم غنيًّا طالب على قَدْر غناه. قيل عنه إنَّه قال: ما غَلَبني إلّا واحد دقَّ بابي فوجده مفتوحًا ومعه شاة، فأدخلها وردَّ الباب وسكَّره وهرب، وأنا أَصيح ولم أعرفه. توفي في رمضان سنة ثمان وخمسين.

стр. 28

١٢ - ابن سيِّد الناس * الإمام العلّامة المفتي الحافظ الخطيب، أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى، ابن سيِّد الناس، اليَعمَري الأندلسي الإشبيلي، الظاهري الأثَري، عالم مدينة تونس، وعالم المغرب. ولد سنة سبع وتسعين وخمس مئة. وسمع "صحيح البخاري" من أبي محمد عبد الرحمن الزُّهري صاحب شُريح، وتلا بحرف نافع على أبي نصر بن عظيمة فيما قيل، وسمع أيضًا من أبي الصبر أيوب بن عبد الله الفهري وطبقته، وأجاز له من أهل الشام والعراق في حداثته جماعة، من أكبرهم القاضي جمال الدين عبد الصمد بن الحَرَستاني، ولم تبلغنا أخبارُه كما ينبغي، ولو شاء حفيده العلَّامة أبو الفتح بمصر لعلَّق في ذلك كراريس، وممَّن أجاز له ثابت بن مشرَّف. ورأيت له كتابًا في جواز بيع أم الولد يدلُّ على ذكائه وسَعَة علمه، لا يراه مُنصِف إلّا ويخضع له، مع أنَّ المسألة متجاذَبة، والخلاف فيها قديم. وقد ذكره الحافظ عز الدين الحُسيني في "الوفيات" (١) فقال: كتب إلينا بالإجازة من تونس، وكان أحدَ حفَّاظ الحديث المشهورين، وفضلائهم المذكورين، وقال: وخُتم به هذا الشأن بالمغرب، توفي بتونس في رجب سنة تسع وخمسين وست مئة. قال: وتوفي أبوه أبو العباس سنة ثمان عشرة وست مئة. قلت: وكان أبوه هذا محدِّثًا عالمًا صاحب كتب، وصارت كتبه إلى

стр. 29

ابنه الحافظ أبي بكر، وكَثُرت كتب أبي بكر، ثم نقلت بعد زمان إلى مصر، أحضروها إلى ولده الفقيه المحدِّث أبي عمرو محمد بن أبي بكر، ورأيت أبا عمرو بمصر، ولم يَتَّفق لي أن أسمع منه، ارتحل من تونس قبل السبعين وست مئة واستوطن مصر، وسمع من أصحاب أبي القاسم البُوصِيري، وأبي الفرج كُلَيب، وتأهَّل وجاءته الأولاد، ومات كهلًا أو جاوز الكهولة، وصارت المكتبة بعدُ إلى أولاده. قال أبو بكر بن الزُّبير الغرناطي: كان أبو بكر ظاهريًا، أجاز له نحو من أربع مئة شيخ، انتقل إلى حصن القصر ثم إلى طَنْجة وأُقرَّ بجامعها، وأمَّ وخطب، ثم انتقل إلى بِجَاية فخطب بجامعها، ثم طُلِب إلى تونس فدرَّس بها وخطب، إلى أن قال: وكان على طريقة الشيخ أبي العباس النَّباتي، إلّا أن النباتي أشهرُ بالورع والفضل التام، كتب إليَّ بالإجازة. قلت: بلغني أنَّ الإمام أبا محمد بن هارون الكلابي كان يلازم مجلس الخطيب أبي بكر للفقه والنظر، وسمع من لفظه "صحيح البخاري" وتفسير أحاديثه، أملاه من صدره. أخبرنا عبد الله بن محمّد بن هارون الطائي وأبو بكر محمد بن أحمد، أخبرنا أبو محمد الزُّهري، أخبرنا أبو الحسن شريح بن محمد، أخبرنا ابن منظور، أخبرنا أبو ذرّ عبد بن أحمد الحافظ، أخبرنا أبو محمد بن حَمَّوَيه ومحمّد بن مكِّي وإبراهيم بن أحمد المُستَمْلي، قالوا: أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل (١)، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ قال: "لا تزال

стр. 30

طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين حتى يأتيَهم أمرُ الله وهم ظاهرون". وقرأ به على الحسين بن أبي نصر وجماعة قالوا: أخبرنا الحسين بن المبارك، وقرأ به على الحسن بن علي، أخبرنا عبد الله بن عمر، قالا: أخبرنا أبو الوقت عبد الأوّل بن عيسى، أخبرنا عبد الرَّحمن بن محمد، أخبرنا ابن حَمَّوَيه، فذكره بعلو درجتين. ومات معه في سنة سبعٍ: القدوةُ محدِّث خراسان سيف الدين سعيد بن المطهَّر الباخَرْزي، ومسند مصر ضياء الدين محمد بن المُحِب بن النَّعّال الصائن، وصاحب الشام الناصر يوسف ابن الملك العزيز محمد بن غازي، قتل صبرًا بأَذربيجان، ومدرس الجَوْزيَّة شرف الدين الحسن بن عبد الله ابن الحافظ عبد الغني الحَنْبلي كَهْلًا، والمسند أبو العباس أحمد بن حامد بن أحمد بن حمد الأَرْتاحي عن خمس وثمانين سنة، والواعظ الإمام جمال الدين عثمان بن مكِّي بن عثمان السَّعْدي الشارعي بمصر، والمسند ضياء الدين محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن مَغْنِين المَتِّيجي الإسكندراني، والقاضي كمال الدين محمد ابن قاضي القضاة عبد الملك ابن عيسى بن دِرْباس الحَوراني المصري، والمسند ركن الدين مكِّي بن عبد الرزَّاق بن يحيى الزبيدي المَقدِسي ثم الدمشقي، وآخرون. ١٣ - الملك مظفَّر الدين * عثمان ابن الأمير منكورس ابن الأمير جُمَرتكين مولى الأمير مجاهد الدين صاحب صَرْخد. توفي والده منكورس صاحب صهيون في سنة ست وعشرين وست

стр. 31

مئة، فقام بعده مظفَّر الدين بالقلعة، وهي حصن منيع إلى الغاية يَقرُب من أنطاكية بينهما يوم. وكان مظفر الدين حازمًا سائسًا مهيبًا، وامتدت دولته، وعاش نحو التسعين، توفي بصهيون في ربيع الأول سنة تسع وخمسين وست مئة، فتملَّك بعده ولدُه سيف الدين محمد بن عثمان مدة، ثم أخذ الملك الظاهر صهيونَ وأعطى صاحبَها إمرة دمشق. ١٤ - الصاحب القزويني * وزير العراق بعد ابن العَلقَمي، الصاحب الرئيس عماد الدين القَزْوِيني أبو الفضل. ولّاه هولاكو فسَلَك قانون العراق في لُبْس القبّار والقميص، وركب بالكَنبوش (١) الحرير الأسود، والمشدَّة في عنق المركوب، فأنكر عليه بهادر وأزال ذلك، فتصرّف نحو عامين، ثم قتلوه صبرًا بالدّركاه (٢)، في أوائل سنة تسع وخمسين، وكان سيِّئ السيرة، سامحه الله، ورُدَّ أمر العراق إلى صاحب الديوان علاء الدين الجُوَيني فأحسن السيرةَ وعمَّر البلاد. وقال الكازَرُوني: كان القَزْويني أول من فتح المدارس والوقوف فأدرّ الوظائف على أربابها، وعمَّر الجامع ببغداد.

стр. 32

١٥ - شيخ أهل الحديث بسَبْتة * الفقيه أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن علي، الأزدي، الأندلسي القُرطُبي. مولده سنة تسع وستين وخمس مئة، أو قبلها. ونشأ بسَبْتة، وطلب الحديث، وأكثرَ عن أبي محمّد بن عبيد الله الحَجْري وأبي زكريا الهَوْزني وأبي عبد الله محمّد بن حسن بن غازي الجابِري. وسمع من الجابري تواليفَ عدةً للقاضي عياض كـ "الشِّفاء" وغير ذلك، وأجاز له من الشام أبو طاهر الخُشُوعي وجماعة. وكان ثقةً، عالمًا، خيِّرًا، صالحًا. روي عنه: أبو جعفر بن الزبير، وأبو إسحاق الغافِقيّ، وآخرون. مات في أواخر رمضان سنة ستين وست مئة. ١٦ - الشيخ شمس الدين ** أبو عبد الله محمد بن سليمان بن أبي الفضل بن أبي الفُتوح بن يوسف، الأنصاري، الصِّقِلِّيّ الدمشقي، الدلَّال في العَقَار. ولد سنة ثلاث وسبعين. وسمع من: ابن صَدَقة الحرّاني وإسماعيل الجَنْزَويّ، والخُشُوعي، وأبي الفتح المَنْدائي، وعبد العزيز بن الأخضر، وتلا على أبي الجُود.

стр. 33

روى عنه: الدِّمْياطي، وابن الخبَّاز، وابن الزَّرَّاد، والبرهان المَقدِسي، والعلاء الكِنْدي، وآخرون. توفي في صفر سنة ستين وست مئة. ١٧ - التاج ابن عَسَاكر * تاج الدين أبو الحسن عبد الوهّاب بن زين الأمناء أبي البركات الحسن بن محمد بن علي بن عساكر. ولد سنة إحدى وسبعين. وسمع من: الخُشُوعي، والقاسم، والخطيب الدَّولَعي، وحَنبَل، وعدّة. ووليَ النُّوريَّة بعد أبيه. روى عنه: ابنه أبو اليُمْن، والأئمة تقي الدين عبد الرَّحمن، وأخوه، وابن دَقيق العيد، ومحمد ابن الزَّرَّاد، ومحمد بن المحبّ، وعدّة. حجَّ وجاوَرَ عند ابنه، فمات سنة ستين وست مئة. ١٨ - العز بن عبد السلام ** الشيخ الإمام العلّامة الفقيه المجتهد، حُجّة الإسلام، شيخ الإسلام، عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن، السُّلَمي الدمشقي الشافعي، صاحب التصانيف. وُلد سنة سبع وسبعين وخمس مئة، أو في التي بعدها. وسمع حضورًا من: أحمد بن حمزة بن المَوَازيني، وبركات بن إبراهيم

стр. 34

الخُشُوعي، وسمع من: عبد اللطيف بن أبي سعد، والقاسم بن عساكر، وعمر بن طَبَرزَد، وحَنبَل بن عبد الله، وأبي القاسم الحَرَستاني، وطائفة من المشايخ، ولم يكثر من السَّماع. حدَّث عنه: الدِّمْياطي، وابن دقيق العيد، وأبو الحسين اليُونِيني، وشهاب الدين بن فَرْح، والقاضي جمال الدين محمّد بن سُومَر المالكي، وعَلَم الدين الدُّويداري، وخطيب حلب أبو عبد الله بن بَهْرام، والمصريون. وبرع في العربية والأصول، وبلغ رتبة الاجتهاد، وتخرَّج به الأصحاب، وانتهت إليه معرفة المذهب، مع الذكاء المفرط، وسَعَة المعرفة، وفقه النفس، والعبادة والنُّسك، والقول بالحق المُرّ، وقد ولي خطابة دمشق بعد الجمال الدَّولَعي. قال الشريف عز الدين في "الوفيات" (١): حدَّث ودرَّس وأفتى وصنَّف، وولي الحكمَ بمصر مدة، والخطابةَ بجامعها العتيق، وكان عَلَمَ عصره في العلم، جامعًا لفنونٍ متعددة، عارفًا بالأصول والفروع والعربية، مضافًا إلى ما جُبِلَ عليه من ترك التكلُّف والصَّلابة في الدِّين، وشهرتُه تُغْني عن الإطناب في وصفه. قلت: ولي الخطابةَ، فلمّا تملَّك دمشقَ الملكُ الصالح إسماعيل وأعطى الفرنج الشّقيف وصفد، تألَّم الشيخ ونال من الصّالح، وترك الدعاء له في الخطبة عمدًا، فعزله واعتقله ثم أطلقه، فخرج هو وابن الحاجب إلى مصر، فتلقَّاه السلطان عم الملك وبالغ في احترامه إلى الغاية. واتفق موتُ قاضي القاهرة شرف الدين ابن عين الدولة، فولي بعده

стр. 35

قاضي القضاة بدر الدين السِّنجاري، وولي قضاء مصر نفسها والوجه القِبلي الشيخ عز الدين، مع خطابة جامع مصر، فاتفق أن بعض غلمان الصاحب معين الدين ابن الشيخ بني بنيانًا على سطح مسجد بمصر، وجعل فيه طبلَخاناه الصاحب فأنكر الشيخ عز الدين ذلك، ومضى بجماعته وهدم البناء، وعلم أنَّ السلطان والصاحب حَنَقا من ذلك، فأشهد على نفسه بإسقاط عدالة مُعين الدين وعَزْل نفسه عن القضاء، فعَظُمَ ذلك على السلطان، فكتب له بعزله عن الخطابة وإلّا شنّع على المنبر، كما فعل بدمشق، فعزله، فأقام في بيته يُشغل الناس. وكانت عنده من الأمير حسام الدين بن أبي علي شهادةٌ تتعلق بالسلطان، فجاءه لأدائها، فبرز يقول للسلطان: هذا ما أقبلُ شهادته، فتأخَّرت القضية، ثم أُثبتت على السنجاري. وله أفعال من هذا الجنس محمودة. وقد رحل إلى بغداد، فأقام بها أشهرًا، وذلك في سنة سبع وتسعين. ونقلت من خط عبد الملك بن عساكر: أنَّ الشيخ عز الدين لما وليَ خطابة دمشق فرح به المسلمون، إذ لم يصعد هذا المنبر من مدة مديدة مثلُه في علمه وفهمه، وكان لا يخاف في الله لومةَ لائم لقوة نفسه، وشدة تقواه، فأمات من البِدَع ما أمكنه، فغيَّر ما ابتدعه الخطباءُ وهو لبسِ الطَّيلسان للخطبة، والضرب بالسيف ثلاث مرات، وإذا قعد لم يؤذن إلّا واحد، وترك الثناء ولزم الدعاء، وكانوا يقيمون للمغرب عند فراغ الأذان، فأمرهم بالتمهُّل في سائر المساجد، وكانوا دُبُر الصلاة يقولون: إنَّ الله وملائكته يصلُّون، فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له،

стр. 36

الحديث، ولمَّا بعث إليه الملك الظاهر يقول: عيِّن مناصبك لمن تريد من أولادك، فقال: ما فيهم من يَصلُح، وهذه المدرسة الصالحية تصلح للقاضي تاج الدين، ففُوِّضت إليه بعده. قال قطب الدين بن اليُونيني (١): كان ﵀ مع شدته فيه حسنُ محاضرة بالنوادر والأشعار، وكان يَحضُر السَّماع، ويرقص ويتواجد. مات في عاشر جمادى الأولى سنة ستين وست مئة، وشهد جنازته الملك الظاهر والخلق، وقال أبو شامة: شيَّعه الخاصُّ والعامُّ، ونزل السلطان، قال: وعمل التعزية في جامع العُقيبة. قلت: كان مقتصدًا في لباسه، تاركًا للتكبُّر، مقدمًا في العلم والعمل، ومن نظر في تصانيفه عرف قدره. حدَّثني أبو الحسن بن العطَّار عن جدي: أن والد الشيخ عز الدين كان نجارًا، وكان يؤم بمسجد الرَّحبة، ويؤدب الصبيان، وقال لي أبو الحسَن: إنَّ الصالح تلقّاه وبالغ في إكرامه، وبنى له في الصالحية. قلت: حضر يومَ بيعة المستنصر أحمد فكان أوّلَ من بايعه، وتلاه الملكُ الظاهر، وقد ألَّف "القواعد الكبرى" (٢)، وفيها نفائس وبدائع.

стр. 37

١٩ - ابن العَديم * الصاحب العلّامة المفتي رئيس الشام كمال الدين أبو القاسم عمر ابن القاضي أبي الحسن أَحمد ابن القاضي الكبير الخطيب أبي الفضل هِبَة الله بن محمد بن هبة الله ابن قاضي حلب أبي الحسن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبي جَرَادة عامر بن ربيعة بن خُويلد بن عوف بن عامر بن عُقَيل، الفقيه، الهَوَازِنِي العُقيلي الحلبي الحنفي الكاتب المؤرِّخ، المعروف بابن العَدِيم. ولد سنة ثمان وثمانين وخمس مئة. وسمع من: أبيه، وعمه أبي غانم، وأبي حفص بن طَبَرزَد، والافتخار عبد المطلب، والتاج الكِنْدي، وابن الحَرَستاني، وأبي عبد الله بن البَنّاء، والشمس العطَّار، وثابت بن مشرِّف، وبهرام الأتابكي، وابن البُنّ، وابن صَصْرى، وأبي محمّد ابن الأستاذ، والشهاب ابن راجح، والشيخ العماد فخر الدين بن تيميّة، وأبي علي الأَوَقي، ومحمد بن عمر العُثماني، وخلِق كثير من حلب ودمشق والقدس والحجاز والعراق ومصر، وأجاز له المؤيَّد الطُّوسي، وزينب، وعبد المعزّ الهروي، وعدّة. وكان من رجال الدهر علمًا ونُبلًا وذكاءً، ورأيًا ومنظرًا وبهاءً، وسؤدِدًا وفقهًا، وكتابةً وإنشاءً، درَّس وأفتى وصنَّف، وتَرسَّل عن الملوك، وبحُسن

стр. 38

خطِّه يُضرَب المثل، وإليه يشير الصاحب فتح الدين بن القيسراني فيما أنشدَناه: بوجه معذِّبي آياتُ حُسنٍ … فقل ما شئتَ فيه ولا تُحاشي ونسخةُ حُسنِه قُرئت فصحَّت … وها خطُّ الكمال على الحواشِي حدَّث عنه: ولده القاضي الصاحب مجد الدين عبد الرحمن، والدمياطي، وعلم الدين الدُّويداري، والكمال بن النحّاس، وبدر الدين التاذِفي، وجماعة. ذكره الدِّمْياطي فبالغ في تقريظه، وأسهب وأغرب، قال: ولي القضاءَ بحلب خمسةٌ من آبائه، وله الخط البديع، والحظ الرفيع، والتصانيف الرائعة، منها "تاريخ حلب"، أدركته المنيَّةُ قبل إكمال تبييضه، وكان بارًا فيَّ حفيًّا محسنًا إليّ، يُؤْثرني على أقراني، وصحبته بضع عشرة سنة مقامًا وسفرًا، ورافقته كَرَّتين من بغداد إلى دمشق، وأخذت عنه في البلاد من علمه ونَظْمه، وأخذ عني بسامُرّاء، وكان غزير العلم، خطير القَدْر، لا يُرَى مثله، وقد عدَّلني تعديلًا ما عدَّله أحدًا، وذلك أن قاضي دمشق التَمَسني منه ليعدِّلَني، فامتنع بسببِ ما جرى من القاضي، فطَفِقَ الرسول يتضرَّع إليه ويسأله حتى أَذن، فغدوتُ معه، فأخرج لي القاضي ملبوسًا فاخرًا، فلبسته وأشهدَني عليه ورجعتُ راكبًا على بغلته إلى منزلي. وقال الشريف عز الدين (١): كان ﵀ جامعًا لفنون من العلم، معظَّمًا عند الخاصّة والعامّة، وله الوَجَاهة التامة عند الملوك، جمع تاريخًا لحلب كبيرًا أحسن فيه، ومات وبعضه مسوَّدة، ولو كمل لكان

стр. 39

أكثر من أربعين مجلدًا، سمعت منه واستفدت به. قلت: من نظر في التاريخ المذكور، علم حالةَ هذا الرجل ورُتْبته في العلم، وقد ناب بدمشق في السلطنة عن الناصر وعلَّم عنه، وارتاد إلى مصر، وقد حكى في "تاريخه": أنه دخل مع والده على صاحب حلب الملك الظاهر غازي، وأنه هو الذي حسَّن له جمع تاريخ حلب. قلت: توفي بظاهر القاهرة في عشرين من جمادى الأولى سنة ستين وست مئة، ودفن بسفح المقطَّم. وفيها مات العز الضرير الفيلسوف، والتاج عبد الوهّاب ابن زين الأمناء، ونقيب الأشراف، والضياء عيسى بن سليمان بن رمضان القَرَافي، ومحمد بن سليمان الصِّقِلي الدلَّال، وأبو بكر محمد بن فُتوح بن خلوف الإسكندراني، وأبو بكر بن علي بن مكارم المصري. ٢٠ - ابن أبي الكَرَم * الشيخ الجليل المعز ضياء الدين، عيسى بن سليمان بن رمضان بن أبي الكرم بن إبراهيم الثَّعْلبي - بمثلثة - المصري القَرَافي الشافعي، قيِّم مشهد الشيخة السيدة نَفيسة. سمع "صحيح البخاري" من منجب المرشدي في سنة ثمان وسبعين وخمس مئة بسماعه من مولاه أبي صادق المَديني. أخذ عنه التقي عُبيد، والدِّمياطي، والشريف عز الدين، وعبد القادر الصَّعبي، والشيخ شعبان الإربلي، وآخرون، وهو والد شيخنا المعمَّر بهاء

стр. 40

الدين علي بن القيِّم. مات في رابع عشر رمضان سنة ستين وست مئة، وله تسعون سنة، ﵀. ٢١ - ابن أبي الجِنّ * الكبير نقيب الأشراف، بهاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي الجن، الحُسيني الدمشقي. ولد في شعبان سنة تسع وسبعين. وسمع من: يحيى الثقفي، وابن صَدَقة حضورًا. روى عنه: الدِّمياطي، والعلاء الكِنْدي، والعلاء بن الشاطبي، وعدَّة. مات سنة ستين وست مئة. ٢٢ - ابن عَرَق الموت ** الشيخ المعمَّر أبو بكر محمّد بن فُتوح بن خلوف بن يخلف بن مَصَال، الهَمْداني الإسكندراني، عُرف بابن عَرَق الموت. سمع من: التاج المسعودي وتفرَّد عنه، وابن موقَّى، وطائفة، وأجاز له الخُداداذي، والقُطب النيسابوري، وأبو سعد بن أبي عَصْرون، وأبو المجد البانياسي، وآخرون، وانتُقي عليه من المرويات. روى عنه: ابن الظاهري، وشعبان الإربلي، وآخرون. توفي في جمادى الأولى سنة ستين.
следующие страницы →