← Тараджим

Тараджим · id 10907

تكملة سير أعلام النبلاء - ط الرسالة العالمية

شمس الدين الذهبي

Полный текст (937 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

البكتمرية إلى أن أدركه الأجل، وكان من دُهاة العالَم ورجال الدنيا، عفا الله عنا وعنه (١)، والفخر بن هشام الشافعي البياني، وأوحد المهندار الأمير، والمُنشِئ فخر الدين بن الأثير، والبَدْر محمد بن محمد ابن نِعمة المؤذِّن، والمَجْد نصر الله بن الكُرَيدي الكاتب والشهاب بن الزَّرّاد المُتطيلِس، ومدرِّس المقدَّميّة عز الدين محمد ابن قاضي القضاة صدر الدين علي، وناظرُ وَقْف حلب البدر بن الدَّقّاق، والمفتي شهاب الدين ابن عبد الحق، ومفتي نابُلُس العِماد بن الفَخْر الحنبلي، والمُجِير بن البَقّال، وعبد الرحمن ابن الشيخ محمد البِجَّدي، والأمير محمد بن محمود بن الخِيَمي بمصر، والنجم أبو بكر بن محمد بن عَنتَر، والمُسنِد صالح الأُشْنُهِي، وإبراهيم بن علي بن الخِيَمي بمصر، والقاضي شهاب الدين محمد بن المَجْد الإربلي، وأبو بكر بن محمد بن الرَّضِي، والمفتي زين الدين بن المُرحِّل، وحاجب الشام عاقول، والشهاب أحمد بن منصور بن الجَوهَري، والشيخ محمد بن عبد الله بن رجاء الحَوْراني، ومحمد بن أحمد بن مُنِير الذَّهَبي، وكاتب السِّر محيي الدين بن فضل الله، وكبير الشافعية زَيْن الدين عمر ابن الكتّاني، والقُطْب إبراهيم بن إسحاق ابن صاحب المَوصِل، والقاضي جمال الدين يوسف ابن جُمْلة، وقاضي حَمَاة شرف الدين هِبة الله ابن البارِزِي، والفيلسوف الحكيم رُكن الدين محمد ابن القَوبَع. ٩٠٦ - الصَّفِيّ * الإمام العلّامة ذو الفُنون، صفيُّ الدين أبو محمد، عبد المؤمن ابن

стр. 877

الخطيب عبد الحق بن شَمائل، البغدادي الحنبلي، مدرِّس البَشيريّة، وصاحب التصانيف. تفقَّه على النُّور عبد الرحمن بن عمر البصري، وكان والده قد سمع من عبد الحميد بن بُنيمان عن جدِّه أبي العلاء، وعاش نيِّفًا وسبعين سنة ومات في سنة ثلاث وتسعين وست مئة. وصفي الدين تُوفِّي في صفر سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، وله إحدى وثمانون سنة. سمع من: عبد الصمد بن أبي الجيش، وابن الدَّبّاب، والكمال الفُوَيرِه، وعِدّة، وبدمشق من أبي الفضل ابن عَسَاكر وجماعة، وأجاز له طوائفُ. وعُنِيَ بالرِّواية، وخرَّج لنفسه "معجمًا" عن نحو ثلاث مئة شيخ، وحدَّث به، وصنَّف في المَذهَب شرحًا لـ "المحرَّر" فأجادَ وأفاد، وألَّف في الفرائض وغير ذلك، وتخرَّج به الفضلاءُ وأَثنَوْا على دينه وفُتوَّته وكرمه، وله نَظْم رائق، ومحاسنُ غزيرة، ولم يتزوَّج بل كان على قَدَم التصرُّف. سمع معي وكاتَبَني غيرَ مرة، ﵀، وتصانيفُه جَمَّة. ٩٠٧ - ابن خطيب جِبْرِين * العلّامة ذو الفنون، فخر الدين عثمان بن الزَّين علي بن عثمان، الطائي الحلبي الشافعي المُقرئ، ابن خطيب جِبْرين. كان أحد الأذكياء، له عمل جيِّد في القراءات وعِلَلها، وفي الفقه وأصوله،

стр. 878

وفي النحو وتصاريفه. ألَّف شرحًا لـ "الشامل الصغير"، والشامل الصغير هذا لرجل من فُضلاء العجم، يقال له: كريم الدين القَزْويني (١)، في الفقه، وألَّف شرحًا لـ "مختصر ابن الحاجب" وشرحًا لـ "البديع" لابن الساعاتي في الأصول، وألَّف في الفرائض، وفي اللُّغة. وأخذ القراءات عن التَّاذِفي وأقرأَها، وتخرَّج به علماء، ووليَ القضاء بحلب بعد ابن النَّقيب. طَلَبه السلطانُ فأهانه، وجَرَت أمور، فمات بمصر هو وابنه الكمال محمد في المحرَّم سنة تسع وثلاثين، وله بِضعٌ وسبعون سنة، مولده في ربيع الأول سنة اثنتين وستين وست مئة بالقاهرة، وقُدِّر له بالوفاة بها، وأُهِين بظُلْم وتلبيس، ﵀. ٩٠٨ - ابن الكَتَّانِي * الشيخ، العلّامة كبير الشافعية، زَين الدين أبو حفص عمر بن أبي الحَرَم، الدمشقي، ابن الكَتّاني. وُلد سنة ثلاث وخمسين. وتفقَّه وناظر، ثم تحوَّل إلى مصر وبها رأيتُه، وكان تامَّ الشَّكل حسن الهَيْئة، جيِّد الذِّهن، كثير العلم عارفًا بالمَذهَب، مائلًا إلى الحُجّة، خطب ودرَّس، واشتَهَر اسمُه، وذُكِرَ للقضاء، لكن كان في خُلُقه زَعَارَّة، وعنده

стр. 879

قوّة نفس وقِلَّة إنصاف، وما علمتُه تأهَّل، وقد سمع "جزء الأنصاري" وامتنع من الرِّواية، وعاش خمسًا وثمانين سنة. وكان يُوهِّن بعضَ المسائل لضعف دليلها، ويُلقي دروسًا مفيدة، ويَزبُر من يعارضه، وكان متصوِّنًا متدينًا، مَليح البِزّة، لا يَخضَعُ لقاض ولا أمير، ﵀، درَّس بالمنصوريّة، وغيرها، وروى في دروسه الحديثيّة عن ابن عبد الدائم بالإجازة حديثًا، وله أخبار في نفوره وزَعارَّته. وتفقَّه على البُرهان المَرَاغي، فقرأ عليه "التحصيل" في الأصول وحَفِظه، وسمع من ابن أبي اليُسْر، وأسعد ابن القَلَانسي، وابن أبي عمر. وعمل قضاءَ دِمياط والمَحَلّة وبِلْبِيس فحُمِد ودرَّس بالفَخْرية وبالمنكوتمرية، وخَطَبَ بجامع الصالح. ٩٠٩ - ابن المُرحِّل * الإمام العلّامة، زين الدين محمد بن عبد الله ابن خطيب دمشق زين الدين عمر بن مكّي بن المرحِّل، المصري ثم الدمشقي، الشافعي، مدرِّس الشاميّة الكبرى والعَذْراوية. سمع من طائفةٍ ولم يحدِّث، وأفتى واشتغل وتميَّز، وذُكِر لقضاء الشام، وكان مليحَ الشكل، متصوِّنًا متواضعًا، ذكيًّا عالمًا مناظرًا، كثير المحاسن. عاشٍ بضعًا وأربعين سنة، تُوفِّي في رجب سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.

стр. 880

واشتَغل على عمِّه الشيخ صدر الدين بمصر وبدمشق، سمع معي من إسحاق النَّحَّاس، وقد درَّس بعد عمِّه بالمَشهَد، ونابَ في الحُكْم عن ابن الإخنائي، وسمع أيضًا من ابن مُشرَّف وابن دَقيق العيد. زلزلة بطرابُلُس عظيمة، قَتَلت ستين نفسًا، حدَّثني مُوقِّت طرابلس بها سنة أربعين: وَرَدَ كتاب نائب طرابلس طينال إلى ملك الأمراء والملوك، يُنهي: أن في رابع عشر صفر يوم السبت، اشتدَّت الريح بسَمُوم وحرٍّ شديد، وعَصَفَت على جبال عَكَّار، وسقط نجمٌ متّصِل نوره بالأرض كالعمود برَعْد شديد، فانتشرت منه نارٌ تَقسَّم شررُها في أراضي الجون، ثم انعكست النار إلى نواحي الشَّمال، فجاءت المطالَعات إلى طيها بمحاضر شرعية: أن النار سمائية أحرقت جملةً من أشجار الزيتون وبعض بَيَادر، وجفَّفت الثِّمار، وأحرقت بيوتًا، فأحرقت في قرية الظاهريّة بيوتَها، وأحرقت قريةً أخرى تُسمَّى الحرفوشيّة كلُّها أخصاصٌ وضِياع بصافيتا أصابتها النار، وما أحرقت آدمي. حدَّثني أبو الفتح أحمد بن المُحِب المقدسي: أنه مرَّ بالفِيجة في ثامن عشر صفر سنة أربعين، فرأى قبّة خشب قد احترقت وبقى منها رسوم، واحترق بلِصْقها ثلاثة بيوت، قال: فذكر لي الحاجَّ محمد بن رافع أن الخشب كان لأخيه، فصدَّقه إمام أفرى، وقال: نزلت قطعةٌ من النار من الغيم إلى القبّة نهارًا يوم نصف صَفَر، قال إمام أفرى: وأحرقت النار منديلي، فرأيتُه على كتفه فيه قوّارتان، وكان ذلك آيةً. نقلتُ من خطِّ الإمام صلاح الدين العَلَائي قال: نسخة كتابٍ وَرَدَ إلى

стр. 881

ملك الأمراء من جمال الدين عبد الله الشُّجَاعي: حصل ببلاد الجون من عمل طرابُلس حرٌّ شديد في رابع عشر صَفَر، حتى لا يستطيع الإنسان أن يَلبَث فيه لحظةً، وهربوا من الشُّغل إلى الماء وإلى الفَيْء، ثم قدح منه نار في البلاد بالجون، واحترق شيء كثير، ووقعت النارُ في أرض حلياء في سِباخ وقَصَب فارسي، فلمّا ثارت النارُ استَوحى المملوكُ الرجالَ والصبيانَ والحريم، وخرجنا بالجِرَار، وكلما طَفَينا النارَ تزيد، فبكى الناس ودَعَوْا، فجاءت ريح شرقيّة سُخنة ردَّت النارَ وأخرجتها من مكانها، ومرَّت على أرض حَصيد فيها شجر زيتون فاحتَرق نحوُ عشرين أصلًا، وما زلنا نطفي في النار إلى نصف الليل فخَمَدت، وأما النار في نواحي الجون والجبل فاستمرَّت إلى ثاني يوم. قال العَلَائي: نقلتُه من خط مُرسِله. ٩١٠ - ابن القَوْبَع * العلَّامة الفيلسوف الحَكيم، ركن الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف، القُرشي الجَعفَري، التُّونُسي المالكي. مولده سنة أربع وستين بتُونُس. وقرأ النحو على يحيى بن الفرج بن زيتون، والأصول على محمد بن عبد الرحمن قاضي تونس، وقدم مصرَ عام تسعين. وسمع بدمشق من ابن الواسطي، وابن القوّاس، وبحَمَاة من المحدِّث ابن مُزَيز. وكان صاحبَ فُنون وباعٍ في الطب والفلسفة، وفيه رِقَّة دين، رأيتُه بدمشق يُناظر، وكان يجعل الراءَ عَينًا، خلَّف ثروةً، وله نَظْم يسير.

стр. 882

سمع منه: ابن الدِّمياطي، وغيرُه. مات في سابع عشر ذي الحِجّة سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، وكان من أعيان الأطبّاء. ٩١١ - ابن عنبرجي * محمد ابن النَّوِين عنبرجي بن .... (١) المَغُلي. صبيٌّ من أبناءِ عشر سنين من أهل تُوريز، لمّا قُتِل القان أبو سعيد والد هذا زَعَمَت سُرِّيّة له أنها حُبْلى منه، فوَلَدت محمدًا، فلما أقبل النَّوين الشيخ حسن وهَزَمَ جمعَ الملك موسى عامَ أول ثم قتل موسى، عَمَدَ إلى هذا الصبي وأقامه في السَّلطَنة، ونابَ له هو وابن جوبان، وزوجة جوبان ساطي بيك، وهي بنت القان خَربندا، وتماسك الأمراءُ شهرًا، ثم أَقبَل من الرُّوم ولدا تمرتاش وأَوهَموا أن أباهما حيٌّ معهما، وجعلوه في خَرْكاه، واستفاض أن تمرتاش باقٍ لم يُقتَل، وأن السلطان أيَّده الله تعالى لمّا أَمر بقتله في الحبس عَمَدَ الأميران بكتمر وتحليس إلى تركيٍّ يشبهه فقَطَعا رأسه وأحضراه، وأخفَيا تمرتاش نحو سنتين، ثم بَعَثَاه سرًا في البحر إلى بلاد الروم، وكَثُر القالُ والقِيل في ذلك حتى كِدْنا نَجزِم ببقائه لكثرة الحكايات. وتمكَّن آل جوبان وزوجته وهرب الشيخ حسن إلى خُراسان، ثم أُهلك الصبي محمد، وماجَ الناسُ واشتدَّ البلاءُ والظلم والنَّهب بأذْرَبِيجان، وافتَقَر من الجَوْر جماعةٌ، وانقطعت السُّبُل في آخر سنة ثمان وثلاثين

стр. 883

وأوائل سنة تسع، وطُلِب متولِّي خراسان طغاي تمر ليَتملَّك البلاد، فإنه من ذُرِّية جنكزخان، وهو ابن عمِّ الملك أرباخان المقتول، فتَوقَّف، وكان الذي زَعَموا أنه تمرتاش كثيرُ الشَّبه به فلازموا خدمتَه، ثم بَدَرَت منه أمور وقَحَةٌ فطردوه، فقَدِمَ العراق وصُحْبتَه جماعةٌ بزيِّ التصوُّف، وخَمَلَ ذكرُه، وتَسلطَنَت أختُ أبي سعيد المذكورة وخُطِبَ لها، وكانت تَركَب وتأمر وتنهي مدّةً، ثم قُتِل وكان نَحْسًا غَشُومًا. ٩١٢ - القَزْويني * قاضي القضاة، العلّامة ذو الفُنون، جلال الدين أبو عبد الله، محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن عبد الكريم بن حسن بن علي بن إبراهيم بن علي بن أحمد بن دُلَف ابن الأمير أبي دُلَف، العِجْلي، القَزْويني الشافعي. مولده بالمَوصِل في سنة ست وستين وست مئة. وسَكَن الرُّومَ مع والده وأخيه، وولى بها قضاءَ ناحيةٍ وله نحوٌ من عشرين سنة، وتفقَّه وناظرَ وأفتى وأَشغَل بدمشق، وتخرَّج به الأصحاب، ونابَ في القضاء لأخيه قاضي القضاة إمام الدين سنة ست وسبعين بدمشق، وأَخذ المعقول عن الشيخ شمس الدين الأَيْكي وغيره، وسمع من الشيخ عز الدين الفارُوثي وطائفة، ثم ولي خطابةَ البلد مدةً، ثم طلبه ولانا السلطان وشافَهَه بقضاء دمشق، ووَصَلَه بذهبٍ كثير، فحَكَمَ مع الخطابة، ثم طُلِبَ في سنة سبع وعشرين فولىَ قضاءَ المملكة وعَظُمَ شأنُه وبلغ من العزِّ ما لا يُوصَف.

стр. 884

وكان فصيحًا حُلوَ العِبارة، مليح الصورة، موطَّأ الأكناف، سَمْحًا جوادًا حليمًا، جمَّ الفضائل، كثير التجمُّل، ثم نُقِلَ في سنة ثمان وثلاثين إلى قضاء الشام، فتَعلَّل وحصل له طرفٌ من فالِج، ثم حَضَرَ الأجلُ. وتُوفِّي في نصف جمادى الأولى سنة تسع، ودُفن بمقبرة الصوفية، وشيَّعَه عالمٌ عظيم إلى الغاية، وكَثُر التأسُّف عليه. وسِيرتُه تحتمل كراريسَ، فالأمرُ الله، وما كلُّ ما يُعلَم يقال، فالأمرُ شديد والرِّشَا قبيح. ٩١٣ - ابن الصَّائغ * الشيخ الإمام، المفتي القُدْوة، الزاهد بَرَكة الوقت، بدر الدين أبو اليُسْر، محمد ابن قاضي القضاة عز الدين أبي المَفاخر محمد بن عبد القادر، الأنصاري الدِّمشقي الشافعي، مدرِّس الدِّماغية والعِمادية. وُلد سنة ست وسبعين. وسمع كثيرًا من: أبيه، وابن شَيبان، والفخر علي، وبنت مكِّي، وعدة. وحَضَرَ ابْنَ عَلّان، وحدَّث بـ "صحيح البخاري" عن اليُونِيني. وسمع حُضورًا أيضًا من فاطمة بنت عساكر. وحفظ "التنبيه"، ولازَمَ حَلْقةَ الشيخ برهان الدين، ووَلَّوه قضاءَ القضاة فاستَعفَى وصَمَّم، فاحترمه الناس وأحبُّوه لتواضعه ودينه وتعبُّده، حجَّ غير مرّة، وأُعطى خطابةً بيت المقدس مُدَيدة، ثم تَرَكه.

стр. 885

وكان مقتصدًا في لباسه وأموره، كبير القَدْر، درَّس وهو أمردُ. زار بيتَ المقدس فتعلَّل هناك ثم انتقل إلى دمشق، ثم تمرَّض وانتقل إلى الله تعالى في جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، بعد قاضي القضاة جلال الدين بلَيالٍ، وشيَّعه الخلقُ وحُمِلَ على الرؤوس يوم الجُمعة، ودُفِن عند أبيه بسفح قاسيون، وطاب الثناءُ عليه رحمه الله تعالى. وفيها مات المفتي زين الدين عُبَادة بن عبد الغني الحنبلي، والمعمَّر النَّجم عبد الرحيم بن أبي النور الصالحي عن نيِّف وتسعين سنة، والمعمَّر الأمير سيف الدين كجكن المنصوري من أبناء التسعين، والحافظ عَلَم الدين البِرْزالي، والمؤرِّخ شمس الدين الجَزَري، والخطيب علاء الدين الخرّاط، والجَمَال آقوش الشَّبلي، والأمير علاء الدين الفارسي الحنفي، والصَّدر علي بن حمّويه المحدِّث، وقاضي حلب فخر الدين ابن خطيب جِبرين، وشيخ سِنْجار الشيخ محمد القادري. ٩١٤ - مفتي واسط * العلّامة البارع، شيخ الشافعية، جمال الدين بن نجم الدين، أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن عبد الملك، الواسطي. مولده سنة اثنتين وستين وست مئة. وقرأَ القرآن والفقه والأصلين والعربيةَ، وبَرَع في الفقه، وتخرَّج به الأصحاب، ودرَّس بالشَّرابية بواسط، تفقَّه على والده، وحدَّث ببغداد بكتابه "مطالع الأنوار النبويّة في صفات أفضل البرِيّة"، وكان يقال: هو

стр. 886

فقيه العراق في زمانه. تفقَّه عليه ابن عبد المحسن، وشمس الدين محمد بن القاسم بن الملحي الواعظ، والمجد عبد الله بن إبراهيم الدَّقيقي، وغيرهم. وله سماع من الفارُوثي في "صحيح البخاري" بفَوْت. وأجاز له الشيخ عبد الصمد، والكمال ابن وضّاح، وابن أبي الدِّينة. وله مؤلَّف في الناسخ والمنسوخ في الحديث، وغير ذلك. توفِّي في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة بواسط، وتأسَّفوا عليه، مات في العشرين من ربيع الآخر. وفيها مات الإمام القُدْوة ناصر الدين محمد بن إبراهيم ابن شيخ الحِزاميّة أخو الشيخ عماد الدين، كان شيخَ واسط، ﵀. ٩١٥ - ابن عُثمان * الصالح المُعمَّر، موفَّق الدين أبو العباس، أحمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عثمان بن مكِّي بن عثمان، السَّعْدي الشارِعي. آخرُ من حدَّث عن جدِّ أبيه بالسَّماع. أخذ عنه: الوانيُّ، وابنه، وأبو الفتح السُّبْكي، والسَّرُوجي، وابن رافع، وابن الدِّمْياطي، والدِّهْليُّ لحقه بآخر رَمَق. توفِّي في أواخر جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، ودُفن بسفح المقطَّم وحسبتُه من أبناء التسعين، وله سماع من ابن البُرْهان أيضًا.

стр. 887

٩١٦ - ابن عبد القادر * الزاهد، الشيخ الإمام الكبير، بقيّة السَّلَف، شمس الدين أبو الكَرَم، محمد ابن الشيخ شِرْشِيق بن محمد بن عبد العزيز ابن شيخ الإسلام محيي الدين عبد القادر بن أبي صالح، الجِيلِي ثم السِّنْجاري الحيَالي، الحنبلي. وُلد في رمضان سنة إحدى وخمسين بقرية الحيَال، وبها قبر آبائه، نَزَل بها الشيخ عبد العزيز من حدود سنة ثمانين وخمس مئة وإلى الآن. سمع من: الفَخْر علي، وأحمد بن محمد بن النَّصِيبي، وبمكّة من عبد الرحيم بن الزَّجّاج، وبالمدينة من العَفيف ابن مزروع. وحدَّث ببغداد وبدمشق، وحجَّ غير مرة. وسمع منه: بنوه الحُسام عبد العزيز والبَدْر حسن والعزّ حسين والظَّهير أحمد، وشمس الدين بن سعد، وآخرون. وكان ذا زهد وصلاح واتِّباع، وصورةٍ كبيرة في تلك البلاد ووَجَاهة، وكان مقصودًا بالزيارة لفضله ولبَنيه ولهم مَغَلٌّ وافر، وفيه تواضع وخير. عُمِّر دهرًا، وتوفِّي في أول ذي الحِجّة سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، ودفن عند آبائه ﵀. وكان جدُّهم أبو بكر عبد العزيز قد غزا عَسقلانَ وزار القدس، واتَّفَق سُكْناه بالحيَال، وقارب الثمانين، وصار ابنه محمد صالحًا عابدًا، عاش نحو ثمانين سنة أيضًا، وأما الشيخ شِرشِيق فمات سنة اثنتين وخمسين وست

стр. 888

مئة وولدُه محمد يَرضَع، مات شابًّا عن أربع وعشرين سنة. ٩١٧ - الجَزَري * صاحب "التاريخ" الكبير، صاحبُنا العدل الخيِّر الأَمين، شمس الدين محمد بن إبراهيم بن أبي بكر، الجَزَري ثم الدمشقي. رجل فاضل جليل وَقُور، لَهِجٌ بالتاريخ وجَمْعه. وُلد سنة ثمان وخمسين في ربيع الأول. وسمع من: إبراهيم بن حمد بن كامل، والفخر علي، وابن الواسطي، والأَبَرقُوهي، وابن الشُّقَاري، وغيرهم، ومن الشُّعراء. وكان حسن المُذاكَرة، سليم الباطن، صدوقًا في نفسه، وفي "تاريخه" عجائب وغرائب، وكان متواضعًا محبًّا في الصالحين، له إخوة وولدان: مجد الدين، ونَصير الدين. توفي سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، ودفنَّاه بمقبرة باب الصغير، ﵀. وكان به صَمَم، وله نَظْم، روى عنه البِرْزالي هذه الأبيات من شعره، وكان له مِلكٌ جيِّد، وشَهِدَ على الحُكّام: إلهي لقد أعطيتَني ما أحبُّه … وأطلبُه من أمر دنياي والدِّينِ وأغنَيتَني بالقَنْع عن كل مَطمعٍ … وألبستني عزًّا يجلُّ عن الهُونِ وقطعتَ من كل الأنام مَطامِعي … فنُعماكَ تَكفيني إلى حين تَكفيني ومَن دقَّ بابًا غيرَ بابك خاضعًا … غَدَا راجعًا عنه بصَفْقةِ مغبونِ

стр. 889

٩١٨ - البِرْزالي * هو الشيخ المحدِّث الإمام العالم الحافظ، مُفِيد الشام، مؤرِّخ الإسلام، عَلَم الدين أبو محمد، القاسم ابن العَدْل الكبير بهاء الدين محمد بن يوسف ابن الحافظ زكي الدين البِرْزالي، الإشبيلي الدمشقي، الشافعي، شيخ الحديث. وُلد في جمادى الأولى سنة خمس وستين وست مئة. وحفظ القرآن و"التنبيه" ومقدِّمةً في صِغَره، وسمع سنة ثلاث وسبعين من: أبيه، ومن القاضي عز الدين بن الصائغ، فلما سَمِعوا "صحيح مسم" من الإربِلِي بَعَثَه والده فسمع الكتاب في سنة سبع، فأحبَّ طلبَ الحديث ونَسَخ أجزاءً، ودارَ على الشيوخ فسمع من ابن أبي الخير، وابن أبي عمر، وابن علّان، والمِقداد، وابن الدَّرَجي، وابن شَيبان، والفخر. وجَدَّ في الطلب، وذهب إلى بعلبكَّ ثم ارتحَل إلى حلب سنة خمس وثمانين، وفيها ارتحل إلى مصر وأكثر عن العزِّ الحرّاني وطبقته، وكتب بخطِّه الصحيح المليح كثيرًا، وخرَّج لنفسه وللشيوخ شيئًا كثيرًا، وجلس في شَبِيبته مدةً مع أعيان الشُّهود، وتقدَّم في الشُّروط، ثم اقتصر على جهات تقوم به، ووَرِثَ من أبيه جملةً. وحصَّل كتبًا جيدة وأجزاءً في أربع خزائن، وبلغ ثَبَتُه بضعة وعشرين مجلَّدًا، وأثبت فيه مَن كان سمع معه. وله "تاريخ" بدأ فيه من عام مولده الذي توفِّي فيه الإمام أبو شامة،

стр. 890

فجعله صِلةٌ لـ "تاريخ" أبي شامة في خمس مجلَّدات أو أكثر، وله مجاميع مفيدة كثيرة وتعاليق، وعملٌ في فنِّ الرواية قلَّ مَن بلغ إليه، وبلغ عدد مشايخه بالسَّماع أزيدَ من ألفين، وبالإجازة أكثرَ من ألف، رَتَّب ذلك كلَّه وترجمهم في مسوَّدات مُتقَنة. وكان رأسًا في صِدْق اللَّهجة والأمانة، صاحب سُنّة واتِّباع ولزوم للفرائض، خيِّرًا متواضعًا، حسنَ البِشْر، عديم الشَّر، فصيح القراءة، قويّ الدِّراية، عالمًا بالأسماء والألفاظ، سريع السَّرْد مع عدم اللَّحن والدَّمْج، قرأ ما لا يوصف كثرةً، وروى من ذلك جملةً وافرة. وكان حليمًا صبورًا متودِّدًا، لا يتكثَّر بفضائله ولا يتنقَّص بفضائل أخيه، بل يُوفِّيه فوق حقّه، ويلاطف الناسَ، وله وُدٌّ في القلوب، وحبٌّ في الصدور. احتَسَبَ عدةَ أولاد دَرَجُوا: منهم محمدٌ، تلا بالسَّبع وحفظ كتبًا وعاش ثماني عشرة سنة، ومنهم فاطمة عاشت نيِّفًا وعشرين سنة، وكتبت "صحيح البخاري" و "أحكام" المَجْد وأشياء. وله إجازات عالية عامَ مولده من ابن عبد الدائم، وإسماعيل بن عزُّون، والنَّجيب، وابن عَلّاق، وحدَّث في أيام شيخه ابن البخاري، وكان حلوَ المحاضَرة، قويّ المذاكَرة، عارفًا بالرِّجال والكِبار ولا سيَّما أهل زمانه وشيوخهم، يُتقِن ما يقوله، ولم يُخلِّف في معناه مثلَه، ولا عمل أحدٌ في الطلب عملَه. حجَّ سنة ثمان وثمانين، وأخذ عن مشيخة الحرَمين، وخرَّج "أربعين بُلدانية"، ثم حجَّ أربعًا بعد ذلك، وفي عام وفاته تُوفِّي بين الحرمين مُحرِمًا

стр. 891

وغَبَطَه الناسُ بذلك. وكان باذلًا لكتبه وأجزائه، سَمْحًا في أموره، مُؤثِرًا متصدِّقًا رَحُومًا، مشهورًا في الآفاق، مَقصَدًا لمن يلتمس إسماعه، وكان هو الذي حَبَّب إليَّ طلبَ الحديث، فإنه رأى خطِّي فقال: خطك يشبه خط المحدِّثين، فأثَّر قوله فيَّ، وسمعتُ وتخرَّجتُ به في أشياء. وليَ قراءةَ دار الحديث سنة عشر وسبع مئة، وقراءةَ الظاهرية، وحضر المَدَارس، وتفقَّه مدةً بالشيخ تاج الدين عبد الرحمن وصَحِبَه وأكثرَ عنه وسافر معه، وجوَّد القرآن على الرضيِّ ابن دَبُوقا، وتفرَّد ببعض مرويّاته، وتخرَّج به الطلبة. وما أظنُّ الزمانَ يَسمَحُ بوجود مثله، فعند ذلك نَحتسِب مُصابَنا بمثله، ولقد حَزِنَ الجماعةُ به خصوصًا رفيقه أبو الحَجّاج شيخُنا، وبكى عليه غيرَ مرّةٍ، وكان كلٌّ منهما يعظِّم الآخر ويعرف له فضلَه، وكان ﵀ وعفا عنه قد أَقبل على الخير في آخر عمره وضَعُفَ وحصل له فَتْق، وخُتِم له بخير والله الحمد. وانتقل إلى رضوان الله تعالى بخُلَيْص، في بُكْرة يوم الأحد الرابع من ذي الحِجّة سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، عن أربع وسبعين سنة ونصف. ووليَ بعده مشيخة النُّوريّة شيخُنا المِزِّي، ومشيخةَ القُوصيّة ابن رافع، ومشيخةَ النَّفِيسية العبدُ، وباقي وظائفه جماعةٌ، ووَقَفَ كتبَه وعَقَارًا جيّدًا على الصدقة. قرأتُ على القاسم بن محمد الحافظ في سنة أربع وتسعين وست مئة: أخبَرَكم المُسلَّم بن علّان؛ وأجاز لنا المُسلّم قال: أخبرنا حَنْبَل قال: أخبرنا

стр. 892

ابن الحُصَين قال: أخبرنا ابن المُذهِب قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، حدَّثنا عبد الله بن أحمد، حدَّثنا أَبي (١)، حدَّثنا الشافعي قال: أخبرنا مالك، عن داود بن الحُصَين، عن أبي سفيان، عن أبي سعيد ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ نَهَى عن المُزَابَنة والمُحاقَلة. والمُزَابَنة: اشتراءُ الثَّمَر بالتَّمْر في رؤوس النخل، والمُحاقَلة: استكراءُ الأرض بالحِنطة. وأخبَرَناه عاليًا أبو الفضل ابن تاج الأمناء قراءةً بالسَّفْح، عن المؤيَّد بن محمد الطُّوسي، قال: أخبرنا هِبَة الله بن سهل النَّيسابوري سنة ثلاثين وخمس مئة قال: أخبرنا سعيد بن محمد البَختَري قال: أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه، قال: أخبرنا إبراهيم بن عبد الصمد العبّاسي، حدَّثنا أبو مصعب الزُّهْري (ح). وأخبرنا الحافظ أبو الحسين ابن الفقيه قال: أخبرنا مُكرَّم بن محمد قال: أخبرنا أبو يعلى حمزة بن فارس السُّلمي سنة أربع وخمسين وخمس مئة، حدَّثنا أبو الفتح نصر بن إبراهيم الفقيه قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر المِيمَاسي بعَسقَلان سنة ثلاث وأربعين، حدَّثنا محمد بن العباس بن وَصِيف بغَزّة، حدثنا أبو علي الحسن بن الفَرَج الغزّي، حدَّثنا يحيى بن بُكَير المخزومي (ح). وأخبرنا القاضي أبو محمد بن عُلْوان ببَعلبَكَّ قال: أخبرنا بهاء الدين عبد الرحمن بن إبراهيم قال: أخبرتْنا شُهْدة الكاتبة قالت: أخبرنا أحمد بن عبد القادر اليُوسُفي (ح).

стр. 893

وقرأتُه بحلب على أبي سعيد الثَّغْري، عن عبد اللطيف بن يوسف سماعًا قال: أخبرنا يحيى بن ثابت بن بُندار قال: أخبرنا أَبي؛ قالا: أخبرنا عثمان بن محمد العلَّاف قال: أخبرنا محمد بن عبد الله البزَّاز قال: أخبرنا إسحاق بن الحسين، حدَّثنا أبو عبد الرحمن القَعنَبي (ح). وأخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن المعدَّل قال: أخبرنا البهاء عبد الرحمن قال: أخبرنا عبد الحق بن يوسف قال: أخبرنا محمد بن عبد الملك الأَسَدي قال: أخبرنا عمر بن إبراهيم الزُّهْري قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن غَريب قال: أخبرنا أحمد بن محمد الوَشَّاء، حدَّثنا سُوَيد بن سعيد (ح). وكتب إلينا أبو محمد بن هارون بن يونس قال: أخبرنا أبو القاسم بن بَقِيّ قال: أخبرنا محمد بن عبد الحق قال: أخبرنا محمد بن الفَرَج الطَّلّاعي قال: أخبرنا يونس بن مُغِيث قال: أخبرنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن يحيى بن يحيى بن يحيى اللَّيثي الفقيه قال: أخبرنا عمُّ أَبي عبيدُ الله بن يحيى بن يحيى، حدَّثنا أَبي (ح). وقرأتُ على عليّ بن محمد وجماعة عن الحسين بن المبارَك، وقرأت على أحمد بن عبد المنعم القَزْويني، قال: أخبرنا محمد بن سعيد ببغداد؛ قالا: أخبرنا أبو زُرْعة المَقدِسي قال: أخبرنا مكِّي بن عَلّان سنة سبع وثمانين قال: أخبرنا القاضي أبو بكر الحِيري، حدَّثنا أبو العباس الأَصمّ قال: أخبرنا الرَّبيع بن سليمان قال: أخبرنا محمد بن إدريس الإمام؛ جميعًا عن مالك بن أنس فذَكَره - إلا ما كان من ابن إدريس، فإنه قال: عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي سعيد الخُدْري أو عن أبي هريرة ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ نَهَى عن المُزَابَنة

стр. 894

والمُحاقَلة، وذكر الحديث. فأظنُّ الإمامَ ﵀ كتبه من حفظه فتردَّد في اسم الصاحب، ولا يُعَدُّ ذلك من العِلَل المؤثِّرة، فالحديث مُخرَّج في "الصحيحين" (١) لمالكٍ من حديث أبي سعيد ﵁ بلا شكٍّ، واسم أبي سفيان قُزْمان، تفرَّد به عنه داود بن الحُصَين أحدُ علماء المدينة، وإن كان غيره أتقنَ منه فقد قَفَزَ القَنطرةَ واعتمده مثلُ الإمام مالك وصاحبَي "الصحيحين"، كُنْيته أبو سليمان العثماني مولاهم، يروي عن عِكْرمة والأعرج وطائفة، وثَّقه ابن مَعِين وغيره، وأما سفيان بن عُيَينه فقال: كنا نتَّقي حديثه، وقال أبو زُرْعة: ليِّن الحديث، وقال أبو حاتم الرازي: لولا أنَّ مالكًا حدَّث عنه لتُرِك حديثه، وقال إمام الصَّنْعة علي بن المَدِيني: ما رواه عن عكرمة فمُنكَر، وقال أبو داود: أحاديثه عن عكرمة مناكير، وعن غيره مستقيمُ الحديث، وقال عباس بن محمد الدُّوري: هو عندي ضعيف، وقال ابن عَدِيّ: صالح الحديث. قلت: هذه العِبارة في التوثيق منحطَّة عن قولهم: ثِقة وحُجّة، وهي من نُعوت التعديل لا التجريح. وتفسير المُزَابَنة والمُحاقَلة يجوز أن يكون من قول النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون من تفسير الصحابي ﵁ أو مَن بعده، والله أعلم، آخرها. ٩١٩ - عُبَادة * ابن عبد الغني بن منصور بن منصور، الإمام المفتي المُناظِر العابد

стр. 895

الصالح، زَيْن الدين أبو سعد، الحرّاني ثم الدمشقي الحنبلي الشُّرُوطي، المؤذِّن. وُلد في رجب سنة إحدى وسبعين. وسمع "صحيح مسلم" من القاسم الإربِلِي والرَّشيد العامري، وسمع "صحيح البخاري" من يوسف بن الشُّقَاري و "سنن الدارقطني" من البهاء ابن النَّحّاس، وسمع من الغَسُولي وجماعة، وخرَّجتُ له "مشيخة". وكان يَلِي العقود والفُسوخ، ويُجيد الفتاوى، تفقَّه بالشيخ تقي الدين وبغيره. وكان ديِّنًا مجتهدًا، متواضعًا حسن الأخلاق، متودِّدًا متصوِّنًا، سَمْحًا جوادًا، طاب ثناءُ الفقهاء عليه، وكان من مؤذِّني الشَّرقية من بعد والده الإمام جمال الدين، اصطحبْنا مدةً، وكان يَسَع الجماعةَ بكَرَمه ومروءته واحتماله. سمع منه: ابناه محمد وإبراهيم، وقاضي القضاة السُّبْكي، وابن المَطَري، وعدة، وحدَّث بـ "صحيح مسلم". وكان قد تهيَّأ للحجّ، فتُوفِّي في ليلة ثالث عشر شوال سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، فأخرجت عنه حَجّة، ﵀. وكان قد حَصَلَ له أذى في شعبان من الشافعي، ومَنَعه من فَسْخ النِّكاح لعمل المحلوف عليه، فإنه كان يُفتي به ولا يَعُدُّ الفسخَ طلاقًا، وكان يحصِّل من ذلك جملةً فتألّم وكَمِدَ لذلك، ولكن ما زال الشيخ برهان الدين الفَزَاري يدلُّ الحالفين عليه، والمسألة مركَّبة من مذهب أحمد والشافعي، وقد كان الحاكمُ همَّ برفع مَنعِه فتُوفِّي، ﵀.

стр. 896

٩٢٠ - الفارسي * الأمير الأجلّ، المُفْتي العالم المحدِّث، علاء الدين أبو الحسن، علي بن بَلَبان، الفارسي المِصري الجندي الحنفي. وُلد سنة خمس وسبعين وست مئة. وسمع من شيخنا الدِّمياطي "جزءًا" لابن دِيزِيل، وسمع من محمد بن علي بن ساعد، وبدمشق من البهاء ابن عساكر وغيره. وتقدَّم في المَذهَب وأصوله، وأحكَمَ النحو. وشرح في "الجامع الكبير"، ورتَّب "صحيح ابن حبان" على الأبواب على نمط كتب "السُّنن"، وعمل "المعجم الكبير" للطَّبراني أو أكثره على الأبواب. وكان جيِّد الفَهْم، حسن المذاكَرة، له نَظْم جيّد، تقدَّم في أيام الشاشنكير ثم انجَمَع، ثم أكرمه النائب أرغون الدُّويدار. وكان مليح الشَّكل، وافر الجلالة، نشأ له ولدٌ - وهو جمال الدين - فتفقَّه لأبي حنيفة ثم تحوّل شافعيًّا، فتألَّم الوالدُ لذلك. تُوفِّي سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، وله نيِّف وستون سنة. سمع بقراءتي جزءًا، وما أظنُّه حدَّث، وكان يَصلُح للقضاء لتصوُّنه ورَزَانته وعِلْمه، وله نَظْم. وحدَّث عن البهاء ابن عساكر.

стр. 897

[٩٢١ - الخَرَّاط * الإمام الفقيه الخطيب، بقيّة المشايخ، علاء الدين أبو الحسن، علي بن عثمان بن حسّان بن مَحاسن، الدمشقي الشاغُوري الشافعي، ابن الخرّاط، مُعِيد البادَرائية ونائب الخطابة. وُلد سنة أربع أو خمس وست مئة. وتلا بالسَّبع على الإسكندري، وتفقَّه بالشيخ تاج الدين، وسمع الكثير، وحدَّث عن النَّواوي، وابن أبي عمر، وابن عَلّان، والإرْبِلي، والرَّشيد، والمِقداد، وفاطمة بنت عساكر، وخلق، خرَّجت له "مشيخةً" عن نحو المئة. وكان لديه فضيلة، وفيه انقباض عن الناس وقد يَنبسِط. توفِّي في شهر صفر سنة تسع وثلاثين وسبع مئة. وورثه إخوته، ولم يتأهَّل فيما علمتُ. أخذ عنه البِرْزَالي … وابن … الملك وولداه، وصالح الصصروي، وعدّة. ٩٢٢ - الأُسْواني ** الشيخ الإمام العالم المفتي، نجم الدين حسين بن علي بن سيِّد الكُلّ ابن أبي صُفْرة، المُهلَّبي، الأُسواني الرافعي.

стр. 898

مولده تقريبًا في حدود الخمسين وست مئة. سمع من: القاضي شمس الدين محمّد بن العِماد، وجماعة بالإسكندرية مع الشيخ عَلَم الدين البِرْزالي، وحدَّث عنه. سمع منه: ابن رافع وغيره .... تخرَّج به جماعة ..... توفي في صفر سنة تسع وثلاثين وسبع مئة]. ٩٢٣ - عبد القاهر * ابن محمد بن عبد الواحد بن محمد بن موسى، القاضي، الخطيب البليغ، جمال الدين أبو بكر، البخاري ثم التِّبْريزي ثم الحرَّاني ثم الدمشقي، الشافعي. مولده في نصف شعبان سنة ثمان وأربعين وست مئة بحرّان. واشتغل ونشأ بدمشق وتفقَّه فيما ذاكَرَني به، وقال: ماتت أُمي بنت عشرين سنة، وكان أَبي تاجرًا ذا مال، فقَدِمَ بي دمشق وأنا ابن ست سنين فمات، وكَفَلَني عمِّي عبد الخالق، ورَجَعَ بي إلى حرَّان وباع أملاكَنا بثمانين ألفًا ورَدَّ بي، ثم قال لي يومًا: امضِ بنا، فمضى بي نحو ميدان الحصى، وعرَّج بي فوَثَب عليَّ فخنقني، فغَشِيتُ فرَمَاني في حُفيرة وطمَّ عليَّ المَدَر والحجارة، فأبقَى كذلك إلى رابع يوم، فمرَّ رجل صالح كان برباط الإسكاف عرفتُه بعد ثلاثين سنة، فبَكَّر يَتْلُو ومر بجسر ابن شوَّاش ثم إلى القطائع، فجلس يبول، وكنت أُحرِّك رجلي، فرأى المدرَ يتحرَّك فظنَّه حيّةً فقلب حَجَرًا فبَدَت رجلي في خفٍّ بلغاري، فاستخرَجَني

стр. 899

فقمت أَعدو إلى الماء، فشربتُ من شدة عطشي، ووجدتُ في خاصرتي فَزْرًا من الحجارة وفي رأسي فتحًا، ثم أَراني القاضي أثر ذلك في كَشْحه ووضع أصابعي على جورة في رأسه تسع باقِلّاةً. قال: ودخلتُ البلدَ إلى إنسان أعرفه، فمضى بي إلى ابن عمٍّ لنا وهو الصَّدر الخُجَندي، وكان مختفيًا بالصالحيّة، وله غلامان ينسجان ويُطعِمانه، اختفى لأمور بَدَت منه زمن هولاكو، وكَتَب معي ورقة إلى نسائه بالبلد، وكانت بنتُه ستُّ البهاء التي تزوَّج بها الشيخ زين الدين بن المنجَّا وماتت معه، هي أختي من الرَّضَاعة، فأقمتُ عندهنَّ مدةً لا أخرج حتى بَلَغَتُ وحفظتُ القرآن بمسجد الزلَّاقة، فمررتُ يومًا بالدِّيماس فإذا بعمِّي، فقال لي: هاه جَمَال! امشِ بنا إلى البيت، فما كلَّمتُه وتغيَّرتُ، ومعي رفيقان فقالا لي ما بك؟ فسكتُّ وأسرعت، ثم رأيتُه مرة أخرى بالجامع، فأَخذ أموالي وذهب إلى اليمن وتقدَّم عند ملكها ووَزَرَ له، ومات عن أولاد، وأما الخجندي فأُخِذ وسُجِن مدةً، ثم نُقل إلى مصر معتقلًا، ثم مات عن ولدٍ جنديّ قُتل في وقعة حمص سنة ثمانين. وجوَّدتُ الختمةَ على الزَّوَاوي، وتفقَّهتُ على النجم الموغاني، وتردَّدتُ إلى الشيخ تاج الدين، وتفقَّهتُ بابن جَمَاعة، وقرأتُ عليه "مقدمة ابن الحاجب"، وعلى ابن الفَزَاري. ثم وَلِيتُ القضاءَ من جهة ابن الصائغ وغيره، ونُبْتُ يومًا بجامع دمشق عن ابن جماعة، فقيل له: إن دام هذا راحت منك الخطابةُ؛ يعني لحسن أدائه وكمال هَيْئته، فإن هذا القاضي كان مليحَ الصورة، أبيض مستدير اللحية، فصيحَ العبارة، فاخر البِزَّة، عارفًا باللغة، خبيرًا بالأحكام، قويَّ

стр. 900

المشاركة، ألَّف خُطَبًا بليغة في مجلَّدة، وله نظمٌ رائق، ومحاسنُ كثيرة. وليَ قضاءَ سَلَمْية وقضاء صفد، وخطابة عجلون، وغير ذلك، ثم عَزَله القزويني وذمَّ مُعتقَدَه، لكونه لم يتأوَّل بل أثبَتَ، فسار إلى مصر فولّاه ابن جماعة قضاءَ دِمياط أو نحوها، فلما نُقِل القاضي جلال الدين إلى قضاء الحَضْرة السُّلطانية تعكَّس التِّبريزيُّ وتشقع. وقد جالستُه مرات، وكان يروي عن الشيخ مجد الدين بن الظَّهِير قصيدته التي أولها: كلُّ حيٍّ إلى المماتِ مآبُه وكتب عنه: أبو حيّان، وصلاح الدين الصَّفدي، وشهاب الدين بن أَيبَك، وغيرهم. وكان يكتب قويًّا، فإنه جوَّد على الشَّرف حسين الشَّهرَزُوري، وعالج الأحكامَ قريبًا من ستين سنة، وله أخلاق حسنة. أنشدني لنفسه سنة أربع وسبع مئة: كمْ بين بانِ الأجرعِ … ورامةٍ ولَعَلَعِ من قلبِ صبٍّ مُوجَعِ … سكرانَ وَجْدٍ لا يَعِي تَراه ما بينَ الحُلَلْ جريحَ أسيافِ المُقَلْ فارفُقْ به ولا تَسَلْ عن قلبِهِ المضيَّعِ إلى آخرها، وهي موعظة مذكِّرة.

стр. 901

وأنشدنا لنفسه: بأيِّ لسانٍ يلهَجُ العبدُ بالشُّكرِ … وقد جلَّت النُّعْمى عن الضَّبط والحَصرِ فلو رُمتَ بثَّ الشُّكر في كل طَرْفةٍ … بضِعْف الحصى والرَّمْل والنَّبْت والقَطْرِ وما سبَّحَ الأملاكُ لله في العُلَى … وصَلصلةَ الأملاك بالأنجُمِ الزُّهْرِ فأوّاهِ واعَجْزاهُ واضعفَ حِيلَتي (١) … وواعُظْمَ تقصيري عن الحمد والشُّكرِ ومنها: وأسلَمَني عمِّي إلى القبر قاتلًا … فغذَّيتَني باللُّطف في ظُلْمة القبرِ ثلاثَ ليالٍ بتُّ فيها مسوَّدًا … وأربعَ أيام مكمَّلةَ القَدْرِ وكم صحتُ ما ذَنْبي أغِثْني مجاوبًا … فصَدَّ كأنَّ الاستغاثةَ بالسمرِ فأخرجتَني من ظُلمة القبر سالمًا … بلا شَعَثٍ رَيَّانَ كالغُصُن النُّضْرِ وعمَّرتَني سبعًا وسبعين حِجّةً … وما سوف يأتي بعدَهنَّ فلا أدرِي توفي القاضي عبد القاهر بدِمْياط في جمادى الآخرة سنة أربعين وسبع مئة وله اثنتان وتسعون سنةً. أنشدني الخليل الكاتب: أنشدنا التِّبْريزي لنفسه: وناطقةٍ بأفواهٍ ثمانٍ … تميلُ بعقل ذي اللُّبِّ العفيفِ لكل فمٍ لسانٌ مستعارٌ … يخالف بين تقطيع الحروفِ يخاطبنا بلفظٍ لا يَعِيهِ … سوى مَن كان ذا طبعٍ لطيفِ فضيحة عاشقٍ ونديمُ واعٍ … وعِزّة موكبٍ ومُدامُ صُوفي

стр. 902

٩٢٤ - الزُّبَيري * الشيخ المحدِّث المعمَّر، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن طيِّ بن حاتم، الزُّبَيري القُرشي، المِصري الشاهد. وُلد في حدود سنة خمسين وست مئة. وطلب الحديثَ وعُنِيَ بالرواية، فسمع من: ابن زَيْن الدين، والنَّجيب عبد اللطيف، وابن عَلَّاق، وعبد الهادي القَيْسي، ومَن بعدهم. وكَتَب وحصَّل ولم يَبْرَع. وكان حُفَظَةً للنَّوادر، متواضعًا قانعًا باليسير، شاخَ وعَجَزَ واحتاج. تفرَّد ببعض مرويّاته، سمعتُ منه بالإسكندرية، ولَحِقَه الدِّهْلي والسَّرُوجي والعزُّ ابن المؤذِّن. وتُوفِّي في سابع عشر سنة أربعين وسبع مئة، ﵀، فهو آخر شيوخي في الرِّحلة المصرية وفاةً، وكان عنده أجزاءٌ كثيرة بمسموعاته. ٩٢٥ - زينب ** بنت المحدِّث العالِم، كمال الدين أحمد بن الكمال عبد الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد، الشيخة الصالحة المعمَّرة، رُحْلة الشام، أمُّ عبد الله وأم محمد، المَقدسيَّة الصالحيّة. مولدها في سنة ست وأربعين وست مئة.

стр. 903

وأجاز لها من بغداد إبراهيم بن الخيِّر، وأبو نصر بن العُلَّيق ومحمد بن المَنِّي، وعَجِيبة بنت الباقداريّ، ويحيى بن قُمَيرة، وأبو جعفر محمد بن السَّيِّدي، وعدّة، ومن مارِدِين عبدُ الخالق النِّشتَبْري، ومن حلب يوسف بن خليل، ومن حرَّان عيسى بن سلامة، ومن الإسكندرية أبو القاسم سِبْط السِّلَفي، ومن القاهرة الحافظُ عبد العظيم، ومن دمشق الرَّشيد بن مَسلَمة وطائفة. وسَمِعت من: خطيب مَرْدا، واليَلْداني، وسِبط ابن الجَوْزي، ومحمد بن عبد الهادي وأخيه عبد الحميد، وإبراهيم بن خليل، وابن عبد الدائم، وجماعة. وتفرَّدَت بأجزاء بالسَّماع، وبنحو من وَقْر جمل بالإجازات، وروت شيئًا كثيرًا، وكتبًا كِبارًا، وتزاحَمَ عليها الطلبةُ، وكانت خيِّرةً ديِّنةً، لطيفة الأخلاق حَسَنة التودُّد، طويلة الرُّوح على الطَّلبة، ربما سمعوا عليها أكثر النهار مع كونها أُقعِدت سنوات، وكانت قد ذهبت عينُها برَمَدٍ في صغرها، ولم تتزوَّج قطُّ، وكانت متعفِّفة قانعة مُؤثِرة كريمة النَّفْس، طيَّبة الخُلق، محبَّبةً إلى نساء الدِّين. قرأ عليها ابن بنت أختها الشيخ محبُّ الدين لأولاده كتبًا كثيرة، وكذلك ولدُه المحدِّث أبو بكر وأخوه، والبِرْزالي، وسائرُ الطلبة، ونَزَل الناسُ بموتها درجةً، فإنها خاتمة مَن روى بالإجازة عن أصحاب السِّلَفي وشُهْدة، فأثابها الله تعالى وجزاها عنّا خيرًا، سمع منها أولادي وأحفادي وخلقٌ من الرَّحّالة. تُوفِّيت ليلة الاثنين تاسع عشر جمادى الأولى سنة أربعين وسبع مئة،

стр. 904

وكانت جنازتها مشهودة، طَلَع إليها القضاةُ الأربعة. وممَّن أكثر عنها ابن رافع، وابن الوانيِّ، والسَّرُوجي، والدِّهْلي، والتَّنَسِي، وابنا السَّفاقُسي. ٩٢٦ - ابن غانِم * الإمام الفاضل، المدرِّس الصالح، الزَّين، بدر الدين محمد ابن الشيخ علاء الدين علي بن محمد بن سلمان بن حَمَائل، القرشي، الدمشقي الشافعي، ويُعرَف بابن غانم، لأن الشيخ غانمًا الزاهد هو جدُّ جدِّ بدر الدين لأمِّه. وُلد في صفر سنة ثمان وثمانين وست مئة. وسمع في الخامسة أجزاء من أبي إسحاق ابن الواسطي، وسمع من جماعة، وطَلَب قليلًا، وقرأ على المشايخ، وكان يَعرِف متونًا كثيرة، وعنده بصرٌ بالمَذهَب، وذهنُه حسن، لازمَ الشيخَ برهان الدين مدةً، وكتب في ديوان الإنشاء، وحصَّل كتبًا نفيسة، ونشأ في صَوْن وخير وعَدَم لعب، وصفات حميدة، وأمانة في مباشَرَته، وكان ينطوي على صِحّة مُعتقَد ولزوم الأثر. وكان تامَّ القامة، مليح الصورة، وَخَطَه الشَّيبُ، ودرَّس بالقَلِيجيّة التي بخطّ مئذنة فيروز، وبأُخرى في حارة الغرباء. وتعلَّل ثمانية أشهر حتى توفي في سادس عشر جمادى الأولى سنة أربعين وسبع مئة.

стр. 905

سمع منه: ابن رافع، وزوج بنته نصير الدين ابن الجَزَري، والسَّرُوجي، والدِّهْلي، وطائفة. وكان له تصدير بالجامع، ثمانية وثمانين درهمًا، صار من بعده للقاضي بهاء الدين أبي البقاء. وكانت جنازته مشهودة، دُفِن بالسَّفْح عند زاوية ابن قوام، وأوصى بثلثه في البِرِّ، ﵀، طابَ الثناءُ عليه كثيرًا. ٩٢٧ - الزَّنكَلُوني * الإمام العلّامة البارع القُدْوة، مفتى المسلمين، مجد الدين أبو بكر بن إسماعيل بن عبد العزيز، المصري السَّنكَلُومي، الشافعي. وسَنكَلُوم من قرى بِلبِيس. وُلد سنة بضع وسبعين. وتفقَّه بجماعة، وسمع من: الأَبَرقُوهي، ومحمد بن عبد المنعم بن شِهاب، وعلي بن الصَّوّاف، ويحيى بن أحمد بن الصَّوّاف، وعدّة، ولازم الحافظ سعد الدين وسمع منه في "المسند". وبَرَع في المَذهَب، وشارك في الأصول والعربيّة، وأفتى ودرَّس، وتخرَّج به الأصحاب، وصنَّف التصانيف مع التقوى والعبادة، والتصوُّن والوَقَار والجَلَالة، درَّس بجامع الحاكم وبالبَشِيرية، وأعاد بأماكنَ في الحديث والفقه، وعُرِضَ عليه قضاء قُوص فامتنع. ألَّف شرحًا لـ "التنبيه" في خمسة أسفار، وشرحًا لـ "التعجيز" في ثمانية،

стр. 906

وشرحًا لـ "المنهاج" لم يطوِّله، واختصر "الكفاية" لابن الرِّفْعة. وخرَّج له الحافظ ابن رافع "مشيخةً" وحدَّث. توفِّي في سابع ربيع الأول سنة أربعين في الشيخوخة، ودُفِن بالقَرَافة، وكَثُر التأسُّف عليه، رحمه الله تعالى. أَخذ عنه: السَّرُّوجي، وابن القُطب، وأبو الخير الدِّهْلي، وآخرون. الحَوَارنة الذين يَستَقُون بالأحقاق بالحُوَيرة، عَمِلوا خِتَانَ حَدَثٍ منهم في بيت بالقوَّاسِين، فرَقَصوا فانخَسَفت الحُجْرة بهم، مات عشرة منهم، وصُلِّي عليهم في أول رجب سنة أربعين، ﵏. ٩٢٨ - ابن القُريشة * الشيخ، الصالح الكبير، زين الفقراء، أبو إسحاق إبراهيم بن بَرَكات بن أبي الفضل، البَعْلي الحنبلي، القادري الصُّوفي، شيخ الخانقاه الأسَدية، وإمام تُرْبة بني صَصْرَى. شيخ منوَّر الشَّيْبة، حسن البِشْر، مليح الشَّكل، حُلْو المُذاكَرة، أنِس المشاهَد، صحب المشايخ، وسمع من الشيخ الفقيه، فكان خاتمة أصحابه، وابنِ عبد الدائم، وعلي بن الأوحَد، وابن أبي اليُسْر، وأبي زكريا بن الصَّيرَفي، وعدة. وترافَقْنا إلى طرابُلُس، وكان صديقًا لأَبي، وفيه كَيْس وأخلاق، روى

стр. 907

الكثير واشتَهَر، وعاش تسعين سنة أو أرجح، وعاد يَكتُب مولده في سنة ثمان وأربعين بعد أن كان يقول: في سنة خمسين. وكان ذا حُرْمة وجلالة بين القادريّة والسَّلَاويّة. روى عنه: البِرْزالي وغيره في حياته، وسمع منه: ابناي، وسِبْطاي، وأولاد المُحِب، وابن سعد، والدِّهْلي، والسَّرُوجي. توفي في ليلة وصول الإمام أبي الفتح السُّبْكي إلى دمشق، ثالث عشر رجب سنة أربعين بالجَبَل. ومات أخوه الشيخ التقي سنة نيِّف وعشرين بحِصن الأكراد، وتأخَّر أخوهما الشيخ عبد القادر، ومات ابن عمِّهم شيخنا الإمام شمس الدين محمد بن أبي الفتح النَّحْوي بالقاهرة غريبًا سنة تسع وسبع مئة، وماتت أمُّهم شيختُنا فاطمة بنت جَوهَر سنة إحدى عشرة عن ست وثمانين سنة، كانت من رُواة "الصحيحين". ومات في عام أربعين زهراءُ بنت الخُتَني بمصر، والشيخ ابن السُّيوفي صاحب عين الفِيجة، وشمس الدين محمد القاصد، وناظر طرابُلُس شمس الدين محمد بن إبراهيم بن الشِّيرازي، وفاطمة بنت عبد الرحمن الدَّبَاهي، والمفتي مجد الدين الزَّنكَلوني بمصر، وخطيب المُصلَّى ابن الصائن، والشَّرف أحمد بن السِّنجاري الحنفي، والمجد الأقسَرايني شيخ سَرْياقوس، والمعمَّرة زينب بنت الكمال، والسيد جلال الدين العناكي ناظر الأيتام، والقاضي محيي الدين إسماعيل بن جَهبَل الشافعي، والخليفة المُستَكفي بالله سليمان.

стр. 908

٩٢٩ - ابن جَهْبَل * الإمام القاضي، محيي الدين إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن جَهبَل، الحلبي ثم الدمشقي، الشافعي. مولده سنة ست وستين وست مئة. ورُبِّي هو وأخوه المفتي شهاب الدين يتيمين فقيرين، فتفقَّها وتميَّزا. سمع من: القاضي شمس الدين بن عطاء، وجمال الدين بن الصَّيرَفي، وجماعة، وخرَّج له عنهم البِرزاليُّ. وتفقَّه بابن المَقدِسي وابن الوكيل، ودرَّس وأفتى، وحصَّل دنيا، واقتنى الأملاك، ثم نابَ في القضاء بدمشق، ووليَ تدريس الأتابكيّة، ثم نُدِبَ لقضاء طرابُلُس، فباشَرَ ولم يُحمد، ونُقِمَ عليه أمور، نسأل الله تعالى العفو. سمع منه: البِرزاليُّ، وابن سعد، والدِّهْلي، وأنا. وكان مليحَ الشَّكل والبِزّة، نقي الشَّيبة، جيّد المعرفة بالأحكام والمكاتيب، ﵀. وفيها (١) الحريقُ الكبير بدمشق من النصارى، فصُلِبَ منهم أحد عشر ثم وُسِّطوا بعد أخذ أموالهم، منهم: الرَّشيد سلامة والمَكين عامل الجيش، وقد أسلَما وأسلمَ عدَّة.

стр. 909

وفي ذي الحِجّة أُمسِك النائبُ تنكز (١) واستُؤصِل. ٩٣٠ - المُستَكْفي بالله * أميرُ المؤمنين أبو الرَّبيع سليمان بن الحاكم بالله أبي العباس أحمد بن أبي علي بن الحسن بن أبي بكر بن علي ابن أمير المؤمنين المُسترشِد بالله، الهاشميُّ العبّاسي، البغداديُّ الأصل، المِصريُّ المولد. مولده سنة ثلاث وثمانين أو في التي قبلها. وقرأَ واشتغل قليلًا، وعَهِدَ إليه أبوه بالأمر، وخُطبَ له عند وفاة والده في سنة إحدى وسبع مئة، وفَوَّض جميع ما يتعلَّق به من العَقْد والحلِّ إلى السلطان الملك الناصر، وسارا معًا إلى غزو التتار، فشَهِدَ مصافَّ شَقحَب، ودخل دمشقَ في رمضان سنة اثنتين وسبع مئة وهو راكبٌ مع السلطان، وجميعُ كبراء الجيش مشاةٌ، فشاهدتُه وعليه فرجيَّة سوداء مطرَّزة، وعليه عِمامةٌ كبيرة بيضاء بعَذَبة طويلة، وهو متقلِّد سيفًا عربيًّا محلًّى على جوادٍ مليح، وهو شابٌّ من أبناء العشرين قد بَقَلَ وجهُه، وهو أبيض بلحية سوداء، تامُّ الشَّكل، مليح الوجه، تَعلُوه هَيْبة ووَقَار، امتدَّت أيامه. ثم لما أَعرضَ السلطانُ عن الأمر، وانعزل بالكَرَك، التمسَ الأمراءُ من المستكفي أن يسلطنَ من يَنهَض بالمُلْك، فقَلَّد الملك المظفَّر رُكْن الدين الشاشنكير، وعَقَدَ له اللواء، وألبسه خِلْعةَ السلطنة، فرجيَّة سوداء وعمامة مدوَّرة، فرَكِبَ بذلك والوزيرُ حامل على رأسه التقليد، من إنشاءِ المولى شهاب الدين محمود، أوله: "إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم"

стр. 910

هذا عهدٌ لا عهدَ لملِك بمثله، ثم بعد دونِ سنةٍ عاد السلطانُ إلى مقرِّ عزِّه، وخُنِق المظفَّر، وعَذَرَ السلطانُ الخليفةَ لعجزه عن الامتناع ولعدم تصرُّفه في شيء من الأمر. فلما كان في سنة نيِّف وثلاثين غضب السلطانُ وأبعدَ الخليفةَ إلى قُوص، فأقام بها سنواتٍ إلى أن توفِّي في شعبان في مُستهَلِّه من سنة أربعين وسبع مئة، وعَهِدَ بالأمر إلى ولده. وكان المستكفي يَركَب في الميدان يومَ لعب الدولة بالكُرَة، وعلى كتفه جوكان، فليتَه لا فعل. وله جوارٍ مُطربات يُتحِف بسماعهنَّ من يختاره، وهذا كما ترى! وكان يتردَّد في مصالحه، ويركب إلى دكَّة النخس، ويقترض، وله في السَّنة ما يقارب مئتي ألف درهم، وقُرِّر له بقُوص تسعة آلاف في كل شهر على الجِزْية وغيرها، سوى غَلَّة كثيرة، وله دارٌ فاخرة عند الكَبْش، ثم مات خاملًا ولم يُصلَّ عليه صلاة الغائب، فإنا لله! ٩٣١ - الرَّفّاء * الشيخ المُسنِد، المقرئ المجوِّد، الزاهد العابد، أبو الحسين علي بن محمد بن محمد، البغدادي، الرَّفّاء صنعةٌ كانت له. وهو سِبطُ الشيخ عبد الرحيم بن الزَّجّاج، فسمَّعه كثيرًا، سمع "جامع المسانيد" من ابن أبي الدِّينة، و "جزء الأنصاري" من عبد الله بن وَرْخز صاحب ابن الأخضر، ومن البخاري علي بن الحسن الوُجُوهي، وبعض "مسند الإمام أحمد" من الشيخ عبد الصمد بن أحمد ومن جدِّه، وأجاز له

стр. 911

من واسط الشريف الداعي صاحب ابن الباقلَّاني، حدَّث بـ "جامع المسانيد" ثلاث مرات، وأول ما سُمِع منه في سنة ثلاث وسبع مئة. فرَّ من رؤية المُنكَرات ببغداد إلى قرية برفطا، واشترى أرضًا كان يستغلُّ منها كفايتَه، فلَقَّن هناك خلقًا كتابَ الله، وكان من خيار عباد الله، ومن بقايا المُسنِدين. مولده في سنة اثنتين وستين وست مئة أو في التي تليها، أخبر عنه أبو الخير الدِّهْلي وأهلُ بغداد. وتوفِّي ببرفطا في وسط سنة أربعين وسبع مئة، وحُمِل إلى مقبرة الإمام أحمد فدُفِن بها رحمه الله تعالى، وكان يعرف القراءات السَّبع. ٩٣٢ - تنكز * نائب السَّلطنة بدمشق، سيف الدين الناصري التُّركي. جُلِب إلى مصر وهو حَدَثٌ فنشأَ بها، ثم كان من خاصكيّة السلطان أيده الله تعالى، وكان معه بالكرك في سنة تسع وسبع مئة، وعاد السلطان إلى مصر وأباد أضدادَه وتَأمَّر تنكز، ثم بَعَثَه السلطانُ على نِيابة الشام في ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وتمكَّن، وسارَ في العساكر فافتتح مَلَطْيَة، وعَظُمَ شأنه، ولم يَزَل في ارتقاءٍ ورِفعة وكَثْرة أموال وأملاك إلى أن وَلَّت عنه الدنيا. وكان ذا سَطْوة وهَيبة وزَعَارَّة، وإقدام على الدماء، وله نفسٌ سَبُعيّة، وفيه عُتُوٌّ وحِرص مع دِيانة في الجُملة.

стр. 912

سمع "الصحيح" غيرَ مرَّة من ابن الشِّحْنة، وسمع "صحيح مسلم" وكتاب "الآثار" للطَّحَاوي، وسمع من عيسى المُطعِّم، وأبي بكر بن عبد الدائم، وحدَّث، قرأ عليه المَقْريزي "ثلاثيّات البخاري" بالمدينة النبوية. وكان فيه حِدّة وقِلّة رأفة، وَقَفَ مدرسة وأنشأ رِباطًا ببيت المقدس، ودارَ قرآن بدمشق، وجامعًا بظاهر دمشق، وكان محتجِبًا عن غالب الأمور، فدخل عليه الداخلُ من أناس مكَّنهم ثم استأصَلَهم، وكان لا يُفكِّر في العاقبة، ولا له رأيٌ ولا دهاء، ولكلِّ أجلٍ كتاب، بَيْنا هو في احتفال لعُرس ولديه الصبيَّين على ابنتي مولاه السلطان، إذ بلغ السلطانَ عنه أمور ومخالفةٌ لمَراسيمِه، فتَنمَّر له ودار عليه، وجَهَّز لإمساكه نائبَ صَفَد طشتمر، فبعثه وبادر الأمراء إلى خدمة طاشتمر بأمرٍ أتاهم، وركب الجيشُ، وأُغلقت أبواب البلد، ثم أتاه الحاجب قرمشي وطرنطيه البشمقدار، فحار وخذل، وخرج إلى نائب صفد وقد استَسلَم، فقُيِّد وبُعِث على البريد، ثم سَكَنَ البلدُ ولم يَنتطِح فيها عَنْزان، وذلك يوم الثالث والعشرين من ذي الحِجّة سنة أربعين وسبع مئة. ثم بعد اثني عشر يومًا وصل كبيرُ الدولة سيف الدين بشتك ونزل بقصر الملك الظاهر، وجُمِعت حواصل تنكز، وما كان استَكنَز من ذهب وجوهر وخيل ورقيق، وقصور وبساتين وقرى، مما لم يتهيَّأ مثلُه إلا لسلطان، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٦]، وأُوذِيَ غِلمانُه ونوّابه وأتباعه وعُصِروا، وأُخِذت أموالهم، وزاد البلاء. وبعد أيامٍ قُتِل مملوكاه: طغاي وجونغاي، اللذان دَمَّرا عليه وحسَّنا له الفرارَ خوفًا على أنفسهما، وكان قد اعتمد عليهما ففَعَلا في الأمور قبائحَ

стр. 913

وارتَشَيا كثيرًا، وكان لا تتمُّ ولايةٌ ولا عزلٌ حتى يستأذنَهما الحاجب أو الوالي، فما رَضِياه هو الذي يتمُّ وإن كان فيه فساد كبير، وما أبَيَاه لا يتمُّ ولو كان الأصلحَ والأَولى، ثم إنه هو لو اطَّلَع على حقائق الأمور لما كان في حَلِّ الأشياء يُبرِم أمرًا جيدًا، إما أن يعتدي وإما أن يقصر. كان سيِّئَ الرأي لا يصلح لسياسة الرعيَّة، بل هو حُطَمة غُشَمة جبّار، يخافه العدو والصديق، ويَحذَره المُحِقُّ والمُبطِل، لا يصفح عن ذنب ولا يُقِبل عَشْرة أحد، فصار له بهذا وقعٌ في النفوس وهَيْبة، وجمع المفسدين، وأكثر من سماع الغِناء، وشرب القِمِزّ (١)، وعمل قبائحَ، ومع هذا فلما أُخذ رَقَّ له كثير من الرعيّة وحزنوا له ولهَوْل مصرعه. ومات تحت الضرب بالثَّغر، وقيل: بل سُقى، وهو أصح، وذلك في العشر الأخير وصلَّى عليه أهل الثغر في المحرَّم سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، وله بضع وستون سنة. وأُخذت سَرَاريُّه وأولاده إلى مصر، ووُجِد له من الذهب النَّقد أزيد من ثلاث مئة ألف، ومن الدراهم ألف ألف ونحو ست مئة ألف، ومن الخيل والإبل والبغال نحو الألف، ومن الرَّقيق عِدّة، ومن الحواصل والعُدّة وفاخر الأمتعة ما لا يوصف، ومن الذخائر والجوهر والزركش ما يناسب ذلك، وأَخذوا الغُلامَيه ما يساوي مئتي ألف مثقال وأزيَد. وأُمسك في هذه الكائنة ثلاثة أمراء أعيان وأُخذت أمواله وكُحِل صاروجا، والآخران هما: طبيغا والجي بغا، وهَلَكَ جماعة، وتقدَّم آخرون، وتفاصيل

стр. 914

الأمور تزيد وتنقص، وأما أملاكه ووقوفه فشيء كثير إلى الغاية. اللهمَّ ففرِّج عن الأُمّة، وامحق الفجّار واكفِناهم بما شئتَ، آمين، فلقد كان تنكز سِياجًا على دمشق والناسُ في أمنٍ به، والظَّلمة كافُّون، والرعيّة في عافية من المصادَرة والعَسْف، فتفتَّحت أبواب وشرور. وكان سامحه الله تعالى أبيضَ إلى السُّمرة، رشيق القَدِّ إلى الطُّول، مليح الشعر خفيف اللحية، قليل الشيب، جَهْوريّ الصوت، في مِزاجه يُبْس وسوداء، في لسانه عُجْمة، جَلَبه خواجة علاء الدين السِّيواسي التاجر، فاشتراه حسام الدين لاجِين الذي تَسلطَن، فلمّا قُتِل لاجين ونائبه مَنكُوتمر، صار تنكز من خاصكيّة السلطان، وشهد معه وقعة وادي الخزندار، ثم وقعة شَقحَب، ومع تقدمه وعلوِّ رُتْبته لم يكن يصلح للمُلْك، ولا يجيء منه سلطان أبدًا، لبخله وحِرصه ولعدم وُدِّه للأمراء، بل كانوا منه في رَوْع وخوف، ومَن صادقه منهم يكون منه على وَجَل، ولا كان له كمال دهاءٍ ولا تمامُ شجاعة، ومن كان بهذه الصفات أنَّى يتملَّك، أنَّى ينبل؟! بل لو هرب لأَوشَك من اتَّبعه أن يُسلِموه هذا الذي أعتقده، وغاية ما عَزَمَ عليه أن يفرَّ إلى قلعة جَعبَر أو إلى درندة، وكان يؤتى به أسيرًا أو يُقتَل على فرسه، ولم تكن غلمانه ذوي عددٍ بالنسبة إلى حِشْمته، ولا كانوا معه في سَعَة كما ينبغي، بل كانوا يتألَّمون من أخلاقه وشُحِّه. ٩٣٣ - ابن تَمَّام * الشيخ العالم المقرئ، الخيِّر التقيّ، القُدْوة بَرَكة الوقت، أبو عبد الله

стр. 915

محمد بن أحمد بن تمَّام بن حسّان، التَّلّي ثم الصالحي، الحنبلي الخيّاط. مولده بطريق الحجِّ في سنة إحدى وخمسين وست مئة. وسمع في سنة ست وخمسين من: عمر بن عَوّة التاجر، وتمّام السروري، ومن ابن عبد الدائم، وعبد الوهاب بن محمد، والشيخ والمَقادِسة، ومن والده عن القَزْويني. خرَّجتُ له "مشيخة" في جزء ضخم، وسمع منه خلق كثير، وتفرَّد، واشتَهَر بالصَّلاح والتواضع، وطال عمرُه، وحدَّث أكثرَ من أربعين سنة. وكان يرتزق من خياطة الخام، ومما يُفتَح عليه، ويُؤثِر ويُطعِم. وكان مليح الوجه، بسّامًا ليِّن الكلمة، أمّارًا بالمعروف، له وقعٌ في النفوس ومحبّة في الصدور، نشأ في تصوُّن وعفاف، وتفقَّه قليلًا، وصحب الأخيار، كالشيخ شمس الدين ابن الكمال، ورافق الإمام شمس الدين بن مُسلَّم، والشيخ علي بن نَفيس. وكان سُنِّيًّا سلفيًّا، يحبُّنا في الله ونحبُّه، وكان نائب البلد تنكز يُكرِمه ويزوره، ويذهب هو إليه، ويَشفَع إليه. مُتِّع بحواسِّه وأبطأ عنه الشيب، وما زال يدخل إلى المدينة ويتسبَّب، والناسُ يتبركون برؤيته، إلى أن تَمرَّض نحو شهر، وانتقل إلى الله تعالى في ثالث عشر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وسبع مئة بمنزله، وشيَّعه خلق عظيم، وطاب الثَّناءُ عليه، رحمه الله تعالى. سمعتُ منه، وابناي، وابنُ ابني محمد. وكان أخوه الشيخ تقي الدين أديبًا بليغًا له نَظْم جيد، وروى لنا عن
следующие страницы →