Полный текст (682 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
(١٥٧) وقدر الإصابة وصفتها وعدد الرشق
(١٥٩) وإنما تكون المسابقة في الرمي على الإصابة لا على البعد
باب الوديعة وهي أمانة عند المودع لا ضمان عليه فيها إإلا أن يتعدى
وإن لم يحفظها في حرز
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
معرفة أسبقهما وأرماهما، ولا يعلم ذلك إلا بتساويهما في الغاية، ولأن أحدهما قد يكون مقصرًا في أول عدوه سريعًا في انتهائه، وقد يكون بالضد فيحتاج إلى غاية تجمع حاليه.
مسألة ١٥٧: (ويشترط معرفة عدد الإصابة وصفتها وعدد الرشق) الرشق بكسر الراء عبارة عن عدد الرمي الذي يتفقان عليه، والرشق بفتح الراء الرمي نفسه مصدر رشقت رشقًا أي رميت رميًا. اشترط معرفة عدده لأن الحذق في الرمي لا يعلم إلا بذلك، وعدد الإصابة ينبغي أن يكون معلومًا فيكون الرشق مثلًا عشرين والإصابة خمسة فيقولان: أيُّنا سبق إلى خمس إصابات من عشرين رمية فهو السابق، اشترط ذلك ليبين أحذقهما.
١ -
مسألة ١٥٨: وأما صفة الإصابة فإن أطلقاها تناولها على أي صفة كانت لأنها إصابة، فإن قالا: "خواصل" كانت تأكيدًا لأنه اسم لها كيفما كانت، وتسمى الإصابة أيضًا "القرع" ويقال "قرطس" إذا أصاب، ومن أسماء الإصابة الموارق وهو ما نفذ الغرض ووقع من الجانب الآخر ويسمى "الصادر" أيضًا، ومن أسمائها "خواسق" وهو ما خرق الغرض وثبت فيه، و "خوارق" وهو ما خرق الغرض ولم يثبت فيه، و "خواصر" وهو ما وقع في أحد جانبي الغرض، ومنه الخاصرة لأنها في جانب الإنسان، فإن عيَّنا شيئًا من ذلك تقيدت المناضلة به لأن المرجع في ذلك إلى شرطها.
مسألة ١٥٩: (وإنما تكون المسابقة في الرمي على الإصابة لا على البعد) لأن المقصود منها الإصابة، وليس البعد مقصودًا.
[باب الوديعة]
(وهي أمانة عند المودع لا ضمان عليه فيها إلا أن يتعدى) سواء ذهب معها شيء من مال المودع أو لم يذهب، وعنه إن ذهبت من بين ماله غرمها، لما روي عن عمر بن الخطاب أنه ضمن أنس بن مالك وديعة ذهبت من بين ماله، ودليل الأولى أن الله
стр. 282
مثلها
أو مثل الحرز الذي أمر بإحرازها فيه
(١٦٢) أو تصرف فيها لنفسه
(١٦٣) أو خلطها بما لا تتميز منه
(١٦٤) أو أخرجها لينفقها ثم ردها
(١٦٥) أو كسر ختم كيسها
(١٦٦) أو جحدها ثم أقر بها
(١٦٧) أو امتنع من ردها عند طلبها مع إمكانه ضمنها
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
سبحانه سماها أمانة، والضمان ينافي الأمانة، ويروى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «ليس على المودع ضمان» (رواه ابن ماجه) ، ويروى ذلك عن جماعة من الصحابة، ولأن المستودع يحفظها لصاحبها متبرعًا فلو ضمن لامتنع الناس من قبول الودائع فيضر بهم لحاجتهم إليها، وما روي عن عمر محمول على التفريط من أنس في حفظها فلا ينافي ما ذكرناه، فأما إن تعدى فيها أو فرط في حفظها فتلفت ضمنها بغير خلاف نعلمه.
مسألة ١٦٠: (ويلزمه حفظها في حرز مثلها، فإن تركها في دون حرز مثلها ضمن) لأن الإيداع يقتضي الحفظ، فإن أطلق حمل على المتعارف وهو حرز المثل، وهو ما جرت العادة بحفظ مثلها فيه، والدراهم والدنانير في الصناديق من وراء الأقفال، والثياب في البيوت والمخازن من وراء السكاكر والأغلاق، والخشب في الحضائر والغنم في الصبر.
مسألة ١٦١: (فإن أمره صاحبها بإحرازها في حرز فجعلها في دونه ضمن) لأن صاحبها لم يرضه، وإن أحرزها في مثله أو فوقه لم يضمن؛ لأن من رضي شيئًا رضي مثله وفوقه، وقيل: يضمن لأنه خالف أمره لغير حاجة [أشبه ما لو نهاه] .
مسألة ١٦٢: (وإن تصرف فيها لنفسه) فركب الدابة لغير نفعها أو لبس الثوب فتلف، (ضمن) لأنه تعدى فيها فبطل استئمانه.
مسألة ١٦٣: (وإن خلطها بما لا تتميز منه) فقد فوت على نفسه إمكان ردها بعينها فوجب أن (يضمنها) كما لو ألقاها في مهلكة.
مسألة ١٦٤: (وإن أخرجها لينفقها ثم ردها ضمن) لأنه هتك الحرز بغير عذر.
مسألة ١٦٥: (وإن كسر ختم كيسها ضمن) لذلك.
مسألة ١٦٦: (وإن جحدها ثم أقر بها ضمنها) لأنه بجحده بطل استئمانه عليها.
مسألة ١٦٧: (وإن امتنع من ردها عند طلبها مع إمكانه ضمنها) لأنه تعدى بالامتناع من ردها فصار كالغاصب.
стр. 283
(١٦٨) وإن قال: ما أودعتني، ثم ادعى تلفها أو ردها لم يقبل منه
(١٦٩) وإن قال: ما لك عندي شيء، ثم ادعى ردها أو تلفها قبل
(١٧٠) والعارية مضمونة وإن لم يتعد فيها المستعير
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ١٦٨: (وإن قال: ما أودعتني، ثم ادعى تلفها أو ردها لم يقبل منه) لأنه مكذب لإنكاره الأول معترف على نفسه بالكذب المنافي للأمانة.
مسألة ١٦٩: (وإن قال: ما لك عندي شيء، ثم ادعى ردها أو تلفها قبل) لأن من تلفت الوديعة عنده من غير تفريط من حرزه فلا شيء لمالكها عنده.
مسألة ١٧٠: (والعارية مضمونة وإن لم يتعد فيها المستعير) لما روي عن النبي ﷺ أنه قال في خطبته عام حجة الوداع: «العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم» وروى صفوان بن أمية «أن النبي ﷺ استعار منه يوم حنين أدراعًا، فقال: أغصبًا يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة» رواه أبو داود.
стр. 284
كتاب الإجارة (١) وهي عقد على المنافع
لازم من الطرفين لا يملك أحدهما فسخها
(٢) ولا تنفسخ بموته ولا جنونه وتنفسخ بتلف العين المعقود عليها أو انقطاع نفعها وللمستأجر فسخها بالعيب قديما كان أو حادثا
(٣) ولا تصح إلا على نفع معلوم، إما بالعرف كسكنى دار، أو بالوصف كخياطة ثوب معين، أو بناء حائط، أو حمل شيء إلى موضع معين، وضبط ذلك بصفاته أو معرفة أجرته
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[كتاب الإجارة]
باب الإجارات
(وهي عقد على المنافع) كسكنى الدار والحمل إلى مكان معين وخدمة الإنسان، قال الله سبحانه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وقال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: ٢٦] ، ولأن الحاجة تدعو إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان، فلما جاز عقد البيع على الأعيان وجب أن يجوز عقد الإجارة على المنافع.
مسألة ١: (وهي عقد لازم من الطرفين لا يملك أحدهما فسخها) لأنها عقد بيع أشبهت بيوع الأعيان.
مسألة ٢: (ولا تنفسخ بموته ولا جنونه) كالبيع (وتنفسخ بتلف العين المعقود عليها أو انقطاع نفعها) كما لو تلف المكيل قبل قبضه، وكذلك إذا تعيبت كدار استأجرها فانهدمت أو أرض انقطع ماؤها؛ لأن المنفعة المقصودة منها تعذرت فأشبه تلف العبد، وفيه وجه آخر: لا تنفسخ لأنه يمكن الانتفاع به بالسكنى في خيمة أو يجمع فيها حطبًا أو متاعًا، لكن له الفسخ لأنها تعيبت.
مسألة ٣: (ولا تصح الإجارة إلا على نفع معلوم، إما بالعرف كسكنى الدار وإما بالوصف كخياطة ثوب معين وبناء حائط وحمل شيء إلى موضع معين، وضبط ذلك بصفاته) فيشترط أن يكون النفع معلومًا لأنه المعقود عليه فأشبه المبيع، ويحصل العلم
стр. 285
(٤) وإن وقعت على عين فلا بد من معرفتها
(٥) ومن استأجر شيئًا فله أن يقيم مقامه من يستوفيه بإجارته أو غيرها إذا كان مثله أو دونه
(٦) وإن استأجر أرضا لزرع فله زرع ما هو أقل منه ضررا، فإن زرع ما هو أكثر منه ضررا
(٧) أو يخالف ضرره ضرره فعليه أجرة المثل
(٨) وإن اكترى إلى موضع فجاوزه أو لحمل شيء فزاد عليه أجرة المثل
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
بالعرف كسكنى الدار شهرًا والأرض عامًا وبناء حائط يصف طوله وعرضه وارتفاعه (كما يشترط معرفة الأجرة) ويشترط معرفة الأجرة كما يشترط معرفة الثمن في المبيع.
مسألة ٤: (وإن وقعت الإجارة على عين فلا بد من معرفتها) وإجارة العين تنقسم قسمين: أحدهما: أن يكون على مدة كإجارة الدار شهرًا أو العبد للخدمة أو للرعي مدة معلومة، فيشترط معرفتها لأن الأعيان تختلف فتختلف أجرتها، كما أن المبيعات تختلف فتختلف أثمانها. القسم الثاني: إجارتها لعمل معلوم كإجارة الدابة للركوب إلى موضع معين أو بقر لحرث مكان معين أو دراس زرع، فتشترط معرفة العمل وضبطه بما لا يختلف كيلا يفضي إلى التنازع والاختلاف كما قلنا في المبيع.
مسألة ٥: (ومن استأجر شيئًا فله أن يقيم مقامه من يستوفيه بإجارته أو غيرها إذا كان مثله أو دونه) فإذا اكترى دارًا فله أن يسكنها مثله ومن هو دونه في الضرر لأنه لم يزد على استيفاء حقه، ولا يجوز أن يسكنها من هو أكثر ضررًا منه لأنه يأخذ فوق حقه.
مسألة ٦: (وإن استأجر أرضًا لزرع فله زرع ما هو أقل ضررًا منه) فإذا استأجر أرضًا لزرع حنطة فله أن يزرع شعيرًا أو باقلاء، وليس له زرع ما هو أكثر ضررًا منه كالدخن والذرة والقطن لأن ضررها أكثر، ولا يملك الغرس ولا البناء لأنه أضر من الزرع.
مسألة ٧: (ولا يجوز له أن يخالف ضرره ضرره) مثل القطن والحديد إذا اكترى لأحدهما لم يملك حمل الآخر لأن ضررهما يختلف، فإن الحديد يجتمع في مكان واحد بثقله والقطن يتجافى وتهب فيه الريح فينصب الظهر، فإن فعل شيئًا من ذلك فعليه أجرة المثل لأنه استوفى منفعة غير التي عقد عليها [فلزمه أجرة المثل] كما لو استأجر أرضًا لزرع شعير فزرعها قمحًا، أو كما لو حمل عليها من غير استئجار.
مسألة ٨: (وإن اكترى إلى موضع فجاوزه) كمن يكتري دابة إلى حمص فركبها إلى حلب، (أو لحمل شيء فيزيد عليه) كمن اكترى لحمل قنطار فحمل قنطارًا ونصفًا (فعليه
стр. 286
للزائد
(٩) وضمان العين إن تلفت
(١٠) وإن تلفت من غير تعد فلا ضمان عليه
(١١) ولا ضمان على الأجير الذي يؤجر نفسه مدة بعينها فيما يتلف في يده من غير تفريط
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الأجرة المذكورة وأجرة المثل للزائد) لأنها غير مأذون فيها فلزمه أجرتها كما لو غصبها في الجميع، وقال أبو بكر: عليه أجرة المثل للجميع لأنه عدل عن المعقود عليه إلى غيره فأشبه ما لو استأجر أرضًا فزرع أخرى، والأول أجود لأنه إنما عدل في الزيادة لا غير، فنقول: فعل المعقود عليه وزاد فلزمته الأجرة المذكورة للمعقود عليه وأجرة المثل للزيادة لأنها غير مأذون فيها، أشبه ما لو استأجر أرضًا فزرعها وزرع أخرى.
مسألة ٩: (ويلزمه ضمان العين إن تلفت) بقيمتها سواء كان صاحبها معها أو لم يكن لأنها تلفت بالجناية عليها، وسكوت صاحبها لا يسقط الضمان، كمن جلس إلى جنب إنسان فخرق ثيابه وهو ساكت فإن الضمان يلزمه.
مسألة ١٠: (وإن تلفت من غير تعد فلا ضمان عليه) لأنه غير متعد.
مسألة ١١: (ولا ضمان على الأجير الذي يؤجر نفسه مدة بعينها فيما يتلف في يده من غير تفريط) والإجارة على ضربين: خاص ومشترك.
فهذا هو الأجير الخاص الذي يؤجر نفسه مدة معلومة لخدمة أو خياطة أو رعاية شهرًا أو سنة أو أكثر، سمي خاصًا لاختصاص المستأجر بمنفعته في تلك المدة دون سائر الناس، لا ضمان عليه فيما يتلف في يده مثل أن تهلك الماشية معه أو تنكسر آلة الحرث وما أشبه ذلك إذا لم يتعد؛ لأنه أمين فلم يضمن من غير تعد كالمودع، والتعدي أن ينام عن الماشية أو يغفل عنها حتى تبعد منه بعدًا فاحشًا فيأكلها الذئب أو يضرب الشاة ضربًا كثيرًا فيضمن بعدوانه.
والضرب الثاني: الأجير المشترك، وهو الذي يقع العقد معه على عمل معين كخياطة ثوب أو بناء حائط، سمي مشتركًا لأنه يعمل للمستأجر وغيره يتقبل أعمالًا كثيرة في وقت واحد فيشتركون في منفعته فيضمن ما جنت يده، مثل أن يدفع إلى حائك عملًا فيفسد حياكته، أو القصار يخرق الثوب بدقه أو عصره، والطباخ ضامن لما فسد من طبيخه، والخباز في خبزه، لما روى جلاس بن عمرو أن عليًا ﵁ كان يضمن الأجير، ولأنه قبض العين لمنفعة من غير استحقاق، وكان ضامنًا لها كالمستعير.
стр. 287
(١٢) ولا على حجام أو ختان أو طبيب إذا عرف منه حذق في الصنعة ولم تجن أيديهم
(١٤) ولا على الراعي إذا لم يتعد
(١٥) ويضمن القصار والخياط ونحوهما ممن يتقبل العمل ما تلف بعمله دون ما تلف حرزه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ١٢: ولا ضمان على حجام ولا ختان أو طبيب إذا عرف منهم حذق الصنعة ولم تجن أيديهم) إذا فعل هؤلاء ما أمروا به لم يضمنوا بشرطين:
أحدهما: أن يكونوا ذوي حذق وبصارة في صنعتهم ومعرفة بها.
والثاني: ألا تجني أيديهم فيتجاوزوا ما أمروا به، لأنهم إذا كانوا كذلك فقد فعلوا فعلًا مأذونًا فيه فلم يضمنوا سرايته كقطع الإمام يد السارق، أو فعلًا مباحًا مأمورًا به أشبه ما ذكرنا.
١ -
مسألة ١٣: فأما إذا لم يعرف منهم حذق الصنعة فلا يحل لهم مباشرة القطع، فإن قطعوا مع هذا كان فعلًا محرمًا فيضمن سرايته كالقطع ابتداء.
وإن كانوا حذاقًا إلا أن أيديهم جنت، مثل أن يتجاوز قطع الختان إلى الحشفة أو بعضها أو يقطع في غير محل القطع، أو في وقت لا يصلح القطع فيه فإنه يضمن؛ لأن الإتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، ولأن هذا فعل محرم فيضمن سرايته كالقطع ابتداء.
مسألة ١٤: (ولا ضمان على الراعي إذا لم يتعد) لأنه مؤتمن على حفظها فلم يضمن من غير تعد كالمودع.
والتعدي أن ينام عنها أو يتركها حتى تبعد عنه كثيرًا وشبه ذلك، إذا فعل هذا ضمن لأنه تلف بعدوانه.
مسألة ١٥: (ويضمن القصار والخياط ونحوهما ممن يتقبل العمل ما تلف بعمله دون ما تلف من حرزه) وذلك أن القصار إذا أتلف الثوب بقوة الدق والعصر، والخياط بخياطته، فإنه يضمن لأنه قبض العين لمنفعته فأشبه المستعير، فأما إن تلفت من حرزه فلا يضمن لأنه أمين فأشبه المودع.
стр. 288
باب الغصب (١٦) من غصب شيئا فعليه رده وأجرة مثله إن كان له أجرة مدة مقامه في يده
(١٧) وإن نقص فعليه أرش نقصه
(١٨) وإن جنى المغصوب فأرش جنايته عليهسواء جنى على سيده أو أجنبي
(١٩) وإن جنى عليه أجنبي فلسيده تضمين من شاء منهما
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[باب الغصب]
وهي الاستيلاء على مال غيره بغير حق
مسألة ١٦: (ومن غصب شيئًا فعليه رده) لقوله ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» (رواه أبو داود) (وعليه أجرة مثله مدة مقامه في يده) لأنه فوت عليه منفعته، والمنافع لها قيمة فيضمنها كالأعيان.
مسألة ١٧: (وإن نقص فعليه أرش نقصه) لأنه يلزمه ضمان جميع المغصوب لو تلف فيلزمه ضمان بعضه بقيمته قياسًا للبعض على الكل.
مسألة ١٨: (وإن جنى المغصوب فأرش جنايته عليه) يعني على الغاصب (سواء جنى على سيده أو أجنبي) لأنه نقص في حق العبد لكونه يتعلق برقبته فكان مضمونًا على الغاصب كسائر نقصه.
مسألة ١٩: (وإن جنى عليه أجنبي فلسيده تضمين من شاء منهما) الجاني لأنه أتلف، والغاصب لأن نقص العبد حصل وهو في يده فلزمه ضمانه كما لو كان هو المتلف؛ لأن الجناية إن كانت غير مقدرة كشجة دون أرش الموضحة لزم فيها ما نقص من قيمته، وإن كانت على شيء مقدر كقطع يده أو قلع عينه فكذلك في إحدى الروايتين؛ لأنه ضمان مال أشبه ضمان البهيمة، وفي الأخرى يجب نصف قيمته، ويخرج أن يجب أكثر
стр. 289
(٢٠) وإن زاد المغصوب رده بزيادته، سواء كانت متصلة أو منفصلة، وإن زاد أو نقص رده بزيادته وضمن نقصه، سواء زاد بفعله أو بغير فعله، فلو نجر الخشبة بابا أو عمل الحديد إبرا ردهما بزيادتهما وضمن نقصهما إن نقصا
(٢١) ولو غصب قطنا فغزله أو غزلًا فنسجه أو ثوبًا فقصره أو فصله وخاطه، أو حبا فصار زرعًا أو نوًى فصار شجرًا أو بيضًا فصار فراخًا فكذلك
(٢٢) وإن غصب عبدًا فزاد في بدنه أو بتعليمه ثم ذهبت الزيادة رده وقيمة الزيادة
(٢٣) وإن تلف المغصوب أو تعذر رده فعليه مثله إن كان مكيلًا أو موزونًا، وقيمته إن لم يكن كذلك ثم إن قدر على رده رده ويأخذ القيمة
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الأمرين منهما لأن سبب ضمان كل واحد منهما قد وجد فوجب أكثرهما، فإن ضمن الغاصب أكثر الأمرين رجع على الجاني بنصف قيمته لا غير لأن ضمانه ضمان الجناية، وإن ضمن الجاني ضمنه نصف القيمة لأن جنايته لا توجب أكثر من ذلك ويطالب الغاصب بتمام النقص كما لو أتلفه.
مسألة ٢٠: (وإن زاد المغصوب أو نقص رده بزيادته سواد كانت الزيادة متصلة) كالسمن وتعلم صنعة (أو منفصلة) كالولد والكسب لأن ذلك نماء ملكه ويضمن النقص لما سبق (وسواء كانت الزيادة بفعل الغاصب أو بغير فعله كمن نجر الخشبة بابا أو عمل الحديد إبرًا) لأن ذلك غير ماله فيلزمه (رده بزيادته) كما لو زاد بسمن أو تعلم صنعة (ويضمن النقص) لما سبق.
مسألة ٢١: (ولو غصب قطنًا فنسجه أو ثوبًا فقصره أو فصله وخاطه أو حبًا فصار زرعًا أو نوى فصار شجرًا أو بيضًا فصار فراخًا فكذلك) لذلك.
مسألة ٢٢: (وإن غصب عبدًا فزاد في بدنه أو بتعليمه ثم ذهبت الزيادة رده وقيمة الزيادة) لأنها زادت على ملك المغصوب منه فلزمه ضمانها كما لو كانت موجودة حال الغصب.
مسألة ٢٣: (وإن تلف المغصوب أو تعذر رده فعليه مثله إن كان مكيلًا أو موزونًا، وقيمته إن لم يكن كذلك) أما إذا تلف المغصوب فعليه مثله، قال ابن عبد البر: كل مطعوم من مأكول أو مشروب فمجمع على أنه يجب على مستهلكه مثله لا قيمته، وإن لم يكن كذلك فعليه قيمته، لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من أعتق شركًا له في عبد قوِّم
стр. 290
)
(٢٤) وإن خلط المغصوب بما لا يتميز به من جنسه فعليه مثله منه
(٢٥) وإن خلطه بغير جنسه فعليه مثله من حيث شاء
(٢٦) وإن غصب أرضا فغرسها أخذ بقلع غرسه وردها وأرش نقصها وأجرتها
(٢٧) وإن زرعها وأخذ الغاصب الزرع ردها وأجرتها
(٢٨) وإن أدرك مالكها الزرع قبل حصاده خير بين ذلك وبين أخذ الزرع بقيمته
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
عليه قيمة العدل» متفق عليه، فأمر بالتقويم في حصة الشريك لأنها متلفة بالعتق، ولم يأمر بالمثل. وأما إذا تعذر رده مع وجوده فعليه مثله أو قيمته لذلك، (ثم إن قدر على رده) بعد ذلك (رده) لأنه غير مال فيلزمه رده كما لو لم يتعذر رده (ويأخذ القيمة) لأن المالك أخذها على سبيل العوض عن ملكه، فإذا رجع إليه ملكه ردها كما لو لم يكن أخذ شيئًا.
مسألة ٢٤: (وإن خلط المغصوب بما لا يتميز به من جنسه فعليه مثله منه) في أحد الوجهين، وهو قول ابن حامد؛ لأنه قدر على دفع ماله إليه فلم ينتقل إلى البدل في الجميع كما لو غصب شيئًا فتلف بعضه، وهو ظاهر كلام أحمد ﵀. وفي الوجه الآخر يلزمه مثله من حيث شاء، وهو قول القاضي، لأنه تعذر رد عينه، أشبه ما لو أتلفه كله.
مسألة ٢٥: (وإن خلطه بغير جنسه فعليه مثله حيث شاء) لذلك.
مسألة ٢٦: (وإن غصب أرضًا فغرسها أخذ بقلع غرسه) لقوله ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق» (رواه أبو داود) (ويلزمه ردها) لقوله ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» . (ويلزمه أرش نقصها) لأنها لو تلفت جميعًا لزمه قيمتها فإذا نقصت لزمه البعض كما يلزمه ضمان الجملة، (ويلزمه الأجرة) لأنه شغل ملك الغير بغير إذنه أشبه غصب الدابة.
مسألة ٢٧: (وإن زرعها وأخذ الغاصب الزرع ردها وأجرتها) لذلك.
مسألة ٢٨: (وإن أدرك الزرع قبل حصاده خير بين ذلك) يعني بين تركه بالأجرة لما
стр. 291
(٢٩) وإن غصب جارية فوطئها وأولدها لزمه الحد وردها ورد ولدها ومهر مثلها
(٣٠) وأرش نقصها
(٣١) وأجرة مثلها
(٣٢) وإن باعها فوطئها المشتري وهو لا يعلم فعليه مهرها وقيمة ولدها إن أولدها
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
سبق (وبين أخذ الزرع بقيمته) لما روى رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ : «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وعليه نفقته» رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
مسألة ٢٩: (وإن غصب جارية فوطئها وأولدها لزمه الحد) لأنه زان لكونها ليست زوجته ولا ملك يمين (ويلزمه ردها) لقوله ﷺ : «على كل يد ما أخذت حتى تؤدي» (ورد ولدها) لأنه نماء ملكه (ويلزمه مهر مثلها) سواء كانت مكرهة أو مطاوعة، لأن هذا حق للسيد فلا يسقط بمطاوعتها كما لو أذنت في قطع يدها.
مسألة ٣٠: (ويجب أرش نقصها) إن نقصت بالولادة، كما يلزمه أرش نقص الأرض إذا زرعها.
مسألة ٣١: (ويجب عليه أجرة مثلها) لكونه شغل ملك الغير بغير إذنه، وإن كانت بكرًا لزمه أرش بكارتها مع المهر لأنه بدل آخر منها، وإنما اجتمعا لأن كل واحد منهما يضمن منفردًا، بدليل أنه لو وطئها ثيبًا وجب مهرها، ولو افتضها بإصبعه وجب أرش بكارتها، وعنه لا يلزمه مهر الثيب لأنه لم ينقصها ولم يؤلمها، أشبه ما لو قبلها.
مسألة ٣٢: (وإن باعها فوطئها المشتري وهو لا يعلم فعليه مهرها) لأنه وطئ جارية غيره بغير نكاح، وإن ولدت فهو حر لأن اعتقاده أنه يطأ مملوكته منع انخلاق الولد رقيقًا أو يلحقه نسبه، (وعليه فداؤه) لأنه فوت رقه على سيده باعتقاده حل الوطء ويفديه ببدله يوم الوضع، قال الخرقي: يفديه بمثله يعني في السن والجنس والصفات، وقد نص عليه أحمد ﵀، وقال أبو الخطاب: يفديه بقيمته لأن الحيوان ليس بمثله، ووجه قول الخرقي أنهم أحرار، والحر لا يضمن بقيمته.
стр. 292
(٣٣) وأجرة مثلها، ويرجع بذلك كله على الغاصب
باب الشفعة وهو استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها، (٣٤) ولا تجب إلا بشروط سبعة: أحدها: البيع، فلا تجب في موهوب ولا موقوف ولا عوض خلع ولا صداق، الثاني: أن يكون عقارًا أو ما يتصل به من البناء والغراس
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٣٣: (ويلزمه أجرة مثلها) كما لو غصب بهيمة (ويرجع بذلك على الغاصب) لأن المشتري دخل على أن يتمكن من الوطء بغير عوض وأن يسلم له الأولاد، فإذا لم يسلم له ذلك فقد غره فيرجع إليه كالمغرور بتزويج الأمة على أنها حرة.
[باب الشفعة]
وهي استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها
مسألة ٣٤: (ولا تجب إلا بشروط سبعة: أحدها: البيع فلا تجب في موهوب ولا موقوف ولا عوض خلع ولا صداق) بشرط أن تكون الشفعة في مبيع لما روى جابر قال: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شرك لم يقسم ربعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإن باع ولم يستأذنه فهو أحق به» أخرجه مسلم، فجعله أحق به إذا باع.
وأما إذا انتقل بغير عوض كالموهوب والموصى به والموقوف فلا شفعة فيه لأنه انتقل بغير بدل أشبه الموروث، ولا شفعة فيما عوضه عن المال كالخلع والصداق والصلح عن دم العمد لأنه انتقل بغير مال أشبه الموهوب، ولأنه لا يمكن الأخذ بمثل العوض أشبه الموروث. وقال ابن حامد: فيه الشفعة لأنه عقد معاوضة أشبه البيع ويأخذ الشقص بقيمته.
الشرط (الثاني: أن يكون عقارًا أو ما يتصل به من البناء والغراس) لحديث جابر أول الباب، ولقوله ﷺ : «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» وفي حديث: «إذا قسمت الأرض وحددت فلا شفعة فيها» رواه أبو داود وهذا يختص العقار فتختص الشفعة به.
стр. 293
الثالث: أن يكون شقصًا مشاعا، فأما المقسوم المحدود فلا شفعة فيه لقول جابر: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» ، الرابع: أن يكون مما ينقسم، فأما ما لا ينقسم فلا شفعة فيه، الخامس: أن يأخذ الشقص كله، فإن طلب بعضه سقطت شفعته
(٣٥) ولو كان له شفيعان فالشفعة بينهما على قدر سهامهما
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
(الثالث: أن يكون شقصًا مشاعًا، فأما المقسوم المحدود فلا شفعة فيه) للأحاديث المذكورة مع حديث جابر.
الشرط (الرابع: أن يكون مما ينقسم، فأما ما لا ينقسم فلا شفعة فيه) كالحمام الصغير والبئر والطرق والعراص الضيقة، فعن أحمد فيها روايتان: إحداهما: لا شفعة فيها، والأخرى: فيها الشفعة لعموم الحديث في ذلك.
ولأنه عقار مشترك فتجب فيه الشفعة كالذي يمكن قسمته، ولأن الشفعة تثبت لأجل الضرر بالمشاركة، والضرر في هذا النوع أكثر لأنه يتأبد ضرره، والرواية الأولى ظاهر المذهب، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة» وهو الطريق الضيق، رواه أبو الخطاب في رءوس المسائل، وروي عن عثمان ﵁ أنه قال: لا شفعة في بئر ولا فحل. ولأن إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائع لأنه لا يمكنه التخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة، وقد يمتنع المشتري لأجل الشفيع فيضر بالبائع، وقد يمتنع البيع فتسقط الشفعة فيؤدي إثباتها إلى انتفائها، وأيضًا فإن الشفعة تثبت لدفع الضرر الذي يلحقه بالمقاسمة لما يحتاج من إحداث المرافق الخاصة، وهذا لا يوجد فيما لا يقسم.
(الخامس: أن يأخذ الشقص كله، فإن طلب بعضه بطلت شفعته) لأن أخذه لبعضها ترك للبعض الآخر فتسقط الشفعة فيه، فإذا سقط بعضها سقط جميعها لأنها لا تتبعض فتسقط كلها كالقصاص.
مسألة ٣٥: (فإن كان له شفيعان فالشفعة بينهما على قدر سهامهما) في ظاهر المذهب؛ لأنه حق يستحق بسبب الملك فيسقط على قدره كالأجرة، وعنه على عدد
стр. 294
(٣٦) فإن ترك أحدهما شفعته لم يكن للآخر إلا أخذ الكل أو الترك، السادس: إمكان أداء الثمن، فإن عجز عنه أو عن بعضه سقطت شفعته
(٣٧) وإذا كان الثمن مثليا فعليه مثله، وإن لم يكن مثليا فعليه قيمته
(٣٨) وإن اختلفا في قدره ولا بينة لهما فالقول قول المشتري مع يمينهالسابع: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم، فإن أخرها بطلت شفعته
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الرءوس اختارها ابن عقيل؛ لأن كل واحد منهما يأخذ الكل لو انفرد فإذا اجتمعوا تساووا كسراية العتق.
مسألة ٣٦: (فإن ترك أحدهما شفعته لم يكن للآخر أن يأخذ إلا الكل أو الترك) لأن في أخذ البعض تفريق صفقة المشتري فيتضرر بذلك، قال ابن المنذر: أجمع من أحفظ عنه من أهل العلم على ذلك.
(السادس: إمكان أداء الثمن) لقوله ﷺ في حديث جابر: «فهو أحق به بالثمن» رواه الجوزجاني. (فإن عجز عنه أو عن بعضه سقطت شفعته) لأن أخذه المبيع من غير دفع الثمن أو بعضه إضرار بالمشتري، وقال ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (رواه ابن ماجه) ، ولأن ثبوت الشفعة لدفع الضرر عن الشفيع، والضرر لا يدفع بالضرر، فإن عجز عنه أو عن بعضه بطلت الشفعة، لأن من شروط ثبوت الشفعة القدرة على الثمن لما ذكرنا.
مسألة ٣٧: (وإن كان الثمن مثليًا) كالأثمان والحبوب والأدهان (أعطاه مثله، وإن لم يكن مثليًا أعطاه قيمته) لما ذكرنا في الغصب.
مسألة ٣٨: (وإن اختلفا في قدره ولا بينة لهما فالقول قول المشتري مع يمينه) لأنه علم بالثمن ولأن المبيع ملكه فلا ينزع منه بدعوى مختلف فيها إلا ببينة، وعلى المشتري اليمين لأن دعوى البائع محتملة.
(السابع: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم، فإن أخرها بطلت شفعته) في الصحيح من المذهب، لقول عمر ﵁: "الشفعة كحل العقال" رواه ابن ماجه " ولأن إثباتها على التراخي يضر بالمشتري كالرد بالعيب، لكونه يستقر ملكه على المبيع فلا يتصرف فيه خوفا
стр. 295
(٣٩) إلا أن يكون عاجزًا عنها لغيبة أو حبس أو مرض أو صغر فيكون على شفعته متى قدر عليها إلا أنه إن أمكنه الإشهاد على الطلب بها فلم يشهد بطلت شفعته
(٤٠) فإن لم يعلم حتى تبايع ثلاثة فأكثر فله مطالبة من شاء منهم، فإن أخذ من الأول رجع عليه الثاني بما أخذ منه، والثالث على الثاني
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
من أخذه بالشفعة، وقال القاضي: يتقيد بالمجلس لأنه كله كحالة العقد، وعنه أنها على التراخي، والمذهب الأول ".
مسألة ٣٩: (إلا أن يكون عاجزًا عنها لغيبة أو حبس أو مرض أو صغر فيكون على شفعته متى قدر عليها) " لأن من لا يقدر على الشيء عاجز عنه فلا يكلف فوق وسعه ولا نعلم فيه خلافا " (إلا أنه إن أمكنه الإشهاد على الطلب بها فلم يشهد بطلت شفعته) كما لو ترك الطلب مع حضوره.
مسألة ٤٠: (فإن لم يعلم حتى تبايع ذلك ثلاثة أو أكثر فله مطالبة من شاء منهم، فإن أخذ من الأول رجع عليه الثاني بما أخذ منه والثالث على الثاني) فمتى تصرف المشتري في المبيع قبل أخذ الشفيع فتصرفه صحيح لأنه ملكه، إلا أن الشفيع ملك عليه أن يتملكه وذلك لا يمنع من تصرفه، كما لو كان الثمن معينًا فتصرف المشتري في المبيع فإن تصرفه صحيح وإن ملك عليه الرجوع فيه.
إذا ثبت هذا فإن المشتري إذا باع الشقص المشفوع وباعه المشتري الثاني للثالث فللشفيع أن يفسخ العقدين الآخرين ويأخذ بالأول، وله أن يفسخ الثالث وحده ويأخذ بالثاني، وله أن يقر الجميع ويأخذ بالثالث، فإذا أخذ من الثالث دفع إليه الثمن الذي اشترى به ولم يرجع على أحد، وإن فسخ العقد الثالث، وأخذ من الثاني دفع إليه الثمن الذي اشترى به ورجع الثالث على الثاني بالثمن الذي أخذ منه، وإن فسخ العقدين الآخرين وأخذ من الأول دفع إليه ما اشترى به ورجع الثاني على الأول بما أخذ منه والثالث على الثاني، فإذا كان ثمن العقد الأول عشرة والثاني عشرين والثالث ثلاثين فإنه يأخذ من الأول بعشرة ويدفعها إليه ثم يعود الثاني على الأول بعشرين، ويرجع الثالث على الثاني بثلاثين، لا نعلم في هذا خلافًا.
стр. 296
(٤١) ومتى أخذه وفيه غرس أو بناء للمشتري أعطاه الشفيع قيمته
(٤٢) إلا أن يختار المشتري قلعه من غير ضرر فيه
(٤٣) وإن كان فيه زرع أو ثمر باد فهو للمشتري يبقى إلى الحصاد أو الجذاذ
(٤٤) وإن اشترى شقصًا وسيفًا في عقد واحد فللشفيع أخذ الشقص بحصته)
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٤١: (ومتى أخذه وفيه غرس أو بناء أعطاه الشفيع قيمته) ويملكه، لقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» رواه أحمد وابن ماجه، ولا يزول عنهما الضرر إلا بذلك.
مسألة ٤٢: (إلا أن يشاء المشتري قلعه) فله ذلك لأنه ملكه فملك نقله ولا يلزمه ضمان نقص الأرض لأنه غير متعد، وقال الخرقي: له ذلك (إذا لم يكن في أخذه ضرر) فيحتمل كلامه أن يلزمه ضمان النقص لأنه قلعه من ملك غيره لتخليص ملكه، أشبه ما لو كسر محبرة إنسان لتخليص ديناره منها.
مسألة ٤٣: (وإن كان فيه زرع أو ثمر باد فهو للمشتري يبقى إلى الحصاد والجذاذ) لأنه زرعه بحق فوجب إبقاؤه، كما لو باع الأرض المزروعة والشجر الذي عليه ثمر باد.
مسألة ٤٤: (وإن اشترى شقصًا وسيفًا في عقد واحد فللشفيع أخذ الشقص بحصته) من الثمن، ويحتمل أن لا يجوز لما فيه من تبعيض الصفقة على المشتري. وعن مالك: تثبت الشفعة فيهما لئلا تتبعض الصفقة على المشتري. ولنا أن السيف لا شفعة فيه ولا هو تابع لما فيه الشفعة فلم يؤخذ بالشفعة كما لو أفرده، وما يلحق المشتري من الضرر فهو ألحقه بنفسه بجمعه بين ما ثبتت فيه الشفعة وما لا تثبت فيه ولأن في أخذ الكل ضررًا به لأنه ربما كان غرضه في السيف فيكون أخذه منه إضرارًا به من غير سبب يقتضيه.
стр. 297
كتاب الوقف وهو تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة، (١) ويجوز في كل عين يجوز بيعها وينتفع بها دائما مع بقاء عينها، ولا يصح في غير ذلك مثل الأثمان والمطعومات والرياحين
(٢) ولا يصح إلا على بر أو معروف، مثل ما روي «عن عمر أنه قال: يا رسول الله، إني أصبت مالا بخيبر لم أصب مالًا قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني فيه؟ قال: " إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها غير أنها لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث " قال: فتصدق بها
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[كتاب الوقف]
وهو تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة
مسألة ١: (ويجوز في كل عين يجوز بيعها وينتفع بها دائمًا مع بقائها) كالعقار والحيوان والأثاث والسلاح، فما لا يجوز بيعه لا يصح وقفه كأم الولد والكلب؛ لأنه نقل للملك فيهما فلم يجز كالهبة. (وما لا ينتفع به دائمًا مع بقائه لا يصح وقفه كالمطعومات والرياحين) لأنه يتنافى.
مسألة ٢: (ولا يصح إلا على بر أو معروف، مثل ما روى عبد الله بن عمر قال: «أصاب عمر أرضًا بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمرني فيها؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، غير أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث. قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وذوي القربى والرقاب وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقًا بالمعروف غير متأثل فيه -أو- غير متمول فيه» متفق عليه. وقال ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم.
стр. 298
عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقا غير متمول فيه»
(٣) ويصح الوقف بالقول والفعل الدال عليه، مثل أن يبني مسجدًا ويأذن في الصلاة فيه، أو سقاية ويشرعها
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٣: (ويصح الوقف بالقول والفعل الدال عليه، مثل أن يبني مسجدًا ويأذن في الصلاة فيه، أو سقاية ويشرعها للناس) لأن العرف جار به وفيه دلالة على الوقف فجاز أن يثبت به كالقول، وجرى مجرى من قدم طعامًا لضيافة أو نثر نثارًا أو صب في خوابي السبيل ماء، وعنه لا يصح إلا بالقول. وألفاظه ست: ثلاث صريحة، وثلاث كناية. فالصريح: وقفت وحبست وسبلت، متى أتى بواحدة من هذه الثلاث صار وقفًا من غير انضمام أمر زائد؛ لأن هذه الألفاظ ثبت لها حكم الاستعمال بين الناس، يفهم الوقف منها عند الإطلاق، وانضم إلى ذلك الشرع بقول النبي ﷺ لعمر: «إن شئت حبست أصلها وسبلت ثمرتها» فصارت هذه الألفاظ في الوقف كلفظ الطلاق في التطليق. وأما الكناية فهي: تصدقت وحرمت وأبدت، فليست صريحة لأن لفظة الصدقة والتحريم مشتركة، فإن الصدقة تستعمل في الزكاة والهبات، والتحريم يستعمل في الظهار والأيمان ويكون تحريمًا على نفسه أو على غيره، والتأبيد يحتمل تأبيد التحريم وتأبيد الوقف، ولم يثبت لهذه الألفاظ عرف الاستعمال فلا يحصل الوقف بمجردها، فإن ضم إليها أحد ثلاثة أشياء حصل الوقف بها: أحدها: أن ينضم إليها أخرى تخلصها من الألفاظ الخمسة فيقول: صدقة موقوفة أو محبسة أو مسبلة أو محرمة أو مؤبدة. الثاني: أن يصفها بصفات الوقف فيقول: صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث؛ لأن هذه القرينة تزيل الاشتراك. الثالث: أن ينوي الوقف فيكون على ما نوى ليصير وقفًا في الباطن، فإن اعترف بما نواه لزم الحكم لظهوره، ولو قال: ما أردت الوقف فالقول قوله لأنه أعلم بما نوى، وظاهر كلام أحمد وظاهر المذهب أن الوقف يحصل بالفعل مع القرينة، مثل أن يبني مسجدًا ويأذن في الصلاة فيه. وذكر القاضي عنه ما يدل على أنه لا يصح إلا بالقول وهو مذهب الشافعي، ودليله أن هذا تحبيس أصل على وجه القربة فوجب أن يفتقر إلى اللفظ كالوقف على الفقراء، والأول أولى لما سبق، وأما الوقف على الفقراء فلم تجر به عادة بغير لفظ، ولو كان بشيء جرت به العادة ودلت عليه الحال لكان هكذا.
стр. 299
للناس
(٤) ولا يجوز بيعه إلا أن تتعطل منافعه الكلية، فيباع ويشترى به ما يقوم مقامه
(٥) والفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو بيع واشتري به ما يصلح للجهاد
(٦) والمسجد إذا لم ينتفع به في مكانه بيع ونقل إلى مكان ينتفع به
(٧) ويرجع في الوقف ومصرفه وشروطه وترتيبه وإدخال من شاء بصفة وإخراجه بها وكذلك الناظر فيه والنفقة عليه إلى شرط الواقف
(٨) فلو وقف على ولد فلان ثم على المساكين كان الذكر والأنثى
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٤: (ولا يجوز بيعه) لحديث عمر (إلا أن تتعطل منافعه بالكلية فيباع ويشترى به ما يقوم مقامه) لما روي أن عمر بن الخطاب كتب إلى سعد لما بلغه أنه قد نقب بيت المال بالكوفة: أن انقل المسجد الذي بالتمارين واجعل بيت المال في قبلة المسجد فإنه لن يزال في المسجد مصل، وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه، ووجه الحجة منه أنه أمره بنقله من مكانه فدل على جواز نقل الوقف من مكانه وإبداله بمكان آخر، وهذا معنى البيع، ولأن فيما ذكرنا استبقاء الوقف بمعناه عند تعذر إبقائه بصورته، فوجب كما لو استولد الموقوف عليه الجارية الموقوفة أو قتلها فإنه يجب قيمتها وتصرف في شراء مثلها، وعنه: لا تباع المساجد لكن تنقل آلتها إلى مسجد آخر، لأن المقصود يحصل بنقلها لحديث عمر: "ولا يباع أصلها".
مسألة ٥: (والفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو بيع واشتري بثمنه ما يصلح للجهاد) إجماعًا.
مسألة ٦: (والمسجد إذا لم ينتفع به في مكانه بيع ونقل إلى مكان ينتفع به) لحديث عمر ﵁.
مسألة ٧: (ويرجع في الوقف ومصرفه وشروطه وترتيبه وإدخال من شاء بصفة وإخراجه بها وكذلك الناظر فيه والنفقة عليه) وسائر أحواله (إلى شرط الواقف) لأنه ثبت بوقفه فوجب أن يتبع فيه شرطه، ولأن عمر ﵁ وقف أرضه على الفقراء وذوي القربى وفي الرقاب وابن السبيل والضيف، وجعل لمن وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقًا، ووقف الزبير على ولده وجعل للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها، فإن استغنت بزوج فلا حق لها.
مسألة ٨: (فلو وقف على ولد فلان ثم على المساكين كان للذكر والأنثى بالسوية)
стр. 300
بالسوية إلا أن يفضل بعضهم، فإذا لم يبق منهم أحد رجع إلى المساكين
(٩) وإن كان الوقف على من يمكن حصرهم لزم استيعابهم به، والتسوية بينهم، إلا أن يفضل بعضهم
(١٠) وإن لم يمكن حصرهم جاز تفضيل بعضهم على بعض وتخصيص واحد منهم به
باب الهبة وهي تمليك المال في الحياة بغير عوض (١١) وتصح بالإيجاب والقبول والعطية
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
وإنما كان جميعهم بالسوية لأن الجميع أولاده فلفظه يقتضي ذلك، ولا يدخل فيه ولد البنات لأنهم ليسوا من ولده، قال الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأجانب
(وإن فضل بعضهم فله ذلك) لأنه ثبت بشرطه (فإذا لم يبق منهم أحد رجع إلى المساكين) لأنه جعل المساكين بعد ولده بقوله ثم على المساكين.
مسألة ٩: (وإن كان الوقف على من يمكن حصرهم لزمه استيعابهم به والتسوية بينهم) لأن اللفظ يقتضي ذلك، وقد أمكن الوفاء به فوجب العمل بمقتضاه كقوله سبحانه: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] فإنه يجب تعميم الإخوة من الأم والتسوية بينهم، ولأن اللفظ يقتضي التسوية أشبه ما لو أقر لهم (إلا أن يفضل بعضهم) فله ذلك لأنه ثبت بلفظه.
مسألة ١٠: (وإن لم يمكن حصرهم) كالمساكين وبني هاشم (جاز تفضيل بعضهم على بعض وتخصيص واحد منهم به) لأنه لا يمكن تعميمهم، فلا تجب إجماعًا لأنه لا يدخل تحت الوسع، ويجوز التفضيل؛ لأن من جاز حرمانه جاز تفضيل غيره عليه، ويجوز الاقتصار على واحد منهم كما قلنا في الزكاة، ويحتمل أن لا يجزئه أقل من ثلثه بناء على القول في الزكاة.
[باب الهبة] ١
وهي تمليك المال في الحياة بغير عوض
مسألة ١١: (وتصح بالإيجاب والقبول والعطية المقترنة بما يدل عليها) فالإيجاب أن يقول: وهبتك أو ملكتك أو أعطيتك، أو لفظ يؤدي هذا المعنى، والقبول أن يقول: قبلت أو رضيت أو نحو هذا، إذا لم يوجد قبض، فأما مع القبض فلا يفتقر إلى ذلك لأن
стр. 301
المقترنة بما يدل عليها
(١٢) وتلزم بالقبض
(١٣) ولا يجوز الرجوع فيها
(١٤) إلا الأب لقول رسول الله ﷺ : «لا يحل لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده»
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الأخذ قام مقام القبول في الدلالة على الرضا به وقبوله، وقد كان النبي ﷺ يهدي ويهدى إليه ويهب ويوهب له، وكذلك الصحابة ﵃، ولم ينقل عنهم إيجاب ولا قبول، ولو استعملوه لنقل إلينا نقلًا شائعًا، ولم ينقل إلا المعاطاة والتفرق عن تراض فكان ذلك كافيًا.
مسألة ١٢: (وتلزم بالقبض) وهو إجماع الصحابة؛ لأن ذلك روي عن أبي بكر وعمر ولم يعرف لهم مخالف، وروي عن عائشة أن أبا بكر نحلها جذاذ عشرين وسقًا من ماله بالغابة، فلما مرض قال: يا بنية إني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقًا وددت أنك كنت حزتيه أو قبضتيه، وهو اليوم مال وارث، فاقتسموه على كتاب الله ، ولأنها هبة غير مقبوضة فلا تلزمه كما لو مات قبل أن يقبض، وعنه يلزمه في غير المكيل والموزون بمجرد الهبة، لما روي عن علي وابن مسعود رضي عنهما، أنهما قالا: الهبة إذا كانت معلومة فهي جائزة قبضت أو لم تقبض، ولأن الهبة أحد نوعي التمليك فكان منها ما يلزم قبل القبض كالبيع.
مسألة ١٣: (ولا يجوز الرجوع فيها) لقول النبي ﷺ : «العائد في هبته كالعائد في قيئه» (رواه مسلم) وفي لفظ «كالكلب يعود في قيئه، ليس لنا مثل السوء» متفق عليه.
مسألة ١٤: (إلا الأب، لما «روى ابن عمر وابن عباس أن النبي ﷺ قال: ليس لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده» إذا لم يتعلق به حق لأحد، قال الترمذي: حديث حسن. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «لا يرجع واهب في هبته، إلا الوالد من ولده» (رواه أبو داود) .
стр. 302
(١٥) والمشروع في عطية الأولاد أن يسوي بينهم على قدر ميراثهم لقول رسول الله ﷺ : «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»
(١٦) وإذ قال لرجل: أعمرتك داري أو هي لك عمري، فهي له ولورثته من بعده
(١٧) وإن قال: سكناها لك عمرك، فله أخذها متى شاء
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ١٥: (والمشروع في عطية الأولاد القسمة بينهم على قدر ميراثهم) لأن التسوية بينهم واجبة، والتسوية الواجبة المأمور بها هي القسمة بينهم على قدر ميراثهم، لأنه تعجيل لما يصل إليهم بعد الموت فأشبه الميراث، فإن خص بعضهم فعليه بالتسوية بالرجوع وإعطاء الآخر حتى يستووا، لما «روى النعمان بن بشير قال: "تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى يشهد عليها رسول الله ﷺ ، فجاء أبي إلى رسول الله ﷺ ليشهد على صدقتي، فقال: أكل ولدك أعطيت مثله؟ قال: لا، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، قال: فرجع أبي فرد تلك الصدقة» (رواه البخاري) وفي لفظ: «لا تشهدني على جور» وفي لفظ: "فاردده" وفي لفظ: "فارجعه" وفي لفظ: «فأشهد على هذا غيري» وفي لفظ: "سو بينهم"، وهو يدل على التحريم لأنه سماه جورًا وأمر برده، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن تخصيص بعضهم يورث بينهم العداوة وقطيعة الرحم فيمنع منه كتزويج المرأة على عمتها وخالتها.
مسألة ١٦: (وإذا قال لرجل: أعمرتك داري أو هي لك عمرك أو حياتك فإنه يصح وتكون للمعمر ولورثته من بعده) لقول النبي ﷺ : «من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيًا وميتًا» متفق عليه، وفي لفظ: «قضى رسول الله ﷺ بالعمرى لمن وهبت له» متفق عليه، ولأن الأملاك المستقرة كلها مقدرة بحياة المالك وتنتقل إلى الورثة فلم يكن تقديره بحياته منافيًا لحكم الأملاك، وعنه ترجع بعد موته إلى المعمر، لما روى جابر قال: «إنما العمرى التي أجازها رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها» متفق عليه.
مسألة ١٧: (وإن قال: سكناها لك عمري فله أخذها متى شاء) لأن الموهوب هاهنا
стр. 303
باب عطية المريض (١٨) تبرعات المريض مرض الموت المخوف ومن هو في خوف كالمريض كالواقف - بين الصفين عند التقاء القتال ومن قُدِّم ليُقتل، وراكب البحر حال هيجانه ومن وقع الطاعون ببلده إذا اتصل بهم الموت - حكمها حكم وصيته في ستة أحكام: أحدها: أنها لا تجوز لأجنبي بزيادة على الثلث ولا لوارث بشيء إلا بإجازة الورثة، لما روي «أن رجلا أعتق ستة مملوكين عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم النبي ﷺ فجزأهم أثلاثا فأعتق اثنين وأرق أربعة» ، الثاني: أن الحرية تجمع في بعض العبيد بالقرعة إذا لم
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
المنفعة، وإنما تملك بمضي الزمان شيئًا فشيئًا فله أخذها لأنها لا تقع لازمة، فهي بمنزلة العارية.
[باب عطية المريض]
مسألة ١٨: (تبرعات المريض مرض الموت المخوف ومن هو في الخوف كالمريض - مثل الواقف بين الصفين عند التحام الحرب ومن قدم ليقتل وراكب البحر عند هيجانه ومن وقع الطاعون ببلده إذا اتصل بهم الموت - حكمها حكم وصيته في ستة أحكام) . والمرض المخوف كالبرسام وذات الجنب والرعاف الدائم والقيام المتدارك والفالج في ابتدائه والسل في انتهائه وما قال عدلان من أهل الطب إنه مخوف، وكذلك من هو في الخوف، فعطاؤهم كالوصية في ستة أحكام: (أحدها: أنها لا تجوز لأجنبي بزيادة على الثلث ولا لوارث شيء إلا بإجازة الورثة لما روى) عمران بن حصين (أن رجلًا أعتق ستة أعبد له عند موته لم يكن له مال غيرهم) فبلغ ذلك النبي ﷺ (فدعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء) فأقرع بينهم (فأعتق اثنين وأرق أربعة) وقال قولًا شديدًا، رواه مسلم، ولأنه في هذه الحال لا يأمن الموت فجعل كحال الموت. (الثاني: أن الحرية تجمع في بعض العبيد بالقرعة إذا لم يف الثلث بالجميع للخبر، الثالث: أنه إذا أعتق عبدًا غير معين أو معينًا فأشكل أخرج بالقرعة) للخبر "وأنه لا طريق إلى تعيين المعتق إلا بالقرعة فيصار إليها للخبر" (الرابع: أنه يعتبر خروجها من الثلث حال الموت، فلو أعتق عبدًا لا مال له سواه أو
стр. 304
يف الثلث بالجميع للخبر، الثالث: أنه إذا أعتق عبدا غير معين أو معينا فأشكل أخرج بالقرعة، الرابع: أنه يعتبر خروجها من الثلث حال الموت، فلو أعتق عبدا لا مال له سواه أو تبرع به ثم ملك عند الموت ضعف قيمته تبينا أنه عتق كله حين إعتاقه، وكان ما كسبه بعد ذلك له
(١٩) وإن صار عليه دين يستغرقه لم يعتق منه شيء ولا يصح تبرعه به
(٢٠) ولو وصى له بشيء فلم يأخذه الموصى له زمانا قوم عليه وقت الموت لا وقت الأخذ، الخامس: أن كونه وارثا يعتبر حالة الموت فيهما، فلو أعطاه أخاه أو أوصى له ولا له ولد فولد له ابن صحت العطية والوصية، ولو كان له ابن فمات بطلت، السادس: أنه لا يعتبر رد
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
تبرع به ثم ملك عند الموت ضعف قيمته تبينا أنه أعتق كله حين إعتاقه، وكان ما كسبه بعد ذلك له) لخروجه من الثلث عند الموت.
مسألة ١٩: (وإن صار عليه دين يستغرقه لم يعتق منه شيء) لأن الدين يقدم على الوصية، لما روي عن علي ﵁ «أن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية» (ولا يصح تبرعه به) لأنه تبرع به عند الموت فينزل بمنزلة الوصية، والدين يقدم عليها لحديث علي ﵁.
مسألة ٢٠: (ولو وصى له بشيء فلم يأخذه الموصى له زمانًا قوم وقت الموت لا وقت الأخذ) لأن الاعتبار بقيمة الموصى به وخروجه من الثلث وعدم خروجه منه بحالة موت الموصي؛ لأنها حال لزوم الوصية فتعتبر قيمة المال فيها، لا نعلم في ذلك خلافًا، فينظر فإن كان الموصى به وقت الموت ثلث التركة في القيمة أو دونه نفذت الوصية واستحقه الموصى له، ولو زادت قيمته بعد ذلك حتى يصير معادلًا لسائر المال، ولو هلك جميع المال سواه كان للموصى له، وإن كان حين الموت زائدًا عن الثلث فللموصى له قدر الثلث، فإن كان نصف المال فللموصى له ثلثاه، وإن كان ثلثيه فللموصى له نصفه، فإن نقص الموصى به بعد ذلك أو زاد، أو نقص سائر التركة أو زاد، فليس للموصى له إلا ما خرج عن الثلث حال الموت لذلك، (الخامس: أن كونه وارثًا يعتبر حالة الموت فيهما، فلو أعطاه أخاه أو أوصى له، ولا له ولد، فولد له ابن صحت العطية والوصية) لأنه عند الموت صار غير وارث (ولو كان له ابن) وقت العطية (فمات) الابن (بطلت) لأنه صار عند الموت وارثًا لأن اعتبار الوصية بالموت لا خلاف في ذلك نعلمه. (السادس: أنه
стр. 305
الورثة وإجازتهم إلا بعد الموت فيهما
(٢١) وتفارق العطية الوصية في أحكام أربعة: أحدها: أن العطية تنفذ من حينها، فلو أعتق عبدا أو أعطاه إنسانا صار المعتق حرا وملكه المعطي وكسبه له، ولو وصى به أو دبره لم يعتق ولم يملكه الموصى له إلا بعد الموت، وما كسب أو حدث فيه من نماء منفصل فهو للورثة
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
لا يعتبر رد الورثة وإجازتهم إلا بعد الموت فيهما) وما قبل ذلك لا عبرة به لأنه لا حق للوارث قبل الموت فلم يصح إسقاطه كما لو أسقط الشفعة قبل البيع، وكما لو أسقطت المرأة نفقتها قبل التزويج.
مسألة ٢١: (وتفارق العطية الوصية في أحكام أربعة: أحدها: أن العطية تنفذ من حينها. فلو أعتق عبدًا أو أعطاه إنسانًا صار المعتق حرًا وملكه المعطي وكسبه له) يعني إن خرج من الثلث عند الموت فكسبه له إن كان معتقًا وللموهوب له إن كان موهوبًا، وإن خرج بعضه فلهما من كسبه بقدر ذلك، فلو أعتق عبدًا لا مال له سواه فكسب مثل قيمته قبل موت سيده عتق نصفه "ونصف كسبه" وله "نصفه و" نصف كسبه ويحصل للورثة نصفه ونصف كسبه، وذلك مثل ما أعتق منه، ولا يمكن أن يرق منه ثلثاه لأنه لو رق ثلثاه تبعه ثلثا الكسب فيصير من مال الميت ينتقل إلى الورثة، فيجب أن يحتسب على الورثة ويعتق من العبد بقدره ولا يحتسب على العبد بما حصل له من الكسب لأنه ملكه بجزئه الحر لا من جهة السيد، ولم يدخل ذلك في ملك السيد بحال فيستخرج بالجبر فيقال: عتق من العبد شيء وله من كسبه مثله شيء آخر بقي العبد والكسب للورثة إلا شيئين، ويجب أن يكون ذلك مثل ما جاز فيه العتق فيكون إذًا شيئين؛ لأن العتق إنما جاز في شيء فقد حصل للورثة شيئان، وللعبد شيئان: شيء من عتقه وشيء من كسبه، فصار لهم مثل ما له فله النصف من نفسه وكسبه ولهم النصف، ولو كسب مثلي قيمته قلت: عتق منه شيء وتبعه من كسبه شيئان وللورثة شيئان فصار العبد وكسبه يقابل خمسة أشياء، له منها ثلاثة فيعتق منه ثلاثة أخماسه، وله ثلاثة أخماس من كسبه ولهم الخمسان منهما. ولو كان العبد موهوبًا فللموهوب له منه بقدر ما عتق منه وبقدره من كسبه.
وأما الموصى به أو بعتقه فلا يملكه الموصى له به ولا يعتق إلا بعد الموت، لأن ذلك إنما يلزم بالموت لما سبق، وما كسب من شيء أو حدث فيه من نماء فإنه يكون
стр. 306
الثاني: أن العطية يعتبر قبولها وردها حين وجودها كعطية الصحيح، والوصية لا يعتبر قبولها ولا ردها إلا بعد موت الموصي، الثالث: أنها تقع لازمة لا يملك المعطي الرجوع فيها، والوصية له الرجوع فيها متى شاء، الرابع: أن يبدأ بالأول منها إذا ضاق الثلث عن جميعها، والوصية يسوى بين الأول منها والآخر، ويدخل النقص على كل واحد بقدر وصيته سواء كان فيها عتق أو لم يكن
(٢٢) وكذلك الحكم في العطايا إذا وقعت دفعة واحدة
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
للورثة، لأنه إلى حين الموت باق على ملك السيد فيرثه ورثته بعد موته (الثاني: أن العطية يعتبر قبولها وردها حين وجودها كعطية الصحيح، والوصية لا يعتبر قبولها وردها إلا بعد موت الموصي) لأن العطية هبة منجزة فاعتبر لها القبول عند وجودها كعطية الصحيح، بخلاف الوصية فإنه لا حكم لقبولها ولا ردها إلا بعد الموت لأنها عطية بعد الموت. (الثالث: أنها تقع لازمة لا يملك المعطي الرجوع فيها) وإن كثرت، لأنها هبة منجزة اتصل بها القبض أشبهت هبة الصحيح (بخلاف الوصية فإن له الرجوع فيها متى شاء) لأنها عطية معلقة على شرط أشبهت الهبة المعلقة على شرط. (الرابع: أن يبدأ بالأول فالأول منها إذا ضاق الثلث عن جميعها) لأن السابق استحق الثلث فلم يسقط بما بعده (والوصية يسوى بين الأول منها والآخر، ويدخل النقص على كل واحد بقدر وصيته سواء كان فيها عتق أو لم يكن) لأنها توجد عقب موته دفعة واحدة فتساوت كلها، وعنه يقدم العتق لأنه مبني على السراية والتغليب فكان آكد من غيره.
مسألة ٢٢: (وكذا الحكم في العطايا إذا وقعت دفعة واحدة) لما ذكرنا.
стр. 307
كتاب الوصايا روي «عن سعد قال: قلت: يا رسول الله، قد بلغ بي الجهد ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ فقال: " لا " قلت: فالشطر؟ قال: " لا " قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس»
(١) ويستحب لمن ترك خيرًا الوصية بخمس ماله
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[كتاب الوصايا]
وهي الأمر بالتصرف بعد الموت. والوصية بالمال هي التبرع به بعد الموت، فروى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» متفق عليه. وروى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» رواه سعيد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. و (روي «عن سعد بن أبي وقاص قال: " جاءني رسول الله ﷺ يعودني من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله قد بلغ بي الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بمالي كله؟ قال: لا، قال: بالثلثين؟ قال: لا، قلت: فبالشطر يا رسول الله؟ قال: لا، قلت: بالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» يعني يطلبون من الناس بأكفهم. متفق عليه.
مسألة ١: (ويستحب لمن ترك خيرًا الوصية بخمس ماله) ودليل استحبابها قوله سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] نسخ الوجوب وبقي
стр. 308
(٢) وتصح الوصية والتدبير من كل من تصح هبته
(٣) ومن الصبي العاقل
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الاستحباب. وروى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله: يا ابن آدم، جعلت لك نصيبًا من مالك حين أخذت بكظمك لأطهرك به وأزكيك» وقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] الخير: المال الكثير، فأما الفقير فلا يستحب له وصية، لقول النبي ﷺ لسعد: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» وقال: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» وقال رجل لعائشة ﵂: " إن لي ثلاثة آلاف درهم وأربعة أولاد أفأوصي؟ فقالت: اجعل الثلاثة للأربعة"، ولأن الله سبحانه إنما كتب الوصية على من ترك خيرًا، فلما نسخ الوجوب بقي الاستحباب في محل الوجوب لا يعدوه. واختلفوا في القدر الذي إذا ملك لا يستحب معه الوصية، فروي عن أحمد ﵀: من ترك دون الألف لا يستحب له الوصية. وعن علي: أربعمائة دينار، وقال ابن عباس: من ترك ستين دينارًا لم يترك خيرًا. وقال طاوس: الخير ثمانون دينارًا. وقال النخعي: ألف وخمسمائة.
[فصل في مقدار الوصية] ١
فصل: والأفضل أن لا يستوعب الثلث بالوصية لقوله ﷺ : «الثلث، والثلث كثير» وأكثرهم على استحباب الوصية بالخمس، وروي عن أبي بكر ﵁ أنه أوصى بالخمس وقال: رضيت بما رضي الله به لنفسه. وعن علي قال: لأن أوصي بالخمس أحب إلي من الربع. وروى سعيد عن إبراهيم قال: كانوا يقولون: صاحب الربع أفضل من صاحب الثلث، وصاحب الخمس أفضل من صاحب الربع. وعن العلاء قال: أوصى أبي أن أسأل العلماء أي الوصية أعدل؟ فما تتابعوا عليه فهو وصية، فتتابعوا على الخمس.
مسألة ٢: (وتصح الوصية والتدبير من كل من تصح هبته) لأنها تبرع أشبهت الهبة.
مسألة ٣: (وتصح من الصبي والعاقل) قال أبو بكر: لا يختلف المذهب أن من له عشر سنين تصح وصيته، ومن له دون السبع لا تصح، وأما بين السبع والعشر فعلى روايتين. وقال ابن إسحاق: إذا بلغ اثنتي عشرة سنة. وحكاه ابن المنذر عن أحمد. وروى شعبة أن صبيًا من غسان له عشر سنين أوصى لأخواله، فرفع ذلك إلى عمر فأجاز وصيته، ولا يعرف له مخالف. وروى مالك في الموطأ أن عمرو بن سليم أخبر أنه قيل لعمر بن الخطاب: إن هاهنا غلامًا يفاعا لم يحتلم من غسان ورثته بالشام، وهو ذو مال وليس له هاهنا إلا ابنة عم، فقال عمر: فليوص لها، فأوصى لها بمال يقال له بئر حسم. قال
стр. 309
(٤) والمحجور عليه لسفه
(٥) ولكل من تصح الهبة له
(٦) وللحمل إذا علم أنه كان موجودًا حين الوصية له
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
عمرو: فبعت ذلك المال بثلاثين ألفًا. وابنة عمه التي أوصى لها هي أم عمرو بن سليم. قال أبو بكر: وكان الغلام ابن عشر أو اثنتي عشرة، ولأنه محض نفع للصبي تصح منه كالصلاة، لأن الوصية صدقة يحصل ثوابها له بعد استغنائه عن ملكه ولا يلحقه ضرر بها في الدنيا، بخلاف الهبة والعتق المنجز فإنه يفوت من ماله ما هو محتاج إليه، فإذا ردت رجع إليه.
مسألة ٤: (وتصح من المحجور عليه لسفه) لأنه بمنزلة الصبي العاقل. وقال أبو الخطاب: في وصيته وجهان: أحدهما: لا تصح، لأنه محجور عليه في تصرفاته أشبه الهبة. والثاني: تصح، لأنه إنما حجر عليه لحفظ ماله له، وليس في وصيته إضاعة لماله، لأنه إن عاش فهو له، وان مات لم يحتج إلى غير الثواب، وقد حصل له.
مسألة ٥: (وتصح لكل من تصح الهبة له) من مسلم وذمي ومرتد وحربي، نص عليه؛ لأن هؤلاء لو وهبهم لصحت الهبة لهم، فكذلك الوصية.
مسألة ٦: (وتصح للحمل إذا علم أنه كان موجودًا حين الوصية له) بأن تضعه لأقل من ستة أشهر إن كانت ذات زوج أو سيدها يطأها، ولأقل من أربع سنين إن لم تكن كذلك في أحد الوجهين، وفي الآخر لأقل من سنتين، ولا نعلم في الوصية للحمل خلافًا لأنها أوسع من الميراث لأنها تصح للكافر وللعبد، والحمل يرث فتصح الوصية له بطريق الأولى، فإن وضعته ميتًا بطلت الوصية لاحتمال أنه لم يكن حيًا حين الوصية فلا تثبت له الوصية بالشك، وإن وضعته حيًا صحت الوصية له إذا حكمنا بوجوده حين الوصية.
قال الخرقي: إذا أتت به لأقل من ستة أشهر منذ تكلم بالوصية، وليس ذلك مشترطًا مطلقًا، لكن إن كانت فراشًا لزوج أو لسيدها فأتت به لستة أشهر فما دونها علمنا وجوده حين الوصية، وإن كان لأكثر منها لم تصح الوصية له لاحتمال حدوثه بعد الوصية، وإن كانت بائنًا فأتت به لأكثر من أربع سنين من حين الفرقة لم تصح الوصية، لأن الولد يعلم وجوده إن كان لستة أشهر فما دون، ويحكم بوجوده إذا أتت به لأقل من أربع سنين من حين الفرقة.
стр. 310
(٧) وتصح بكل ما فيه نفع مباح ككلب الصيد والغنم وبما فيه نفع من النجاسات
(٨) وبالمعدوم كالذي تحمل أمته أو شجرته
(٩) وتصح بما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء والسمك في الماء
(١٠) وبما لا يملكه كمائة درهم لا يملكها
(١١) وبغير معين كعبد من عبيده، ويعطيه الورثة منهم ما شاءوا، وبالمجهول كحظ من ماله أو جزء ويعطيه الورثة ما شاءوا
(١٢) وإن وصى له بمثله نصيب أحد ورثته فله مثل أقلهم نصيبا يزاد على الفريضة)
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٧: (وتصح الوصية بكل ما فيه نفع مباح ككلب الصيد والغنم وما فيه نفع من النجاسات) كالزيت النجس لأنه يجوز اقتناؤه والانتفاع به فجاز نقل اليد إليه بالوصية.
مسألة ٨: (وتصح بالمعدوم كالذي تحمل أمته أو شجرته) لأن المعدوم يجوز أن يملك بالسلم والمساقاة فجاز أن يملك بالوصية.
مسألة ٩: (وتصح بما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء والسمك في الماء) واللبن في الضرع، لأن الموصى له يخلف الموصي في الموصى به كخلافة الورثة في باقي المال، والوارث يخلفه في هذه الأشياء كذلك الموصى له.
مسألة ١٠: (وتصح بما لا يملكه كمائة درهم لا يملكها) كما تصح بحمل أمته أو شجرته، فإن قدر عليها عند الموت أو على شيء منها وإلا بطلت لأن الموصى به عدم، والوصية كالهبة فلما عدم الموهوب بطلت الهبة، فكذلك الوصية.
مسألة ١١: (وتصح بغير معين كعبد من عبيده ويعطيه الورثة منهم ما شاءوا) لأنه يتناوله الاسم سواء كان صحيحًا أو معيبًا أو ذكرًا أو أنثى، كما لو أوصى له بحظ أو نصيب، وعنه يستحق أحدهم بالقرعة إذا خرج من الثلث وإلا ملك منه بقدر الثلث لأنه يستحق واحد غير معين، وليس واحد بأولى من واحد، فوجب المصير إلى القرعة كما لو أعتق واحدًا منهم غير معين.
مسألة ١٢: (وإن وصى له بمثل نصيب أحد ورثته فله مثل أقلهم نصيبًا يزاد على الفريضة) فلو خلف ابنًا وأربع زوجات صحت من اثنين وثلاثين سهمًا لكل امرأة سهم، وللموصى له سهم يزاد عليها فتصير من ثلاثة وثلاثين سهمًا: للموصى له سهم، ولكل امرأة سهم، وما بقي فهو للابن، وإنما جعل له أقل أنصبائهم لأنه المتعين وما زاد مشكوك
стр. 311
(١٣) فلو خلف ثلاثة بنين ووصى بمثل نصيب أحدهم فله الربع، فإن كان معهم ذو فرض كأم صححت مسألة الورثة بدون الوصية من ثمانية عشر، وزدت عليها بمثل نصيب ابن فصارت من ثلاثة وعشرين
(١٤) ولو وصى بمثل نصيب أحدهم ولآخر بسدس باقي المال جعلت صاحب سدس الباقي كذي فرض وصححتها كالتي قبلها
(١٥) فإن كانت وصية الثاني بسدس باقي الثلث صححتها كما قلنا سواء، ثم زدت عليها مثليها فتصير تسعة وستين تعطي صاحب السدس سهما واحدا والباقي بين البنين، والوصي الآخر أرباعا
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
فيه، ولو كان الورثة يتساوون في الميراث كالبنين فله مثل نصيب أحدهم يزاد على الفريضة ويجعل كواحد منهم زاد فيهم، وأما إن كانوا يتفاضلون جعل له مثل ما لأقلهم نصيبًا يزاد على الفريضة لما ذكرناه.
مسألة ١٣: (ولو خلف ثلاثة بنين ووصى بمثل نصيب أحدهم فله الربع) لذلك (فإن كان معهم ذو فرض كأم صححت مسألة الورثة بدون الوصية من ثمانية عشر، وزدت عليها مثل نصيب ابن فصارت من ثلاثة وعشرين) لأن له مثل نصيب ابن فزاد على الفريضة فكان له خمسة من ثلاثة وعشرين ولكل ابن خمسة وللأم ثلاثة.
مسألة ١٤: (ولو وصى بمثل نصيب أحدهم ولآخر بسدس باقي المال جعلت صاحب سدس الباقي كذي فرض وصححتها كالتي قبلها) وطريق ذلك بالنصيب أنا نجعل المال كله ستة أسهم ونصيبًا، فندفع النصيب للموصى له به، وندفع إلى الآخر سهمًا من ستة، يبقى خمسة أسهم نقسمها على ثلاثة بنين، يخرج لكل ابن سهم وثلثا سهم وذلك هو النصيب، فيكون المال جميعه سبعة أسهم وثلثي نصيب، نضربها في ثلاثة ليزول الكسر فيكون ثلاثة وعشرين: للموصى له بالنصيب خمسة، وللآخر سدس باقي المال ثلاثة، يبقى خمسة عشر لكل ابن خمسة.
مسألة ١٥: (وإن كانت وصية الثاني بسدس باقي الثلث صححتها كما قلنا) ، يعني من ثلاثة وعشرين (ثم تزيد عليها مثليها فتصير تسعة وستين، تعطي صاحب السدس سهمًا واحدًا والباقي بين البنين والموصى له على أربعة) والطريق في ذلك بالنصيب أنَّا نجعل المال كله ثمانية عشر سهمًا وثلاثة أنصباء، فيكون الثلث ستة أسهم ونصيبًا فتدفع للموصى له بالنصيب نصيبًا وللموصى له الآخر سهمًا؛ لأنه سدس باقي الثلث، يبقى معنا سبعة عشر
стр. 312
(١٦) وإن زاد البنون على ثلاثة زدت صاحب سدس الباقي بقدر زيادتهم، فإن كانوا أربعة أعطيته مما صحت منه المسألة سهمين
(١٧) وإن كانوا خمسة فله ثلاثة
(١٨) وإن كانت الوصية بثلث باقي الربع والبنون أربعة فله سهم واحد، وإن زاد البنون على أربعة زدته بكل واحد سهما
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
سهمًا ونصيبان، ندفع النصيبين لابنين يبقى سبعة عشر سهمًا هي للابن الآخر، فعلم أن النصيب سبعة عشر، فإذا جمعنا ثلاثة أنصباء إلى سبعة عشر كان الجميع تسعة وستين، لصاحب السدس منها سهم ويبقى الباقي على البنين والموصى له أرباعًا لكل واحد سبعة عشر كما ذكر.
مسألة ١٦: (وإن زاد البنون على ثلاثة زدت صاحب سدس الباقي بقدر زيادتهم فإذا كانوا أربعة أعطيته مما صحت منه المسألة سهمين) وذلك لما ذكرناه من أنَّا نجعل المال ثمانية عشر سهمًا وثلاثة أنصباء، فإذا دفعنا إلى الموصى له بالنصيب نصيبًا وإلى ابنين نصيبين وإلى الموصى له بالسدس سهمًا بقي سبعة عشر على اثنين فيكون النصيب ثمانية ونصفًا، فإذا جمعنا ذلك كان ثلاثة وأربعين ونصفًا فنحتاج أن نضرب ذلك في اثنين ليزول الكسر، فيصير كل من له شيء من ثلاثة وأربعين ونصف مضروبًا في اثنين وصاحب السدس له سهم مضروب في اثنين باثنين.
مسألة ١٧: (ولو كان البنون خمسة فله ثلاثة) لأنا نحتاج أن نقسم السبعة عشر على ثلاثة بنين، يخرج النصيب خمسة أسهم وثلثي سهم، فإذا جمعنا السبعة عشر إلى ثمانية عشر كان المجموع خمسة وثلاثين: للموصى له بالسدس سهم، ويبقى أربعة وثلاثون على ستة لكل واحد خمسة أسهم وثلثا سهم، فنضرب ذلك في ثلاثة ليزول الكسر يصير المجموع مائة وخمسة، ثم كل من له شيء من خمسة وثلاثين مضروب في ثلاثة، وصاحب السدس له سهم مضروب في ثلاثة فيصير له ثلاثة كما ذكر.
مسألة ١٨: (وإن كانت الوصية بثلث باقي الربع والبنون أربعة فله سهم واحد) وذلك أنه يكون قد خلف أربعة بنين وأوصى بمثل نصيب أحدهم وللآخر بثلث باقي الربع، فالطريق أنا نجعل المال كله اثني عشر سهمًا وأربعة أنصباء نعطي الموصى له بالنصيب نصيبًا وللموصى له الآخر ثلث باقي الربع سهمًا، يبقى معنا ثلاثة أنصباء وأحد
стр. 313
(وإن وصى بضعف نصيب وارث أو ضعفيه فله مثلا نصيبه، وثلاثة أضعاف ثلاثة أمثاله)
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
عشر سهمًا نعطي كل ابن نصيبًا ويبقى أحد عشر سهمًا هي للابن الرابع، فبان أن النصيب أحد عشر فيكون المال كله ستة وخمسين سهمًا للموصى له بالنصيب أحد عشر، ولصاحب ثلث باقي الربع سهم، صار الجميع اثني عشر ويبقى أربعة وأربعون على أربعة بنين لكل واحد أحد عشر (فإن زاد البنون على أربعة زدته بكل واحد سهمًا) لأنهم إذا كانوا خمسة والموصى له بالنصيب صاروا ستة ومعنا أربعة أنصباء واثنا عشر إذا أخذ الموصى له بالنصيب نصيبًا وكل ابن نصيبًا، وأخذ الموصى له بثلث باقي الربع سهمًا بقي أحد عشر سهمًا وبقي من البنين اثنان، فتبين أن النصيب خمسة ونصف، فإذا ضربنا المسألة وهي أربعة وثلاثون في اثنين صار كل من له شيء من ذلك مضروبًا في اثنين، وصاحب ثلث الربع له سهم مضروب في اثنين فيصير له اثنان. وإن زاد البنون واحدًا على خمسة ضربنا في ثلاثة في المسألة وهي ستة وعشرون وثلثان، ثم كل من له شيء منها مضروب في ثلاثة، والموصى له بثلث باقي الربع له منها سهم في ثلاثة فتصح له ثلاثة، وكلما زاده واحدًا زاد نصيبه واحدًا كما ذكر، إلى أن يصير البنون أربعة عشر ابنا، فإن المسألة تصح من ستة عشر سهمًا فيكون للموصى له بالنصيب سهم وللموصى له بثلث باقي الربع سهم ولكل ابن سهم، لأنا إذا فرضنا المال جميعه أربعة أنصباء أو اثنا عشر سهمًا فإنا نعطي الموصى له بمثل النصيب نصيبًا والآخر لثلاثة بنين ويبقى أحد عشر، فبان أن النصيب سهم، وصحت من ستة عشر لأنها لم تحتج إلى ضرب، والله تعالى أعلم.
مسألة ١٩: (فإن وصى بضعف نصيب وارث أو بضعفيه فله مثله مرتين، وإن وصى بثلاثة أضعافه فله ثلاثة أمثاله) قال شيخنا: هذا هو الصحيح عندي، لأن الله سبحانه قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] وقال: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٦٥] وقال عطاء: أثمرت في سنة مثل ثمرة غيرها سنتين، وقال عكرمة: تحمل كل عام مرتين. وثلاثة أضعاف ثلاثة أمثال، فإن أهل العربية لا يعرفون في كلامهم غير ذلك. وروى ابن الأنباري بإسناده عن هشام بن معاوية النحوي قال: العرب تتكلم بالضعف مثنى، فتقول: إن أعطيتني درهمًا فلك ضعفاه، يريدون مثليه. قال: وإفراده لا بأس به إلا أن التثنية أحسن. وقال
стр. 314
(١٩) وإن وصى بجزء مشاع كثلث أو ربع أخذته من مخرجه وقسمت الباقي على الورثة
(٢٠) وإن وصى بجزءين أخذتهما من مخرجهما، وهو اثنا عشر وقسمت الباقي على الورثة، فإن ردوا جعلت سهام الوصية ثلث المال وللورثة ضعف ذلك
(٢٢) وإن وصى بمعين من ماله فلم يخرج من الثلث فللموصى له قدر الثلث إلا أن يجيز الورثة
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
أصحابنا: ضعفاه ثلاثة أمثاله وثلاثة أضعافه أربعة أمثاله، كلما زاد ضعفًا زاد مرة واحدة، فالضعف ضم مثله إليه، والضعفان ضم مثليه إليه، وقال أبو عبيدة: ضعف الشيء هو ومثله، وضعفاه هو ومثلاه. وقال في قَوْله تَعَالَى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] يعني يجعل العذاب ثلاثة أعذبة، والأول أولى. قال ابن عرفة: لا أحب قول أبي عبيدة في ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] ؛ لأن الله سبحانه قال في الآية الأخرى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] فاعلم أن لها من هذا حظين ومن هذا حظين.
مسألة ٢٠: (وإن وصى بجزء مشاع كثلث أو ربع أخذته من مخرجه وقسمت الباقي على الورثة) إن انقسم، وإلا ضربت مسألة الورثة أو وفقها في مخرج الوصية فما بلغ فمنه تصح، مثاله خلف ابنين ووصى بثلث ماله لرجل، فالمخرج ثلاثة ندفع للموصى له سهمًا ويبقى سهمان لكل ابن سهم، وإن كان البنون ثلاثة بقي سهمان على ثلاثة لا تصح ولا توافق، تضربها في مخرج الوصية ثلاثة تصير تسعة، للموصى له بالثلث سهم مضروب في ثلاثة بثلاثة ويبقى ستة على ثلاثة لكل ابن سهمان. وإن كان البنون أربعة بقي سهمان على أربعة لا تصح ولا توافق بالنصف، فتضرب اثنين في ثلاثة بستة للموصى له سهمان ولكل ابن سهم.
مسألة ٢١: (وإن وصى بجزءين كثلث وربع أخذتهما من مخرجهما وقسمت الباقي على المسألة) على ما مر (وإن رد الورثة جعلت السهام الحاصلة للأوصياء ثلث المال ودفعت الثلثين إلى الورثة) فإذا وصى بثلث المال وربعه وخلف ابنين أخذت ذلك من مخرجه سبعة من اثني عشر، يبقى للابنين خمسة إن أجازا، وإن ردا جعلت السبعة ثلث المال فتكون المسألة من أحد وعشرين، للموصى لهما سبعة، لصاحب الثلث أربعة ولصاحب الربع ثلاثة، ولكل ابن سبعة.
مسألة ٢٢: (وإن وصى بمعين من ماله) مثل إن وصى له بعبد معين (فلم يخرج من
стр. 315
(٢٣) وإن زادت الوصايا على المال كرجل وصى بثلث ماله لرجل ولآخر بجميعه ضممت الثلث إلى المال فصار أربعة أثلاث وقسمت التركة بينهما على أربعة إن أجيزت لهما، والثلث على أربعة إن رد عليهما
(٢٤) ولو وصى بمعين لرجل ثم وصى به لآخر
(٢٥) أو أوصى إلى رجل ثم أوصى إلى آخر فهو بينهما
(٢٦) وإن قال: ما أوصيت به للأول فهو للثاني بطلت وصية الأول
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الثلث فللموصى له من ذلك العبد مقدار الثلث) مثاله أوصى بعبد يساوي مائتين وله غيره بمائة فله نصفه لأن ذلك قدره الثلث (إلا أن يجيز الورثة) فيأخذ العبد كله.
مسألة ٢٣: (وإن زادت الوصايا على المال كرجل أوصى بماله كله لرجل ولآخر بثلث ضممت الثلث إلى المال فصار أربعة أثلاث وقسمت المال بينهما على أربعة إن أجيز لهما، والثلث على أربعة إن رد عليهما) ومثاله في الفرائض في مسائل العول امرأة خلفت زوجًا وأختًا وأمًا، فإن الزوج والأخت لو انفردا أخذا المال كله، فجاءت الأم وفرضها هاهنا الثلث فتزيده على المال فيصير لها الربع، وكذلك الوصية بجميع المال وثلثه، فإن رد الورثة جعلنا ثلث المال أربعة فيصير المال كله اثني عشر: للموصى لهما أربعة، ولصاحب الكل ثلاثة، ولصاحب الثلث سهم.
مسألة ٢٤: (وإن وصى بمعين لرجل ثم أوصى به لآخر فهو بينهما) ولا يكون رجوعًا عن وصية الأول لاحتمال أن يكون ناسيًا أو قاصدًا للتشريك بينهما، وقد ثبتت وصية الأول يقينًا فلا نبطلها بالشك.
مسألة ٢٥: (وإن أوصى إلى رجل ثم أوصى إلى آخر فهما وصيان) كالتي قبلها لذلك.
مسألة ٢٦: (فإن قال: ما وصيت به للأول فهو للثاني بطلت وصية الأول) لأنه صرح بالرجوع.
١ -
مسألة ٢٧: ويجوز الرجوع في الوصية بإجماع منهم، لأنها عطية تتنجز بالموت، فجاز له الرجوع فيها قبل تنجزها كهبة ما يفتقر إلى القبض قبل تقبيضه.
стр. 316
(فصل: إذا بطلت الوصية أو بعضها رجع إلى الورثة، فلو وصى أن يشترى عبد زيد بمائة فيعتق، فمات، أو لم يبعه سيده، فالمائة للورثة)
(٢٨) وإن وصى بمائة تنفق على فرس حبيس فمات الفرس فهي للورثة
(٢٩) ولو وصى أن يحج عنه زيد بألف فلم يحج فهي للورثة، وإن قال الموصى له: أعطوني الزائد على نفقة الحج لم يعط شيئا
(٣٠) ولو مات الموصى له قبل موت الموصي
(٣١) أو رد الوصية ردت إلى الورثة
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[فصل في حكم بطلان الوصية]
(فصل: إذا بطلت الوصية أو بعضها رجع إلى الورثة، فلو وصى أن يشترى عبد زيد بمائة فيعتق، فمات، أو لم يبعه سيده، فالمائة للورثة) وذلك أنه متى تعذر شراؤه لامتناع سيده من بيعه، أو لموته، أو لكونه يعجز الثلث عن ثمنه، أو أن المائة لا تبلغ ثمنه، فالثمن للورثة؛ لأن الوصية بطلت لتعذر العمل بما أمر به، أشبه ما لو وصى لرجل فمات الموصى له، ولا يلزمهم أن يشتروا عبدًا آخر لأن الوصية لمعين فلا تصرف إلى غيره، وأما إذا اشتروه بأقل فالباقي للورثة لأن المقصود بالوصية عتقه وقد حصل.
مسألة ٢٨: (وإن وصى بمائة تنفق على فرس حبيس فمات الفرس فهي للورثة) وهذه المسألة كالتي قبلها وعلتها علتها. ولو أنفق بعض المائة ثم مات الفرس فالباقي للورثة، كما لو وصى بشراء عبدين معينين فاشترى أحدهما ومات الآخر قبل شرائه يرجع ثمنه إلى الورثة، كذا هاهنا.
مسألة ٢٩: (وإن وصى أن يحج عنه زيد بألف فلم يحج فهي للورثة) لذلك (ولو قال الموصى له: أعطوني الزائد على نفقة الحج) فإنه موصى لي به (لم يعط شيئًا) لأنه إنما أوصى له بالزيادة بشرط أن يحج، فإذا لم يفعل لم يوجد الشرط فلم يستحق شيئًا.
مسألة ٣٠: (ولو مات الموصى له قبل موت الموصي رد إلى الورثة) لأن الوصية عطية بعد الموت، فإذا صادفت حال العطية ميتًا لم تصح كما لو وهب ميتًا أو أوصى له.
مسألة ٣١: (وإن رد الموصى له الوصية) بعد موت الموصي (بطلت أيضًا) لا نعلم في ذلك خلافًا، لأنه أسقط حقه في حال تملك قبوله وأخذه والمطالبة به فأشبه الشفيع يعفو عن الشفعة بعد البيع، وإذا بطلت الوصية رجع إلى الورثة كالمسائل التي قبلها.
стр. 317
(٣٢) ولو وصى لحي وميت فللحي نصف الوصية
(٣٣) ولو وصى لوارثه ولأجنبي بثلث ماله فللأجنبي السدس ويوقف سدس الوارث على الإجازة
باب الموصى إليه (تجوز الوصية إلى كل مسلم عاقل عدل من الذكور والإناث بما يجوز للموصي فعله: من قضاء ديونه، وتفريق وصيته، والنظر في أمر أطفاله)
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٣٢: (ولو وصى لحي وميت فللحي نصف الوصية) لأنه لم يوص له إلا بالنصف، بدليل ما لو كان الآخر حيًا، هذا إذا لم يعلم موته، فإن علم موته فالكل للحي لأنه شرك بين من يستحق ومن لا يستحق عالمًا بأنه لا يستحق فيدل ذلك على أنه جعل الكل لمن يستحق وهو الحي.
مسألة ٣٣: (وإن وصى لوارثه وأجنبي بثلث ماله فللأجنبي السدس ويوقف سدس الوارث على الإجازة) لأنه أوصى لكل واحد منهما السدس فلم يصح له إلا ذلك، كما لو كانت الوصية لأجنبيين، وإن أجازوا للوارث جاز كما لو أجازوا لأجنبي بزيادة على الثلث.
[باب الموصى إليه]
(تجوز الوصية إلى كل مسلم عاقل عدل من الذكور والإناث بما يجوز للموصي فعله: من قضاء ديونه، وتفريق وصيته، والنظر في أمر أطفاله) فأما الوصية إلى المسلم العاقل العدل فتصح إجماعًا، ولا تصح وصية مسلم إلى كافر بغير خلاف، ولا الوصية إلى المجنون والطفل لأنهما ليسا من أهل التصرف في أموالهما فلا يليان على غيرهما، والكافر ليس من أهل الولاية على المسلم.
١ -
مسألة ٣٤: وتصح الوصية إلى المرأة في قول أكثرهم، لما روي أن عمر وصى إلى حفصة، ولأنها من أهل الشهادة أشبهت الرجل، فهؤلاء تصح الوصية إليهم فيما ذكرنا من قضاء ديونه واقتضائها وتفريق وصيته ورد ودائعه؛ لأنه يجوز له فعل ذلك بنفسه فجاز توصيته لأنه أقامه مقام نفسه.
١ -
مسألة ٣٥: فأما الفاسق فلا تصح الوصية إليه، وعنه ما يدل على صحتها. وقال الخرقي: إذا كان الوصي خائنًا ضم إليه أمين لأنه عاقل بالغ فصحت الوصية إليه كالعدل، ولأنه من أهل التصرف وله نظر وتصح استنابته في حال الحياة فكذلك بعد الموت، ويمكن
стр. 318
(٣٧) ومتى أوصى إليه بولاية أطفاله أو مجانينه ثبتت ولايته عليهم، ونفذ تصرفه لهم بما لهم فيه الحظ: من البيع والشراء، وقبول ما يوهب لهم، والإنفاق عليهم وعلى من تلزمهم مؤنته بالمعروف، والتجارة لهم، ودفع أموالهم مضاربة بجزء من الربح
(٣٨) وإن اتجر لهم بنفسه فليس له من الربح شيء
(٣٩) وله أن يأكل من مالهم عند الحاجة بقدر
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
تحصيل نظره مع حفظ المال بأمين. ووجه الأولى أنه لا يجوز إفراده بالوصية فلا تجوز الوصية إليه كالمجنون.
١ -
مسألة ٣٦: أما النظر لورثته في أموالهم فإن كان ذا ولاية عليهم كأولاده الصغار فله أن يوصي إلى من ينظر لهم في أموالهم بحفظها والتصرف لهم فيها، وإن لم يكن ذا ولاية عليهم كالعقلاء الراشدين أو ممن لا ولاية له كالأخ والعم وسائر من عدا الأب لم تصح وصيته بذلك عليهم، ولا نظر له في أموالهم في الحياة فكذلك لا نظر لنائبه بعد الممات، وهذا لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم.
مسألة ٣٧: (ومتى أوصى إليه بولاية أطفاله أو مجانينه ثبتت له ولايتهم وينفذ تصرفه لهم بما لهم فيه الحظ: من البيع والشراء، وقبول ما يوهب لهم، والإنفاق عليهم وعلى من تلزمهم مؤنته بالمعروف، والتجارة لهم، ودفع أموالهم مضاربة بجزء من الربح) لأنه إنما يتصرف لمصلحتهم وهذا من مصلحتهم، ولأن العقلاء البالغين يفعلون ذلك لأنفسهم فكذلك هذا لهؤلاء.
مسألة ٣٨: (إن اتجر لهم بنفسه فليس له من الربح شيء) وذلك أنه يستحب لمن ولي يتيمًا أن يتجر بماله، لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: «من ولي يتيمًا فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة» (رواه الترمذي) ، وروي ذلك عن عمر وهو أصح من المرفوع، ولأن ذلك أحفظ لليتيم لتكون نفقته من فاضله كما يفعل البالغون في أموالهم. وإذا اتجر لهم فالربح كله لليتيم، لأن الولي وكيل اليتيم بالشرع وتصرف الوكيل نفع للموكل، ولا يستحق الوكيل من الربح شيئًا إلا أن يجعل له.
مسألة ٣٩: (وله أن يأكل من مالهم عند حاجته بقدر عمله، ولا غرم عليه، ولا يأكل
стр. 319
عمله ولا غرم عليه، ولا يأكل إذا كان غنيا لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]
(٤٠) وليس له أن يوصي بما أوصى إليه به
(٤١) ولا أن يبيع ويشتري من مالهم لنفسه، ويجوز ذلك للأب
(٤٢) فلا يلي الصبي والمجنون إلا الأب أو وصيه أو الحاكم
فصل ولوليهم أن يأذن للمميز من الصبيان بالتصرف ليختبر رشده، والرشد هنا الصلاح في المال، فمن آنس رشده دفع إليه ماله إذا بلغ وأشهد عليه ذكرا كان أو أنثى
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
إذا كان غنيًا لقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] فله أقل الأمرين من أجرته أو قدر كفايته، لأنه يستحقه بالعمل والحاجة جميعًا فلم يجز أن يأخذ إلا ما وجد فيه كلاهما، فإذا أكل منه ذلك القدر ثم أيسر فإن كان أبًا لم يلزمه عوضه رواية واحدة، وإن كان غير الأب فهل يلزمه؟ على روايتين: إحداهما: يلزمه لأنه استباحه بالحاجة من مال غيره فلزمه قضاؤه كمن اضطر إلى طعام غيره، والأخرى: لا يقضي لأن الله سبحانه أمر بالأكل ولم يذكر عوضًا، ولأنه عوض جعل له عن عمله فلم يلزمه بدله كالأجير والمضارب.
مسألة ٤٠: (وليس له أن يوصي بما أوصى إليه به) لأنه تصرف بولاية فلم يكن له التفويض كالوكيل، ويخالف الأب لأنه يلي بغير تولية، وعنه له أن يوصي إلى غيره لأن الأب أقامه مقام نفسه فكان له الوصية كالأب.
مسألة ٤١: (وليس للوصي أن يبيع ويشتري لهم من مالهم لنفسه) ، كما لا يجوز ذلك للوكيل، ولأنه متهم في ذلك، (ويجوز ذلك للأب) لأنه غير متهم فيه.
مسألة ٤٢: (ولا يلي مال الصبي والمجنون إلا الأب أو وصيه أو الحاكم) فيلي الأب مال أولاده الصغار والمجانين لكمال شفقته عليهم وحسن نظره، ووصيه قائم مقامه، وبعدهما الحاكم لأن ولايته عامة.
[إذن الولي للصبي المميز في التصرف ليختبر رشده]
(فصل: ولوليهم أن يأذن للمميز من الصبيان في التصرف ليختبر رشده، فمن آنس رشده دفع إليه ماله إذا بلغ وأشهد عليه، ذكرًا كان أو أنثى) لقوله سبحانه:
стр. 320
(٤٣) فإن عاود السفه أعيد عليه الحجر
(٤٤) ولا ينظر في ماله إلا الحاكم
(٤٥) ولا ينفك عنه الحجر إلا بحكمه
(٤٦) ولا يقبل إقراره في المال
(٤٧) ويقبل في الحدود والقصاص والطلاق
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] فاشترط إيناس الرشد والبلوغ، فلا يجوز الدفع إليهم بدونهما، ولم يفرق بين الذكر والأنثى.
مسألة ٤٣: (فإن عاود السفه أعيد عليه الحجر) لأن ذلك إجماع الصحابة ﵃، وروى عروة بن الزبير أن عبد الله بن جعفر ابتاع بيعًا فأتى الزبير فقال: قد ابتعت بيعًا، وإن عليًا يريد أن يأتي أمير المؤمنين عثمان فيسأله الحجر علي. فقال الزبير: أنا شريكك في البيع. فأتى عليّ عثمان فقال: إن ابن جعفر قد ابتاع بيعًا فاحجر عليه، فقال الزبير: أنا شريكه في البيع، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير؟ قال أحمد: لم أسمع هذا إلا من أبي يوسف. وهذه قصة يشتهر مثلها ولم يخالف ذلك أحد، فكان إجماعًا. ولأن هذا سفيه فيحجر عليه كما لو بلغ سفيهًا، فإن العلة التي اقتضت الحجر عليه سفهه وهي موجودة، ولأن التبذير لو قارن البلوغ منع دفع المال إليه، فإذا حدث أوجب انتزاع المال منه كالمجنون.
مسألة ٤٤: (ولا ينظر في ماله إلا الحاكم) لأن الحجر يفتقر إلى حكم حاكم وزواله يفتقر إلى ذلك، فكذلك النظر في ماله.
مسألة ٤٥: (ولا ينفك عنه الحجر إلا بحكمه) لأنه حجر بحكمه فلا ينفك إلا به، ولأنه يحتاج إلى تأمل في معرفة رشده، وزواله بتدبيره، وفارق الصبي والمجنون، فإن الحجر عليهما بغير حكم حاكم فيزول بغير حكمه.
مسألة ٤٦: (ولا يقبل إقراره في المال) لأن المقصود من الحجر عليه منعه من التصرف في المال ليحفظ عليه ماله، ولو قبلنا إقراره في المال لزال المقصود الذي جعل الحجر من أجله، ولأنه محجور عليه لحفظه ولا يقبل إقراره بالمال كالصبي، فإذا فك الحجر عنه لزمه إقراره لا يكلف أمرًا بما لا يلزمه في الحال، فلزم بعد فك الحجر عنه، كالعبد يقر بدين والراهن يقر على الرهن بجناية ونحوها.
مسألة ٤٧: (ويقبل إقراره في الحدود والقصاص والطلاق) قال ابن المنذر: أجمع
следующие страницы →