← Тараджим

Тараджим · id 10907

تكملة سير أعلام النبلاء - ط الرسالة العالمية

شمس الدين الذهبي

Полный текст (937 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الحديث، ولمَّا بعث إليه الملك الظاهر يقول: عيِّن مناصبك لمن تريد من أولادك، فقال: ما فيهم من يَصلُح، وهذه المدرسة الصالحية تصلح للقاضي تاج الدين، ففُوِّضت إليه بعده. قال قطب الدين بن اليُونيني (١): كان ﵀ مع شدته فيه حسنُ محاضرة بالنوادر والأشعار، وكان يَحضُر السَّماع، ويرقص ويتواجد. مات في عاشر جمادى الأولى سنة ستين وست مئة، وشهد جنازته الملك الظاهر والخلق، وقال أبو شامة: شيَّعه الخاصُّ والعامُّ، ونزل السلطان، قال: وعمل التعزية في جامع العُقيبة. قلت: كان مقتصدًا في لباسه، تاركًا للتكبُّر، مقدمًا في العلم والعمل، ومن نظر في تصانيفه عرف قدره. حدَّثني أبو الحسن بن العطَّار عن جدي: أن والد الشيخ عز الدين كان نجارًا، وكان يؤم بمسجد الرَّحبة، ويؤدب الصبيان، وقال لي أبو الحسَن: إنَّ الصالح تلقّاه وبالغ في إكرامه، وبنى له في الصالحية. قلت: حضر يومَ بيعة المستنصر أحمد فكان أوّلَ من بايعه، وتلاه الملكُ الظاهر، وقد ألَّف "القواعد الكبرى" (٢)، وفيها نفائس وبدائع.

стр. 37

١٩ - ابن العَديم * الصاحب العلّامة المفتي رئيس الشام كمال الدين أبو القاسم عمر ابن القاضي أبي الحسن أَحمد ابن القاضي الكبير الخطيب أبي الفضل هِبَة الله بن محمد بن هبة الله ابن قاضي حلب أبي الحسن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبي جَرَادة عامر بن ربيعة بن خُويلد بن عوف بن عامر بن عُقَيل، الفقيه، الهَوَازِنِي العُقيلي الحلبي الحنفي الكاتب المؤرِّخ، المعروف بابن العَدِيم. ولد سنة ثمان وثمانين وخمس مئة. وسمع من: أبيه، وعمه أبي غانم، وأبي حفص بن طَبَرزَد، والافتخار عبد المطلب، والتاج الكِنْدي، وابن الحَرَستاني، وأبي عبد الله بن البَنّاء، والشمس العطَّار، وثابت بن مشرِّف، وبهرام الأتابكي، وابن البُنّ، وابن صَصْرى، وأبي محمّد ابن الأستاذ، والشهاب ابن راجح، والشيخ العماد فخر الدين بن تيميّة، وأبي علي الأَوَقي، ومحمد بن عمر العُثماني، وخلِق كثير من حلب ودمشق والقدس والحجاز والعراق ومصر، وأجاز له المؤيَّد الطُّوسي، وزينب، وعبد المعزّ الهروي، وعدّة. وكان من رجال الدهر علمًا ونُبلًا وذكاءً، ورأيًا ومنظرًا وبهاءً، وسؤدِدًا وفقهًا، وكتابةً وإنشاءً، درَّس وأفتى وصنَّف، وتَرسَّل عن الملوك، وبحُسن

стр. 38

خطِّه يُضرَب المثل، وإليه يشير الصاحب فتح الدين بن القيسراني فيما أنشدَناه: بوجه معذِّبي آياتُ حُسنٍ … فقل ما شئتَ فيه ولا تُحاشي ونسخةُ حُسنِه قُرئت فصحَّت … وها خطُّ الكمال على الحواشِي حدَّث عنه: ولده القاضي الصاحب مجد الدين عبد الرحمن، والدمياطي، وعلم الدين الدُّويداري، والكمال بن النحّاس، وبدر الدين التاذِفي، وجماعة. ذكره الدِّمْياطي فبالغ في تقريظه، وأسهب وأغرب، قال: ولي القضاءَ بحلب خمسةٌ من آبائه، وله الخط البديع، والحظ الرفيع، والتصانيف الرائعة، منها "تاريخ حلب"، أدركته المنيَّةُ قبل إكمال تبييضه، وكان بارًا فيَّ حفيًّا محسنًا إليّ، يُؤْثرني على أقراني، وصحبته بضع عشرة سنة مقامًا وسفرًا، ورافقته كَرَّتين من بغداد إلى دمشق، وأخذت عنه في البلاد من علمه ونَظْمه، وأخذ عني بسامُرّاء، وكان غزير العلم، خطير القَدْر، لا يُرَى مثله، وقد عدَّلني تعديلًا ما عدَّله أحدًا، وذلك أن قاضي دمشق التَمَسني منه ليعدِّلَني، فامتنع بسببِ ما جرى من القاضي، فطَفِقَ الرسول يتضرَّع إليه ويسأله حتى أَذن، فغدوتُ معه، فأخرج لي القاضي ملبوسًا فاخرًا، فلبسته وأشهدَني عليه ورجعتُ راكبًا على بغلته إلى منزلي. وقال الشريف عز الدين (١): كان ﵀ جامعًا لفنون من العلم، معظَّمًا عند الخاصّة والعامّة، وله الوَجَاهة التامة عند الملوك، جمع تاريخًا لحلب كبيرًا أحسن فيه، ومات وبعضه مسوَّدة، ولو كمل لكان

стр. 39

أكثر من أربعين مجلدًا، سمعت منه واستفدت به. قلت: من نظر في التاريخ المذكور، علم حالةَ هذا الرجل ورُتْبته في العلم، وقد ناب بدمشق في السلطنة عن الناصر وعلَّم عنه، وارتاد إلى مصر، وقد حكى في "تاريخه": أنه دخل مع والده على صاحب حلب الملك الظاهر غازي، وأنه هو الذي حسَّن له جمع تاريخ حلب. قلت: توفي بظاهر القاهرة في عشرين من جمادى الأولى سنة ستين وست مئة، ودفن بسفح المقطَّم. وفيها مات العز الضرير الفيلسوف، والتاج عبد الوهّاب ابن زين الأمناء، ونقيب الأشراف، والضياء عيسى بن سليمان بن رمضان القَرَافي، ومحمد بن سليمان الصِّقِلي الدلَّال، وأبو بكر محمد بن فُتوح بن خلوف الإسكندراني، وأبو بكر بن علي بن مكارم المصري. ٢٠ - ابن أبي الكَرَم * الشيخ الجليل المعز ضياء الدين، عيسى بن سليمان بن رمضان بن أبي الكرم بن إبراهيم الثَّعْلبي - بمثلثة - المصري القَرَافي الشافعي، قيِّم مشهد الشيخة السيدة نَفيسة. سمع "صحيح البخاري" من منجب المرشدي في سنة ثمان وسبعين وخمس مئة بسماعه من مولاه أبي صادق المَديني. أخذ عنه التقي عُبيد، والدِّمياطي، والشريف عز الدين، وعبد القادر الصَّعبي، والشيخ شعبان الإربلي، وآخرون، وهو والد شيخنا المعمَّر بهاء

стр. 40

الدين علي بن القيِّم. مات في رابع عشر رمضان سنة ستين وست مئة، وله تسعون سنة، ﵀. ٢١ - ابن أبي الجِنّ * الكبير نقيب الأشراف، بهاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي الجن، الحُسيني الدمشقي. ولد في شعبان سنة تسع وسبعين. وسمع من: يحيى الثقفي، وابن صَدَقة حضورًا. روى عنه: الدِّمياطي، والعلاء الكِنْدي، والعلاء بن الشاطبي، وعدَّة. مات سنة ستين وست مئة. ٢٢ - ابن عَرَق الموت ** الشيخ المعمَّر أبو بكر محمّد بن فُتوح بن خلوف بن يخلف بن مَصَال، الهَمْداني الإسكندراني، عُرف بابن عَرَق الموت. سمع من: التاج المسعودي وتفرَّد عنه، وابن موقَّى، وطائفة، وأجاز له الخُداداذي، والقُطب النيسابوري، وأبو سعد بن أبي عَصْرون، وأبو المجد البانياسي، وآخرون، وانتُقي عليه من المرويات. روى عنه: ابن الظاهري، وشعبان الإربلي، وآخرون. توفي في جمادى الأولى سنة ستين.

стр. 41

٢٣ - العِز الإربِلي * الضرير المتكلم البارع الفيلسوف عز الدين حسن بن محمد بن أحمد بن نَجَا، الإِرْبِلي الرَّافضي. رأس في علوم الأوائل، كان يشتغل في بيته، وله حُرمة وهَيْبة على الرؤساء، وكان قليلَ الدِّين، متَّهَمًا بالانحلال، وكان قذرًا زَرِيَّ الحال، وابتُلي بطُلوع وقروحات، وكان أحدَ الأذكياء، ينعق بتفضيل عليٍّ على الصِّدِّيق، وله مديح في العز بن معقل، وهجوٌ خبيث. ذكر عز الدِّين بن أبي الهيجا: أنه حضره عند الموت فقال: وصلت الروحُ إلى الصدر، ثم حُضِرَ فتلا ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، ثم قال: صدق الله وكذب ابن سينا، ثم مات؛ في ربيع الآخر سنة ستين وست مئة بدمشق، وله أربع وسبعون سنة. ٢٤ - ابن فَرْتُون ** محدِّث المغرب، الإمام المؤرِّخ، أبو العباس أحمد بن يوسف بن أحمد السُّلَمي الفاسي. حدَّث عن: أبي ذر الخُشَني، وأبي القاسم بن الملجوم، وطبقتهما، وأجاز له أبو الحجَّاج ابن الشيخ وطائفة، واعتنى بالرواية، ولم يكن بالحاذق في الحديث، وذيَّل على "صِلَة" ابن بَشكُوال مجلدًا، فلم يجوِّده. أكثر عنه أبو جعفر بن الزُّبير، وقال: توفي في شعبان سنة ستين وست مئة، وهو كثير الأوهام، ﵀.

стр. 42

٢٥ - عَلَم الدين * العلّامة ذو الفنون، عَلَم الدين أبو محمّد، القاسم بن أحمد بن أبي السَّداد الموفَّق بن جعفر، المُرْسي اللَّورَقي المقرئ، نزيل دمشق. ولد سنة خمس وسبعين وخمس مئة. وتلا بالسبع على ابن عون الله الحصَّار، وعن عبد الله بن نوح الغافِقي، والمُرَادِيّ، وبمصر على أبي الجُود اللَّخْمي، وبدمشق على التاج الكِنْدي، وابن باسويه، وأخذ عن ابن الجُزولي، وأبي البقاء الضرير، وسمع من ابن الأخضر، والافتخار الحلبي، وجماعة. وأمعَنَ في العقليات، وكان مقصودًا بإقرائها وإقراء النحو بالعادلية، ودرَّس بالعَزيزية نيابةً، وشرح "المفصَّل" و"الجُزولية" و"الشاطبية"، وتخرَّج به الكبار. وكان مليحَ الشكل، حسن الهيئة، كثير الوَقار. وممن تلا عليه بالروايات سِبطُه بهاء الدين البِرْزالي، وأبو عبد الله القصَّاع، وشيخنا برهان الدين الإسكندراني، وشهاب الدين الكَفْري، وعلاء الدين الكِنْدي، وحدَّث عنه بـ "كتاب سيبويه" شيخُنا بهاء الدين النَّحّاس النَّحْوي. قال أبو شامة (١): وتوفي سابع رجب سنة إحدى وستين وست مئة، وكان مشاركًا بأنواع من العلوم على خَلَل في ذهنه. قلت: ما كان إلّا ذكيًا صحيحَ الذِّهن ﵀، فيا ليتَه أعرض عن

стр. 43

علوم الأوائل بالكليّة، فإنها إما مرضٌ في الدين أو هلاك، قلَّ من نجا منها، وليس مع هذا فيها هُدًى ولا أَجر، ولا دنيا ولا آخرة. ٢٦ - آقش البَرْليّ * الأمير الكبير فارس زمانه، شمس الدين آقش البَرْليّ التركي العَزيزي. كان أحد الأبطال بعد الملك الظاهر الذي كان أستاذه علاء الدين البُندُقدار، أُمر بالقبض عليه وعلى جماعة ثم عُفي بفِدًى، فاجتمعت العَزيزيةُ إلى البرلي وساروا من دمشق إلى المَرْج، وكان قطز قد ولَّى البرليَّ غزةَ، فأتاه أمرُ الظاهر بأن يبعث إلى أيدكين البُندقدار لمحاربة الحلبي (١)، فبعث البندقدار إلى البرلي يطيِّب قلبه، فما التفت وسار إلى حمص، وطلب من صاحبها الأشرف أن يوافقه يسلطنه، فأَبى، فقدم إلى حماة وبعث يقول: لم يبق مَن على الملك سواك، فقم ونحن في خدمتك، فلم يصغ إليه وسبَّه، فأحرق الزرع، وسار إلى شَيزَر ثم إلى حلب وبعث: إني في طاعة السلطان، وتسلَّط على حواصل حلب، وحكم وجمع العرب والتركمان، فخرج من مصر المحمَّديُّ (٢)، ثم رضي الظاهرُ على الحلبي وأطلقه، ثم قصد البَرْليَّ فطرده عن حلب، فاستولى على إلْبيرة وسار في عسكره إلى الجزيرة، ودخل حرّان، وبَعْدَ صِيتُه وخاصة لدى التتار، ثم رأى تمكُّنَ الملك الظاهر ومكانتَه، فخضع ودخل في الطاعة، ففرح به الظاهر وتلقّاه، وتُرك سنةً، ثم أَمسكه في رجب سنة إحدى وستين وست مئة، فكان آخرَ العهد به.

стр. 44

قال المؤيَّد: قبض الظاهر علي البَرْلي وبَلبان الرَّشيدي والدِّمياطي؛ يعني لكونهم قبَّحوا إهلاكَ المُغيث (١). ٢٧ - الملك الأشرف * أبو الفتح موسى بن المنصور إبراهيم ابن المجاهد شِيركُوه بن محمد بن شِيركوه، صاحب حمص. تملّك بعد أبيه في سنة أربع وأربعين، ثم أخذ الملك الناصر يوسفُ منه حمصَ لكونه سلَّم شُمَيميس إلى صاحب مصر، ثم تعوَّض عن حمص بتلّ باشر، فلما استولى هولاكو على الشام حضر عنده الأشرفُ فأكرمه وردَّ عليه حمص. وكان بطلًا شجاعًا سائسًا خليقًا للإمارة، له الموقف المشهود الذي كسر فيه العدوَّ على حمص، وأباد عدّةً من كبرائه، ثم سار إلى خدمة السلطان الملك الظاهر، ثم رجع إلى حمص فمرض ومات بين العيدين سنة إحدى وستين وست مئة، فتحوّل أهله وأقاربه إلى دمشق، وتسلَّم نوّاب الظاهر حمص. ٢٨ - ابن أبي الفوارس ** الشيخ الإمام العالم المقرئ الفقيه المعمر الشريف، كمال الدين شيخ القرّاء، أبو الحسن علي بن شجاع بن سالم بن علي بن موسى بن حسان بن

стр. 45

طوق، القرشي الهاشمي العباسي، المصري الشافعي الضرير من ذريّة ولي العهد عيسى بن موسى بن محمد. قرأ بالسبع مفرِدًا ثم جامعًا إلى الأحقاف على الشاطبي، ومات الشاطبي وللكمال ثمانية عشر عامًا، ثم تزوَّج بابنة الشاطبي، وتلا بالسبعِ أيضًا على أبي الجُود اللَّخْمي، وعلى شجاع بن سيدهم المدلجي، وتفقه على أبي القاسم عبد الرحمن بن الورَّاق وغيره، وقرأ النحو على أبي الحسين يحيى النَّحوي، وسمع من هبة الله البُوصِيري، والشهاب الغزنوي، وأبي عبد الله الأرتاحي، والمطهَّر البيهقي، وأبي نزار اليمني، ومحمد بن عبد المولى اللَّبْني، وأبي الحسين بن جُبير، وجماعة، وسمع الكثير من الشاطبي وابن جبير وروى "المستنير" لابن سِوار بالإجازة العامَّة من السِّلَفي، وسمع "التجريد" لابن الفحَّام من شجاع عن ابن الحُطيئة، ومن ابن شداد عن ابن سعدون، وسمع "التذكار" لابن شيطا من عبد الرَّحمن مولى ابن باقا. وكان واسعَ الرواية، حسنَ المعرفة، موطأ الأكناف، غزير المروءةِ، كبير، القدر، تصدَّر للإقراء وللتحديث، فتكاثروا عليه وبَعْدَ صِيتُه، واشتَهَر ذكرُه. تلا عليه: أبو عبد الله محمد بن أبي ليلى القصَّاع، والشيخ حسن الراشدي، وأبو محمّد الدِّمياطي، وبهاء الدين بن النحَّاس، والشيخ نصر المَنبِجي، وبرهان الدين المصري، والعماد بن الجرائدي، وشمس الدين محمّد بن منصور الحاضري، وخلق. وروى عنه: الشيخ شعبان الإربِلي، وداود بن يحيى الفقيه، والزين

стр. 46

عبد الرحيم الساعاتي، وإسحاق الوزيري، وشرف الدين محمّد بن مسكين، وآخرون. مولده في شعبان سنة اثنتين وسبعين بقرية المعتمدية من عمل الجِيزة، ومات في سابع ذي الحِجّة سنة إحدى وستين وست مئة. ٢٩ - الرَّسْعني * الإمام العلّامة الحافظ المفسّر، عز الدين أبو محمّد عبد الرزّاق بن رزق الله بن أبي بكر بن خلف، الرَّسْعَنيّ. مولده برأس عَين في سنة تسع وثمانين وخمس مئة. وسمع بدمشق من الكِنْدي كثيرًا، وببغداد من عبد العزيز بن مَنِينا، وببلده من أبي بكر المجد القَزوِيني، وطائفة، وبحلب من الافتخِار الهاشمي، وألَّف تفسيرًا كبيرًا حسنًا، وكتاب "مقتل الحسين ﵁ ". وغير ذلك. وقدم دمشق مرة رسولًا، فروى عنه الجمال ابن الصابوني، وولده شمس الدين ابن المحدِّث، والفقيه جابر الوادياشي، وعلي بن عبد العزيز الإربلي، وآخرون. وله نظم رائق، وفضائل، ولي مشيخةَ الحديث بالموصل، وكان من العلماء العاملين، وروى عنه أيضًا: شيخنا الدِّمْياطي، وكان ذا مكانة عند صاحب الموصل لؤلؤ. توفي في ثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة، وكان

стр. 47

عارفًا بمذهب أحمد، حفظ "المقنع"، وتفقَّه بمؤلِّفه، وسمع أيضًا من الخَضِر بن كامل وابن الحَرَستاني. ٣٠ - الأنباري * الإمام المفتي جمال الدين، أبو محمد عبد الرحمن بن سالم بن يحيى بن خَميس، الأنصاري، الأنباري ثم البغدادي ثم الدمشقي الحَنبَلي. سمع من: الكِنْدي، وابن الحَرَستاني، وبحَرّان من عبد القادر الحافظ، وتفقه بالشيخ الموفّق، وكتب الكثيرَ من العلم، وكان صحيحَ النقل، جيِّد النظم، صاحب خير، سكن بالجامع في المنارة الغربية، وكان يؤمّ في الصبح بالمنقطعين ويطيل الصلاة جدًّا، حتى ربما طلعت الشمس، وينال منه العوامُّ، حدَّث بـ "الأربعين" للرُّهَاوي، وغير ذلك. روى عنه: الشيخ تاج الدين عبد الرحمن، وأخوه شرف الدين الخطيب، وابن الخبَّاز، والبرهان الذهبي، والكمال ابن النحّاس الكاتب. توفي في سَلْخ ربيع الآخر سنة إحدى وستين وست مئة. ٣١ - عز الدين المَقدسي ** الإمام المفيد الفقيه، عز الدين عبد الرحمن ابن الحافظ عز الدين محمد ابن الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد، المقدسي الحنبلي. حَضَرَ ابن طَبَرزَد، وسمع الكِنْدي، وابن الحَرَستاني، وارتحل فسمع من: [الفتح] ابن عبد السلام، وعلي بن بُورنداز، ومحمد بن الإشبيلي،

стр. 48

وأصحاب السِّلَفي بالمغرب، وكتب الكثير، وتفقَّه بالشيخ الموفَّق، وكان من أعيان الطائفة حتى قال عنه تلميذه ابن الخبَّاز: ما رأيت بعد شيخنا الضياءِ مثلَه، أسمَعَ مدةً بالأشرفية بالجبل. روى عنه: الدِّمْياطي، والقاضي تقي الدين، وابن الزَّرَّاد، وآخرون. وُلد سنة اثنتين وست مئة، ومات في ذي الحِجّة سنة إحدى وستين، وكنيته أبو الفَرَج وأبو محمد. ومات قبله ابن عمِّه المفتي شرف الدين أبو عبد الله الحسن ابن الحافظ أبي موسى عبد الله بن عبد الغني في سنة تسع وخمسين، وله أربع وخمسون سنة، درّس بالجَوْزيّة، وروى عن الكِنْدي وجماعة، روى عنه القاضي، وابن الخبَّاز، وابن الزَّرَّاد، وولده قاضي القضاة شرف الدين عبد الله. ٣٢ - سليمان بن خليل * ابن إبراهيم بن يحيى بن فارس خطيبُ مكة، أبو الرَّبيع، الكِناني العسقَلَاني، ثم المكي الشافعي، سبط عمر المَيانِجي وابن خالة الصَّدر البكْري. سمع من: زاهر بن رُستم، ويحيى الفرّاش، وابن الحُصْري. روى عنه: الدِّمْياطي، والرَّضيّ الإمام، والمحبّ وأولاده. وكان مشهورًا بالعلم والعبادة والتقوى، كُفَّ بصره بأخرة، حُدِّث عنه بـ "سنن النَّسائي". توفي في المحرَّم سنة إحدى وستين وست مئة عن بضع وثمانين سنة.

стр. 49

٣٣ - القَبَّاني * الشيخ الفاضل المسند، أَثير الدين أبو القاسم عبد الغني بن سليمان بن بَنِين بن خلف، المصري الشافعي، القَبّاني الناسخ. ولد سنة خمس وسبعين. وسمَّعه أبوه أبو الربيع من عَشِير بن علي الجَبَلي، وقاسم بن إبراهيم المَقْدسي، وابن ياسين، والبُوصِيري، وابن نجا الواعظ، والقاسم بن عساكر، وأجاز له ابن بَرِّي النَّحْوي، وجماعة. وتفرَّد في وقته مع الصَّلاح والوَقَار والدِّيانة. وكان أبوه نحويًا من أصحاب ابن الجَبَلي. وروى عنه: الدِّمياطي، وجماعة، ومن القدماء الحافظُ زكي الدين عبد العظيم، وقال: توفي في ثالث ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة. وفيها مات الفخر أحمد بن محمّد بن إبراهيم بن رومان الحنفي، والحسن بن علي بن منتصر الكَشّي، وفقيه مكة سليمان بن خليل العسقلاني الكِناني، ومحدِّث الجزيرة عز الدين عبد الرزَّاق بن رزق الله الرَّسْعني، والمفتي جمال الدين عبد الرحمن الأنباري الحنبلي، وعز الدين عبد الرحمن بن محمد ابن الحافظ المقدسي، وشيخ القرّاء التقي عبد الرحمن بن مُرهَف الناشِري، والكمال العباسي العز ابن الضرير، والعَلَم أبو محمد القاسم بن أحمد الموفَّق الأندلسي، وطاغية الفرنج الفرنسيس محاصرًا لتونس، والمحدث أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم السُّلمي الأندلسي، وصاحب حمص، والتاج أيوب بن محمود بن

стр. 50

أبي سماء السلمي، وأبو علي الحسن بن علي بن منتصر الفاسي الإسكندراني الكُتُبي من أبناء التسعين تفرَّد عن عبد المجيد بن دُلَيل، والشيخ علي بن إسماعيل بن علي المقدسي صاحب الخُشُوعي وشُروطي الوقت، وفيها عبد الرحيم الدمشقي. ٣٤ - الملك المغيث * فتح الدين عمر ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن الكامل محمد ابن العادل. تملك والدُه مصرَ بعد الكامل نحو عامين، ثم انحرف عنه الأمراء وكاتبوا أخاه الملك الصالح فخر الدين فأقبل وتَسَلطنَ وقبض على أخيه هذا، فبقي في الاعتقال ثمان سنين، قيل: وكانت سلطنتُه بضعة وعشرين شهرًا. أنبأنا سعد الدين بن حَمّوَيه قال: في خامس شوال سنة خمس وأربعين جهَّز السلطان أخاه العادل مع نسائه إلى الشَّوبك، فبعث إليه الخادم مُحسن إلى الحبس يقول: رَسَمَ السلطانُ أنت تروح إلى الشوبك، فقال: إن أردتم قتلي فهنا أَولى ولا أروح أبدًا، فلامه وعَذَلَه، فرماه بدَوَاة، فخرج وعرَّف أخاه، فقال: دبِّر أمره، فأدخل إليه ثلاثة خنقوه ليلة ثاني عشر شوال، وأظهروا أنه شنق نفسه وعلَّقوه، ثم أخرجوا جنازته مثل الغرباء. وقال ابن واصل: كان يعاني اللهوَ واللعب، ويقدِّم من لا يَصلُح من ندمائه ويُهمِل الكبار، فمالوا إلى عزله وخَذْله. قلت: نشأ المغيث عند عمّة أبيه، ولما مات الصالح أراد فخر الدين

стр. 51

ابن الشيخ أن يُسلطنَ المغيثَ فلم يتمَّ ذلك، وحُبس ثم اعتُقل بالشَّوبك، وكان عليها وعلى الكرك الطَّواشي الصَّوابي، فلما سمع الصوابي بقتل المعظَّم أخرج المغيثَ وسلطنه بالكرك والشوبك، وصار أَتابِكَه، وكان المغيث جوادًا شجاعًا كريمًا. ثم في سنة إحدى وستين تهيَّأ الملكُ الظاهر لحصار الكرك، فنزلت أم المغيث إليه إلى غزة فأكرمها، وتردَّدت الرسل، وجاء المغيث وفزع من القبض عليه، ثم نزل فأكرمه السلطان، ومنعه من الترجّل وسايره إلى المخيم، وبعث به إلى مصر، وخُنق سرًا، ثم قُتل الذي خنقه لكونه أُفشى ذلك، وعاش ثلاثين سنةً أو أكثر كأبيه، وخلَّف ولدًا مراهقًا، فأعطاه السلطان إمرة مئة فارس. وقال الشرف ابن هُرمُز: كنت معه وكنت ناظر خزانته، فبقي [يقلق] ثم فاتَحَني واستشارني، فقلت: احلف لي أن تكتم علي. فحلف، فقلت: قم الساعةَ من تحت الجام واركب حجرتك غيلةً، فما تصبح إلّا بالكرك اعص بها، فما فعل، وسار لحتفه. قلت: قتله الظاهر لمكاتبات من أمراء البحريّة للمغيث لمّا كتب إليهم في أطماعهم في الشام، وأثبت ذلك. وفرح الظاهر كثيرًا بالكرك، والأمرُ الله. ٣٥ - صاحب حمص * تملَّكها الأمير أسدُ الدين شِيركُوه عمُّ السلطان صلاح الدين، ثم ابنه الملك ناصر الدين محمّد مدة طويلة، وتوفي فأعطاها صلاح الدين للملك

стр. 52

المجاهد شِيركُوه ولدِ ناصر الدين محمد، فمَلَكَها نيِّفًا وخمسين سنة، وتوفي سنة سبع وثلاثين وست مئة، وتملَّك بعده ابنُه الملك المنصور إبراهيم، فبقي إلى أن توفي عَقِيبَ هزيمة الخُوارزمية بدمشق ببستان النَّيْرَب في صفر سنة أربع وأربعين، ونُقل ودُفن بحمص، فتملَّك ابنه ابنه الملك الأشرف مظفَّر الدين موسى بن إبراهيم وله سبع عشرة سنة، ووَزَرَ له المُخلِص، وشدَّ منه صاحب مصر، فضايقه صاحب حلب، وأخذ منه حمص وجَرَتْ أمور طويلة. ثم إنَّ الأشرف صار مع الملك الناصر، وسار معه لأخذ مصر، فانكسر الناصرُ وأُسِرَ هذا فيمن أُسر، وحُبس مدةً، ثم أُطلق في سنة إحدى وخمسين، فعاد إلى معاداة صاحب الشام الناصر، وصارت له الرَّحبة، واتخذ قُصّادًا، وربما كاتب المغول، فلما استولوا على الشام قصد الأشرفُ هولاكو ففرح به وأكرمه، واستعان به في تسليم قلاع، واستنابه على الشام أو بعضها وأعاد إليه حمص، فلما مرَّ به الملك الناصر في وقعة التتار وبَّخه وعنَّفه، وبعث إليه صاحبُ مصر يستميله، فأجاب لما رأى من أمر التتار، وطلبه كُتْبُغا بحضور مصافِّ عين جالوت، فأقبل وكان بدمشق يومئذ، فلما هُزِمَ العدوُّ هرب هو والزين الحافظي الأمير إلى الشام، ثم أجلي الأشرفُ منهم من ناحية قارا فذهب إلى تَدمُر، وقدم بأمان على السلطان قُطُز إلى دمشق، فأقرَّه على مملكة حمص، وتوجَّه إليها. ثم إنه مَحَا هَنَاته بوقعة حمص الأولى، فجمعت التتار وخافوا هولاكو ورجعوا للحرب، فبَرَز لهم الأشرف وصاحب حماة المنصور سنة تسع وخمسين، فنزل النصر، وقُتل من التتار خَلْق، وفرح المسلمون.

стр. 53

ولما قَبَضَ الملك الناصر سنة اثنتين وستين على المغيث صاحب الكرك وخَنَقَه، خاف الأشرفُ ونطق بأمور كامنة، فعَزَمَ الظاهر على أخذه، فاتفق أن الأجل جاء إلى الأشرف، وتوفي، ويقال: سُمَّ. قال قطب الدين موسى (١): كان ملكًا حازمًا كبير القدر، قليل الحديث والبَسْط، تُعَدّ ألفاظه، وكان شجاعًا كبير النفس، تسلَّم السلطان بلده وحواصله، مات بحمص في صفر سنة اثنتين وستين، وله خمس وثلاثون سنة، ودُفِن عند آبائه. قال أبو شامة: كان شابًا عفيفًا، له صِلاتُه إلى من يقصده، كَسَرَ التتار بحمص. وقال ابن شدَّاد: تملَّك حمصَ والرَّحبة وتَدمُر، وذلك بعد أبيه، وخرج من دمشق سنة ثمان وخمسين مع الناصر ففارقه من الصَّفَّين وردَّ إلى تدمر ثم ذهب إلى هولاكو بحلب، فتوسَّط بينه وبين أهل قلعتها حتى سلَّموها، وبقي عنده يُسفِر بينه وبين أهل القِلاع، فلما خرج هولاكو إلى الجزيرة ولَّاه النيابةَ على الشام بأَسْره. قلت: وتحوَّل عمُّه الملك الزاهر داود بن شيركوه إلى دمشق هو وولداه الأوحد والمعظَّم، ولهما أولاد أمراء بدمشق، ورأيت الزاهر شيخًا مَهِيبًا أبيض اللحية عاش إلى سنة اثنتين وتسعين وست مئة. ٣٦ - ابن الرِّفّاء * الإمام العالم الفقيه الأديب البارع الثقة، شيخ الشيوخ، شرف الدين

стр. 54

أبو محمد عبد العزيز بن محمّد بن عبد المحسن بن محمّد بن منصور بن خلف، الأنصاري الأوسي، الدمشقي ثم الحموي، ابن الرَّفّاء الصُّوفي الشافعي. وُلد سنة ست وثمانين وخمس مئة. وارتحل به أبوه القاضي أبو عبد الله، فسمع من ابن كُلَيب "جزء ابن عَرَفة"، ومن عبد الله بن أبي المجد "مسند الإمام أحمد"، وحدَّث بـ "المسند" غير مرة، وروى الجزء بدمشق وبمصر وحماة وحلب وبعلبك ستين مرةً أو نحوها، ولازم أبا اليُمْن الكِنْدي وحمل عنه أدبًا كثيرًا، وسمع أيضًا من أبي أحمد ابن سُكَيْنة، وعلي بن محمد بن يعيش الأنباري، ويحيى بن الربيع الفقيه، وبرع في الفقه وفنون الأدب، وله النظم والنثر، والذكاء الرائع، والمحفوظات الوافرة، والجلالة العجيبة، والرتبة المُنيفة. حدَّث عنه: الدِّمْياطي، وابن اليُونيني، وأخوه قُطْب الدين، وشرفِ الدين الفَزَاري، وقاضي القضاة ابن جَمَاعة، والقاضي تاج الدين صالح، وبكر الدين بن المجد عبد الله، وأخوه عفيف الدين المقرئ إبراهيم الكَرْخي، والشيخ نصر المَنبِجي، ويوسف ابن قاضي حرّان، وأبو عبد الله بن الزَّرّاد، وخلق كثير. وكان مفخر أهل بلده في وقته، توفي في ثامن رمضان سنة اثنتين وستين وست مئة. وفيها توفي المحدِّث أبو جعفر أحمد بن محمد بن صابر القيسي المالّقي شابًّا بمصر، وإسماعيل بن صارم الكِناني الخيّاط، وقاضي حمص صالح بن أبي الشِّبْل، والقاضي عماد الدين عبد الكريم بن الحَرَستاني،

стр. 55

وضياء الدين علي بن محمد بن الباليسي المحدِّث، ومحمد بن إبراهيم البابشَرْقي، وفيها محيي الدين أبو بكر محمد بن محمد بن سراقة الشاطِبي بمصر، والملك الأشرف موسى بن المجاهد إبراهيم صاحب حمص، والحافظ رَشيد الدين يحيى بن العطَّار بمصر، والجمال يوسف بن يعقوب الإرْبِلي الذَّهَبي، والقُدوة الزاهد أبو القاسم بن منصور القَبّاري شيخ الإسكندرية. ٣٧ - ابن الحَرَسْتاني * المفتي، قاضي القضاة، خطيب دمشق، عماد الدين أبو الفضائل، عبد الكريم ابن قاضي دمشق وشيخها جمال الدين أبي القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل بن علي، الأنصاري الخزرجي، الحَرَسْتاني الدمشقي الشافعي. ولد سنة سبع وسبعين. وسمع من: أبيه، وأبي طاهر الخُشُوعي، والقاسم بن عساكر، وحَنبَل، وجماعة، وفوَّته والدُه فما سمَّعه في صباه من يحيى الثقفي وابن صَدَقة. تفقَّه على والده، ودرَّس وأفتى وناظر، وولي قضاء القضاة بعد والده من جهة الملك العادل، ثم عُزل ودرَّس بالغَزالية مدة، وولي الخطابة، وكان ذا علم وجلالة، وتصوُّن وديانة، وسَمْت حسن، وقعد وولي مشيخة الدار الأشرفية بعد ابن الصلاح، وكان في ذلك مخالفةٌ لشرطها، فإنَّ الرجل لم يكن محدِّثًا فضلًا عن أن يكون حافظًا. حدَّث عنه: الدِّمْياطي، وابن الخبَّاز، وابن الزَّرَّاد، ومحيي الدين ابن

стр. 56

المَقْدسي، وكمال الدين محمد بن نصر الله بن النحاس، وبرهان الدين الإسكندراني، وجماعة. توفي في يوم السابع والعشرين من جمادى الأول سنة اثنتين وستين وست مئة، وولي المشيخةَ بعده الإمام شهاب الدين أبو شامة. ٣٨ - العطَّار * الشيخ الإمام العالم الحافظ المتقن المفيد، شيخ المحدِّثين، رشيد الدين أبو الحسين، يحيى بن علي بن عبد الله بن علي بن مُفرِّج، القرشي الأُموي، النابلسي ثم المصري المالكي العطَّار. ولد سنة أربع وثمانين وخمس مئة. وسمع من: أبيه، وعمه الشيخ أبي القاسم عبد الرحمن، وأبي القاسم البُوصِيري، وإسماعيل بن ياسين، وعلي بن حمزة، والأثير بن بُنان، وعبد اللطيف بن أبي سعد، والشهاب الغَزنَوي، ومحمد بن عبد المولى اللُّبْني، والعماد الكاتب، وابن نجا الواعظ، وفاطمة بنت سعد الخير، وحمّاد الحَرّاني، وعلي بن خلف الكوفي، ومحمد بن يوسف الآملي، وعلي بن المفضَّل الحافظ وأخذ عنه علم الحديث. وسمع بدمشق من: الكِنْدي، وابن الحَرَستاني، وابن مُلاعِب، وعدَّة، وبمكَّة والمدينة، وعمل "المعجم"، وروى الكثير وأفاد وجمع وصنَّف. وكان ثقة، حُجّة، متقنًا، مليحَ الخط، حسن الانتخاب. قال الشريف عز الدين (١): كان حافظًا ثبتًا، إليه انتهت رياسة الحديث

стр. 57

بالديار المصرية، وقف جميع كتبه، صحبتُه مدةً وسمعت منه. قلت: وروى عنه الدِّمْياطي، وأبو الحسين اليُونيني، وقاضي دمشق نَجْم الدين بن صَصْرَى، والشيخ شعبان، والزَّين عبد الرَّحيم السَّاعاتي، وعبد القادر الصَّعْبي، وأبو بكر بن عبد الرزَّاق الرَّسعَني، وداود بن يحيى الفقير، وعدد كثير. وولي مشيخةَ الكاملية بعد المُنذري، إلى أن توفي في جمادى الأول سنة اثنتين وستين وست مئة ﵀. وكان أبوه أبو الحسن عالمًا متيقِّظًا صالحًا، ولد سنة تسع وعشرين وخمس مئة، وسمع من أبي العباس ابن الحُطَيئة وعبد المنعم بن موهوبِ وجماعة. روى عنه ابنه والحافظ عبدُ العظيم مات سنة خمس عشرة وست مئة. ٣٩ - القَبّاري * الشيخ القُدْوة الإمام بركة المسلمين، أبو القاسم محمد بن منصور، الإسكندراني، المالكي القَبّاري الزاهد. مولده في سنة سبع وثمانين وخمس مئة، نقله قطب الدين اليُونيني. قال أبو شامة (١): كان مشهورًا بالزهد والورع، وكان في غَيطٍ له هو فلَّاحه، يخدمه ويأكل من ثمره وزرعه ويتورَّع في تحصيل بذره، حتى

стр. 58

حُكي: أنه كان إذا رأى ثمرة ساقطة تحت أشجاره لم يأكلها، خوفًا من أن يكون أتى بها طائر. اجتمعتُ به سنة ثمان وعشرين وست مئة، فصادفناه يستقي على حمار يسقي غيطَه من الخليج، فقدَّم لنا ثمرًا. قال: وحدَّثني القاضي ابن خلِّكان عن المجد بن الخليلي: أنَّ الأثات المخلَّف عن القبّاري ثمنه نحو خمسين درهمًا، بيع بنحو من عشرين ألفًا. قال الشريف عز الدين (١): هو أحد المشهورين بكثرة الورع والتحرِّي، والمعروفين بالانقطاع والتخلِّي، وترك الاجتماع بأبناء الدنيا، والإقبال على حالته، وطريقته قَلَّ أن يَقدِرَ أحد من أهل زمانه عليها، لا نعلم أحدًا في وقته وصل إلى ما كان عليه من خشونة العيش، والجِدِّ والعمل والانجماع، والتحرُّز من الرياء والسُّمعة، كان يزوره الملوك فمَن دونهم فلا يكاد يجتمع بأحدٍ منهم، وبالجملة لم يترك بعدَه مثلَه. قلت: كان قد غَلَبَ على نفسه في إفراط الورع، بحيث إنه يتورع عن أشياء لا يرتابُ فقيهٌ في إباحتها، وهو نوع من الوَسْواس المحمود، وغلبة الحال حاكمةٌ على العلم من بعض الزهاد، فيفعل ذلك ولا يوجبه على غيره، بل ولا على نفسه، ويذكرون قوله ﵇: "دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك" (٢)، وقوله ﵇ ورأى تمرة على فِراشه: "لولا أني أخشى أن تكون من الصَّدَقة، لأكلتُها" (٣)، فلولا ارتيابٌ وقع لهذا الشيخ لما بالغ في شيء من ذلك، وقد كان صادقًا في حاله مخلِصًا، كبيرَ القَدْر.

стр. 59

وللمجتهد أجران إن وافق السنّةَ، وأجرٌ واحد فيما خالفها لأنه حريصٌ جدًّا على اتباعها، مجتهد في فَكَاك رقبته ولا يوجب ذلك على غيره، فالله تعالى لا يسأله: لمَ لا أكلتَ كلَّ مباح؟ بل يسأله: لمَ أكلتَ الحرام؟ ويسأله: لمَ حرَّمتَ على عبادي ما أبحتُ لهم، مع علمك بإباحته؟ ويَعذِره فيما وقع منه بجهل، لا في تمام التورّع بالعلم، وذلك حال الأنبياء وأتباعهم، مع أنَّ لهم فيه شرائع وطرائق، كطريقة عيسى ﵇ في سِياحته وتركه للدنيا، وكطريقة سليمان ﵇ في التوسُّع من الدنيا، وكطريقة إبراهيم الخليل في قِرَى الضيف، وأكملُ الطرائق الطريقة المحمدية الحنَيفية السَّمْحة، من التنوع في الأمر مع التوسّط في الأشياءِ، فقد عزَّ المتَّبِعُ لها، العالمُ بتفاصيلها. لكن في هذه الأُمة أفراد من السادة لكلٍّ منهم نهج ومألوف وعادة واقتداء، فإذا تفكَّرتَ في أحوال كبراء الصحابة، وجدتَ كلَّ واحد منهم قد برز في حال من الأحوال؛ هذا في الجِدّ، وهذا في فنٍّ من العلم، وهذا في قول الحق المُرّ، وهذا في الزهد والتقلُّل، وهذا في البرّ والبذل في المعروف، وهذا في القيام، وهذا في العبادات والتهجُّد والخشوع، وهذا في الوضوء والنظافة ولزوم الصمت، إلى أمثال ذلك من الدِّين وأمور الخير، فلا تكن فظًّا غليظًا على أهل الخير، مع بِطالتك وكَسَلِك، واحذر بعملك الشُّبهة، نعم لا تجعل اجتهاد العباد والوَرِعين قدوةً وحُجّة، بل زِنِ الأعمال بالكتاب والسنة، وانظر إلى كبير حسنات المؤمن، ولا تعبث بغلطته المغفورة، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا. وقد رأيت مجلدًا لطيفًا في مناقب القبّاري ﵀، جمعها الشيخِ

стр. 60

ناصر الدين أحمد بن المنيِّر عالم وقته بالثَّغْر، قال: وقد كان الشيخ في مبدئه قد حُبِّب إليه سماعُ العلم وبُغِّض إليه تناولُ غير ميراثه من أبيه، فلا يُذكَر عنه في أمره أنه قَبِلَ من أحد لُقْمة، وكان يَحضُر مجالس العلم على ثِقَل سمعه، ثم يسأل من يعيد له بصوتٍ عال كلام المدرِّس. وكان قلَّ أن يدعو لأحد، فإذا طلب منه قال: ما تحتاج، وربما يقول: لا أشتهي لأحد إلّا خيرًا، وأودُّ لو كان كلُّ الناس على الخير. قال لي مرةً: يطلب أحدهم مني الدعاءَ بلسانه، ويظهر لي من قرائن أحواله أنَّ قلبه غافل، وأنَّ نفسه قاسية على نفسه، وكيف أرقُّ عليها وكيف أدخلها الرِّقة، قال: حضر عندي كبير في غاية البَذَخ وفاخر الملبوسِ وعلى الباب المراكب الثمينة، وبين يديه المماليك، وهو يتحدث مع رفيقه، ثم سألني الدعاءَ فأجريتُه على العادة، فناقشني فقال: يَصعُب عليه هذا، قلت: ألستَ تعلم أنَّ الدّعاء طلبُ الضعيف من الرَّب الرحيم؟ قال: بلى، قلت: أيُطلَب منه برِقَّة أم بقسوة؟ قال: برِقّة، قلت: ما أجدُها عليك ولا أجدها منك، فبأيِّ أدعو. وقال لي: أقمتُ زمانًا أصافحُ تمسُّكًا بالحديث، ثم وجدتُ النفس عند المصافحة تتصرّف في الإنسان، فرُبَّ من تبسطُ له الكفَّ بسرعة وآخر تتكلّف له فقلت: العدل خير من المصافحة، فتركتها، ومالكٌ يقول: ليست من عمل الناس، وربما قال: الأمر فيها واسع. قال: وجاء والي الإسكندرية، وقال: تأذن لي إذنًا عامًّا كلما أردتُ أن أجيء؟ قلت: لا آذنُ لك، لأنكم كالمَرَض. وقال: لو علمتُ أنَّ الملوك لا يأخذهم الغرورُ بإقبالي عليهم لأقبلتُ، ولو علمتُ قابلًا للنَّصيحة لأتيتهِ،

стр. 61

لمّا جاء الكاملُ خطر له أن يجيءَ إليّ وجاءت مقدِّمات وحُجَّاب، وأنا أسلُق فُولًا، فقلت لرجلٍ أن يُحالَ بيني وبينه، فلمّا وصل قال له ناصحٌ: المملكة عظيمة، إن أَذِنَ لك صرفَك كالآحاد، ونصحك بما لا تُطيقه، والمصلحة الاقتصارُ على الباب، فقال: حَصَلَت النيةُ، وانصرف. قال: قرأتُ على القَبّاري كثيرًا من "رسالة القُشيري"، فقال لي يومًا: ما أحب أن أسمع شيئًا خارجًا عن الكتاب والسُّنة، وكان يرجِّح كلام الفقهاء. إلى أن قال: وكان إذا سئل عن مسألة ذُكر فيها نصُّ مالك له سأَل عن دليلها، ويقف مع الكتاب والسنة. ولقد رأيته يدقِّق على الأذكياء، فإن لم يقدر رجع إلى الاحتياط بالترك أو بالتشديد على النفس، وكان كثيرًا ما يطلب مذهب أحمد، ويقول: كان صاحب حديث، ويذكر أنه سمع "مسنده" بمكة، وما أظنه سمع شيئًا فنسيه، وكان يحفظ "الجمع بين الصحيحين" من زمن الصِّبا. وكان قلَّ أن يتكلَّم إلّا مبتسِمًا، وكان إذا أقبل على مقدّمات الصلاة كأنه مصاب أصابه الألم والجُذَام. توفي في شعبان سنة اثنتين وستين وست مئة وهو في عَشْر الثمانين، وقد استوفيتُ سيرته في "تاريخ الإسلام". ٤٠ - ابن الأُستاذ * قاضي حلب وابن قاضيها، الإمام كمال الدين، أبو بكر أحمد ابن القاضي زَين الدين عبد الله ابن المحدث أبي محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن عُلْوان ابن الأُستاذ، الأَسَدي الحلبي، الشافعي. سمع ثابت بن مشرَّف، وجدَّه أبا محمد، وابن رُوزْبة، وعدّة، وحضر

стр. 62

عند الافتخار الهاشمي. ودَّرس وأفتى، ووليَ الحكمَ بعد عمِّه، وكان ذا سُؤدد وأفضال وتواضع، وجلالة عجيبة. كان شيخنا الدِّمْياطي ينوِّه باسمه لما أَوْلاه من الإحسان، وكان وافر الحرمة عند صاحب الشام الملك الناصر، فلما نُكِبت حلب، أصيب بماله وأهله ونَجَا، فسكن مصر ودرَّس بمدرسة منازل العزّ وبالهكّارية، وتوفي بعد أن سار لقضاء حلب وأقام بها أشهرًا. وتوفي في نصف شوّال سنة اثنتين وستين وست مئة عن نيِّف وخمسين سنة. روى عنه الدِّمياطي وغيره. ومات أبوه قاضي القضاة زَيْن الدين أبو محمد (١) في شعبان سنة خمس وثلاثين عن سبع وخمسين سنة، وكانت له جنازة مشهودة، ولي القضاء بعد ابن شدّاد، وأُرسل إلى بغداد. وحدَّث عن يحيى الثقفي وغيره، روى عنه مجد الدين بن العَديم، ومولاه علاء الدين سُنقر، وكان صدرًا معظَّمًا جامعًا للفضائل. قال فيه ابن النجّار: له أيادٍ يَعجِز عن حصرها قلمي، ويقصر عن شرحها كَلِمي، ما رأيت أكملَ منه. أخوه: قاضي القضاة، جمال الدين أبو عبد الله محمّد بن عبد الرحمن، ابن الأستاذ (٢).

стр. 63

ولد سنة أربعٍ وستين. وسمع من: جدِّه لأمّه عبد الصَّمد بن ظَفَر، وعمر بن علي الجُوَيني، ويحيى الثقفي. ناب عن أخيه وولي بعده القضاء، وكان ذا علم ودين وسُؤدد. روى عنه: جمال الدين بن الصابوني، وشهاب الدين الأبَرْقُوهي، وغيرهما. وقد سمع في في سنة تسع وستين من جدِّه عبد الصمد بن ظَفَر الخامسِ عشر من "الأفراد" للدارقُطْني؛ قال: أخبرنا جدّي ابن ظَفَر سنة تسعَ وستين، قال: أخبرنا طاهر ابن العَجَمي سنة عشرين وخمس مئة، أخبرنا أبو طاهر بن سَعُدون، أخبرنا الدارقطني؛ فذكر حديثًا. توفي بحلب في صفر سنة ثمان وثلاثين وست مئة. ٤١ - البابشَرْقي * الشيخ أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن معروف، الأنصاري الدمشقي، التاجر بجَيْرون. سمع الخُشُوعيَّ، وأحمد بن حيُّوس، والعماد الكاتب، وعبد اللطيف بن أبي سعد، وعدّة. روى عنه: الدِّمْياطي، وابن الخبَّاز، وأبو عبد الله بن الزَّرَّاد، وفاطمة بنت الرُّهاوي، ومحمد بن المُحِبّ، وآخرون. وكان يَجْبي الخَرَاج، ولم تُحمَد سيرته. مات في ربيع الأول سنة اثنتين وستين، وله ثمان وسبعون سنة.

стр. 64

٤٢ - ابن سُرَاقة * الإمام المحدِّث، شيخ دار الحديث الكاملية، مُحْيي الدين أبو بكر محمد بن محمد بن إبراهيم بن حسين بن سُراقة، الأنصاري الشاطِبيّ. مولده سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة. وسمع من: أبي القاسم أحمد بن بَقِيّ القاضي، وحجَّ وسمع ببغداد من عبد السَّلام الداهري، وعمر بن كَرَم، وأبي علي بن الجَوَاليقي، وشرف النساء بنت الآبنُوسي، وجماعة كثيرة، وولي الكامليةَ مُديدةً. روى عنه: الدِّمْياطي، وعلم الدين الدَّواداري، والشَّرف محمد بن النَّشْو القرشي، وغيرهم. وكان ذا فَهْم ونظر ولطف وتصوُّف وكرم أخلاق ومروءة، وله تواليف في التصوف لم أطالعها. وقد حدَّث عنه فخر الدين التَّوْزري بمكة بـ "الموطأ" بسماعه من ابن بقيّ. توفي في العشرين من شعبان سنة اثنتين وستين وست مئة، وهو الذي حَمَل ابن عزّ القضاة على كتب ابن العربي. ٤٣ - الحافظيُّ ** الأمير الكبير، زَيْن الدين سليمان بن المؤيَّد، العَقْربائي، الطبيب، عُرف بخدمة صاحب جَعبَر الملك الحافظ ابن العادل.

стр. 65

بَرَعَ في الطب، وشارك في الآداب، وفي علم الفلسفة، وعلت رتبتُه إلى أن أُعطيَ الإمرةَ في الدولة الناصرية بدمشق، فلم تكن الإمرةُ لائقةً به. أنشدني الرَّشيد الأديب لنفسه: قيل لي: الحافظيُّ قد أمَّروه … قلت: ما زال بالعُلا جديرا وسليمان من خصائصه المُلْ … ك فلا زال غَرْوَ أن يكون أميرا خبَّ وأَوضعَ زمن التتار، وسار رسولًا إلى هولاكو، وعمل وصالح، وحثَّ على الناصر الذي أمَّره. ذكره اليُونيني في "تاريخه" (١)، قال: وفي أواخر اثنتين وستين مَثَلَ الزَّينُ الحافظي بين يدي هولاكو وأحضره، وقال له: قد ثبت عندي خيانتُك وتلاعبُك بالدول، خدمت صاحب بَعلبَكَّ طبيبًا، وصاحب جعبر والناصر، فخنتَ الكلَّ، ثم أتيتَني فأحسنت إليك وكاتبتَ صاحب مصر. ثم قتله وقتل أولاده وأقاربه، فكانوا نحو الخمسين. وكان الظاهرُ أرسل كتبًا إليه حتى وقعت في يد هولاكو. قال الموفَّق بن أبي أُصيبِعة (٢): وما زال زينُ الدين في كل مَنصبٍ … له في سماء المجدِ أعلى المراتبِ إذا كان في طبٍّ فصدرُ مَحافلٍ … وإن كان في حربٍ فقلبُ الكتائبِ ثم قال: وما زال في خدمة الناصر يبعثه رسولًا، فاستماله هولاكو وتردَّد في الرّسلية، وطمَّع العدوَّ في الشام، فلما تملَّكوا عَظُمَ بدمشق ولُقِّب

стр. 66

بالملك زين الدين. قال اليونيني: أخذ البراطيل وخان وعَسَف، تحيّل عليه الظاهر وطلب أخاه العِماد الأشتر، فقرَّر له في الشهر خمس مئة، ثم طلب منه أن يكاتب الحافظيَّ بأن السلطان أثنى عليك وما لك عنده ذنب، ويلتمس منك المناصحةَ لنا، قال: فأخذ الحافظيُّ الكتبَ وأَراها القانَ وتنصَّل له، وتخيَّلَ منه، وكان الأشتر من المشهورين بالشهادات الباطلة. ٤٤ - ابن أبي الشِّبْل * الإمام العالم أبو البقاء صالح بن أبي بكر بن أبي الشِّبل بن سلامة، المصري السَّمَنُّودي الشافعي. عالم خيِّر حميد السِّيرة، كثير البِرِّ معمَّر. ولد سنة سبعين وخمس مئة. وسمع من: الحسن بن شُنيف ببغداد، ومن الكِنْدي وجماعة بدمشق، وحدَّث بعد العشرين قديمًا، وعمل قضاءَ حمص مدة. حدَّث عنه: الدِّمْياطي، والمجد الحُلْواني، ومحمد بن محمد الكنجي، والتاج صالح، وجماعة. مات في المحرَّم أو صفر سنة اثنتين وستين وست مئة بحمص. ٤٥ - ابن البالسي ** العدل المحدِّث الإمام، ضياء الدين علي بن محمد بن علي بن محمد

стр. 67

ابن منصور الدمشقي، ابن البالسي الشُّروطي، صاحب الخطِّ المنسوب. ولد سنة خمسٍ وست مئة. وأجاز له الكِنْدي، وسمع من: حمزة بن أبي لُقْمة، وابن البُنّ. ثم طلب بنفسه، وسمع من زين الأمناء ابن صَصْرَى، وابن الزبيدي، وفي الموسم من حسن ابن الزَّبيدي وابن القَطِيعي، وكتب وقرأ الكثير، وأسمع أولاده العدل عماد الدين وعبد الرحمن وعبد الله وحطيئة ونمير وحبيب. روى عنه: ابنه، والدِّمْياطي. مضى هو وابنه في شهادة إلى مصر، فأدركه الأجلُ بالقاهرة في صفر سنة اثنتين وستين وست مئة، وخلَّف أجزاءً كثيرة بخطه. ٤٦ - الجوكَنْدار * من كِبار أمراء دمشق، حسام الدين لاجِين العَزيزي. فارس بطل كبير القَدْر، له أثر كبير يوم وقعة حمص، وكان جوادًا محبًّا للفقراء، يجمعهم على السَّماعات التي يُضرَب بها المثل. قال اليُونيني (١): كان يَعْرَمُ على السماع مئة ألف درهم، وخلَّف تَرِكة عظيمة. يقال: كان يمدُّ سِماطات للفقراء ويخدمهم بيديه، ثم صحون الحلوى تبعث، ويسقي الفقراء، ثم يخلَع على جماعة. توفي سنة اثنتين وستين وست مئة.

стр. 68

٤٧ - ابن الكَمّاد * الحافظ الحُجَّة الواعظ، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد بن هارون، ابن الكمّاد السَّبْتي. روى عن أبي عبد الله التُّجِيبي نزيل تِلِمْسان، وأبي الحجّاج ابن الشيخ، وأبي ذرٍّ الخُشَني. ولد في حدود سنة ثمانين وخمس مئة. قال ابن الزُّبير: هو أحفظ من لَقِيته لحديث رسول الله ﷺ ، ولقد ذكر شيخنا أبو الخطّاب ابن خليل على جلالته وسِنّه: أنه لم يلقَ أحفظَ من ابن الكمّاد، وكان في حفظ الحديث آيةً من الآيات. قلت: يعني المتون لا الأسانيد. قال: ولما قَدِمَ أبو النَّعيم ابن راضية الواعظ، وَعَظَ على طريقة العراقيين بتطريب، فازدحم الناسُ على مجلسه بإشبيلية، فأنكر ذلك ابن الكمّاد وأبدى وأعاد، وجلس للتذكير على حِشْمة ورِقّة، وداوم على ذلك، وكان يعيش من صِلات الإخوان، فإن احتاج عرَّض في المجلس. وكان من محفوظاته "سنن أبي داود" بالأسانيد، وله رِحْلة. روى عنه: ابن الزُّبير، وأبو إسحاق الغافِقي. توفي سنة ثلاث وستين وست مئة عن نيف وثمانين سنة. وفي "صلة الصلة" لابن الزبير: كان ابن الكمّاد أحفظَ أهل زمانه، وأذكرَهم للرجال والجرح والتعديل، يقوم على الكتب الخمسة قيامًا

стр. 69

حسنًا، ويتكلم على أسانيدها ومتونها، ويستوفي خلافَ الفقهاء، وكان فيه إقدام على تغيير المنكر. ٤٨ - هولاكو * القان طاغية التتار، هولاكو بن تولي ابن ملك التتار جَنْكِزْخان المَغُلي. أصله من براري الصين مما يلي السِّند، فهم أعراب تلك النواحي، فطلب منهم ملك الخَطَا طاعته، فقوَّوا نفوسهم وامتنعوا، فقصدهم فحاربوه بعد سنة ست مئة فهزموه، وكان رأسهم القان جَنْكزخان جدّ هولاكو، وكان من دُهاة المغل وأبطالهم، فساق بهم حتى استولى على مملكة الخَطا والصين، واشتد بأسه وخافته الملوك، وطوى الممالك قتلًا وسبيًا، وأباد البلاد، وخرّب المدائن، واستأصل بلاد الترك ومملكة ما وراء النهر وبَلْخ ومَرْو ونيسابور وهَرَاة وخوارزم والعجم، وهزم الجيوش، وكاد أن يملك الدنيا، ولا يعرفون إسلامًا ولا ملة، ولا بهم رحمة، بل لَذَّتهم في سفك الدماء وإفناء بني آدم، وتخريب المعمور، وهم موصوفون بالشجاعة والإقدام على المهالك، وقوة الأبدان، وجَوْدة الرمي، وفَهْمٍ على بَلَادة، وفيهم دهاء ومكر، ولهم فكر وغُول (١)، فخافتهم الملوك، ودخلت بهم الرعايا، وعمَّت المصائب، وأرعبوا الخلائق، وتملك جنكزخان إلى أن مات في رمضان سنة أربع وعشرين وست مئة، فقام بعده أولاده، فاستمر بهم المُلك.

стр. 70

وفي سنة أربع وخمسين وست مئة سيّر القان مونكوقا صاحب الخَطَا أخاه هولاكو في جيش عظيم، وطئوا البلاد، وحاصروا قلعة الألَمُوتِ وأخذوها بأمان، ثم غدروا بصاحبها شمس الشموس الصَّباحي وقتلوه. وقال القطب اليونيني (١): كان هولاكو من أعظم ملوكهم، شجاعًا جَلودًا مدبِّرًا ذا همة عالية، وسطوة ومهابة ونهضة تامة، وخبرة بالحروب، ومحبة في العلوم العقلية، من غير أن يعقل شيئًا منها، واجتمع له فضلاء الوقت، وجمع حكماء مملكته وأمرهم أن يرصدوا الكواكب. قلت: غوّاه بذلك الطوسي الفَيلَسوف. قال: وكان يطلق لهم الأموال والبلاد وهو على قاعدة المغل في عدم التَّقيُّد بدين، لكنَّ زوجته تنصَّرت وكان سعيدًا في حروبه وحصاراته، طوى البلاد، واستولى على الممالك في أيسَر مدّة، وفتح خراسان وفارس وأذربيجان وعراق العجم وعراق العرب والجزيرة والشام، وديار بكر، والروم، وقتل خليفةَ الوقت وأكابر، دولته وقتل الناصر وأخاه الظاهر، وقتل الكامل صاحب مَيّافارقين، ويقال: إنه خطب بنت ملك الكُرْج، فأبت إلّا أن يسلم، فأسلم لافظًا بالشهادتين، نقل ذلك الظَّهير الكازَرُوني في "تاريخه"، وقد وقع بينه وبين ابن عمه القان بركة صاحب مملكة القَفْجاق، فالتقوا، وانهزم هولاكو، فأخذ يجمع العساكر ليلتقيه ثانيًا، فمرِض بعِلَّة الصَّرَع وهي تعتريه كثيرًا، وتعلل ومات في سنة ثلاث وستين وست مئة عن بضع وخمسين سنة، فأخفَوا موته وصبَّروه، ووُضع

стр. 71

في تابوت وملّكوا ابنه أباقا (١). وكان موت هولاكو سابع ربيع الآخر سنة ثلاث وستين، وخلَّف تسعة عشر ذكرًا: أبغا الذي تمّلك، وأشموط، وتمشين، وتكشي، وأجاي، ويستز، وأحمد، ومنكوتمر، وباكودر، وتُغابي دمر، وأرغون. وقُتِل أبوه تولي في مصافٍّ بينه وبين جلال الدين سنة ثماني عشرة وست مئة. قلت استولى على قلعة الألَمُوت، ثم على قزوين، وفِرَبْر، ومَلَك الناحية، وإقليم الروم، ثم قصد العراق وهمَذَان، ومرّ بحُلْوان. وفي تاسع المحرَّم سنة ست وخمسين وست مئة أحاطوا بجانبي بغداد، فخرج إليهم العسكر مع الدُّوَيدار، فالتقوا بقنطرة الحربيَّة يوم تاسوعاء، فانهزموا، وقُتل خلق من التتار، ثم صاحب المغول، وحالوا بين العسكر وبين البلد، ومزقوهم. ثم نزلت التتار وراء الجانب الغربي، وعملوا أسوارًا على دجلة، تمنعهم من أهل الجانب الشرقي، ورموا بالنُّشَّاب، فوقع سهم صغير بدار الخلافة، فانزعج المستعصم، ونزل هولاكو تجاه السور في رابع عشر محرم، فشرعوا في حفر خندق عليهم وبناء سور، وقعد الناس على سور البلد في السلاح، ثم دار بهم رَشْقٌ، فلا ينفع نُشّابهم ونُشّاب العدو يُنكي. ثم بَرَزَ الوزير في عدد فمنع الناس من الرمي، وقال: الحال يصلح. فبقي نحو ثلاثة أيام ودخل، ثم رجع يوم سادس عشر وخرج عبد الرّحمن ابن الخليفة، ثم إنَّ الوزير أخرج الخليفة يوم ثامن عشر من المحرَّم والدُّوَيدار

стр. 72

وسليمان شاه ثم الأمراء وأحمد ابن الخليفة في ثاني صفر وبُذِلَ السَّيف في البلد في خامس صفر، ودام طوفان الدماء، وقُتل الخليفة يوم رابع عشر صفر، ودفن وعَفَى أثره، وقتل ابنه أحمد وله خمس وعشرون سنة، وابنه عبد الرَّحمن وله ثلاث وعشرون سنة، وسَلِمَ في الأسر ابنه مبارك وبناته فاطمة وخديجة، ومن ثَمَّ بقي يعمل السيف تسعة وثلاثين يومًا. وللشمس الكوفي: يا صاحبِي ما احتمالي بعدَ بُعدِهمُ … أشِرْ عليَّ فإنَّ الرأي مشتركُ عزَّ اللقاءُ وضاقت دونه حِيَلي … فالقلب في أمره حيرانٌ مرتبكُ أرُومُ صبرًا وقلبي لا يطاوعني … وكيف ينهض مَن قد خانه الوَرِكُ يا نكبةً مانجا من صَرْفها أحد … من الورى فاستوى المملوك والملِكُ تمكَّنَت بعد عزٍّ من أحبّتنا … أيدي الأعادي فما أبقَوا ولا تَرَكوا رَبْعُ الهداية أمسى بعد أُنسهم … معطَّلًا ودم الإسلام منسفكُ والشِّرك معتبَرٌ والمُلك منكسرٌ … والحق مستتِرٌ والسّتر منهتكُ أين الذين على كل الورى حَكَموا … أين الذين وَلُوا أين الأُلَى هلكوا أجابني الطَّلَل ورَبْعُهم الخالي … نعم هاهنا كانوا وقد هلكوا لا تحسبوا الدمعَ ما في الخدود جرى … وإنما هي رُوح الصّمت تنسبكُ وسَلِم أهل الكوفة، فإن أعيانهم توصّلوا إلى القان على لسان الحداد التاجر، فسَلِموا، وسلمت البصرة لعدم تمكّن المغل من العبور إليهم، لمكان المد والجزر، وخربت (١) نصارى القرى من القتل، فكان من

стр. 73

قال للتتار: هواركون، رفعوا عنه السيف، وسَلِمَ من انضمَّ إليهم، وامتلأت بغداد من المُرّاق، وبقي الأطفال يتقلبون في الوحل إلى أن يموتوا، وجرى من الأهوال ما لا يعبَّر عنه، وأعلن الجائليق بضرب الناقوس، وسكر بدار الدُّوَيدار، فللَّه الأمر. قال أبو شامة: قدم نحو المئتين من التتار إلى المسلمين، وذكروا أنَّ هولاكو كسره ابن عمه بَرَكة، فهرب عسكر هولاكو وشُتِّتوا، وأخبروا أنَّ ملك التتار الأكبر منكوخان توفي، وقام بعده أخوه غزي بكو، وكان أخوهما الأكبر قبلاي فاقتتلا، وهزموا عسكره، فلما سمع هولاكو عزَّ عليه وكره تملك غزي بكو، فسار والتقى بركة. وأخبرني من أثق به: أنه اجتمع ببعض غلمان من كان في أسر التتار بحضرة صاحب حمص الأشرف، فقال: إنه حضر كسرة بركة لهولاكو، فقتل ابنه، فحشد هولاكو فالتقى بركة بناحية شروان، فقُتل من الفريقين خَلْقٌ عظيم، وانكسر هولاكو، وبقي السيف يعمل في جنده أيامًا، فهرب إلى قلعة أذربيجان، وقطع الطريق إليها، وبقي كالمحبوس فيها. قلت: وأما قتلته فإنه استعجل أمره. وتملّك وامتدت أيامه ثلاثين سنة، وداره خان بالق أُم الخَطا (١)، وهو كالخليفة يحكم على ملوك التتار. ٤٩ - أبو العَشائر * العدل الجليل، نجيب الدِّين أبو العشائر، فراس بن علي بن زيد،

стр. 74

الكِنَاني العَسْقلاني الدِّمشقي التاجر. روى عن: عبد اللَّطيف، والخُشوعي، والقاسم بن عساكر. وعنه: الدِّمياطي، وابن فَرْح، وابن الخبَّاز، والدَّوَاداري، ومحمد بن المُحِب، وابن الزّرَّاد، وعدَّة. توفي في شعبان سنة ثلاث وستين، وله ثمانون سنة. حدَّث بمصر أيضًا. ٥٠ - البانياسي * العدل الفقيه، نظام الدين أبو محمد، عبد الله بن يحيى بن الفضل بن الحسين، البانياسي الدمشقي، الشافعي. وُلد سنة تسع وسبعين. وسمع من: الخُشوعي، وابن أبي سعد، والقاسم بن عساكر، وحَنْبَل. وارتحل فسمع من أبي أحمد بن سُكَيْنة، ويحيى بن الرَّبيع الفقيه. وكان ذا عِلمٍ وعمل، وأُقعِد، وتحمّل مدة مرض الفالج، ومات ببستانه عند بركة الجُمَّيْزِي. حدَّث عنه: ابن الحلوانية، وابن الخبَّاز، ومحيي الدين بن المقدسي، وشمس الدين بن الزَّرَّاد، وعلاء الدين بن الشاطبي، وآخرون. توفي في سابع صفر سنة ثلاث وستين وست مئة. ٥١ - ابن مَسْدي ** العلامة الحافظ المُقْرئ الأوحد ذو الفضائل، جمال الدين أبو بكر

стр. 75

محمد بن يوسف بن موسى بن يوسف بن مَسْدي، الأَسَدي المُهلَّبي الغَرْناطي المجاوِر. صاحب التصانيف، ويعرف قديمًا بابن البابش، بموحدتين ثم معجمة. ولد سنة نيِّف وتسعين، ولبس الخِرْقة من جدّه الشيخ موسى في سنة اثنتين وست مئة، ومن الأمين عبد اللَّطيف بن النَّرْسي، لبّسه بغرناطة عن الشيخ عبد القادر. وسمع في سنة ثمان وست مئة وبعدها - وهلمّ جرًّا - بالأندلس، وبمدائن المغرب، وبمصر والشام والحجاز، وعمل "معجمه" في ثلاث مجلدات كبار، و"كتاب المناسك" في مجلدين، وتواليفه تنبئ بإمامته بالقراءات والحديث والفقه والخلاف، وله يدٌ باسطة في الإنشاء والبلاغة، وجودة النظم، وله أوهام في الحديث لُيِّن من أجلها، ومن أجل تشيُّعٍ فيه وذمٍّ لبني أميّة، بل ونال من أم المؤمنين عائشة لأجل وقعة الجمل، فمُقِت لذلك، وامتنع شيخنا رضيُّ الدين الطبري من الرواية عنه. حدَّث عن: ابن العديم، وأبي القاسم بن بقي، وأبي محمد ابن الأستاذ الحلبي، والفخر الفارسي، ومحمد بن العماد، والحسين بن صَصْرَى، وابن صبَّاح، وطبقتهم. روى عنه الدُّوَيْداري، ومجد الدين الطبري، وشرف الدين الدِّمْياطي. وحكى لي عفيف الدين بن المَطَري عن التَّقي المَعمَري قال: سألت أبا عبد الله بن المغربي المَزَاليّ عن ابن مَسْدي فقال: ما نُقِم عليه غير كلامه في أم المؤمنين عائشة. ثم حدَّثني العفيف: أنَّ ابن مَسْدي كان يُداخل الزَّيديَّة فولَّوه خطابَة
следующие страницы →