Полный текст (682 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
(١١٠) المتمتع دم لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ١١٠: (وعلى المتمتع دم لقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية) ووقت وجوبه، قال القاضي: إذا وقف بعرفة، ورواه المروذي عن أحمد، وعنه يجب إذا أحرم بالحج لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهذا قد فعل ذلك، ولأن ما جعل غاية فوجود أوله كان كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، ووجه الأول أن التمتع بالعمرة إلى الحج إنما يحصل بعد وجود الحج منه ولا يحصل ذلك إلا بالوقوف، لقوله ﷺ : «الحج عرفة» ولأنه قبل ذلك يعرض للفوات فلا يحصل له التمتع فيعتبر وجود ما يأمن به فواته، ووقت إخراجه يوم النحر لأن ما قبله لا يجوز ذبح الأضحية فلا يجوز فيه هدي التمتع كقبل التحلل من العمرة. مسألة ١١١: (فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام يكون آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع) لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن المتمتع إذا لم يجد الهدي ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وقد نص الله سبحانه عليه في كتابه بقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية.
فأما وقت الصيام فالاختيار في الثلاثة أن يصومها في ثامن الإحرام بالحج ويوم النحر لقول الله سبحانه: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وكان ابن عمر وعائشة وإمامنا يقولون: يصومهن ما بين إهلاله بالحج ويوم عرفة، فإن لم يحرم إلا يوم التروية صام ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة. وقال طاوس: يصوم ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة، وصوم عرفة بعرفة غير مستحب وإنما أحببناه هاهنا لموضع الحاجة ولأنه واجب. وذكر القاضي في المجرد أنه يكون آخرها يوم التروية.
قال شيخنا: والمنصوص عن أحمد فيما وقفنا عليه من نصوصه أن يكون آخرها يوم عرفة، ولا خلاف في جواز ذلك، وإنما الخلاف في استحبابه. وأما وقت الجواز لصيام الثلاثة فأوله إذا أحرم بالعمرة. وعن ابن عمر: إنما يجوز صيامهن إذا تحلل من العمرة، اختاره ابن المنذر، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولأنه صيام واجب فلا يجوز
стр. 212
(١١٢) وإذا أراد القفول لم يخرج حتى يودع البيت بطواف عند فراغه من جميع أموره حتى يكون آخر عهده بالبيت
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
تقديمه على وقت وجوبه كسائر الصيام الواجب. ولنا أنه أحد إحرامي التمتع فجاز الصوم بعده وإن تخلف الوجوب كتقديم الزكاة بعد النصاب وقبل الحول، والكفارة بعد اليمين قبل الحنث. فأما قوله سبحانه: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] فقال بعض أهل العلم: معناه في أشهر الحج، وكلام أحمد يدل عليه بدليل من لم يحرم إلا يوم التروية. وأما تقديمه على وقت الوجوب فيجوز بعد السبب كتقديم التكفير قبل الحنث. (فصل) وأما السبعة الأيام فلها وقت اختيار واستحباب وجواز.
أما وقت الاختيار فإذا رجع إلى أهله لأنه عمل بالإجماع، وأقرب إلى موافقة لفظ الاختيار. قال ابن عمر: روي أن النبي ﷺ قال: «فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» متفق عليه.
وأما وقت الجواز فظاهر كلام أحمد أنه إذا رجع من مكة، ويكون معنى الآية إذا رجعتم من الحج لأنه ذكر ذلك بعد الحج فيكون متعلقًا به، ويمكن أن يقال: إن الله سبحانه جوز له تأخير الصيام حتى يرجع إلى أهله رخصة فلا يمنع ذلك الإجزاء قبله كما جوز تأخير صوم رمضان في السفر والمرض بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ثم لو صام في المرض والسفر جاز كذا هاهنا وهو الجواب عن الحديث.
(فصل) الاختيار لعموم الثلاثة - كما ذكرنا - أن يكون بعد الإهلال بالحج. والاستحباب أن يحرم بالحج يوم التروية، فلا [يتم له] الجمع بين المستحبين، [فماذا] يصنع؟
سئل أحمد ﵀ عن ذلك فقال: إن شاء قدم إهلاله بالحج.
وقال في موضع آخر كلامًا يشير إلى أنه إذا لم يكن بد من ترك أحد المستحبين فأيهما ترك جاز، فإن شاء ترك الإحرام يوم التروية وقدمه عليه، وإن شاء صام قبل الإحرام.
مسألة ١١٢: (وإذا أراد القفول لم يخرج حتى يودع البيت بطواف عند فراغه من جميع أموره حتى يكون آخر عهده بالبيت) لما روى ابن عباس قال: «أمر الناس أن يكون
стр. 213
(١١٣) فإن اشتغل بعده بتجارة أعاده
(١١٤) ويستحب له إذا طاف أن يقف في الملتزم بين الركن والباب فيلتزم البيت ويقول: اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا، وإلا فمن الآن
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» متفق عليه. ولمسلم قال: «كان الناس ينصرفون كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : "لا ينصرفن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» .
مسألة ١١٣: (فإن اشتغل بعده بتجارة أعاده) وذلك أن الوداع إنما يكون عند خروجه ليكون آخر عهده بالبيت، فإن طاف الوداع ثم اشتغل بتجارة أو إقامة أعاد طواف الوداع للحديث ولأنه إذا أقام خرج عن أن يكون وداعًا في العادة فلم يجز كما لو طاف قبل السفر.
مسألة ١١٤: (ويستحب له إذا طاف أن يقف في الملتزم بين الركن والباب، فيلتزم البيت) كما روى أبو داود «عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: طفت مع عبد الله فلما جئنا دبر الكعبة قلت: ألا نتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر فقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطهما بسطًا وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله» . وعن عبد الرحمن بن صفوان قال: «لما فتح رسول الله ﷺ مكة انطلقت فرأيت رسول الله ﷺ قد خرج من الكعبة هو وأصحابه قد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم، ووضعوا خدودهم على البيت، ورسول الله ﷺ وسطهم» رواه أبو داود، ورواه حنبل في المناسك، قال بعض أصحابنا: (ويقول في دعائه: اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا أوان انصرافي إن أذنت
стр. 214
، قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي، غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك. اللهم أصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير". ويدعو بما أحب ثم يصلي على النبي ﷺ
(١١٥) فمن خرج قبل الوداع رجع إليه إن كان قريبًا، وإن بعد بعث بدم
(١١٦) إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليهما ويستحب لهما الوقوف عند باب المسجد والدعاء
باب أركان الحج والعمرة أركان الحج: الوقوف بعرفة
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
، لي، غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير. وما زاد على ذلك من الدعاء فحسن. ثم يصلي على النبي ﷺ ) . والمرأة إذا كانت حائضًا على باب المسجد ودعت بذلك
مسألة ١١٥: (فمن خرج قبل الوداع رجع إن كان قريبًا، وإن أبعد بعث بدم) وذلك لأن طواف الوداع واجب يجب بتركه دم وليس بركن. فإذا خرج قبل فعله لزمه الرجوع إن كان قريبًا لأنه أمكنه الإتيان بالواجب من غير مشقة فلزمه، كما لو كان بمكة، وإن كان بعيدًا لم يلزمه الرجوع لأن فيه مشقة فلم يلزمه، كما لو رجع إلى بلده، لكن عليه دم. ولا فرق بين تركه عمدًا أو سهوًا أو خطأ فإن واجبات الحج لا فرق بين خطئها وعمدها. ودليل وجوبه ما سبق من حديث ابن عباس: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» متفق عليه.
مسألة ١١٦: (إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليهما) للخبر، والنفساء في معنى الحائض (ويستحب لهما الوقوف عند باب المسجد والدعاء) بما ذكرناه.
[باب أركان الحج والعمرة]
(أركان الحج: الوقوف بعرفة) فلا يتم الحج إلا به إجماعًا. وروى عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: «أتيت النبي ﷺ بعرفة، فجاءه نفر من أهل نجد فقالوا: يا رسول الله
стр. 215
وطواف الزيارة
وواجباته: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الليل، والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل، والسعي، والمبيت بمنى، والرمي، والحلق، وطواف الوداع
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
كيف الحج؟ قال: الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه» أخرجه أبو داود وابن ماجه. قال محمد بن يحيى: ما أرى للثوري حديثًا أشرف منه. (وطواف الزيارة) ركن لا يتم الحج إلا به، بدليل «قول النبي ﷺ حين ذكر له أن صفية حاضت قال: "أحابستنا هي؟ قيل: إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: فلتنفر إذًا» [رواه البخاري] فدل على أن هذا الطواف لا بد منه، وأنه حابس لمن لم يأت به.
[فصل في واجبات الحج والعمرة]
فصل: (وواجباته: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الليل، والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل، والسعي، والمبيت بمنى، والرمي، والحلق، وطواف الوداع) [فهي ثمانية] أما الإحرام فهو أن ينوي الدخول في العبادة. قال ابن عباس: «أوجب رسول الله ﷺ الإحرام حين فرغ من صلاته» [رواه أبو داود] وفي حديث جابر: «أمرنا النبي ﷺ لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى» [رواه مسلم] وفي حديث: «أمر النبي أصحابه أن يهلوا بالحج إذا خرجوا إلى منى» وأمرهم بالإحرام والأمر يقتضي الوجوب. ويستحب النطق بذلك كما في صلاة الفرض. ويحرم من الميقات كما فعل النبي ﷺ وقد قال: «خذوا عني مناسككم» . وأما الوقوف بعرفة إلى الليل فواجب، ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة، فإن النبي ﷺ : «وقف بعرفة حتى غابت الشمس» كذا في حديث جابر، فإن دفع قبل الغروب فعليه دم وحجه صحيح عند أكثرهم لقول النبي ﷺ في حديث عروة بن مضرس: "من «شهد صلاتنا ووقف معنا حتى ندفع ووقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه» قال الترمذي:
стр. 216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
حديث صحيح. فإذا تركه فعليه دم لقول ابن عباس: من ترك نسكًا فعليه دم. وأما المبيت بمزدلفة فواجب لما في حديث جابر «أن النبي ﷺ صلى الصبح حين تبين له الصبح» يعني بالمزدلفة. وفي حديث ابن مسعود: «صلى الفجر حين طلع الفجر» وهذا دليل على أنه بات بها وقد قال: «خذوا عني مناسككم» فإن دفع قبل نصف الليل فعليه دم لأنه لم يبت، وإن دفع بعد نصف الليل فلا شيء عليه لأنه يكون قد بات، ولأن «النبي ﷺ أرخص للعباس في ترك المبيت بمزدلفة» لأجل سقايته، وللرعاة من أجل رعايتهم. وذلك دليل على وجوبه على غيرهم لكونه سقط عن هؤلاء رخصة، وعنه أن المبيت بها غير واجب ولا شيء على تاركه، والمذهب الأول لما سبق.
[فصل في ركن السعي بين الصفا والمروة] ١
فصل: وأما السعي فعن أحمد ﵀ أنه لا يتم الحج إلا به ولا ينوب عنه دم بوجه وهو قول عائشة وعروة، وعنه أنه مستحب ولا يجب بتركه دم، روي ذلك عن ابن عباس وأنس وعبد الله بن الزبير، فإن الله تعالى قال: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] ، وفي مصحف أُبيّ وابن مسعود: "فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما" وهذا إن لم يكن قرآنًا فلا ينحط عن درجة الخبر لأنهما يرويانه عن النبي ﷺ . واختار القاضي أن يكون حكمه حكم الرمي يكون واجبًا ينوب عنه الدم، ووجه الأول ما روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: «طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون بين الصفا والمروة فكانت سنة، فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة» . وأما الآية فنزلت لما تحرج المسلمون من السعي بين الصفا والمروة في الإسلام لما كانوا يطوفون فيهما في الجاهلية لأجل صنمين كانا في الصفا والمروة. كذلك قالت عائشة. وروي «عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة وإن مئزره يدور في وسطه من شدة سعيه حتى أقول: إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» قال شيخنا: وقول القاضي أقرب
стр. 217
(١١٧) وأركان العمرة الطواف
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
إلى الحق إن شاء الله تعالى، فإن ما روت عائشة من فعل النبي ﷺ وفعل أصحابه دليل على وجوبه، ولا يلزم كونه ركنًا كالرمي والحلاق وغيرهما. وقول عائشة يعارضه قول غيرها، فمن مذهبه أنه ليس بواجب، وحديث بنت أبي تجراة قال ابن المنذر: يرويه عبد الله بن المؤمل وقد تكلموا في حديثه، ثم هو يدل على أنه مكتوب وهو الواجب.
[فصل في المبيت بمنى] ١
فصل: والمبيت بمنى واجب، وعنه أنه غير واجب، قال ابن عباس ﵁: إذا رميت فبت حيث شئت. ووجه الأولى ما سبق من الترخيص للعباس في المبيت بمزدلفة.
[فصل في رمي الجمرات] ١
فصل: والرمي واجب، قالت عائشة: «ثم رجع رسول الله ﷺ إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرات إذا زالت الشمس» رواه أبو داود. وقال جابر: «رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة ضحى يوم النحر ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس» ، أخرجه مسلم، وقد قال: «خذوا عني مناسككم» .
[فصل في الحلق والتقصير] ١
فصل: والحلق واجب؛ لأن النبي ﷺ فعله، قال أنس: «إن النبي ﷺ رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزله فدعا بذبح، ثم دعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن فحلقه فجعل يقسم بينه وبين من يليه الشعرة والشعرتين، ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه ثم قال: هاهنا أبو طلحة فدفعه إلى أبي طلحة " رواه أبو داود، وقد قال: "خذوا عني مناسككم» وأمر بالتقصير. وروي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من لم يكن له هدي فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة وليقصر وليحلل» [رواه مسلم] وهو أمر والأمر يقتضي الوجوب.
[فصل في طواف الوداع] ١
فصل: وطواف الوداع واجب، بدليل ما سبق من حديث ابن عباس: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت" إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» [متفق عليه] .
مسألة ١١٧: (وأركان العمرة الطواف) لأن النبي ﷺ أمر به، فروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة
стр. 218
(١١٨) وواجباتها الإحرام، والسعي، والحلق
(١١٩) فمن ترك ركنًا لم يتم نسكه إلا به ومن ترك واجبًا جبره بدم ومن ترك سنة فلا شيء علي
(١٢٠) ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر فقد فاته الحج، فيتحلل بطواف وسعي وينحر هديًا إن كان معه وعليه القضاء
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
وليقصر وليحلل» وأمره يقتضي الوجوب، متفق عليه، ولأنه طواف في عبادة كان ركنًا فيها كالحج.
مسألة ١١٨: (وواجباتها الإحرام، والسعي، والحلق) كما في الحج، وفعل النبي ﷺ ذلك وقد قال: «خذوا عني مناسككم» وقد أمر بالحلق في حديث ابن عمر بقوله: «فليقصر وليحلل» والتقصير مقام الحلق.
مسألة ١١٩: (فمن ترك ركنًا لم يتم نسكه إلا به) لما سبق، (ومن ترك واجبًا جبره بدم) لما سبق، (ومن ترك سنة فلا شيء عليه) لأنه ترك سنة في عبادة فلم يلزمه لها جبران كالصلاة.
مسألة ١٢٠: (ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج فيتحلل بطواف وسعي وينحر هديًا إن كان معه وعليه القضاء) .
في هذه المسألة أربعة فصول:
الأول: أن آخر وقت الوقوف آخر ليلة النحر فمن لم يدرك الوقوف حتى طلع الفجر فاته الحج، لا نعلم في ذلك خلافًا. «قال جابر: لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع. قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول الله ﷺ ذلك؟ قال: نعم» رواه الأثرم.
الثاني: أن يتحلل بطواف وسعي وحلاق، هذا الصحيح من المذهب، روي ذلك عن عمر وابن عمر وزيد وابن عباس وابن الزبير ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعًا. وروى الأثرم بإسناده أن هبار بن الأسود حج من الشام فقدم يوم النحر، فقال له عمر: ما حبسك؟ قال: حسبت أن اليوم عرفة. قال: فانطلق إلى البيت فطف به سبعًا وإن كانت معك هدية فانحرها ثم إذا كان عام قابل فاحجج وإن وجدت سعة فاهد فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت. وروى البخاري عن عطاء أن النبي ﷺ قال: «من فاته الحج فعليه دم وليجعلها عمرة وليحج من قابل» ولأنه يجوز فسخ الحج إلى
стр. 219
(١٢١) وإن أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك) (وإن فعل ذلك نفر منهم فقد فاتهم الحج
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
العمرة من غير فوات فمع الفوات أولى. إذا ثبت هذا فإنه يجعلها عمرة لحديث عطاء وهو قول من ذكرناه من الصحابة.
الثالث: أنه يلزمه القضاء من قابل سواء كان الفائت واجبًا أو تطوعًا، روي ذلك عن جماعة من الصحابة، وعن أحمد أنه لا قضاء عليه بل إن كانت فرضًا فعلها بالوجوب السابق وإن كانت نفلًا سقطت لأن «النبي ﷺ لما سئل عن الحج أكثر من مرة قال: بل مرة واحدة» [رواه ابن ماجه] . ولو أوجبنا القضاء كان أكثر من مرة، ولأنها عبادة تطوع بها فإذا فاتت لم يلزمه قضاؤها كسائر التطوعات، وعلى هذا يحمل قول الصحابة عن من كان حجه مفروضًا، والرواية الأولى أولى لما ذكرنا من الحديث وإجماع الصحابة، لأن الحج يلزم بالشروع فيصير كالمنذور بخلاف سائر التطوعات. وأما الحديث فإنه أراد الواجب بأصل الشرع حجة واحدة، وهذا إنما تجب بإيجابه لها بالشروع فيها فتصير كالمنذورة [وإذا قضى أجزأه القضاء عن الحجة الواجبة لا نعلم فيه خلافًا] .
الرابع: أن الهدي يلزم من فاته الحج في أصح الروايتين، وهو قول من سمينا من الصحابة في الفصل الثاني، والرواية الأخرى: لا هدي عليه لأنه لو كان الفوات سببًا لوجوب الهدي للزم المحصر هديان للفوات والإحصار. ولنا قول الصحابة وحديث عطاء، ولأنه تحلل من إحرامه قبل إتمامه فلزمه الهدي كالمحصر، والمحصر لم يف حجه ويخرج الهدي في سنة القضاء نص عليه، والحجة فيه حديث عمر المذكور في الفصل الثاني.
مسألة ١٢١: (وإن أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك) لأنه لا يؤمر مثل ذلك في القضاء فيشق (وإن فعل ذلك نفر منهم فقد فاتهم الحج) لتفريطهم، وقد روي أن عمر ﵁ قال لهبار: ما حبسك؟ قال: كنت أحسب أن اليوم عرفة، فلم يعذره بذلك.
стр. 220
(١٢٢) ويستحب لمن حج زيارة قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه ﵄
باب الهدي والأضحية والهدي والأضحية سنة
(١٢٣) لا تجب إلا بالنذر
(١٢٤) والتضحية أفضل من الصدقة بثمنها
(١٢٥) والأفضل فيهما الإبل ثم البقر ثم الغنم
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ١٢٢: (ويستحب لمن حج زيارة قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه ﵄) قال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ما من أحد يسلم علي عند قبري إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇» .
[باب الهدي والأضحية]
(والهدي والأضحية سنة) لأن «النبي ﷺ أهدى في حجته مائة بدنة، وضحى بكبشين أملحين موجوءين ذبحهما بيده وقال: "اللهم هذا منك ولك" [رواه أبو داود] [واضعًا قدمه على صفاحهما» ] .
مسألة ١٢٣: (ولا يجب الهدي والأضحية إلا بالنذر) فيقول: لله علي أن أذبح هذا الهدي أو هذه الأضحية، وإن قال: هذا نذر لله وجب، لأن لفظه يقتضي الإيجاب فأشبه لفظ الوقوف، ولا يجب بسوقه مع نيته، كما لا تجب الصدقة بالمال بخروجه به.
مسألة ١٢٤: (والتضحية أفضل من الصدقة بثمنها) لأن «النبي ﷺ نحر بدنة» [رواه البخاري] ، ولا يفعل إلا الأفضل.
مسألة ١٢٥: (والأفضل فيهما الإبل ثم البقر ثم الغنم) لأن النبي ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح [في الساعة الأولى] فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا، ومن
стр. 221
(١٢٦) ويستحب استحسانها واستسمانها
(١٢٧) ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثني مما سواه، وثني المعز ما له سنة، وثني الإبل ما كمل له خمس سنين، ومن البقر ما له سنتان
(١٢٨) وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة» متفق عليه.
مسألة ١٢٦: (ويستحب استحسانها واستسمانها) لقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] قال ابن عباس: هو الاستسمان والاستحسان.
مسألة ١٢٧: (ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن) وهو الذي به ستة أشهر (والثني من غيره ومن المعز ما له سنة، وثني الإبل ما كمل له خمس سنين ومن البقر ما له سنتان) لما روى ابن ماجه عن أم بلال بنت هلال عن أبيها أن رسول الله ﷺ قال: «يجوز الجذع من الضأن أضحية» «وعن عاصم بن كليب عن أبيه قال: كنا مع رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فقال له مجاشع من بني سليم: فغرت الغنم، فأمر مناديًا فنادى أن رسول الله ﷺ كان يقول: "الجذع يوفي بما توفي منه الثنية» رواه ابن ماجه، وأحكام الهدي والأضاحي سواء. قال أبو عبيد الهروي: قال إبراهيم الحربي: إنما يجزئ الجذع من الضأن في الأضاحي، لأنه ينزو فيلقح، فإذا كان من المعز لم يلقح حتى يصير ثنيًا.
مسألة ١٢٨: (وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة) وروى جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من
стр. 222
(١٢٩) ولا تجزئ العوراء البين عورها، ولا العجفاء التي لا تنقى، ولا العرجاء البين ظلعها، ولا المريضة البين مرضها
(١٣٠) ولا العضباء التي ذهب أكثر قرنها أو أذنها
(١٣١) وتجزئ الجماء والبتراء والخصي وما شقت أذنها أو خرقت أو قطع أقل من
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الضأن» رواه ابن ماجه، «وعن جابر قال: كنا ننحر البدنة عن سبعة، فقيل له: والبقر؟ فقال: وهل هي إلا من البدن» [رواه مسلم] . وأحكام الهدي والأضاحي سواء.
مسألة ١٢٩: (ولا تجزئ العوراء البين عورها، ولا العجفاء التي لا تنقى، ولا العرجاء البين ظلعها، ولا المريضة البين مرضها) قال البراء بن عازب: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها والعرجاء البين عرجها والكسيرة التي لا تنقى» [رواه ابن ماجه] .
مسألة ١٣٠: (ولا تجزئ العضباء التي ذهب أكثر قرنها أو أذنها) لما روي عن علي ﵁ قال: «نهى النبي ﷺ أن يضحي بأعضب الأذن والقرن» [رواه ابن ماجه] قال قتادة: فسألت سعيد بن المسيب فقال: نعم العضب النصف فأكثر من ذلك. رواه النسائي.
مسألة ١٣١: (وتجزئ الجماء والبتراء والخصي وما شقت أذنها أو خرقت أو قطع أقل من نصفها) والأبتر المقطوع الذنب؛ لأن ذلك ليس بمقصود، والجماء التي لم يخلق لها قرن فتجزئ لأن القرن غير مقصود، ويجزئ الخصي لأن «النبي ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين موجوءين» والموجوء الذي رضت خصيتاه أو قطعتا، ولا فرق بينهما لأن المرضوض كالمقطوع ولأن ذلك العضو غير مستطاب وذهابه يؤثر في سمنه وكثرة اللحم، وطيبه لا نعلم فيه خلافًا.
١ -
стр. 223
نصفها
(١٣٣) والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى
(١٣٤) وذبح البقر والغنم على صفاحها
(١٣٥) ويقول عند ذلك: " باسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك "
(١٣٦) ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم وإن ذبحها صاحبها فهو أفضل
(١٣٧) ووقت الذبح يوم العيد بعد صلاة العيد إلى آخر يومين من أيام التشريق
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ١٣٢: وتجزئ ما شقت أذنها بالكي أو خرقت أو قطع أقل من نصفها لأنه يسير ولا يمكن التحرز منه لا نعلم فيه خلافًا.
مسألة ١٣٣: (والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى) لقوله : ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] وقال زياد بن جبير: «رأيت ابن عمر أتى على رجل أناخ بدنته ينحرها فقال: ابعثها قيامًا مقيدة، سنة محمد ﷺ » . متفق عليه.
مسألة ١٣٤: (وذبح البقر والغنم) لأن «عائشة ﵂ قالت: "دخل علينا بلحم بقر، فقلت ما هذا؟ فقيل: ذبح النبي ﷺ عن أزواجه» [رواه البخاري] ، وقال أنس: «ضحى النبي ﷺ بكبشين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما» متفق عليه، «ونحر النبي ﷺ بيده ثلاثًا وستين بدنة وأعطى عليًا فنحر ما غبر منها» .
مسألة ١٣٥: (ويستحب أن يقول عند الذبح: باسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك) لما روى أنس قال: «ضحى النبي ﷺ بكبشين ذبحهما بيده وسمى وكبر» متفق عليه، وروى جابر «أن رسول الله ﷺ قال عند أضحيته: "اللهم هذا منك ولك وعن محمد وأمته، باسم الله والله أكبر" ثم ذبح» .
مسألة ١٣٦: (ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم) لأنها قربة (وإن ذبحها صاحبها فهو أفضل) لحديث أنس.
مسألة ١٣٧: (ووقت الذبح يوم العيد بعد صلاة العيد) أو قدرها (إلى آخر يومين
стр. 224
(١٣٨) وتتعين الأضحية بقوله: هذه أضحية، والهدي بقوله: هذا هدي وإشعاره وتقليده مع النية
(١٣٩) ولا يعطى الجزار بأجرته شيئًا منها
(١٤٠) والسنة أن يأكل ثلث أضحيته، ويهدي ثلثها، ويتصدق بثلثه، وإن أكل أكثر جاز
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
من أيام التشريق) لما روى البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك. ومن ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى» متفق عليه. هذا في حق أهل المصر، فأما غيرهم فبقدر الصلاة والخطبة، لأنه تعذر في حقهم اعتبار حقيقة الصلاة فاعتبر قدرها، وآخر وقتها آخر اليومين الأولين من أيام التشريق، لأن النبي ﷺ : «نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث» متفق عليه، فوجه الحجة أنه منع من الزيادة على ثلاث ولا ينبغي أن ينهى عن الادخار في زمن التضحية، فلو جازت التضحية في اليوم الرابع كان ناهيًا عن إمساك اللحم في يوم يحل إمساك اللحم وأكله فيه.
مسألة ١٣٨: (وتتعين الأضحية بقوله: هذه أضحية) أو هذا لله، ونحوه من القول، ولا يحصل ذلك بالشراء مع النية لأنه إزالة ملك على وجه القربة فلم تؤثر فيها النية المقارنة للشراء كالوقف والعتق (وكذلك الهدي، ويتعين بإشعاره أو تقليده مع النية) كما لو أذن على باب بيته وأذن بالصلاة فيه.
مسألة ١٣٩: (ولا يعطى الجزار بأجرته شيئًا منها) لما روي عن علي ﵁ قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أقسم جلودها وجلالها، وأن لا أعطي الجازر منها شيئًا، وقال: "نحن نعطيه من عندنا» متفق عليه.
مسألة ١٤٠: (والسنة أن يأكل من أضحيته ثلثها ويهدي ثلثها ويتصدق بثلثها) لما روى عمر «عن النبي ﷺ في الأضحية قال: "ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السؤال بالثلث» قال الحافظ أبو موسى: هذا حديث حسن. وقال ابن عمر: الضحايا والهدايا ثلث لك وثلث لأهلك وثلث للمساكين (وإن أكل أكثر جاز) لأنها سنة غير واجبة.
стр. 225
(١٤١) وله أن ينتفع بجلدها (١٤٢) ولا يبيعه
ولا شيئا منها
(١٤٣) فأما الهدي إن كان تطوعا استحب له الأكل منه، لأن النبي ﷺ أمر من كل جزور ببضعة فطبخت فأكل من لحمها، وحسا من مرقها
(١٤٤) ولا يأكل من واجب إلا من هدي المتعة والقران
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ١٤١: (وله أن ينتفع بجلدها) ويصنع منه النعال والخفاف والفراء والأسقية ويدخر منها، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوها ما بدا لكم» رواه مسلم، ولأن الجلد جزء من الأضحية فجاز الانتفاع به كاللحم، (ولا يبيع جلدها) لأنه لا يجوز بيع شيء منها والجلد جزء منها.
مسألة ١٤٢: (ولا يجوز أن يبيع شيئًا منها) لأنه لا يجوز أن يعطى الجازر بأجرته شيئًا منها للخبر فكذلك لا يجوز أن يبيع شيئًا منها.
مسألة ١٤٣: (فأما الهدي إن كان تطوعًا استحب له الأكل منه، لأن النبي ﷺ أمر من كل جزور ببضعة فطبخت وأكل من لحمها وحسا من مرقها) في حديث جابر.
مسألة ١٤٤: (ولا يأكل من واجب إلا من هدي التمتع والقران) لأن أزواج النبي ﷺ كن متمتعات إلا «عائشة فإنها كانت قارنة لإدخالها الحج على العمرة وقالت: إن رسول الله ﷺ نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة، قالت: فدخل علينا لحم بقر فقلت ما هذا؟ فقيل: ذبح رسول الله ﷺ عن أزواجه» ولأنه دم نسك فجاز الأكل منه كالأضحية، ولا يجوز الأكل من واجب سواها لأنه كفارة فلم يجز الأكل منه ككفارة اليمين، وعنه: له الأكل من الجميع إلا المنذور وجزاء الصيد، وروت أم سلمة عن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي» رواه مسلم.
стр. 226
باب العقيقة (١٤٥) وهي سنة، عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة، تذبح يوم سابعه، ويحلق رأسه ويتصدق بوزنه ورقا، فإن فات يوم سابعه ففي أربعة عشر، فإن فات ففي أحد وعشرين
(١٤٦) وينزعها أعضاء ولا يكسر لها عظمًا وحكمها حكم الأضحية فيما سوى ذلك
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[باب العقيقة]
مسألة ١٤٥: هي الذبيحة عن المولود، (وهي سُنّة) لما روى سمرة أن النبي ﷺ قال: «كل غلام رهينة بعقيقة تذبح عنه يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه» رواه أبو داود (عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة) لما روت أم كرز الكعبية قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة» رواه أبو داود. وقالت عائشة: السنة شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة تطبخ جدولًا ولا يكسر عظمها ويأكل ويطعم ويتصدق (وذلك في اليوم السابع، ويحلق رأسه ويتصدق بوزنه ورقًا) [لأن النبي ﷺ «عق عن الحسن والحسين ﵄ بكبش كبش وأنه تصدق بوزن شعرهما ورقًا» . رواه سعيد] (فإن فات ففي أربعة عشر، فإن فات ففي أحد وعشرين) لما روى بريدة عن النبي ﷺ «قال في العقيقة: "تذبح لسبع، ولأربع عشرة، ولإحدى وعشرين» أخرجه الحسين بن يحيى بن عباس القطان.
مسألة ١٤٦: (وينزعها أعضاء ولا يكسر لها عظمًا) لحديث عائشة تفاؤلًا بسلامة أعضائه (وحكمها حكم الأضحية فيما سوى ذلك) قياسًا عليها.
стр. 227
كتاب البيوع قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] والبيع معاوضة المال بالمال (١) ويجوز بيع كل مملوك فيه نفع مباح
(٢) إلا الكلب فإنه لا يجوز بيعه ولا غرم على، متلفه لأن النبي
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[كتاب البيوع]
(قال الله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، والبيع معاوضة المال بالمال) لغرض التملك.
مسألة ١: (ويجوز بيع كل مملوك فيه نفع مباح) ويشترط لصحة البيع أن يكون المبيع مملوكًا لبائعه أو مأذونًا له فيه، فإن باع ملك غيره بغير إذنه لم يصح لقول النبي ﷺ لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» رواه ابن ماجه والترمذي وقال: حديث صحيح، يعني ما لا تملك لأنه ذكره جوابًا له حين سأله أن يبيع الشيء ثم يمضي ويشتريه ويسلمه، ولاتفاقنا على صحة بيع ماله الغائب عنه، ولأنه عقد على ما لا يقدر على تسليمه أشبه بيع الطير في الهواء، وعنه يصح ويقف على إجارة المالك، لما «روى عروة بن الجعد البارقي أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا ليشتري به شاة فاشترى به شاتين ثم باع إحداهما بدينار في الطريق، قال: فأتيت النبي ﷺ بالدينار والشاة وأخبرته فقال: "بارك الله لك في صفقة يمينك» رواه الأثرم وابن ماجه، ولأنه عقد له مخير حال وقوعه فيجب أن يقف على إجازته كالوصية فيما زاد على الثلث لأجنبي، والصحيح الأول، وحديث عروة محمول على أنه كانت وكالته مطلقة بدليل أنه سلم وتسلم وليس ذلك لغير المالك باتفاق، وأما الوصية فيتأخر فيها القبول عن الإيجاب، ولا يعتبر أن يكون له تخير حال وقوع العقد، ويجوز فيها من الغرر ما لا يجوز في البيع فافترقا. وقوله: "فيه نفع مباح" احتراز عما فيه نفع محرم كآلات اللهو فإنه لا يجوز بيعها لأنها محرمة.
مسألة ٢: (إلا الكلب فإنه لا يجوز بيعه) وإن كان معلمًا، لما روى أبو مسعود
стр. 228
- ﷺ «نهى عن ثمن الكلب»
(٣) ولا يجوز بيع ما ليس بمملوك لبائعه إلا بإذن مالكه أو ولاية عليه
(٤) ولا بيع ما لا نفع فيه كالحشرات
(٥) ولا ما نفعه محرم كالخمر والميتة
(٦) ولا بيع معدوم كالذي تحمله أمته أو شجرته، أو مجهول كالحمل
(٧) والغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته، ولا معجوز عن تسليمه كالآبق والشارد والطير في الهواء والسمك في الماء
(٨) ولا بيع المغصوب إلا لغاصبه أو من يقدر على أخذه منه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الأنصاري «أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب وقال: "ثمن الكلب خبيث» متفق عليه. (ولا غرم على متلفه) لذلك، ولأنه لا قيمة له.
مسألة ٣: (ولا يجوز بيع ما ليس بمملوك لبائعه إلا بإذن مالكه أو ولاية عليه) لما سبق من حديث حكيم بن حزام.
مسألة ٤: (ولا يجوز بيع ما لا نفع فيه كالحشرات) لأنه لا قيمة لها وهي محرمة أشبهت الميتة.
مسألة ٥: (ولا يجوز بيع ما نفعه محرم كالخمر والميتة) لقوله ﷺ : «إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه» [رواه أبو داود] ، وفي حديث جابر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» متفق عليه.
مسألة ٦: (ولا يجوز بيع معدوم كالذي تحمل أمته أو شجرته) لأنه مجهول غير مقدور على تسليمه، (ولا يجوز بيع المجهول كالحمل) لجهالته.
مسألة ٧: (ولا يجوز بيع الغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته) لجهالته (ولا بيع معجوز عن تسليمه كالآبق والطير في الهواء والسمك في الماء) لأن القدرة على التسليم شرط في صحة البيع ولم يوجد.
مسألة ٨: (ولا يجوز بيع المغصوب لذلك إلا لغاصبه أو لمن يقدر على أخذه منه) لأنه يقدر على تسليمه.
стр. 229
(٩) ولا بيع غير معين كعبد من عبيده أو شاة من قطيعه إلا فيما تتساوى أجزاؤه كقفيز من صبرة
فصل ونهى رسول الله ﷺ عن الملامسة وعن المنابذة
(١٠) وعن بيع الحصاة
(١١) وعن بيع الرجل على بيع أخيه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٩: (ولا يجوز بيع غير معين كعبد من عبيده أو شاة من قطيعه) لجهالته، (فإن تساوت أجزاؤه كقفيز من صبرة معينة صح) لأنه يصير معلومًا.
[فصل في حكم بيع الملامسة والمنابذة]
فصل: (ونهى النبي ﷺ عن الملامسة والمنابذة) في المتفق عليه لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في فساد هذين البيعين، وقد روي عن النبي ﷺ أنه: «نهى عن الملامسة والمنابذة» متفق عليه. والملامسة أن يبيعه شيئًا ولا يشاهده على أنه متى لمسه وقع البيع، والمنابذة أن يقول: أي ثوب نبذته إلي فقد اشتريته، وفي البخاري أن رسول الله ﷺ نهى عن المنابذة، وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة، والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه، وعلة المنع من ذلك كون المبيع مجهولًا لا يعلم.
مسألة ١٠: (ونهى عن بيع الحصاة) فروى مسلم عن أبي هريرة «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحصاة» [رواه مسلم] . واختلف في تفسيره فقيل: هو أن يقول: ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بكذا، وقيل: هو أن يقول بعتك من هذه الضيعة مقدار ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا، وقيل: هو أن يبيعه شيئًا فإذا رمى بالحصاة فقد وجب البيع. والعلة في فساد ذلك ما فيه من الغرر والجهالة، ولا نعلم في فساده خلافًا.
مسألة ١١: (ونهى عن بيع الرجل على بيع أخيه) لقوله ﷺ : «لا يبع بعضكم على بيع بعض» [رواه البخاري] ومعناه أن الرجلين إذا تبايعا فجاء آخر إلى المشتري فقال: أنا أبيعك مثل هذه السلعة بدون الثمن الذي اشتريت به، أو قال: أبيعك خيرًا منها
стр. 230
(١٢) وعن بيع حاضر لباد، وهو أن يكون له سمسارا
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
بثمنها، أو عرض عليه سلعة أخرى حسب ما ذكره، فهذا غير جائز، لنهي النبي ﷺ عنه، لما فيه من الإضرار بالمسلم والإفساد عليه، فيكون حرامًا. فإن خالف وعقد البيع فالبيع باطل لأنه نهى عنه والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
مسألة ١٢: (ونهى أن يبيع حاضر لباد) والبادي هاهنا هو من يدخل البلدة من غير أهلها سواء كان بدويًا أو من قرية أو بلدة أخرى. قال ابن عباس: «نهى رسول الله ﷺ أن تتلقى الركبان، وأن يبيع حاضر لباد"، قال: فقلت لابن عباس: ما قوله حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارًا» . متفق عليه. وروى مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» ، والمعنى في ذلك أنه متى ترك البدوي يبيع سلعته اشتراها الناس برخص وتوسع عليهم السعر، فإذا تولى الحاضر بيعها وامتنع أن يبيعها إلا بسعر البلد ضاق على أهل البلد فيضر بهم، فنهى عنه ﷺ ، وعنه يصح، وأن النهي اختص بأول الإسلام لما عليهم من الضيق في ذلك، والأول المذهب لعموم النهي، وما ثبت في حق الصحابة ثبت في حقنا ما لم يقم على اختصاصهم به دليل.
١ -
فصل: ويشترط لعدم الصحة خمسة شروط: أن يحضر البدوي لبيع سلعته بسعر يومها جاهلًا سعرها ويقصدها الحاضر وبالناس حاجة إليها، وإنما اشترط ذلك لأن النهي معلل بالضرر الحاصل من الضيق على أهل المصر وإغلاء أسعارهم، ولهذا قال ﷺ : «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» ولا يحصل الضرر إلا باجتماع الشروط الخمسة:
أحدها: أن يحضر البادي لبيع سلعته، فأما إن جاء بها ليأكلها أو يخزنها أو يهديها فليس في بيع الحاضر له تضييق بل فيه توسعة.
الثاني: أن يحضر ليبيعها بسعر يومها، فأما إن أحضرها وفي نفسه أن لا يبيعها رخيصة فليس في بيعه له تضييق.
الثالث: أن يقصده الحاضر، فإن كان هو القاصد للحاضر جاز لأن التضييق حصل منه لا من الحاضر فأشبه ما لو امتنع هو من بيعها إلا بسعر غال.
стр. 231
(١٣) وعن النجش وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها
(١٤) وعن بيعتين في بيعة، وهو أن يقول: بعتك هذا بعشرة صحاح أو عشرين مكسرة، أو يقول: بعتك هذا على أن تبيعني هذا أو تشتري مني هذا
(١٥) وقال: «لا تلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق»
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الرابع: أن يكون جاهلًا بسعرها، فإن كان عالمًا بسعرها لم تحصل التوسعة بتركه بيعها لأن الظاهر أنه لا يبيعها إلا بسعرها.
الخامس: أن يكون بالناس حاجة إلى سلعته كالأقوات ونحوها لأن ذلك هو الذي يعم الضرر بغلو سعره.
مسألة ١٣: (ونهى عن النجش، وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها) ليقتدي به من يريد شراءها يظن أنه لم يزد فيها هذا القدر إلا وهي تساويه فيغتر بذلك، فهذا خداع وهو حرام. وقد روى ابن عمر «أن النبي ﷺ نهى عن النجش» وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد» متفق عليهما.
مسألة ١٤: (ونهى عن بيعتين في بيعة، وهو أن يقول: بعتك هذا بعشرة صحاح أو عشرين مكسرة) أو بعشرة نقدًا أو عشرين نسيئة، فهذا لا يصح لأن «النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة» ، حديث صحيح [رواه الترمذي] وهو هذا، ويحتمل أن يصح بناء على قوله في الإجارة: إن خطته روميًا فلك نصف درهم، وإن خطته فارسيًا فلك درهم، فإن فيها وجهين.
مسألة ١٥: (وقال ﷺ : «لا تلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق» رواه البخاري، وروي أنهم كانوا يتلقون الأجلاب فيشترون منهم الأمتعة قبل أن يهبط بها الأسواق، فربما غبنوهم غبنًا بينًا فيضروا بهم، وربما أضروا بأهل البلد لأن الركبان إذا وصلوا باعوا أمتعتهم، وهؤلاء الذين يتلقونهم لا يبيعون سريعًا ويتربصون به السعر، فهو في معنى بيع الحاضر للبادي فنهى النبي ﷺ عن ذلك، وروى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ولا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد» وعن أبي هريرة مثله، متفق عليهما، فإن
стр. 232
(١٦) وقال: «من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه»
باب الربا
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
خالف وتلقى الركبان واشترى منهم فالبيع صحيح لأن في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه واشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار» هكذا رواه مسلم، والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح، ولأن النهي لا لمعنى في البيع، بل يعود إلى ضرب من الخديعة يمكن استدراكها بإثبات الخيار فأشبه بيع المصراة.
مسألة ١٦: (وقال ﷺ : «من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه» «وروى ابن عمر قال: " رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله ﷺ حتى يؤوه إلى رحالهم» ، وقال ﷺ : «من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه» متفق عليهما، ولمسلم عن ابن عمر: «كنا نشتري من الركبان جزافًا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه» و [قال ابن المنذر] أجمع أهل العلم على أن من اشترى طعامًا فليس له أن يبيعه حتى يستوفيه.
[باب الربا]
وهو في اللغة الزيادة، قال الله : ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] وقال : ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢] أي أكثر عددًا، ويقال: أربى فلان على فلان إذا زاد عليه.
وهو في الشرع الزيادة في أشياء مخصوصة، وهو محرم بقوله سبحانه: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، وقال ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» ، وقال ﷺ : «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه» متفق عليهما. وأجمعت الأمة على أن الربا محرم. والأعيان المنصوصة على الربا
стр. 233
عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى»
(١٧) ولا يجوز بيع مطعوم - مكيل أو موزون - بجنسه إلا مثلًا بمثل
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
فيها ستة وهي « (في حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: "الذهب بالذهب مثلًا بمثل، والفضة بالفضة مثلًا بمثل، والتمر بالتمر مثلًا بمثل، والبر بالبر مثلًا بمثل، والشعير بالشعير مثلًا بمثل، والملح بالملح مثلًا بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى) ، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدًا بيد وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدًا بيد وبيعوًا البر بالشعير كيف شئتم يدًا بيد» ، رواه مسلم.
مسألة ١٧: (ولا يجوز بيع مطعوم - مكيل أو موزون - بجنسه إلا مثلًا بمثل) لأن النبي ﷺ : «نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثل» رواه مسلم من حديث معمر بن عبد الله. والمماثلة المعتبرة في الشرع هي المماثلة في الكيل والوزن، فدل على أنه لا يحرم إلا في مطعوم يكال أو يوزن، ولا يحرم فيما لا يطعم كالأشنان والحديد، ولا فيما لا يكال كالبطيخ والرمان، وهي إحدى الروايات في علة الربا عن أحمد، ﵀، فعلى هذه تكون علة الربا في الذهب والفضة الثمنية لأنها وصف شرف فيصلح العليل بها كالطعام، والرواية الأخرى أن العلة في الذهب والفضة الوزن والجنس، وفي غيرهما الكيل والجنس، لما روي عن عمار أنه قال: العبد خير من العبدين والثوب خير من الثوبين، فما كان يدًا بيد فلا بأس، إنما الربا في النسأ إلا ما كيل أو وزن، وروى الإمام أحمد في المسند عن أبي حبان عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الربا وهو الربا. فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل، فقال: لا بأس إن كان يدًا بيد» ولأن قضية البيع المساواة والمؤثر في تحققها الكيل والوزن والجنس، فإن الكيل يسوي بينهما صورة، والجنس يسوي بينهما معنى، فكانا علة. ووجدنا الزيادة في الكيل محرمة دون الزيادة في الطعم بدليل بيع الثقيلة بالخفيفة فإنه
стр. 234
(١٨) ولا يجوز بيع مكيل من ذلك بشيء من جنسه وزنا ولا موزون كيلا
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
جائز إذا تساويا في الكيل، ولو كانت العلة في الطعم لجرى الربا في الماء لكونه مطعومًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] . والرواية الثالثة أن العلة فيما عدا الأثمان كونه مأكول جنس فيختص بالمطعومات ويخرج منه ما عداها. والعلة في الذهب والفضة الثمنية وهو مذهب الشافعي، فيختص الذهب والفضة، ودليله حديث معمر وقد سبق، ولأن الطعم وصف شرف إذ به قوام الأبدان، والثمنية وصف شرف إذ بها قوام الأموال، فيقتضي التعليل بهما. ولأنه لو كانت العلة في الأثمان الوزن لما جاز إسلامهما في الموزونات، لأن أحد وصفي علة ربا الفضل يكفي في تحريم النسأ. إذا ثبت هذا فعلى الرواية الأولى متى اجتمع الطعم والجنس والكيل والوزن حرم الربا رواية واحدة، وما وجد فيه أحد الوصفين الطعم والكيل أو الوزن واتحد جنسه ففيه روايتان واختلاف بين أهل العلم كالأشنان والحديد والرصاص والبطيخ والرمان، ولا فرق في المأكولات بين ما يؤكل قوتًا أو تفكهًا كالفواكه أو تداويًا كالإهليلج، فإن الكل واحد في باب الربا. والله أعلم.
مسألة ١٨: (ولا يجوز بيع مكيل من ذلك بجنسه وزنًا، ولا موزون كيلًا) قد سبق أن قضية البيع المساواة، والمساواة المرعية في الشرع هي المساواة في المكيل كيلًا وفي الموزون وزنًا، فإذا تحققت المساواة في ذلك لم يضر اختلافها فيما سواه، وإن لم توجد المساواة في ذلك لم يصح البيع لقول النبي ﷺ : «الذهب بالذهب وزنًا بوزن، والبر بالبر كيلًا بكيل» رواه الأثرم في حديث عبادة، ولأبي داود ولفظه: «البر بالبر مدًا بمد والشعير بالشعير مدًا بمد فمن زاد أو ازداد فقد أربى» ، فأمر بالمساواة في الموزونات المذكورة في الوزن وأمر بالمساواة في المكيلات في الكيل، ولأن حقيقة الفضل مبطلة للبيع والمساواة مشترطة فيجب العلم بوجود الشرط، فلا يجوز بيع المكيل بالمكيل وزنًا لأن تماثلهما في الكيل شرط، فمتى باع رطلًا خفيفًا منه برطل ثقيل حصل في كفة الخفيف أكثر مما في كفة الثقيل، فربما حصل في رطل حنطة ثقيلة ثلثا مد ويحصل في رطل الخفيفة مد فيفوت التساوي المشترط، ولا يجوز بيع الموزون بالموزون كيلًا لإفضائه إلى التفاضل على مثل ما ذكرنا في الكيل.
стр. 235
(١٩) وإن اختلف الجنسان جاز بيعه كيف شاء يدًا بيد
(٢٠) ولم يجز النسأ فيه
(٢١) ولا التفرق قبل القبض
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ١٩: (وإن اختلف الجنسان جاز بيعه كيف شاء يدًا بيد) يعني يجوز بيعه كيلًا ووزنًا وجزافًا، لأن النبي ﷺ قال في الأعيان الستة: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد» رواه أبو داود.
مسألة ٢٠: (ولم يجز النسأ فيه) لذلك. وفي لفظ أبي داود: «لا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما يدًا بيد، وأما نسيئة فلا. ولا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما يدًا بيد، وأما نسيئة فلا» . فما اتحدت عليه ربا الفضل فيهما كالمكيل بالمكيل والموزون بالموزون عند من يعلل بهما، والمطعوم عند من يعلل به، فهذا لا خلاف بين أهل العلم في تحريم النسأ فيهما، وما اختلفت علتاهما كالمكيل بالموزون ففيه روايتان عن أحمد: إحداهما: لا يجوز النسأ فيهما بالقياس على ما اتفقت علتهما، والرواية الثانية: يجوز لأنه لم يجتمع فيهما أحد وصفي علة الربا أشبها الثياب بالحيوان، ويخرج من القسمين إذا كان أحد العوضين ثمنًا والآخر من غير ثمن فإنه يجوز النسأ فيهما بغير خلاف، لأن الشرع رخص في السلم، والأصل في رأس المال السلم النقدان، فلو قلنا لا يجوز انسد باب السلم في الموزونات على ما عليه الأصل الغالب فأثرت رخصة الشرع في التجويز.
مسألة ٢١: (ولا يجوز النسأ فيه ولا التفرق قبل القبض) لقوله ﷺ : «يدًا بيد» فيحتمل أنه أراد به القبض وعبر باليد عن القبض، ويحتمل أنه أراد به الحلول وترك النسيئة، لأننا لو اشترطنا القبض في جميع ما يحرم فيه النسأ لم يبق فيه ربا نسيئة لكون العقد يفسد بترك التقابض، والإجماع منعقد على أن من أنواع الربا ربا النسيئة، قال أبو الخطاب: ما اتفقت علتهما كالحنطة بالشعير والذهب بالفضة لم يجز التفرق فيهما قبل القبض، وإن فعلا بطل العقد، وما اختلفت علتهما كالمكيل بالموزون جاز التفرق فيهما قبل القبض، رواية واحدة، قال شيخنا: وهذا ينبغي أن يكون في غير المطعوم، فأما المطعوم فإن فيه رواية لأن الربا يجري فيه، فعلى هذه لا يجوز التفرق فيه قبل القبض أيضًا، وعلى الرواية الأخرى يجوز.
стр. 236
(٢٢) إلا في الثمن بالمثمن
(٢٣) وكل شيئين جمعهما اسم خاص فهما جنس واحد
(٢٤) إلا أن يكونا من أصلين مختلفين، فإن فروع الأجناس أجناس، وإن اتفقت أسماؤها كالأدقة والأدهان
(٢٥) ولا يجوز بيع رطب منها بيابس من جنسه
(٢٦) ولا خالصه بمشوبه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٢٢: (إلا في الثمن بالمثمن) يعني فإنه يجوز التفرق فيه قبل القبض والنسأ لما سبق.
مسألة ٢٣: (وكل شيئين جمعهما اسم خاص) [من أصل الخلقة] (فهما جنس واحد) يشمل أنواعًا كالذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، فإذا اتفق شيئان في الاسم الخاص من أصل الخلقة فهما جنس واحد كأنواع التمر والبر، وإن اختلفا في الاسم من أصل الخلقة فهما جنسان كالستة المذكورة في الخبر لأن النبي ﷺ حرم الزيادة فيها إذا بيع منها شيء بما يوافقه في الاسم، وأباحها إذا بيع بما يخالفه في الاسم، فدل على أن ما اتفقا في الاسم جنس، وما اختلفا فيه جنسان.
مسألة ٢٤: (إلا أن يكونا من أصلين مختلفين، فإن فروع الأجناس أجناس) تعتبر بأصولها، فما أصله جنس واحد فهو جنس واحد وإن اختلفت أسماؤه، وما أصله أجناس، فهو أجناس (وإن اتفقت أسماؤه) فدقيق الحنطة والشعير جنسان وكذا خل العنب وخل التمر جنسان وكذلك اللبن، وعنه أنهما جنس واحد، والأول أصح لأنهما فرعا أصلين مختلفين فكانا جنسين (كالأدقة) .
مسألة ٢٥: (ولا يجوز بيع رطب منها بيابس من جنسه) لأن النبي ﷺ «نهى عن بيع التمر بالتمر» متفق عليه، وعن سعد بن أبي وقاص: "أن النبي ﷺ سأل عن «بيع الرطب بالتمر فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم، فنهى عن ذلك» أخرجه أبو داود، فنهى وعلل بأنه ينقص عن يابسه، فدل على أن رطبه يحرم بيعه بيابسه.
مسألة ٢٦: (ولا يجوز بيع خالصه بمشوبه) كحنطة فيها شعير أو زوان بخالصة أو
стр. 237
(٢٧) ولا نيئه بمطبوخه
(٢٨) وقد نهى رسول الله ﷺ عن المزانبة، وهو شراء التمر بالتمر في رءوس النخل
(٢٩) ورخص في بيع العرايا - فيما دون خمسة أوسق - أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبا
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
غير خالصة، أو لبن مشوب بخالص أو مشوب، أو عسل في شمعه بمثله إلا أن يكون الخلط يسيرًا لا وقع له كيسير التراب والزوان ودقيق التراب الذي لا يظهر في الكيل لأنه لا يخل بالتماثل ولا يمكن التحرز منه.
مسألة ٢٧: (ولا يجوز بيع نيئه بمطبوخه) لأن النار تذهب برطوبته وتعقد أجزاءه فيمتنع تساويهما.
مسألة ٢٨: (ونهى النبي ﷺ عن المزابنة، وهو اشتراء التمر بالتمر في رءوس النخل) فروى جابر قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة» متفق عليه، والمحاقلة بيع الحب في سنبله بجنسه، وروى البخاري عن أنس قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمخاضرة " وهو بيع الزرع الأخضر والثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع،» وقيل المحاقلة استكراء الأرض بالحنطة.
مسألة ٢٩: (ورخص رسول الله ﷺ في بيع العرايا - فيما دون خمسة أوسق - أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبًا) فروى أبو هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ رخص في العرايا في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق» متفق عليه، وإنما يجوز بشروط خمسة:
أحدها: أن يكون دون خمسة أوسق، وعنه يجوز في الخمسة، والمذهب الأول لأن الأصل تحريم بيع الرطب بالتمر خولف فيما دون الخمسة بالخبر، والخمسة مشكوك فيها فرد إلى الأصل.
الثاني: أن يكون مشتريها محتاجًا إلى أكلها رطبًا، لما «روى محمود بن لبيد قال: قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟ فسمى رجالًا محتاجين من الأنصار: " شكوا إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبًا يأكلونه وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم رسول الله ﷺ أن يبتاعوا العرية بخرصها من التمر يأكلونه رطبًا» متفق عليه، والرخصة الثابتة لحاجة لا تثبت مع عدمها.
стр. 238
باب بيع الأصول والثمار روي عن النبي ﷺ أنه قال: « (٣٠) من باع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الثالث: أن لا يكون له نقد يشتري به للخبر.
الرابع: أن يشتريها بخرصها للخبر، ولأن رسول الله ﷺ : «رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلًا» متفق عليه، ولا بد أن يكون التمر معلومًا بالكيل للخبر، وفي معنى الخرص روايتان: إحداهما: أن ينظر كم يجيء منها تمرًا فيبيعها بمثله لأنه يخرص في الزكاة كذلك، والثانية: يبيعها بمثل ما فيها من الرطب لأن الأصل اعتبار المماثلة في الحال بالكيل، وإذا خولف الدليل في أحدهما وأمكن أن لا يخالف في الآخر وجب.
الخامس: أن يتقابضا قبل تفرقهما لأنه بيع تمر بتمر فاعتبرت فيه أحكامه إلا ما استثناه الشرع، والقبض فيها على النخل بالتخلية وفي التمر باكتياله، فإن كان حاضرًا في مجلس البيع اكتاله وإن كان غائبًا مشى إلى التمر فتسلمه، وإن قبضه أولًا ثم مشى إلى النخلة فتسلمها جاز، واشترط الخرقي كون النخلة موهوبة لبائعها، لأن العرية اسم لذلك، واشترط القاضي وأبو بكر حاجة البائع إلى بيعها، وحديث زيد بن ثابت يرد ذلك مع أن اشتراطه يبطل الرخصة إذ لا تتفق الحاجتان مع سائر الشروط فتذهب الرخصة، فعلى قولنا يجوز لرجلين شراء عريتين من واحد، وعلى قولهما لا يجوز ألا ينقصا بمجموعهما عن خمسة أوسق.
[باب بيع الأصول والثمار]
مسألة ٣٠: (ومن باع نخلًا مؤبرًا فالثمر للبائع) متروكًا في النخل إلى الجذاذ، (إلا أن يشترطه المبتاع) قال ابن عبد البر: الإبار عند أهل العلم التلقيح، وقيل: التأبير ظهور الثمرة من جف الطلع، والأول أشهر لأن الحكم متعلق بنفس الظهور دون نفس التلقيح بغير اختلاف بين العلماء، فمتى ظهرت الثمرة فهي للبائع، وإن لم تظهر فهي للمشتري، لقول النبي ﷺ : «من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترطها المبتاع" رواه البخاري ومسلم ولفظه: " قد أبرت» .
стр. 239
يشترطها المبتاع»
(٣١) وكذلك بيع الشجر إذا كان ثمره باديًا
(٣٢) فإن باع الأرض وفيها زرع لا يحصد إلا مرة فهو للبائع ما لم يشترطه المبتاع
(٣٣) وإن كان يجز مرة بعد أخرى فالأصول للمشتري والجزة الظاهرة عند البيع للبائع
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٣١: (وكذلك بيع الشجر إذا كان ثمره باديًا) والشجر على خمسة أضرب:
الأول: ما تكون ثمرته في أكمامها لم يفتح الكمام فتظهر كالنخل، وقد سبق بيان حكمه، وهو الأصل الذي وردت السنة ببيان حكمه وما عداه مقيس عليه، ومن هذا الضرب القطن وما يقصد نوره كالورد والياسمين والنرجس والبنفسج، فإنه يظهر في أكمامه ثم يفتح كمامه فيظهر، فهو كالطلع أن يفتح جنبذه فيظهر نوره فهو للبائع، وإن لم يظهر فهو للمشتري قياسًا على النخل.
الضرب الثاني: ما له ثمرة بارزة كالجميز والتوت والتين، فما كان منه ظاهرًا فهو للبائع لأنها ثمرة ظاهرة فهي كالطلع المؤبر، وما ظهر بعد العقد فهو للمشتري لأنه حدث في ملكه.
الثالث: ما له قشر لا يزول إلا عند الأكل كالرمان والموز فهو للبائع إن كان ظهر لأن قشره في مصلحته فهو كأجزاء الثمرة.
الرابع: ما له قشران كاللوز والجوز، فهذا للبائع بنفس الظهور لأن قشره لا يزال في الغالب إلا بعد جذاذه فهو كالرمان. وقال بعض أصحابنا: إن تشقق قشره الأعلى فهو للبائع، وإلا فهو للمشتري، لأنه لا يدخر في قشره الأعلى بخلاف الرمان.
الخامس: ما تظهر ثمرته في نوره ثم يتناثر نوره كالعنب والمشمش والتفاح فكان كتابير النخل، ويحتمل أنه للبائع بظهور نوره، لأن استتار الثمرة بالنور كاستتار ثمرة النخل بعد التأبير بالقشر الأبيض.
السادس: ما يقصد ورقه كالتوت فيحتمل أنه للمشتري بكل حال قياسًا على سائر الورق، ويحتمل أنه إن تفتح فهو للبائع وإلا فهو للمشتري لأنه هاهنا كالثمر.
مسألة ٣٢: (فإن باع الأرض وفيها زرع لا يحصد إلا مرة) كالبر والشعير (فهو للبائع ما لم يشترطه المشتري) لأنه ظاهر فكان للبائع أشبه الثمرة المؤبرة.
مسألة ٣٣: (وإن كان يجز مرة بعد أخرى) كالرطبة والبقول (فالأصول للمشتري والجزة الظاهرة عند البيع للبائع) إلا أن يشترطه المبتاع لذلك.
стр. 240
فصل « (٣٤) نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها»
(٣٥) ولو باع الثمرة بعد بدو صلاحها على الترك إلى الجذاذ جاز
(٣٦) فإن أصابتها جائحة رجع بها على البائع لقول رسول الله ﷺ لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٣٤: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها» فلو باعها قبل بدو صلاحها لم يجز إلا بشرط القطع لما روى ابن عمر: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها» متفق عليه، وفي لفظ: «نهى عن بيع الثمار حتى تزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة» رواه مسلم، ولأن في بيعه غررًا من غير حاجة فلم يجز كما لو اشترط التبقية، وإن باعها بشرط القطع جاز بالإجماع.
مسألة ٣٥: (ولو باع الثمرة بعد بدو صلاحها على الترك إلى الجذاذ جاز) قال أبو حنيفة: لا يجوز بشرط التبقية لأنه شرط الانتفاع بملك البائع على وجه لا يقتضيه العقد فلم يجز كما لو شرط تبقية الطعام في بيته، ولنا أن رسول الله ﷺ «نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها» فمفهومه أنه أجاز بيعها بعد بدو صلاحها، وثبت أنه إنما نهى عن بيع يتضمن التبقية لأنه يجوز بشرط القطع، وعنده مطلقًا ثبت أن الذي نهى عنه هو الذي أجازه، ولأن النقل والتحويل يجب في المبيع بحكم العرف فإذا اشترطه جاز كما لو اشترط نقل الطعام من ملك البائع حسب الإمكان وفي هذا انفصال عما قاله.
مسألة ٣٦: (فإن أصابتها جائحة رجع بها على البائع) لما روى جابر أن رسول الله ﷺ قال: «إن بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من ثمنه شيئًا، لم تأخذ مال أخيك بغير حق» رواه مسلم والإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه، ولفظهما: «من باع ثمرًا فأصابته جائحة فلا يأخذ من مال أخيه شيئًا، علام يأخذ أحدكم مال أخيه المسلم؟» . وهذا صريح في الحكم فلا يعدل عنه، وروى مسلم عن جابر: «أن رسول الله ﷺ أمر بوضع الجوائح» .
стр. 241
((٣٧) وصلاح ثمر النخل أن يحمر أو يصفر، والعنب أن يتموه، وسائر الثمر أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله
باب الخيار (٣٨) البيعان بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما
(٣٩) فإن تفرقا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع
(٤٠) إلا أن يشترط الخيار لهما أو لأحدهما مدة معلومة فيكونان على
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٣٧: (وصلاح ثمر النخل أن يحمر أو يصفر، والعنب أن يتموه، وسائر الثمر أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله) لما روي عن النبي ﷺ أنه: «نهى عن بيع الثمرة حتى تطيب» متفق عليه، و «نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو، قيل: وما تزهو؟ قال: تحمار أو تصفار، ونهى عن بيع الحب حتى يشتد، ونهى عن بيع العنب حتى يسود» رواه الترمذي.
[باب الخيار]
مسألة ٣٨: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا بابدانهما) لما روى ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» متفق عليه، وفي لفظ: «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعًا، أو يخير أحدهما الآخر فيتبايعا على ذلك فقد وجب البيع» متفق عليه.
مسألة ٣٩: (فإن تفرقا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع) والتفرق يكون بالأبدان، فإن ابن عمر كان يمشي خطوات حتى يلزمه البيع إذا أراد لزومه، ولا خلاف في لزومه بعد التفرق، والمرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم، لأن الشارع علق عليه حكمًا ولم يبينه فدل على أنه أبقاه على ما يعرفه الناس كالقبض والإحراز، فالتفرق العرفي هو التفرق بالأبدان، كذلك فسره ابن عمر، وتفسيره أولى لأنه راوي الحديث.
مسألة ٤٠: (إلا أن يشترط الخيار لهما أو لأحدهما مدة معلومة فيكونان على
стр. 242
شرطهما وإن طالت المدة إلا أن يقطعاه
(٤١) وإن وجد أحدهما بما اشتراه عيبا لم يكن علمه فله رده أو أخذ أرش العيب
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
شرطهما وإن طالت المدة إلا أن يقطعاه) لأنه حق يعتمد الشرط فجاز ذلك فيه كالأجل، ولا يجوز مجهولًا لأنها مدة ملحقة بالعقد فلم يصح مجهولًا كالتأجيل، وهل يفسد به العقد؟ على روايتين: إحداهما: لا يفسد لحديث بريدة، والثانية: يفسد لأنه عقد قارنه شرط فأفسد أشبه نكاح الشغار، وعنه يصح مجهولًا لقوله ﷺ : «المؤمنون على شروطهم» رواه الترمذي وقال: حديث صحيح. فعلى هذا إذا كان الخيار مطلقًا مثل أن يقول: لك الخيار متى شئت أو إلى الأبد فهما على خيارهما أبدا أو يقطعاه، وإن قال: إلى أن يقوم زيد أو ينزل المطر ثبت الخيار إلى زمن اشتراطه أو يقطعاه قبله.
مسألة ٤١: (وإن وجد أحدهما بما اشترى عيبًا لم يكن علمه فله رده أو أخذ أرش العيب) والعيب كالمرض أو ذهاب جارحة أو سن، وفي الرقيق من فعله كالزنا والسرقة والإباق، فمن اشترى معيبًا لم يعلمه فله الخيار بين الرد وأخذ الثمن، لأنه بذل الثمن ليسلم له مبيع سليم، ولم يسلم له فثبت له الرجوع في الثمن كما في المصراة، وبين الإمساك وأخذ الأرش لأن الجزء الفائت بالعيب يقابله جزء من الثمن، فإذا لم يسلم له كان له ما يقابله كما لو تلف في يده.
١ -
فصل: ومعنى الأرش أن ينظر ما بين قيمته سليمًا ومعيبًا فيؤخذ قدره من الثمن، فإذا نقصه العيب عشر قيمته فأرشه عشر ثمنه، لأن ذلك هو المقابل للجزء الفائت. مثاله: أن يكون قد اشترى منه سلعة بخمسة عشر فيظهر فيها عيب، فتقوم صحيحة بعشرة ومعيبة بتسعة، فقد نقصها العيب عشر قيمتها فيرجع المشتري على البائع بعشر الثمن دينار ونصف. وحكمة ذلك أن المبيع مضمون على المشتري بالثمن، ففوات جزء من المبيع يسقط عنه ضمان ما قابله من الثمن أيضًا، ولأننا لو ضمناه نقصان القيمة أفضى إلى أن يجمع المشتري الثمن والمثمن وهو أن تكون قيمة المبيع عشرة وقد اشتراه بخمسة ويكون العيب ينقصه نصف قيمته وذلك خمسة فيرجع بها فهذا ضمناه بما ذكرناه.
стр. 243
(٤٢) وما كسبه المبيع أو حدث فيه من نماء منفصل قبل علمه بالعيب فهو له لأن الخراج بالضمان
(٤٣) وإن تلفت السلعة أو عتق العبد أو تعذر رده فله أرش العيب
(٤٤) وقال النبي ﷺ : «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر»
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٤٢: (وما كسبه المبيع أو حدث فيه من نماء منفصل قبل علمه بالعيب فهو له) لما روت عائشة «أن رجلًا ابتاع غلامًا فاستعمله ما شاء الله ثم وجد به عيبًا فرده فقال: يا رسول الله إنه استعمل غلامي، فقال رسول الله ﷺ : (الخراج بالضمان) » رواه أبو داود، وعنه: ليس له رده دون نمائه لأنه تبع له أشبه النماء المتصل كالسمن واللبن والتعلم والحمل والثمرة قبل الظهور، فإنه إذا أراد الرد رده بزيادته إجماعًا لأنها لا تنفرد عن الأصل في الملك فلم يجز رده دونها.
مسألة ٤٣: (وإن تلفت السلعة أو أعتق العبد أو تعذر رده فله أرش العيب) أما إذا أعتق العبد ثم ظهر على عيب قديم فله الأرش بغير خلاف نعلمه، وإن تلف المبيع أو تعذر الرد وكذا إن باعه أو وهبه وهو غير عالم بعيبه نص عليه لأن البائع لم يوفه ما أوجبه له العقد فكان له الرجوع عليه كما لو أعتقه، وإن فعل ذلك مع علمه بالعيب فلا أرش له لرضاه به معيبًا حيث تصرف فيه مع علمه بعيبه ذكره القاضي، وعنه في البيع والهبة له الأرش، ولم يعتبر علمه وهو قياس المذهب، لأننا جوزنا له إمساكه بالأرش وتصرفه فيه كإمساكه، وذكر أبو الخطاب رواية فيمن باعه ليس له شيء لأنه استدرك ظلامته ببيعه فلم يكن له أرش كما لو زال العيب، فإن رد عليه المبيع كان له حينئذ الرد أو الأرش كما لو لم يبعه أصلًا.
مسألة ٤٤: (وقال النبي ﷺ : "لا تصروا الإبل...... " الحديث) التصرية في اللغة: الجمع، يقال: صرى الماء في الحوض وصرى الطعام في فيه إذا جمعه، وصرى الماء في ظهره إذا ترك الجماع، وأنشد أبو عبيدة:
стр. 244
(٤٥) فإن علم بتصريتها قبل حلبها ردها ولا شيء معها
(٤٦) وكذلك كل مدلس لا يعلم تدليسه فله رده كجارية حمر وجهها أو سود شعرها أو جعده، أو رحى ضم الماء وأرسله عليها عند عرضها على المشتري
(٤٧) وكذلك لو وصف المبيع بصفة يزيد بها ثمنه فلم يجدها فيه كصناعة في العبد أو كتابة، أو أن الدابة هملاجة والفهد صيود أو معلم
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
رأت غلامًا قد صرى في فقرته ... ماء الشباب عنفوان شرته
ويقال: المصراة المحفلة، وهو من الجمع أيضًا، ومنه سميت مجامع الناس محافل، والتصرية حرام إذا أراد بها التدليس لقوله ﷺ : «من غشنا فليس منا» متفق عليه، (فمن اشترى مصراة وهو لا يعلم فهو بالخيار بين أن يقبلها وبين أن يردها وصاعًا من تمر) وهو قول جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعًا من تمر» متفق عليه، ولأن هذا تدليس بما يختلف الثمن باختلافه فوجب به الرد كما لو كانت شمطاء فسود شعرها، فإذا ردها رد بدل اللبن صاعًا من تمر كما جاء في الحديث، وفي لفظ: «ردها ورد صاعًا من تمر لا سمراء» يعني لا يرد قمحًا.
مسألة ٤٥: (فإن علم بتصريتها قبل حلبها ردها ولا شيء معها) لأن الصاع إنما وجب عوضًا عن اللبن، ولذلك قال النبي ﷺ : «من اشترى غنمًا مصراة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر» رواه البخاري. وهذا لم يأخذ لها لبنًا فلا يلزمه رد شيء، قال ابن عبد البر: هذا ما لا اختلاف فيه.
مسألة ٤٦: (وكذلك كل مدلس لا يعلم بتدليسه له رده كجارية حمر وجهها أو سود شعرها أو جعده، أو رحى ضم الماء وأرسله عليها عند عرضها على المشتري) لأنه تدليس بما يختلف به الثمن فأثبت الخيار في الرد كالتصرية.
مسألة ٤٧: (وكذلك لو وصف المبيع بصفة يزيد بها في ثمنه فلم يجدها فيه
стр. 245
أو أن الطائر مصوت ونحوه
(٤٨) ولو أخبره بثمن المبيع فزاد عليه رجع عليه بالزيادة وحظها من الربح إن كان مرابحة
(٥٠) وإن بان أنه غلط على نفسه خير المشتري بين رده وإعطائه ما غلط به)
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
كصناعة في العبد أو كتابة أو أن الدابة هملاجة أو الفهد صيود أو معلم، أو أن الطير مصوت ونحو هذا) فله الرد لذلك.
مسألة ٤٨: (ولو أخبره بثمن المبيع فزاد عليه رجع عليه بالزيادة وحظها من الربح إن كان مرابحة) يثبت الخيار في بيع المرابحة للمشتري إذا أخبره البائع بزيادة في الثمن كاذبًا، كما لو أخبره بأنه كاتب أو صانع فاشتراه بثمن كثير وبان بخلافه فثبت للمشتري الخيار بين الرد والإمساك مع الحظ نص عليه لأنه لا يأمن الخيانة في الثمن أيضًا، وظاهر كلام الخرقي أنه لا خيار له لأنه لم يذكره.
١ -
مسألة ٤٩: ولا بد من معرفة المشتري رأس المال، لأن العلم بالثمن شرط ولا يحصل إلا بمعرفة رأس المال، والمرابحة أن يخبر برأس المال ثم يبيعه بربح معلوم فيقول: رأس مالي مائة بعتك بها وربح عشرة، فهو جائز غير مكروه لأن الثمن معلوم، ثم إذا بان ببينة أو إقرار أن رأس المال تسعون فالبيع صحيح لأنه زيادة في الثمن فلم يمنع صحة البيع كالمعيب، وللمشتري أن يرجع على البائع بما زاد وهو عشرة وحظها من الربح وهو درهم فيبقى على المشتري تسعة وتسعون درهمًا.
مسألة ٥٠: (وإن بان أنه غلط على نفسه) يعني البائع (خير المشتري بين رده وإعطائه ما غلط له) فإذا قال في المرابحة: رأس مالي فيه مائة والربح عشرة ثم عاد فقال: غلطت بل رأس مالي فيه مائة وعشرة لم يقبل قوله في الغلط إلا ببينة تشهد أن رأس ماله على ما قاله، ذكره ابن المنذر عن الإمام أحمد ﵀، وذكر القاضي عن الإمام أحمد رواية: يقبل قول البائع مع يمينه إذا كان معروفًا بالصدق، وإن لم يكن معروفًا بالصدق فقد جاز البيع، قال: لأنه لما دخل معه في المرابحة فقد ائتمنه، والقول قول الأمين مع يمينه كالوكيل والمضارب، وعنه رواية ثالثة أنه لا يقبل قول البائع وإن أقام بينة حتى يصدقه المشتري، وهو قول الشافعي ﵀ لأنه أقر بالثمن وتعلق به حق الغير فلا يقبل رجوعه ولا بينة لإقراره بكذبه، ولنا أنها بينة عادلة شهدت بما يحتمل الصدق فتقبل كما
стр. 246
(٥١) وإن بان أنه مؤجل ولم يخبره بتأجيله فله الخيار بين رده وإمساكه
(٥٢) وإن اختلف البيعان في قدر الثمن تحالفا، ولكل واحد منهما الفسخ إلا أن يرضى بما قال صاحبه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
تقبل سائر البينات، ولا يصح قولهم إنه أقر فإن الإقرار إنما يكون للغير وحالة إخباره لم يكن عليه حق لغيره فلم يكن إقرارًا، قال الخرقي: وله أن يحلفه أن وقت ما باعها لم يعلم أن شراءها أكثر، وهذا صحيح، فإنه لو أخبر بذلك عالم بكذب نفسه لزمه البيع بما عقد عليه من الثمن لأنه تعاطى مسببه عالمًا بالضرر فلزمه، كما لو اشترى معيبًا عالمًا بعيبه، وإذا كان البيع يلزمه فادعى عليه العلم لزمته اليمين، فإن نكل قضى عليه، وإن حلف خير المشتري بين قبول قوله بالثمن والزيادة التي غلط بها وحظها من الربح وبين فسخ العقد، وإنما أثبتنا له الخيار لأنه إنما دخل على أن الثمن مائة وعشرة، فإذا بان أكثر فعليه ضرر في التزامه فلم يلزمه كالمعيب [إذا رضيه المشتري] وإن اختار أخذها بمائة وعشرين لم يكن للبائع خيار لأنه زاده خيرًا، فهو كالمعيب إذا رضيه المشتري، وإن اختار البائع إسقاط الزيادة عن المشتري فلا خيار له أيضًا لأنه قد بذلها بالثمن الذي وقع عليه العقد وتراضيا عليه.
مسألة ٥١: (وإن بان أنه مؤجل ولم يخبره بتأجيله فله الخيار بين رده وإمساكه) يعني أن المشتري يكون مخيرًا بين الرد وبين الإمساك بالثمن حالًا، لأن البائع لم يرض بذمته وقد تكون ذمته دون ذمة البائع فلا يلزمه الرضا بذلك. وحكى ابن المنذر عن الإمام أحمد أنه إن كان المبيع قائمًا فهو مخير بين الفسخ وأخذه بالثمن مؤجلًا لأنه الثمن الذي اشترى به البائع، والتأجيل صفة له فأشبه المخير بزيادة في القدر، فإن للمشتري أن يحط ما زاده ويأخذ بالباقي، وإن علم ذلك بعد تلف المبيع حبس المال بقدر الأجل.
مسألة ٥٢: (وإن اختلف البيعان في قدر الثمن تحالفا، ولكل واحد منهما الفسخ إلا أن يرضى بما قال صاحبه) فمتى اختلفا في قدر الثمن والسلعة قائمة تحالفا، فيبدأ بيمين البائع فيحلف ما بعته بعشرة وإنما بعته بخمسة عشر، ثم يحلف المشتري ما اشتريته بخمسة عشر وإنما اشتريته بعشرة، لما روى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة والمبيع قائم بعينه، فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع» رواه
стр. 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
ابن ماجه. وفي لفظ: "تحالفا" ولأن البائع يدعي عقدًا بثمن ينكره المشتري، والمشتري يدعي عقدًا ينكره البائع، والقول قول المنكر مع يمينه، ويبدأ بيمين البائع لأن النبي ﷺ جعل القول ما قال البائع، وفي لفظ: «إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع، والمشتري بالخيار» رواه أحمد والشافعي، معناه: إن شاء أخذ وإن شاء حلف، ولأن جنبة البائع أقوى لأنهما إذا تحالفا رجع المبيع إليه فكانت البداءة به أولًا كصاحب اليد.
١ -
مسألة ٥٣: فإذا تحالفا لم ينفسخ العقد بنفس التحالف، لأنه عقد وقع صحيحًا فتنازعهما وتعارضهما في الحجة لا يوجب الفسخ كما لو أقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه، لكن يقال للمشتري أترضى بما قال البائع؟ فإن رضيه أجبر البائع على قبول ذلك لأنه حصل له ما ادعاه، وإن لم يرضه، قيل للبائع: أترضى بما قال المشتري؟ فإن رضيه أجبر المشتري على قبول ذلك، وإن لم يرضيا فسخ العقد. وظاهر كلام أحمد أن لكل واحد منهما الفسخ لقوله ﷺ : «أو يترادان البيع» وظاهره استقلالهما كذلك، وفي قصة ابن مسعود: باع الأشعث بن قيس رقيقًا من رقيق الإمارة فاختلفا في الثمن فروى له عبد الله هذا الحديث، قال: فإني أرى أن أرد البيع، فرده، ولا فسخ لاستدراك الظلامة أشبه الرد في العيب.
[فصل فيما إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة] ١
فصل: وإن كانت السلعة تالفة تحالفا ورجعا إلى قيمة مثلها كما لو كانت باقية، وعنه القول قول المشتري مع يمينه، اختارها أبو بكر لقوله ﷺ : «إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا» فمفهومه أنه لا يشرع التحالف عند عدمها، ولأنهما اتفقا على نقل السلعة إلى المشتري واختلفا في عدة زائدة يدعيها البائع والمشتري ينكرها، والقول قول المنكر، وتركنا هذا القياس حال قيام السلعة للحديث ففيما عداه تبقى على مقتضى القياس. ووجه الأولى أن كل واحد منهما مدع ومنكر فتشرع اليمين لهما كحال قيام السلعة، وقوله في حديثهم "تحالفا" لم يثبت في شيء من الأخبار، وعلى أن التحالف إذا ثبت مع قيام السلعة مع أنه يمكن معرفة ثمنها لمعرفة قيمتها فإن الظاهر أن الثمن يكون بالقيمة، فمع تعذر ذلك يكون أولى، فإذا اختلفا جميعًا فسخنا البيع كما نفسخه مع بقائها ويرد
стр. 248
باب السلم عن ابن عباس ﵄ قال: «قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: " من أسلف في ثمر فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم» ويصح السلم في كل ما ينضبط بالصفة إذا ضبطه بها وذكر قدره بما يقدر به من كيل أو وزن أو ذرع أو وعد، وجعل له أجلا معلوما وأعطاه الثمن قبل تفرقهما
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
البائع الثمن والمشتري قيمة السلعة، فإن اختلفا في قيمتها رجعا إلى قيمة مثلها موصوفًا بصفاتها، فإن اختلفا في صفاتها فالقول قول المشتري مع يمينه لأنه غارم والقول قول الغارم.
[باب السلم]
(باب السلم عن ابن عباس ﵄ قال: «قدم رسول الله ﷺ – المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: " من أسلف في ثمر فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم» ويصح السلم في كل ما ينضبط بالصفة إذا ضبطه بها وذكر قدره بما يقدر به من كيل أو وزن أو ذرع أو وعد، وجعل له أجلا معلوما وأعطاه الثمن قبل تفرقهما) وهو نوع من البيع يصح بألفاظه وبلفظ السلم والسلف، ويعتبر فيه شروط البيع، ويزيد عليه بشروط: منها أن يكون مما يمكن ضبط صفاته التي يختلف الثمن باختلافها ظاهرًا كالمكيل أو الموزون أو المذروع أو المعدود - لأنه بيع بصفة فيشترط للكل إمكان ضبطها - لما روي عن النبي ﷺ «أنه قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث فقال: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم» متفق عليه، فثبت جواز السلم في ذلك بالخبر، وقسنا عليه ما يضبط بالصفة لأنه في معناه، فأما المعدود المختلف كالحيوان والفواكه والبقول والجلود والرءوس ونحوها، ففي الحيوان روايتان: إحداهما: لا يصح السلم فيه لما روي عن ابن عمر أنه قال: " إن من الربا أبوابًا لا تخفى، وإن منها السلم في السن " رواه الجوزجاني، ولأن الحيوان يختلف اختلافًا متباينًا فلا يمكن ضبطه، وإن استقصى صفاته التي يختلف فيها الثمن تعذر تسليمه مثل أزج الحاجبين أكحل العينين أقنى الأنف أشم العرنين أهدب الأشفار، فأشبه السلم في الحوامل من الحيوان. وعنه صحة السلم فيه وهو ظاهر المذهب، لأن أبا رافع قال: «استسلف النبي ﷺ من رجل بكرًا» رواه مسلم. وروى عبد الله بن عمرو بن العاص
стр. 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
قال: «أمرني النبي ﷺ أن أبتاع له البعير بالبعيرين وبالأبعرة إلى مجيء الصدقة» (رواه أبو داود) ، ولأنه ثبت في الذمة صداقًا فثبت في السلم كالثياب. وأما حديث ابن عمر فهو محمول على أنهم كانوا يشترطون من ضراب فحل بني فلان، كذلك قال الشعبي: إنما كره ابن مسعود السلم في الحيوان لأنهم اشترطوا لقاح فحل معلوم. رواه سعيد. ولو أضافه إلى لقاح بني فلان، لقبيلة كبيرة أو بلد كبير صح، كما إذا أضاف إلى غلة بلد كبير أو قرية كبيرة. وقد روي حديث علي أنه باع جملًا له يدعى عصيفير بعشرين بعيرًا إلى أجل، وهو قول ابن مسعود وابن عباس وابن عمر.
[فصل في حكم السلم في الفواكه والمعدودات] ١
فصل: وأما الفواكه والمعدودات كالجوز والبيض والبطيخ والرمان والبقول ونحوها ففيها روايتان: إحداهما: لا يصح لما ذكرناه في الحيوان وأنه لا يمكن ضبطه بالصفات المقصودة التي يختلف بها الثمن. والثانية يصح، لأن التفاوت يسير ويمكن ضبطه، بعضه بالصغر والكبر وبعضه بالوزن، فصح السلم فيه كالمزروع.
١ -
فصل: وفي الرءوس والأطراف والجلود مثل ذلك. أما الرءوس ففيها روايتان أيضًا: إحداهما: لا يجوز السلم فيها لأن أكثرها عظام واللحم فيها قليل، والثانية: يصح لأنه لحم فيه عظم يجوز شراؤه فجاز السلم فيه كبقية اللحم، وكثرة العظام لا تمنع بيعه فلا تمنع السلم فيه، والجلود تختلف أيضًا، فالورك ثخين قوي، والصدر ثخين رخو، والبطن رقيق ضعيف، والظهر قوي، فيحتاج إلى وصف كل موضع فيه، ولا يمكن ذرعه لاختلاف أطرافه فلا يجوز السلم فيه، ووجه الجواز أن التفاوت فيه معلوم فلم يمنع صحة السلم فيه [كالحيوان، فإنه يشتمل على الرءوس والأطراف والجلد ولم يمنع صحة السلم فيه] فكذلك هاهنا.
الشرط الثاني: أن يصفه بما يختلف به الثمن ظاهرًا فيذكر جنسه ونوعه وقدره وبلده وحداثته وقدمه وجودته ورداءته، لأن السلم عوض يثبت في الذمة فلا بد من كونه معلومًا بالوصف كالثمن، ولأن العلم شرط في البيع، وطريقه إما الرؤية أو الوصف، والرؤية
стр. 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
ممتنعة في المسلم فيه فيتعين الوصف. فيذكر الجنس والنوع والجودة والرداءة، فهذه مجمع عليها وما سوى ذلك فيه خلاف، وما لا يختلف به الثمن لا يحتاج إلى ذكره لأن العرض لا يختلف باختلافها ولا يضر جهالتها.
الشرط الثالث: أن يذكر قدره بالكيل في المكيل والوزن في الموزون والذرع في المذروع لحديث ابن عباس في أول الباب، ولأنه عوض غير مشاهد ثبت في الذمة فاشترط معرفة قدره كالثمن، فلو أسلم في المكيل وزنًا أو في الموزون كيلًا لم يصح لأنه مبيع اشترط معرفة قدره فلم يجز بغير ما هو مقدر به كالربويات، وعنه ما يدل على الجواز لأنه يخرجه عن الجهالة وهو الغرض.
١ -
فصل: ولا بد أن يكون المكيال معلومًا عند العامة، فإن قدره بإناء أو صنجة بعينها غير معلومة لم يصح لأنه قد يهلك فيجهل قدره، وهذا غرر لاحتياج العقد إليه.
الشرط الرابع: أن يشترط أجلًا معلومًا له وقع في الثمن كالشهر ونحوه، فإن أسلم حالًا لم يصح لحديث ابن عباس، ولأن السلم إنما جاز رخصة للرفق ولا يحصل الرفق إلا بالأجل فلا يصح بدونه كالكتابة.
١ -
فصل: ولا بد أن يكون الأجل مقدرًا بزمن معلوم للخبر، فإن أسلم إلى الحصاد لم يجز لأن ابن عباس قال: لا تتبايعوا إلى الحصاد والدياس ولا تتبايعوا إلا إلى شهر معلوم، ولأن ذلك يختلف فلم يجز أن يجعله أجلًا كقدوم زيد، وعنه أنه قال: أرجو أن لا يكون به بأس، لأن عمر كان يبتاع إلى العطاء، ولأنه لا يتفاوت تفاوتًا كثيرًا.
الشرط الخامس: أن يكون المسلم فيه عام الوجود في محله مأمون الانقطاع فيه لأن القدرة على التسليم شرط ولا تتحقق إلا بذلك، فإن كان لا يوجد فيه لم يصح لذلك.
الشرط السادس: أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد قبل تفرقهما لقوله ﷺ : «من أسلف فليسلف في كيل معلوم» والإسلاف التقديم، سمي سلفًا لما فيه من تقديم رأس المال، فإذا تأخر لم يكن سلمًا فلم يصح، ولأنه يصير بيع دين بدين، فإن تفرقا قبل قبضه بطل، وإن تفرقا قبل قبض بعضه بطل فيما لم يقبض، وفي المقبوض وجهان بناء على تفريق الصفقة.
следующие страницы →