Полный текст (682 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
(٥١) وإن بان أنه مؤجل ولم يخبره بتأجيله فله الخيار بين رده وإمساكه
(٥٢) وإن اختلف البيعان في قدر الثمن تحالفا، ولكل واحد منهما الفسخ إلا أن يرضى بما قال صاحبه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
تقبل سائر البينات، ولا يصح قولهم إنه أقر فإن الإقرار إنما يكون للغير وحالة إخباره لم يكن عليه حق لغيره فلم يكن إقرارًا، قال الخرقي: وله أن يحلفه أن وقت ما باعها لم يعلم أن شراءها أكثر، وهذا صحيح، فإنه لو أخبر بذلك عالم بكذب نفسه لزمه البيع بما عقد عليه من الثمن لأنه تعاطى مسببه عالمًا بالضرر فلزمه، كما لو اشترى معيبًا عالمًا بعيبه، وإذا كان البيع يلزمه فادعى عليه العلم لزمته اليمين، فإن نكل قضى عليه، وإن حلف خير المشتري بين قبول قوله بالثمن والزيادة التي غلط بها وحظها من الربح وبين فسخ العقد، وإنما أثبتنا له الخيار لأنه إنما دخل على أن الثمن مائة وعشرة، فإذا بان أكثر فعليه ضرر في التزامه فلم يلزمه كالمعيب [إذا رضيه المشتري] وإن اختار أخذها بمائة وعشرين لم يكن للبائع خيار لأنه زاده خيرًا، فهو كالمعيب إذا رضيه المشتري، وإن اختار البائع إسقاط الزيادة عن المشتري فلا خيار له أيضًا لأنه قد بذلها بالثمن الذي وقع عليه العقد وتراضيا عليه.
مسألة ٥١: (وإن بان أنه مؤجل ولم يخبره بتأجيله فله الخيار بين رده وإمساكه) يعني أن المشتري يكون مخيرًا بين الرد وبين الإمساك بالثمن حالًا، لأن البائع لم يرض بذمته وقد تكون ذمته دون ذمة البائع فلا يلزمه الرضا بذلك. وحكى ابن المنذر عن الإمام أحمد أنه إن كان المبيع قائمًا فهو مخير بين الفسخ وأخذه بالثمن مؤجلًا لأنه الثمن الذي اشترى به البائع، والتأجيل صفة له فأشبه المخير بزيادة في القدر، فإن للمشتري أن يحط ما زاده ويأخذ بالباقي، وإن علم ذلك بعد تلف المبيع حبس المال بقدر الأجل.
مسألة ٥٢: (وإن اختلف البيعان في قدر الثمن تحالفا، ولكل واحد منهما الفسخ إلا أن يرضى بما قال صاحبه) فمتى اختلفا في قدر الثمن والسلعة قائمة تحالفا، فيبدأ بيمين البائع فيحلف ما بعته بعشرة وإنما بعته بخمسة عشر، ثم يحلف المشتري ما اشتريته بخمسة عشر وإنما اشتريته بعشرة، لما روى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة والمبيع قائم بعينه، فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع» رواه
стр. 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
ابن ماجه. وفي لفظ: "تحالفا" ولأن البائع يدعي عقدًا بثمن ينكره المشتري، والمشتري يدعي عقدًا ينكره البائع، والقول قول المنكر مع يمينه، ويبدأ بيمين البائع لأن النبي ﷺ جعل القول ما قال البائع، وفي لفظ: «إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع، والمشتري بالخيار» رواه أحمد والشافعي، معناه: إن شاء أخذ وإن شاء حلف، ولأن جنبة البائع أقوى لأنهما إذا تحالفا رجع المبيع إليه فكانت البداءة به أولًا كصاحب اليد.
١ -
مسألة ٥٣: فإذا تحالفا لم ينفسخ العقد بنفس التحالف، لأنه عقد وقع صحيحًا فتنازعهما وتعارضهما في الحجة لا يوجب الفسخ كما لو أقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه، لكن يقال للمشتري أترضى بما قال البائع؟ فإن رضيه أجبر البائع على قبول ذلك لأنه حصل له ما ادعاه، وإن لم يرضه، قيل للبائع: أترضى بما قال المشتري؟ فإن رضيه أجبر المشتري على قبول ذلك، وإن لم يرضيا فسخ العقد. وظاهر كلام أحمد أن لكل واحد منهما الفسخ لقوله ﷺ : «أو يترادان البيع» وظاهره استقلالهما كذلك، وفي قصة ابن مسعود: باع الأشعث بن قيس رقيقًا من رقيق الإمارة فاختلفا في الثمن فروى له عبد الله هذا الحديث، قال: فإني أرى أن أرد البيع، فرده، ولا فسخ لاستدراك الظلامة أشبه الرد في العيب.
[فصل فيما إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة] ١
فصل: وإن كانت السلعة تالفة تحالفا ورجعا إلى قيمة مثلها كما لو كانت باقية، وعنه القول قول المشتري مع يمينه، اختارها أبو بكر لقوله ﷺ : «إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا» فمفهومه أنه لا يشرع التحالف عند عدمها، ولأنهما اتفقا على نقل السلعة إلى المشتري واختلفا في عدة زائدة يدعيها البائع والمشتري ينكرها، والقول قول المنكر، وتركنا هذا القياس حال قيام السلعة للحديث ففيما عداه تبقى على مقتضى القياس. ووجه الأولى أن كل واحد منهما مدع ومنكر فتشرع اليمين لهما كحال قيام السلعة، وقوله في حديثهم "تحالفا" لم يثبت في شيء من الأخبار، وعلى أن التحالف إذا ثبت مع قيام السلعة مع أنه يمكن معرفة ثمنها لمعرفة قيمتها فإن الظاهر أن الثمن يكون بالقيمة، فمع تعذر ذلك يكون أولى، فإذا اختلفا جميعًا فسخنا البيع كما نفسخه مع بقائها ويرد
стр. 248
باب السلم عن ابن عباس ﵄ قال: «قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: " من أسلف في ثمر فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم» ويصح السلم في كل ما ينضبط بالصفة إذا ضبطه بها وذكر قدره بما يقدر به من كيل أو وزن أو ذرع أو وعد، وجعل له أجلا معلوما وأعطاه الثمن قبل تفرقهما
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
البائع الثمن والمشتري قيمة السلعة، فإن اختلفا في قيمتها رجعا إلى قيمة مثلها موصوفًا بصفاتها، فإن اختلفا في صفاتها فالقول قول المشتري مع يمينه لأنه غارم والقول قول الغارم.
[باب السلم]
(باب السلم عن ابن عباس ﵄ قال: «قدم رسول الله ﷺ – المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: " من أسلف في ثمر فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم» ويصح السلم في كل ما ينضبط بالصفة إذا ضبطه بها وذكر قدره بما يقدر به من كيل أو وزن أو ذرع أو وعد، وجعل له أجلا معلوما وأعطاه الثمن قبل تفرقهما) وهو نوع من البيع يصح بألفاظه وبلفظ السلم والسلف، ويعتبر فيه شروط البيع، ويزيد عليه بشروط: منها أن يكون مما يمكن ضبط صفاته التي يختلف الثمن باختلافها ظاهرًا كالمكيل أو الموزون أو المذروع أو المعدود - لأنه بيع بصفة فيشترط للكل إمكان ضبطها - لما روي عن النبي ﷺ «أنه قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث فقال: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم» متفق عليه، فثبت جواز السلم في ذلك بالخبر، وقسنا عليه ما يضبط بالصفة لأنه في معناه، فأما المعدود المختلف كالحيوان والفواكه والبقول والجلود والرءوس ونحوها، ففي الحيوان روايتان: إحداهما: لا يصح السلم فيه لما روي عن ابن عمر أنه قال: " إن من الربا أبوابًا لا تخفى، وإن منها السلم في السن " رواه الجوزجاني، ولأن الحيوان يختلف اختلافًا متباينًا فلا يمكن ضبطه، وإن استقصى صفاته التي يختلف فيها الثمن تعذر تسليمه مثل أزج الحاجبين أكحل العينين أقنى الأنف أشم العرنين أهدب الأشفار، فأشبه السلم في الحوامل من الحيوان. وعنه صحة السلم فيه وهو ظاهر المذهب، لأن أبا رافع قال: «استسلف النبي ﷺ من رجل بكرًا» رواه مسلم. وروى عبد الله بن عمرو بن العاص
стр. 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
قال: «أمرني النبي ﷺ أن أبتاع له البعير بالبعيرين وبالأبعرة إلى مجيء الصدقة» (رواه أبو داود) ، ولأنه ثبت في الذمة صداقًا فثبت في السلم كالثياب. وأما حديث ابن عمر فهو محمول على أنهم كانوا يشترطون من ضراب فحل بني فلان، كذلك قال الشعبي: إنما كره ابن مسعود السلم في الحيوان لأنهم اشترطوا لقاح فحل معلوم. رواه سعيد. ولو أضافه إلى لقاح بني فلان، لقبيلة كبيرة أو بلد كبير صح، كما إذا أضاف إلى غلة بلد كبير أو قرية كبيرة. وقد روي حديث علي أنه باع جملًا له يدعى عصيفير بعشرين بعيرًا إلى أجل، وهو قول ابن مسعود وابن عباس وابن عمر.
[فصل في حكم السلم في الفواكه والمعدودات] ١
فصل: وأما الفواكه والمعدودات كالجوز والبيض والبطيخ والرمان والبقول ونحوها ففيها روايتان: إحداهما: لا يصح لما ذكرناه في الحيوان وأنه لا يمكن ضبطه بالصفات المقصودة التي يختلف بها الثمن. والثانية يصح، لأن التفاوت يسير ويمكن ضبطه، بعضه بالصغر والكبر وبعضه بالوزن، فصح السلم فيه كالمزروع.
١ -
فصل: وفي الرءوس والأطراف والجلود مثل ذلك. أما الرءوس ففيها روايتان أيضًا: إحداهما: لا يجوز السلم فيها لأن أكثرها عظام واللحم فيها قليل، والثانية: يصح لأنه لحم فيه عظم يجوز شراؤه فجاز السلم فيه كبقية اللحم، وكثرة العظام لا تمنع بيعه فلا تمنع السلم فيه، والجلود تختلف أيضًا، فالورك ثخين قوي، والصدر ثخين رخو، والبطن رقيق ضعيف، والظهر قوي، فيحتاج إلى وصف كل موضع فيه، ولا يمكن ذرعه لاختلاف أطرافه فلا يجوز السلم فيه، ووجه الجواز أن التفاوت فيه معلوم فلم يمنع صحة السلم فيه [كالحيوان، فإنه يشتمل على الرءوس والأطراف والجلد ولم يمنع صحة السلم فيه] فكذلك هاهنا.
الشرط الثاني: أن يصفه بما يختلف به الثمن ظاهرًا فيذكر جنسه ونوعه وقدره وبلده وحداثته وقدمه وجودته ورداءته، لأن السلم عوض يثبت في الذمة فلا بد من كونه معلومًا بالوصف كالثمن، ولأن العلم شرط في البيع، وطريقه إما الرؤية أو الوصف، والرؤية
стр. 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
ممتنعة في المسلم فيه فيتعين الوصف. فيذكر الجنس والنوع والجودة والرداءة، فهذه مجمع عليها وما سوى ذلك فيه خلاف، وما لا يختلف به الثمن لا يحتاج إلى ذكره لأن العرض لا يختلف باختلافها ولا يضر جهالتها.
الشرط الثالث: أن يذكر قدره بالكيل في المكيل والوزن في الموزون والذرع في المذروع لحديث ابن عباس في أول الباب، ولأنه عوض غير مشاهد ثبت في الذمة فاشترط معرفة قدره كالثمن، فلو أسلم في المكيل وزنًا أو في الموزون كيلًا لم يصح لأنه مبيع اشترط معرفة قدره فلم يجز بغير ما هو مقدر به كالربويات، وعنه ما يدل على الجواز لأنه يخرجه عن الجهالة وهو الغرض.
١ -
فصل: ولا بد أن يكون المكيال معلومًا عند العامة، فإن قدره بإناء أو صنجة بعينها غير معلومة لم يصح لأنه قد يهلك فيجهل قدره، وهذا غرر لاحتياج العقد إليه.
الشرط الرابع: أن يشترط أجلًا معلومًا له وقع في الثمن كالشهر ونحوه، فإن أسلم حالًا لم يصح لحديث ابن عباس، ولأن السلم إنما جاز رخصة للرفق ولا يحصل الرفق إلا بالأجل فلا يصح بدونه كالكتابة.
١ -
فصل: ولا بد أن يكون الأجل مقدرًا بزمن معلوم للخبر، فإن أسلم إلى الحصاد لم يجز لأن ابن عباس قال: لا تتبايعوا إلى الحصاد والدياس ولا تتبايعوا إلا إلى شهر معلوم، ولأن ذلك يختلف فلم يجز أن يجعله أجلًا كقدوم زيد، وعنه أنه قال: أرجو أن لا يكون به بأس، لأن عمر كان يبتاع إلى العطاء، ولأنه لا يتفاوت تفاوتًا كثيرًا.
الشرط الخامس: أن يكون المسلم فيه عام الوجود في محله مأمون الانقطاع فيه لأن القدرة على التسليم شرط ولا تتحقق إلا بذلك، فإن كان لا يوجد فيه لم يصح لذلك.
الشرط السادس: أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد قبل تفرقهما لقوله ﷺ : «من أسلف فليسلف في كيل معلوم» والإسلاف التقديم، سمي سلفًا لما فيه من تقديم رأس المال، فإذا تأخر لم يكن سلمًا فلم يصح، ولأنه يصير بيع دين بدين، فإن تفرقا قبل قبضه بطل، وإن تفرقا قبل قبض بعضه بطل فيما لم يقبض، وفي المقبوض وجهان بناء على تفريق الصفقة.
стр. 251
(٥٤) ويجوز السلم في شيء يقبضه أجزاء متفرقة في أوقات معلومة
(٥٥) وإن أسلم ثمنا واحدا في شيئين لم يجز حتى يبين ثمن كل جنس
(٥٦) ومن أسلف في شيء لم يصرفه إلى غيره
(٥٧) ولا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه
(٥٨) ولا الحوالة به
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الشرط السابع: أن يسلم في الذمة، فإن أسلم في عين لم يصح لأنه ربما تلف قبل وجوب تسليمه فلم يصح، كما لو أسلم في مكيال معين غير معلوم القدر، ولأنه يمكن بيعه في الحال فلا حاجة إلى السلم فيه.
مسألة ٥٤: (ويجوز السلم في شيء يقبضه أجزاء متفرقة في أوقات معلومة) لأن كل بيع جاز في أجل واحد جاز في أجلين وآجال كبيوع الأعيان.
مسألة ٥٥: (وإن أسلم ثمنًا واحدًا في شيئين لم يجز حتى يبين ثمن كل جنس) مثل أن يسلم دينارًا في قفيز حنطة وقفيز شعير ولا يبين ثمن الحنطة من الدينار ولا ثمن الشعير لأن ما يقابل كل واحد من الجنسين مجهول فلم يصح، كما لو عقد عليه عقدًا مفردًا بثمن مجهول، ولأن فيه غررًا لا نأمن الفسخ بتعذر أحدهما فلا يعرف ما يرجع به، وهذا غرر يؤثر مثله في السلم.
مسألة ٥٦: (ومن أسلف في شيء لم يصرفه إلى غيره) كمن أسلف في حنطة لا يجوز أن يأخذ شعيرًا، ومن أسلف في عسل لا يجوز أن يأخذ زيتًا لقوله ﷺ : «من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره» رواه أبو داود.
مسألة ٥٧: (ولا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه) لأن النبي ﷺ «نهى عن بيع الطعام قبل قبضه وعن ربح ما لم يضمن» رواه الترمذي وقال: صحيح ولفظه "لا يحل" ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه فلم يجز بيعه كالطعام قبل قبضه.
مسألة ٥٨: (ولا يجوز الحوالة به) لأنها إنما تجوز بدين مستقر والسلم يعرض للفسخ.
стр. 252
(٥٩) وتجوز الإقالة فيه
(٦٠) أو في بعضه لأنها فسخ السلم
باب القرض وغيره عن أبي رافع «أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكرا فقدمت عليه إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا، فقال: " أعطوه فإن خير الناس أحسنهم قضاء»
(٦١) ومن اقترض شيئًا فعليه رد مثله
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٥٩: (وتجوز الإقالة فيه) لأنها فسخ، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الإقالة في جميع ما أسلم فيه جائزة، ولأن الإقالة فسخ للعقد ورفع له من أصله فلم يكن بيعًا.
مسألة ٦٠: (وتجوز الإقالة في بعضه) في إحدى الروايتين لأنها مندوب إليها، وكل معروف جاز في الجميع جاز في البعض كالإبراء والإنظار، وفي الأخرى لا يجوز لأن المثمن في الغالب نقل منه الثمن لأجل التأجيل، فإذا أقاله في البعض بقي البعض بالباقي من الثمن وبمنفعة الجزء الذي حصلت الإقالة فيه فلم يجز، كما لو اشترط ذلك في ابتداء العقد، وخرج عليه الإبراء والإنظار لأنه لا يتعلق به شيء من ذلك.
[باب القرض وغيره]
باب القرض أجمع المسلمون على جوازه واستحبابه للمقرض، وهو من المرافق المندوب إليها، وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يقرض قرضًا مرتين إلا كان كصدقة مرة» رواه ابن ماجه، و (عن أبي رافع «أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكرًا، فقدمت إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيه إلا خيارا رباعيا، فقال: "أعطوه، فإن خير الناس أحسنهم قضاء» رواه مسلم.
مسألة ٦١: (ومن اقترض شيئًا فعليه رد مثله) فيجب رد المثل في المكيل والموزون لأنه يجب مثله في الإتلاف ففي القرض أولى، فإن أعوزه المثل فعليه قيمته حين أعوزه لأنها حينئذ ثبتت في الذمة، وفي الجواهر ونحوها ترد القيمة، لأنها من ذوات القيمة، وفي ما سوى ذلك وجهان:
стр. 253
(٦٢) ويجوز أن يرد خيرًا منه
(٦٣) وأن يقترض تفاريق ويرد جملة إذا لم يكن شرط
(٦٤) وإن أجله لم يتأجل
(٦٥) ولا يجوز شرط شيء لينتفع به المقرض
(٦٦) إلا أن يشترط رهنًا أو كفيلًا
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
أحدهما: ترد القيمة لأن ما أوجب المثل في المثلى أوجب قيمته في غير كالإتلاف.
والثاني: يرد المثل لحديث أبي رافع، ولأن ما ثبت في الذمة في السلم ثبت في القرض كالمثلى بخلاف الإتلاف فإنه عدوان فأوجب القيمة لأنها أحضر والقرض ثبت للرفق فهو أسهل، فعلى هذا يعتبر مثله في الصفات تقريبًا.
مسألة ٦٢: (ويجوز أن يرد خيرًا منه) يعني خيرًا مما أخذ لخبر أبي رافع.
مسألة ٦٣: (ويجوز أن يقترض تفاريق ويرد جملة إذا لم يشترط) لأنه إذا اقترض متفرقًا صار عليه جملة، فإذا رد جملة فقد أدى ما عليه من غير زيادة ولا نقصان ويصير كما لو اقترض جملة ورده بالتفاريق فإنه يجوز لذلك، ولا يجوز ذلك بشرط لأن فيه نفعًا للمقرض فيكون قرضًا جر نفعًا فلا يجوز كما لو شرط زيادة في القدر.
مسألة ٦٤: (وإن أجله لم يتأجل) لأنه يثبت في الذمة حالًا والتأجيل في الحال عدة وتبرع فلا يلزمه كتأجيل العارية.
مسألة ٦٥: (ولا يجوز شرط شيء ينتفع به المقرض) نحو أن يسكنه داره أو يقضيه خيرًا منه أو أن يبيعه أو يشتري منه أو يؤجره أو يستأجر منه أو يهدي إليه أو يعمل له عملًا ونحوه لأن النبي ﷺ : «نهى عن بيع وسلف» رواه الترمذي وقال: حديث صحيح. وعن أُبيّ بن كعب وابن مسعود وابن عباس أنهم نهوا عن قرض جر منفعة، ولأنه عقد إرفاق وشرط ذلك فيه يخرجه عن موضوعه.
مسألة ٦٦: (إلا أن يشترط رهنًا أو كفيلًا) لأن «النبي ﷺ رهن درعه على شعير أخذه لأهله» . متفق عليه.
стр. 254
(٦٧) ولا يقبل هدية المقترض إلا أن يكون بينهما عادة بها قبل القرض
باب أحكام الدين (٦٨) من لزمه دين مؤجل لم يطلب به قبل أجله، ولم يحجر عليه من أجله، ولم يحل تفليسه
(٦٩) ولا بموته إذا وثقه الورثة برهن أو كفيل
(٧٠) وإن أراد سفرا يحل قبل
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٦٧: (ولا يقبل هدية المقترض إلا أن يكون بينهما عادة بها قبل القرض) لما روى ابن ماجه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أقرض أحدكم قرضًا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون قد جرى بينه وبينه قبل ذلك» .
[باب أحكام الدين]
مسألة ٦٨: (من لزمه دين مؤجل لم يطالب به قبل أجله) لأنه لا يلزمه أداؤه قبل أجله، (ولم يحجر عليه من أجله) لأنه لا يستحق المطالبة به قبل أجله فلم يملك منعه من ماله بسببه، (ولم يحل تفليسه) لأن الأجل حق له فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه.
مسألة ٦٩: (ولا يحل بموته إذا وثقه الورثة) اختاره الخرقي لقول النبي ﷺ : «من ترك حقًا فلورثته» (رواه البخاري) ، والتأجيل حق له فينتقل إلى ورثته، ولأنه لا يحل به ما له عليه كالجنون، وعنه أنه يحل لأن بقاءه ضرر على الميت لبقاء ذمته مرتهنة به، وعلى الوارث ضرر أيضًا لمنعه التصرف في التركة، وعلى الغريم بتأخير حقه وربما تلفت التركة. وعلى الروايتين يتعلق الحق بالتركة كتعلق الأرش بالجاني. ويمنع الوارث التصرف فيها إلا برضا الغريم أو يوثق الحق بضمين مليء أو رهن يفي بالحق إن كان مؤجلًا فإنهم قد لا يكونون أملياء فيؤدي تصرفهم إلى فوات الحق، وإن تلفت التركة قبل التصرف فيها سقط الحق كما لو تلف الجاني.
مسألة ٧٠: (فإن أراد سفرًا يحل الدين قبل موته، أو الغزو تطوعًا فلغريمه منه إلا أن يوثقه) برهن أو كفيل مليء لأنه ليس له تأخير الحق عن محله، وفي السفر تأخيره عن محله، وإن كان لا يحل قبله ففي منعه روايتان:
إحداهما: له منعه لأن قدومه عند المحل غير متيقن ولا ظاهر فملك منعه منه كالأول.
стр. 255
مدته، أو الغزو تطوعا فلغريمه منعه إلا أن يوثق بذلك
(٧١) وإن كان الدين حالًا على معسر وجب إنظاره
(٧٢) فإن ادعى الإعسار حلف وخلى سبيله إلا أن يعرف له مال قبل ذلك فلا يقبل قوله إلا ببينة
(٧٣) فإن كان موسرا لزمه وفاؤه، فإن أبى حبس حتى يوفيه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
والأخرى: ليس له منعه لأنه لا يملك المطالبة به في الحال ولا يعلم أن السفر مانع منه عند الحلول فأشبه السفر القصير.
مسألة ٧١: (وإن كان الدين حالًا على معسر وجب إنظاره) يعني ولا يحبس لأن مفهوم قوله ﷺ : «لي الواجد يحل عقوبته» أن غير الواجد لا تحل عقوبته، ولأن حبسه لا يفيد صاحب الدين وإنما هو محض إضرار في حق المديون، وقد قال ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» الحديث في المسند (رواه أحمد) ، ولأنه إذا كان خارج الحبس ربما حصل واكتسب وسعى في قضاء الدين، وفي الحبس لا يقدر على ذلك.
مسألة ٧٢: (وإن ادعى الإعسار حلف وخلى سبيله) لأن الأصل الإعسار (إلا أن يعرف له مال قبل ذلك فلا يقبل قوله إلا ببينة) لأن الأصل بقاء المال، ويحبس حتى يقيم البينة على نفاد ماله وإعساره، وعليه اليمين مع البينة أنه معسر لأنه صار بهذه البينة كمن لم يعرف له مال.
مسألة ٧٣: (وإن كان موسرًا لزمه وفاؤه) لقوله ﷺ : «مطل الغني ظلم» (رواه البخاري) (فإن أبى حبس حتى يوفيه) لقوله ﷺ : «ليّ الواجد يحل عقوبته وعرضه» من المسند، فإن أصر باع الحاكم ما له وقضى دينه، لما روى ابن عمر ﵁ قال: ألا إن أسيفع جهينة رضي من دينه أن يقال سائق الحاج فادَّان مغرمًا، فمن له مال فليحضر، فإنا بايعو ماله وقاسموه بين غرمائه.
стр. 256
(٧٤) فإن كان ماله لا يفي بدينه كله فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه لزمه إجابتهم
(٧٥) فإذا حجر عليه لم يجز تصرفه في ماله
(٧٦) ولم يقبل إقراره عليه)
(٧٧) ويتولى الحاكم قضاء دينه
(٧٨) ويبدأ بمن له أرش جناية من رقيقه فيدفع إلى المجني عليه أقل الأمرين من أرشها أو قيمة الجاني، ثم بمن له رهن فيدفع إليه أقل الأمرين من دينه أو ثمن رهنه، وله أسوة الغرماء في بقية دينه
(٧٩) ثم من وجد متاعه الذي باعه بعينه لم يتلف بعضه ولم يزد زيادة متصلة ولم يأخذ من ثمنه شيئا فله أخذه لقول رسول الله ﷺ : «من
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٧٤: (وإن كان ماله لا يفي بدينه كله فسأل غرماؤه الحجر عليه لزمه إجابتهم) لما روى كعب بن مالك «أن رسول الله ﷺ حجر على معاذ وباع ماله» رواه الخلال، ولأن فيه دفعًا للضرر عن الغرماء فلزم ذلك لقضائهم.
مسألة ٧٥: (وإذا حجر عليه لم يجز تصرفه في ماله) لا ببيع ولا هبة ولا وقف ولا غير ذلك، لأنه حجر ثبت بالحكم فمنع تصرفه كالحجر للسفه.
مسألة ٧٦: (ولا يقبل إقراره على ماله) لذلك.
مسألة ٧٧: (ويتولى الحاكم قضاء دينه) فيبيع ما يمكن بيعه ويقسم بين غرمائه لأن ذلك هو المقصود بالحجر.
مسألة ٧٨: (ويبدأ بمن له أرش جناية من رقيقه فيدفع إلى المجني عليه أقل الأمرين من ثمنه أو أرش جنايته) وما فضل رد إلى الغرماء (ثم بمن له رهن فيدفع إليه أقل الأمرين من دينه أو ثمن رهنه) لأن ذلك مقدم على حق الغرماء [لأن حقه تعين في الرهن] ، وإن بقي منه بقية ردها إلى الغرماء (وله أسوة الغرماء في بقية دينه) يعني صاحب الرهن، وإن لم يف ثمن الرهن بدينه شارك الغرماء في بقية دينه.
مسألة ٧٩: (ثم من وجد متاعه الذي باعه فهو أحق به) لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من وجد متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس فهو أحق به» متفق عليه، ولا يكون أحق به إلا بشروط:
أحدها: أن تكون بحالها سالمة لم يتلف بعضها، فإن تلف بعضها أو باعه المفلس أو
стр. 257
أدرك متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره»
(٨٠) ويقسم الباقي بين الغرماء على قدر ديونهم
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
وهبه أو وقفه فله أسوة الغرماء، لقوله ﷺ : «من أدرك متاعه بعينه فهو أحق به» (رواه مسلم) والذي تلف بعضه لم يوجد بعينه.
الشرط الثاني: أن لا يزيد زيادة متصلة كالسمن والكبر وتعلم صنعة، فإن وجد ذلك منع الرجوع لأنه فسخ بسبب حادث فمنعته الزيادة المتصلة كالرجوع في الصداق للطلاق قبل الدخول، وعنه أن الزيادة لا تمنع الرجوع للخبر، ولأنه فسخ فلم تمنعه الزيادة كالرد بالعيب، فأما الزيادة المتصلة فلا تمنع الرجوع لأنه يملك الرجوع في العين دونها والزيادة للمفلس في ظاهر المذهب، لأنها نماء ملكه المنفصل فكانت له كما لو ردها بعيب، ولأن قول النبي ﷺ : «الخراج بالضمان» (رواه أبو داود) يدل على أن النماء للمشتري لكون الضمان عليه، وقال أبو بكر: هي للبائع نص عليه قياسًا على المتصلة، والفرق ظاهر لأن المتصلة تتبع في الفسوخ دون المنفصلة.
الشرط الثالث: أن لا يكون البائع أخذ من ثمنها شيئًا فإن قبض بعضه فلا رجوع له، لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «أيما رجل باع سلعته فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس ولم يكن قد قبض من ثمنها شيئًا فهي له، وإن كان قد قبض من ثمنها شيئًا فهو أسوة الغرماء» رواه أبو داود،، ولأن في الرجوع في الباقي تبعيض الصفقة على المفلس، فلم يجز كما لو لم يقبض شيئًا.
الشرط الرابع: أن لا يتعلق بها حق غير حق المفلس، فإن خرجت عن ملكه ببيع أو غيره لم يرجع لأنه تعلق بها حق غيره أشبه ما لو أعتقها.
الشرط الخامس: أن يكون المفلس حيًا، فإن مات فله أسوة الغرماء، لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «فإن مات فصاحب المتاع أسوة الغرماء» رواه أبو داود، ولأن الملك انتقل عن المفلس فأشبه ما لو باعه.
مسألة ٨٠: (ويقسم الباقي بين الغرماء على قدر ديونهم) لأن ذلك هو المقصود ببيع متاعه وهو المقصود من الحجر عليه.
стр. 258
(٨١) وينفق على المفلس وعلى من تلزمه مؤنته من ماله إلى أن يفرغ من القسمة
(٨٢) فإن وجب له حق بشاهد فأبى أن يحلف لم يكن لغرمائه أن يحلفوا
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٨١: (وينفق على المفلس وعلى من تلزمه مؤنته من ماله إلى أن يفرغ من القسمة) وذلك أنه إذا حجر عليه فإن كان ذا كسب يفي بنفقته ومن تلزمه نفقته فنفقته في كسبه، لأنه لا حاجة إلى إخراج ماله وهو يكسب ما ينفقه، ولأنه مستغن بكسبه عن ماله فلم يجز أخذ ماله كما لم يجز أخذ زيادة عن النفقة، وإن كان كسبه دون نفقته كملناها من ماله، وإن لم يكن ذا كسب أنفق عليه من ماله في مدة الحجر، وإن طالت؛ لأن ملكه قبل القسمة باق، وقد قال ﷺ : «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» .
ومعلوم أن فيمن يعوله من تجب عليه نفقته وتكون دينًا عليه وهي الزوجة، فإذا قدم نفقة نفسه على نفقة الزوجة فكذلك على حق الغرماء.
ولأن الحي آكد حرمة من الميت لأنه مضمون بالإتلاف، وتقديم تجهيز الميت ومؤنته على دينه، متفق عليه، فنفقته أولى.
وتقدم أيضًا نفقة من تلزمه نفقته من أقاربه مثل الوالدين والمولودين وغيرهم ممن تجب نفقتهم لأنهم يجرون مجرى نفسه؛ لأنهم يعتقون عليه إذا ملكهم كما يعتقون إذا ملك نفسه فيما إذا كان مكاتبًا فعتق وهم في ملكه، وكانت نفقتهم كنفقته.
وتقدم نفقة زوجته لأن نفقتها آكد من نفقة الأقارب لأنها تجب على طريق المعاوضة وفيها معنى الإحياء كما في الأقارب.
مسألة ٨٢: (وإن وجب له حق بشاهد فأبى أن يحلف لم يكن لغرمائه أن يحلفوا) وذلك أن المفلس في الدعوى كغيره، فإذا ادعى حقًا له به شاهد عدل وحلف مع شاهده ثبت المال وتعلقت به حقوق الغرماء، وإن امتنع لم يجبر لأنه قد لا يعلم صدق الشاهد، وقد يعلم كذبه.
ولا يملك الغرماء أن يحلفوا مع الشاهد لأنهم يثبتون ملكًا لغيرهم لتتعلق حقوقهم به بعد ثبوته فلم يجز، كما لم يجز لزوجته أن تحلف لإثبات ملك لزوجها لتتعلق نفقتها به، وفارق الورثة لأنهم يثبتون ملكًا لأنفسهم إذا حلفوا بعد موت مورثهم.
стр. 259
باب الحوالة والضمان (٨٣) ومن أحيل بدينه على من عليه مثله فرضي فقد برئ المحيل
(٨٤) ومن أحيل على مليء لزمه أن يحتال لقول رسول الله ﷺ «إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع»
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[باب الحوالة والضمان]
مسألة ٨٣: (ومن أحيل بدينه على من عليه مثله فرضي فقد برئ المحيل) ولصحة الحوالة شروط:
أحدها: تماثل الحقين لأن الحوالة تحويل الحق ونقله فيعتبر نقله عن صفته، ويعتبر التماثل في الجنس والصفة والحلول والتأجيل، فلو أحال من عليه أحد النقدين بالآخر لم يصح، ولو أحال عن المصرية بمنصورية أو عن الصحاح بمكسرة لم يصح، ولو كان دين أحدهما حالًا والآخر مؤجلًا أو أجل أحدهما مخالفًا لأجل الآخر لم يصح لما سبق.
الشرط الثاني: أن يحيل برضاه لأنه الحق عليه فلا يلزمه أداؤه من جهة بعينها ولا يعتبر رضاء المحال عليه لأن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه وبوكيله، وقد أقام المحال مقام نفسه في القبض فلزم المحال عليه الأداء إليه كما لو وكله في الاستيفاء منه.
الشرط الثالث: أن يحيل على دين مستقر لأن مقتضاها إلزام المحال عليه الدين مطلقًا ولا يثبت ذلك فيما هو معرض للسقوط، فلو أحال على مال الكتابة أو دين السلم لم يصح لأنها تعرض للسقوط بالفسخ لأجل انقطاع المسلم فيه لقوله ﷺ : «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» ومال الكتابة معرض للسقوط بالعجز.
الشرط الرابع: أن يحيل بمال معلوم لأنها إن كانت بيعًا فلا يصح في المجهول، وإن كانت تحول الحق فيعتبر فيها التسليم والجهالة تمنع منه.
مسألة ٨٤: (ومن أحيل على مليء لزمه أن يحتال) والمليء الموسر وذلك لقوله ﷺ : «إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» (رواه أبو داود) ولأن للمحيل إيفاء الحق بنفسه وبوكيله وقد أقام المحال عليه مقامه في الإيفاء فلم يكن للمحتال الامتناع.
стр. 260
(٨٥) وإن ضمنه عنه ضامن لم يبرأ وصار الدين عليهما ولصاحبه مطالبة من شاء منهما
(٨٦) فإن استوفى من المضمون عنه أو أبرأه برئ ضامنه
(٨٧) وإن أبرأ الضامن لم يبرأ الأصيل
(٨٨) وإن استوفى من الضامن رجع عليه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٨٥: (وإن ضمنه عنه ضامن لم يبرأ وصار الدين عليهما ولصاحبه مطالبة من شاء منهما) لأن الضمان ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق، فثبت في ذمتهما جميعًا، ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة والموت، لقوله ﷺ : «الزعيم غارم» رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن، يقال: زعيم وضمين وقبيل وحميل وصبير بمعنى.
مسألة ٨٦: (فإن استوفى من المضمون عنه أو أبرأه برئ ضامنه) لأن الضامن تبع للمضمون عنه فزال بزوال أصله كالرهن.
مسألة ٨٧: (وإن أبرأ الضامن لم يبرأ الأصيل) لأن التوثقة انحلت من غير استيفاء فلم يسقط الدين كالرهن إذا انفسخ من غير استيفاء.
مسألة ٨٨: (وإن استوفى من الضامن رجع عليه) يعني رجع الضامن على المضمون عنه، أما إذا قضاه متبرعًا لم يرجع بشيء كما لو بنى داره بغير إذنه، وإن نوى الرجوع وكان الضمان والقضاء بغير إذن المضمون عنه فهل يرجع؟ على روايتين:
إحداهما: يرجع لأنه قضاء مبرئ من دين واجب لم يتبرع به وكان على من هو عليه، كما لو قضاه الحاكم عند امتناعه.
الثانية: لا يرجع لأنه تصرف له بغير إذنه فلم يرجع به كما لو بنى داره أو علف دابته بغير إذنه.
١ -
مسألة ٨٩: وإن أذن له في القضاء فله الرجوع بأقل الأمرين مما قضى فيه أو قدر الدين لأنه قضى دينه بإذنه فهو كوكيله.
١ -
مسألة ٩٠: وإن ضمن بإذنه رجع عليه لأنه يضمن الإذن في الأداء فأشبه ما لو أذن
стр. 261
(٩١) ومن كفل بإحضار من عليه دين فلم يحضره لزمه ما عليه
(٩٢) فإن مات برئ كفيله
باب الرهن (٩٣) وكل ما جاز بيعه جاز رهنه، وما لا فلا
(٩٤) ولا يلزم إلا بالقبض
(٩٥) وهو
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
فيه صريحًا ويرجع بأقل الأمرين مما قضى أو قدر الدين، لأنه إن قضاه بأقل منه فإنما يرجع بما غرم، وإن أدى أكثر منه فالزائد لا يجب أداؤه لتبرعه به.
مسألة ٩١: (ومن كفل بإحضار من عليه دين فلم يحضره لزمه ما عليه) لعموم قوله ﷺ : «الزعيم غارم» ولأنها أحد نوعي الكفالة فوجب بها الغرم كالكفارة بالمال.
مسألة ٩٢: (فإن مات برئ كفيله) لأن الحضور سقط عن المكفول به فيبرأ كفيله كما برئ الضامن ببراءة المضمون عنه، ويحتمل أن لا يسقط ويطالب بما عليه لأن الدين لم يسقط عن المكفول به فأشبه المضمون عنه إذا لم يبرأ من الدين.
[باب الرهن]
مسألة ٩٣: (وكل ما جاز بيعه جاز رهنه، وما لا فلا) لأن المقصود من الرهن الاستيثاق بالدين باستيفائه من ثمنه عند تعذر استيفائه من الراهن، وهذا يحصل مما يجوز بيعه، فأما ما لا يصح بيعه فلا يصح رهنه كالحُر وأم لولد، لأن مقصود الرهن لا يحصل منه.
مسألة ٩٤: (ولا يصح إلا بالقبض) لقوله سبحانه: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، ولأنه عقد إرفاق فافتقر إلى القبض كالقرض، وعنه في غير المكيل والموزون أنه يلزم بمجرد العقد قياسًا على البيع، والمذهب الأول؛ لأن البيع معاوضة وهذا إرفاق فهو أشبه بالقرض.
مسألة ٩٥: (وقبض المنقول بالنقل وبالتخلية فيما سواه) وذلك لأن القبض في الرهن كالقبض في البيع والهبة، فإن كان منقولًا فقبضه نقله أو تناوله كالثوب والعبد والكتاب ونحو ذلك، والمكيل رهنه بالكيل فقبضه اكتياله لقوله ﷺ : «إذا سميت فكل» (رواه ابن ماجه) ، وإن كان موزونًا فقبضه بالوزن، «وقال ابن عمر: "كنا نشتري
стр. 262
نقله إن كان منقولا والتخلية فيما سواه
(٩٦) وقبض أمين المرتهن يقوم مقام قبضه
(٩٧) والرهن أمانة عند المرتهن أو أمينه لا يضمنه إلا أن يتعدى
(٩٨) ولا ينتفع المرتهن بشيء منه إلا ما كان مركوبا أو محلوبا فللمرتهن أن يركب ويحلب بمقدار العلف
(٩٩) وللراهن غنمه من غلته وكسبه ونمائه لكن يكون رهنا معه
(١٠٠) وعليه غرمه من مؤنته
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه» متفق عليه. وأما العقار والثمار على الشجر فقبض ذلك بالتخلية بين مرتهنه وبينه من غير حائل بأن يفتح له باب الدار ويسلم إليه مفاتيحها.
مسألة ٩٦: (وقبض أمين المرتهن يقوم مقام قبضه) لأنه وكيله ونائبه، واستدامة القبض شرط في اللزوم كحالة الابتداء للآية، وعنه أن القبض واستدامته في المتعين ليس بشرط في البيع فلم يشترط في الرهن.
مسألة ٩٧: (والرهن أمانة عند المرتهن وعند أمينه لا يضمنه إلا أن يتعدى) فإن تلف بغير تعد منه فلا شيء عليه لأنه أمين فأشبه المودع.
مسألة ٩٨: (ولا ينتفع المرتهن بشيء من الرهن، إلا ما كان مركوبًا أو محلوبًا فيحلب ويركب بقدر العلف) متحريًا للعدل في ذلك، سواء تعذر الإنفاق من المالك أم لم يتعذر، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الرهن يركب بنفقته، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» رواه البخاري، وفي لفظ «فعلى المرتهن علفها ولبن الدر ويشرب، وعلى الذي يشرب نفقته ويركب» .
مسألة ٩٩: (وللراهن غنمه من غلته وكسبه ونمائه) لأنه نماء ملكه فأشبه غير المرهون (لكنه يكون رهنًا معه) لأنه عقد وارد في الأصل فثبت حكمه في نمائه كالبيع، وقال ﷺ : «الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه» .
مسألة ١٠٠: (وعليه غرمه من مؤنته ومخزنه وكفنه إن مات) ويلزمه جميع نفقته من كسوة وعلف وحرز وحائط وسقي وتسوية وجذاذ وتجفيف، لما روي عن النبي ﷺ أنه
стр. 263
ومخزنه وكفنه إن مات)
(١٠١) وإن أتلفه أو أخرجه من الرهن بعتق أو استيلاد فعليه قيمته تكون رهنًا مكانه
(١٠٣) وإن جنى عليه غيره فهو الخصم فيه، وما قبض بسببه فهو رهن
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
قال: «الرهن من راهنه، له غنمه وعليه غرمه» وهذا من غرمه لأنه ملكه فكانت عليه نفقته كالذي في يده ويلزمه كفنه إنه مات كما يلزمه في الذي في يده.
مسألة ١٠١: (وإن أتلفه أو أخرجه من الرهن بعتق أو استيلاد فعليه قيمته تكون رهنًا) ، فلا يجوز للراهن عتق المرهون لأن فيه إضرارًا بالمرتهن وإسقاط حقه اللازم له، فإن فعل نفذ عتقه، نص عليه، لأنه محبوس لاستيفاء حق فنفذ فيه عتق المالك كالمحبوس على ثمنه وتؤخذ منه قيمته تكون رهنًا مكانه لأنه أبطل حق الوثيقة بغير إذن المرتهن فلزمه قيمته كما لو قتله.
١ -
مسألة ١٠٢: وأما إذا وطئ جاريته المرهونة فأولدها خرجت من الرهن وأخذت منه قيمتها فجعلت رهنًا، وذلك أن الراهن ليس له وطء جاريته المرهونة لأنه يفضي بذلك إلى أن يخرجها من الرهن فيفوت حق المرتهن، فإن وطئها فلا حد عليه لأنها ملكه، فإن كانت بكرًا فعليه ما نقصها، إن شاء جعله رهنًا وإن شاء جعله قضاء من الحق، فإن لم تحمل منه فهي رهن بحالها كما لو استخدمها، وإن ولدت فولده حر وتصير أم ولد له لأنه أحبلها في ملكه وتخرج من الرهن موسرًا كان أو معسرًا كما لو أعتقها، وعليه قيمتها يوم أحبلها لأنها وقت إتلافها تجعل رهنًا، وكذلك إن تلفت بسبب الحمل.
مسألة ١٠٣: (وإن جنى عليه غيره فهو الخصم فيه، وما قبض بسببه فهو رهن) فإن كانت الجناية عليه موجبة للقصاص فلسيده الاقتصاص وله أن يعفو لأنه مالكه، فإن اقتص فعليه قيمة أقلها قيمة من العبد الجاني والعبد المرهون، فإن كانت قيمة المرهون عشرة وقيمة الجاني مائة لم يلزمه إلا عشرة لأنه إنما فوت على المرتهن عشرة، وإن كانت قيمة المرهون مائة وقيمة الجاني عشرة لم يلزمه إلا عشرة لأن هذا هو المقدار الذي فوته على المرتهن يجعل ذلك رهنًا مكانه في أحد الوجهين؛ لأنه أتلف مالًا بسبب إتلاف الرهن فغرم قيمته، كما لو كانت الجناية موجبة للمال، والوجه الثاني لا شيء عليه لأنه لم يجب بالجناية مال ولا استحق بحال، وليس على الراهن السعي للمرتهن في اكتساب مال، وكذلك إن جنى على سيده فاقتص منه أو ورثته.
١ -
стр. 264
(١٠٦) وإن جنى الرهن فالمجني عليه أحق برقبته فإن فداه فهو رهن بحاله
(١٠٧) وإذا حل الدين فلم يوفه الراهن بيع وأوفى الحق من ثمنه وباقيه للراهن
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ١٠٤: وإن عفا السيد عن مال أو كانت الجناية موجبة للمال فاقتص منه جعل رهنًا مكانه لأنه بدل عنه فقام مقامه، وإن عفا السيد عن مال لم يصح عفوه لأنه محل تعلق به حق المرتهن فلم يصح عفوه عنه، كما لو قبضه المرتهن ويلزمه العفو في حقه، فإذا فك الرهن رد إلى الجاني. وقال أبو الخطاب: يصح عفو السيد عن المال ويؤخذ منه قيمته تكون رهنًا لأنه أتلفه بعفوه. وقال القاضي: تؤخذ قيمته من الجاني فتجعل مكانه فإذا زال الرهن ردت إلى الجاني كما لو أقر على عبده المرهون بالجناية.
١ -
مسألة ١٠٥: وإن عفا السيد عن القصاص إلى غير مال انبنى على موجب العمد، فإن قلنا أحد شيئين فهو كالعفو عن المال، وإن قلنا القصاص فهو كالاقتصاص وفيه وجهان.
مسألة ١٠٦: (وإن جنى الرهن فالمجني عليه أحق برقبته) وقدم على حق المرتهن لأنه [فداؤه فإن يقدم على] المالك فأولى أن يقدم على المرتهن ولسيده فداؤه (فإن فداه فهو رهن بحاله) فإن كان أرش الجناية أكثر من ثمنه فطلب المجني عليه تسليمه للبيع وأراد الراهن فداءه فله ذلك؛ لأنه حق المجني عليه في قيمته لا في عينه، ولسيده الخيار بين أن يسلمه إلى ولي الجناية فيملكه وبين أن يفديه بالأقل من قيمته أو أرش جنايته لأنه لا يلزمه أكثر من قيمة العبد ولا أكثر من الجناية، فإن كانت قيمته عشرين وأرش الجناية عشرة أو قيمته عشرة وأرش الجناية عشرين لم يلزمه أكثر من عشرة؛ لأنها أقل الأمرين منهما لأن ما يدفعه عوض عنه فلم يلزمه أكثر من قيمته، وعنه يلزمه أرش جنايته كلها أو تسليمه لأنه ربما رغب فيه راغب فاشتراه بأكثر من قيمته فينتفع به المجني عليه، فإن فداه فهو رهن بحاله لأن حق المرتهن لم يبطل وإنما قدم حق المجني عليه لقوته، فإذا زال ظهر حق المرتهن، وإن سلمه بطل الرهن لما ذكرنا.
مسألة ١٠٧: (وإذا حل الدين فلم يوفه الراهن بيع ووفى الحق من ثمنه وباقيه للراهن) وذلك أن الراهن إذا امتنع من وفاء الدين عند حلوله فإن كان أذن المرتهن في بيعه أو للعدل الذي هو في يده باعه ووفى الدين؛ لأن هذا هو المقصود من الرهن وقد باعه بإذن
стр. 265
(١٠٨) وإذا شرط الرهن أو الضمين في بيع فأبى الراهن أن يسلمه وأبى الضمين أن يضمن خُيِّر البائع بين الفسخ أو إقامته بلا رهن ولا ضمين
باب الصلح (١٠٩) ومن أسقط بعض دينه أو وهب غريمه بعض العين التي في يده جاز ما لم
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
صاحبه في قضاء دينه فيصح كما في غير الرهن، وإلا رفع الأمر إلى الحاكم فيجبره على وفاء الدين أو بيع الرهن، فإن لم يفعل باعه الحاكم وقضى دينه لأن ولاية الحاكم على ذلك نافذة، ولأن مقتضى الرهن الإيفاء من ثمنه فجاز للحاكم ذلك كما لو أذن فيه.
مسألة ١٠٨: (وإذا شرط الرهن أو الضمين في بيع فأبى الراهن أن يسلمه أو أبى الضمين أن يضمن خير البائع بين الفسخ أو إقامته بلا رهن ولا ضمين) وذلك أن البيع بهذا الشرط صحيح، والشرط صحيح أيضًا لأنه من مصلحة العقد غير مناف لمقتضاه، ولا نعلم في صحته خلافًا إذا كان معلومًا، فيشترط معرفة الرهن والضمين معًا إما بالمشاهدة أو الصفة التي يعلم بها الموصوف كما في السلم ويتعين القبض، ويعرف الضمين بالإشارة إليه أو تعريفه بالاسم والنسب، ولا يصح بالصفة بأن يقول رجل غني من غير تعيين لأن الصفة لا تأتي عليه بخلاف الرهن، ولو قال بشرط رهن أو ضمين لكان فاسدًا لأن ذلك يختلف وليس له عرف ينصرف إليه بالإطلاق. إذا ثبت هذا فإن المشتري إذا وفى بالشرط وسلم الرهن أو ضمن له الضمين لزم البيع، وإن امتنع الراهن من تسليم الرهن، أو أبى الضامن أن يضمن عنه، فللبائع الخيار بين فسخ البيع - لأنه إنما بذل ماله بهذا الشرط، فإذا لم يسلم له استحق الفسخ كما لو لم يأته بالثمن - وبين إتمامه أو الرضى به بلا رهن ولا ضمين؛ لأن ذلك حقه وقد أسقطه، فيلزمه البيع عند ذلك كما لو لم يشترطه.
[باب الصلح]
مسألة ١٠٩: (ومن أسقط بعض دينه أو وهب غريمه بعض العين التي له في يده جاز ما لم يجعل وفاء الباقي شرطًا في الهبة والإبراء أو يمنعه حقه إلا بذلك) وذلك لأن الإنسان لا يمنع من إسقاط حقه ولا من استيفائه، قال أحمد: ولو شفع فيه شافع لم يأثم لأن النبي ﷺ كلم غرماء جابر فوضعوا عنه الشطر، وكلم كعب بن مالك فوضع عن غريمه الشطر، ويجوز للقاضي فعل ذلك لأن النبي ﷺ فعله (رواه البخاري) ، ولو قال
стр. 266
يجعل وفاء الباقي شرطا في الهبة والإبراء أو يمنعه حقه إلا بذلك
(١١٠) أو يضع بعض المؤجل ليعجل له الباقي
(١١١) ويجوز اقتضاء الذهب عن الورق والورق عن الذهب إذا أخذها بسعر يومها وتقابضا في المجلس
(١١٢) ومن كان له دين على غيره لا يعلمه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
للغريم: أبرأتك من بعضه بشرط أن توفيني بقيته - أو على أن توفيني باقيه - لم يصح لأنه جعل إبراءه عوضًا عن إعطائه فيكون معاوضًا لبعض حقه ببعض، ولا تصح بلفظ الصلح لأن معنى صالحني عن المائة بخمسين أي بعني، وذلك غير جائز لما ذكرناه، ولأنه ربًا.
مسألة ١١٠: (أو يضع له بعض المؤجل ليعجل له الباقي) يعني لو صالح عن المؤجل ببعضه حالًا مثل أن يصالح عن المائة المؤجلة بخمسين حالة لم يجز لأنه ربًا، وهو بيع بعض ماله بماله ولأن بيع الحلول غير جائز.
مسألة ١١١: (ويجوز اقتضاء الذهب عن الورق والورق عن الذهب إذا أخذها بسعر يومها وتقابضا في المجلس) وذلك أنه إذا صالحه عن أثمان بأثمان فهذا صرف يعتبر له شروط الصرف من القبض في المجلس وسائر شروطه.
مسألة ١١٢: (ومن كان له على غيره حق لا يعلمه المدعى عليه فصالحه على شيء جاز، فإن كان أحدهما يعلم كذبه في نفسه فالصلح باطل) في حقه وهذا هو الصلح على الإنكار، وهو أن يدعي على إنسان عينًا في يده أو دينًا في ذمته لمعاملة أو جناية أو إتلاف أو غصب أو تفريط في وديعة أو مضاربة ونحو ذلك فينكره ويصالحه بمال، فيصح إذا كان المنكر معتقدًا بطلان الدعوى فيدفع إليه المال افتداء ليمينه ودفعًا للخصومة عن نفسه، والمدعي يعتقد صحتها فيأخذه عوضًا عن حقه الثابت له لأنه صلح يصح مع الأجنبي فيصح بين الخصمين كالصلح في الإقرار، ويكون بيعًا في حق المدعي لأنه يأخذ المال عوضًا عن حقه فيلزمه حكم إقراره حتى لو كان العوض شقصًا وجبت الشفعة، وإن وجد به عيبًا فله رده ويكون إبراء في حق المنكر لاعتقاده أن ملكه لم يتجدد بالصلح وإنما يدفع المال افتداء ليمينه لا عوضا، فلو كان المدعي شقصًا لم تجب فيه الشفعة، ولو وجد فيه عيبًا لم يملك رده، كمن اشترى عبدًا قد أقر بحريته فإن كان أحدهما يعلم كذب نفسه فالصلح باطل في الباطن وما يأخذه بالصلح حرام لأنه يأكل مال أخيه بباطله ويستخرجه منه بشره، وهو في الظاهر صحيح لأن ظاهر حال المسلمين الصحة والحق.
стр. 267
المدعى عليه فصالحه على شيء جاز، وإن كان أحدهما يعلم كذب نفسه فالصلح في حقه باطل
(١١٣) ومن كان له حق على رجل لا يعلمان قدره فاصطلحا عليه جاز
باب الوكالة (١١٤) وهي جائزة في كل ما تجوز النيابة فيه إذا كان الموكل والوكيل ممن يصح
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ١١٣: (ومن كان له حق على رجل لا يعلمان قدره فاصطلحا عليه جاز) لأن الحق لهما لا يخرج عنهما، فإذا اتفقا عليه جاز كما لو اتفقا على أن يتبارآ.
[باب الوكالة]
مسألة ١١٤: (وهي جائزة في كل ما تجوز النيابة فيه إذا كان الموكل والوكيل ممن يصح ذلك منه) تجوز الوكالة بإجماع الأمة في الجملة، وتجوز في الشراء والبيع والنكاح، لأن النيابة تدخلها بدليل «أن النبي ﷺ أعطى عروة بن الجعد دينارًا وأمره أن يشتري به شاة» ، وقال الله : ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] فجوز العمل عليها، «وقال جابر بن عبد الله للنبي ﷺ : "إني أريد الخروج إلى خيبر، فقال: ائت وكيلي فخذ منه خمسة عشرة وسقًا، فإذا ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته» (رواه الدارقطني) ، وروي «أن النبي ﷺ وكّل عمرو بن أمية الضمري في قبول نكاح أم حبيبة، وأبا رافع في قبول نكاح ميمونة» .
وتجوز الوكالة بشرط أن تكون فيما تدخله النيابة كالبيع والشراء والنكاح لما سبق.
وتجوز في الرهن والحوالة والضمان والكفالة والشركة والوديعة والمضاربة والجعالة والمساقاة والإجارة والقرض والوصية "والصلح" والهبة والوقف والصدقة والفسخ والإبراء والقسمة لأنها كلها تدخلها النيابة وهي في معنى البيع في الحاجة إلى التوكيل فيها فيثبت فيها حكمه، ولا نعلم في شيء من ذلك خلافًا.
ويشترط أن يكون الموكل والوكيل ممن يصح ذلك منه بنفسه، لأن من لا يصح تصرفه بنفسه فكيف يصح بنائبه.
стр. 268
ذلك منه
(١١٥) وهي عقد جائز تبطل بموت كل واحد منهما وفسخه لها وجنونه والحجر عليه لسفه
(١١٦) وكذلك في كل عقد جائز كالشركة والمساقاة والمزارعة والجعالة والمسابقة
(١١٧) وليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله الإذن لفظًا أو عرفًا
(١١٨) وليس
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ١١٥: (وهي عقد جائز تبطل بموت كل واحد منهما وجنونه والحجر عليه لسفه) لأنه يخرج بذلك عن أهلية التصرف، ويبطل بفسخ كل واحد منهما لأنه إذن في التصرف، فملك كل واحد منهما إبطاله كالإذن في أكل الطعام.
مسألة ١١٦: (وكذلك الحكم في كل عقد جائز كالشركة والمساقاة والمزارعة والجعالة والمسابقة) لذلك.
مسألة ١١٧: (وليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله الإذن لفظًا أو عرفًا) لأن الإنسان ممنوع من التصرف في حق غيره، وإنما أبيح لوكيله التصرف فيه بإذنه فيجب اختصاص تصرفه فيما تناوله إذنه، إما لفظًا كقوله بع ثوبي بعشرة، وإما عرفًا كبيعه الثوب بعشرة وزيادة إما من جنس العشرة كبيعه بأحد عشر وما زاد عليها، أو من غير جنسها كعشرة وثوب؛ لأن الزيادة تنفعه ولا تضره، وكل أحد يريد ذلك ويرضاه بحكم العرف.
مسألة ١١٨: (وليس للوكيل توكيل غيره) وذلك أن الوكيل لا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن ينهاه الموكل عن التوكيل فلا يجوز له ذلك رواية واحدة؛ لأن ما نهاه عنه غير داخل في إذنه فلم يجز له كما لو لم يوكله. الثاني: أذن له في التوكيل فيجوز له رواية واحدة لأنه عقد إذن له فيه فكان له ذلك كما لو أذن له في البيع ولا نعلم في هذين خلافًا. الثالث: أطلق الوكالة فلا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون العمل مما يرتفع الوكيل عن مثله كالأعمال الدينية في حق أشراف الناس المرتفعين عن فعلها في العادة، فإنه يجوز له التوكيل فيها لأنها إذا كانت مما لا يفعله الوكيل بنفسه عادة انصرف الإذن إلى ما جرت به العادة من الاستنابة به فيه. الحال الثاني: أن يكون عملًا لا يرتفع عن مثله إلا أنه عمل كثير لا يقدر الوكيل على فعل جميعه، فإنه يجوز له التوكيل فيه أيضًا لما ذكرنا. الحال الثالث: أن يكون مما لا يرتفع عنه الوكيل ويمكنه عمله بنفسه فليس له أن يوكل فيه؛ لأنه لم يأذن له في التوكيل ولا تضمنه إذنه فلم يجز كما لو نهاه عنه، ولأنه استئمان فإذا استأمنه فيما يمكنه النهوض به لم يكن له أن يوليه من لم يأمنه عليه كالوديعة،
стр. 269
له توكيل غيره
(١١٩) ولا الشراء من نفسه ولا البيع لها إلا بإذن موكله
(١٢٠) وإن اشترى لإنسان ما لم يأذن له فيه فأجازه جاز وإلا لزم من اشتراه
(١٢١) والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما يتلف إذا لم يتعد والقول قوله في الرد والتلف ونفي التعدي
(١٢٢) وإذا قضى الدين بغير بينة ضمن
(١٢٣) إلا أن يقضيه بحضرة الموكل
(١٢٤) ويجوز التوكيل
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
وعنه له أن يوكل فيه لأن الوكيل يملك التصرف بنفسه فيملكه بنائبه كالملك وكما لو وكله فيما لا يتولى مثله بنفسه.
مسألة ١١٩: (وليس للوكيل الشراء من نفسه ولا البيع لها إلا بإذن) لأن العرف في العقد أن يعقده مع غيره فحمل التوكيل عليه، ولأنه يلحقه تهمة ويتنافى الغرضان فلم يجز كما لو نهاه عنه، وعنه يجوز لأنه امتثل أمره وحصل غرضه فصح كما لو كان من أجنبي، وإنما يصح بشرط أن يزيد على مبلغ ثمنه في النداء أو يوكل من يبيع ويكون هو أحد المشترين لتنتفي التهمة. قال القاضي: ويحتمل أن لا يشترط ذلك لأنه قد امتثل أمره، فأما إذا أذن له في ذلك فقد عمل بمقتضى التوكيل.
مسألة ١٢٠: (وإن اشترى لإنسان ما لم يأذن له فيه فأجازه جاز) لأن المشتري في الذمة لا ينصرف في حق المشترى له إنما ينصرف في ذمة نفسه، فتحصيل شيء له موقوف على إجازته ورضاه، فإن أجازه كان له (وإن رده لزم من اشتراه) لأنه ألزم به.
مسألة ١٢١: (والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما يتلف إذا لم يتعد) لأنه نائب والمالك أشبه المودع (والقول قوله في الرد والتلف ونفي التعدي) لذلك.
مسألة ١٢٢: (وإن قضى الدين بغير بينة) وأنكره الغريم (ضمن) لأن الموكل لا يقبل قوله على الغريم فكذلك وكيله.
مسألة ١٢٣: (إلا أن يكون قضاه بحضرة الموكل) فلا ضمان عليه، لأن التفريط من الموكل حيث لم يشهد، وإن قضاه في غيبته ولم يشهد ضمن لأنه أذن له في قضاء مبرم ولم يوجد، وعن أحمد، ﵀، لا يضمن إلا أن يكون أمره بالإشهاد فلم يفعل، فعلى هذه الرواية إن صدقه الموكل لم يضمن الوكيل وإن كذبه فالقول قول الوكيل لأنه أمينه فيقبل قوله عليه في تصرفه كما يقبل قوله في البيع والقبض.
مسألة ١٢٤: (ويجوز التوكيل بجعل وبغيره) لأنه تصرف لغيره لا يلزمه فجاز أخذ
стр. 270
بجعل وبغيره، فلو قال: بع هذا بعشرة فما زاد فلك صح
باب الشركة (١٢٥) وهي على أربعة أضرب: شركة العنان، وهي أن يشتركا بماليهما وبدنيهما
وشركة الوجوه، وهي أن يشتركا فيما يشتريان بجاهيهما، والمضاربة: وهي أن يدفع
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
العوض عنه كرد الآبق. (فإذا قال: بعه بعشرة فما زاد فهو لك صح) وله الزيادة لأن ابن عباس ﵁ كان لا يرى بذلك بأسًا.
[باب الشركة]
مسألة ١٢٥: (وهي على أربعة أضرب: شركة العنان، وهي أن يشتركا بماليهما وبدنيهما) وربحه لهما، فينفذ تصرف كل واحد منهما بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه، وهي جائزة بالإجماع، ذكره ابن المنذر، وإنما اختلف في بعض شروطها. وسميت شركة العنان لأنهما يتساويان في المال والتصرف كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما وتساويا في السير، فإن عنانيهما يكونان سواء. ولا تصح إلا بشرطين:
"أحدهما" أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير، ولا خلاف في صحة الشركة بهما لأنهما أثمان البياعات وقيم الأموال.
مسألة ١٢٦: ولا يصح بالعروض، وهو ظاهر المذهب، لأن هذه الشركة لا تخلو إما أن تقع على الأعيان، أو قيمتها، أو أثمانها. لا يجوز وقوعها على الأعيان لأنها تقتضي الرجوع عند المفاضلة برأس المال ولا مثل لها فيرجع إليه، وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر فيستوعب بذلك جميع الربح وتنقص قيمته فيؤدي إلى مشاركة الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح، ولا على أثمانها لأنها معدومة حال العقد ولا يملكانها، ولأنها تصير عند من يجوزها شركة معلقة على شرط وهو بيع الأعيان، ولا يجوز أن تكون واقعة على قيمتها لأن القيمة غير متحققة المقدار فيفضي إلى التنازع، ولأن القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فيشاركه الآخر في ثمن العين التي هي ملكه، وعنه يجوز وتجعل قيمتها وقت العقد برأس المال، ودليله أن مقصود الشركة أن يملك كل واحد منهما نصف مال الآخر وينفذ تصرفهما، وهذا موجود في العروض فصحت الشركة فيها كالأثمان.
"الشرط الثاني" أن يشترطا لكل واحد منهما جزءًا من الربح مشاعًا معلومًا، ولا خلاف في
стр. 271
أحدهما إلى الآخر مالا يتجر فيه ويشتركان في ربحه، وشركة الأبدان، وهي أن يشتركا فيما يكسبان بأبدانهما من المباح، إما بصناعة أو احتشاش أو اصطياد ونحوه، لما روي «عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر، فجاء سعد بأسيرين ولم آت أنا وعمار بشيء»
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
ذلك في المضاربة المحضة، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للعامل أن يشترط على رب المال ثلث الربح أو نصفه أو ما يجمعان عليه بعد أن يكون ذلك "معلومًا" جزءًا من أجزاء، ولأن استحقاق المضارب للربح بعمله فجاز ما يتفقان عليه من قليل وكثير كالأجرة في الإجارة وكالجزء من الثمرة في المساقاة والمزارعة.
الضرب الثاني: (شركة الوجوه، وهو أن يشتركا فيما يشتريان بجاههما) وثقة التجار بهما، فما ربحا فهو بينهما لأن مبناها على الوكالة والكفالة؛ لأن كل واحد منهما وكيل صاحبه فيما يشتريه ويبيعه كفيل عنه بذلك، والملك بينهما على ما شرطاه نصفين أو أثلاثًا أو أرباعًا، والوضيعة على قدر ملكيهما فيه ويبيعان فما رزق الله تعالى فهو بينهما على ما شرطاه فهو جائز، ويحتمل [أن يكون] على قدر ملكيهما وهما في جميع تصرفاتهما وما يجب لهما وعليهما في إقرارهما وخصومتهما بمنزلة شريكي العنان على ما سبق.
الضرب الثالث: (المضاربة، وهو أن يدفع أحدهما ماله إلى آخر يتجر فيه والربح بينهما) ويسمى مضاربة وقراضًا، وينعقد بلفظهما وكل ما يؤدي معناهما لأن القصد المعنى فجاز بما دل عليه كالوكالة، وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة، ذكره ابن المنذر، ويروى ذلك عن جماعة من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم فيكون إجماعًا، ولأن بالناس حاجة إليها فإن الدراهم والدنانير لا تنمو إلا بالتقليب والتجارة، وليس كل من يملكها يحسن التجارة، ولا كل من يحسن له رأس مال، فاحتيج إليها من الجانبين، فشرعها الله سبحانه لدفع الحاجتين.
الضرب الرابع: (شركة الأبدان، وهي أن يشتركا فيما يكسبان بابدانهما من المباح: إما بصناعة أو احتشاش أو اصطياد ونحوه) كالاحتطاب والتلصص على دار الحرب، وفي المعادن وسائر المباحات، فهي صحيحة (لما روي «عن عبد الله بن مسعود أنه قال:
стр. 272
(١٢٧) والربح في جميع ذلك على ما شرطاه والوضيعة على قدر المال
(١٢٨) ولا يجوز أن يجعل لأحدهما دراهم معينة ولا ربح بشيء معين
(١٢٩) والحكم في المساقاة والمزارعة كذلك
(١٣٠) وتجبر الوضيعة من الربح
(١٣١) وليس لأحدهما البيع بنسيئة
(١٣٢) ولا أخذ شيء من الربح إلا بإذن الآخر
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر فلم أجئ أنا وعمار بشيء وجاء سعد بأسيرين» رواه أبو داود واحتج به أحمد.
مسألة ١٢٧: (والربح في جميع ذلك على ما شرطاه) لأن الحق لا يخرج عنهما (والوضيعة على قدر المال) وهي الخسارة على كل واحد منهما بقدر ماله: إن كان متساويًا تساويا في الخسران، وإن كان أثلاثًا كان أثلاثًا، ولا نعلم فيه خلافًا.
مسألة ١٢٨: (ولا يجوز أن يجعل لأحدهما دراهم معينة ولا ربح بشيء معين) لأن ذلك يفضي إلى جهل حق كل واحد منهما من الربح، ومن شرط المضاربة كون ذلك معلومًا فيفسد بها العقد، لأن الفساد لمعنى في العوض المعقود عليه فأفسد العقد كما لو جعل رأس المال خمرًا أو خنزيرًا، ويخرج في ذلك روايتان: إحداهما: لا يبطل به عقد الشركة لأنه إذا حذف من الشرط بقي الإذن بحاله. والأخرى: يبطل العقد لأنه إنما رضي بالعقد بهذا الشرط فإذا فسد فات الرضا به ففسد كالشروط الفاسدة في البيع.
مسألة ١٢٩: (والحكم في المساقاة والمزارعة كذلك) يعني أن ذلك عقد جائز يشترط له من الشروط ما يشترط للمضاربة، ويفسده ما يفسدها. وسيأتي ذكرها إن شاء الله.
مسألة ١٣٠: (وتجبر الوضيعة من الربح) لأن الربح هو الفاضل عن رأس المال، وما لم يفضل فليس بربح، وهذا لا نعلم فيه خلافًا.
مسألة ١٣١: (وليس لأحدهما البيع نسيئة) لأن فيه تغريرًا بالمال. وفيه وجه آخر يجوز لأن عادة التجار البيع نسأ والربح فيه أكثر.
مسألة ١٣٢: (وليس له أن يأخذ من الربح شيئًا إلا بإذن الآخر) لأنه إذا أخذ من الربح شيئًا يكون قرضًا في ذمته فلا يجوز إلا بإذن كما في الوديعة.
стр. 273
باب المساقاة والمزارعة (١٣٣) تجوز المساقاة في كل شجر له ثمر بجزء من ثمره مشاع معلوم
(١٣٤) والمزارعة في الأرض بجزء من زرعها، سواء كان البذر منهما أو من أحدهما لقول ابن عمر: «عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع وثمر " وفي لفظ: " على أن يعمروها من أموالهم» وعلى العامل ما جرت العادة بعمله
(١٣٥) ولو دفع إلى رجل دابة يعمل عليها وما حصل بينهما جاز على قياس ذلك
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[باب المساقاة والمزارعة]
مسألة ١٣٣: (وتجوز المساقاة في كل شجر له ثمر بجزء من ثمره مشاع معلوم) لما روى عبد الله بن عمر قال: «عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» متفق عليه، وقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي ﵃: «عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع» .
مسألة ١٣٤: (وتجوز المزارعة في الأرض بجزء من زرعها سواء كان البذر منهما أو من أحدهما لحديث ابن عمر، وفي لفظ: على أن يعمروها من أموالهم) ولرسول الله ﷺ شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع (رواه البخاري) (وعلى العامل ما جرت العادة بعمله) في المساقاة والمزارعة من الحرث والإبار والتلقيح وإصلاح طرق الماء والحصاد والدراس والذرى لأن لفظهما يقتضي ذلك، وموضعها أن العمل من العامل، وأصل المال وما يتعلق ببقائه من رب المال فيلزمه ما فيه حفظ الأصل كسد الحيطان وإنشاء الأنهار وعمل الدولاب وما يديره وشراء ما يلقح به، فإذا أطلق العقد فعلى كل واحد منهما ما ذكرنا، وإن شرطا ذلك كان تأكيدًا.
مسألة ١٣٥: (ولو دفع إلى رجل دابة يعمل عليها وما حصل بينهما جاز على قياس
стр. 274
باب إحياء الموات (١٣٦) وهي الأرض الدائرة التي لا يعرف لها مالك فمن أحياها ملكها، لقول رسول الله ﷺ : «من أحيا أرضا ميتة فهي له»
(١٣٧) وإحياؤها عمارتها بما تتهيأ به لما
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
ذلك) لأنه يشبه ما لو دفع ماله إلى من يتجر فيه والربح بينهما، ويشترط أن يكون ما بينهما معلومًا كالمضاربة.
[باب إحياء الموات]
مسألة ١٣٦: (وهي الأرض الدائرة التي لا يعرف لها مالك) وهي نوعان:
أحدهما: أرض لم يجر عليها ملك فهذه تملك بالإحياء، لما روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحيا أرضًا ميتة فهي له» أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
النوع الثاني: ما كان فيها من آثار الملك ولا يعلم لها مالك ففيها روايتان: إحداهما: تملك بالإحياء للخبر، ولما روى طاوس أن النبي ﷺ قال: «عادي الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم بعد» رواه أبو عبيد في الأموال، ولأنه في دار الإسلام فيملك كاللقطة، والثانية: لا تملك لأنها إما لمسلم أو ذمي أو بيت المال فلم يجز إحياؤها كما لو تعين مالكها.
مسألة ١٣٧: (وإحياؤها عمارتها بما تتهيأ به لما يراد منها) والمرجع في ذلك إلى العرف، فما تعارفه الناس أنه إحياء فهو إحياء لأن الشرع ورد به ولم يثبته فيرجع فيه إلى العرف، كما رجعنا إلى ذلك في القبض والإحراز، فإذا ثبت هذا فإن الأرض تحيا دارًا للسكنى أو حظيرة ومزرعة، فأما الدار فأن يبني حيطانها وسقفها لأنها لا تكون للسكنى إلا كذلك، وإن أرادها حظيرة فإحياؤها بحائط جرت به عادة مثلها، وإن أرادها للزراعة فأن يحوط عليها بتراب أو غيره مما تتميز به عن غيرها ويسوق إليها ماء من نهر وبئر فإنها تصير محياة، وإن لم يزرعها، وإن كانت من الأرض التي لا تحتاج إلى ماء فأن يعمل فيها ما تتهيأ به للزراعة من قلع أحجارها وأشجارها وتمهيدها. وذكر القاضي رواية أخرى في
стр. 275
يراد منها كالتحويط عليها، وسوق الماء إليها إن أرادها للزرع، وقلع أشجارها وأحجارها المانعة من غرسها وزرعها،
(١٣٨) وإن حفر فيها بئرا فوصل إلى الماء ملك حريمه، وهو خمسون ذراعا من كل جانب إن كانت عادية وحريم البئر البديء خمسة وعشرون ذراعا
باب الجعالة وهي أن يقول: من رد لقطتي أو ضالتي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا، فمن فعل ذلك استحق الجعل، لما روى أبو سعيد «أن قوما لُدغ رجل منهم فأتوا أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: هل فيكم من راقٍ؟ فقالوا: لا، حتى تجعلوا لنا شيئًا، فجعلوا لهم قطعيًا من الغنم، فجعل رجل منهم يقرأ بفاتحة الكتاب ويرقي ويتفل حتى برأ، فأخذوا الغنم وسألوا عن ذلك النبي ﷺ فقال: وما يدريكم أنها رقية؟ خذوا واضربوا لي معكم بسهم»
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
صفة الإحياء وهو أن يحوزها بحائط أو يجري لها ماء، لما روى ابن عبد البر في كتابه عن سعيد وغيره من أصحاب قتادة عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: «من أحاط حائطًا على أرض فهي له» رواه أبو داود وأحمد في المسند، ومثله عن جابر عن النبي ﷺ ولأن الحائط حاجز منيع فكان إحياء أشبه ما لو جعلها للغنم حظيرة.
مسألة ١٣٨: (وإن حفر بئرًا فوصل إلى الماء ملك حريمه، وهو خمسون ذراعًا من كل جانب إن كانت عادية وحريم البئر البديء خمسة وعشرون ذراعًا) لما روى الدارقطني بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: «حريم البئر البديء خمسة وعشرون ذراعًا وحريم العادي خمسون ذراعًا» .
[باب الجعالة]
(وهي أن يقول: من رد لقطتي أو ضالتي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا، فمن فعل ذلك استحق الجعل) لقوله : ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢] وروى أبو مسعود «أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ أتوا حيًّا من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينما هم كذلك إذ لُدغ سيد أولئك، فقالوا: هل فيكم من راق؟ فقالوا: لم تقرونا فلا نفعل أو
стр. 276
(١٣٩) ولو التقط اللقطة قبل أن يبلغه الجعل لم يستحقه
باب اللقطة وهي على ثلاثة أضرب: أحدها: ما تقل قيمته فيجوز أخذه والانتفاع به من غير تعريف لقول جابر: «رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به» ، الثاني: الحيوان الذي يمتنع بنفسه من صغار السباع كالإبل والخيل ونحوها فلا يجوز أخذها، «لأن النبي ﷺ سئل عن ضالة الإبل فقال: " ما لك ولها؟ دعها، معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يأتيها ربها»
(١٤٠) ومن أخذ هذا لم يملكه ولزمه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
تجعلوا لنا جعلًا، فجعلوا لهم قطيع شياه، فجعل رجل منهم يقرأ بأم القرآن ويجمع ريقه ويتفل، فبرأ الرجل، فأتوهم بالشاء فقالوا: لا نأخذها حتى نسأل عنها رسول الله ﷺ ، [فسألوا عنها رسول الله ﷺ ] فقال: " وما يدريك أنها رقية، خذوها واضربوا لي فيها بسهم» متفق عليه، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك في رد الضالة ونحوها فجاز كالأجرة.
مسألة ١٣٩: (ولو التقط اللقطة قبل أن يبلغه الجعل لم يستحقه) لأنه يجب عليه ردها إذا وجدها فلا يجوز له الأخذ على الواجب.
[باب اللقطة]
(وهي على ثلاثة أضرب: أحدها: ما تقل قيمته فيجوز أخذه والانتفاع به) كالسوط والشسع والرغيف فيملك (بلا تعريف، لما روى جابر قال: «رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به» رواه أبو داود. (الثاني) الحيوان الذي يمتنع بنفسه من صغار السباع كالإبل والخيل والبقر والبغال، فلا يجوز التقاطها لقوله ﷺ «لما سئل عن ضالة الإبل في حديث زيد بن مالك: "ما لك ولها؟ دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها» متفق عليه.
مسألة ١٤٠: (ومن أخذ هذا لم يملكه ولزمه ضمانه) لأنه أخذ ملك غيره بغير إذنه ولا إذن الشارع له، فهو كالغاصب.
стр. 277
ضمانه ولم يبرأ إلا بدفعه إلى نائب الإمام) (الثالث: ما تكثر قيمته من الأثمان والمتاع والحيوان الذي لا يمتنع من صغار السباع فيجوز أخذه، ويجب تعريفه حولا في مجامع الناس كالأسواق وأبواب المساجد، فمتى جاء طالبه فوصفه دفعه إليه بغير بينة)
(١٤١) وإن لم يعرف فهو كسائر ماله، ولا يتصرف فيه حتى يعرف وعاءه ووكاءه وصفته، فمتى جاء طالبه فوصفه دفع إليه أو مثله إن كان قد هلك
(١٤٢) وإن كان حيوانا يحتاج إلى مؤنة أو شيئا يخشى تلفه فله أكله قبل التعريف أو بيعه ثم يعرفه لما روى زيد بن خالد قال: «سئل رسول الله ﷺ عن لقطة الذهب والورق فقال: " اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن جاء طالبها يوما من الدهر فادفعها إليه " وسأله عن الشاة فقال: " خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب» (١٤٣) وإن هلكت اللقطة في حول التعريف من غير تعد فلا ضمان فيها
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
(الثالث: ما تكثر قيمته كالأثمان والمتاع والحيوان الذي لا يمتنع بنفسه من صغار السباع فيجوز أخذه ويجب تعريفه حولا في مجامع الناس كالأسواق وأبواب المساجد، فمتى جاء طالبه فوصفه دفع إليه بغير بينة) لما روى زيد بن خالد الجهني قال: «سئل رسول الله ﷺ عن لقطة الذهب والورق فقال: اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فادفعها إليه» الحديث متفق عليه.
مسألة ١٤١: (وإن لم يعرف فهو كسائر ماله، ولا يتصرف فيه حتى يعرف وعاءه ووكاءه وصفته، فمتى جاء طالبه فوصفه دفعه إليه أو مثله إن كان قد هلك) لحديث زيد.
مسألة ١٤٢: (وإن كان حيوانًا يحتاج إلى مؤنة أو يخشى تلفه فله أكله قبل التعريف أو بيعه ثم يعرفه) لأن في حديث زيد: وسأله عن الشاة فقال: «خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب» .
١ -
مسألة ١٤٣: وإن هلكت اللقطة في حول التعريف من غير تعد فلا ضمان فيها لأنها عنده أمانة فهي كالمودع.
стр. 278
فصل: في اللقيط: هو الطفل المنبوذ (١٤٤) وهو محكوم بحريته وإسلامه
(١٤٥) وما وجد عنده من المال فهو له
(١٤٦) وولايته لملتقطه إذا كان مسلمًا عدلًا ونفقته في بيت المال إن لم يكن معه ما ينفق عليه
(١٤٧) وما خلفه فهو فيء
(١٤٨) ومن ادعى نسبه ألحق به إلا إن كان كافرا ألحق به نسبا لا دينا
(١٤٩) ولم يسلم إليه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[فصل في اللقيط]
(فصل في اللقيط، وهو الطفل المنبوذ وهو محكوم بحريته) لما روى سعيد عن سفيان عن الزهري أنه سمع شبيبًا أبا جميلة قال: وجدت ملقوطًا فأتيت به عمر ﵁، فقال عريفي: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال عمر: أكذلك هو؟ قال: نعم. فقال: اذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته، أو قال: رضاعه. وقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن اللقيط حر، ولأن الأصل في الآدميين الحرية فيكون حرًا. مسألة ١٤٤: (ويحكم بإسلامه) في دار الإسلام إذا كان فيها مسلم لأنه اجتمع الدار وإسلام من فيها.
مسألة ١٤٥: (وما يوجد عنده من المال فهو له) وكذلك ما يوجد عليه من الثياب والحلي أو تحته من فراش أو سرير أو غيره لأنه آدمي حر فأشبه البالغ.
مسألة ١٤٦: (وولايته لملتقطه إذا كان مسلمًا عدلًا) لحديث أبي جميلة، يعني ولاية حفظه والإنفاق عليه (ونفقته في بيت المال إن لم يكن معه ما ينفق عليه) لذلك.
مسألة ١٤٧: (وما خلفه فهو فيء) وذلك أن ميراث اللقيط وديته إن قتل لبيت المال إن لم يخلف وارثًا معروفًا [كغيره من المسلمين] وأما حديث أبي جميلة وقول عمر: "ولاؤه لك" فقال ابن المنذر: هو رجل مجهول وما يقوم بحديثه حجة، يعني أبا جميلة. ويحتمل أن عمر عني لك ولاية حفظه والقيام به، وحديث واثلة «تحوز المرأة ثلاث مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه» لا يثبت أيضًا، فيكون حكمه في الميراث حكم من ثبت نسبه وانقرض أهله يدفع ميراثه إلى بيت المال.
مسألة ١٤٨: (ومن ادعى نسبه ألحق به) مسلمًا كان أو كافرًا؛ لأنه أقر له بحق لا ضرر فيه على أحد فقبل كما لو أقر له بمال، ويتبع الكافر نسبًا لا دينًا، لأنه محكوم بإسلامه بالدار فلا يزول ذلك بدعوى كافر.
مسألة ١٤٩: (ولم يدفع إليه) يعني إلى الكافر، لأنه لا ولاية لكافر على مسلم.
стр. 279
باب السبق وتجوز المسابقة بغير جعل في الأشياء كلها
(١٥٠) ولا تجوز بجعل إلا في الخيل والإبل والسهام لقول رسول الله ﷺ : «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر»
(١٥١) فإن كان الجعل من غير المستبقين جاز، وهو للسابق منهما
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[باب السبق]
(تجوز المسابقة بغير جعل في الأشياء كلها) الدواب والأقدام والسفن والمزاريق وغيرها، لما روى ابن عمر «أن النبي ﷺ "سابق بين الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع، وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق» متفق عليه. وسابق النبي ﷺ عائشة على قدميه، وسابق سلمةُ بن الأكوع رجلًا من الأنصار بين يدي رسول الله ﷺ ، «ومر النبي ﷺ على قوم يربعون حجرًا أي يرفعونه ليعلم الشديد منهم فلم ينكر عليهم» .
مسألة ١٥٠: (ولا تجوز بعوض إلا في الخيل والإبل والسهام لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر» رواه أبو داود، فتعين حمله على المسابقة بعوض جمعًا بينه وبين ما سبق من الأحاديث. والمراد بالحافر الخيل خاصة، وبالخف الإبل، وبالنصل السهام، لقول النبي ﷺ : «ليس من اللهو ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبة أهله، ورميه بقوسه ونبله» (رواه أبو داود) ولأن غير الخيل والإبل لا تصلح للكر ولا للفر في القتال، وغير السهام لا يعتاد الرمي بها فلم تجز المسابقة بها كالبقر.
مسألة ١٥١: (فإن كان الجعل من غير المستبقين جاز، وهو للسابق منهما) لأنه
стр. 280
(١٥٢) وإن كان من أحدهما فسبق المخرج أو جاءا معا أحرز سبقه ولا شيء له سواه
(١٥٣) وإن سبق الآخر أخذه
(١٥٤) وأن أخرجا جميعا لم يجز إلا أن يدخلا بينهما محللا يكافئ فرسه فرسيهما، أو بعيره بعيريهما، أو رميه رميهما، لقول رسول الله ﷺ : «من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار»
(١٥٥) فإن سبقهما أحرز سبقيهما، وإن سبق أحدهما أحرز سبق نفسه وأخذ سبق صاحبه
(١٥٦) ولا بد من تحديد المسافة وبيان الغاية
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
إخراج مال لمصلحة فجاز أن يكون من غيرهما كارتباط الخيل في سبيل الله ويكون للسابق منهما لأنه ليس بقمار.
مسألة ١٥٢: (وإن كان العوض من أحدهما فسبق المخرج أو جاءا معًا أحرز سبقه ولا شيء له سواه) أما إذا جاءا معًا فلا شيء لهما لأنه لم يسبق واحد منهما، وإن سبق المخرج أحرز سبقه ولم يأخذ من الآخر شيئًا لأنه لو أخذ شيئًا كان قمارًا.
مسألة ١٥٣: (وإن سبق الآخر أحرز سبق صاحبه) لأنه ليس بقمار.
مسألة ١٥٤: (وإن أخرجا جميعًا لم يجز) لأنه يكون قمارًا (إلا أن يدخلا بينهما محللًا) وهو ثالث لم يخرج (يكافئ فرسه فرسيهما أو بعيره بعيريهما أو رميه رميهما، لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «من أدخل فرسًا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرسًا بين فرسين وهو آمن أن يسبق فهو قمار» رواه أبو داود، فجعله قمارًا إذا أمن أن يسبق لأنه لا يخلو كل واحد منهما أن يغنم أو يغرم، وإذا لم يأمن أن يسبق لم يكن قمارًا لأن كل واحد لا يخلو من ذلك.
مسألة ١٥٥: (فإن سبقهما أحرز سبقيهما) بالاتفاق (وإن سبق أحد المستبقين وحده أحرز سبق نفسه وأخذ سبق صاحبه) ولم يأخذ من المحلل شيئًا، وإن سبق أحد المستبقين والمحلل الثالث أحرز السابق مال نفسه ويكون سبق المسبوق بين السابق والمحلل نصفين.
مسألة ١٥٦: (ولا بد من تحديد المسافة والغاية) بما جرت به العادة، لأن الغرض
стр. 281
(١٥٧) وقدر الإصابة وصفتها وعدد الرشق
(١٥٩) وإنما تكون المسابقة في الرمي على الإصابة لا على البعد
باب الوديعة وهي أمانة عند المودع لا ضمان عليه فيها إإلا أن يتعدى
وإن لم يحفظها في حرز
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
معرفة أسبقهما وأرماهما، ولا يعلم ذلك إلا بتساويهما في الغاية، ولأن أحدهما قد يكون مقصرًا في أول عدوه سريعًا في انتهائه، وقد يكون بالضد فيحتاج إلى غاية تجمع حاليه.
مسألة ١٥٧: (ويشترط معرفة عدد الإصابة وصفتها وعدد الرشق) الرشق بكسر الراء عبارة عن عدد الرمي الذي يتفقان عليه، والرشق بفتح الراء الرمي نفسه مصدر رشقت رشقًا أي رميت رميًا. اشترط معرفة عدده لأن الحذق في الرمي لا يعلم إلا بذلك، وعدد الإصابة ينبغي أن يكون معلومًا فيكون الرشق مثلًا عشرين والإصابة خمسة فيقولان: أيُّنا سبق إلى خمس إصابات من عشرين رمية فهو السابق، اشترط ذلك ليبين أحذقهما.
١ -
مسألة ١٥٨: وأما صفة الإصابة فإن أطلقاها تناولها على أي صفة كانت لأنها إصابة، فإن قالا: "خواصل" كانت تأكيدًا لأنه اسم لها كيفما كانت، وتسمى الإصابة أيضًا "القرع" ويقال "قرطس" إذا أصاب، ومن أسماء الإصابة الموارق وهو ما نفذ الغرض ووقع من الجانب الآخر ويسمى "الصادر" أيضًا، ومن أسمائها "خواسق" وهو ما خرق الغرض وثبت فيه، و "خوارق" وهو ما خرق الغرض ولم يثبت فيه، و "خواصر" وهو ما وقع في أحد جانبي الغرض، ومنه الخاصرة لأنها في جانب الإنسان، فإن عيَّنا شيئًا من ذلك تقيدت المناضلة به لأن المرجع في ذلك إلى شرطها.
مسألة ١٥٩: (وإنما تكون المسابقة في الرمي على الإصابة لا على البعد) لأن المقصود منها الإصابة، وليس البعد مقصودًا.
[باب الوديعة]
(وهي أمانة عند المودع لا ضمان عليه فيها إلا أن يتعدى) سواء ذهب معها شيء من مال المودع أو لم يذهب، وعنه إن ذهبت من بين ماله غرمها، لما روي عن عمر بن الخطاب أنه ضمن أنس بن مالك وديعة ذهبت من بين ماله، ودليل الأولى أن الله
стр. 282
مثلها
أو مثل الحرز الذي أمر بإحرازها فيه
(١٦٢) أو تصرف فيها لنفسه
(١٦٣) أو خلطها بما لا تتميز منه
(١٦٤) أو أخرجها لينفقها ثم ردها
(١٦٥) أو كسر ختم كيسها
(١٦٦) أو جحدها ثم أقر بها
(١٦٧) أو امتنع من ردها عند طلبها مع إمكانه ضمنها
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
سبحانه سماها أمانة، والضمان ينافي الأمانة، ويروى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «ليس على المودع ضمان» (رواه ابن ماجه) ، ويروى ذلك عن جماعة من الصحابة، ولأن المستودع يحفظها لصاحبها متبرعًا فلو ضمن لامتنع الناس من قبول الودائع فيضر بهم لحاجتهم إليها، وما روي عن عمر محمول على التفريط من أنس في حفظها فلا ينافي ما ذكرناه، فأما إن تعدى فيها أو فرط في حفظها فتلفت ضمنها بغير خلاف نعلمه.
مسألة ١٦٠: (ويلزمه حفظها في حرز مثلها، فإن تركها في دون حرز مثلها ضمن) لأن الإيداع يقتضي الحفظ، فإن أطلق حمل على المتعارف وهو حرز المثل، وهو ما جرت العادة بحفظ مثلها فيه، والدراهم والدنانير في الصناديق من وراء الأقفال، والثياب في البيوت والمخازن من وراء السكاكر والأغلاق، والخشب في الحضائر والغنم في الصبر.
مسألة ١٦١: (فإن أمره صاحبها بإحرازها في حرز فجعلها في دونه ضمن) لأن صاحبها لم يرضه، وإن أحرزها في مثله أو فوقه لم يضمن؛ لأن من رضي شيئًا رضي مثله وفوقه، وقيل: يضمن لأنه خالف أمره لغير حاجة [أشبه ما لو نهاه] .
مسألة ١٦٢: (وإن تصرف فيها لنفسه) فركب الدابة لغير نفعها أو لبس الثوب فتلف، (ضمن) لأنه تعدى فيها فبطل استئمانه.
مسألة ١٦٣: (وإن خلطها بما لا تتميز منه) فقد فوت على نفسه إمكان ردها بعينها فوجب أن (يضمنها) كما لو ألقاها في مهلكة.
مسألة ١٦٤: (وإن أخرجها لينفقها ثم ردها ضمن) لأنه هتك الحرز بغير عذر.
مسألة ١٦٥: (وإن كسر ختم كيسها ضمن) لذلك.
مسألة ١٦٦: (وإن جحدها ثم أقر بها ضمنها) لأنه بجحده بطل استئمانه عليها.
مسألة ١٦٧: (وإن امتنع من ردها عند طلبها مع إمكانه ضمنها) لأنه تعدى بالامتناع من ردها فصار كالغاصب.
стр. 283
(١٦٨) وإن قال: ما أودعتني، ثم ادعى تلفها أو ردها لم يقبل منه
(١٦٩) وإن قال: ما لك عندي شيء، ثم ادعى ردها أو تلفها قبل
(١٧٠) والعارية مضمونة وإن لم يتعد فيها المستعير
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ١٦٨: (وإن قال: ما أودعتني، ثم ادعى تلفها أو ردها لم يقبل منه) لأنه مكذب لإنكاره الأول معترف على نفسه بالكذب المنافي للأمانة.
مسألة ١٦٩: (وإن قال: ما لك عندي شيء، ثم ادعى ردها أو تلفها قبل) لأن من تلفت الوديعة عنده من غير تفريط من حرزه فلا شيء لمالكها عنده.
مسألة ١٧٠: (والعارية مضمونة وإن لم يتعد فيها المستعير) لما روي عن النبي ﷺ أنه قال في خطبته عام حجة الوداع: «العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم» وروى صفوان بن أمية «أن النبي ﷺ استعار منه يوم حنين أدراعًا، فقال: أغصبًا يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة» رواه أبو داود.
стр. 284
كتاب الإجارة (١) وهي عقد على المنافع
لازم من الطرفين لا يملك أحدهما فسخها
(٢) ولا تنفسخ بموته ولا جنونه وتنفسخ بتلف العين المعقود عليها أو انقطاع نفعها وللمستأجر فسخها بالعيب قديما كان أو حادثا
(٣) ولا تصح إلا على نفع معلوم، إما بالعرف كسكنى دار، أو بالوصف كخياطة ثوب معين، أو بناء حائط، أو حمل شيء إلى موضع معين، وضبط ذلك بصفاته أو معرفة أجرته
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[كتاب الإجارة]
باب الإجارات
(وهي عقد على المنافع) كسكنى الدار والحمل إلى مكان معين وخدمة الإنسان، قال الله سبحانه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وقال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: ٢٦] ، ولأن الحاجة تدعو إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان، فلما جاز عقد البيع على الأعيان وجب أن يجوز عقد الإجارة على المنافع.
مسألة ١: (وهي عقد لازم من الطرفين لا يملك أحدهما فسخها) لأنها عقد بيع أشبهت بيوع الأعيان.
مسألة ٢: (ولا تنفسخ بموته ولا جنونه) كالبيع (وتنفسخ بتلف العين المعقود عليها أو انقطاع نفعها) كما لو تلف المكيل قبل قبضه، وكذلك إذا تعيبت كدار استأجرها فانهدمت أو أرض انقطع ماؤها؛ لأن المنفعة المقصودة منها تعذرت فأشبه تلف العبد، وفيه وجه آخر: لا تنفسخ لأنه يمكن الانتفاع به بالسكنى في خيمة أو يجمع فيها حطبًا أو متاعًا، لكن له الفسخ لأنها تعيبت.
مسألة ٣: (ولا تصح الإجارة إلا على نفع معلوم، إما بالعرف كسكنى الدار وإما بالوصف كخياطة ثوب معين وبناء حائط وحمل شيء إلى موضع معين، وضبط ذلك بصفاته) فيشترط أن يكون النفع معلومًا لأنه المعقود عليه فأشبه المبيع، ويحصل العلم
стр. 285
(٤) وإن وقعت على عين فلا بد من معرفتها
(٥) ومن استأجر شيئًا فله أن يقيم مقامه من يستوفيه بإجارته أو غيرها إذا كان مثله أو دونه
(٦) وإن استأجر أرضا لزرع فله زرع ما هو أقل منه ضررا، فإن زرع ما هو أكثر منه ضررا
(٧) أو يخالف ضرره ضرره فعليه أجرة المثل
(٨) وإن اكترى إلى موضع فجاوزه أو لحمل شيء فزاد عليه أجرة المثل
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
بالعرف كسكنى الدار شهرًا والأرض عامًا وبناء حائط يصف طوله وعرضه وارتفاعه (كما يشترط معرفة الأجرة) ويشترط معرفة الأجرة كما يشترط معرفة الثمن في المبيع.
مسألة ٤: (وإن وقعت الإجارة على عين فلا بد من معرفتها) وإجارة العين تنقسم قسمين: أحدهما: أن يكون على مدة كإجارة الدار شهرًا أو العبد للخدمة أو للرعي مدة معلومة، فيشترط معرفتها لأن الأعيان تختلف فتختلف أجرتها، كما أن المبيعات تختلف فتختلف أثمانها. القسم الثاني: إجارتها لعمل معلوم كإجارة الدابة للركوب إلى موضع معين أو بقر لحرث مكان معين أو دراس زرع، فتشترط معرفة العمل وضبطه بما لا يختلف كيلا يفضي إلى التنازع والاختلاف كما قلنا في المبيع.
مسألة ٥: (ومن استأجر شيئًا فله أن يقيم مقامه من يستوفيه بإجارته أو غيرها إذا كان مثله أو دونه) فإذا اكترى دارًا فله أن يسكنها مثله ومن هو دونه في الضرر لأنه لم يزد على استيفاء حقه، ولا يجوز أن يسكنها من هو أكثر ضررًا منه لأنه يأخذ فوق حقه.
مسألة ٦: (وإن استأجر أرضًا لزرع فله زرع ما هو أقل ضررًا منه) فإذا استأجر أرضًا لزرع حنطة فله أن يزرع شعيرًا أو باقلاء، وليس له زرع ما هو أكثر ضررًا منه كالدخن والذرة والقطن لأن ضررها أكثر، ولا يملك الغرس ولا البناء لأنه أضر من الزرع.
مسألة ٧: (ولا يجوز له أن يخالف ضرره ضرره) مثل القطن والحديد إذا اكترى لأحدهما لم يملك حمل الآخر لأن ضررهما يختلف، فإن الحديد يجتمع في مكان واحد بثقله والقطن يتجافى وتهب فيه الريح فينصب الظهر، فإن فعل شيئًا من ذلك فعليه أجرة المثل لأنه استوفى منفعة غير التي عقد عليها [فلزمه أجرة المثل] كما لو استأجر أرضًا لزرع شعير فزرعها قمحًا، أو كما لو حمل عليها من غير استئجار.
مسألة ٨: (وإن اكترى إلى موضع فجاوزه) كمن يكتري دابة إلى حمص فركبها إلى حلب، (أو لحمل شيء فيزيد عليه) كمن اكترى لحمل قنطار فحمل قنطارًا ونصفًا (فعليه
следующие страницы →