في تابوت وملّكوا ابنه أباقا (١).
وكان موت هولاكو سابع ربيع الآخر سنة ثلاث وستين، وخلَّف تسعة عشر ذكرًا: أبغا الذي تمّلك، وأشموط، وتمشين، وتكشي، وأجاي، ويستز، وأحمد، ومنكوتمر، وباكودر، وتُغابي دمر، وأرغون.
وقُتِل أبوه تولي في مصافٍّ بينه وبين جلال الدين سنة ثماني عشرة وست مئة.
قلت استولى على قلعة الألَمُوت، ثم على قزوين، وفِرَبْر، ومَلَك الناحية، وإقليم الروم، ثم قصد العراق وهمَذَان، ومرّ بحُلْوان.
وفي تاسع المحرَّم سنة ست وخمسين وست مئة أحاطوا بجانبي بغداد، فخرج إليهم العسكر مع الدُّوَيدار، فالتقوا بقنطرة الحربيَّة يوم تاسوعاء، فانهزموا، وقُتل خلق من التتار، ثم صاحب المغول، وحالوا بين العسكر وبين البلد، ومزقوهم.
ثم نزلت التتار وراء الجانب الغربي، وعملوا أسوارًا على دجلة، تمنعهم من أهل الجانب الشرقي، ورموا بالنُّشَّاب، فوقع سهم صغير بدار الخلافة، فانزعج المستعصم، ونزل هولاكو تجاه السور في رابع عشر محرم، فشرعوا في حفر خندق عليهم وبناء سور، وقعد الناس على سور البلد في السلاح، ثم دار بهم رَشْقٌ، فلا ينفع نُشّابهم ونُشّاب العدو يُنكي. ثم بَرَزَ الوزير في عدد فمنع الناس من الرمي، وقال: الحال يصلح. فبقي نحو ثلاثة أيام ودخل، ثم رجع يوم سادس عشر وخرج عبد الرّحمن ابن الخليفة، ثم إنَّ الوزير أخرج الخليفة يوم ثامن عشر من المحرَّم والدُّوَيدار
стр. 72
وسليمان شاه ثم الأمراء وأحمد ابن الخليفة في ثاني صفر وبُذِلَ السَّيف في البلد في خامس صفر، ودام طوفان الدماء، وقُتل الخليفة يوم رابع عشر صفر، ودفن وعَفَى أثره، وقتل ابنه أحمد وله خمس وعشرون سنة، وابنه عبد الرَّحمن وله ثلاث وعشرون سنة، وسَلِمَ في الأسر ابنه مبارك وبناته فاطمة وخديجة، ومن ثَمَّ بقي يعمل السيف تسعة وثلاثين يومًا.
وللشمس الكوفي:
يا صاحبِي ما احتمالي بعدَ بُعدِهمُ … أشِرْ عليَّ فإنَّ الرأي مشتركُ
عزَّ اللقاءُ وضاقت دونه حِيَلي … فالقلب في أمره حيرانٌ مرتبكُ
أرُومُ صبرًا وقلبي لا يطاوعني … وكيف ينهض مَن قد خانه الوَرِكُ
يا نكبةً مانجا من صَرْفها أحد … من الورى فاستوى المملوك والملِكُ
تمكَّنَت بعد عزٍّ من أحبّتنا … أيدي الأعادي فما أبقَوا ولا تَرَكوا
رَبْعُ الهداية أمسى بعد أُنسهم … معطَّلًا ودم الإسلام منسفكُ
والشِّرك معتبَرٌ والمُلك منكسرٌ … والحق مستتِرٌ والسّتر منهتكُ
أين الذين على كل الورى حَكَموا … أين الذين وَلُوا أين الأُلَى هلكوا
أجابني الطَّلَل ورَبْعُهم الخالي … نعم هاهنا كانوا وقد هلكوا
لا تحسبوا الدمعَ ما في الخدود جرى … وإنما هي رُوح الصّمت تنسبكُ
وسَلِم أهل الكوفة، فإن أعيانهم توصّلوا إلى القان على لسان الحداد التاجر، فسَلِموا، وسلمت البصرة لعدم تمكّن المغل من العبور إليهم، لمكان المد والجزر، وخربت (١) نصارى القرى من القتل، فكان من
стр. 73
قال للتتار: هواركون، رفعوا عنه السيف، وسَلِمَ من انضمَّ إليهم، وامتلأت بغداد من المُرّاق، وبقي الأطفال يتقلبون في الوحل إلى أن يموتوا، وجرى من الأهوال ما لا يعبَّر عنه، وأعلن الجائليق بضرب الناقوس، وسكر بدار الدُّوَيدار، فللَّه الأمر.
قال أبو شامة: قدم نحو المئتين من التتار إلى المسلمين، وذكروا أنَّ هولاكو كسره ابن عمه بَرَكة، فهرب عسكر هولاكو وشُتِّتوا، وأخبروا أنَّ ملك التتار الأكبر منكوخان توفي، وقام بعده أخوه غزي بكو، وكان أخوهما الأكبر قبلاي فاقتتلا، وهزموا عسكره، فلما سمع هولاكو عزَّ عليه وكره تملك غزي بكو، فسار والتقى بركة.
وأخبرني من أثق به: أنه اجتمع ببعض غلمان من كان في أسر التتار بحضرة صاحب حمص الأشرف، فقال: إنه حضر كسرة بركة لهولاكو، فقتل ابنه، فحشد هولاكو فالتقى بركة بناحية شروان، فقُتل من الفريقين خَلْقٌ عظيم، وانكسر هولاكو، وبقي السيف يعمل في جنده أيامًا، فهرب إلى قلعة أذربيجان، وقطع الطريق إليها، وبقي كالمحبوس فيها.
قلت: وأما قتلته فإنه استعجل أمره.
وتملّك وامتدت أيامه ثلاثين سنة، وداره خان بالق أُم الخَطا (١)، وهو كالخليفة يحكم على ملوك التتار.
٤٩ - أبو العَشائر *
العدل الجليل، نجيب الدِّين أبو العشائر، فراس بن علي بن زيد،
стр. 74
الكِنَاني العَسْقلاني الدِّمشقي التاجر.
روى عن: عبد اللَّطيف، والخُشوعي، والقاسم بن عساكر.
وعنه: الدِّمياطي، وابن فَرْح، وابن الخبَّاز، والدَّوَاداري، ومحمد بن المُحِب، وابن الزّرَّاد، وعدَّة.
توفي في شعبان سنة ثلاث وستين، وله ثمانون سنة. حدَّث بمصر أيضًا.
٥٠ - البانياسي *
العدل الفقيه، نظام الدين أبو محمد، عبد الله بن يحيى بن الفضل بن الحسين، البانياسي الدمشقي، الشافعي.
وُلد سنة تسع وسبعين.
وسمع من: الخُشوعي، وابن أبي سعد، والقاسم بن عساكر، وحَنْبَل. وارتحل فسمع من أبي أحمد بن سُكَيْنة، ويحيى بن الرَّبيع الفقيه.
وكان ذا عِلمٍ وعمل، وأُقعِد، وتحمّل مدة مرض الفالج، ومات ببستانه عند بركة الجُمَّيْزِي.
حدَّث عنه: ابن الحلوانية، وابن الخبَّاز، ومحيي الدين بن المقدسي، وشمس الدين بن الزَّرَّاد، وعلاء الدين بن الشاطبي، وآخرون.
توفي في سابع صفر سنة ثلاث وستين وست مئة.
٥١ - ابن مَسْدي **
العلامة الحافظ المُقْرئ الأوحد ذو الفضائل، جمال الدين أبو بكر
стр. 75
محمد بن يوسف بن موسى بن يوسف بن مَسْدي، الأَسَدي المُهلَّبي الغَرْناطي المجاوِر.
صاحب التصانيف، ويعرف قديمًا بابن البابش، بموحدتين ثم معجمة.
ولد سنة نيِّف وتسعين، ولبس الخِرْقة من جدّه الشيخ موسى في سنة اثنتين وست مئة، ومن الأمين عبد اللَّطيف بن النَّرْسي، لبّسه بغرناطة عن الشيخ عبد القادر.
وسمع في سنة ثمان وست مئة وبعدها - وهلمّ جرًّا - بالأندلس، وبمدائن المغرب، وبمصر والشام والحجاز، وعمل "معجمه" في ثلاث مجلدات كبار، و"كتاب المناسك" في مجلدين، وتواليفه تنبئ بإمامته بالقراءات والحديث والفقه والخلاف، وله يدٌ باسطة في الإنشاء والبلاغة، وجودة النظم، وله أوهام في الحديث لُيِّن من أجلها، ومن أجل تشيُّعٍ فيه وذمٍّ لبني أميّة، بل ونال من أم المؤمنين عائشة لأجل وقعة الجمل، فمُقِت لذلك، وامتنع شيخنا رضيُّ الدين الطبري من الرواية عنه.
حدَّث عن: ابن العديم، وأبي القاسم بن بقي، وأبي محمد ابن الأستاذ الحلبي، والفخر الفارسي، ومحمد بن العماد، والحسين بن صَصْرَى، وابن صبَّاح، وطبقتهم.
روى عنه الدُّوَيْداري، ومجد الدين الطبري، وشرف الدين الدِّمْياطي.
وحكى لي عفيف الدين بن المَطَري عن التَّقي المَعمَري قال: سألت أبا عبد الله بن المغربي المَزَاليّ عن ابن مَسْدي فقال: ما نُقِم عليه غير كلامه في أم المؤمنين عائشة.
ثم حدَّثني العفيف: أنَّ ابن مَسْدي كان يُداخل الزَّيديَّة فولَّوه خطابَة
стр. 76
الحرم، وكان يُنشئ الخُطَب في الحال، وغالب كتبه بأيدي الزّيديَّة.
وأراني العفيف قصيدة لابن مَسْدي من ست مئة بيت، ينال فيها من معاوية وذويه.
ومن أوهامه: تخريجه لابن الجُمَّيزي عن شُهْدةَ من رابع "المَحامِليات"، ولم يسمعه.
وخرّج عن ابن ناصر بإجازته عن عبد الواحد المليحي وما أدركه أبدًا.
وخرّج لأبي الفضل ابن الخبّاز حديثًا عن عبد الله بن بَرِّي ما سمعه منه، وحاققه على ذلك عبيدٌ الحافظ، وطالبه بيانًا بالأمر، فما وجده، وكتب غلطًا ولم يتعمد.
ومَسدي، بالفتح، ومنهم من ضمّه ونوّن.
ونقل أبو محمد الدِّلاصي أنه غضَّ من عائشة.
ورأيت له "مناقب أبي بكر الصدِّيق" في مجلَّد بالأسانيد نقلت منه نفائس.
قُتِل ابن مَسْدي في بيته غِيلةً، وذهب دمه هدرًا في شوال سنة ثلاث وستين وست مئة، وله نحو من سبعين سنة.
ومن نظمه ما كتب إلينا الفقيه عبد الله بن محمد الطبري، أنه قرأ عليه:
يا ذا الذي لم يَزَل في مُلكه أزَلًا … ماذا أقول ولا أُحصي الثناءَ ولا
علوت قدْرًا فما قدْرُ العقول وقد … عقَلْتها فيك عن مفهوم قولِ علا
لاهُمَّ فينا دليلٌ منك يُرشدنا … إليك لم نتحرف عن حرف من وإلى
فلا طريق إلى تحقيق معرفةٍ … إلّا لمجهلةٍ حيث المجاز فلا
حمّى منيعٌ فلا يرقى لمَعقَلِه … إلّا بسُلَّم تسليمٍ لمن عقَلا
стр. 77
سبحانك الكلُّ دلَّ الكلَّ منك على … معنى الخصوص فحسبُ العلم ما جهلا
يا أوّلًا لا لحدٍّ بل لبَدْأتِنا … يا آخِرًا لا انتهاءً بل لنا فبلى
عرَّفتني بك إذ عرَّفتني بي في … ضَرْب المثالِ فلم أضرِب لك المَثَلا
حصلتُ منك على كنز اليقين فما … يفنى على الدَّهر بالإنفاق ما حَصَلا
مَن ظلَّ يحسِب أعراضًا يعدِّدُها … فحسبيَ اللهُ لا أبغي به بَدَلا
قال اليَعْمَري الحافظ: قرأتُ على عَلَم الدين الدُّوَيداري، أخبرنا أبو عبد الله بن يوسف الصفراوي، أخبرنا ابن عماد، فذكر حديثًا. كذا دلَّسه له الدَّوَيداري، كنَّاه باسم ولدٍ له ونسبه إلى أبي صفرة فقال: الصفراوي.
وممن كان يعظِّم ابنَ مَسْدي شيخُنا ابن دقيق العيد.
٥٢ - الزَّين *
خالد بن يوسف بن سعد بن حسن بن مُفرّج بن بكّار، الشيخ الإمام العالم المحدِّث المُتقِن، الحافظ اللُّغوي، زين الدين أبو البقاء، النابلسي الدمشقي.
مولده بنابلس في سنة خمس وثمانين وخمس مئة ونشأ بدمشق.
سمع من: بهاء الدين القاسم بن عساكر، ومحمد بن الخَصِيب، وحَنبَل الرُّصافي، وعمر بن طَبَرزَد، والكِنْدي، وعدّة. وببغداد من: الحسين بن شُنَيف، وعبد العزيز بن الأخضر، وابن مَنِيْنا، وطبقتهم.
وحصّل الأصول المُتقَنة، ونظر في العربية واللغة، وحفظ "الفصيح"، وقيَّد كثيرًا من أسماء الرجال، وكان فطنًا ذكيًا، حلو النادرة، متطبعًا، وله
стр. 78
صورة كثيرة، ونوادر سائرة، وكان الملك الناصر يكرمه ويحبه.
حدَّث عنه: الشيخ محيي الدين النّووي، والشيخ تاج الدين الفَزَاري، وأخوه الشَّرف، وتقي الدين بن دَقيق العيد، والشيخ أبو عبد الله المُلَقِّن، والبرهان الذّهبي، والكمال محمد بن النحّاس، وصالح بن عَرَبْشاه، ومحيي الدين بن المقدسي، وعلاء الدين بن غانم، وأخوه، وعدّة.
وكان يَجْبَه الناسَ بالحقِّ وفي المزاح ولا يهاب أحدًا، وكان أعرج قصيرًا، أسمر، يلبس قصيرًا.
توفي إلى رحمة الله في سَلْخ جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وست مئة.
يقال: إنه حضر ليلةً عند الناصر، فقام شاعر يمتدحه، فقام الزين خالد فقلع سراويله وخَلَعه على الشاعر، فتضاحكوا.
٥٣ - القاضي نجم الدين *
أبو نصر فتح بن موسى بن حمّاد، الجزيري ثم القَصْري الشافعي الأصولي.
مولده بالجَزيرة الخضراء سنة ثمان وثمانين وخمس مئة.
ونشأ بقصر كُتَامة، وقرأ النحو فسمع من الجُزُولي "قانونه"، وقدم دمشق سنة عشر، فسمع من الكِنْدي، وأخذ الكلام بحماة عن السيف الآمِدي، ودرَّس برأس عين، ونظم "المفصّل"، و"إشارات" ابن سينا، ونظم "السيرة النبوية" على قافية رائية في اثني عشر ألف بيت، وله عدة تصانيف، وكان من كبار الفضلاء.
стр. 79
له:
حَلَبٌ مُذْ حللتُها حلّ فيها … عينُ رأسي والقلب في رأس عينِ
هي في القلب لا بلِ القلبُ فيها … جَمَعَ الله بين قلبي وعيني
درَّس بالفائزية وأسيوط، وولي القضاء.
مات بأسيوط في جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وست مئة.
٥٤ - بدر الدين السِّنْجاري *
العلّامة قاضي القضاة، بدر الدين أبو المحاسن، يوسف بن الحسن، السِّنجاري الزَّرْزاريُّ الشافعيّ.
ولي قضاء بعلبك وغيرها، فكتبوا له حينئذٍ قاضي القضاة.
قال اليونيني (١): كان يسلك ببَعْلَبك من التجمّل والخيل والمماليك ما لا يسلكه الوزراء الكبار، ثم عاد إلى سِنْجار وولي قضاءها، وهي للملك الصالح، فلما نازله صاحب المَوصِل لؤلؤ، وكاد أن يسلِّمها، نزل القاضي في الليل من السُّور، وسار إلى الخُوَارِزْمِيَّة، وركب الأهوال، فاجتمع بالخُوارزمية واستمالهم ومنّاهم، فأقبلوا معه، وأقبل أيضًا المغيث ولد الصالح من حرّان، فرحل لؤلؤ هاربًا، وأُخذت أثقاله، فعظم بهذا السِّنجاري عند الصالح. فلما تسلطن وَفَدَ إليه، ففرح به وأكرمه وولَّاه قضاء مصر مع الوجه القِبْلي، ثم ولي قضاء القاهرة وعظُم مَحَلُّه.
وقد تكلم فيه فخر الدين ابن شيخ الشيوخ ونسبه إلى الرِّشْوة، فكتب
стр. 80
على ورقته السلطانُ: يا أخي فخر الدين، للقاضي بدر الدين عليَّ حقوق عظيمة، أقوم بشكرها.
وتولى بدر الدين أيضًا تدريس الصالحية، وباشر الوزارة، ثم عُزِل في دولة الظاهر، ولزم بيته مع وفور حرمته، وترداد الكبار إليه.
وكان جوادًا كريمًا، تامّ المروءة، مقصدًا، حجَّ وقام بمكة، وكان كثير الأموال من المترفين.
مات في رجب سنة ثلاث وستين وست مئة، عن خمس وثمانين سنة.
٥٥ - ابن يَغمُور *
ملك الأمراء، جمال الدين أبو الفتح موسى بن يغمور بن جلدك الياروقي.
مولده بالصعيد في سنة تسع وستين وخمس مئة.
وكان أميرًا جليلًا، جوادًا شجاعًا، عالمًا، حازمًا، خبيرًا بالأمور، تنقَّلت به الأحوال، وناب بديار مصر للسلطان نَجْم الدين مدَّة، ثم استنابه بدمشق، فلما تملَّك المُعِزّ كاتبه واستماله، فلم يجبه، فلما قدم صاحب حلب وغلب على دمشق حلف له، واعتمد عليه الملك الناصر، ولم يكن له نظير سوي ناصر الدين واقف القَيْمُريّة.
وكان محسنًا إلى الذي كان مملوكَه، وهو علاء الدين البُنْدُقدار الصالحي، أستاذ السلطان الملك الظاهر، وكان محسنًا أيضًا إلى الملك الظاهر حال إمرته، فلما تسلطن الظاهر اشتغل عنه ثم أقبل عليه، ورَعَى
стр. 81
له أياديه، وصيّره أستاذ داره بمصر، وكان وافر الحشمة، صائب الفِراسة، كثير البذل للفقراء، متودِّدًا إلى الكبراء.
سمع من: الفخر الفارسي، وابن المقيَّر، وحدَّث باليسير.
قال ابن واصل: كان علاء الدين أيدكين البندقدار من كبار الأمراء، فقبض عليه أستاذه الملك الصَّالح وأخذ غلمانه، فمنهم رُكن الدين بَيْبَرس الذي تملَّك، المشهور بالبندقداري. قال: وكان أيدكين المذكور مملوكًا قبل الصالح لجمال الدين بن يغمور.
قلت: من عجيب الاتفاق أنَّ أستاذ السلطان يصير أستاذ داره.
مات في شعبان سنة ثلاث وستين وست مئة برمل مصر عند الغزالي وحمل فدفن بمصر.
٥٦ - أبو يحيى الأندلسي *
الإمام المحدِّث الأديب مسند الأندلس، الوزير أبو يحيى عبد الرحمن ابن القاضي أبي محمد عبد المنعم ابن المحدِّث محمد بن عبد الرحيم بن محمد بن الفَرَس، الأنصاري الخَزْرَجي الأندلسي.
أخذ عن أبيه ولازمه، وعن أبي الحسن بن كَوثَر، وعبد الحقّ بن بُونُه، وابن عُبيد الله الحَجْري، وأبي خالد بن رِفاعة، وتفرَّد عنهم.
وأجاز له من مصر أبو القاسم البُوصيري، وجماعة.
ذكره أبو جعفر بن الزُّبير في "برنامجه" وأثنى عليه، وقال: كان ذاكرًا لما يقع في الإسناد من مشكلات الأسماء، ويدري كثيرًا من مُشكِل الحديث
стр. 82
وغريبه، له مصنف في غريب القرآن، وأسمَعَ الحديث طول حياته. قال: وكانت فيه غفلة قصُرَت به عن قضاء بلده وخطبته، واستحكمت به بأخرةٍ، وله عقار يقوم به. ولد سنة أربع وسبعين وخمس مئة.
وقال في "تاريخه": هو وأبوه وجدّه وجد أبيه مشارٌ إليهم، وله أصول وأمَّهات يرجع إليها.
أخذ عنه الأستاذ أبو عبد الله بن الطَّرّاز وجماعة. ولقد رأيت إجازته لأبي عمر بن حَوْط الله في سنة سبع وتسعين وما زال يروي إلى هذا الوقت.
روى عنه: أبو عبد الله بن سعد، وأبو عبد الله الطَّنْجالي، وأبو عبد الله الأبّار، وأبو العباس بن فَرْتون، وجمال الدين بن مَسْدي، والبِلِّفيقي.
قال: ولازمتُه وأكثرتُ عنه، توفي سنة ثلاث وستين وست مئة.
قلت: هذا كان مُسنِدَ عُمُرِه بتلك الديار.
٥٧ - ابن طِعَان *
الشيخ سِراج الدين، أبو عمر عبد الرحمن بن أحمد بن ناصر بن طِعَان، البُصْرَوِي ثم الدمشقي، الطَّرِيفيّ الصفَّار.
سمع كأخيه عبد الله من: الخُشوعي، وعبد اللطيف بن أبي سعد.
وعنهما: ابن الخبَّاز، والعِماد بن البالِسي، والبدر بن التَّوَّزي، وابن الزَّرَّاد، وخلق.
مات السِّراج في أول ذي القعدة سنة ثلاث وستين بدمشق.
ومات أخوه أبو بكر عبد الله في سنة ست وستين في شوالها.
стр. 83
ونسبتهم إلى طريف أحد الأجداد.
ومات في سنة ثلاث: النِّظام ابن البانياسي، والمحدِّث معين الدين إبراهيم بن عمر بن عبد العزيز القرشي الزَّكَوي، وعزُّ الدين أيبَكِ الحَمَّالي مولى الحَمَّال المصري، وأبو إسحاق الكمّاد محدِّث سَبْتة، والزين خالد بن يوسف، والنِّظام، والشرف عثمان بن عبد الوهّاب بن السابق كاتب الحُكْم بدمشق، وعلي بن سليمان بن أحمد السَّعْدي، والشارعي بن المغربل، وأبو يحيى عبد الرَّحمن النحوي، وأبو نصر فتح بن موسى القَصْري، والنجيب فراس بن علي العسقلاني، والحافظ أبو بكر محمد بن يوسف بن مَسْدي الأندلسي، والأمير جمال الدين يوسف بن يغمور، والقان هولاكو المَغُلي، وبدر الدين السِّنجاري القاضي.
٥٨ - ابن صَصْرَى *
الصدر الكبير، شرف الدين عبد الرَّحمن ابن الشيخ أمين الدين سالم ابن الحافظ الإمام أبي المواهب الحسن بن هِبَة الله بن صَصْرَى، التَّغلبي الدِّمشقي.
ولد سنة إحدى وسبعين وخمس مئة.
وسمع من: حَنْبَل، وابن طَبَرزَد، ويحيى بن عبد الملك، ومحمود بن هبة الله.
ولي الوزارة، ونظر الدواوين، وله برٌّ ومعروف.
روى عنه: العِماد بن البالِسي، والنَّجْم بن الخبَّاز، وجماعة.
стр. 84
وتوفي في شعبان سنة أربع وستين، ودفن بسفح قاسيون بقريته.
وهو والد الصاحب جمال الدين إبراهيم الذي ولي الحِسْبة، ثم نظر الدواوين، ثم مات في الكهولة سنة تسع وتسعين وست مئة.
٥٩ - أخوه *
الصدر الجليل، بهاء الدين الحسن بن سالم.
كان ديِّنًا، مَهيبًا، مَلِيح الشكل، لم يدخل في ولاية.
وروى عن: عمر بن طَبَرزَد، والكِنْدِي، وجماعة.
روى عنه: ابن أخيه قاضي القضاة نَجْم الدين، وابن الخلّال، وابن البالِسي، والدِّمْياطي، وجماعة.
مات قبل أخيه بأشهر في صفر سنة أربع.
٦٠ - أخوهما **
القاضي الجليل، عماد الدين أبو عبد الله محمد بن سالم.
ولد سنة ثمان وتسعين وخمس مئة.
وسمع من: الكِنْدِي، وعبد الله بن طاووس، وابن أبي لُقْمة.
روى عنه: ابنه نَجْم الدين، وأبو الحسن العطَّار، والنَّجْم بن الخبَّاز، والدِّمْياطي، وآخرون.
وكان وافر الحِشْمة، ظاهر النِّعمة، وليَ مناصب دينية، وكان محِبًّا
стр. 85
للحديث، ذا تديُّنٍ وصلاحٍ ومُروءة.
توفي في ذي القَعدة سنة سبعين وست مئة.
وهو والد الصاحب أثير الدين سالم، وقاضي القضاة، ومُسندِة الوقت أسماء.
٦١ - ابن الدَّرَجيّ *
الشيخ الفقيه العالم، صفيُّ الدين أبو الفضل، إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى بن علويّ، القرشي الحنفي، عرف بابن الدَّرَجيّ.
ولد في سنة اثنتين وسبعين وخمس مئة.
وسمع من: عبد الرَّحمن بن علي بن الخِرَقي، ومن منصور بن أبي الحسن الطبري، وأسماء بنت الرّان. وبالموصل من أبي الحسن علي بن هَبَل، وعبد المحسن بن الطوسي.
وخرَّج له أبو عبد الله البِرْزالي "مشيخة"، رواها مرَّات.
حدَّث عنه: التاج صالح الجعبري، والبدر بن التَّوَّزيّ، والنجم بن الخبَّاز، والشمس بن الزَّرَّاد، ومحمد بن المُحِبّ، وعدّة.
وهو والد البرهان إبراهيم.
مات في ربيع الأول سنة أربع وستين وست مئة.
٦٢ - ابن شُعيب **
الإمام المقرئ المحدِّث، جمال الدين أبو العباس، أحمد بن عبد الله
стр. 86
ابن شُعيب بن محمد التميمي الصَّقِلِّيُّ الأصل، الدمشقي، اللَّيثي الذهبي.
ولد سنة تسعين وخمس مئة.
وسمع من: القاسم بن عساكر الحافظ، والكِنْدِي، وأبي الفتوح البَكْري، وتلا بالسبع على السخاوي ولازمه، وكان قارئ الحديث بمجلسه، وكان فصيح العبارة، له معرفة باللغة والأدب والشعر، صحب ابنَ الصَّلاح أيضًا، ووقف دارَه على المالكية.
وقد أنكِر على ابن سَنِيّ الدولة تعديله.
خلَّف أشياء نحو مئة ألف، وصار ذلك إلى بيت المال، فالله يسامحه.
قيل: كان يُرابي، ويُخلّ بالصلاة، وتزوج بنت السخاوي.
وقد حدَّث عنه: القاضي تقي الدين سليمان، وشمس الدين الدِّمْياطي، والنّجْم بن الخبَّاز.
مات ببيته بالعزيزيّة في جمادى الأولى سنة أربع وستين وست مئة.
٦٣ - العَزِيزي *
كبير الأمراء، جمال الدين أيْدُغْدي، التُّرْكي العَزِيزي.
كان ذا فضلٍ، ورأيٍ، وشجاعةٍ وإقدامٍ، وبرٍّ كثيرٍ وصدقات، يُخرج في العام نحو مئة ألف درهم في القُرَب، وكان لا يتجاوز لبس النَّصِيفيّة (١)، ويتأدَّب مع الصُّلحاء.
стр. 87
حضر مرة سماعًا فحصَلَ منه ومن أتباعه للجَوْقة (١) ستةُ آلاف درهم.
وقد حبسه الملك المُعِز مدةً، ثم أُخرج نَوْبةَ عين جالوت، وكان الملك الظاهر يحترمه ويستشيره.
خرج في الغزاة فتعلَّل، وتوفي ليلة عرفة بدمشق، ودفن بالرِّباط الناصري سنة أربع وستين وست مئة.
٦٤ - المُوقاني *
الإمام المحدِّث، جمال الدين محمد بن علي بن عبد الجليل بن عبد الكريم، المُوقاني ثم المَقْدِسي، نزيل دمشق.
روى عن: أبي القاسم بن الحَرَسْتاني، وفِتْيان الشاغوري، والشيخِ الموفَّق، وأبي علي الأَوَقيّ، وعدَّة.
وعُنِيَ بالرواية، وكتب الكثير، وله مجامع حسنة.
روى عنه الدِّمْياطي في "معجمه".
توفي فجأة في ذي القعدة سنة أربع وستين وست مئة.
٦٥ - ابن البُرْهان **
الشيخ الأمين العدل الرئيس المسند، رضيّ الدين أبو إسحاق، إبراهيم ابن الشيخ برهان الدين عمر بن مُضَر بن محمد بن فارس بن إبراهيم، المُضَري البُرْزي الواسطي، التاجر السَّفَّار.
ولد بواسط في سنة ثلاث وتسعين وخمس مئة.
стр. 88
وسمع "صحيح مسلم" بنيسابور من منصور الفُرَاوي، و"موطأ أبي مُصْعَب" من المؤيَّد الطُّوسي، وحدَّث بمصر ودمشق واليَمَن.
وكان شيخًا جليلًا مَهِيبًا، حَسَنَ الهيئة، له أموال وبِرٌّ وصدقات، وفيه سكون وديانة وأمانة.
وبُرْزا: قرية من عمل واسط.
حدَّث عنه: الشيخ محيي الدين النَّووي، والدِّمْياطي، وعلي بن محمد الإرْبلي، وبرهان الدين رئيس المؤذِّنين، والفقيه أحمد بن أنس، وإمام الدين محمد بن الشَّرَف الناسخ، وكمال الدين محمد بن النحَّاسِ، والعماد أحمد بن اللَّهيب المصري، والأمين أحمد بن محمد القَسْطلّاني، وأخوه الكمال محمد، وإبراهيم بن علي بن الخِيَمي، ومحمد بن زكريا السُّوَيْداوي، والمفتي أحمد بن محمد بن العَسْقلاني، وخلقٌ كثير.
توفي بالإسكندرية في حادي عشر رجب سنة أربع وستين وست مئة، وله إحدى وسبعون سنة.
وسمعت أبا محمد البِرْزالي في مجلسه وهو يقول: هو شيخ جليل، ديِّن، مُحِبٌّ، له اجتهاد ونُسُك ظاهر، من أماثل الناس وشرفائهم، انتسب له رجلٌ مكِّيّ إلى النبيِّ ﷺ ، وسرد نسبه وهو يسمع، فأعطاه ألف دينار، وقال: هذه هدية منِّي إلى رسول الله ﷺ حضر مجلسه جمع كثير.
٦٦ - قارئ مصحف الذهب *
الشيخ الجليل، معين الدين أبو الفضل، عبد الله بن محمد بن عبد الوارث
стр. 89
ابن الأزرق، الأنصاري المصري، ويعرف بقارئ مصحف الذهب.
ذكر أنه سمع "الشاطبية" من الناظم، وحدَّث بها مرات، وأنه قرأها على الشاطبي، وتلا عليه، رواها عنه الشيخ حسن الراشدي، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وبدر الدين بن الجَوْهري، وبدر الدين التاذِفي وغيرهم.
وآخر ما سُمِعَتْ منه في شعبان سنة أربع وستين وست مئة.
وهو أخو الشيخ أبي الحسين عبد الله بن الأزرق، وعمُّ المحدِّث صدر الدين محمد بن عبد الله بن الأزرق الصوفي المغسّل، أحد الطلبة، فمات الصدر هذا قبله بأشهر.
حدَّث عن: مُكرَم بن أبي الصَّقْر، وطبقته.
ومات في سنة أربع: الزاهد الشيخ أحمد بن سالم المصري شيخ العربية بدمشق، والجمال أحمد بن عبيد الله بن شعيب الذهبي، والصفي إسماعيل بن إبراهيم بن الدَّرَجي الدِّمشقي، وأيْدغْدي العَزيزيّ جمال الدِّين، والعدل بهاء الدين الحسن بن سالم بن الحسن بن صَصْرَى، وأخوه شرف الدين عبد الرَّحمن بعده بأشهر، وعبد الرَّحمن بن مَعَالي أبو عيسى المطعِّم، وعبد العزيز بن ناصر السِّمْسار صاحب البُوصيري، ومحمد بن عبد الجليل المُوقانيّ ثم المَقْدِسي، وآخرون.
٦٧ - بركة *
ابن توشي بن جنكزخان، صاحب دَسْت القَفجاق وصحراء سوداق وخُوَارزم وسراي، وهو ابن عمِّ هولاكو، فهو القان الكبير بركة بن توشي
стр. 90
ابن جنكزخان.
تملّك هذا الإقليم في سنة أربع وست مئة، وقهر الترك القَفجاقية، وقتل وسبى، وفي آخر أيامه أسلم هو وجماعة من أمرائه، وبعث رسولًا إلى السلطان الظاهر، ففرح بذلك وجهز إليه رسلًا وتُحفًا في البحر على مملكة الإسطنبول، فسُرَّ بقدومهم وأكرمهم، ثم حارب ابنَ عمه وانتصر.
قال اليونيني (١): كان بركة يميل إلى المسلمين، وله عساكر عظيمة، ومملكته تفوق مملكة هولاكو من بعض الوجوه، وكان يعظِّم العلماء، ويعتقد في الصَّالحين، ولهم عنده حرمة، ومن أعظم الأسباب في وقوع الحرب بينه وبين هولاكو، كونه قَتَل الخليفة المستعصم ظلمًا، وكان يميل إلى صاحب مصر، ويعظِّم رسله، توجّه نحوه طائفة من أهل الحرم، فبرَّهم ووصلهم، وأسلم كثير من جنده، وعملوا مساجد في الخيم بأئمةِ ومؤذنين.
قال (٢): وكان شجاعًا جوادًا حازمًا عادلًا حَسَن السِّيرة، وكره الإكثار من سفك الدماء، والإفراط في تخريب البلاد، وعنده حلم ورزانة وصفح، يعني أنه خير من هولاكو.
قال: ومات في عَشر الستين، سنةَ خمس وستين وست مئة، وتملّك بعده مَنْكُوتمر بن طُغَان بن سرطق بن توشي بن جنكزخان، فجهز جيوشه لحرب أبغا، فعمل أبْغَا على نهر كور جسرين من سلاسل عظيمة، وسار إلى جهة مَنكُوتمر، وسار حتى نزل على النهر الأبيض، فعدّى
стр. 91
مَنكُوتمر ونزل من جانبه الشرقي، ونزل أبغَا من جانبه الغربي، وتهيّؤوا للّقاء، فحرك أبغا كُوساته، وقطع النهر على مَنكُوتمر، ثم تحامى عسكر مَنكُوتمر بعد الهزيمة وكرُّوا، فثبت لهم أبغا، ودام القتال إلى الليل، وانتصر أبغا، وهمَّ جيشه بنزوله على نهر كور، ثم شاور أمراءه في عمل سور من خشب على هذا النهر، فأشاروا بذلك، فقاس النهر، وذلك من حدِّ تَفْليس، وجعل في جزء كل مقدَّمِ مئةٍ عشرين ذراعًا، فأسرعوا في عمله، ففَرَغ في أسبوع، وجعل عنده تُرْكًا دائمًا.
ويقال: إنَّ عسكر مملكة بَرَكة - التي هي اليوم لأُزُبَك خان - يكونون أزيد من مئتي ألف فارس، ولا تزال الوحشة بينه وبين أولاد هولاكو، وهم في الغالب يحرِّشون بهؤلاء، وهؤلاء لا يطمعون في دخول مدينة سراوس إلى أولئك، وقد فشى الإسلام وعلا في الفريقين، ولله الحمد، فكان في ظهور التتار تمحيص وشهادة لأمم لا يحصيهم إلّا الله، وقد حُتفوا، وكان في ذلك انتشار الإسلام في قبائل الأتراك والمغول، وأسلم منهم أمم عظيمة وجاء أولادهم مسلمين، ولله أسرار في قضائه وقدره.
وقد ذكرنا مسير بركة إلى باب شيخ خراسان الباخَرْزي وكيف أسلم على يده.
٦٨ - أبو شامة *
الإمام العلّامة المجتهد الحافظ ذو الفنون، شهاب الدين أبو القاسم، عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان، المَقدسي ثم الدمشقي، الشافعي المُقْرئ المحدِّث النَّحْوي.
стр. 92
ولد سنة تسع وتسعين وخمس مئة.
وتلا بالسَّبع سنة أربع عشرة على الشيخ عَلَم الدين السَّخَاوي، وسمع "الصحيح" من داود بن مُلَاعب والشمس أحمد بن عبد الله العطَّار عن أبي الوقت، وسمع "مسند الشافعي" من الشيخ موفَّق الدين بن قُدامة.
وارتحل إلى الإسكندرية وأخذ بها عن المُقْرئ أبي محمد عيسى بن عبد العزيز بن عيسى، وحُبِّب إليه طلب الحديث بعد أن بَرَعَ في القراءات والعربية والفقه والأصلين، فسمع لأجل أولاده من كريمةَ القرشية وإبراهيم بن الخُشُوعي وطائفة، وصنَّف شرحًا نفيسًا لـ "حرز الأماني"، واختصر "تاريخ دمشق" مرتين، وعمل في التاريخ وفي الفقه وغير ذلك، وألَّف في البسملة مجلدًا وسطًا يقضي له بالأهليّة والبراعة، وكان ملازمًا لطلب العلم وتأليفه، وإلى أن مات.
فيه سكونٌ وانجماعٌ عن الناس، وقناعةٌ، واطِّراحٌ للتكلُّف، ثم وليَ مشيخة الإقراء بالتُّربة الأشرفية، وتدريس مدرسة صغرى، ثم وليَ مشيخة دار الحديث الأشرفية.
ونُشرت فضائله، وكان على حاجبه شامةٌ كبيرة فاشتَهَر بأبي شامة.
أخذ عنه مشايخنا شرف الدين الفَزَاري وبرهان الدين الإسكندري وشهاب الدين حسين الكَفْري وزين الدين أبو بكر المِزِّي وعلي بن يوسف المقرئ وآخرون.
وله كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، و "شرح الحديث المقتفى في مبعث المصطفى"، وكتاب "ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري"، وكتاب "السِّواك"، وكتاب "كشف حال بني عُبيد" أصحاب
стр. 93
مصر، و"مقدمة في النحو"، و"مفردات القرّاء"، و"أصول الأصول"، و"شيوخ البيهقي"، و"شرح القصائد النبوية" للسَّخَاوي، وتصانيف جمّة شَرَعَ فيها ولم يتمَّها.
وغَلَبَ عليه الشَّيب، فذكر أنه بدأ به الشيبُ وله خمس وعشرون سنة، وكان ذا تواضع حكى لي من رآه راكبًا بهيمةً بين مدوّرين.
وله تأليف بديع في رد قواعد السنن إلى الأمر الأول، وكتاب "المرشد الوجيز في مسائل تتعلق بالكتاب العزيز" ونظم كتاب "المفصَّل".
وكان بينه وبين قوم شنآن، فلما كان في جمادى الآخرة من سنة خمس وستين وست مئة أتاه اثنان جبليّان إلى بيته بحِكْر طواحين الأُشنان، فدخلا في هيئة مستفتٍ، فضرباه وأثخناه وكاد أن يَتلَف، وذهبا، فصبر واحتسب، وقال:
قلت لمن قال: أمَا تشتكي … ما قد جَرَى فهو عظيمٌ جليلْ
يقيِّضُ الله تعالى لنا … من يأخذ الحقَّ ويشفي الغليلْ
إذا توكَّلنا عليه كَفَي … فحسبُنا الله ونعمَ الوكيلْ
تُوفِّي إلى رحمة الله في تاسع عشر رمضان من سنة خمس وستين، ودفن بمقبرة باب الفراديس، وهو معدود في أذكياء العلماء.
وفيها مات الخطيب كمال الدين أحمد بن أحمد بن أحمد المَقْدسي عن ستٍّ وثمانين سنة، والقدوة الشيخ إسماعيل بن محمد الكورانيَ، وبركةُ ملك القَفجاق، وناصر الدين حسين بن عزيز الأمير واقف القَيْمُرِيَّة، وقاضي القضاة تاج الدين عبد الوهّاب بن خلف العَلَامي ابن
стр. 94
بنت الأعزِّ كهلًا، وتاج الدين علي بن أحمد بن القَسْطلّاني، ومحمود الدَّشْتي الزاهد، والشمس يوسف بن مكتوم القيسي الحبّال، ومصنّف "الحاوي" نجم الدين القَزْويني.
٦٩ - القَيمُرِيّ *
ملك الأمراء، ناصر الدين أبو المعالي، حسين بن عزيز بن أبي الفوارس، الكُردي القَيمُري، صاحب المدرسة القَيمُرية والدار التي شرقيّها بالخُرَيميِّين.
كان من أكبر الأمراء وأجلِّهم رتبةً، وأنفذهم كلمةً، وأكثرهم أقطاعًا، وكان فارسًا شجاعًا رئيسًا، كثير المعارف والمروءة، هو الذي ملَّك الملك الناصر دمشق، وكان والده الأمير شمس الدين من جِلّة الأمراء.
توفي ناصر الدين مرابطًا بالساحل في ربيع الأول سنة خمس وستين وست مئة.
فأما واقف المارستان بالجبل فهو الأمير الكبير سيف الدين ابن صاحب قَيمُر (١)، كان أحدَ الأبطال، توفي في نابُلُس في سنة ثلاث وخمسين (٢)، ونُقل إلى القُبّة التي شماليّ المارستان، ﵀.
٧٠ - القَسْطلّاني **
المفتي، تاج الدين علي ابن الزاهد القُدْوة أبي العباس أحمد بن عليّ
стр. 95
ابن محمد بن ميمون، القَيْسي المصري المالكي، المعدَّل، ابن القسطلّاني.
سمع بمكة من: زاهر بن رُسْتم، ويحيى بن ياقوت، ويونس الهاشمي، وابن البَنّاء، وبمصر من مطهَّر بن أبي بكر البيهقي، وعلي بن المفضَّل الحافظ، وعدّة.
ودرَّس بالمدرسة المجاورة للجامع العتيق، ومشيخة الكامليّة بعد الرَّشيد العطَّار، وكان إمامًا عالمًا ديِّنًا عابدًا حسن الأخلاق، محبًّا للحديث.
روى عنه: الدِّمْياطي، والدَّواداري، وقاضي القضاة ابن جَمَاعة، وعبد المحسن بن الصابوني، وعبد الله بن علي الصِّنهاجي، وزَهْرة بنت الخُتَني.
وهو أخو الشيخ قُطْب الدين رحمهما الله.
توفي في سابع عشر شوّال سنة خمس وستين وست مئة، وله سبع وتسعون سنة وأشهُر.
٧١ - ابن خطيب بيت الآبار *
العَدْل المسنِد، ضياء الدين أبو الطاهر يوسف بن عمر بن يحيى بن عمر بن كامل، الزُّبيدي المقدسي الكاتب، ابن خطيب بيت الآبار.
مولده سنة إحدى وثمانين وخمس مئة.
وسمع من: إسماعيل الجنزَوي، وبركات الخُشوعي، والقاسم ابن الحافظ، وحنبل، وابن طَبرزَد.
روى عنه: الدِّمْياطي، وأبو علي بن الخلَّال، وجماعة.
وهو أخو الخطيب الكبير عماد الدين داود وأبي حامد عبد الله، وقد
стр. 96
ناب والدُهم في دولة الملك العادل في خطابة جامع دمشق لمّا ذهب في رسليّته الخطيب الدَّوْلعي، وهو أخو الخطيب الموفَّق محمد.
الضياء توفي يوم الجمعة يوم النَّحر سنة خمس وستين وست مئة.
ومات أخوه الخطيب الموفَّق محمد بن عمر سنة إحدى وسبعين، يروي عن: حَنبَل وابن طَبَرزَد، حدَّث عنه: ابن الخبَّاز وابن العطَّار وعدّةِ.
٧٢ - المرتضى *
ملك المغرب، أبو حفص عمر ابن الأمير أبي إبراهيم بن يوسف، المُؤْمِني القَيسي.
وليَ المغرب بعد المُعتضِدُ علي بن إدريس سنة ست وأربعين، وكان ملكًا وادعًا، فلما كان في المحرم سنة خمس وستين وَثَبَ على مرَّاكُش ابن عمه أبو دبّوس الواثق بالله إدريس بن محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، وفرَّ منه المُؤْمني إلى آزمُّور، فجاءه أميرها وقبض عليه، وأرسل بذلك إلى أبي دبُّوس، فأمره بقتله، فقتله في ربيع الآخر سنة خمس، وتملك أبو دَبُّوس ثلاثة أعوام، وبهلاكه انتهت دولةُ آل عبد المؤمن، وقامت دولة بني مَرِين.
٧٣ - خطيب الأَقصى **
الإمام الزاهد العابد الخطيب، كمال الدين أحمد بن نِعْمة بن أحمد بن جعفر، المقدسي النابُلُسي، الشافعي، خطيبُ بيت المَقدِس.
ولد سنة سبع وسبعين وخمس مئة.
стр. 97
وقَدِمَ دمشق فاشتغل وسمع من: البهاء بن عساكر، والخبَّاز، وحَنْبَل، وعدّة.
وروى عنه: أولاده الأئمة شمس الدين وشرف الدين ومحيي الدين، والدِّمْياطي، وعلم الدين الدَّواداري، وقاضي القضاة الزُّرَعي.
وحدَّث أيضًا بمصر، وكان من العلماء العاملين مع الانقطاع والفكاهة، ثم تحوَّل إلى دمشق.
وتوفي في ذي القَعْدة سنة خمس وستين وست مئة، ودفن بمقبرة باب كَيْسان، وله ست وثمانون سنة.
٧٤ - الدَّشْتي *
المحدِّث الأَثري الزاهد الصادق، أبو محمد محمود بن أبي القاسم إسفنديار بن بدران بن أبيَّان، الدَّشْتي الإربِلِي.
سمع من: جعفر الهَمْداني، وابن المُقيَّر، والشيخ الضياء، وعدّة، وسمّع أولادَه.
وكتب وتعب، وخطُّه رديء الوضع، وكان فقيرًا يلبس فَرْوة حمراء، ويَقنَع بذلك، ويعمل بالآثار، وكان قوَّالًا بالحق، نهَّاء عن المنكر، داعيًا إلى اليقين، منتبذًا للمتكلمين، له محبّون لخيره وإخلاصه، ومبغضون في الطرف الآخر، وكان صابرًا على الفقر، ولمّا أَنكر على الملك الناصر يوسف، لَكَمَه السلطان وأُخرج، ثم إنَّ السلطان ندم وبعث يستعطفه، فقال: وددتُ أني أدخل عليه وأخاطِبُه بما خاطبتُه ويعود ويضربني.
стр. 98
وأنكر على الوالي وأضرابه، وقد ضربه بحلب نائبُها، فامتنع عن الدعاء للخليفة، وكان يُكثِر الصوم ويُفطِر على أربع عشرة لُقْمة يشبع بها، ويَأثُر ذلك عن عمر ﵁، وكان ينكر على الكُبَراء في المحافل، ويُغلِظ لهم ولا يقبل من أحد شيئًا، وكان خصومه يقولون: مجسِّم.
روى لنا عنه: ابن أخيه الشهاب المؤدّب، والدمياطي في معجمه".
توفي بمصر في رجب سنة خمس وستين وست مئة، وله نيِّف وستون سنة، ﵀
٧٥ - الطَّبَري *
الفقيه، أبو أحمد يعقوب بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم، الطَّبَري ثم المكّي، قدم والده من طَبَرِستان فجاور.
وسمع يعقوب من: زاهر بن رُسْتم، ويونس بن يحيى الهاشمي وطائفة.
روى عنه: ابن أخيه رضيّ الدين إبراهيم الإمام، والدِّمْياطي، وقاضي مكة نجم الدين بن المُحِبّ، وآخرون، وكان له ستة إخوة.
توفي في سلخ شعبان سنة خمس وستين وست مئة.
٧٦ - ابن مكتوم **
الشيخ شمس الدين أبو الحجّاج يوسف بن مَكْتوم بن أحمد بن سُليم، القَيْسي السُّوَيدي الحَوْراني ثم الدمشقي، الحَبّال المُقْرئ.
روى عن: الخُشُوعي، والقاسم (١)، وعبد اللطيف بن أبي سَعْد، وحَنبَل.
стр. 99
وعنه: البِرْزالي، والقاضي شرف الدين مُنيف، ومحمّد بن المُحِب، وابنا عَرَبْشَاه، وولده شيخنا صدر الدين إسماعيل، وكان صحيح السَّماع.
مات في ربيع الأول سنة خمس وستين وست مئة.
٧٧ - مصنِّف الحاوِي *
العلّامة شيخ الشافعية، نجم الدين عبد الغفار بن عبد الكريم بن عبد الغفار، القَزْويني الشافعي.
صاحب كتاب "الحاوي"، وكان من كبار العلماء بقَزْوِين، وصنَّف هذا المختصر لولده الفقيه جلال الدين محمد، فحفظه وبَرَعَ أيضًا في الفقه، ودرَّس وصنَّف، وعاش نحوًا من ثمانين سنة.
توفي الوالد نَجْم الدين في حدود سنة سبعين وست مئة، ثم حدَّثني الشهاب الواسطي: أنَّ صاحب "الحاوي" توفي في ثالث المحرم سنة خمس وستين وست مئة، وقد شاخ.
وتوفي ولده الجلال في سنة تسع وسبع مئة، حدَّثني بذلك الفقيه محمّد الأَنَسي الهمذاني، قال: ومن تلامذة صاحب "الحاوي" الشيخُ سعد الدين الجُوينيّ.
قلت: ولنجم الدين إجازة من عَفِيفة الفارفانيّة، روى عنه بالإجازة صدر الدين بن حَمّويه، وسمع منه الشيخ عزّ الدين الفارُوثي.
٧٨ - ابن بنت الأعزّ **
الصدر المعظّم قاضي القضاة تاج الدين أبو محمد عبد الوهاب بن
стр. 100
خَلَف بن بدر، العَلَاميّ المصري الشافعي، المعروف بابن بنت الأعزّ.
مولده سنة أربع عشرة وست مئة.
وسمع من: جعفر الهَمْدانيّ وغيره، وحدَّث، وكان إمامًا عالمًا فقيهًا ذكيًا فهمًا وقورًا، من رجال الكمال.
ذكره اليونيني في "تاريخه" (١) فقال: وليَ المناصب الجليلة كنظر الدواوين، والوزارة والقضاء، وتدريس الصالحية، وتدريس قُبَّةِ الشافعيّ، وكانت له الحُرْمة الوافرةُ عند الملك الظاهر.
وهو أحد العلماء المشهورين، له ذهنٌ ثاقب، وحَدْس صائب، وحزم وعزم، وحُجّة ورأي، جمع النزاهة المُفرِطة، وحُسن الطريقةِ والصلابة في الدين، والتثبُّت في الحكم، وتولية الأكفاء، لا يراعي ولا يداهن، ولا يقبل شهادة مريب، وكان قويَّ النفس بحيث يترفَّع على الصاحب بهاء الدين ولا يحتفل بأمره، ويَعظُم ذلك على الصاحب، ويقصد نكايتَه فلا يقدر، فكان يُوهِم السلطان أنَّ للقاضي أموالًا ومتاجر، وأنَّ تاجرًا أدّى ما يلزمه فوجدوا معه ألف دينار فأنكروا إخفاءها، فقال: هي وديعة للقاضي تاج الدين، فسأل الملكُ الظاهر القاضي، فأنكر أن يكون له بعبارة لا كذب فيها، بل قال: الناس يقصدون التَّجوُّه بالناس، وإن كانت لي فقد خرجتُ عنها لبيت المال، فأُخذت، فعُدَّ ذلك مع شُحِّه نُبلًا، ولم يبلغ الوزيرُ غرضَه من أذاه، من وبقيَ يتحيَّل أن يأتيه القاضي، فحُمّ فعاده القاضي، فلما دخل قام الوزير ونزل من الإيوان له، فلما رآه كذلك قال: بلغني أنك في مرض شديد، وأنت قائم، فالحمد لله، وسلام عليكم،
стр. 101
وخرج، وكان صَلفًا تيَّاهًا. خلَّف أولادًا نبلاء.
وتوفّي في رجب سنة خمس وستين وست مئة، ومات ابنه سنة ثمانين.
٧٩ - ابن الإمام *
السيد الحَسيب ابن الإمام، أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم عبد الرَّحمن بن علي، الحُسيني، من ذرية حسين بن زين العابدين.
كوفيُّ الأصل، ثم حلبي ثم مصري.
ولد سنة ثلاث وسبعين.
وقرأ القرآن والنحو والأصول، وسمع "السِّيرة" من الأَثير ابن بُنَان عن أبيه عن الحبّال، وسمع من جماعة متأخرين.
وكان ديِّنًا منقبضًا عن الناس، وافر الحِشْمة.
روى عنه: ابنه نقيب الأشراف الحافظ عز الدين، والدِّمْياطي، والشيخ شعبان، وعلي بن قُريش، وعبد الله بن علي الصَّنهاجي، وشمس الدين محمد بن القَمّاح وآخرون.
مات في صفر سنة ست وستين وله ثلاث وسبعون سنة.
٨٠ - ابن وَدَاعة **
الصاحب الكبير، عزُّ الدين عبد العزيز بن منصور بن وَدَاعة، الحلبي الرافضي.
стр. 102
وليَ خطابةَ جَبَلة، ثم انتقل ووليَ الشَّدَّ (١) بدمشق للملك الناصر، وكان يُظهِر نُسُكًا وتديُّنًا، ويقتصد في ملبوسه وأموره، فلما تملَّك الظاهرُ ولّاه وزارةَ الشام، ثم وقع بينه وبين النائب جمال الدين النَّجيبي وَحْشةٌ، فكان يُهِينه ويُسمعه ما يكره، مما يتعلَّق بالرفض، فكتب ابن وَدَاعة إلى السلطان يطلب مُشِدًّا تركيًّا، وظنَّ أنه يكون في تصريفه ويستريح من النَّجيبي، فرتَّب له السلطانُ عزَّ الدين الشُّقَيري، فوقع بينه وبين الشقيري، وبقيَ يهينُه أيضًا، ثم كاتب فيه الشُّقيريُّ، فجاء الأمر بمصادرته، فصُودِر، وعَصَرَه الشقيريُّ وضربه وعلَّقه في قاعة الشَّد، وباع أملاكه التي كان قد وقفها، وحَمَلَ شيئًا كثيرًا، ثم حُمِلَ إلى مصر، فمرض ودخل القاهرة مثقَلًا، ثم مات في آخر سنة ست وستين ولم يُعقِب.
وله أوقاف ومسجد بقاسيون، وقرية، وإليه يُنسَب المحدِّث علاء الدين الكِنْدي صاحب "التذكرة"، فإنه كان يكتب بين يديه. مات في عَشْر الثمانين.
٨١ - ابن الحُلْوانيَّة *
المحدِّث العالم، مجد الدين أحمد بن عبد الله بن المسلَّم بن حمّاد، الأزدي الدمشقي الشافعي، عُرف بابن الحُلْوانية.
وُلد سنة أربع وست مئة.
وسمع من: أبي القاسم بن الحَرَستاني، والشمس العطَّار، والعِماد (٢)،
стр. 103
والمسلَّم المازني، وابن صبَّاح، والشيخ الموفَّق، وعدّة بدمشق، وأحمد بن المُعِز، والكاشْغَري ببغداد، وعلي بن مُختار وطبقته بمصر، وطاووس وجماعة باليمن، وكتب الكثير، وعمل "المعجم الكبير" و "المعجم الصغير"، وحبَّس الأصول ووَقَفها.
وكان متوسط المعرفة، حسن البِزَّة، حُلْوَ المحاضرة، له حانوت بالخواتميِّين.
روى عنه: الدِّمْياطي، وابن الخبَّاز، وبنته زينب، وبنت المترجَم صفية والدة شمس الدين بن السَّرّاج.
توفي في حادي عشر ربيع الأول سنة ست وستين وست مئة.
٨٢ - بولص *
النَّصراني الكاتب الذي ترهَّب بمصر، وأقام بجبل حُلْوان، فقيل: وجد هناك كَنزًا في مغارة من دَفِين الحاكم، فواسى منه الفقراءَ والصعاليك من كل مِلَّة، وبالغ حتى اشتَهَر.
وكان قد أُحرق في سنة ثلاث وستين وست مئة بالباطلية من القاهرة حريقٌ كبير، ثم حريق آخر، ثم آخر وآخر، حرَّق ربع المنازل، فكانت توجد لفائف مشاق فيها الكِبْريت على الأسطحة، فعظم الخَطْب، واتُّهم النصارى، فعَزَمَ السلطان على استئصالهم، وأمر بجمع الحَلْفا في حفرة عظمى ليُحرَقوا، ثم كُتِّفوا ليُلقَوا فيها، فتشفَّع الأمراء فقالوا: اشتروا أرواحكم، فقُرِّر عليهم خمس مئة ألف دينار، وضَمِنهم الحَبيس، ثم إنَّ
стр. 104
الملك الظاهر طلبه ولاطَفَه ليَبذُلَه، فقال: لا سبيل إلى ذلك أبدًا، لكن تصل إليك أموالٌ من جهة المصادَرين ونحو ذلك فلا تَعجَل، فخلا به وحادَثَه، وهو كالكلب لا يجزع أصلًا، فضَمَرَ له وعذَّبه، حتى قُتل تحت العذاب ولم يُقِرَّ بشيء.
وقد أكل منه خلق ذهبًا كثيرًا حتى قيل: إنَّ مبلغ ما نقل إلى الخزانة من هذا في سنتين ست مئة ألف دينار، ضُبط ذلك بقلم الصَّيارفة الذين كان يجعل عندهم المال، ويكتب إليهم بأوراقه، هذا سوى ما اصطفى من ذلك وأعطى المحاويج، وما أَكَلَ من هذا المال، بل كان النصارى يتصدقون لمحبته بالقُوت، ولم يظهر له بعد قتله دينار، وكان يأتي الحبسَ ويُخرِج من عليه دَين، وقد توصل إلى الإسكندرية وأدَّى أموالًا عن أهل الذِّمة إلى الصعيد، وكان عجيبَ الحال، لعنه الله.
والظاهر أنه كان مخدومًا من الجنّ، وإلّا فلو كان يعطي من كَنز مَعِين لما فات رُجَّح الرجال، فإنَّ العيون تتطلع إلى من هو دون ذلك وتَتْبعُه، وأيضًا فذهب الدفاين تُستَغرب سِكّته وتُعرَف، وأهل مِلّته يظنون به الكرامة، حاشى وكلّا، فهذا الدجال الأكبرَ تتبعه كنوز الدنيا، وتطير معه الأموال طيرانَ النَّحْل، ولو كان هذا الأقلف مسلمًا لاشتدَّت بحاله سَفَهة الخلق، وقد جاءت السلطان فتاوى الفقهاء بقتله خوفَ الافتتان به من الثَّغْر.
وقيل: لما اشتدَّ عليه ألمُ العذاب قال: إن ضُرِبَت عنقي لم يعمل فيها سيف أبدًا، فضُربت عنقه، وقال ذلك ليستريحَ من التعذيب، سنة ست وستين وست مئة، وأُلقِيَ على باب القَرَافة، وربما نَدِمَ الظاهرُ على قتله.
стр. 105
٨٣ - ابن رشيق *
الفقيه نظام الدين، أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عَتِيق بن الحسين بن عَتيق بن الحسين بن عبد الله بن رشيق، الرَّبَعي المصري المالكي.
سمع البُوصِيريَّ والأَرْتاحي، وحدَّث عنهما بـ "الصحيحين".
روى عنه: الدِّمْياطي، وقاضي القضاة ابن جَمَاعة، والمصريُّون.
وكان جدُّه أبو الفضائل عَتيق من أعيان الأئمّة.
مات النِّظام في جمادي الآخرة سنة ست وستين، وله أربع وثمانون سنة.
٨٤ - صاحب الرُّوم **
السلطان ركن الدين قليج رسلان ابن السلطان كيخسرو بن كيقباذ، السُّلْجوقي التركي، صاحب الروم.
كان مع أبيه في مملكة التتار يتبع أوامر التتار، وكان من الضعفاء واهيَ المُلْك، لعلَّ من يكون أميرًا مفردًا أجلُّ منه وأحشَم، ثم إنَّ الوزير مُعين الدين البَرْواناه اتفق مع التتار الذين عنده فخنقوه، ثم أقاموا بعد ذلك ابنه غياث الدين صورةً وله أربع سنين، وكان ذلك في سنة ست وستين وست مئة، وكانت دولته نيِّف عشرة سنة، وكان أخوه عز الدين قد انتحا إلى النصراني صاحب قسطنطينيّة، ثم أخذه بركةُ سلطان التتر وانقضت أيام آل سلجوق ﵏.
стр. 106
قال المؤيَّد في "تاريخه": في سنة ثمان وستين جهَّز منكوتمر بن طغان - يعني الذي تسلطن على التتار بعد بركة - جيشًا، فأغاروا على قسطنطينية وعاثُوا، ومرُّوا بقلعة فيها الملك عز الدين كيكاوس ابن السلطان كيخسرو محبوسًا، فحملته التترُ بأهله إلى القان منكوتمر، فأحسن إليه وزوَّجه، وأقام معه إلى أن مات عز الدين سنة سبع وسبعين وست مئة، فسار ابنه مسعود هاربًا، وقدم إلى بلاد الروم وسلطنوه، لأنه حُمِل إلى أبغا فرَقَّ عليه، وأعطاه سيواس وأرزن الروم وأرزَنكان، ثم بعد ذلك انكَسَف، فسبحان من لا يزول ملكُه.
٨٥ - ابن قُدَامة *
الشيخ الإمام المفتي القُدْوة العابد الزاهد، خطيب الصَّالحية، عزُّ الدِّين أبو إسحاق إبراهيم ابن الخطيب الإمام شرف الدين أبي محمد عبد الله ابن الشيخ الرَّبّاني شيخ الإسلام أبي عمر محمد ابن الزاهد القدوة الشيخ أحمد بن محمد بن قُدَامة، المَقْدسى الجَمّاعيلي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي.
ولد سنة ست وست مئة.
وسمع من: أبي القاسم بن الحَرَسْتاني، وأبي اليُمْن الكِنْدي، وأبي عبد الله بن البَنّا، وابن مُلاعِب، وابن أبي لُقْمة، والشيخ الموفَّق، وابن البُنّ، والشمس العطَّار، وموسى بن عبد القادر، وعدّة، وسماعه من الكندي حضورٌ.
حدَّث عنه: الدِّمْياطي، والقاضي تقي الدين سليمان، وابن الخبَّاز،
стр. 107
وأبو عبد الله بن الزَّرّاد، وجماعة من الأخيار، وأجاز له أبو حفص بن طَبَرزَد، وطائفة، وكان عالمًا بمذهبه يعمل به، متقيًا لربه، صاحب تعبُّد وأوراد وتهجُّد ومراقبة، يُؤثَر عنه كرامات وإجابة دعوات.
قال النَّجْم بن الخبَّاز في ترجمته التي هي مجلَّدة: كان إذا دعا كان الطلب، يُشهَد بإجابة دعائه من كثرة ابتهاله وإخلاصه وتذلُّله وانكساره، وله أدعية تُؤثَر عنه، وكان أمّارًا بالمعروف، نهّاءً عن المنكر، يروح إلى الأماكن البعيدة بجماعتة فيُنكر ويبدِّد الخمر، رأيت ذلك منه غير مرة، قال: وكان ليس بالأبيض ولا الآدَم، معتدلَ القامة، واسع الجبين، أشقر اللحية، أشهل، مقرون، الحاجبين، أقنى الأنف.
قال الشَّرَف أحمد بن أحمد الفرضي: من عُمري أعرف الشيخَ العزَّ ما له صَبْوة.
وقال آخر: كان الشيخ العزّ إذا رأى أقلَّ الخلق ضحك في وجهه، وبَشَّ به، وتلطَّف به.
قال ابن الخبَّاز: كان يتألَّف الناس ويلطف بالغرباء والمساكين، ويواسيهم في بَليّتهم ويأخذهم إلى منزله، وكان يذمُّ نفسه كثيرًا ويحقرها ويقول: أيش أكون أنا؟ ويقول: يا ويلي من الله.
وقال البدر عليُّ بن أحمد: كان الشيخ العزُّ كثيرَ المعروف، لم يكن في جماعتنا أكثر صدقةً منه، وكان مجتهدًا في طلب العلم، حجَّ مرتين، وزار القدس مرات، وكان يسلِّم على الصغير والكبير، وقد أثنى عليه عدد من العلماء، وكان جوادًا سخيًّا بما يمكنه، ﵀.
عاش ستين سنة، وفي ذرّيته علماء ومشايخ، مات في تاسع عشر ربيع
стр. 108
الأول سنة ست وستين وست مئة.
وفيها توفي المحدِّث مجد الدين أحمد بن عبد الله بن الحُلوانيَّة، وأبو بكر نور الدين أحمد بن عبد المحسن الحُسيني والد الغَرّافي، وأيوب بن عمر الفقّاعيّ، والعزّ حسن بن الحسين بن المُهَيْر البغدادي، وأبو بكر عبد الله بن أحمد بن طعّان النَّحّاس، والنِّظام عثمان بن عبد الرحمن بن عَتيق، وعفيف الدين علي بن عبدْلان المترجم المَوصِلي، وصاحب الروم ركن الدين كيقباذ ابن السلطان غياث الدين كيخسرو، والشريف النسيب محمد بن عبد الرحمن بن علي الحسيني بمصر عن نيِّف وتسعين سنة.
٨٦ - الحَوْراني الزاهد *
الإمام القُدْوة العابد، تقي الدين أحمد بن عبد الواحد بن مرّي، المَقْدسي، عُرف بالحَوراني الزاهد، نزيل مكة.
سمع من: الافتخار الهاشمي.
روى عنه: الدِّمْياطي، والرضيّ الطَّبَري، وأحمد بن محمد بن عمر الحلبي، وآخرون.
قال شيخنا شرف الدين حسن بن علي اللَّخْمي: صحبته ليلًا ونهارًا بمكة، وكان خطيبًا عالمًا عاملًا، دائم الفكر، له كَشْف، ما يخطر لي خاطر إلّا كاشفني، وقال لي: كنت مُعِيدًا بالمستنصرية، وكنت أصوم وأفطر على ما يُرمَى، أغسله وأتناوله، واجتمعت ببغداد برجل مولَّه انتفعت به.
ولد التقيُّ في سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة، وتوفي بطَيْبة في رجب
стр. 109
سنة سبع وستين.
٨٧ - البَندَنِيجي *
العلّامة قاضي العراق، نِظام الدين عبد المنعم بن كامل البَندَنيجيّ الشافعي، قاضي الجانب الشرقي.
من كبار الأئمة، ولي القضاءَ بعد البادَرائي، فلما أُخِذَت بغداد أُقِرَّ على القضاء، وقد أعاد أولًا بالمستنصرية، ولما حضره الموتُ قيل له: من تَرى للحكم؟ قال: تقلَّدتُ حيًا، فلا أتقلَّد ميتًا. وكان صاحب ورع وفضل.
مات سنة سبع وستين وست مئة، ودُفن بقرب الجُنَيد.
٨٨ - ابن دَقيق العيد **
الشيخ الإمام شيخ المالكية، مجد الدين أبو الحسن، علي بن وهب بن مُطيع، القُشَيري البَهْزي بهزُ بن حَكيم، المِصري المَنفَلوطي، المالكي. مفتي قُوص ومدرِّسُها.
وُلد سنة إحدى وثمانين وخمس مئة.
وتفقَّه بالحافظ عليّ بن المُفضَّل، وسمع منه ومن غيره، وتفقَّه به ولدُه شيخ الإسلام تقي الدين أبو الفتح.
قال الشريف عز الدين (١): كان جامعًا لفنون من العلم، معروفًا بالصَّلاح والدين، معظمًا، ساعيًا في قضاء حوائج الناس، مطَّرِحًا للتكلُّف على سَمْت
стр. 110
السلف، ﵀.
تُوفِّي بقُوص في المحرَّم سنة سبع وستين وست مئة.
٨٩ - الأَبِيوَرْدي *
الإمام المحدِّث مُفيد الجماعة، زَيْن الدين، أبو الفتح محمد بن محمد بن أبي بكر، الأبِيوَرْدي الصُّوفي الشافعي، نَزَل مصر.
ولد في حدود إحدى وست مئة.
وطلب الحديث، وقد أكثر عن كَريمة والسَّخَاوي والضِّياء المَقْدسي، وطبقتهم بدمشق، وسمع ابنَ قُميرة، وأصحابَ السِّلَفي وابنِ عساكر، وربما نزل إلى أصحاب ابن الزَّبيدي وابن باقَا، وكتب الكثير وتعب، وعمل وسوَّد "المعجم"، وقلَّما رَوَى، عوَّضه الله بالمغفرة.
قال الشريف في "الوفيات" (١): كان حريصًا على التحصيل، صابرًا على كُلَف الاستفادة، سمعتُ منه، وكان من أهل الدين والصلاح والعفاف، وله فَهْم، وفيه تيقُّظ، وقف كتبَه وأجزاءَه.
توفي في جمادي الأولى سنة سبع وستين وست مئة.
قلت: روى عنه الدِّمْياطي بيتين من نَظْمه، وتُوفِّي بخانقاه سعيد السعداء.
٩٠ - ابن الإبَرِي **
مدرِّس المُستنصريّة العلّامة كمال الدين، محمد بن أبي الفضل بن