← Адаб

Адаб · id 10909

العمدة في محاسن الشعر وآدابه

ابن رشيق القيرواني

Полный текст (633 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بصارمي مرتد، بمخبرتي ... مجتزئ؛ بالظلام مشتمل ولو شاء قائل أن يقول: إن أبا نواس لم يرد ما ذهب إليه أبو الطيب، لكن أراد أنه معه في بلدة واحدة قصده في حاجته محتذياً نعليه؛ لكان ذلك أظهر وجهاً، ما لم يكن الحضرمي من الجلود مخصوصاً به المسافر دون الحاضر، وظاهر الكلام أن مقصد الشاعرين واحد. وقد ذكر أبو الطيب الخيل أيضاً في كثير من شعره، وكان يؤثرها على الإبل؛ لما يقوم في نفسه من التهيب بذكر الخيل، وتعاطي الشجاعة، فقال يذكر قدومه إلى مصر على خوف من سيف الدولة: ويوم كليل العاشقين كمنته ... أراقب فيه الشمس أيان تغرب وعيني إلى أذني أغر كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكب له فضلة عن جسمه في إهابه ... تجيء على صدر رحيب وتذهب شققت به الظلماء أدني عنانه ... فيطغى، وأرخيه مراراً فيلعب وأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثل حين أركب وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يجرب إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضاءها فالحسن عنك مغيب

стр. 212

وليس في زماننا هذا ولا من شرط بلدنا خاصة شيء من هذا كله، إلا ما لا يعد قلة؛ فالواجب اجتنابه، إلا ما كان حقيقة، لا سيما إذا كان المادح من سكان بلد الممدوح: يراه في أكثر أوقاته، فما أقبح ذكر الناقة والفلاة حينئذ!. وقد قلت أنا وإن لم أدخل في جملة من تقدم، ولا بلغت خطته من قصيدة اعتذرت بها إلى مولانا خلد الله أيامه من طول غيبة غبتها عن الديوان: إليك يخاض البحر فعماً كأنه ... بأمواجه جيش إلى البر زاحف ويبعث خلف النجح كل منيفة ... تريك يداها كيف تطوى التنائف من الموجفات اللاء يقذفن بالحصى ... ويرمى بهن المهمه المتقاذف يطير اللغام الجعد عنها كأنه ... من القطن أو ثلج الشتاء ندائف وقد نازعت فضل الزمام ابن نكبة ... هو السيف لا ما أخلصته المشارف فكيف تراني لو أعنت على الغنى ... بجد، وإني للغنى لمشارف وقد قرب الله المسافة بيننا ... وأنجزني الوعد الزمان المساوف ولولا شقائي لم أغب عنك ساعة ... ولا رام صرفي عن جنابك صارف ولكنني أخطأت رشدي فلم أصب ... وقد يخطئ الرشد الفتى وهو عارف فذكرت قرب المسافة بيني وبينه حوطة وإخباراً أن خوض البحر وجوب الفلاة من صفة غيري من القصاد والغرباء والمنتجعين من الأمصار.

стр. 213

ومن قصيدة صنعتها بديهة بالمهدية ساعة وصول إليه أدام الله عزه عن اقتراح بعض شعراء وقتنا هذا: وذيال له رجل طحون ... لما نزلت به، ويد زجوج يطير بأربع لا عيب فيها ... لظهران الصفا منها عجيج خرجت به عن الأوهام سبقا ... وقل له عن الوهم الخروج إلى الملك المعز أبي تميم ... أمر بمن سواه فلا أعيج ومن أخرى في معنى التفقر والرحلة: وماء بعيد الغور كالنجم في الدجى ... وردت طروقاً أو وردت مهجرا على قدم أخت الجناح وأخمص ... يخال حصى المعزاء جمراً مسعرا فريداً من الأصحاب صلتاً من الكسا ... كما أسلم الغمد الحسام المذكرا ومن الشعراء من لا يجعل لكلامه بسطاً من النسيب، بل يهجم على ما يريده مكافحة، ويتناوله مصافحة، وذلك عندهم هو: الوثب، والبتر، والقطع، والكسع، والاقتضاب، كل ذلك يقال.. والقصيدة إذا كانت على تلك الحال بتراء كالخطبة البتراء والقطعاء، وهي التي لا يبتدئ فيها بحمد الله على عادتهم في الخطب. قال أبو الطيب: إذا كان مدح فالنسيب المقدم ... أكل فصيح قال شعراً متيم؟ فأنكر النسيب، وزعموا أن أول من فتح هذا الباب وفتق هذا المعنى أبو نواس بقوله: لا تبك ليلى، ولا تطرب إلى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالورد

стр. 214

وقوله وهو عند الحاتمي فيما روى عن بعض أشياخه أفضل ابتداء صنعه شاعر من القدماء والمحدثين: صفة الطلول بلاغة القدم ... فاجعل صفاتك لابنة الكرم ولما سجنه الخليفة على اشتهاره بالخمر، وأخذ عليه أن لا يذكرها في شعره قال: أعر شعرك الأطلال والمنزل القفرا ... فقد طالما أزرى به نعتك الخمرا دعاني إلى نعت الطلول مسلط ... تضيق ذراعي أن أرد له أمرا فسمعاً أمير المؤمنين وطاعة ... وإن كنت قد جشمتني مركباً وعرا فجاهر بأن وصفه الأطلال والقفر إنما هو من خشية الإمام، وإلا فهو عنده فراغ وجهل، وكان شعوبي اللسان، فما أدري ما وراء ذلك، وإن في اللسان وكثرة ولعه بالشيء لشاهداً عدلاً لا ترد شهادته. وقد قال أبو تمام: لسان المرء من خدم الفؤاد. ومن عيوب هذا الباب أن يكون النسيب كثيراً والمدح قليلاً، كما يصنع بعض أهل زماننا هذا، وسنبين وجه الحكم والصواب من هذا في باب المدح إن شاء الله تعالى. ومن الشعراء من لا يجيد الابتداء، ولا يتكلف له، ثم يجيد باقي القصيدة وأكثرهم فعلاً لذلك البحتري: كان يصنع الابتداء سهلاً، ويأتي به عفواً، وكلما تمادى قوي كلامه، وله من جيد الابتداء كثير؛ لكثرة شعره، والغالب عليه ما قدمت، غير أن القاضي الجرجاني فضله بجودة الاستهلال وهو الابتداء على أبي تمام وأبي الطيب، وفضلهما عليه بالخروج والخاتمة، ولست أرى لذلك وجهاً، إلا كثرة شعره كما قدمت؛ فإنه لو حاسبهما ابتداء

стр. 215

جيداً بابتداء مالأربى عليهما وقصرا عن عذره.. فأما الحاتمي فإنه يغض من أبي عبادة غضاً شديداً، ويجور عليه جوراً بيناً لا يقبل منه ولا يسلم إليه. وكان أبو تمام فخم الابتداء، له روعة، وعليه أبهة، كقوله: الحق أبلج والسيوف عوار ... فحذار من أسد العرين حذار وقوله: السيف أصدق إنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب وقوله: أصغى إلى البين مغتراً فلا جرما وقوله: يا ربع لو ربعوا على ابن هموم والغالب عليه نحت اللفظ، وجهارة الابتداء.. وكان أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي يفضل ابتداءات البحتري جداً، وهو الذي وضع كتاب الموازنة والترجيح بين الطائيين، ونوه فيه بالبحتري أعظم تنويه.. ومن جيد ابتداءاته قوله: عارضننا أصلاً فقلنا الربرب ... حتى أضاء الأقحوان الأشنب وقوله: ما على الركب من وقوف الركاب ... في مغاني الصبا ورسم التصابي؟؟

стр. 216

وقوله: ضمان على عينيك أني لا أسلو وقوله: ترى عنده علم بشجوى وأدمعي ... وأني متى أسمع بذكراه أجزع؟ وأما الخروج فهو عندهم شبيه بالاستطراد، وليس به؛ لأن الخروج إنما هو أن تخرج من نسيب إلى مدح أو غيره بلطف تحيل، ثم تتمادى فيما خرجت إليه كقول حبيب في المدح: صب الفراق علينا، صب من كثب ... عليه إسحاق يوم الروع منتقما سيف الإمام الذي سمته هيبته ... لما تخرم أهل الأرض مخترما ثم تمادى في المدح إلى آخر القصيدة. وكقول أبي عبادة البحتري: سيقت رباك بكل نوء عاجل ... من وبله حقاً لها معلوما ولو أنني أعطيت فيهن المنى ... لقيتهن بكف إبراهيما وأكثر الناس استعمالاً لهذا الفن أبو الطيب؛ فإنه ما يكاد يفلت له، ولا يشذ عنه، حتى ربما قبح سقوطه فيه، نحو قوله: ها فانظري أو فظني بي تري حرقاً ... من لم يذق طرفاً منها فقد وألا

стр. 217

عل الأمير يرى ذلي فيشفع لي ... إلى التي تركتني في الهوى مثلا فقد تمنى أن يكون له الأمير قواداً، وليس هذا من قول أبي نواس: سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هوانا؛ لعل الفضل يجمع بيننا في شيء؛ لأن أبا نواس قال " يجمع بيننا " ثم اتبع ذلك ذكر المال والسخاء به، فقال: أمير رأيت المال في نعمائه ... مهيناً ذليل النفس بالضيم موقنا فكأنه أشار إلى أن جمعه بينهما بالمال خاصة: يفضل عليه، ويجزل عطيته، فيتزوجها أو يتسرى بها، وأبو الطيب قال: " يشفع " والشفاعة رغبة وسؤال، ثم أتبع بيته بما هو مقو لمعناه في القيادة فقال: أيقنت أن سعيداً طالب بدمي ... لما بصرت به بالرمح معتقلا فدل على أنه يشفع، فإن أجيب إلى مساعدة أبي الطيب فذاك، وإلا رجع إلى القهر.. والذي يشاكل قول أبي نواس قوله: أحب التي في البدر منها مشابه ... وأشكو إلى من لا يصاب له شكل فلفظة الشكوى تحمل عنه كما حملن عن أبي نواس ومما سقط فيه وإن كان مليح المظهر قوله يخاطب امرأة نسب بها:

стр. 218

لو أن فناخسر صبحكم ... وبرزت وحدك عاقه الغزل وتفرقت عنه كتائبه ... إن الملاح خوادع قتل ما كنت فاعلة وضيفكم ... ملك الملوك وشأنك البخل أتمنعين قرى فتفتضحي ... أم تبذلين له الذي يسل بل لا يحل بحيث حل به ... بخل ولا جور ولا وجل فحتم على فناخسرو بأن الغزل يعوقه، ولأن كتائبه تتفرق عنه، وجعله يسأل هذه المرأة، وتشكك هل تمنعه أم تبذل له، ثم أوجب أن البخل لا يحل بحيث حل؛ فأوقعه تحت الزنى أو قارب ذلك، ولعل هذا كان اقتراحاً من فناخسرو؛ وإلا فما يجب أن يقابل من هو ملك الملوك بمثل هذا، وما أسرع ما انحط أبو الطيب: بينا هو يسأل الأمير أن يشفع له إلى عشيقته صار يشفع للأمير عندها.. والاستطراد: أن يبني الشاعر كلاماً كثيراً على لفظة من غير ذلك النوع، يقطع عليها الكلام، وهي مراده دون جميع ما تقدم، ويعود إلى كلامه الأول، وكأنما عثر بتلك اللفظة عن غير قصد ولا اعتقاد نية، وجل ما يأتي تشبيهاً، وسيرد عليك في بابه مبيناً إن شاء الله تعالى.. ومن الناس من يسمي الخروج تخلصاً وتوسلاً، وينشدون أبياتاً منها: إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعه ... فليس به بأس ولو كان من جرم

стр. 219

ولو أن جرماً أطعموا شحم جفرة ... لبانوا بطاناً يضرطون من الشحم وأولى الشعر أن يسمى تخلصاً ما تخلص فيه الشاعر من معنى إلى معنى، ثم عاد إلى الأول وأخذ في غيره. ثم رجع إلى ما كان فيه. كقول النابغة الذبياني آخر قصيدة اعتذر بها إلى النعمان بن المنذر: وكفكفت مني عبرة فرددتها ... إلى النحر منها مستهل ودامع على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما أصح والشيب وازع؟!! ثم تخلص إلى الاعتذار فقال: ولكن هما دون ذلك شاغل ... مكان الشغاف تبتغيه الأصابع وعيد أبي قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس فالضواجع ثم وصف حاله عندما سمع من ذلك فقال: فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع يسهد في ليل التمام سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع

стр. 220

تناذرها الراقون من سوء سمها ... تطلقه طوراً، وطوراً تراجع فوصف الحية والسليم الذي شبه به نفسه ما شاء، ثم تخلص إلى الاعتذار الذي كان فيه فقال: أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع ويروى وخبرت خير الناس أنك لمتني ثم اطرد له ما شاء من تخلص إلى تخلص، حتى انقضت القصيدة وهو مع ما أشرت إليه غير خاف إن شاء الله تعالى. وقد يقع من هذا النوع شيء يعترض في وسط النسيب من مدح من يريد الشاعر مدحه بتلك القصيدة، ثم يعود بعد ذلك إلى ما كان فيه من النسيب، ثم يرجع إلى المدح، كما فعل أبو تمام وإن أتى بمدحه الذي تمادى فيه منقطعاً، وذلك قوله في وسط النسيب من قصيدة له مشهورة: ظلمتك ظالمة البريء ظلوم ... والظلم من ذي قدرة مذموم زعمت هواك عفا الغداة كما عفت ... منها طلول باللوى ورسوم لا، والذي هو عالم أن النوى ... أجل وأن أبا الحسين كريم

стр. 221

ما زلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسي على ألف سواك تحوم ثم قال بعد ذلك: لمحمد بن الهيثم بن شبابة ... مجد إلى جنب السماك مقيم ويسمى هذا النوع الإلمام. وكانت العرب لا تذهب هذا المذهب في الخروج إلى المدح، بل يقولون عند فراغهم من نعت الإبل وذكر القفار وما هم بسبيله: دع ذا وعد عن ذا ويأخذون فيما يريدون أو يأتون بأن المشددة ابتداء للكلام الذي يقصدونه، فإذا لم يكن خروج الشاعر إلى المدح متصلاً بما قبله ولا منفصلاً بقوله دع ذا وعد عن ذا ونحو ذلك سمي طفراً وانقطاعاً.. وكان البحتري كثيراً ما يأتي به نحو قوله: لولا الرجاء لمت من ألم الهوى ... لكن قلبي بالرجاء موكل إن الرعية لم تزل في سيرة ... عمرية مذ ساسها المتوكل ولربما قالوا بعد صفة الناقة والمفازة " إلى فلان قصدت " و " حتى نزلت بفناء فلان " وما شاكل ذلك. وأما الانتهاء فهو قاعدة القصيدة، وآخر ما يبقى منها في الأسماع، وسبيله أن يكون محكماً: لا تمكن الزيادة عليه، ولا يأتي بعده أحسن منه، وإذا كان أول الشعر مفتاحاً له وجب أن يكون الآخر قفلاً عليه. وقد أربى أبو الطيب على كل شاعر في جودة فصول هذا الباب الثلاثة، إلا أنه ربما عقد أوائل الأشعار ثقة بنفسه، وإعراباً عن الناس، كقوله أول قصيدة: وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعد والدمع أشفاه ساجمه

стр. 222

فإن هذا يحتاج الأصمعي إلى أن يفسر معناه. ويقع له في الخروج ما كان تركه أولى به، وأشعر له، وإنما أدخله فيه حب الإغراب في باب التوليد، حتى جاء بالغث البارد، والبشع المتكلف، نحو قوله: أحبك أو يقولوا جر نمل ... ثبيراً، وابن إبراهيم ريعا فهذا من البشاعة والشناعة بحيث لا يخفى على أحد، وما أظنه سرق هذا المعنى الشريف إلا من كذبة كذبها أبو العباس الصيمري عن لسان رجل زعم أنه قال: رأيت رجلاً نام ويده غمرة فجره النمل ثلاثة فراسخ، فقد جعل أبو الطيب مكان الرجل جبلاً، وإن أعلمنا الإغراق في مراده ولفظه.. قال: أعز مكان في الدنا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب وبحر أبو المسك الخضم الذي له ... على كل بحرٍ زخرة وعباب يريد وخير بحر أبو المسك، وهذه غاية التصنع والتكلف. ومن العرب من يختم القصيدة فيقطعها والنفس بها متعلقة، وفيها راغبة مشتهية، ويبقى الكلام مبتوراً كأنه لم يتعمد جعله خاتمة: كل ذلك رغبة في أخذ العفو، وإسقاط الكلفة، ألا ترى معلقة امرئ القيس كيف ختمها بقوله يصف السيل عن شدة المطر:

стр. 223

كأن السباع فيه غرقى غدية ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل فلم يجعل لها قاعدة كما فعل غيره من أصحاب المعلقات، وهي أفضلها. وقد كره الحذاق من الشعراء ختم القصيدة بالدعاء لأنه من عمل أهل الضعف، إلا للملوك؛ فإنهم يشتهون ذلك كما قدمت، ما لم يكن من جنس قول أبي الطيب يذكر الخيل لسيف الدولة: فلا هجمت بها إلا على ظفرٍ ... ولا وصلت بها إلا إلى أمل فإن هذا شبيه ما ذكر عن بغيض: كان يصابح الأمير فيقول: لا صبح الله الأمير بعافية، ويسكت ثم يقول: إلا مساه بأكثر منها، ويماسيه فيقول: لا مسى الله الأمير بنعمة، ويسكت ثم يقول: إلا وصبحه بأتم منها، أو نحو هذا، فلا يدعو له حتى يدعو عليه؛ ومثل هذا قبيح، لا سيما عن مثل أبي الطيب. باب البلاغة تكلم رجل عند النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : " كم دون لسانك من حجاب؟ فقال: شفتاي، وأسناني، فقال له: " إن الله يكره الانبعاق في الكلام، فنضر الله وجه رجل أوجز في كلامه واقتصر على حاجته ". وسئل النبي ﷺ : فيم الجمال؟ فقال: " في اللسان " يريد البيان.

стр. 224

وقال أصحاب المنطق: حد الإنسان: الحي الناطق؛ فمن كان في المنطق أعلى رتبة كان بالإنسانية أولى. وقالوا: الروح عماد الجسم، والعلم عماد الروح، والبيان عماد العلم. وسئل بعض البلغاء: ما البلاغة؟ فقال: قليل يفهم، وكثير لا يسأم. وقال آخر: البلاغة إجاعة اللفظ، وإشباع المعنى. وسئل آخر فقال: معان كثيرة، في ألفاظ قليلة. وقيل لأحدهم ما البلاغة؟ فقال: إصابة المعنى وحسن الإيجاز. وسئل بعض الأعراب: من أبلغ الناس؟ فقال: أسهلهم لفظاً، وأحسنهم بديهيةً.. وسأل الحجاج ابن القبعثري: ما أوجز الكلام؟ فقال: ألا تبطئ، ولا تخطئ، وكذلك قال صحار العبدي لمعاوية بن أبي سفيان. وقال خلف الأحمر: البلاغة كلمة تكشف عن البقية. وقال المفضل الضبي: قلت لأعرابي: ما البلاغة عندكم؟ فقال: الإيجاز من غير عجز، والإطناب من غير خطل. وكتب جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي إلى عمرو بن مسعدة: إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيراً، وإذا كان الإيجاز كافياً كان الإكثار عياً. وأنشد المبرد في صفة خطيب: طبيب بداء فنون الكلا ... م لم يعي يوماً ولم يهذر

стр. 225

فإن هو أطنب في خطبة ... قضى للمطيل على المنزر وإن هو أوجز في خطبة ... قضى للمقل على المكثر قال أبو الحسن علي بن عيسى الرماني: أصل البلاغة الطبع، ولها مع ذلك آلات تعين عليها، وتوصل للقوة فيها، وتكون ميزاناً لها، وفاصلة بينها وبين غيرها، وهي ثمانية أضرب: الإيجاز، والاستعارة، والتشبيه، والبيان، والنظم، والتصرف، والمشاكلة، والمثل، وسيرد كل واحد منها بمكانه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وقال معاوية لعمرو بن العاص: من أبلغ الناس؟ فقال: من اقتصر على الإيجاز، وتنكب الفضول. وسئل ابن المقفع: ما البلاغة؟ فقال: اسم لمعان تجري في وجوه عدة كثيرة: فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون شعراً، ومنها ما يكون سجعاً، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون جواباً، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون خطباً، ومنها ما يكون رسائل؛ فعامة هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلى المعنى والإيجاز هو البلاغة. قال صاحب الكتاب: فهذا ابن المقفع جعل من السكوت بلاغة رغبة في الإيجاز وقال بعض الكلبيين: واعلم بأن من السكوت إبانة ... ومن التكلم ما يكون خبالا وقلت أنا في مثل ذلك: وأخرق أكال للحم صديقه ... وليس لجاري ريقه بمسيغ سكت له ضناً بعرضي فلم أحب ... ورب جواب في السكوت بليغ وقلت أيضاً ولم أذكر بلاغة:

стр. 226

أيها الموحي إلينا ... نفثة الصل الصموت ما سكتنا عنك عياً ... رب نطق في السكوت لك بيت في البيوت ... مثل بيت العنكبوت إن يهن وهناً ففيه ... حيلتا سكنى وقوت وقيل لبعضهم: ما البلاغة؟ فقال: إبلاغ المتكلم حاجته بحسن إفهام السامع، ولذلك سميت بلاغة. وقال آخر: البلاغة أن تفهم المخاطب بقدر فهمه، من غير تعب عليك. وقال آخر: البلاغة معرفة الفصل من الوصل. وقيل: البلاغة حسن العبارة، مع صحة الدلالة. وقيل: البلاغة أن يكون أول كلامك يدل على آخره، وآخره يرتبط بأوله. وقيل: البلاغة القوة على البيان، مع حسن النظام. ومن قول السيد أبي الحسن أدام الله عزه في صفة كاتب بالبلاغة وحسن الخط: فضل الأنام بفضل علم واسعٍ ... وعلا مقالهم بفصل المنطق وحكى لنا وشي الرياض وقد وشت ... أقلامه بالنقش بطن المهرق فبلغ ما أراد من الوصف في اختصار وقلة تكلف. ونحو ذلك قوله أيضاً: إذا مشقت يمناك في الطرس أسطراً ... حكيت بها وشي الملاء المعضد يروق مجيد الخط حسن حروفها ... ويعجب منها بالمقال المسدد وهذا الشعر كالأول في الجزء وإصابة المفصل، وإن أبا الحسن لكما قال سميه أبو الطيب خاتم الشعراء: عليم بأسرار الديانات واللغى ... له خطرات تفضح الناس والكتبا بلى كما قال ولي نعمته، وشاكر منته:

стр. 227

إني لأعجب كيف يحسن عقده ... شعر من الأشعار مع إحسانه ما ذاك إلا أنه در النهى ... يفد التجار به على دهقانه أستغفر الله لا أجحد أبا الطيب حقه، ولا أنكر فضله، وقد قال: ملك منشد القريض لديه ... يضع الثوب في يدي بزاز ثم نرجع إلى وصف البلاغة، بعد ما أفضينا ووشحنا هذا الباب من ذكر السيد، فنقول: وقالوا: البلاغة ضد العي، والعي: العجز عن البيان. وقيل: لا يكون الكلام يستوجب اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك. وسأل عامر بن الظرب العدواني حمامة بن رافع الدوسي بين يدي بعض ملوك حمير فقال: من أبلغ الناس؟ قال: من حلى المعنى المزيز باللفظ الوجيز، وطبق المفصل قبل التحريز. قيل لأرسطاطاليس: ما البلاغة؟ قال: حسن الاستعارة. وقال الخليل: البلاغة ما قرب طرفاه، وبعد منتهاه. وقيل لخالد بن صفوان: ما البلاغة؟ قال: إصابة المعنى، والقصد إلى الحجة وقيل لإبراهيم الإمام: ما البلاغة؟ قال: الجزالة، والإطالة، وهذا مذهب جماعة من الناس جلة، وبه كان ابن العميد يقول في منثوره. وقيل لبعض الجلة: ما البلاغة؟ فقال: تقصير الطويل، وتطويل القصير، يعني بذلك القدرة على الكلام. وقال أبو العيناء: من اجتزأ بالقليل عن الكثير، وقرب البعيد إذا شاء، وبعد القريب، وأخفى الظاهر، وأظهر الخفي.

стр. 228

وقال البحتري يمدح محمد بن عبد الملك الزيات حين استوزر، ويصف بلاغته: ومعاون لو فضلتها القوافي ... هجنت شعر جرولٍ ولبيد حزن مستعمل الكلام اختياراً ... ووتجنبن ظلمة التعقيد وركبن اللفظ القريب فأدرك ... ن به غاية المراد البعيد والبيت الأول من هذه القطعة يشهد بفضل الشعر على النثر. وحكى الجاحظ عن الإمام إبراهيم بن محمد قوله: كفى من حظ البلاغة ألا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع. ثم قال الجاحظ: أما أنا فأستحسن هذا القول جداً. ومن كلام ابن المعتز: البلاغة بلوغ المعنى، ولما يطل سفر الكلام. وقال ابن الأعرابي: البلاغة التقرب من البغية، ودلالة قليل على كثير. وقال بعض المحدثين: البلاغة إهداء المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ. ومن كلام أبي منصور عبد الملك بن إسماعيل الثعالبي، قال: قال بعضهم: البلاغة ما صعب على التعاطي وسهل على الفطنة. وقال: خير الكلام ما قل ودل، وجل ولم يمل. وقال: أبلغ الكلام ما حسن إيجازه، وقل مجازه، وكثر إعجازه، وتناسبت صدوره وأعجازه. قال: وقيل: البليغ من يجتني من الألفاظ نوارها، ومن المعاني ثمارهاً.

стр. 229

وهذا الذي حكاه الثعالبي مما يدلك على حذق أبي الطيب في قوله لابن العميد: قطف الرجال القول قبل نباته ... وقطفت أنت القول لما نورا وكان يمكنه أن يقول لما أثمر لكن ذهب إلى ما قدمت، وإن ما اقتدى بقول أبي تمام: ويجف نوار الكلام، وقلما ... يلفى بقاء الغرس بعد الماء وكان بعضهم يقول: تلخيص المعاني رفق، والاستعانة بالغريب عجز، والتشادق في غير أهل البادية نقص، والخروج مما بنى عليه الكلام إسهاب. وقال العتابي: قيم الكلام العقل، وزينته الصواب، وحليته الإعراب، ورائضة اللسان، وجسمه القريحة، وروحه المعاني.. وقال عبد الله بن محمد بن جميل المعروف بالباحث: البلاغة الفهم والإفهام وكشف المعاني بالكلام، ومعرفة الإعراب، والاتساع في اللفظ، والسداد في النظم، والمعرفة بالقصد، والبيان في الأداء وصواب الإشارة، وإيضاح الدلالة، والمعرفة بالقول، والاكتفاء بالاختصار عن الإكثار، وإمضاء العزم على حكومة الاختيار. قال: وكل هذه الأبواب محتاج بعضها إلى بعض، كحاجة بعض أعضاء البدن إلى بعض، لا غنى لفضيلة أحدها عن الآخر؛ فمن أحاط معرفة بهذه الخصال فقد كمل كل كمال، ومن شذ عنه بعضها لم يبعد من النقص بما اجتمع فيه منها. قال: والبلاغة تخير اللفظ في حسن الإهام. وسئل الكندي عن البلاغة، فقال: ركنها اللفظ، وهو على ثلاثة أنواع: فنوع لا تعرفه العامة ولا تتكلم به، ونوع تعرفة وتتكلم به، ونوع تعرفة ولا تتكلم به، وهو أحمدها. ومن كتاب عبد الكريم قالوا: حسن البلاغة أن يصور الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق.

стр. 230

قال: ومنهم من يعيب ذلك المعنى، ويعده إسهابا، وآخره يعده نفاقاً. قال: ومر غيلان بن خرشة الضبي مع عبد الله بن عامر بنهر أم عبد الله الذي يشق البصرة فقال عبد الله بن عامر: ما أصلح هذا النهر لأهل هذا المصر!! فقال غيلان: أجل والله أيها الأمير: يتعلم فيه العوم صبيانهم. ويكون لسقياهم، ومسيل مياههم، ويأتيهم بميرتهم.. قال: ثم مر غيلان يساير زياد على ذلك النهر وقد كان عادي ابن عامر. فقال له: ما أضر هذا النهر لأهل هذا المصر!! فقال غيلان: أجل والله أيها الأمير: تندى منه دورهم، ويغرق فيه صبيانهم، ومن أجله يكثر بعوضهم؛ فكره الناس من البيان مثل هذا، انقضى كلام عبد كريم. والذي أراه أنا أن هذا النوع من البيان غير معيب بأنه نفاق؛ لأنه لم يجعل الباطل حقاً على الحقيقة، ولا الحق باطل، وإن ما وصف محاسن شيء مرة، ثم وصف مساويه مرة أخرى: كما فعل عمرو بن الأهتم بين يدي رسول الله ﷺ وقد سأله عن الزبرقان بن بدر، فأثنى خيراً فقال: مانع بحوزته، مطاع في أنديته ويروى في أذينه فلم يرض الزبرقان بذلك، وقال: أما إنه قد علم أكثر مما قال، ولكن حسدني لشرفي وفي روايةٍ أخرى حسدني مكاني منك، يخاطب النبي ﷺ فأثنى عليه عمرو شراً، وقال: أما لئن قال ما قال لقد علمته ضيق الصدر، زمر المروة، أحمق الأب، لئيم الخال، حديث الغنى، ثم قال: والله يا رسول الله ما كذبت عليه في الأولى، وقد صدقت في الآخرة، ولكن أرضاني فقلت بالرضا، وأسخطني فقلت بالسخط، فقال رسول الله عليه وسلم: إن من البيان لسحراً قال أبو عبيد القاسم بن سلام: وكأن المعنى والله أعلم أنه يبلغ من بيانه أن يمدح الإنسان فيصدق فيه حتى يصرف

стр. 231

القلوب إلى قوله، ثم يذمه فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله الآخر، فكأنه سحر السامعين بذلك. وقال الجاحظ: العربي يعاف البذاء، ويهجو به غيره، فإذا ابتلى به فخر به، ولكنه لا يفخر به لنفسه من جهة ما هجا به صاحبه. ودخل أبو العيناء على المتوكل، فقال له: بلغني عنك بذاء، قال: إن يكن البذاء صفة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فقد زكي الله وذم فقال: " نعم العبد إنه أواب " وقال: " هماز مشاء بنميم، مناع للخير معتد أثيم، عتل بعد ذلك زنيم " فذمه حتى قذفه، وأما أن أكون كالعقرب التي تلسع النبي والذمى فقد أعاد الله عبدك من ذلك، وقد قال الشاعر: إذا أنا بالمعروف لم أثن صادقاً ... ولم أشتم الجبس اللئيم المذمما ففيم عرفت الخير والشر باسمه ... وشق لي الله المسامع وألفما؟ قال الجاحظ: قال ثمامة بن أشرس: قلت لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ قال: أن يكون اللفظ يحيط بمعناك، ويخبر عن مغزاك، ويخرجه من الشركة، ولا يستعين عليه بالكثرة، والذي لا بد منه أن يكون سليماً من التكلف، بعيداً من الصنعة، برياً من التعقيد، غنياً عن التأويل قال الجاحظ: وهذا هو تأويل قول الأصمعي: البليغ من طبق المفصل، وأغناك عن المفسر. قال أبو عبيدة: البليغ: البلغ، بفتح الباء، وقال غيره: البلغ: الذي يبلغ ما يريد من قول وفعل، والبلغ: الذي لا يبالي ما قال وما قيل فيه، كذلك قال أبو زيد، وحكى ابن دريد كلام بلغ وبليغ، وقال ابن الأعرابي: يقال بلغ وبلغ، ولا شك أن ابن الأعرابي قال: إنما هو في الأهوج الذي لا يبالي حيث وقع من القول. وقد تكرر في هذا الباب من أقاويل العلماء مالم يخف عني، ولا غفلته، لكن اغتفرت ذلك لاختلاف العبارات، ومدار هذا الباب كله على أن بلاغة

стр. 232

وضع الكلام موضعه من طول أو إيجاز، مع حسن العبارة، ومن جيد ما حفظته قول بعضهم: البلاغة شد الكلام معانيه وإن قصر، وحسن التأليف وإن طال. باب الإيجاز الإيجاز عند الرماني على ضربين: مطابق لفظه لمعناه: لا يزيد عليه، ولا ينقص عنه، كقولك: " سل أهل القرية "، ومنه ما فيه حذف للاستغناء عنه في ذلك الموضع، كقول الله : " واسأل القرية " وعبر عن الإيجاز بأن قال: هو العبارة عن الغرض بأقل ما يمكن من الحروف، ونعم ما قال، إلا أن هذا الباب متسع جداً، ولكل نوع منه تسمية سماها أهل هذه الصناعة.. فأما الضرب الأول مما ذكر أبو الحسن فهم يسمونه المساواة. ومن بعض ما أنشدوا في ذلك قول الشاعر: يا أيها المتحلي غير شيمته ... إن التخلق يأتي دونه الخلق ولا يواتيك فيما ناب من حدث ... إلا أخو ثقة، فانظر بمن تثق فهذا شعر لا يزيد لفظه على معناه، ولا معناه على لفظه شيئاً.. ومثله قول أبى العتاهية ورواه بعضهم للحطيئة، وهذا شرف عظيم لأبي العتاهية إن كان الشعر له، ولا أشك فيه: الحمد لله إني في جوار فتى ... حامي الحقيقة نفاع وضرار لا يرفع الطرف إلا عند مكرمة ... من الحياء، ولا يغضي على عار وأنشد عبد الكريم في اعتدال الوزن: إنما الذلفاء همي ... فليدعني من يلوم أحسن الناس جميعاً ... حين تمشي وتقوم

стр. 233

أصل الحبل لترضى ... وهي للحبل صروم ثم قال: عندهم أنه ليس في هذا الشعر فضلة عن إقامة الوزن، وهذه الأبيات وأشكالها داخلة في باب حسن النظم عند غير عبد الكريم. والضرب الثاني مما ذكر الرماني وهو قول الله " واسأل القرية " يسمونه الاكتفاء، وهو داخل في باب المجاز؛ وفي الشعر القديم والمحدث منه كثير، يحذفون بعض الكلام لدلالة الباقي على الذاهب: من ذلك قول الله : " ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى " كأنه قال: لكان هذا القرآن. ومثله قولهم: لو رأيت علياً بين الصفين، أي: لرأيت أمرا عظيماً، وإنما كان هذا معدوداً من أنواع البلاغة لأن نفس السامع تتسع في الظن والحساب، وكل معلوم فهو هين؛ لكونه محصوراً، وقال امرؤ القيس: فلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفساً كأنه قال: لهان الأمر، ولكنها نفس تموت موتات، ونحو هذا، ومن الحذف قول الله : " فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم " أي: فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟. ومن كلام النبي ﷺ قوله للمهاجرين وقد شكروا عنده الأنصار: " أليس قد عرفتم ذلك لهم؟ " قالوا: بلى، قال:

стр. 234

" فإن ذلك " يريد فإن ذلك مكافأة لهم. وروى أبو عبيدة أن سفيان الثوري قال: جاء رجل من قريش إلى عمر بن عبد العزيز يكلمه في حاجة له، فجعل يحث بقرابته، فقال عمر: " فإن ذلك " ثم ذكر حاجته، فقال: " لعل ذلك ".. وقال الطرماح يوماً للفرزدق: يا أبا فراس، أنت القائل: إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول أعز مما ذا وأطول مما ذا؟ وأذن المؤذن، فقال له الفرزدق: يا لكع ألا تسمع ما يقول المؤذن " الله أكبر " أكبر مما ذا أعظم مما ذا؟؟ فانقطع الطرماح انقطاعاً فاضحاً وزعم بعض العلماء أن معنى قول الفرزدق عزيز طويل، ولكنه بناه على أفعل مثل أبيض وأحمر وما شاكلها، فجعله لازماً لما في ذلك من الفخامة في اللفظ والاستظهار في المعنى. ومن الإيجاز قول الأعرابي في صفة الذئب: أطلس يخفي شخصه غباره ... في شدقه شفرته وناره فقوله في الشفرة والنار إيجاز مليح. وقال آخر في صفة سهم صادر: غادر داء ونجا صحيحاً وقال آخر في صفة ناقة: خرقاء إلا أنها صناع وقال أبو نواس يصف جنين ناقة مخدجاً: ميت النسا حي الشعر وقال ابن المعتز يصف بازياً: مبارك إذا رأى فقد رزق

стр. 235

ومن الإيجاز البديع قول الله : " وقيل يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء أقلعي، وغيض الماء، واستوت على الجودي، وقيل: بعداً للقوم الظالمين " وقله تعالى: " خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين " فكل كلمة من هذه الكلمات في مقام كلام كثير، وهي على ماترى من الإحكام والإيجاز، ومثل ذلك قوله تعالى: " يحسبون كل صيحة عليهم، هم العدو، فاحذرهم، قاتلهم الله أنى يؤفكون " وقوله تعالى: " وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها " وقوله: " إن تتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس " وقال النبي ﷺ للأنصار: " إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع " وقال: " كفى بالسلامة داء " ومثل هذا كثير في كلامه ﷺ ، ومن أولى منه بالفصاحة وأحق بالإيجاز؟ وقد فقال: " أعطيت جوامع الكلم " فأما قوله ﵊: " كفى بالسيف شا " يريد " شاهداً فقد حكاه قوم من أصحاب الكتب: أحدهم عبد الكريم، والذي أرى أن هذا ليس مما ذكروا في شيء؛ لأن رسول الله ﷺ إنما قطع الكلمة وأمسك عن تمامها لئلا تصير حكماً، ودليل ذلك أنه قال: " لولا أن يتتابع فيه الغيران والسكران " فهذا وجه الكلمة والله أعلم، لا كما قال علقمة بن عبدة: كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم يريد " بسبائب الكتان " فحذف اضطراراً؛ لأن الوزن لا يستقيم له إلا بعد الحذف، وكذلك قول لبيد:

стр. 236

درس المنا بمتالع قأبان يريد " المنازل " فحذف للضرورة أيضاً، ورسول الله ﷺ غير متكلف ولا مضطر. فأما سائر العرب فالحذف في كلامهم كثير؛ لحب الاستخفاف، وتارة للضرورة، وسيرد عليك في باب الرخص، إن شاء الله تعالى. باب البيان قال أبو الحسن الرماني في البيان: هو إحضار المعنى للنفس بسرعة إدراك، وقيل ذلك لئلا يلتبس بالدلالة؛ لأنها إحضار المعنى للنفس وإن كان بإبطاء. وقال: البيان: الكشف عن المعنى حتى تدركه النفس من غير عقلة، وإنما قيل ذلك لأنه قد يأتي التعقيد في الكلام الذي يدل، ولا يستحق اسم البيان. قال صاحب الكتاب: وقد مر بي في باب البلاغة قول غيلان بن خرشة في صفة نهر أم عبد الله مادحاً وذاماً، وهو من جيد البيان عندهم، وكذلك قول عمرو بن الأهتم في الزبرقان بين يدي رسول الله ﷺ حين قال النبي ﷺ : " إن من البيان لسحراً " وقال مثل ذلك للعلاء بن الحصين وقد سأله: هل تروي من الشعر شيئاً؟ فأنشد: حي ذوى الأضغان تسب عقولهم ... تحيتك الحسنى وقد يرقع النعل

стр. 237

فإن دحسوا بالكره فاعف تكرما ... وإن خنسوا عنك الحديث فلا تسل فإن الذي يؤذيك سماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يقل قال النبي ﷺ : " إن من الشعر لحكماً " وروى " لحكمة ". ومن البيان الموجز الذي لا يقرن به شيء من الكلام قول الله تعالى: " ولكم في القصاص حياة " وقوله في الإعراب عن صفته: " قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد " فبين تعالى أنه واحد لا ثاني معه، وأنه صمد لا جوف له وقيل: الصمد السيد الذي يصمد إليه في الأمور كلها، ولا يعدل عنه، وقيل: العالي المرتفع وأنه غير والد ولا مولود، وأنه لا شبه له ولا مثل وقيل: إن الكفو ههنا الصاحبة تعالى الله وإنما نزلت هذه السورة لما سألت اليهود رسول الله ﷺ فقالوا له: صف لنا ربك وانسبه فقد وصف نفسه في التوراة ونسبها، فأكبر رسول الله ﷺ ذلك، وقال: لو سألتموني أن أصف لكم الشمس لم أقدر على ذلك، فبينما هو كذلك إذ هبط عليه جبريل ﵇ فقال: يا محمد " قل هو الله أحد " السورة. ومن كلام رسول الله ﷺ وصحابته ﵃ قوله ﷺ : " المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم " و " المرء كثير بأخيه " فهذا كلام في نهاية البيان والإيجاز. وقال أبو بكر ﵁ في بعض مقاماته: " وليت أموركم ولست بخيركم،

стр. 238

أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم " فقد بلغ بهذه الألفاظ الموجزة غاية البيان. وقال عمر بن الخطاب ﵁ في بعض خطبه: " أيها الناس، إنه والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له، ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه " وروى ذلك المبرد عن العتبي، وذكر الأخفش عن علي بن سليمان هذه الخطبة فقال: الصحيح عندي أنها لأبي بكر.. ومن كلام عمر ﵁: " كفى بالمرء غياً أن تكون فيه خلة من ثلاث: أن يعيب شيئاً ثم يأتي مثله، أو يبدو له من أخيه ما يخفى عليه من نفسه، أو يؤذي جليسه فيما لا يعنيه ". وكتب عثمان بن عفان إلى علي بن أبي طالب رحمة الله عليهما لما أحيط به " أما بعد فإنه قد جاوز الماء الزبى، وبلغ الحزام الطبيين، وتجاوز الأمر بي قدره، وطمع في من لا يدفع عن نفسه. فإن كنت مأكولاً فكن أنت آكلي ... وإلا فأدركني ولما أمزق " البيت الذي قد تضمنته الرسالة من شعر الممزق العبدي، يقوله لعمرو بن هند في قصيدة مشهورة، وبه سمي الممزق، واسمه شاس بن نهار. وخاطب عثمان علياً يعاتبه وهو مطرق، فقال له: ما بالك لا تقول؟ فقال علي: إن قلت لم أقل إلا ما تكره، وليس لك عندي إلا ما تحب، قال المبرد: تأويل ذلك: إن قلت اعتددت عليك بمثل ما اعتددت به علي، فلدغك عتابي، وعقدي ألا أفعل وإن كنت عاتباً إلا ما تحب. وهذا قليل من كثير يستدل به عليه، ولو تقصيت ما وقع من ألفاظ التابعين، وما تقدمت به شعراء الجاهلية والإسلام؛ لأفنيت العمر دون

стр. 239

ذلك، وقد استفرغ أبو عثمان الجاحظ وهو علامة وقته الجهد وصنع كتاباً لا يبلغ جودة وفضلاً، ثم ما ادعى إحاطة بهذا الفن لكثرته وأن كلام الناس لا يحيط به إلا الله . باب النظم قال أبو عثمان الجاحظ: أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه أفرغ إفراغاً واحداً، وسبك سبكاً واحداً؛ فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان. وإذا كان الكلام على هذا الأسلوب الذي ذكره الجاحظ لذ سماعه، وخف محتمله، وقرب فهمه، وعذب النطق به، وحلي في فم سامعه، فإذا كان متنافراً متبايناً عسر حفظه، وثقل على اللسان النطق به، ومجته المسامع فلم يستقر فيها منه شيء. وأنشد الجاحظ قال: أنشدني أبو العاصي قال: أنشدني خلف: وبعض قريض القوم أبناء علةٍ ... يكد لسان الناطق المتحفظ وأنشد عنه أبي البيداء الرياحي: وشعرٍ كبعر الكبش فرق بينه ... لسان دعي في القريض دخيل واستحسن أن يكون البيت بأسره كأنه لفظة واحدة لخفته وسهولته، واللفظة كأنها حرف واحد، وأنشد قول الثقفي: من كان ذ عضدٍ يدرك ظلامة ... إن الذليل الذي ليست له عضد تنبو يداه إذا ما قل ناصره ... ويأنف الضيم إن أثرى له عدد

стр. 240

والناس مختلفو الرأي في مزاوجة الألفاظ: منهم من يجعل الكلمة وأختها، وأكثر ما يقع ذلك في ألفاظ الكتاب، وبه كان يقول البحتري في أكثر أشعاره، من ذلك قوله: تطيب بمسراها البلاد إذا سرت ... فيفغم رياها ويصفو نسيمها ففي القسيم الآخر تناسب ظاهر.. وكذلك قوله: ضاق صدري بما أج ... ن وقلبي بما أجد وقوله أيضاً في مدح المتوكل: لقد اصطفى رب السما ... ء له الخلائق والشيم ومنهم من يقابل لفظتين بلفظتين، ويقع في الكلام حينئذ تفرقة وقلة تكلف: فمن المتناسب قول علي بن أبي طالب ﵁ في بعض كلامه " أين من سعى واجتهد، وجمع وعدد، وزخرف ونجد، وبنى وشيد " فأتبع كل لفظة ما يشاكلها، وقرنها بما يشبهها. ومن الفرق المنفصل قول امرئ القيس: كأني لم أركب جواداً للذة ... ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال ولم أسبإ الزق الروي، ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال وكان قد ورد على سيف الدولة رجل بغدادي يعرف بالمنتخب، ولا يكاد يسلم منه أحد من القدماء والمحدثين، ولا يذكر شعر بحضرته إلا عابه، وظهر على صاحبه بالحجة الواضحة، فأنشد يوماً هذين البيتين، فقال: قد خالف فيهما وأفسد، لو قال: كأني لم أركب جواداً، ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال ولم أسبإ الزق الروي للذة ... ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال لكان قد جمع بين الشيء وشكله؛ فذكر الجواد والكر في بيت،

стр. 241

وذكر النساء والخمر في بيت، فالتبس الأمر بين يدي سيف الدولة، وسلموا له ما قال، فقال رجل ممن حضر: ولا كرامة لهذا الرأي، والله أصدق منك حيث يقول: " إن لا ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى " فأتى بالجوع مع العري ولم يأت به مع الظمأ، فسر سيف الدولة، وأجازه بصلة حسنة. قال صاحب الكتاب: قول امرئ القيس أصوب، ومعناه أعر وأغرب؛ لأن اللذة التي ذكرها إنما هي الصيد، هكذا قال العلماء، ثم حكى عن شبابه وغشيانه النساء: فجمع في البيت معنيين، ولو نظمه على ما قال المعترض لنقص فائدة عظيمة، وفضيلة شريفة تدل على السلطان، وكذلك البيت الثاني: لو نظمه على ما قال لكان ذكر اللذة حشواً لا فائدة فيه؛ لأن الزق لا يسبأ إلا للذة، فإن جعل الفتوة كما جعلناها فيما تقدم الصيد قلنا: في ذكر الزق الروي كفاية ولكن امرأ القيس وصف نفسه بالفتوة والشجاعة بعد أن وصفها بالتملك والرفاهة. وأما احتجاج الآخر بقول الله فليس من هذا في شيء؛ لأنه أجرى الخطاب على مستعمل العادة، وفيه مع ذلك تناسب؛ لأن العادة أن يقال: جائع عريان، ولم يستعمل في هذا الموضع عطشان ولا ظمآن، وقوله تعالى: " تظمأ " و " تضحى " متناسب؛ لأن الضاحي هو الذي لا يستره شيء عن الشمس، والظمأ من شأن من كانت هذه حاله. وقال الجاحظ: في القرآن معان لا تكاد تفترق، من مثل: الصلاة والزكاة، والخوف والجوع، والجنة والنار، والرغبة والرهبة، والمهاجرين والأنصار، والجن والإنس، والسمع والبصر. ومن الشعراء من يضع كل لفظة موضعها لا يعدوه؛ فيكون كلامه ظاهراً

стр. 242

غير مشكل، وسهلاً غير متكلف، ومنهم من يقدم ويؤخر: إما لضرورة وزن، أو قافية وهو أعذر، وإما ليدل على أنه يعلم تصريف الكلام، ويقدر على تعقيده، وهذا هو العي بعينه، وكذلك استعمال الغرائب والشذوذ التي يقل مثلها في الكلام، فقد عيب على من لا تعلق به التهمة نحو قول الفرزدق: على حالة لو أن في البحر حاتماً ... على جوده ما جاد بالماء حاتم فخفض حاتماً على البدل من الهاء التي في " جوده " حتى رأى قوم من العلماء أن الإقواء في هذا الموضع خير من سلامة الإعراب مع الكلفة، وكذلك قوله: نفلق هاماً لم تنله أكفنا ... بأسيافنا هام الملوك القماقم أراد: نفلق بأسيافنا هام الملوك القماقم، ثم نبه وقرر فقال: هاماً لم تنله أكفنا، يريد أي قوم لم نملكهم ونقهرهم، وهذا عند الصدور المذكورين بالعلم تكلف وتعمل، لا تعرفه العرب المطبوعون، وكذلك: إن الفرزدق صخرة عادية ... طالت فليس تنالها الأوعالا نصب الأوعال بطالت، ويروي " عزت ". وأكثر شعر أبي الطيب من هذه العلامة، ومما لا بأس به قول الخنساء: فنعم الفتى في غداة الهياج ... إذا ما الرماح نجيعاً روينا فقدمت " نجيعاً " على " روينا " مبادرة للخبر بالري من أي شيء هو، وكذلك قول أبي السفاح بكير بن معدان اليربوعي: نهنهته عنك فلم ينهه ... بالسيف إلا جلدات وجاع

стр. 243

أراد نهنهته عنك بالسيف، أو أراد فلم ينهه إلا جلدات وجاع بالسيف، وكلاهما فيه تقديم وتأخير. ورأيت من علماء بلدنا من لا يحكم للشاعر بالتقدم، ولا يقضى له بالعلم، إلا أن يكون في شعره التقديم والتأخير، وأنا أستثقل ذلك من جهة ما قدمت، وأكثر ما تجده في أشعار النحويين. ومن الشعر ما تتقارب حروفه أو تتكرر فتثقل على اللسان، نحو قول ابن بشر: لم يضرها والحمد لله شيء ... وانثنت نحو عزف نفس ذهول فإن القسيم الآخر من هذا البيت ثقيل؛ لقرب الحاء من العين، وقرب الزاي من السين. وقال آخر: وقبر حرب في مكان قفرٍ ... وليس قرب قبر حرب قبر فتكررت الألفاظ، وترددت الحروف، حتى صار ألقية يختبر به الناس، ولا يقدر أحد أن ينشده ثلاث مرات إلا عثر لسشانه فيه وغلط. وقال كعب بن زهير: تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول فجمع بين الضاد والذال والظاء، وهي متقاربة متشاكلة. ومن حسن النظم أن يكون الكلام غير مثبج، والتثبيج: جنس من المعاظلة ترد في بابها إن شاء الله تعالى. ومن الناس من يستحسن الشعر مبنياً بعضه على بعض، وأنا أستحسن أن يكون كل بيت قائماً بنفسه لا يحتاج إلى ما قبله ولا إلى ما نعده، وما سوى ذلك فهو عندي تقصير، إلا في مواضع معروفة، مثل الحكايات وما شاكلها، فإن بناء

стр. 244

اللفظ على اللفظ أجود هنالك من جهة السرد، ولم أستحن الأول على أن فيه بعداً وتنافراً، إلا أنه إن كان كذلك فهو الذي كرهت من التثبيح. باب المخترع والبديع المخترع من الشعر هو: ما لم يسبق إليه قائله، ولا عمل أحد من الشعراء قبله نظيره أو ما يقرب منه، كقول امرئ القيس: سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال فإنه أول من طرق هذا المعنى وابتكره، وسلم الشعراء إليه، فلم ينازعه أحد إياه، وقوله: كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي وله اختراعات كثيرة يضيق عنها الموضع، وهو أول الناس اختراعاً في الشعر، وأكثرهم توليداً. ومن الاختراع قول طرفة: ولولا ثلاث هن من لذة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي فمنهن سبق العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد وكري إذا نادى المضاف محنباً ... كسيد الغضاذي الطخية المتورد

стр. 245

وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنةٍ تحت الطراف المعمد وقوله يصف السفينة في جريها: يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفائل باليد وله أيضاً اختراعات أكثرها من هذه القصيدة. وقال نابغة بني ذبيان: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد وقوله أيضاً من الاختراعات: لو أنها عرضت لأشمط راهبٍ ... عبد الإله صرورةٍ متعبد لرنا لرؤيتها وحسن حديثها ... ولخاله رشداً وإن لم يرشد وما زالت الشعراء تخترع إلى عصرنا هذا وتولد، غير أن ذلك قليل في الوقت والتوليد: أن يستخرج الشاعر معنى من معنى شاعر تقدمه، أو يزيد فيه زيادة؛ فلذلك يسمى التوليد، وليس باختراع؛ لما فيه من الاقتداء بغيره، ولا يقال له أيضاً سرقة إذا كان ليس آخذاً على وجهه، مثال ذلك قول امرئ القيس: سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال فقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة،، وقيل: وضاح اليمن: فاسقط علينا كسقوط النوى ... ليلة لا ناهٍ ولا زاجر فولد معنى مليحاً اقتدى فيه بمعنى امرئ القيس دون أن يشركه في شيء من لفظه، أو ينحو نحوه إلا في المحصول، وهو لطف الوصول إلى حاجته في خفية. وأما الذي فيه زيادة فكقول جرير يصف الخيل:

стр. 246

يخرجن من مستطير النقع داميةً ... كأن آذانها أطراف أقلام فقال عدي بن الرقاع يصف قرن الغزال: تزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها فولد بعد ذكر القلم إصابته مداد الدواة بما يقتضيه المعنى؛ إذ كان القرن أسود. وقال العماني الراجز بين يدي الرشيد يصف الفرس: تخال أذنيه إذا تشوفا ... قادمةً أو قلما محرفا فولد ذكر التحريف في القلم، وهو زيادة صفة. ومن التوليد قول أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان: لكل قبيلة ثبج وصلب ... وأنت الرأس أول كل هاد فقال نصيب لمولاه عمر بن عبد العزيز: فأنت رأس قريش وابن سيدها ... والرأس فيه يكون السمع والبصر فولد هذا الشرح وإن كان مجملاً في قول أمية بن أبي الصلت ... ثم أتى علي بن جبلة فقال يمدح حميد بن الحميد: فالناس جسم، وإمام الهدى ... رأس، وأنت العين في الرأس فأوقع ذكر العين على مشبه معين، ولم يفعل نصيب كذلك، لكن أتى بالسمع والبصر على جهة التعظيم؛ لأن من ولد عمر ولي عهد، ففي قول علي بن جبلة زيادة.. وجاء ابن الرومي فقال: عين الأمير هي الوزي ... ر، وأنت ناظرها البصير فرتب أيضاً ترتيباً فيه زيادة، فهذا مجرى القول في التوليد.

стр. 247

وأكثر المولدين اختراعاً وتوليداً فيما يقول الحذاق أبو تمام، وابن الرومي. والفرق بين الاختراع والإبداع وإن كان معناهما في العربية واحداً أن الاختراع: خلق المعاني التي لم يسبق إليها، والإتيان بما لم يكن منها قط، والإبداع إتيان الشاعر بالمعنى المستظرف، والذي لم تجر العادة بمثله، ثم لزمته هذه التسمية حتى قيل له بديع وإن كثر وتكرر، فصار الاختراع للمعنى والإبداع للفظ؛ فإذا تم للشاعر أن يأتي بمعنى مخترع في لفظ بديع فقد استولى على الأمد، وحاز قصب السبق. واشتقاق الاختراع من التليين يقال: " بيت خرع " إذا كان ليناً، والخروع فعول منه، فكأن الشاعر سهل طريقة هذا المعنى ولينه حتى أبرزه. وأما البديع فهو الجديد، وأصله في الحبال، وذلك أن يفتل جديداً ليس من قوى حبل نقضت ثم فتلت فتلاً آخر. وأنشدوا للشماخ بن ضرار: أطار عقيقه عنه نسالا ... وأدمج دمج ذي شطر بديع والبديع ضروب كثيرة، وأنواع مختلفة، أنا أذكر منها ما وسعته القدرة وساعدت فيه الفكرة، إن شاء الله تعالى، على أن ابن المعتز وهو من جمع البديع، وألف فيه كتاباً لم يعده إلا خمسة أبواب: الاستعارة أولها، ثم التجنيس، ثم المطابقة، ثم رد الأعجاز على الصدور، ثم المذهب الكلامي، وعد ما سوى هذه الخمسة أنواع محاسن، وأباح أن يسميها من شاء ذلك بديعاً، وخالفه من بعده في أشياء منها يقع التنبيه عليها والاختيار فيها حيثما وقعت من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى. باب المجاز العرب كثيراً ما تستعمل المجاز، وتعده من مفاخر كلامها؛ فإنه دليل الفصاحة، ورأس البلاغة، وبه بانت لغتها عن سائر اللغات.

стр. 248

ومعنى المجاز طريق القول ومأخذه، وهو مصدر جزت مجازاً كما تقول " قمت مقاماً "، وقلت مقالاً " حكى ذلك الحاتمي، ومن كلام عبد الله بن مسلم بن قتيبة في المجاز قال: لو كان المجاز كذباً لكان أكثر كلامنا باطلاً؛ لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السعر، ونقول: كان هذا الفعل منك في وقت كذا، والفعل لم يكن وإنما يكون، وتقول: كان الله، وكان بمعنى حدث، والله قبل كل شيء، وقال في قول الله : " فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه " لو قلنا لمنكر هذا كيف تقول في جدار رأيته على شفا انهيار؟ لم يجد بداً من أن يقول: يهم أن ينقض، أو يكاد، أو يقارب، فإن فعل فقد جعله فاعلاً، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من ألسنة العجم إلا بمثل هذه الألفاظ. والمجاز في كثير من الكلام أبلغ من الحقيقة، وأحسن موقعاً في القلوب والأسماع، وما عدا الحقائق من جميع الألفاظ ثم لم يكن محالاً محضاً فهو مجاز؛ لاحتماله وجوه التأويل، فصار التشبيه والاستعارة وغيرهما من محاسن الكلام داخلة تحت المجاز، إلا أنهم خصوا به أعني اسم المجاز باباً بعينه؛ وذلك أن يسمى الشيء باسم ما قاربه أو كان منه سبب، كما قال جرير ابن عطية: إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا أراد المطر لقربه من السماء، ويجوز أن تريد بالسماء السحاب؛ لأن كل ما أظلك فهو سماء، وقال " سقط " يريد سقوط المطر الذي فيه، وقال " رعيناه " والمطر لا يرعى، ولكن أراد النبت الذي يكون عنه؛ فهذا كله مجاز، وكذلك قول العتابي:

стр. 249

يا ليلة لي بجوارين ساهرةً ... حتى تكلم في الصبح العصافير فجعل الليلة ساهرة على المجاز، وإنما يسهر فيها، وجعل للعصافير كلاماً، ولا كلام لها على الحقيقة. ومثله قول الله إخباراً عن سليمان صلى الله على سيدنا محمد وعليه: " يا أيها الناس علمنا منطق الطير " وإنما الحيوان الناطق الإنس والجن والملائكة، فأما الطير فلا، ولكنه مجاز مليح واتساع، وهذا أكثر من أن يحصره أحد، ومثله في كتاب الله كثير، من ذلك قوله تعالى: " واسأل القرية " ومثله " وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم " يعني حبه، ومنه: " فتبارك الله أحسن الخالقين " وهو الخالق حقاً وغيره خالق مجازاً، وقوله: والله خير الماكرين وإنما سمي ذلك مكراً لكونه مجازاة عن مكر، وكذلك قوله: " فبشرهم بعذاب أليم " والعذاب لا يبشر به، وإنما هو أنه مكان البشارة. ومن أناشيد هذا الباب قول الفرزدق: والشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار وقال يعقوب بن السكيت: العرب تقول: بأرض بني فلان شجر قد صاح؛ إذا طال، وأنشدوا للعجاج: كالكرم إذ نادى من الكافور قال ابن قتيبة: لما تبين الشجر بطوله ودل على نفسه جعله كأنه صائح؛ لأن الصائح يدل على نفسه بصوته. وأنشد غيره قول سويد بن كراع في نحو هذا: رعى غير مذعور بهن، وراقه ... لعاع تهاداه الدكادك واعد يقال: نبات واعد، إذا أقبل كأنه قد وعد بالتمام، وكذلك إذا نور أيضاً قيل: قد وعد. ومن المجاز عندهم قول الشاعر وغيره: فعلت ذاك والزمان غر، والزمان غلام، وما أشبه ذلك، وهو يريد نفسه ليس الزمان، ولا أرى ذلك مستقيماً

стр. 250

بل عندي الصواب ونفس الاستعارة أن يبقى الكلام على ظاهره مجازاً؛ لأنا نجد في هذا النوع ما لا ينساغ فيه التأويل، كقول بعضهم: سألتني عن أناس هلكوا ... شرب الدهر عليهم وأكل فليس معناه شربت وأكلت عليهم؛ لأنه إنما يعني بعد العهد لا السلو وقلة الوفاء. وقال أبو الطيب: أفنت مودتها الليالي بعدنا ... ومشى عليها الدهر وهو مقيد فإنما أراد الدهر حقيقة. وقال الصنوبري: كان عيشي بهم أنيقاً فولى ... وزماني فيهم غلاماً فشاخا فليس مراده كنت فيهم غلاماً فشخت، ولكل موضع ما يليق به من الكلام ويصح فيه من المعنى. وأما كون التشبيه داخلاً تحت المجاز فلأن المتشابهين في أكثر الأشياء إنما يتشابهان بالمقاربة على المسامحة والإصلاح، لا على الحقيقة، وهذا يبين في بابه إن شاء الله تعالى. وكذلك الكناية في مثل قوله إخبارا عن عيسى ومريم ﵉: " كانا يأكلان الطعام " كناية عما يكون عنه من حاجة الإنسان، وقوله تعالى حكاية عن آدم وحواء صلى الله عليهما: " فلما تغشاها " كناية عن الجماع، وقول النبي ﷺ : " العين وكاء السه " وقوله لحادٍ كان يحدو به " إياك والقوارير " كناية عن النساء لضعف عزائمهن، إلى أكثر من هذا. باب الاستعارة الاستعارة أفضل المجاز، وأول أبواب البديع، وليس في حلي الشعر أعجب منها، وهي من محاسن الكلام إذا وقعت موقعها، ونزلت موضعها،
следующие страницы →