Полный текст (682 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
(٥) وإن كان بينهما ولد فنفاه انتفى عنه - سواء كان حملًا أو مولودًا -
ما لم يكن أقر به (٦) أو وجد منه ما يدل على الإقرار، لما روى ابن عمر «أن رجلا لاعن امرأته وانتفى من ولدها ففرق رسول الله ﷺ بينهما وألحق الولد بالأم»
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها، فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم شهدت مثله، وقيل لها مثله، ففرق رسول الله ﷺ بينهما» .
مسألة ٥: (وإن كان بينهما ولد فنفاه انتفى عنه) لما روى ابن عمر «أن رجلًا لاعن امرأته فانتفى من ولدها ففرق رسول الله ﷺ بينهما وألحق الولد بالأم» (رواه أبو داود) (وسواء كان حملًا أو مولودًا) وقال أبو بكر: ينتفي عنه الولد بزوال الفراش وإن لم يذكره في لعانه، وكذلك حملها ينتفي وإن لم يذكره، واشترط الخرقي في نفي الولد أن ينفيه في اللعان فإن لم يذكره أفاد اللعان لأنه لم ينتف باللعان الأول، وهو اختيار القاضي، لأن من سقط حقه باللعان كان ذكره فيه شرطًا كالزوجة، واشترط الخرقي أيضًا في الحمل أن لا ينتفي حتى ينفيه وضعها له ويلاعن وينفي الولد في اللعان، لأن الحمل غير مستيقن لجواز أن يكون ريحًا فيصير نفيه مشروطًا بوجوده. ولا يصح تعليق اللعان بشرط نفي الولد، ودليل الأول «أن هلال بن أمية لاعن زوجته وهي حامل فلم ينقل عنه تعرض للحمل بنفي ولا غيره، فنفاه عنه النبي ﷺ » . قال ابن عبد البر: الآثار الدالة على هذا كثيرة، وأوردها، ولأن الحمل مظنون بأمارات ظاهرة تدل عليه، ولهذا ثبت للحامل أحكام تخالف فيما للحامل من النفقة والفطر في الصيام وغير ذلك، ويصح استلحاق الحمل فكان كالولد بعد وضعه، وهذا أقرب إلى الصواب لموافقته الأحاديث، فإن هلالًا لاعن امرأته وهي حامل، ولهذا قال النبي ﷺ : " «انظروها فإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال، وإن جاءت به كذا وكذا فهو الذي رميت به» (رواه أبو داود) ولم يعد لعانها عند وضعه إذ يبعد أن يكون أعاد لعانها فلم ينقل.
مسألة ٦: (فإن أقر بالولد أو وجد منه ما يدل على الإقرار به لم يكن له نفيه بعد ذلك) لأنه أقر لولده بحق فلم يكن له جحده كما لو بانت منه، وإن أقر بتوأمه كان إقرارًا بالآخر إذ لا يمكن أن يعلم الذي له منها، فإذا نفى الآخر كان رجوعًا عن إقراره فلا يقبل،
стр. 457
فصل: ومن ولدت امرأته أو أمته التي أقر بوطئها ولدًا يمكن كونه منه لحقه نسبه، لقول رسول الله ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر»
(٧) ولا ينتفي ولد المرأة إلا باللعان ولا ولد الأمة إلا بدعوى عدم استبرائها
(٨) وإن لم يمكن كونه منه مثل أن تلد أمته لأقل من ستة أشهر منذ وطئها، أو امرأته لأقل من ذلك منذ أمكن اجتماعهما، ولو كان الزوج ممن لا يولد لمثله - كمن له دون عشر سنين، أو الخصي المجبوب - لم يلحقه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
وإن هنئ به فسكت كان إقرارًا به، وكذا إن هنئ به فأمن على الدعاء أو قال: رزقك الله مثله لزمه الولد، لأن ذلك جواب الراضي في العادة.
[فصل فيما إذا ولدت امرأته أو أمته التي أقر بوطئها]
(فصل: ومن ولدت امرأته أو أمته التي أقر بوطئها ولدًا يمكن كونه منه) بأن تأتي به لأكثر من ستة أشهر من حين وطئها (لحقه نسبه، لقول النبي ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» متفق عليه.
مسألة ٧: (ولا ينتفي ولد المرأة إلا باللعان) لما سبق (ولا ولد الأمة إلا بدعوى عدم استبرائها) فلو أراد نفيه باللعان لم يجز لأن اللعان لا يكون إلا بين زوجين، ولا ينتفي عنه ولدها إلا أن يدعي استبراءها بعد وطئه، فإن ادعى ذلك فالقول قوله وينتفي ولدها عنه؛ لأن الولد لا يلحق إلا بعد الاستبراء كما لا يلحق ولد الزوجة بالزوج بعد قضاء عدتها، ويقوم ذلك مقام اللعان في نفي الولد، وهل يحلف؟ على وجهين: أحدهما: لا يحلف لأنه أمر لا يقضى فيه بالنكول، والثاني: يحلف لاحتمال أن يكون كاذبًا في دعواه فيستحلف كما في غيره من الدعاوى.
مسألة ٨: (وإن لم يمكن كونه منه مثل أن تلد أمته لأقل من ستة أشهر منذ وطئها أو امرأته لأقل من ذلك منذ أمكن اجتماعهما) أو لأكثر من أربع سنين منذ أبانها لم يلحق بالزوج لأننا علمنا أنها علقت به قبل النكاح ولا يحتاج إلى نفيه باللعان لأن اللعان يمين واليمين جعلت لتحقيق أحد الجائزين أو نفي أحد المحتملين، وما لا يجوز لا يحتاج إلى نفيه (وكذلك إذا كان الزوج ممن لا يولد لمثله كمن له دون عشر سنين) إذا أتت زوجته بولد لم يلحقه نسبه لأنه لم يوجد ولد لمثله ولا يمكنه الوطء، (وإن ولدت زوجة
стр. 458
فصل: وإذا وطئ رجلان امرأة في طهر واحد بشبهة أو وطئ رجلان شريكان أمتهما في طهر واحد فأتت بولد، أو ادعى نسب مجهول النسب رجلان أري القافة معهما أو مع أقاربهما فألحق بمن ألحقوه منهما، فإن ألحقوه بهما لحق بهما
(٩) وإن أشكل أمره أو تعارض أمر القافة أو لم يوجد قافة ترك حتى يبلغ فيلحق بمن انتسب إليه منهما
(١٠) ولا يقبل قول القائف إلا أن يكون عدلًا مجربًا في الإصابة
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
المجبوب المقطوع الذكر والخصيتين لم يلحق به) ولا يحتاج إلى نفيه باللعان لأنه يستحيل أن ينزل مع قطعهما فلا يكون الولد منه فلا يحتاج إلى نفيه لما سبق.
[فصل إذا وطئ رجلان امرأة في طهر واحد بشبهة]
(فصل: وإذا وطئ رجلان امرأة في طهر واحد بشبهة أو وطئ الشريكان أمتهما في طهر واحد فأتت بولد، أو ادعى نسب مجهول النسب رجلان أري القافة معهما أو مع أقاربهما بعد موتهما فألحق بمن ألحقوه به منهما، فإن ألحقوه بهما لحق بهما) لأن قول القافة معتبر في نظر الشرع، بدليل ما روي «عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها مسرورًا تبرق أسارير وجهه فقال: " ألم تري أن مجززًا المدلجي نظر آنفًا إلى زيد وأسامة وقد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض» متفق عليه. فلولا جواز الاعتماد على القافة لما سر به النبي ﷺ ولا اعتمد عليه، ولأن عمر ﵁ قضى به بحضرة الصحابة فلم ينكره أحد منهم فكان إجماعًا، ولأنه حكم بظن غالب ورأي راجح ممن هو من أهل الخبرة فجاز كقول المقومين.
مسألة ٩: (وإن أشكل أمره على القافة أو لم توجد قافة ترك حتى يبلغ فيلحق بمن انتسب إليه منهما) لأن ذلك يروى عن عمر، ولأن الإنسان يميل طبعه إلى قريبه دون غيره، قال القاضي: وقد أومأ أحمد إلى هذا في رجلين وقعا على امرأة في طهرها، خير الابن أيهما اختار، وقال أبو بكر: يضيع نسبه ولا يقبل قوله في الانتساب، لأن الطبع يميل إلى غير القرابة لإحسانه إليه وحسن أخلاقه وكثرة يساره.
مسألة ١٠: (ولا يقبل قول القائف إلا أن يكون عدلًا) حرًا ذكرًا (مجربًا في الإصابة) لأن قوله حكم والحكم تعتبر له هذه الشروط.
стр. 459
باب الحضانة أحق الناس بالطفل أمه
(١١) ثم أمهاتها وإن علون ثم الأب ثم أمهاته ثم الجد ثم أمهاته
(١٢) ثم الأخت من الأبوين، ثم الأخت من الأب، ثم الأخت من الأم
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[باب الحضانة]
(وأحق الناس بحضانة الطفل أمه) إذا افترق الزوجان وبينهما ولد فأمه أحق بحضانته إذا كملت الشرائط فيها، لا نعلم فيه خلافًا، لقوله ﷺ : " «أنت أحق به ما لم تنكحي» (رواه أبو داود) ، ولأنها أقرب إليه وأشفق عليه، ولا يشاركها في ذلك إلا أبوه، وليس له مثل شفقتها، وإنما يتولى الحضانة النساء دون الرجال، روي أن أبا بكر الصديق ﵁ حكم على عمر بن الخطاب وقضى بعاصم لأمه أم عاصم وقال: حجرها وريحها ومسها خير له منك حتى يشب فيختار، رواه سعيد وقال: ريحها وشمها ولفظها خير له منك.
مسألة ١١: (ثم أمهاتها وإن علون) الأقرب فالأقرب، لأنهن نساء ولادتهن متحققة فهن في معنى الأم، وعنه رواية أخرى أن أم الأب تقدم على أم الأم لأنها تدلي بعصبة، فعلى هذه الرواية يكون الأب أولى بالتقديم لأنهن يدلين به فيكون الأب بعد الأم ثم أمهاته، والأولى هي المشهورة وأن المقدم الأم ثم أمهاتها وإن علون (ثم الأب ثم أمهاته ثم الجد ثم أمهاته) ثم جد الأب ثم أمهاته، وإن لم يكنَّ وارثات لأنهن يدلين بعصبة من أهل الحضانة بخلاف أم أبي الأم فإنها لا حق لها لأنها تدلي بمن ليس له حق منهما.
مسألة ١٢: (ثم الأخت من الأبوين) لأنها أقرب (ثم الأخت من الأب) لأنها تليها في الميراث (ثم التي من الأم) فلو اجتمعت مع أخيها قدمت على الأخ في الحضانة لأنها امرأة من أهل الحضانة فقدمت على من في درجتها من الرجال كتقدم الأم على الأب، لأنها تلي الحضانة بنفسها، والرجل لا يليها بنفسه.
стр. 460
(١٣) ثم الخالة، ثم العمة
(١٤) ثم الأقرب فالأقرب من النساء، ثم عصباته الأقرب فالأقرب
(١٥) ولا حضانة لرقيق ولا فاسق
(١٦) ولا امرأة مزوجة لأجنبي من الطفل
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ١٣: فإذا انقرض الأخوات (فبعدهن الخالات) لأنهن أخوات الأم، فتقدم الخالة من الأبوين ثم الخالة من الأب ثم من الأم كالأخوات، ويقدمن على الأخوال لأنهن نساء من أهل الحضانة كما تقدم الأخت على أخيها، (ثم) بعد الخالات (العمات) لأنهن أخوات الأب فتقدم التي من الأبوين على التي من الأب ثم التي من الأم كما قلنا في الخالات، ويقدمن على الأعمام لأنهن نساء من أهل الحضانة كما قلنا في تقديم الخالات على الأخوال. وعلى الرواية التي تقول بتقديم أم الأب على أم الأم ينبغي أن تقدم العمات على الخالات لأنهن يدلين بالأب وهو عصبة فهن أولى من الخالات.
مسألة ١٤: (ثم الأقرب فالأقرب من النساء) إذا انقرض العمات انتقلت الحضانة إلى خالات الأم لأنهن أخوات أمها، وعلى الرواية الأخرى تنتقل إلى خالات الأب لأنهن أخوات أم الأب فيقدمن لأنهن نساء من أهل الحضانة ولأنهن يدلين بعصبة وهو الأب، فإذا انقرض النساء فالحضانة للعصبات من الرجال وأولاهم الأب ثم الجد أبو الأب وإن علا ثم الأخ للأبوين ثم الأخ للأب ثم بنوهم وإن سفلوا ثم العم للأبوين ثم العم للأب على حسب تقديمهم في الميراث.
مسألة ١٥: (ولا حضانة لرقيق) لعجزه عنها بخدمة سيده، (ولا لفاسق) لأنه لا يوفي الحضانة حقها، ولا حظ للولد في حضانته لأنه ينشأ على طريقته.
مسألة ١٦: (ولا حضانة لامرأة مزوجة لأجنبي من الطفل) لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص «أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني، فقال رسول الله ﷺ : " أنت أحق به ما لم تنكحي» رواه أبو داود. ولأنها تشتغل بالاستمتاع عن الحضانة، فإذا زوجت المرأة بمن هو من أهل الحضانة كالجدة المزوجة بالجد لم تسقط حضانتها لأن كل واحد منهما له الحضانة منفردًا فمع اجتماعهما أولى، ولأن النبي ﷺ جعل بنت حمزة عند خالتها لما كانت مزوجة بجعفر ابن عمتها إذ كانت من أهل الحضانة لكونه عصبة.
стр. 461
(١٧) فإن زالت الموانع منهم عاد حقهم من الحضانة
(١٨) وإذا بلغ الغلام سبع سنين خير بين أبويه فكان عند من اختار منهما
(١٩) وإذا بلغت الجارية سبعًا فأبوها أحق بها
(٢٠) وعلى الأب أن يسترضع لولده إلا أن تشاء الأم أن ترضعه بأجر مثلها فتكون أحق به
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ١٧: (فإذا زالت الموانع منهم) مثل إن طلقت المزوجة أو عتق الرقيق أو أسلم الكافر أو عدل الفاسق (عاد حقهم من الحضانة) لأنه زال المانع فثبت الحكم بالسبب الخالي من المانع.
مسألة ١٨: (وإذا بلغ الغلام سبع سنين خير بين أبويه فكان عند من اختار منهما) لما روى أبو هريرة «أن رسول الله ﷺ خير غلامًا بين أبيه وأمه» رواه سعيد، وروى أبو داود عن أبي هريرة قال: «جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عتبة وقد نفعني، فقال له النبي ﷺ : هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه فانطلقت به» "، ولأنه إجماع الصحابة، وروي عن عمر أنه خير غلامًا بين أبيه وأمه، رواه سعيد، وعن عمارة الحرمي قال: خيرني عليّ بين أمي وأبي وكنت ابن سبع سنين أو ثمان، وروي نحو ذلك عن أبي هريرة، وهذه قصص في مظنة الشهرة ولم تنكر فكانت إجماعًا.
مسألة ١٩: (وإذا بلغت الجارية سبعًا فأبوها أحق بها) لأن الغرض بالحضانة الحفظ للجارية في الكون عند أبيها، لأنها تحتاج إلى الحفظ والأب أولى بذلك فإن الأم تحتاج إلى من يحفظها ويصونها، ولأن الجارية إذا بلغت السبع فقد قاربت الصلاح للتزويج، وقد تزوج النبي ﷺ عائشة وهي بنت سبع (متفق عليه) ، وإنما تخطب الجارية من أبيها لأنه المالك لتزويجها وهو أعلم بالكفاءة وأقدر على البحث فيقدم على غيره كما يقدم في العقد.
مسألة ٢٠: (وعلى الأب أن يسترضع لولده) لأن نفقته عليه واجبة فكذلك إرضاعه (إلا أن تشاء الأم أن ترضعه بأجر مثلها فتكون أحق به من غيرها سواء كانت في حبال
стр. 462
من غيرها سواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة
(٢١) فإن لم يكن له أب ولا مال فعلى ورثته أجر رضاعه على قدر ميراثهم منه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الزوج أو مطلقة) لأنها أقرب إليه وأشفق عليه ولا نعلم في ذلك خلافًا، وقد قال سبحانه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فقدمهن على غيرهن، وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] .
مسألة ٢١: (فإن لم يكن للصبي أب ولا مال فعلى ورثته أجرة رضاعه على قدر ميراثهم منه) لأن الله سبحانه قال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] إلى قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فأوجب على الوارث أجرة الرضاع.
وتكون واجبة عليهم على قدر ميراثهم منه لأن الله سبحانه رتب النفقة على الإرث بقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فيجب أن تترتب في المقدار عليه.
فإذا كان للصبي أم وجد فعلى الأم الثلث والباقي على الجد، وإن كان له جد وأخ فعلى الجد السدس والباقي على الأخ، كالنفقة سواء، ولو كان له أب كان الجميع عليه لقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فجعل أجرة الرضاع عليه دونها، وقال لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» .
стр. 463
باب نفقة الأقارب والمماليك وعلى الإنسان نفقة والديه وإن علوا
(٢٢) وأولاده وإن سفلوا
(٢٣) ومن يرثه بفرض أو تعصيب
(٢٤) وإذا كانوا فقراء وله مال ينفق عليهم
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[باب نفقة الأقارب والمماليك]
(وعلى الإنسان نفقة والديه وإن علوا) لقوله سبحانه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣] ومن الإحسان الإنفاق عليهما. وقال ﷺ : " «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» رواه أبو داود.
مسألة ٢٢: (وتجب نفقة الأولاد) بقول النبي ﷺ لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» وتجب نفقة الأجداد وأولاد الأولاد لأنهم آباء وأولاد، وقال سبحانه: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] وقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] .
مسألة ٢٣: (وتجب نفقة من يرثه بفرض أو تعصيب) سواء ورثه الآخر أو لا كعمته وعتيقه سوى الزوج، لقول الله سبحانه: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] إلى قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فأوجب على الوارث أجرة رضاع الصبي فيجب أن تلزمه نفقته، وروى أبو داود «أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : من أبر؟ قال: أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذلك حقًا واجبًا ورحمًا موصولًا» " وقضى عمر على بني عم منفوس بنفقته، ولأنها قرابة تقتضي التوريث فتوجب الإنفاق كقرابة الولد.
مسألة ٢٤: ويشترط لوجوب الإنفاق على القريب ثلاثة شروط: أحدها: (فقر من تجب نفقته) فإن كان غنيًا بمال أو كسب لم تجب لأنها وجبت على سبيل المواساة فلا
стр. 464
(٢٥) وإن كان للفقير وارثان فأكثر فنفقته عليهم على قدر ميراثهم منه، إلا الابن فإن نفقته على أبيه خاصة
(٢٦) وعلى ملاك المملوكين الإنفاق عليهم وما يحتاجون إليه من مؤنة وكسوة
(٢٧) فإن لم يفعلوا أجبروا على بيعهم إذا طلبوا ذلك
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
تستحق مع الغنى كالزكاة. والثاني: أن يكون (للمنفق مال ينفق عليهم) فاضلًا عن نفقة نفسه وزوجته، لما روى جابر أن النبي ﷺ قال: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» قال الترمذي: حديث صحيح، ولأنها مواساة فيجب أن تكون في الفاضل عن الحاجة الأصلية. الثالث: أن يكون المنفق عليه وارثًا، فأما من لا يرث كذوي الأرحام فقال القاضي: لا تجب نفقتهم، رواية واحدة، إذا كانوا من غير عمودي النسب، وأما إن كانوا من عمودي النسب فلهم النفقة لوجود الإيلاد والمحرمية. وقال أبو الخطاب: يخرج في وجوبها عليهم روايتان: إحداهما تجب لأنهم أقارب أشبهوا الوارث، والثانية: لا نفقة لهم لأنهم لا يرثون أشبهوا الأجانب.
مسألة ٢٥: (فإن كان للفقير وارثان فأكثر فنفقته عليهم على قدر ميراثهم منه، إلا من له أب فإن نفقته على أبيه خاصة) كما قلنا في أجرة الرضاع وقد سبق.
مسألة ٢٦: (وعلى ملاك المملوكين الإنفاق عليهم وما يحتاجون إليه من مؤنة وكسوة) بالمعروف، لما روى أبو ذر عن النبي ﷺ أنه قال: «هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان له أخوة تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه» متفق عليه. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «المملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق» رواه الشافعي، وأجمع العلماء على وجوب نفقة المملوك على سيده.
مسألة ٢٧: (فإن لم يفعلوا أجبروا على بيعهم إذا طلبوا ذلك) لأن بقاء ملكه عليه مع الإخلال بالواجب عليه من نفقة وكسوة بالمعروف إضرار به. وإزالة الضرر واجبة، ولذلك أبحنا للمرأة فسخ النكاح عند عجز زوجها عن الإنفاق عليها.
стр. 465
باب الوليمة وهي دعوة العرس، وهي مستحبة «لقول رسول الله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف حين أخبره أنه تزوج: " بارك الله لك، أولم ولو بشاة»
(٢٨) والإجابة إليها واجبة لقول رسول الله ﷺ : «ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله»
(٢٩) ومن لم يحب أن يطعم دعا
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[باب الوليمة]
(وهي اسم لدعوة العرس) حكاه ثعلب وغيره من أهل اللغة، والعذيرة دعوة الختان، والخرسة دعوة الولادة، والوكيرة دعوة البناء، والنقيعة لقدوم الغائب، والعقيقة للمولود، والحذاق الطعام عند حذق الصبي، والمأدبة اسم لكل دعوة. (ودعوة العرس مستحبة لقول النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج: «أولم ولو بشاة» ولأنها طعام سرور أشبه سائر الأطعمة.
ولا خلاف بين أهل العلم أنها سنة مشروعة والأصل فيها أن النبي ﷺ فعلها وأمر بها عبد الرحمن، «وقال أنس: ما أولم رسول الله ﷺ على امرأة من نسائه ما أولم على زينب، جعل يبعثني فأدعو له الناس وأطعمهم خبزًا ولحمًا حتى شبعوا، وأولم على صفية بنت حيي حيسًا في نطع صغير» ، متفق عليه.
مسألة ٢٨: (والإجابة إليها واجبة) إذا عينه الداعي المسلم في اليوم الأول، قال ابن عبد البر: لا خلاف في وجوب إتيان الوليمة لمن دعي إليها إذا لم يكن فيها لهو، وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «إذا دعي أحدكم في وليمة فليأتها» وقال أبو هريرة: «شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله» رواهما البخاري.
مسألة ٢٩: (ومن لم يحب أن يطعم دعا وانصرف) لما روى أبو هريرة قال: قال
стр. 466
وانصرف
(٣٠) والنثار والتقاطه مباح مع الكراهة
(٣١) وإن قسم على الحاضرين كان أولى
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
رسول الله ﷺ : «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليدع وإن كان مفطرًا فليطعم» رواه أبو داود.
مسألة ٣٠: (والنثار والتقاطه مباح) في إحدى الروايتين لما روى عبد الله بن قرط «أن النبي ﷺ نحر خمس بدنات وقال: من شاء اقتطع» رواه الإمام أحمد وأبو داود، وهذا جار مجرى النثار، ولأنه نوع إباحة فأشبه إباحة الطعام للضيفان، (وهو مكروه) لما روي " «أن النبي ﷺ نهى عن النهبى والمثلة» رواه البخاري والإمام أحمد في المسند، ولأن فيه تزاحمًا وقتالًا وربما أخذه من يكره صاحبه لقوته وشدة نفسه، وحرمه من يحب صاحب النثار صيانة لنفسه ومروءته عن مزاحمة السفلة، فكره لما فيه من الدناءة. فأما خبر البدنات فيحتمل أن النبي ﷺ علم أنه لا نهبة في ذلك لكثرة اللحم وقلة الآخذين، أو فعله لاشتغاله بالمناسك، وهو مباح في الجملة غير محرم، ومن أخذ منه شيئًا ملكه لأنه نوع إباحة أشبه ما يأكله الضيفان، وإنما الكلام في الكراهية.
مسألة ٣١: (وإن قسم على الحاضرين كان أولى) ولا خلاف في أن ذلك حسن غير مكروه، وقد روى البخاري عن أبي هريرة قال: «قسم النبي ﷺ يومًا بين أصحابه تمرًا فأعطى كل إنسان سبع تمرات فأعطاني سبع تمرات إحداهن حشفة، فلم يكن فيهن تمرة أعجب إلي منها، شدت في مضاغي» ". قال المروذي: وسألت أبا عبد الله عن الجوز نفير فكرهه وقال: يعطون من يقسم عليهم. وفرق أبو عبد الله على الصبيان الجوز لكل واحد خمسًا خمسًا لما حذق ابنه حسن. والله أعلم.
стр. 467
كتاب الأطعمة وهي نوعان: حيوان وغيره، فأما غير الحيوان فكله مباح، إلا ما كان نجسا أو مضرا كالسموم
(١) والأشربة كلها مباحة إلا ما أسكر فإنه يحرم قليله وكثيره من أي شيء كان لقول رسول الله ﷺ : «كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام»
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[كتاب الأطعمة]
(وهي نوعان: حيوان وغيره، فأما غير الحيوان فكله مباح) لأن الأصل في الأشياء الإباحة بقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] (إلا ما كان نجسًا) فإنه حرام الأكل بدليل قول النبي ﷺ في الحمر الأهلية: " «اكفئوها فإنها رجس» (رواه البخاري) وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: ٩٠] والرجس اسم لما استقذر، والنجس مستقذر، وقد أمر في أثناء الآية باجتنابه بقوله ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فدل على تحريمه (والمضر حرام أيضًا لضرره كالسموم) ونحوها.
مسألة ١: (والأشربة كلها مباحة) لأن الأصل الإباحة (إلا ما أسكر فإنه يحرم) قليله وكثيره من أي شيء كان لقوله ﷺ : «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» رواه ابن عمر، وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أسكر كثيره فقليله حرام» رواهما أبو
стр. 468
(٢) وإن تخللت الخمرة طهرت وحلت، وإن خللت لم تطهر
فصل: والحيوان قسمان: بحري وبري، فأما البحري فكله حلال إلا الحية والضفدع والتمساح
(٣) وأما البري فيحرم منه كل ذي ناب من السباع
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
داود والأثرم وغيرهما، وقال عمر: نزل تحريم الخمر وهي من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، ولأنه مسكر فأشبه عصير العنب.
مسألة ٢: (وإن تخللت الخمر طهرت وحلت) وهذا إجماع (وإن خللت لم تطهر) لما «روى أبو طلحة قال: " لما نزل تحريم الخمر كان عندي خمر لأيتام، فقلت: يا رسول الله أخللها؟ قال: لا، أرقها " فأمر بإراقتها» ، ولو كان يحل تخليلها لما أمر بإراقتها، لأنه يكون إتلاف مال، وتضيع على الأيتام، وذلك لا يجوز.
[فصل في أقسام الحيوان]
(فصل: والحيوان قسمان: بحري وبري، فأما البحري فكله حلال) لقول النبي ﷺ في البحر: " «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (رواه أبو داود) وهذا عام (إلا الحية والضفدع) لأنهما من الخبائث، وقد نهى النبي ﷺ عن قتل الضفدع (إلا التمساح) لأنه يأكل الناس وله ناب يجرح.
مسألة ٣: (وأما البري فيحرم منه كل ذي ناب من السباع) وهي التي تضرب بأنيابها الشيء وتفرس، وهو مذهب أكثر أهل العلم، لما روى أبو ثعلبة الخشني قال: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع» متفق عليه، وقال أبو هريرة ﵁: إن رسول الله ﷺ قال: «أكل كل ذي ناب من السباع حرام» (رواه مسلم) ، قال ابن عبد البر: هذا حديث ثابت صحيح مجمع على صحته، وهذا نص صريح.
стр. 469
(٤) وكل ذي مخلب من الطير كالنسور والرخم وغراب البين الأبقع
(٥) والحمر الأهلية
(٦) والبغال
(٧) وما يأكل الجيف من الطير
(٨) وما يستخبث من الحشرات
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٤: (ويحرم كل ذي مخلب من الطير) وهي التي تعلف بمخالبها الشيء وتصيد بها، لما روى ابن عباس قال: «نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير» ، وعن خالد بن الوليد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حرام عليكم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير» رواهما أبو داود.
مسألة ٥: (وتحرم الحمر الأهلية) لما روى جابر " أن «النبي ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل» متفق عليه.
مسألة ٦: (والبغال محرمة) لأنها متولدة منها، والمتولد من شيء له حكمه في التحريم، قال قتادة: ما البغل إلا شيء من الحمار. وعن جابر قال: «ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمر ولم ينهنا عن الخيل» (رواه أبو داود) .
مسألة ٧: (وما يأكل الجيف من الطير كالنسور والرخم وغراب البين الأبقع) قال عروة: ومن يأكل الغراب وقد سماه رسول الله ﷺ الفاسق؟ ولعله يعني قول رسول الله ﷺ : " «خمس فواسق، يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور» (رواه البخاري) فهي محرمة لأن رسول الله ﷺ سماها فواسق وأمر بقتلها، وما يحل أكله لم يحل قتله بل يذبح.
مسألة ٨: (ويحرم كل ما يستخبث من الحشرات) كالديدان والجعلان وبنات وردان والخنافس والفأر والأوزاغ والحرباء والعظاء والجراذين والعقارب والحيات لقوله سبحانه:
стр. 470
كالفأر ونحوها
(٩) إلا اليربوع
(١٠) والضب لأنه أكل على مائدة رسول الله ﷺ وهو ينظر وقيل له: أحرام هو؟ قال: " لا " وما عدا هذا مباح
(١١) ويباح أكل الخيل
(١٢) والضبع لأن النبي ﷺ أذن في لحوم الخيل وسمى الضبع صيدا
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وهذه من الخبائث، وقال ﷺ : «خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب والفأرة والعقرب والحدأة والكلب العقور» وفي حديث مكان الفأرة الحية، ولو كانت من الصيد المباح لما أبيح قتلها للمحرم؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] ، وقال سبحانه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] وكذلك القنفذ لما روى أبو داود أن أبا هريرة قال: «ذكر القنفذ لرسول الله ﷺ فقال: " هو خبيثة من الخبائث» ".
مسألة ٩: (إلا اليربوع) يعني أنه مباح؛ لأن عمر ﵁ حكم فيه بجفرة ولأن الأصل الإباحة ما لم يرد تحريم، وعنه أنه حرام لأنه يشبه الفأر.
مسألة ١٠: (والضب حلال) لما «روى ابن عباس قال: " دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة فأُتي بضب محنوذ فقيل: هو ضب يا رسول الله، فرفع يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه. قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر» متفق عليه. «وقال عمر: " إن رسول الله ﷺ لم يحرم الضب ولكنه قذره، ولو كان عندي لأكلته» .
مسألة ١١: (ويباح أكل الخيل) لحديث جابر، وقد تقدم.
مسألة ١٢: (ويباح الضبع) لما «روى جابر قال: " أمرنا رسول الله ﷺ بأكل الضبع. قلت: صيد هي؟ قال: نعم» واحتج به الإمام أحمد، وفي لفظ قال: " «سألت رسول الله ﷺ عن الضبع فقال: هو صيد، ويجعل فيه كبشًا إذا صاده المحرم» رواه أبو داود.
стр. 471
باب الذكاة يباح كل ما في البحر بغير ذكاة، «لقول رسول الله ﷺ في البحر: " الحل ميتته»
(١٣) إلا ما يعيش في البر فلا يحل حتى يذكى، إلا السرطان ونحوه
(١٤) ولا يباح من البري شيء بغير ذكاة
(١٥) إلا الجراد وشبهه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[باب الذكاة]
(يباح كل ما في البحر بغير ذكاة، لقول رسول الله ﷺ في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» .
مسألة ١٣: (إلا ما يعيش في البر) من دواب البحر (فلا يباح حتى يذكى) كالطيور والسلحفاة وكلب الماء، قال أحمد: كلب الماء نذبحه، ولا أرى بأسًا بالسلحفاة إذا ذبحت. وقال: السرطان لا بأس به. فقيل له: يذبح؟ قال: لا، وروي عن النبي ﷺ قال: «كل شيء في البحر مذبوح» وروي عن النبي ﷺ قال: «إن الله ذبح كل شيء في البحر لابن آدم» وروي نحو ذلك عن أبي بكر. وقد صح أن أبا عبيدة وأصحابه وجدوا على ساحل البحر دابة يقال لها العنبر ميتة فأكلوا منها شهرًا وادهنوا حتى سمنوا، ولا يذكى السرطان لأنه ليس له نفس سائلة.
مسألة ١٤: (ولا يباح من البري شيء بغير ذكاة) لقوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] إلى قوله: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فيدل ذلك على اشتراط الذكاة في الحل، ولأن غير المذكى يسمى ميتة، والميتة حرام، ولما أباح النبي ميتة البحر دل على تحريم غيرها وأن الذكاة شرط فيها.
مسألة ١٥: (إلا الجراد وشبهه) فإنه يباح أكله بإجماع أهل العلم، وقد قال عبد الله بن أبي أوفى: «غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد» (رواه البخاري) وقد
стр. 472
(١٦) والذكاة تنقسم ثلاثة أقسام: نحر وذبح وعقر، ويستحب نحر الإبل وذبح ما سواها
(١٧) فإن نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر فجائز
(١٨) ويشترط للذكاة كلها ثلاثة شروط: أحدها: أهلية المذكي وهو أن يكون عاقلًا قادرًا على الذبح مسلمًا أو كتابيًا، فأما الطفل والمجنون والسكران والكافر الذي ليس بكتابي فلا تحل ذبيحته الثاني: أن يذكر اسم الله تعالى عند الذبح وإرسال الآلة في الصيد إن كان ناطقا، وإن كان أخرس أشار إلى
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
قال ﷺ : " «أحلت لنا ميتتان ودمان» (رواه ابن ماجه) فالميتتان السمك والجراد ولا فرق بين أن يموت بسبب أو غيره لأن النبي ﷺ قال: «أحلت لنا ميتتان» ولم يفصل، ولأنه لو افتقر إلى سبب لافتقر إلى ذبح وذابح وآلة كبهيمة الأنعام.
مسألة ١٦: (والذكاة تنقسم ثلاثة أقسام: نحر وذبح وعقر، ويستحب نحر الإبل وذبح ما سواها) فالنحر هو أن يضربها بحربة أو نحوها في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، وثبت " «أن النبي ﷺ نحر بدنة وضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده» متفق عليه. وأما الذبح فهو عبارة عن قطع الودجين والحلقوم والمريء وذلك معلوم في الغنم والبقر والطيور، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «الذكاة في الحلق واللبة» وروي ذلك عن عمر، رواه سعيد والأثرم وسيأتي ذلك. وأما العقر فهو في الصيد وما لا يقدر على تذكيته فيرميه بنشابة أو يطعنه برمح في أي موضع اتفق فيحل.
مسألة ١٧: (فإن ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح فجائز) لقول النبي ﷺ لعدي: " «أمر الدم بما شئت» (رواه أبو داود) وقالت أسماء: «نحرنا فرسًا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه» (رواه البخاري) ، وعن عائشة قالت: «نحر رسول الله ﷺ في حجة الوداع بقرة واحدة» (رواه أبو داود) ولأن ما كان ذكاة في حيوان كان ذكاة بحيوان آخر كسائر الحيوانات.
مسألة ١٨: (ويشترط للذكاة كلها ثلاثة شروط: أحدها: أهلية المذكي) ولها ثلاثة شروط: الأول: (أن يكون عاقلًا) يعرف الذبح ليقصده، فإن كان لا يعقل كالطفل والمجنون والسكران لم يحل ما ذبحه لأنه لا يصح منه القصد فأشبه ما لو ضرب إنسانًا بسيف فقطع عنق شاة، وكذلك لو وقعت الحديدة بنفسها على عنق شاة فذبحتها لم تحل.
والثاني: أن يكون (قادرًا على الذبح) ليتحقق منه، فلو كان صبيًا أو امرأة صح. قال
стр. 473
السماء فإن ترك التسمية على الذبيحة عامدا لم تحل
(١٩) وإن تركها ساهيا حلت
(٢٠) وإن تركها على الصيد لم يحل عمدا كان أو سهوا
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة المرأة والصبي. والثالث: الدين، فيشترط أن يكون (مسلمًا أو كتابيًا) لأن الله سبحانه أحل لنا ما ذكيناه بقوله: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وأحل طعام أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] معناه: ذبائحهم، كذا فسره العلماء، ولأن المذكاة من جملة الأطعمة. وأما غير الكتابي كالوثني فلا تحل ذبيحته ولا طعامه. الشرط (الثاني للذكاة أن يذكر اسم الله تعالى عند الذبح وعند إرسال الآلة في الصيد إن كان ناطقًا، وإن أخرس أشار إلى السماء) فتشترط التسمية في حق كل ذابح مع العمد سواء كان مسلمًا أو كتابيًا لقوله سبحانه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] فإن لم يعلم أسمَّى الكتابي أم لا فذبيحته حلال، لأن الله سبحانه أباح لنا أكل ما ذبحه الكتابي وقد علم أننا لا نقف على كل ذابح.
مسألة ١٩: (وإن ترك التسمية على الذبيحة ساهيًا حلت) لقوله ﷺ : «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وقد روي عن ابن عباس أنه قال: من نسي التسمية فلا بأس. وروى سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «ذبيحة المسلم حلال وإن له يسم إذا لم يتعمد» وقوله سبحانه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] محمول على من ترك عمدًا بدليل قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] والناسي ليس بفاسق.
مسألة ٢٠: (وإن تركها على الصيد لم يحل، عمدًا كان أو سهوًا) هذا تحقيق المذهب، ونقل حنبل عن أحمد: إن نسي التسمية على الذبيحة والكلب أكل، قال الخلال: سها حنبل في نقله، فإن في أول مسألته إذا نسي وقتل لم يأكل، ودليل الأولى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤] وقال النبي ﷺ : " «إذا أرسلت كلبك وسميت فكل. قلت: وأرسل كلبي فأجد معه كلبًا آخر؟ قال: لا تأكل، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره» متفق عليه، وفي لفظ " «إذا خالط كلابًا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل» (رواه البخاري) وفي حديث ثعلبة «ما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل» (رواه مسلم)
стр. 474
الثالث: أن يذكي بمحدد، سواء كان من حديد أو حجر أو قصب أو غيره، إلا السن والظفر، لقول رسول الله ﷺ : «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر»
(٢١) ويعتبر في الصيد أن يصيد بمحدد أو يرسل جارحا فيجرح الصيد، فإن قتل الصيد بحجر أو بندق أو شبكة، أو قتل الجارح الصيد بصدمته أو خنقه أو روعته لم يحل
(٢٢) وإن صاد بالمعراض أكل ما قتل بحده دون ما قتل بعرضه
(٢٣) وإن نصب المناجيل للصيد وسمى فعقرت الصيد أو قتلته حل
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
وقوله: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» يقتضي نفي الإثم لأنه جعل الشرط المعدوم كالموجود، بدليل ما لو نسي شروط الصلاة، والفرق بين الصيد والذبيحة أن الذبح وقع في محله فجاز أن يسامح فيه بخلاف الصيد، والأحاديث بخلاف هذا لا نعلم لها أصلًا.
الشرط (الثالث: أن يذكي بمحدد سواء كان من حديد أو حجر أو قصب أو غيره، إلا السن والظفر لقول النبي ﷺ : «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكله ما لم يكن سنًا أو ظفرًا» متفق عليه.
مسألة ٢١: (ويعتبر في الصيد أن يصيد بمحدد أو يرسل جارحًا يجرح الصيد) لأن الاصطياد قام مقام الذكاة، والجارح آلة كالسكين، وعقره الحيوان بمنزلة إفراء الأوداج. قال النبي ﷺ : " «فإن أخذ الكلب ذكاته» (رواه البخاري) والصائد بمنزلة المذكي. وكذلك السهم ينبغي أن يكون محددًا، فإن كان غير محدد كالمصطاح لم يحل، أو قتل بالمعراض فإنه يحل ما أصاب بحده ولا يحل ما أصاب بعرضه لأن هذا كله من الموقوذة (وكذا لو قتل الصيد بحجر أو بندق أو شبكة فمات فيها أو قتل الجارح الصيد بصدمته أو بخنقه أو روعته لم يحل) لأنه موقوذ.
مسألة ٢٢: (وإن صاد بالمعراض أكل ما قتل بحده، ولم يأكل ما قتل بعرضه) لذلك.
مسألة ٢٣: (وإن نصب المناجل للصيد وسمى فعقرت الصيد أو قتلته حل) لأنه قتل الصيد بحديدة على الوجه المعتاد فأشبه ما لو رماه بها، ولأنه قصد قتل الصيد بما قد
стр. 475
فصل: ويشترط في الذبح والنحر خاصة شرطان: أحدهما أن يكون في الحلق واللبة فيقطع الحلقوم والمريء وما لا تبقى الحياة مع قطعه، الثاني: أن يكون في المذبوح حياة يذهبها الذبح، فإن لم يكن فيه إلا كحياة المذبوح وما أبينت حشوته لم يحل بالذبح ولا النحر، وإن لم يكن كذلك حل لما «روى كعب قال: كانت لنا غنم ترعى بسلع فأبصرت
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
جرت العادة بالصيد به أشبه ما ذكرناه، ولأن التسبب جرى مجرى المباشرة في الضمان فكذلك في الصيد، وقال ﷺ : " «كلْ ما ردت عليك يدك» (رواه أبو داود) .
[فصل فيما يشترط في الذبح والنحر]
فصل: ويشترط في الذبح والنحر خاصة شرطان: أحدهما: أن يكون في الحلق واللبة فيقطع الحلقوم والمريء وما لا تبقى الحياة مع قطعه) فيعتبر في الذكاة قطع الحلقوم والمريء، ويكفي ذلك فيهما، وعن الإمام أحمد ﵀ رواية أخرى أنه يعتبر مع هذا قطع الودجين، لما روى أبو هريرة قال: «نهى رسول الله ﷺ عن شريطة الشيطان، وهي التي تذبح فتقطع الجلد ولا تفري الأوداج ثم يترك حتى يموت» رواه أبو داود. ودليل الأولى أنه قطع ما لا تبقى الحياة مع فقده في محل الذبح فأجزأ كما لو قطع الودجين، فأما الحديث فمحمول على من لم يقطع المريء.
فإذا ثبت هذا فالكمال أن يقطع الأربعة: الحلقوم وهو مجرى النفس، والمريء وهو مجرى الطعام والشراب، والودجين وهما عرقان محيطان بالحلقوم لأنه أعجل لخروج روح الحيوان فيخف عليه فيكون أولى.
الشرط (الثاني: أن يكون في المذبوح حياة يذهبها الذبح، فإن لم يكن فيه إلا كحياة المذبوح وما أبينت حشوته لم يحل بالذبح ولا النحر) لأن هذا قد صار في حكم الميت، ولهذا لو أبان رجل حشوة إنسان فضرب الآخر عنقه كان القاتل الأول. ولو ذبح الشاة بعد ذبح المجوسي لم تحل، (وإن لم يكن كذلك حل) بالذبح، يعني بذلك أن يدركها وفيها حياة بحيث إذا ذبحها يكون الذبح هو الذي قتلها لقوله سبحانه: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، وفي
стр. 476
جارية لنا شاة موتى فكسرت حجرا فذبحتها به، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فأمر بأكلها»
(٢٤) وأما العقر فهو القتل بجرح في غير الحلق واللبة، ويشرع في كل حيوان معجوز عنه من الصيد والأنعام، لما «روى أبو رافع أن بعيرا ند فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه فقال رسول الله ﷺ : " وإن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
حديث «جارية كعب أنها أصيبت شاة من غنمها فأدركتها فذبحتها بحجر، فسئل النبي ﷺ فقال: " كلوها» (رواه البخاري) سواء كانت قد انتهت إلى حال يعلم أنها لا تعيش معه أو تعيش لعموم الآية والخبر وكون النبي ﷺ لم يسأل ولم يستفصل، وقال الإمام أحمد في بهيمة عقرت بهيمة حتى تبين فيها آثار الموت إلا أن فيها الروح، فقال: إذا مصعت بذنبها أو طرفت بعينها وسال الدم فأرجو إن شاء الله أن لا يكون بأكلها بأس، وسئل الإمام أحمد عن شاة مريضة خافوا عليها الموت فذبحوها فلم يعلم منها أكثر من أنها طرفت بعينها أو حركت يدها أو رجلها أو ذنبها بضعف فنهر الدم، قال: فلا بأس، وقال بعض أصحابنا: إذا انتهت إلى حد لا تعيش معه لم تبح بالذكاة، ونص عليه الإمام إذا شق الذئب بطنها فخرج قصبها فذبحها لا تؤكل، وقال: إن كان يعلم أنها تموت من عقر السبع فلا تؤكل وإن ذكاها، وقد يخاف على الشاة الموت من العلة والشيء يصيبها فبادرها فذبحها فيأكلها، وليس هذا مثل هذه، ولا ندري لعلها تعيش، والتي خرجت أمعاؤها قد علم أنها لا تعيش، وقال شيخنا: والأول أصح لأن عمر ﵁ انتهى به الجرح إلى حد علم أنه لا يعيش فصحت وصاياه ووجبت عليه العبادة، ولأن ما ذكرناه فيما قبل يرد هذا، قال: وما رويناه عن الإمام أحمد فالصحيح أنها إذا كانت تعيش زمانًا يكون الموت بالذبح أسرع منه حلت بالذبح. والله أعلم.
مسألة ٢٤: (وأما العقر فهو الجرح في غير الحلق واللبة، وشرع في كل حيوان معجوز عنه من الصيد والأنعام، لما «روى رافع بن خديج ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ فند بعير، وكان في القوم خيل يسيرة فطلبوه فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله، فقال النبي ﷺ : " إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا»
стр. 477
منها فاصنعوا به هكذا»
(٢٥) ولو تردى بعير في بئر فتعذر نحره فجرح في أي موضع من جسده فمات به حل أكله
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
متفق عليه. وحرن ثور في بعض دور الأنصار فضربه رجل بالسيف وذكر اسم الله عليه، فسأل عنه عليا فقال: ذكاة وجبت، فأمرهم بأكله.
وتردى بعير في بئر فذكي من قبل شاكلته فبيع بعشرين درهمًا فأخذ ابن عمر عشرة بدرهمين، رواه سعيد، ولأنه حيوان غير مقدور على تذكيته فأشبه الوحشي.
مسألة ٢٥: (ولو تردى بعير في بئر فتعذر نحره فجرح في أي موضع من جسده فمات حل أكله) لذلك.
стр. 478
كتاب الصيد (١) كل ما أمكن ذبحه من الصيد لم يبح إلا بذبحه
(٢) وما تعذر ذبحه فمات بعقره حل بشروط ستة، ذكرنا منها ثلاثة في الذكاة) (والرابع: أن يكون الجارح الصائد معلمًا
(٣) وهو ما يسترسل إذا أرسل ويجيب إذا دعي
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
كتاب الصيد مسألة ١: (كل ما أمكن ذبحه من الصيد لم يبح إلا بذبحه) وقد سبق ذكر المعجوز عن تذكيته فأما المقدور عليه فلا يباح إلا بالذبح بلا خلاف بين أهل العلم، وقوله ﷺ في حديث عدي: «فإن أدركته حيًا فاذبحه» .
مسألة ٢: (وما تعذر ذبحه فمات بعقره حل بشروط ستة، ذكرنا منها ثلاثة في الذكاة) وقد مضى تعليلها (والرابع: أن يكون الجارح الصائد معلمًا) ولا خلاف في اعتبار هذا الشرط، والأصل فيه قوله سبحانه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] ، «وروى أبو ثعلبة الخشني قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، أنا بأرض صيد أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم، فأخبرني ما يصلح لي؟ قال: " أما ما ذكرت أنكم بأرض صيد فما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل» متفق عليه.
مسألة ٣: (ويعتبر في تعليمه ثلاثة شروط: إذا أرسله استرسل، وإذا زجره انزجر، وإذا أمسك لم يأكل) إذا كان كلبًا أو فهدًا ويتكرر هذا منه مرة بعد أخرى حتى يصير معلمًا في حكم العرف. ولا يعتبر ترك الأكل في الطائر، لأن تعليمه بأن يأكل عند أهل العرف بذلك، فإن أكل غير الطائر من الصيد لم يبح في إحدى الروايتين، والثانية يباح، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة لعموم قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وعن أبي ثعلبة:
стр. 479
ويعتبر في الكلب والفهد خاصة أنه إذا أمسك لم يأكل، ولا يعتبر ذلك في الطائر الثاني: أن يرسل الصائد الآلة، فإن استرسل الكلب بنفسه لم يبح صيده الثالث: أن يقصد الصيد، فإن أرسل سهمه ليصيب به غرضا أو كلبه ولا يرى صيدا فأصاب صيدا لم يبح
(٤) ومتى شارك في الصيد ما لا يباح قتله مثل أن يشارك كلبه أو سهمه كلب أو سهم لا يعلم مرسله أو لا يعلم أنه سمي عليه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
قال رسول الله ﷺ : «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل، وإن أكل» ذكره الإمام أحمد وأخرجه أبو داود، ودليل الرواية الأولى أن النبي ﷺ قال في حديث عدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك، قلت: وإن قتل؟ قال: وإن قتل إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» متفق عليه. وأما الآية فإنها تتناول ما أمسك علينا، وهذا إنما أمسك على نفسه. وحديث أبي ثعلبة قال الإمام أحمد: يختلفون فيه عن هشيم، وعلى أن حديث عدي أصح لأنه متفق عليه، وعدي بن حاتم أضبط ولفظه أبين، لأنه ذكر الحكم والعلة، قال أحمد: حديث الشعبي عن عدي من أصح ما روي عن النبي ﷺ ، الشعبي يقول: كان جاري وربيطي فحدثني، والعمل عليه. (الثاني: وهو الخامس، أن يرسل الصائد المصيد فإن استرسل بنفسه فقتل لم يبح صيده) لقول النبي ﷺ : «إذا أرسلت كلبك وسميت فكل» ولأن إرسال الجارحة جعل بمنزلة الذبح، ولهذا اعتبرت التسمية معه. (الثالث: وهو السادس، أن يقصد الصيد، فإن أرسل سهمه ليصيب به غرضًا ولا يرى صيدًا فأصاب صيدًا لم يبح) لأنه لم يقصد برميه عينًا فأشبه من نصب سكينًا فانذبحت بها شاة.
مسألة ٤: (ومتى شارك في الصيد ما لا يباح قتله، مثل أن يشارك كلبه أو سهمه كلب أو سهم لا يعلم مرسله أو لا يعلم أنه سمي عليه لم يبح) لما «روي أن عديًا قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: إني أرسل كلبي فأجد معه كلبًا آخر، قال: " لا تأكل، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر» (رواه البخاري) وفي لفظ «فإن وجدت مع كلبك كلبًا آخر فخشيت أن يكون أخذ معه وقد قتله فلا تأكله فإنما ذكرت اسم
стр. 480
(٥) أو رماه بسهم مسموم يعين على قتله أو غرق في ماء أو وجد به أثرا غير أثر السهم أو الكلب يحتمل أنه مات لم يحل، لما روى عدي بن حاتم أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فأمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه، وإن قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب له ذكاة، فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره، وإذا أرسلت سهمك فاذكر اسم الله عليه، وإن غاب عنك يوما أو يومين ولم تجد فيه إلا أثر سهمك فكله إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماء قتله أو قتله سهمك»
باب المضطر (٦) ومن اضطر في مخمصة فلم يجد إلا محرما فله أن يأكل منه ما يسد رمقه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الله على كلبك» ، وفي لفظ " «فإنك لا تدري أيهما قتل» أخرجه البخاري، ولأنه شك في وجود الاصطياد المباح فوجب إبقاء حكم التحريم، وكذلك الحكم في سهمه إذا وجد معه سهمًا آخر وقد قتل لا يباح لأنه إنما ذكر اسم الله على سهمه ولم يذكره على سهم غيره. والحديث حجة فيهما جميعًا. وفي بعض ألفاظ حديث عدي: «فإن لم تجد فيه إلا أثر سهمك فكله إن شئت» مفهومه أنه إن وجد فيه أثر غيره لا يأكله.
مسألة ٥: (وإن رماه بسهم مسموم يعين على قتله) ويحتمل أنه مات به لم يحل، لأن قتله بالسهم المسموم حرام، وقتله بالسهم مباح، فقد اشتبه المحظور بالمباح فيحرم، كما لو مات بسهم مجوسي ومسلم (وإن رماه فغرق في ماء) يحتمل أنه مات بذلك (حرم) لأن في بعض ألفاظ حديث عدي: «وإن وجدته غريقًا في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك» (رواه مسلم) .
باب المضطر (ومن اضطر في مخمصة فلم يجد إلا محرمًا فله أن يأكل منه ما يسد به رمقه) أجمع العلماء على إباحة الأكل من الميتة للمضطر، وكذلك سائر المحرمات التي لا تزيل العقل. والأصل فيه قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] ويباح له أكل ما يسد به الرمق ويأمن معه
стр. 481
(٦) وإن وجد متفقًا على تحريمه ومختلفا فيه أكل من المختلف فيه
(٧) فإن لم يجد إلا طعامًا لغيره به مثل ضرورته لم يبح له أخذه
(٨) وإن كان مستغنيًا عنه أخذه منه بثمنه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الموت بالإجماع، ويحرم عليه ما زاد على الشبع بالإجماع، وفي الشبع روايتان: أحدهما: لا يباح، والثانية: يحل له الشبع، اختارها أبو بكر لما روى جابر بن سمرة «أن رجلًا نزل الحرة فنفقت عنده ناقة فقال: اسلخها حتى نقدد لحمها وشحمها ونأكله، فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فقال: هل عندك غنى يغنيك؟ قال: لا. قال: فكلوها» ولم يفرق، رواه أبو داود. ولأن ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع منه كالمباح، ودليل الأولى أن الآية الكريمة دلت على تحريم الميتة ثم استثنى منها ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل له الأكل كحالة الابتداء، ولأنه بعد سد الرمق غير خائف للتلف فلم يجز له الأكل كغير المضطر، يحققه أنه بعد سد الرمق كهو قبل أن يضطر وثَمّ لم يبح له الأكل، هكذا هنا.
إذا ثبت هذا فإن الضرورة المبيحة هي التي يخاف منها التلف إن ترك الأكل، قال الإمام أحمد: إذا كان يخشى على نفسه أن يتلف، سواء كان من جوع أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي وانقطع عن الرفقة أو يعجز عن الركوب فيهلك.
مسألة ٦: (وإن وجد متفقًا على تحريمه ومختلفًا فيه أكل من المختلف فيه) لأنه أخف تحريمًا، كالخنزير متفق على تحريمه والثعلب مختلف فيه والقنفذ وما شاكل ذلك.
مسألة ٧: (فإن لم يجد إلا طعامًا لغيره به مثل ضرورته لم يبح له أخذه) لأن صاحب الطعام ساواه في الضرورة وانفرد بالملك فأشبه غير حال الضرورة.
مسألة ٨: (وإن كان مستغنيًا عنه أخذه منه بثمنه) لأنه أمكن الوصول إليه برضا صاحبه، قال القاضي: فإن لم يبعه إلا بأكثر من ثمن مثله فاشتراه بذلك لم يلزمه إلا بثمن مثله لأنه صار مستحقًا له بقيمته، فإن كان العوض معه دفعه إليه وإلا بقي في ذمته، ولا يباح للمضطر من مال غيره إلا ما يباح له من الميتة، «قال أبو هريرة: " قلنا: يا رسول الله ما يحل لأحدنا من مال أخيه إذا اضطر إليه؟ قال: يأكل ولا يحمل، ويشرب ولا يحمل» .
стр. 482
(٩) فإن منعه منه أخذه قهراً وضمنه له متى قدر، فإن قتل المضطر فهو شهيد وعلى قاتله ضمانه، وإن قتل المانع فلا ضمان فيه
(١٠) ولا يباح التداوي بمحرم
(١١) ولا شرب الخمر لمن عطش
(١٢) ويباح دفع الغصة بها إذا لم يجد مائعًا غيرها
باب النذر من نذر طاعة لزمه فعلها لقول رسول الله ﷺ :
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٩: (فإن منعه منه أخذه قهرًا وضمنه له متى قدر) على مثله أو قيمته، وذلك لأن صاحب الطعام إذا كان مستغنيًا عنه لزمه بذله للمضطر، لأنه يتعلق به إحياء نفس آدمي معصوم، فلزمه بذله له كما يلزمه بذل منافعه في تخليصه من الغرق والحرق، فإن لم يبذله له فللمضطر أخذه منه قهرًا لأنه مستحق له دون مالكه فجاز له أخذه كعين ماله، فإن احتيج في ذلك إلى قتال فله المقاتلة عليه (فإن قتل المضطر فهو شهيد وعلى الآخر ضمانه) بالقصاص أو الدية (وإن آل آخذه إلى قتل مالكه فهو هدر) كما قلنا في الصائل إذا قتله المصول عليه دفعًا عن نفسه ولم يمكنه دفعه إلا بالقتل.
مسألة ١٠: (ولا يباح التداوي بمحرم) لقوله ﷺ : " «لا شفاء لأمتي فيما حرم عليها» رواه الإمام أحمد في كتاب الأشربة ولفظه: «إن الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء» .
مسألة ١١: (ولا يجوز شرب الخمر من عطش) لأنه لا يروي.
مسألة ١٢: (ويباح دفع الغصة بها إذا لم يجد مائعًا غيرها) لأنه حالة ضرورة، إذ لو لم يفعل ذلك لخاف الموت لأنها تقتل صاحبها.
[باب النذر] ١
والأصل في النذر الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] ، وأما السنة فما روت عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» أخرجه البخاري، وأجمع المسلمون على
стр. 483
« (١٣) من نذر أن يطيع الله فليطعه» فإن كان لا يطيقها - كشيخ نذر صياما لا يطيقه - فعليه كفارة يمين لقول رسول الله ﷺ : «من نذر نذرا لا يطيقه فكفارته يمين»
(١٤) ومن نذر المشي إلى بيت الله الحرام لم يجزه المشي إلا في حج أو عمرة، فإن عجز عن المشي
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
صحة النذر في الجملة، وهو غير مستحب لأن ابن عمر روى «عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر وقال: " إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل» متفق عليه.
مسألة ١٣: (ومن نذر أن يطيع الله فليطعه) لحديث عائشة ﵂، (فإن كان لا يطيق - كشيخ كبير نذر صيامًا لا يطيقه - فعليه كفارة يمين) لما «روى عقبة بن عامر قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ ، فاستفتيته فقال: " لتمش ولتركب» متفق عليه، ولأبي داود: " ولتكفر يمينها " وللترمذي: " ولتصم ثلاثة أيام ". قال ابن عباس: من نذر نذرًا ولم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا يطيقه فليف لله بما نذر، فإذا كفَّر فهل يلزمه مع الكفارة إطعام؟ على روايتين: إحداهما: لا يلزمه، لأن الكفارة إنما وجبت لترك الفعل، فلو أوجبنا فدية عن الصيام لجمعنا بين كفارتين، ولأنه لو نذر ما لا يطيقه غير الصوم لم يلزمه أكثر من كفارة كذا هاهنا. والثانية: يلزمه أن يطعم عن كل يوم مسكينًا كما قلنا في رمضان إذا عجز عن صيامه. والأول أصح وأقيس، لأن موجب النذر اليمين واليمين إنما لها كفارة واحدة.
مسألة ١٤: (ومن نذر المشي إلى بيت الله الحرام لم يجزه المشي إلا في حج أو عمرة) لأن المشي المعهود في الشرع إلى البيت هو المشي في حج أو عمرة، فإذا أطلق الناذر حمل على المعهود الشرعي، ويلزمه المشي لأن المشي إلى العبادة أفضل، ولهذا روي «عن النبي ﷺ " أنه لم يركب في عيد ولا جنازة قط» فإذا ثبت هذا فإنه إن أتى البيت ماشيًا فقد وفى بنذره (وإن عجز عن المشي ركب) وكفر كفارة يمين، لحديث عقبة بن عامر وقد سبق، وروى عقبة أن النبي ﷺ قال: «كفارة النذر كفارة يمين» رواه
стр. 484
ركب
(١٥) وإن نذر صوما متتابعا فعجز عن التتابع صام متفرقا وكفر
(١٦) وإن ترك التتابع لعذر في أثنائه خير بين استئنافه وبين البناء والتكفير
(١٧) وإن تركه لغير عذر وجب استئنافه
(١٨) وإن نذر معينا فأفطر في بعضه أتمه وقضى وكفر بكل حال
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسلم وعنه رواية أخرى يلزمه دم لأن «ابن عباس ﵄ روى أن أخت عقبة نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام فأمرها النبي ﷺ أن تركب وتهدي هديًا» ، وفيه ضعف، والصحيح الأول لما سبق، ولأن المشي مما لا يوجبه الإحرام فلم يجب الدم بتركه كما لو نذر صلاة ركعتين فلم يصلهما.
فإن قيل: خبر عقبة ليس فيه ذكر عجز أخته، قلنا: يجوز أن يكون النبي ﷺ علم عجزها لمعرفته بحالها، أو من حيث إن الظاهر من حال المرأة أنها لا تطيق المشي في الحج كله، أو ذكر له ذلك فلم ينقل. ودليل هذا التأويل أن المشي قربة والقربة تلزم بالنذر فلا يجوز أن يأمرها النبي ﷺ بتركه من غير عذر.
مسألة ١٥: (وإن نذر شهرًا متتابعًا فعجز عن التتابع صام متفرقًا وكفّر) لأن النبي ﷺ أمر أخت عقبة بن عامر بالكفارة لعجزها عن المشي، لأن النذر كاليمين، ولو حلف ليصومن متتابعًا فأخل به لزمته الكفارة.
مسألة ١٦: (وإن ترك التتابع في أثنائه لعذر) من مرض أو حيض (خير بين استئنافه) ولا شيء عليه لأنه أتى بما نذره على وجهه (وبين أن يبني على صيامه ويكفر) لأن الكفارة تلزم لتركه المنذور، وإنما جوزنا له البناء هاهنا لأن الفطر لعذر لا يقطع التتابع حكمًا بدليل أنه لو أفطر في صيام الشهرين المتتابعين من غير عذر كان له البناء، وإن كان العذر يبيح الفطر كالسفر فهل يقطع التتابع؟ فيه وجهان: أحدهما: يقطعه لأنه يفطر باختياره، والثاني: لا يقطعه لأنه عذر في الفطر في رمضان فأشبه المرض.
مسألة ١٧: (وإن تركه لغير عذر وجب استئنافه) ولا كفارة عليه لأنه ترك التتابع المنذر لغير عذر مع إمكان الإتيان به فلزمه كما لو نذر صومًا معينًا فصام قبله.
مسألة ١٨: (وإن نذر صيامًا معينًا فأفطر في بعضه أتمه وقضى وكفر بكل حال) سواء أفطر لعذر أو لغير عذر ولا يلزمه الاستئناف، نص عليه الإمام أحمد، ولكنه يقضي ما تركه لأنه واجب بالنذر فلزمه قضاؤه كالواجب بالشرع، ويكفر لأنه فات عليه ما نذره
стр. 485
(١٩) وإن نذر رقبة فهي التي تجزئ عن الواجب إلا أن ينوي رقبة بعينها
(٢٠) ولا نذر في معصية ولا مباح
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
فلزمته الكفارة لأنه كاليمين، والمذهب أنه إن تركه لغير عذر لزمه الاستئناف والكفارة لأنه صوم يجب متتابعًا بالنذر فأبطله الفطر لغير عذر كما لو شرط التتابع. وذكر أبو الخطاب رواية أنه لا كفارة عليه إذا تركه لعذر لأن المنذور محمول على المشروع. ولو أفطر في رمضان لعذر لم يلزمه شيء. ولنا أنه فات عليه ما نذره فلزمته الكفارة بدليل قوله ﷺ لأخت عقبة: «لتركب وتكفر يمينها» وفارق رمضان فإنه لو أفطر لغير عذر لم يكن عليه كفارة إلا في الجماع.
مسألة ١٩: (ومن نذر رقبة فهي التي تجزئ عن الواجب إلا أن ينوي رقبة بعينها) يعني لا يجزيه إلا رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المضرة بالعمل، وهي التي تجزئ في الكفارة؛ لأن النذر المطلق يحمل على المعهود في الشرع والواجب بأصل الشرع كذلك، وفي وجه لأصحاب الشافعي يجزيه أي رقبة كانت، لأنه نوى بلفظه ما يحتمله (فأما إن نوى رقبة بعينها تعينت) بنذره كما لو نذر صوم يوم بعينه.
مسألة ٢٠: (ولا نذر في معصية) ولا يحل الوفاء به إجماعًا لقوله ﷺ : «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه» ويجب عليه كفارة يمين، روي ذلك عن جماعة من الصحابة ﵃.
وعنه ما يدل على أنه لا كفارة عليه، لقوله ﷺ : " «لا نذر في معصية الله ولا في ما لا يملك العبد» رواه مسلم، وقال: " «ليس على الرجل نذر فيما لا يملك» متفق عليه، وقال: " «لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى» رواه أبو داود، ولم يأمر بكفارة، ولأن النذر التزام الطاعة وهذا التزام معصية.
ولأنه نذر غير منعقد فلم يوجب شيئًا كاليمين غير المنعقدة. ووجه الأولى ما روت
стр. 486
(٢١) ولا فيما يملك ابن آدم
(٢٢) ولا فيما قصد به اليمين لقول رسول الله ﷺ : «لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» وقال: «لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله سبحانه»
(٢٣) وإن جمع في النذر بين الطاعة وغيرها فعليه الوفاء بالطاعة وحدها لما روى ابن عباس قال: «أبصر رسول الله ﷺ رجلاً قائما فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال: " مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه»
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين» رواه الإمام أحمد وأبو داود، وقال الترمذي: هو حديث غريب. وفي حديث عمران «وما كان من نذر في معصية الله فلا وفاء فيه وتكفيره ما يكفر اليمين» (رواه أبو داود) . وأما ما سبق من الأحاديث فمعناها لا يوفي بالنذر في معصية الله، وإن لم يبين الكفارة فيها فقد بينها هاهنا (ولا نذر في مباح) كمن نذر أن يلبس ثوبه أو يركب دابته فالناذر مخير بين فعله فيبر، وبين تركه ويكفر كاليمين على ذلك، ويتخرج في المذهب أن لا ينعقد هذا النذر ولا كفارة عليه بتركه، وهو مذهب الشافعي ﵁ لقول النبي ﷺ : «لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى» ولم يذكر كفارة.
مسألة ٢١: (ولا نذر فيما لا يملك ابن آدم) لما سبق.
مسألة ٢٢: (ولا نذر فيما قصد به اليمين) وهو نذر اللجاج، وسيأتي في باب الأيمان إن شاء الله تعالى.
مسألة ٢٣: (وإن جمع في النذر بين الطاعة وغيرها فعليه الوفاء بالطاعة وحدها لما روى ابن عباس، ﵄ قال: «بينا النبي ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس " ولا يقعد " ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي ﷺ : مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه» رواه البخاري.
стр. 487
(٢٤) وإن قال: لله علي نذر، لم يسمه فعليه كفارة يمين
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٢٤: (وإن قال: لله علي نذر ولم يسمه فعليه كفارة يمين) ويسمى النذر المبهم، فيه كفارة يمين في قول أكثرهم، وقد روي عن جماعة من الصحابة ﵃، ولا نعلم فيها مخالفًا إلا الشافعي ﵁ قال: لا ينعقد نذره ولا كفارة عليه. ولنا ما روى عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «كفارة النذر إذا لم يسم كفارة اليمين» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وهذا نص، وهو قول جماعة من الصحابة ﵃ أَجْمَعِينَ -، ولا نعرف لهم في عصرهم مخالفًا فكان إجماعًا.
стр. 488
كتاب الأيمان ومن حلف أن لا يفعل شيئًا ففعله أو ليفعلنه في وقت فلم يفعله فيه فعليه كفارة يمين
(١) إلا أن يقول: إن شاء الله متصلاً بيمينه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[كتاب الأيمان]
(ومن حلف أن لا يفعل شيئًا ففعله أو ليفعلنه في وقت فلم يفعله فيه فعليه كفارة يمين) والأصل في ذلك قول الله سبحانه: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] ، وقول النبي ﷺ : " «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها» متفق عليه، وقال ﷺ : " «إذا حلف أحدكم على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» متفق عليه، وقال لعبد الرحمن: " «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك» (رواه البخاري) فإذا حلف أن لا يفعل شيئًا ففعله فقد حنث ولزمته الكفارة، وكذلك إن حلف ليفعلنه في وقت فلم يفعله فيه كقوله: لأصومن غدًا فلم يصم حنث ولزمته الكفارة، لا خلاف في هذا بين فقهاء الأمصار، قال ابن عبد البر: اليمين التي فيها الكفارة بإجماع المسلمين هي اليمين على المستقبل من الأفعال.
مسألة ١: (إلا أن يستثني فيقول: لا فعلت إن شاء الله، أو لأفعلن إن شاء الله متصلًا بيمينه) فلا يحنث إن فعله أو لم يفعله لقول النبي ﷺ : " «من حلف على يمين فقال إن شاء الله فقد استثنى» رواه أبو داود من حديث ابن عمر.
стр. 489
(٢) أو يفعله مكرهاً أو ناسياً فلا كفارة عليه
(٣) ولا كفارة في الحلف على ماض سواء تعمد الكذب أو ظنه كما حلف فلم يكن ولا في اليمين الجارية على لسانه من غير قصد إليها كقوله في عرض حديثه: لا والله، وبلى والله، لقول الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٢: (وإن حلف أن لا يفعل شيئًا ففعله مكرهًا أو ناسيًا لم يحنث) لقوله ﷺ : " «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (رواه ابن ماجه) ولأن فعل المكره لا ينسب إليه فلم تجب عليه كفارة كما لو لم يفعله.
مسألة ٣: (ولا كفارة في الحلف على ماض سواء تعمد الكذب أو ظنه كما حلف فلم يكن) وذلك أن اليمين على الماضي ينقسم ثلاثة أقسام: ما هو فيه صادق فلا كفارة فيه إجماعًا، وما هو متعمد الكذب فيه فهي تسمى يمين الغموس؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم ولا كفارة فيها في ظاهر المذهب، وقال الشافعي ﵁: فيها الكفارة، وعن الإمام أحمد مثله لأنه وجدت منه اليمين والمخالفة مع القصد فلزمته الكفارة كالمستقبلة، ولنا أنها يمين غير منعقدة فلا توجب كفارة كاللغو أو يمين على ماض فأشبه اللغو. وبيان أنها غير منعقدة أنها لا توجب برًا ولا يمكن فيها، ولأنها قارنها ما ينافيها وهو الحنث فلم تنعقد كالنكاح إذا قارنه الرضاع، ولأن الكفارة لا ترفع إثمها فلا تشرع فيها بدليل أنها كبيرة فإنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: " «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس» رواه البخاري. وروي فيه: «خمس من الكبائر لا كفارة لهن: الإشراك بالله، والفرار من الزحف، وبهت المؤمن، وقتل المسلم بغير حق، والحلف على يمين فاجرة يقتطع فيها مال امرئ مسلم» ولا يصح القياس على المستقبلة لأنها يمين معقودة فتجب الكفارة في حلها، وهذه لا عقد لها فلا حل لها. قال ابن المنذر: قول النبي ﷺ : «فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير» يدل على أن الكفارة إنما تجب بالحلف
стр. 490
(٤) ولا تجب الكفارة إلا في اليمين بالله تعالى أو اسم من أسمائه أو صفة من صفات ذاته كعلمه وكلامه وعزته وقدرته وعظمته وعهده وميثاقه وأمانته
(٥) إلا في
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
على فعل يفعله فيما يستقبله. القسم الثالث: ما يظنه فيتبين بخلاف ما ظنه فلا كفارة فيها لأنها من لغو اليمين، واللغو نوعان: أحدهما: هذه، لا كفارة فيها لأنها يمين غير منعقدة لأن الحنث مقارن لها فأشبهت يمين الغموس، ولأنه غير قاصد المخالفة فأشبه ما لو حنث ناسيًا. وعن الإمام أحمد أنه ليس من لغو اليمين وفيه الكفارة، والمذهب الأول لما سبق. النوع الثاني من اللغو: (أن يحلف بلسانه من غير أن يعقد عليها قلبه بل تمر على لسانه من غير قصد إليها) وقال عطاء: «قالت عائشة ﵂: إن رسول الله ﷺ قال - يعني في اللغو في اليمين -: " هو كلام الرجل في بيته: لا والله، وبلى والله» أخرجه أبو داود، وروي عن عائشة موقوفًا قالت: أيمان اللغو ما كان في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا يعقد عليه القلب، ولأن اللغو في كلام العرب الكلام غير المعقود. وهذا كذلك. وإذا ثبت هذا فاللغو لا كفارة فيه، لقول الله سبحانه: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] فجعل الكفارة لليمين التي يؤاخذ بها، ونفى المؤاخذة باللغو فيلزم انتفاء الكفارة.
مسألة ٤: (ولا تجب الكفارة إلا في اليمين بالله تعالى أو اسم من أسمائه أو صفة من صفات ذاته كعلمه وكلامه وعزته وقدرته وعظمته وعهده وميثاقه وأمانته) أجمع أهل العلم على أن من حلف بالله فقال: والله أو تالله أو بالله فحنث أن عليه الكفارة. قال ابن المنذر: وكان مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي يقولون: من حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة ولا نعلم في ذلك اختلافًا، وكذلك إن أقسم بصفة من صفات ذات الله تعالى في قولهم جميعًا، وقال أبو حنيفة في قوله: وعلم الله لا يكون يمينًا؛ لأنه يحتمل المعلوم، قلنا: يبطل بقوله وقدرة الله فإنه يحتمل المقدور وقد سلموه.
مسألة ٥: (إلا في النذر الذي يقصد به اليمين فإن كفارته كفارة يمين) وذلك أنه
стр. 491
النذر الذي يقصد به اليمين فإن كفارته كفارة يمين
(٧) ولو حلف بهذا كله والقرآن جميعه فحنث أو كرر اليمين على شيء واحد قبل التكفير
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
متى أخرج النذر مخرج اليمين - بأن يمنع نفسه أو غيره به شيئًا، أو يحنث به على شيء مثل أن يقول: إن كلمت زيدًا فعليّ الحج أو صدقة مالي أو صوم شهر - فهذا يمين حكمه أنه مخير بين الوفاء بما حلف عليه فلا يلزمه شيء، وبين أن يحنث فيتخير بين فعل المنذور وكفارة يمين، ويسمى هذا نذر اللجاج والغضب، ولا يتعلق عليه الوفاء به، وإنما يلزم نذر التبرر على ما سبق في باب النذر.
١ -
مسألة ٦: وقيل لا شيء عليه بالحلف بالحج ولا بصدقة ماله، لأن الكفارة إنما تلزم بالحلف بالله سبحانه لحرمة الاسم، وهذا ما حلف باسم الله ولا يجب ما سماه لأنه لم يخرجه مخرج القربة وإنما التزمه على طريق العقوبة فلا يلزمه، وقال أبو حنيفة: يلزمه كنذر التبرر. ولنا ما روي عن عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين» أخرجه الجوزجاني وسعيد بن منصور. وعن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «من حلف بالمشي أو الهدي أو جعل ماله في سبيل الله أو في المساكين أو في رتاج الكعبة فكفارته كفارة يمين» (رواه أبو داود) ولأنه قول عمر وابن عباس وابن عمر وعائشة وحفصة وزينب بنت أم سلمة ﵃ أَجْمَعِينَ - ولا مخالف لهم في عصرهم نعلمه فكان إجماعًا، ولأنه يمين فيدخل في قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] ودليل أنه يمين أنه يسمى بذلك ويسمى قائله حالفًا، وفارق نذر التبرر فإنه لم يخرجه مخرج اليمين وإنما قصد به التقرب، وهاهنا خرج مخرج اليمين فأشبهها من وجه وأشبه النذر من وجه فخيرناه بين الوفاء به والكفارة، وعن أحمد يتعين عليه الكفارة ولا يجزيه الوفاء بنذره لأنها يمين، والأول أولى لأنه جمع الصيغتين فيجب العمل بهما والخروج من عهدته بما يخرج به عن عهدة كل واحد منهما.
مسألة ٧: (لو حلف بهذا كله) يعني بأسماء الله وصفاته (والقرآن جميعه فحنث أو كرر اليمين على شيء واحد قبل التكفير أو حلف على أشياء بيمين واحدة فحنث لم يلزمه أكثر من كفارة) أما إذا حلف بالله وصفاته كلها أو كرر اليمين على شيء واحد مثل قوله
стр. 492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
ﷺ : " «والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا» (رواه أبو داود) ثم حنث فليس عليه إلا كفارة واحدة، وقال أصحاب الرأي: عليه كفارات إذا كرر اليمين إلا أن يقصد التأكيد، لأن أسباب الكفارات تكررت فتتكرر الكفارات كالقتل وإتلاف صيد الحرم، ولأن اليمين الثانية مثل الأولى فتقتضي ما تقتضيه، ولنا أنها أسباب كفارات من جنس فتداخلت كالحدود من جنس واحد، وقد ثبت الأصل بقوله ﷺ : " «الحدود كفارات لأهلها» (رواه البيهقي) ، ولأن الثانية لا تفيد إلا ما أفادته الأولى فلم يجب أكثر من كفارة كما لو قصد التأكيد، وقياسهم ينتقض بما إذا قصد التأكيد.
١ -
مسألة ٨: (وأما إذا حلف بالقرآن جميعه فحنث فعليه كفارة واحدة نص عليه، وعنه يلزمه لكل آية كفارة، روي ذلك عن ابن مسعود ﵁، وقال الإمام أحمد: لا أعلم شيئًا يدفعه، وعن مجاهد قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف بسورة من القرآن فعليه بكل آية كفارة يمين، فمن شاء بر ومن شاء فجر» ، رواه الأثرم. ووجه الأولى قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] . وهذه يمين فتدخل في عموم الآية، ولأنها يمين فلم توجب أكثر من كفارة كسائر الأيمان، ولأن إيجاب كفارات بعدد الآيات يفضي إلى منع الحالف من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، وقد نهى الله سبحانه عن ذلك بقوله: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤] ولأن الحالف بصفات الله كلها وتكرار اليمين بالله سبحانه لا يوجب أكثر من كفارة، فالحلف بصفة واحدة من صفاته أولى أن تجزيه كفارة، ويحمل كلام أحمد على الندب لا على الإيجاب، فإن المنصوص عنه لكل آية كفارة فإن لم يمكنه فكفارة واحدة،
стр. 493
(٩) أو حلف على أشياء بيمين واحدة لم يلزمه أكثر من كفارة
(١٠) وإن حلف أيمانا على شيء فعليه لكل يمين كفارتها
(١١) ومن تأول في يمينه فله تأويله، إلا أن يكون ظالما فلا ينفعه تأويله لقول رسول الله ﷺ : «يمينك على ما يصدقك به صاحبك»
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
ورده إلى واحدة عند العجز دليل على أن ما زاد عليها غير واجب، والله أعلم. وحديث مجاهد مرسل، وقول ابن مسعود يحمل على الاختيار والاحتياط لكلام الله سبحانه والمبالغة في تعظيمه لا غير.
مسألة ٩: (وإن حلف على أشياء بيمين واحدة لم يلزمه أكثر من كفارة) لأنها يمين واحدة كقوله: والله لا أكلت ولا شربت ولا لبست، وإن حنث في جنس انحلت في الجميع ولزمته الكفارة ولا نعلم في هذا خلافًا.
مسألة ١٠: (وإن حلف أيمانًا على أشياء فقال: والله لا أكلت ولا شربت ولا لبست فحنث في الجميع فعليه لكل يمين كفارتها) نص عليه في رواية المروذي وقال أبو بكر: تجزيه كفارة واحدة، نقلها ابن منصور عن الإمام أحمد، قال القاضي: وهي الصحيحة، قال أبو بكر: ما نقله المروذي عن أحمد قول أول لأبي عبد الله، ومذهبه أن كفارة واحدة تجزيه لأنها كفارات من جنس واحد فتداخلت كالحدود من جنس واحد إذا اختلفت محالها بأن يسرق من جماعة أو يزني بنساء، ولنا أنها أيمان لا يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى فلم تكفر إحداها بكفارة الأخرى كما لو كفر عن إحداها قبل الحنث في الأخرى كالأيمان المختلفة الكفارة، وهذا فارق الأيمان على شيء واحد فإنه متى حنث في إحداها كان حنثًا في الأخرى، فلما كان الحنث واحدًا كانت الكفارة واحدة، وهاهنا الحنث متعدد فكانت الكفارة متعددة.
مسألة ١١: (ومن تأول في يمينه فله تأويله إلا أن يكون ظالمًا فلا ينفعه تأويله) لقوله ﷺ : " «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» (رواه أبو داود) ومعنى التأويل أن يقصد بكلامه محتملًا يخالف ظاهره، نحو أن يحلف أن هذا أخي ويعني به أنه أخوه في الإسلام أو المشابهة، وما رأيت فلانًا يعين ما ضربت برئته، ولا ذكرته يعني ما قطعت
стр. 494
باب جامع الأيمان
ويرجع فيها إلى النية فيما يحتمله اللفظ
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
ذكره، أو يقول جواري أحرار يعني سفنه، ونسائي طوالق يعني أقاربه دون زوجاته، فهذا وأشباهه إذا عناه بيمينه فهو تأويل؛ لأنه خلاف الظاهر، فلا يخلو الحالف من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون مظلوما مثل أن يستحلفه سلطان على شيء لو صدق عنده لظلمه أو ضره، أو يخاف على مسلم من ظالم فيحلف عنه، فهذا له تأويله؛ لقوله ﷺ : «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» ، يعني سعة.
الثاني: أن يكون الحالف ظالما كالذي يستحلفه الحاكم، فهذا ينصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ، ولا ينفعه تأويله، لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» رواه أبو داود، ولو ساغ ذلك للظالم لكان وسيلة إلى جحد الحقوق؛ لأن مقصود اليمين تخويف الحالف ليرتدع عن الجحود خوفا من عاقبة اليمين الكاذبة، فإذا ساغ له التأويل انتفى ذلك وصار وسيلة إلى إبطال الحقوق.
الثالث: لم يكن ظالما ولا مظلوما، فظاهر كلام الإمام أحمد له تأويله، لأنه عني بكلامه ما يحتمله على وجه لم يتضمن إبطال حق أحد، فجاز كما لو كان مظلوما، وقد «كان النبي ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقا» .
[باب جامع الأيمان]
(ويرجع فيها إلى النية فيما يحتمله اللفظ) سواء كان ما نواه موافقا لظاهر اللفظ أو مخالفا له، فالموافق للظاهر هو أن ينوي باللفظ موضوعه الأصلي، مثل أن ينوي باللفظ العام العموم، والمخالف يتنوع أنواعا:
أحدها أن ينوي بالعام الخاص مثل أن يحلف لا يأكل لحما ولا فاكهة، ويريد لحما بعينه أو فاكهة بعينها، ومثل أن يحلف لا كلمت رجلا ويريد رجلا بعينه، أو لا يتغدى يريد غداء بعينه اختصت يمينه به، ومنه أن يحلف على ترك شيء مطلقا ويريد وقتا بعينه.
стр. 495
(١٢) فإذا حلف لا يكلم رجلا يريد واحدا بعينه، أو لا يتغدى يريد غداء بعينه اختصت يمينه به) (وإن حلف لا يشرب له الماء من العطش يريد قطع منته حنث بكل ما فيه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
والثاني: أن ينوي بالخاص العام، مثل أن يحلف لا أشرب له الماء من العطش يريد قطع المنة، فتتناول يمينه كل ما فيه منة، فإنه شائع في الكلام التنبيه بالأدنى على ما فوقه، وبالأعلى على ما دونه، فإذا نبه بشرب الماء في حال العطش على اجتناب كل نفع يصل إليه منه، ويمتن به عليه كان صحيحا، فإن لم يكن له نية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها؛ لأنه دال على النية، وقال الشافعي ﵁: لا عبرة بالنية والسبب فيما يخالف اللفظ؛ لأن الحنث مخالفة ما عقد عليه اليمين، واليمين لفظه، ولو أحنثناه على ما نواه لأحنثناه على ما نوى لا على ما حلف؛ ولأن اليمين لا تنعقد بالنية، وكذلك لا يحنث بمخالفته ما نواه، ولنا أنه شائع في كلام العرب التعبير بالخاص عن العام، بدليل قوله: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣] ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [النساء: ٤٩] ﴿فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣] والقطمير: لفافة النواة، والفتيل: ما في شقها، والنقير: النقرة في ظهرها، ولم يرد ذلك بعينه بل نفي كل شيء، وقال الحطيئة:
ولا يظلمون الناس حبة خردل
يريد لا يظلمون الناس شيئا، وإذا كان سائغا فقد نوى بكلامه ما يحتمله فيحنث كما لو لفظ به، ولأننا أجمعنا على صحة التأويل في اليمين لغير الظالم، وهو إرادة ما الظاهر خلافه وهذا مثله، وقد قال النبي ﷺ : «إنما لكل امرئ ما نوى» ، فيدخل فيه ما اختلفنا فيه، ولأن الشارع قد ينص على الحكم في صورة خاصة لمعنى، فيثبت الحكم في كل ما وجد فيه المعنى ولا يقف على لفظه، كتنصيصه على تحريم الربا في الأعيان الستة، فثبت التحريم فيما وجد فيه معناها كذلك في كلام الآدمي.
مسألة ١٢: (فإذا حلف لا يكلم رجلا يريد واحدا بعينه، أو لا يتغدى يريد غداء بعينه اختصت يمينه به) كما ذكرنا، (وإن حلف لا يشرب له الماء من العطش يريد قطع منته حنث بكل ما فيه منة) ؛ لأن مبنى الأيمان على النية لا على اللفظ، ونيته قطع المنة فيحنث بكل ما فيه منة.
следующие страницы →