من واسط الشريف الداعي صاحب ابن الباقلَّاني، حدَّث بـ "جامع المسانيد" ثلاث مرات، وأول ما سُمِع منه في سنة ثلاث وسبع مئة.
فرَّ من رؤية المُنكَرات ببغداد إلى قرية برفطا، واشترى أرضًا كان يستغلُّ منها كفايتَه، فلَقَّن هناك خلقًا كتابَ الله، وكان من خيار عباد الله، ومن بقايا المُسنِدين.
مولده في سنة اثنتين وستين وست مئة أو في التي تليها، أخبر عنه أبو الخير الدِّهْلي وأهلُ بغداد.
وتوفِّي ببرفطا في وسط سنة أربعين وسبع مئة، وحُمِل إلى مقبرة الإمام أحمد فدُفِن بها رحمه الله تعالى، وكان يعرف القراءات السَّبع.
٩٣٢ - تنكز *
نائب السَّلطنة بدمشق، سيف الدين الناصري التُّركي.
جُلِب إلى مصر وهو حَدَثٌ فنشأَ بها، ثم كان من خاصكيّة السلطان أيده الله تعالى، وكان معه بالكرك في سنة تسع وسبع مئة، وعاد السلطان إلى مصر وأباد أضدادَه وتَأمَّر تنكز، ثم بَعَثَه السلطانُ على نِيابة الشام في ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وتمكَّن، وسارَ في العساكر فافتتح مَلَطْيَة، وعَظُمَ شأنه، ولم يَزَل في ارتقاءٍ ورِفعة وكَثْرة أموال وأملاك إلى أن وَلَّت عنه الدنيا.
وكان ذا سَطْوة وهَيبة وزَعَارَّة، وإقدام على الدماء، وله نفسٌ سَبُعيّة، وفيه عُتُوٌّ وحِرص مع دِيانة في الجُملة.
стр. 912
سمع "الصحيح" غيرَ مرَّة من ابن الشِّحْنة، وسمع "صحيح مسلم" وكتاب "الآثار" للطَّحَاوي، وسمع من عيسى المُطعِّم، وأبي بكر بن عبد الدائم، وحدَّث، قرأ عليه المَقْريزي "ثلاثيّات البخاري" بالمدينة النبوية.
وكان فيه حِدّة وقِلّة رأفة، وَقَفَ مدرسة وأنشأ رِباطًا ببيت المقدس، ودارَ قرآن بدمشق، وجامعًا بظاهر دمشق، وكان محتجِبًا عن غالب الأمور، فدخل عليه الداخلُ من أناس مكَّنهم ثم استأصَلَهم، وكان لا يُفكِّر في العاقبة، ولا له رأيٌ ولا دهاء، ولكلِّ أجلٍ كتاب، بَيْنا هو في احتفال لعُرس ولديه الصبيَّين على ابنتي مولاه السلطان، إذ بلغ السلطانَ عنه أمور ومخالفةٌ لمَراسيمِه، فتَنمَّر له ودار عليه، وجَهَّز لإمساكه نائبَ صَفَد طشتمر، فبعثه وبادر الأمراء إلى خدمة طاشتمر بأمرٍ أتاهم، وركب الجيشُ، وأُغلقت أبواب البلد، ثم أتاه الحاجب قرمشي وطرنطيه البشمقدار، فحار وخذل، وخرج إلى نائب صفد وقد استَسلَم، فقُيِّد وبُعِث على البريد، ثم سَكَنَ البلدُ ولم يَنتطِح فيها عَنْزان، وذلك يوم الثالث والعشرين من ذي الحِجّة سنة أربعين وسبع مئة.
ثم بعد اثني عشر يومًا وصل كبيرُ الدولة سيف الدين بشتك ونزل بقصر الملك الظاهر، وجُمِعت حواصل تنكز، وما كان استَكنَز من ذهب وجوهر وخيل ورقيق، وقصور وبساتين وقرى، مما لم يتهيَّأ مثلُه إلا لسلطان، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٦]، وأُوذِيَ غِلمانُه ونوّابه وأتباعه وعُصِروا، وأُخِذت أموالهم، وزاد البلاء.
وبعد أيامٍ قُتِل مملوكاه: طغاي وجونغاي، اللذان دَمَّرا عليه وحسَّنا له الفرارَ خوفًا على أنفسهما، وكان قد اعتمد عليهما ففَعَلا في الأمور قبائحَ
стр. 913
وارتَشَيا كثيرًا، وكان لا تتمُّ ولايةٌ ولا عزلٌ حتى يستأذنَهما الحاجب أو الوالي، فما رَضِياه هو الذي يتمُّ وإن كان فيه فساد كبير، وما أبَيَاه لا يتمُّ ولو كان الأصلحَ والأَولى، ثم إنه هو لو اطَّلَع على حقائق الأمور لما كان في حَلِّ الأشياء يُبرِم أمرًا جيدًا، إما أن يعتدي وإما أن يقصر.
كان سيِّئَ الرأي لا يصلح لسياسة الرعيَّة، بل هو حُطَمة غُشَمة جبّار، يخافه العدو والصديق، ويَحذَره المُحِقُّ والمُبطِل، لا يصفح عن ذنب ولا يُقِبل عَشْرة أحد، فصار له بهذا وقعٌ في النفوس وهَيْبة، وجمع المفسدين، وأكثر من سماع الغِناء، وشرب القِمِزّ (١)، وعمل قبائحَ، ومع هذا فلما أُخذ رَقَّ له كثير من الرعيّة وحزنوا له ولهَوْل مصرعه.
ومات تحت الضرب بالثَّغر، وقيل: بل سُقى، وهو أصح، وذلك في العشر الأخير وصلَّى عليه أهل الثغر في المحرَّم سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، وله بضع وستون سنة.
وأُخذت سَرَاريُّه وأولاده إلى مصر، ووُجِد له من الذهب النَّقد أزيد من ثلاث مئة ألف، ومن الدراهم ألف ألف ونحو ست مئة ألف، ومن الخيل والإبل والبغال نحو الألف، ومن الرَّقيق عِدّة، ومن الحواصل والعُدّة وفاخر الأمتعة ما لا يوصف، ومن الذخائر والجوهر والزركش ما يناسب ذلك، وأَخذوا الغُلامَيه ما يساوي مئتي ألف مثقال وأزيَد.
وأُمسك في هذه الكائنة ثلاثة أمراء أعيان وأُخذت أمواله وكُحِل صاروجا، والآخران هما: طبيغا والجي بغا، وهَلَكَ جماعة، وتقدَّم آخرون، وتفاصيل
стр. 914
الأمور تزيد وتنقص، وأما أملاكه ووقوفه فشيء كثير إلى الغاية.
اللهمَّ ففرِّج عن الأُمّة، وامحق الفجّار واكفِناهم بما شئتَ، آمين، فلقد كان تنكز سِياجًا على دمشق والناسُ في أمنٍ به، والظَّلمة كافُّون، والرعيّة في عافية من المصادَرة والعَسْف، فتفتَّحت أبواب وشرور.
وكان سامحه الله تعالى أبيضَ إلى السُّمرة، رشيق القَدِّ إلى الطُّول، مليح الشعر خفيف اللحية، قليل الشيب، جَهْوريّ الصوت، في مِزاجه يُبْس وسوداء، في لسانه عُجْمة، جَلَبه خواجة علاء الدين السِّيواسي التاجر، فاشتراه حسام الدين لاجِين الذي تَسلطَن، فلمّا قُتِل لاجين ونائبه مَنكُوتمر، صار تنكز من خاصكيّة السلطان، وشهد معه وقعة وادي الخزندار، ثم وقعة شَقحَب، ومع تقدمه وعلوِّ رُتْبته لم يكن يصلح للمُلْك، ولا يجيء منه سلطان أبدًا، لبخله وحِرصه ولعدم وُدِّه للأمراء، بل كانوا منه في رَوْع وخوف، ومَن صادقه منهم يكون منه على وَجَل، ولا كان له كمال دهاءٍ ولا تمامُ شجاعة، ومن كان بهذه الصفات أنَّى يتملَّك، أنَّى ينبل؟! بل لو هرب لأَوشَك من اتَّبعه أن يُسلِموه هذا الذي أعتقده، وغاية ما عَزَمَ عليه أن يفرَّ إلى قلعة جَعبَر أو إلى درندة، وكان يؤتى به أسيرًا أو يُقتَل على فرسه، ولم تكن غلمانه ذوي عددٍ بالنسبة إلى حِشْمته، ولا كانوا معه في سَعَة كما ينبغي، بل كانوا يتألَّمون من أخلاقه وشُحِّه.
٩٣٣ - ابن تَمَّام *
الشيخ العالم المقرئ، الخيِّر التقيّ، القُدْوة بَرَكة الوقت، أبو عبد الله
стр. 915
محمد بن أحمد بن تمَّام بن حسّان، التَّلّي ثم الصالحي، الحنبلي الخيّاط.
مولده بطريق الحجِّ في سنة إحدى وخمسين وست مئة.
وسمع في سنة ست وخمسين من: عمر بن عَوّة التاجر، وتمّام السروري، ومن ابن عبد الدائم، وعبد الوهاب بن محمد، والشيخ والمَقادِسة، ومن والده عن القَزْويني.
خرَّجتُ له "مشيخة" في جزء ضخم، وسمع منه خلق كثير، وتفرَّد، واشتَهَر بالصَّلاح والتواضع، وطال عمرُه، وحدَّث أكثرَ من أربعين سنة.
وكان يرتزق من خياطة الخام، ومما يُفتَح عليه، ويُؤثِر ويُطعِم.
وكان مليح الوجه، بسّامًا ليِّن الكلمة، أمّارًا بالمعروف، له وقعٌ في النفوس ومحبّة في الصدور، نشأ في تصوُّن وعفاف، وتفقَّه قليلًا، وصحب الأخيار، كالشيخ شمس الدين ابن الكمال، ورافق الإمام شمس الدين بن مُسلَّم، والشيخ علي بن نَفيس.
وكان سُنِّيًّا سلفيًّا، يحبُّنا في الله ونحبُّه، وكان نائب البلد تنكز يُكرِمه ويزوره، ويذهب هو إليه، ويَشفَع إليه.
مُتِّع بحواسِّه وأبطأ عنه الشيب، وما زال يدخل إلى المدينة ويتسبَّب، والناسُ يتبركون برؤيته، إلى أن تَمرَّض نحو شهر، وانتقل إلى الله تعالى في ثالث عشر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وسبع مئة بمنزله، وشيَّعه خلق عظيم، وطاب الثَّناءُ عليه، رحمه الله تعالى.
سمعتُ منه، وابناي، وابنُ ابني محمد.
وكان أخوه الشيخ تقي الدين أديبًا بليغًا له نَظْم جيد، وروى لنا عن
стр. 916
المؤتمَن ابن قُمَيرة.
٩٣٤ - ابن القَمَّاح *
القاضي الإمام العلّامة، شمس الدين أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن إبراهيم بن حَيْدَرة بن علي، القُرشي المِصري، الشافعي.
سمع من: أبي إسحاق إبراهيم بن عمر بن مُضَر "صحيح مسلم" إلا قليلًا، ومن النَّجيب عبد اللطيف، والعزِّ عبد العزيز ابني عبد المنعم بن علي بن الصَّيقَل الحرّاني، وعبد الرحيم بن يوسف ابن خطيب المِزَّة، وقاضي القضاة تقي الدين محمد بن الحسين بن رزين الشافعي في آخرين.
وحدَّث، وتفقَّه، وبَرَع، وأعاد وأفتى، ونابَ في الحُكْم العزيز على باب الجامع الصالحي بظاهر القاهرة، ودرَّس بالمدرسة المجاورة لقبر الإمام الشافعي ﵁ بالقَرَافة.
وكان آيةً في حفظ القرآن الكريم، وفي الذكاء، مشكورًا في الفتاوى، وناب عن قاضي القضاة بدر الدين بن جَمَاعة في تدريس الكامليّة مدةَ غَيْبته في الحجاز الشريف.
وجمع مجاميع مفيدة، وعلى ذهنه تاريخٌ كثير ووفياتٌ للشيوخ، وحكايات ونوادر.
مولده في سنة ست وخمسين وست مئة (١).
стр. 917
٩٣٥ - المِزِّي *
هو حافظُ العصر، ومحدِّث الشام ومصر، وحامل لواء الأثَر، وعالم أنواع نُعوت الخبر، صاحب مُعضِلاتنا، ومُوضِح مشكلاتنا، الشيخ جمال الدين أبو الحَجّاج، يوسف بن الزَّكِي عبد الرحمن بن يوسف بن علي بن عبد الملك بن أبي الزَّهر، القُضَاعي الكَلْبي، المِزِّي، الحلبيُّ المولدِ، خاتمة الحفاظ، وناقد الأسانيد والألفاظ.
مولده بظاهر حلب في عاشر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وست مئة.
وطلب الحديثَ في أول سنة خمس وسبعين وهلمَّ جرًّا، وإلى الآن لا فَتَر ولا قصَّر، ولا عن العلم والرواية تأخَّر.
فأعلى ما عنده بالسَّماع أصحابُ ابن طَبَرزَد وحنبل والكِنْدي وابن الحَرَستاني ثم ابن مُلاعِب والرُّهَاوي وابن البنَّاء ثم ابن أبي لُقْمة وابن البُنِّ وكَرَم والقزويني ثم ابن اللَّتّي وابن صبّاح وابن الزَّبيدي.
وأعلى ما سمع بإجازة عن ابن كُليب، وابن بَوْش، والجَمَال، وخليل بن بدر، والبُوصِيري وأمثالهم، ثم المؤيَّد الطُّوسي، وزاهر الثقفي، وعبد المُعِزّ الهَرَوي.
وسمع الكتب الأمَّهات: "المسند" والكتب الستة و "المعجَم الكبير" و "السِّيرة" و "الموطَّأ" من طرقٍ و "الزهد" و "المُستخرَج على مسلم" و "الحلية" و "السنن" للبَيهَقي و "دلائل النبوة" و "تاريخ الخطيب" و "النسب"
стр. 918
للزُّبَير، وأشياء يَطُول ذكرُها، ومن الأجزاء ألوفًا، ومشيختُه نحو الألف.
سمع: أبا العبَّاس بن سَلَامة، وابن أبي عمر، وابن علّان، والمِقداد، والعزّ الحرَّاني، وابن الدَّرَجي، والنَّوَاوي، والزَّوَاوي، والكَمَال عبد الرحيم، وابن البُنّ، والقاسم الإربِلِي، وابن الصابوني والرَّشيد العامري، ومحمد بن القوَّاس، والفخر بن البخاري، وزينب، وابن شَيْبان، ومحمد بن محمد بن مَناقب، وإسماعيل بن العسقلاني، والمَجْد بن الخليل، والعماد بن الشِّيرازي، والمحيي بن عَصرُون، وأبا بكر بن الأنماطي، والصفيَّ خليلًا، وغازيًا الحَلَاوي، والقُطْب بن القسطلَّاني، وطبقتهم، والدِّمْياطي، والفارُوثي، واليُونِيني، وابن بَلَبَان، والشَّرِيشي، وابن دَقِيق العيد، وابن الظاهري، والتقي الإسعَرْدي، وطبقتهم، وتنزَّل إلى طبقة سعد الدين الحارثي، وابن نَفِيس وابن تَيْميَّة.
ولم يتهيَّأ له السماعُ من ابن عبد الدائم، ولا الكِرماني، ولا ابن أبي اليُسْر، ونحوهم، ولا أجازوا له مع إمكان أن يكون له إجازة المُرْسي والمُنذِري وخطيب مَرْدا واليَلْداني، وتلك الحَلْبة.
حفظ القرآن، وتفقَّه للشافعي مدةً، وعُنِيَ باللغة فبَرَع فيها، وأتقن النحو والصَّرف، وله عملٌ في المعقول، وباعٌ مَدِيد في المنقول، ومعرفة بشيء من الأصول، وكتابته حُلْوة منسوبة، وفيه حياء وحِلْم وسَكِينة، واحتمالٌ كثير، وقناعة واطِّراح للتكلُّف، وتَرْك للتجمُّل والتودُّد، وانجماع عن الناس، وصَبْر على من يغتابه أو يؤذيه، وقلَّة كلام إلا أن يُسأل فيُفيد ويُجيب ويُجيد، وكان معتدلَ القامة أبيض، بلِحْية سوداء، أبطأ عنه الشيبُ، ومُتِّع بحواسِّه وذِهنه، وكان قَنُوعًا بالقوت، غير متأنِّق
стр. 919
في مأكل ولا ثوب ولا نعل ولا مركب، بل يصعد إلى الصالحية وغيرها ماشيًا بهِمّة وجَلَادة وهو في عَشْر التسعين، وكان طويل الرُّوح، ريِّض الأخلاق جدًّا لا يردُّ بعُنْف، ولا يتكثَّر بفضائله، ولا يكاد يغتابُ أحدًا، وإذا كتب في النادر كتابًا إلى أحد لا ينمِّقه ولا يزوِّقه، وكان يستحمُّ بالماء البارد في الشَّيخوخة.
وأما معرفة الرجال فإليه فيه المنتهى، لم أُعاين مثلَه، ولا هو رأى في ذلك مثلَ نفسه، وقال لي: لم أر أحفظَ من الدِّمياطي، وكان ملحوظًا بالتقدُّم في ذلك من وقت ارتحاله إلى مصر.
ولمّا أملَى عليَّ شيخُنا ابن دَقَيق العيد، لم يسألني عن أحد إلا عن المِزِّي، فقال: كيف هو؟
صنَّف كتاب "تهذيب الكمال" في أربعة عشر مجلدًا، أَرْبَى فيه على الكِبار، وألَّف "أطراف الكتب الستة" في ستة أسفار، وخرَّج لجماعة، وما عَلِمتُه خرَّج لنفسه لا عواليَ ولا مُوافَقات ولا معجمًا، وكنت كلَّ وقتٍ ألومُه في ذلك فيسكت، وقد حدَّث بـ "تهذيبه" الذي اختصرتُه أنا ثلاث مرات، وحدَّث بـ "الصحيحين" مرات، وبـ "المسند وبـ "معجم الطبراني" و "دلائل النبوة" وبكتب جَمّة، وحدَّث بسائر أجزائه العالية، بل وبكثير من النازل، ولو كان لي رأي للَزِمتُه أضعاف ما جالستُه.
سمعتُ بقراءته شيئًا وافرًا، وأخذتُ عنه هذا الشأن بحَسْبي لا بحَسْبه، ولن يُخلِفه الزمان أبدًا في معرفته، مع أن عند غيره في معرفة الرجال والأمراء والخلفاء والنَّسَب ما ليس عنده، فإنه إنما يعتني بالرُّواة الذين يجيئون في سماعاته، ويُجيد الكلام في طبقاتهم وقوَّتهم ولينهم، وهذا
стр. 920
الشأن بحرٌ لا ساحلَ له، وإنما المحدثون بين مستكثرٍ منه ومستقِلّ.
وكان شيخنا لا يكاد يعرف قَدْرَه الطالبُ إلا بكَثرة مجالسته، أو ينظر في "تهذيبه"، لقِلَّة كلامه، وكان مع حُسْن خطِّه ذا إتقان، قلَّ أن يوجد له غلطة أو توجد عليه لَحْنة، بل ذلك معدوم.
وكان ذا دِيانة وتصوُّن وطهارة من الصِّغَر، وسلامة باطن وعدم دهاء، وانزواء عن العقل العُرفي المَعيشي، وكان يُحكِم ترقيق الأجزاء وترميمَها ويَنقُل عليها كثيرًا إلى الغاية، ويفيد الطلبةَ، ويُحسِن بذلك إلى سائر أوقاف الخزائن، بسَعَة نفس وسماحة خاطر، لا يخلف في ذلك، وكان فيه سَذَاجة توقعه مع من يربطه على أمر فيأكله ويستأكله، حتى لا يزال في إفلاسٍ وذلك لكَرَمه وسلامته.
وكان مأمونَ الصحبة حسن المذاكَرة والتَّشْوار، خيِّر الطَّوِيّة، محبًّا للآثار معظِّمًا لطريقة السَّلَف، جيِّد المُعتقَد، وربما بحث بالعقل الملائم للنقل، فيُصيب ويُحسِن غالبًا بحَسَب ما يمكن، وربما غَلِطَ، وكان الكفُّ بمثله أَولى عن الجَدَل، فإن المخالف ينتقد عليه ذلك ويُلزِمه بالتناقض بحَسَب نظره، فمذهب السلف في غاية الصَّلف، والسكوتُ أسلم، والله أعلم، وبكل حال، فالخطأُ في ذلك من قاصد الحقِّ بتنزيه الحقِّ مغفور للعالِم.
وقد كان اغتَرَّ في شبيبته وصحب العفيفَ التِّلِمساني، فلما تبيَّن له ضلاله هَجَره وتبَرَّأ منه، فالحمد لله.
أسمع أولادَه كثيرًا وأحفاده، وحجَّ وسمع بالحَرَمين وبيت المقدس ودمشق ومصر وحلب وحماة وحمص وبَعلبَكَّ والإسكندرية وبِلبِيس
стр. 921
وقَطْية، وغير ذلك، وأُوذِيَ مرةً واختفى مدّةً من أجل سماعه لـ "تاريخ الخطيب"، وأُوذيَ نَوْبةً أخرى لقراءة شيء من كتاب "أفعال العباد" فيما يتأوّله الفضلاءُ المخالِفون، وحُبِس فصبر وكَظَم، وقضى أكثرَ عمره على الاقتصاد والقَناعة وقِلّة الدرهم، إلى أن تُوفِّي شيخنا ابن أبي الفتح فحَصَلَ له من جهاته حَلْقة الحضر والحديث بالناصريّة، فأضاء حالُه وفرحنا له، ثم وليَ دار الحديث سنة ثمان عشرة بعد ابن الشَّرِيشي ثم فيما بعد تَرَك الحلقة وأُخذت منه الناصرية، ثم نَزَل عن العِزِّية لصاحبه نجم الدين، وتكفَّى بما تبقَّى على قِلَّته بنسبة رُتْبته، وربما وُصِلَ بشيء متمِّم لأولاده، وباع كتابيَه بألفين ومئتين فأنفقها.
وأعلى ما عنده مُطلَقًا "الغَيْلانيات" وبإجازةٍ "جزء ابن عرفة" و "ابن الفُرات".
سمعتُ منه سنة أربع وتسعين وأخذتُ عنه "صحيح البخاري" وغير ذلك، واستَملَى منه قاضي القضاة أبو الحسن الحافظ، وسمع منه قاضي القضاة عز الدين الكِناني، والحافظ أبو الفتح اليَعمَري، ومحبُّ الدين وأولاده، والسَّرُوجي، وابن الدِّمْياطي، وابن عبد الهادي، وابنا السَّفاقُسي، وابن رافع، وسِبْط التَّنَسي، وخلائق، وتخرَّج به جماعة كالبِرْزالي، وابن الفخر، والعلائي، وابن كَثير، وابن العطّار، والجُمَّيزي، وابن الجَعبَري، وآخرين.
قرأتُ بخط أبي الفتح الحافظ قال: ووجدتُ بدمشق الإمام المقدَّم، والحافظ الذي فاق من تأخَّر من أقرانه وتقدَّم، أبا الحجَّاج المِزِّي بحر هذا العِلم الزاخر، القائل من رآه: كم تَرَك الأولُ للآخِر، أحفظ الناس
стр. 922
للتراجم، وأعلمهم بالرُّواة من أعارب وأعاجم، لا يخصُّ بمعرفته مصرًا دون مصر، ولا ينفردُ علمُه بأهل عصرٍ دون عصر، معتمِدًا آثارَ السلف الصالح، مجتهدًا فيما نِيطَ به في حفظ السُّنة من النصائح، مُعرِضًا عن الدنيا وأسبابها، مُقبلًا على طريقه التي أرْبَى بها على أربابها، لا يبالي بما ناله من الأَزْل، ولا يخلط جِدَّه بشيء من الهَزْل، وكان بما يَضَعه بصيرا، وبتحقيق ما يأتيه جَديرا، وهو في اللغة إمام، وله بالقَرِيض إلمام، فكنت أحرص على فوائده لأُحرِزَ منها ما أُحرزه، وأستفيد من حديثه الذي إن طال لم يُمَلّ، وإن أَوجَز وَدِدتُ أنه لم يوجز، وهو الذي حَدَاني على رؤية الإمام شيخ الإسلام تقي الدين بن تيميَّة؛ وسَرَدَ أبو الفتح فصلًا في تقريظ ابن تيميّة.
ولقد كان بين المِزِّي وابن تيميّة صحبة أَكيدة، ومرافقة في السَّماع، ومباحثة واجتماع، ووُدٌّ وصفاء، والشيخ هو الذي سَعَى للمزِّي في تولية دار الحديث، وفي تولية التُّربة الصالحية، وجَرَت في ذلك أمور ونَكَدٌ من أضداد الشيخ، وسُئِلْنا عن العقيدة، فكتب لهم المزيُّ بجُمَلٍ وأُعفِيت أنا من الكتابة، ومَردُّنا الكلّ إلى الله تعالى، ولا قوة إلا بالله.
وكان شيخنا أبو الحجَّاج يترخَّص في الأداء من غير أصول، ويُصلِح كثيرًا من حفظه، ويتسامح في دَمْج القارئ ولَغَط السامعين ويتوسَّع، فكأنه يرى أن العُمْدة على إجازة المُسمِع للجماعة، وله في ذلك مذاهب عجيبة، والله تعالى يَسمَح لنا وله بكرمه، فكان يَتمثَّل بقول ابن مَندَهْ: يكفيك من الحديث شَمُّه.
تُوفِّي في ثاني عشر صفر سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، ودُفن بمقابر
стр. 923
الصوفية من الغد، وتأسَّفوا عليه، ولم يُخلِّف أحدًا مثلَه، رحمه الله تعالى.
٩٣٦ - التاج التِّبْرِيزي *
العلّامة الأوحد، المفتي المتكلِّم، تاج الدين علي بن عبد الله بن أبي الحسن بن أبي بكر، الأَردَبِيليُّ المولدِ، التِّبريزيُّ الدارِ، الشافعيُّ المذهبِ.
مولده سنة سبع وسبعين وست مئة.
قال: سمعتُ من "جامع الأصول" على القُطب الشِّيرازي، وبعض "الوسيط" على شمس الدين بن المؤذِّن، وأخذتُ الفقه والنحو عن الرُّكن الحَديثي، وعلم البيان عن النِّظام الطُّوسي، والحكمة والمنطق عن السيِّد برهان الدين عُبيد الله، و "شرح الحاجبيّة" عن السيد رُكْن الدين المؤلّف، وأجازني شمس الدين العُبيدلي، وعلم الخلاف عن علاء الدين النُّعمان الخُوَارِزمي، والرياضي وإقليدس وأوطا وقس وبادريوس والحساب والهَيئة عن فيلسوف الوقت كمال الدين حسن الشِّيرازي الأصبهاني، و "الوجيز" في الفقه عن شيخ الزمان تاج الدين حمزة الأَردَبيلي، وعلم الجَبْر والمَساحة والفرائض عن الصلاح موسى، و "شرح السنة" و "المصابيح" عن فخر الدين بن جار الله الجندراني، و [ألبَسَني خرقة التصوف ولقَّنني الذِّكر] (١) الشيخُ تاج الدين الملقَّب بالشيخ الزاهد، عن شمس الدين التِّبريزي، عن الرُّكن السِّجَاسي، عن القُطب الأبهَري، عن أبي النَّجيب السُّهرَوَرْدي، عن أحمد الغَزالي، عن أبي بكر النَّيسابوري، عن محمد النسَّاج، عن الشِّبلي،
стр. 924
عن الجُنَيد، وأدركت كمال الدين أحمد بن عَرَب شاه بأَردَبيل، دعا لي ولقَّنني الذِّكرَ عن أوحد الدين الكِرماني، وأدركتُ شيخًا كبيرًا أجاز لي أدرك الفخرَ الرازي، وأدركتُ ناصر الدين البَيْضاوي وما أخذتُ عنه شيئًا، وجالست ابن المطهَّر الحِلِّي وما أخذتُ عنه لتشيُّعه.
واشتغلتُ وأنا ابن عشرين إلى تسعة وعشرين سنة، وأفتيتُ ولي ثلاثون سنة، ووَلِيتُ التدريس والخانقاه وأنا ابن ثلاث وثلاثين سنة، وخرجتُ من بغداد سنة عشر وسبع مئة، وأتيت المشهَدَ والحِلّة والسلطانية ومَرَاغة، ثم حججتُ، ثم دخلتُ مصر سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
قال ابن رافع: قَدِمَ فسمع عليَّ بن عمر الوانيّ، ويونس الدَّبَابيسي، ويوسف الخُتَني، وابن جَمَاعة، وكتب طِباقًا، وحصَّل جُمْلة من كتب الحديث، وشغل في فنون ودرَّس بالطّرنطائيّة، وناظَرَ، وكَثُرت طَلَبتُه، وصنَّف في التفسير والحديث والأصول، وأقرأَ "الحاوي" كلَّه في نصف شهر، فرواه عن شرف الدين علي بن عثمان العَفَيفي عن مصنِّفه، ثم قال: حَضَرتُ دروسه.
قلت: هو عالم كبير شَهِير، كثير التلامذة، حسن الصِّيانة، من مشايخ الصوفية، كاتَبَني غيرَ مرة، وحصَّل نسخةً من "الميزان"، وذَكَرني في تواليفه.
توفي الشيخ تاج الدين رحمه الله تعالى في ليلة الأحد سادس شهر رمضان سنة ست وأربعين وسبع مئة بالقاهرة، ودُفن من الغد بتُرْبة أعدَّها لنفسه خارج باب البرقية، كان أحد الأئمة الجامعين لأنواع من العلوم، وكان يشغل في كلّ علم، وجمع مجاميعَ في الحديث وغيره، وألَّف في العلوم كتبًا نافعة، وبِيعَت كتبه بأثمان غالية، وحدَّث ببعض مصنَّفاته في الحديث وغيره.
стр. 925
ودرَّس بعده بالمدرسة الحُسَاميّة القاضي العلّامةُ قطب الدين أبو الفضائل عبد الرحمن ابن العلّامة تاج الدين محمود التِّبْريزي المعروف بالعارفي.
٩٣٧ - ابن السَّبّاك *
عالِم بغداد، الإمام تاج الدين علي بن سَنجَر بن السَّبّاك، ويُلقَّب أبوه بقُطْب الدين أبي اليُمْن، البغدادي الحَنَفي.
قال: ولدتُ في شعبان سنة ستين أو إحدى وستين وست مئة.
سمع وهو كهلٌ من "صحيح البخاري" من ابن أبي القاسم، و "أحكام" ابن تَيميَّة، و "إحياء علوم الدين" من كمال الدين محمد بن المبارك المُخرَّمي، و "مسند الدارمي" من ستِّ الملوك، وله إجازة من أبي الفضل بن الدَّبّاب، ومحمد بن المُرَيخ، وأخذ السَّبع عن أمين الدين مبارك بن عبد الله المَوصِلي، والمُنتجَب التّكريتي، وتفقَّه بظَهِير الدين محمد بن عمر البخاري، وبمظفَّر الدين أحمد بن علي بن تَغلِب الساعاتي صاحب "مَجمَع البحرين"، وقرأ الفرائض على أبي العلاء محمود الكَلَاباذي، والأدب عن حسين بن إياد، وحفظ "اللُّمع" ثم "المفصَّل" و "البداية" و "أصول ابن الحاجب"، وإليه انتهت رياسة المَذهَب، ودرَّس بالمستنصِريّة، وكَتَبَ المنسوب، وقال الشِّعر الجيّد، وله أُرجوزة في الفقه، وشرح أكثر "الجامع الكبير"، وكان فصيحًا بليغًا ذكيًا، كبيرَ الشأن، وهو القائل:
هل أَرى للفراقِ آخرَ عهدٍ … إِنَّ عُمْرَ الفراق عمرٌ طويلُ
طال حتى كأنَّنا ما اجتمَعْنا … فكأنَّ اجتماعَنا مستحيلُ
стр. 926
أنشدنا ابن رافع قال: أنشدنا المَطَري، قال: أنشدنا التاج بن السَّبّاك لنفسه:
الأمرُ أعظم مما يَزعُم البشرُ … لا عقلَ يُدرِكُه كلَّا ولا نظرُ
فانظُرْ بعينِك أو فاغمِضْ جفونَك واحْ … ذَرْ أن تقول عسى أن ينفع الحَذَرُ
فكلُّ قول الوَرَى في جنب ما هو في … نفس الحقيقة إنْ هم فكَّروا هَذَرُ
فاستغفرِ الله قولًا قد نطقتَ بهِ … فيما مضى وهْو في الألواح مُستَطَرُ
تُوفِّي رحمه الله تعالى في سنة خمسين وسبع مئة ببغداد، رحمه الله تعالى وإيانا (١).
[تمَّ بحمد الله وتوفيقه تحقيق هذا السِّفر والعناية به
في يوم الخميس ٢٩ رجب ١٤٣٥ هـ، الموافق ٢٥ أيار ٢٠١٤ م]
стр. 927
ملحق
فيه ترجمتان لابن دقيق العيد في موضعين مختلفين من النسخة المعتمدة في طبعة دار الفكر
وقد سبقت ترجمته عند المصنف في هذا الجزء برقم (٥١٤) ص ٢٠
ابن دَقِيق العِيد
الإمام العلامة، شيخ الإسلام، تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مُطيع القُشَيري المَنفَلوطي، المِصري، المالكي والشافعي.
أحد الأعلام، وقاضي القضاة.
ولد في شعبان في سنة خمس وعشرين وست مئة بناحية ينبع.
وسمع من: ابن المُقيَّر، وابن الجُمَّيزي، وابن رَوَاج، والسِّبط، وعدَّة، وسمع من: ابن عبد الدائم، والزين خالد بدمشق.
وخرّج لنفسه "أربعين تساعيات"، ولم يحدِّث عن ابن المُقيَّر وابن رَوَاج لأنه داخَلَه أدنى شكٍّ في كيفية التحمّل عنهما، وله سماع من فخر القضاة ابن خالد، والرّشيد، والمُنذِري.
ألَّف التصانيف البديعة كـ "الإلمام" و "شرح العمدة" وكتاب "الإمام" في الأحكام الذي لو كَمُل لجاء في خمسة وعشرين مجلدًا، وله مؤلف في علوم الحديث (١).
وكان إمامًا متفنِّنًا، محدِّثًا مجوِّدًا محرِّرًا، فقيهًا مدقِّقًا، أصوليًّا مدركًا، أديبًا نحويًا، غوَّاصًا على المعاني، وافرَ العقل، كثيرَ السَّكينة، تام
стр. 928
الورَع، مديمًا للسهر، مُكبًّا على المطالعة والجَمْع، قلَّ أن ترى العيونُ مثله، وكان سَمْحًا جوادًا زكيّ النفس، نَزْر الحديث، عديم الدعاوى، له اليد الطُّولى في الفروع والأصول، وبصيرٌ بعِلل المنقول والمعقول.
قد قهره الوَسواس في أمر المياه والنَّجاسات، وله في ذلك عجائب، وكان يميل إلى التَّسرّي والتمتُّع، وله عدَّة بنين بأسماء العشرة.
تفقه بأبيه وبأبي عبد الله، وتخرَّج به أئمة، وكان لا يَسلُك المِراءَ في بحثه، بل يتكلم بسكِينةٍ كلماتٍ يسيرة، فلا يُرادُّ ولا يُراجِع.
روى عنه: أبو الفتح اليَعْمُري، وقطب الدين بن منير، وقاضي القضاة القُونَوي، وقاضي القضاة عَلَم الدين، وآخرون. وحدَّثني إملاءً.
ومناقبُه عديدة، من أغربها: قال ابن رافع: حدثنا القاضي عبد الكافي بن علي بن تمّام، قال: حكىَ لي الشيخ قطب الدين السّنباطي قال: قال الشيخ تقي الدين - يعني ابن دقيق العيد -: لِكاتب الشِّمال سِنين لم يَكتُب عليَّ شيئًا. قلت: لكن الشيخ لم يعن هذا، ولعله ذكره بنيَّةٍ صالحة، والعالِم إذا ذمَّ نفسَه ولازَمَ الصّمتَ فقد نجا.
قال قطب الدين الحافظ: كان ممن فاق بالعلم والزهد، عارفًا بالمذهبين، إمامًا في الأصلين، حافظًا في الحديث وعلومه، يُضرَب به المثل في ذلك، وكان آية في الإتقان والتحري، شديدَ الخوف، دائمَ الذِّكر، لا ينام الليل إلّا قليلًا، يقطعه بمطالعةٍ وذِكْر وتهجُّد، وأوقاتُه كلُّها معمورة. صنَّف كتبًا جليلة، كمَّل تسويد كتاب "الإمام"، وشرَحَ "مقدمة المُطرِّزي" في أصول الفقه، وألَّف "الأربعين في الرّواية عن ربِّ العالمين"، وشرح بعض "الإمام" شرحًا عظيمًا، وبعض مختصرات ابن الحاجب في الفقه. عزل
стр. 929
نفسه غيرَ مرة من القضاء، فيُسأل ويُعاد، وبلغني أنَّ السلطان حسام الدين لما طَلَع إليه قام وخطا عن مرتبته له، وكان شفوقًا على المشتغلين، كثير البِرّ لهم. أتيتُه بجزءٍ سمعه من ابن روَاج والطبقة بخطِّه، فقال: حتى انظر، ثم عدتُ إليه فقال: هو خطي، لكن ما أُحقِّق سماعي له ولا أذكُرُه. وبلغني أنَّ جدَّه لأمِّه الإمام تقيَّ الدين المُقترَح كان يشدِّد ويبالِغ في الطهارة.
إلى أن قال قطب الدين: وتوفي في مصر سنة اثنتين وسبع مئة.
ومن "معجم" البِرْزالي قال: تقي الدين ابن الشيخ مجد الدين المُجمَع على غزارة علمه، وجودة ذهنه، وتفنُّنه في العلوم، واشتغالِه بنفسه وقلّة مخالطته، مع الدِّين المتين، والعقل الرَّصين، قرأ أولًا مذهب مالك، ثم قرأ مذهب الشَّافعي، ودرَّس بالفاضليّة فيهما، وهو خبير بصناعة الحديث، عالمٌ بالأسماء واللغات والمتون والمجروحين، وله اليد الطُّولى في الأصلين والعربية والأدب، نشأ بقُوص وتردّد إلى القاهرة، وكان في آخر عمره شيخَ البلاد، وعالمَ العصر، وكان يَذكر أنه من وَلَد بَهْزِ بن حَكيم القُشَيري، شكّ في ابن المقيّر هل يعتبر حال السماع، فلم يرو عنه، وما أجاز لأحد إلّا شيئًا حدَّث عنه به، وكان في نحو سنة خمس وسبعين خطيبًا وحاكمًا.
قال النَّجْم بن عبد الحميد: ولم يكن حينئذٍ في وقته من يضاهِيه في علم الحديث وغيره.
وكتب فيه ابن الزَّمْلَكَاني: هو إمام الأئمة في وقته، وعلَّامة العلماء في عصره، بل ولا قبلَه في سنين مثلُه في العلم والدِّين والزهد والورع، تفرَّد في
стр. 930
علوم كثيرة، كان يعرف التفسير والحديث، ويحقِّق المذهبين تحقيقًا عظيمًا، ليس في علماء المذهبين مثلُه، ويعرف الأصلين والنحو واللغة، وإليه النهاية في التحقيق والتدقيق، والغَوص على المعاني، أقرَّ له الموافق والمخالف، وعظَّمه الملوك، حتى إنَّ السلطان كان ينزل له عن سريره ويقبِّل يده، وكان صحيح الاعتقاد، قويًا في ذات الله، وله التصانيف العجيبة. إلى أن قال ابن الزَّمْلَكاني: وليس الخَبر كالعيان، ﵀.
وقال الحافظ اليَعْمَري (١) - فيما قرأته بخطه - قال: لم أر مثله فيمن رأيت، ولا حملتُ عن أجلّ منه فيما رويت، قرأت عليه بمكة من "المحصول" لفخر الدين، وكنت مستملي تصانيفه، وربما راجعته فرجع إليَّ، وكنت المتصدرَ لإفادة طلبته بدار الحديث من جهته، وكان للعلوم جامعًا، وفي فنونها بارعًا، مقدَّمًا في معرفة الحديث على أقرانه، شديدَ النظر بأذكى المعيّة وأزكى لوذعية، لا يُشَقُّ له غبار، ولا يُجْرَى معه في مِضْمار.
إذا قال لم يترك مقالًا لقائلٍ … مُصِيبٍ ولم يَثنِ اللسانَ على هَجْرِ
وكان حَسَن الاستنباط، مبرِّزًا في العلوم العقلية والنقلية.
فكان من العلوم بحيثُ يُقضَى … له في كلِّ عِلمٍ بالجميعِ
ولم يزل حافظًا للسانه، مقبلًا على شأنه، وقف نفسه على العلم وقصَرَها، ولو شاء العادُّ أن يحصر كلماته لحَصَرَها، وله تخلُّق، وبكرامات الصالحين تحقُّق، وبمقامات العارفين تعلُّق؛ أخذوا نوبةَ حمص سنة
стр. 931
ثمانين وست مئة في قراءة البخاري لدفع البلاء، فأكملوه إلّا يسيرًا، قال كمال الدين محمّد بن علي الهَمَذاني: رأيت شيخنا ابن دقيق العيد، فقال لي متبسِّمًا: قد انقضى الشُّغل من أمسِ بعد العصر، يريد النصر، فقلت له: عن يقين؟ فقال: أوَيُقالُ مثل هذا عن غير يقين؟! قلت: عن معاينةٍ أو خبر عالٍ؟ قال: بل عن خبر، ثم قال: ولقد كنا بقُوص بأخبارهم في وقعة عين جالوت، بمنزلِه في قدومهم وذهابهم. إلى أن قال: وله في الأدب باعٌ وَسَاع، وكرمُ طبعٍ، لم يخلُ في بعضها من حُسْنِ انطباع، حتى لقد كان الشهاب ود يقول: لم تَرَ عيني آدَبَ منه، لكنّه في القضاء أطلَقَ في الاستِنابة خطَّه، فربما استأمَن من لا ينوءُ بالأمانة حملُه، وربما حسَّن الظنَّ في فعله، فلو اقتصر على الفُتيا والدَّرس ولم يَكسر أعماله الصالحة بهذا اللَّبس، لكان ثَوْرِيَّ زمانه، وأوْزَاعيَّ أوانه، والعبد لا يَنتفِي من مقدور، ولا يَقتفِي إلّا ما هو عليه في الكتاب مَسطُور.
وقال كمال الدين جعفر في "الطالع السعيد" في ترجمة ابن دقيق العيد: التقيُّ ذاتًا ونعتا، والسالكُ الطريقِ الذي لا عِوَجَ فيه ولا أمْتا، والمُحْرِز من صفات الفْضل فنونًا مختلفة وأنواعًا شتَّى، والمحلَّى بالحالَتين الحسنتين هديًا وسَمْتا، الشيخُ الإمام علَّامة العلماء الأعلام، وراوية فنون الجاهلية وعلوم الإسلام، ذو العلوم الشرعيّة، والفضائل العقليّة، والفنون الأدبية، والمعارف الصوفية، والباعِ الوافي في استنباط المسائل، والأجوبةِ الشافية لكلِّ سائل، والاعتراضاتِ الصحيحة التي يجعلها الباحثُ لتقرير الإشكالات وسائل والخُطَبِ الصادعة الفصيحة البليغة التي تُستفاد منها الرسائل، إن عَرَضت الشبهات بَرَّزَ جوهر ذهنِه ما
стр. 932
عرض، أو اعترض من المشكلات أصاب شاكلتها بسهم فهمه فأصاب الغرض، أو خَطَبَ أسهَبَ في البلاغة، وأطنَبَ في البراعة، أو كتب فوحي الكلام يتنزَّل على يَراعه، فللّهِ دَرُّه إذ ارتفع بنفسه، وإن كان له من أبويه ما يقتضي الارتفاع، وعلا على أبناء جنسِه فكان مِن رِفْعة المنزلة في المكان النفّاع، إن ذُكِر التفسيرُ حُمِد فيه محمودَ المذهب، أو الحديثُ فالقُشَيريُّ فيه صاحب الرَّقْم المُعلَم والطِّراز المذهّب، أو الفِقهُ فأبو الفتح العزيز الإمامُ الذي الاجتهادُ إليه يُنسَب، أو الأصولُ فأين ابن الخطيب من الخطيب، وهل يُقرَنُ المخطئُ بالمُصيب؟ أو الأدبُ فإن اقتصرتَ قلتَ: نابغة زمانِه، وإن اختصرتَ قلت: حبيب، لم يَشغَله عن النّظر في العلوم كثرةُ المناصب، ولا ألهاهُ علوُّ المراتب، ولا صرَفَه عن التصرُّف فيه لَذّهُ المطاعم وعذوبة المشارب، طالما لازَمَ السهر حتى أسفر وجهُ الصَّباح، مشتغلًا بالذِّكر والفِكْر لا بذوات الألفاظ الفِصَاح، والوجوه الصِّباح.
وتُبدي له الدنيا من الحُسْن جُمْلَةً … يَهِيمُ بها النُّسّاكُ لو شاهدوا البَعْضا
فيُعرِض عنها لاهِيًا عن جَمالها … ويُوسِعها بُعْدًا ويَرفُضُها رَفْضا
ويَسهَرُ في فِكْرٍ وذِكْرٍ وفي عُلا … ومَن بات صبًّا بالعُلى جانب الغَمْضا
تمسَّكَ من التقوى بالسَّبب الأقوى، وقام بوظيفة التَّحقيق والتَّدقيق التي لا يُطيقُها غيرُه من أهل زمنه ولا عليها يَقوى، مع تَرْك المُباهاة بما لديه من الفضائل، والسلامة من الدعوى، وجعل وظيفةَ العلم والعمل مِلّة، حتى قال بعض الفضلاء: مِن مئة سنة ما رأى الناس مثله.
حاز علمًا ودِينًا ونزاهة، فعَظُم قدرًا وجاهًا ووجاهة، ومَن غَرَس
стр. 933
العلم والتقوى حتى اجتنى النّباهة، ذاك الذي حاز كلَّ فضلٍ جزيل، وحوى كلَّ فعلٍ جميل، والذي يقالُ فيه: إنَّ الزمان بمثله لَبَخيل. وبالجملة فالاستغراقُ في مناقبِه يَخرُج عن الإمكان، ويحوجُ إلى توالي الأزمان. وكُتِب له: بقية المجتهدين، وقُرئ بين يديه فأقرَّ عليه، ولا شكَّ أنه من أهل الاجتهاد، وما ينازع في ذلك إلّا من هو من أهل العِناد، ومن تأمّل كلامه علم أنه أكثرُ تحقيقًا وأمتن، وأعلم من بعض المجتهدين فيما تقدمَّ وأتقن.
إلى أن قال: وُلِدَ الشيخ تقيُّ الدين ووالدُه متوجِّهٌ في البحر المالح إلى الحجاز الشريف، يومَ السبت خامس عشر من شعبان سنة خمس وعشرين وست مئة.
إلى أن قال: وطاف به والدُه، ودعا له أن يجعلَه اللهُ عالمًا عاملًا، إلى أن حَكى من وسواسه في صغره أن غَسَل هاونًا مرّات، فقال له أبوه: ما تريد يا محمّد بهذا؟ فقال: أريد أركِّبُ حِبرًا.
إلى أن ذَكَر في شيوخه: الشيخ البكري، وابن الأنجَب البقّال، ووالده مجد الدين، وعبد الوهّاب ابن زَين الأُمناء، ومحيي الدين يحيى بن الزكيّ، والرّشيد العطَّار، والقفطي تلميذ والده البهاء، وكان يقول عن البهاء هذا: البهاء معلِّمي، وجالَسَ في الأصول الشمس الأصبهاني لمّا حكم بقُوص.
ابن دقيق العيد
الإمام العلَّامة الحافظ المجتهد، شيخ الإسلام، تقيُّ الدِّين أبو الفتح
стр. 934
محمد ابن العلّامة مجد الدِّين علي بن وَهْب بن مُطيع بن أبي الطاعة القُشَيري، المصري المَنفَلوطي الصَّعيدي، المالكيُّ، الشافعيّ.
قاضي الديار المِصرية وعالمُها، وصاحبُ المصنَّفات الشهيرة.
مولده في شعبان سنةَ خمس وعشرين وستِّ مئة، بطريق الحجاز بالقُرب من ينبُع.
سمع من أبي الحسن بن المُقيَّر، لكنه توقَّف في كيفية الأخذ عنه، فما حدَّث عنه.
وحدث عن: أبي الحسن بن الجُمَّيزي، وأبي القاسم سِبط السِّلَفي، والحافظ زكيِّ الدين المُنذري، ورشيد الدين العطَّار، وأبي البقاء خالد بن يوسف، وأبي العبّاس بن عبد الدائم، وعبد الوهاب بن الحسن بن عساكر، وجماعة.
وقلَّ ما روى، وخرَّج لنفسه "أربعين حديثًا تساعيّة"، وصنّف شرحًا مليحًا لـ "عمدة الأحكام"، و "كتاب الإلمام"، وشَرَع في عمل كتاب "الإمام في الأحكام" وفرَغَ منه مجلدات نحوَ الرُّبع، ولو كَمُل لكان عديمَ النظير.
تكلَّم على علل الحديث ورجاله وأحوالهم، وقوّةِ الحديث وسَقَمِه، وشَرَحَ من أول "الإلمام" ورقاتٍ جاءت في مجلّدين لا مِثلَ لها في الحُسن، وعمِلَ مختصرًا في علوم الحديث، وكان ذكيًّا يقظًا مُدركًا، غوَّاصًا على المعاني، جَزْلَ العبارة، قاصدًا للإنصاف، مع الوَرَع والتصوُّن وقلّةِ الكلام، والإكبابِ على المُطالَعة والاشتغال، قلَّ أن تَرى العيونُ مثلَه، كان مبالِغًا في أمر الطهارة والوضوء واجتنابِ النجاسات، حتى بقي
стр. 935
يُضرَب بوَسْواسِه المَثَل، وعنه في ذلك حكاياتٌ وعجائب، رحمه الله تعالى.
ذكره الحافظ الحجّة قطبُ الدين بن مُنير فقال: كان إمامَ أهل زمانه، وممَّن فاق بالعِلم والزُّهد على أقرانه، عارفًا بالمذهبين، إمامًا في الأصلَين، حافظًا متقنًا للحديث وعلومه، يُضرَب بن المَثَل في ذلك، وكان آيةً في الحفظ والإتقان والتحرِّي، شديدَ الخوف، دائمَ الذِّكْر، لا ينام في الليل إلّا قليلًا، يقطعُه فيما بين مطالعةٍ وتلاوةٍ وذِكْرٍ وتهجُّد، حتى صار السَّهرُ له عادةً، وأوقاتُه كلُّها معمورة، لم يُرَ في عصره مثلُه. صنَّف كتبًا جليلة، كمَّل تسويد كتاب "الإمام" وبيّضَ منه قطعة، وشرَحَ "مقدِّمة" المطرِّزي في أصول الفقه، وله كتاب "الأربعين في الرواية عن رب العالمين"، وكتاب "الأربعين" لم يذكر فيها إلّا عن عالِم، وشرَحَ بعض "الإلمام" شرحًا عظيمًا، وشرَحَ بعض "مختصر ابن الحاجب" في الفقه، لم أرَ في كتب الفقه مثله، عزَلَ نفسه من القضاء غير مرَّة، ثم يُسألُ ويعاد، وبلغني أنَّ السلطان حسام الدِّين لما طَلَعَ إليه الشيخ قام لِلُقِيِّه، وخرج له عن مرتبتِه.
إلى أن قال: وكان كثيرَ الشَّفقة على المُشتغلين، كثيرَ البِرِّ لهم. سمع من ابن الجُمَّيزي، وابن رَوَاح، وأحمد بن محمد بن الحُباب، والسِّبط. أتيتُه بجزءٍ سمعه من ابن رَوَاج والطبقة بخطِّه، فقال: حتى انظر، ثم عدتُ إليه، فقال: هو بخطِّي محقَّق، ولكن ما أُحقِّق سماعي له ولا أَذكرُه.
إلى أن قال ابن منير: وبلغني أن جدَّه لأمّه الشيخ الإمام المحقِّق تقي الدين ابن المقترح كان يشدِّد في الطهارة ويبالغ.
стр. 936
توفي في صفر سنة اثنتين وسبع مئة، وله سبع وسبعون سنة.
وكان شيخ دار الحديث الكامليّة، وقاضي القضاة الشافعيّة، ولم يخلّف بعدَه مثلَه في حُسن التصنيف، وكثرة الفضائل.
حدَّثني شيخنا تقي الدين بن تيميّة لما رجع من مصر على البريد سنة سبع مئة قال: اجتمعتُ بالشيخ أحمد بن دقيق العيد، وذاكرتُه في العلم، فأثنى عليَّ في ذلك، وقال لي: ما كنت أظن أنَّ الله يخلُق مثلَك.
سألني أبو الفتح محمد بن عليٍّ الإمام: من هو أبو محمد الهلال؟ فقلت: سفيان بن عيينة. وسمعتُ منه أحاديث، وأملى عليَّ واستجزتُه، فكتب الاستدعاء: أجزتُ لهم ما حدَّثتُ به من مسموعاتي. هكذا كان يجيز، فقال لي أبو الفتح اليَعمَري: هذه الإجازة قلَّما تفيد، فإنَّ الطالب لا يَسوغُ له أن يروي عن هذا المُجيز إلّا ما عَلِم أنه قد حدَّث به قبل تاريخ خطها من غيره، أما ما حدَّث به فيما بعدَ تاريخ الإجازة لا يدخل في ذلك.
أنشدني فضلُ بن قِنديل العابد من سنوات، أنشدنا إسماعيل بن ركاب، أنشدنا عَلَم الدين سليمان بن يوسف الواعظ، أنشدني الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد:
تجاوزتُ حدَّ الأكثَرين إلى العُلى … وسافرتُ واستبْقيتُهُم في المَفاوِزِ
وخُضْتُ بحارًا ليس يُدْرَك قَعْرُها … وسيَّرتُ نفسي في فَسِيح المَفاوِزِ
ولَجَجتُ في الأفكار ثم تراجَعَ أخ … تِياري إلى استحسانِ دينِ العجائزِ
حدَّثني أبو الفتح محمد بن عليٍّ الحاكم إملاءً بمنزله، قال: قرأتُ على الإمام أبي الحسن الشَّافعي، عن الإمام أبي طاهر السِّلَفي، قال:
стр. 937
أخبرنا الرئيس أبو عبد الله الثقفي، أخبرنا عليُّ بن أحمد بن عبد الله بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد، حدثنا سعدان بن نصر، عن سفيان عن عمرو، سمع جابر بن عبد الله قال: لما نَزَل على النّبيِّ ﷺ ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال: "أعوذ بوجهك" ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: "أعوذ بوجهك" ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: "هاتان أهوَنُ" أو "أيسَر". متفق على صحته (١).