Полный текст (633 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
يخرجن من مستطير النقع داميةً ... كأن آذانها أطراف أقلام
فقال عدي بن الرقاع يصف قرن الغزال:
تزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها
فولد بعد ذكر القلم إصابته مداد الدواة بما يقتضيه المعنى؛ إذ كان القرن أسود. وقال العماني الراجز بين يدي الرشيد يصف الفرس:
تخال أذنيه إذا تشوفا ... قادمةً أو قلما محرفا
فولد ذكر التحريف في القلم، وهو زيادة صفة.
ومن التوليد قول أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان:
لكل قبيلة ثبج وصلب ... وأنت الرأس أول كل هاد
فقال نصيب لمولاه عمر بن عبد العزيز:
فأنت رأس قريش وابن سيدها ... والرأس فيه يكون السمع والبصر
فولد هذا الشرح وإن كان مجملاً في قول أمية بن أبي الصلت ... ثم أتى علي بن جبلة فقال يمدح حميد بن الحميد:
فالناس جسم، وإمام الهدى ... رأس، وأنت العين في الرأس
فأوقع ذكر العين على مشبه معين، ولم يفعل نصيب كذلك، لكن أتى بالسمع والبصر على جهة التعظيم؛ لأن من ولد عمر ولي عهد، ففي قول علي بن جبلة زيادة.. وجاء ابن الرومي فقال:
عين الأمير هي الوزي ... ر، وأنت ناظرها البصير
فرتب أيضاً ترتيباً فيه زيادة، فهذا مجرى القول في التوليد.
стр. 247
وأكثر المولدين اختراعاً وتوليداً فيما يقول الحذاق أبو تمام، وابن الرومي.
والفرق بين الاختراع والإبداع وإن كان معناهما في العربية واحداً أن الاختراع: خلق المعاني التي لم يسبق إليها، والإتيان بما لم يكن منها قط، والإبداع إتيان الشاعر بالمعنى المستظرف، والذي لم تجر العادة بمثله، ثم لزمته هذه التسمية حتى قيل له بديع وإن كثر وتكرر، فصار الاختراع للمعنى والإبداع للفظ؛ فإذا تم للشاعر أن يأتي بمعنى مخترع في لفظ بديع فقد استولى على الأمد، وحاز قصب السبق.
واشتقاق الاختراع من التليين يقال: " بيت خرع " إذا كان ليناً، والخروع فعول منه، فكأن الشاعر سهل طريقة هذا المعنى ولينه حتى أبرزه.
وأما البديع فهو الجديد، وأصله في الحبال، وذلك أن يفتل جديداً ليس من قوى حبل نقضت ثم فتلت فتلاً آخر. وأنشدوا للشماخ بن ضرار:
أطار عقيقه عنه نسالا ... وأدمج دمج ذي شطر بديع
والبديع ضروب كثيرة، وأنواع مختلفة، أنا أذكر منها ما وسعته القدرة وساعدت فيه الفكرة، إن شاء الله تعالى، على أن ابن المعتز وهو من جمع البديع، وألف فيه كتاباً لم يعده إلا خمسة أبواب: الاستعارة أولها، ثم التجنيس، ثم المطابقة، ثم رد الأعجاز على الصدور، ثم المذهب الكلامي، وعد ما سوى هذه الخمسة أنواع محاسن، وأباح أن يسميها من شاء ذلك بديعاً، وخالفه من بعده في أشياء منها يقع التنبيه عليها والاختيار فيها حيثما وقعت من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.
باب المجاز
العرب كثيراً ما تستعمل المجاز، وتعده من مفاخر كلامها؛ فإنه دليل الفصاحة، ورأس البلاغة، وبه بانت لغتها عن سائر اللغات.
стр. 248
ومعنى المجاز طريق القول ومأخذه، وهو مصدر جزت مجازاً كما تقول " قمت مقاماً "، وقلت مقالاً " حكى ذلك الحاتمي، ومن كلام عبد الله بن مسلم بن قتيبة في المجاز قال: لو كان المجاز كذباً لكان أكثر كلامنا باطلاً؛ لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السعر، ونقول: كان هذا الفعل منك في وقت كذا، والفعل لم يكن وإنما يكون، وتقول: كان الله، وكان بمعنى حدث، والله قبل كل شيء، وقال في قول الله : " فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه " لو قلنا لمنكر هذا كيف تقول في جدار رأيته على شفا انهيار؟ لم يجد بداً من أن يقول: يهم أن ينقض، أو يكاد، أو يقارب، فإن فعل فقد جعله فاعلاً، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من ألسنة العجم إلا بمثل هذه الألفاظ.
والمجاز في كثير من الكلام أبلغ من الحقيقة، وأحسن موقعاً في القلوب والأسماع، وما عدا الحقائق من جميع الألفاظ ثم لم يكن محالاً محضاً فهو مجاز؛ لاحتماله وجوه التأويل، فصار التشبيه والاستعارة وغيرهما من محاسن الكلام داخلة تحت المجاز، إلا أنهم خصوا به أعني اسم المجاز باباً بعينه؛ وذلك أن يسمى الشيء باسم ما قاربه أو كان منه سبب، كما قال جرير ابن عطية:
إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
أراد المطر لقربه من السماء، ويجوز أن تريد بالسماء السحاب؛ لأن كل ما أظلك فهو سماء، وقال " سقط " يريد سقوط المطر الذي فيه، وقال " رعيناه " والمطر لا يرعى، ولكن أراد النبت الذي يكون عنه؛ فهذا كله مجاز، وكذلك قول العتابي:
стр. 249
يا ليلة لي بجوارين ساهرةً ... حتى تكلم في الصبح العصافير
فجعل الليلة ساهرة على المجاز، وإنما يسهر فيها، وجعل للعصافير كلاماً، ولا كلام لها على الحقيقة. ومثله قول الله إخباراً عن سليمان صلى الله على سيدنا محمد وعليه: " يا أيها الناس علمنا منطق الطير " وإنما الحيوان الناطق الإنس والجن والملائكة، فأما الطير فلا، ولكنه مجاز مليح واتساع، وهذا أكثر من أن يحصره أحد، ومثله في كتاب الله كثير، من ذلك قوله تعالى: " واسأل القرية " ومثله " وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم " يعني حبه، ومنه: " فتبارك الله أحسن الخالقين " وهو الخالق حقاً وغيره خالق مجازاً، وقوله: والله خير الماكرين وإنما سمي ذلك مكراً لكونه مجازاة عن مكر، وكذلك قوله: " فبشرهم بعذاب أليم " والعذاب لا يبشر به، وإنما هو أنه مكان البشارة.
ومن أناشيد هذا الباب قول الفرزدق:
والشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار
وقال يعقوب بن السكيت: العرب تقول:
بأرض بني فلان شجر قد صاح؛ إذا طال، وأنشدوا للعجاج: كالكرم إذ نادى من الكافور قال ابن قتيبة: لما تبين الشجر بطوله ودل على نفسه جعله كأنه صائح؛ لأن الصائح يدل على نفسه بصوته. وأنشد غيره قول سويد بن كراع في نحو هذا:
رعى غير مذعور بهن، وراقه ... لعاع تهاداه الدكادك واعد
يقال: نبات واعد، إذا أقبل كأنه قد وعد بالتمام، وكذلك إذا نور أيضاً قيل: قد وعد. ومن المجاز عندهم قول الشاعر وغيره: فعلت ذاك والزمان غر، والزمان غلام، وما أشبه ذلك، وهو يريد نفسه ليس الزمان، ولا أرى ذلك مستقيماً
стр. 250
بل عندي الصواب ونفس الاستعارة أن يبقى الكلام على ظاهره مجازاً؛ لأنا نجد في هذا النوع ما لا ينساغ فيه التأويل، كقول بعضهم:
سألتني عن أناس هلكوا ... شرب الدهر عليهم وأكل
فليس معناه شربت وأكلت عليهم؛ لأنه إنما يعني بعد العهد لا السلو وقلة الوفاء. وقال أبو الطيب:
أفنت مودتها الليالي بعدنا ... ومشى عليها الدهر وهو مقيد
فإنما أراد الدهر حقيقة. وقال الصنوبري:
كان عيشي بهم أنيقاً فولى ... وزماني فيهم غلاماً فشاخا
فليس مراده كنت فيهم غلاماً فشخت، ولكل موضع ما يليق به من الكلام ويصح فيه من المعنى.
وأما كون التشبيه داخلاً تحت المجاز فلأن المتشابهين في أكثر الأشياء إنما يتشابهان بالمقاربة على المسامحة والإصلاح، لا على الحقيقة، وهذا يبين في بابه إن شاء الله تعالى.
وكذلك الكناية في مثل قوله إخبارا عن عيسى ومريم ﵉: " كانا يأكلان الطعام " كناية عما يكون عنه من حاجة الإنسان، وقوله تعالى حكاية عن آدم وحواء صلى الله عليهما: " فلما تغشاها " كناية عن الجماع، وقول النبي ﷺ : " العين وكاء السه " وقوله لحادٍ كان يحدو به " إياك والقوارير " كناية عن النساء لضعف عزائمهن، إلى أكثر من هذا.
باب الاستعارة
الاستعارة أفضل المجاز، وأول أبواب البديع، وليس في حلي الشعر أعجب منها، وهي من محاسن الكلام إذا وقعت موقعها، ونزلت موضعها،
стр. 251
والناس مختلفون فيها: منهم من يستعير للشيء ما ليس منه ولا إليه، كقول لبيد:
وغداة ريح قد وزعت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها
فاستعار للفجر ملاءة، وأخرج لفظة مخرج التشبيه.. وكان أبو عمرو بن العلاء لا يرى أن لأحد مثل هذه العبارة، ويقول: ألا ترى كيف صير له ملاءة، ولا ملاءة له، إنما استعار له هذه اللفظة؟ وبعض المتعقبين يرى ما كان من نوع بيت ذي الرمة ناقص الاستعارة؛ إذ كان محمولاً على التشبيه، ويفضل عليه ما كان من نوع بيت لبيد، وهذا عندي خطأ؛ لأنهم إنما يستحسنون الاستعارة القريبة، وعلى ذلك مضى جلة العلماء، وبه أتت النصوص عنهم، وإذا استعير للشيء ما يقرب منه ويليق به كان أولى مما ليس منه في شيء، ولو كان البعيد أحسن استعارة من القريب لما استهجنوا قول أبي نواس:
стр. 252
بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح
فأي شيء أبعد استعارة من صوت المال؟ فكيف حتى بح من الشكوى والصياح مع ما أن له صوتاً حين يوزن أو يوضع؟ ولم يرده أبو نواس فيما أقدر؛ لأن معناه لا يتركب على لفظه إلا بعيداً، وكذلك قول بشار:
وجدت رقاب الوصل أسياف هجرها ... وقدت لرجل البين نعلين من خدي
فما أهجن " رجل البين " وأقبح استعارتها!! ولو كانت الفصاحة بأسرها فيها، وكذلك " رقاب الوصل: ولا مثل قول ابن المعتز وهو أنقد النقاد:
كل وقت يبول زب السحاب
فهذا أردأ من كل رديء، وأمقت من كل مقيت.
قال القاضي الجرجاني: الاستعارة ما اكتفى فيها بالاسم المستعار عن الأصلي، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها، وملاكها بقرب التشبيه، ومناسبة المستعار للمستعار له، وامتزاج اللفظ بالمعنى حتى يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر.
وقال قوم آخرون منهم أبو محمد الحسن بن علي بن وكيع: خير الاستعارة ما بعد، وعلم في أول وهلة أنه مستعار، فلم يدخله لبس، وعاب على أبي الطيب قوله:
وقد مدت الخيل العتاق عيونها ... إلى وقت تبديل الركاب من النعل
إذ كانت الخيل لها عيون في الحقيقة، ورجح عليه قول أبي تمام:
ساس الأمور سياسة ابن تجارب ... رمقته عين الملك وهو جنين
إذ كان الملك لا عين له في الحقيقة.
وقال أبو الفتح عثمان بن جني: الاستعارة لا تكون إلا للمبالغة، وإلا فهي حقيقة، قاله في شرح بيت أبي الطيب:
فتىً يملأ الأفعال رأياً وحكمةً ... وبادرةً أحيان يرضى ويغضب
стр. 253
وكلام ابن جني أيضاً حسن في موضعه؛ لأن الشيء إذا أعطى وصف نفسه لم يسم استعارة، فإذا أعطى وصف غيره سمي استعارة، إلا أنه لا يجب للشاعر أن يبعد الاستعارة جداً حتى ينافر، ولا يقربها كثيراً حتى يحقق، ولكن خير الأمور أوساطها.. قال كثير يمدح عمر بن عبد العزيز واستعار حتى حقق:
وقد لبست لبس الهلوك ثيابها ... وأبدت لك الدنيا بكف ومعصم
وترمق أحياناً بعينٍ مريضةٍ ... وتبسم عن مثل الجمان المنظم
وحسبك أنه وصف العين التي استعار بالمرض، وشبه المبسم بالجمان، وهذا إفراط غير جيد ههنا.
قال أبو الحسن الرماني: الاستعارة استعمال العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة، وذكر قول الحجاج " إني أرى رءوساً قد أينعت وحان قطافها ".
وقد يأتي القدماء من الاستعارات بأشياء يتجنبها المحدثون، ويستهجنونها، ويعافون أمثالها ظرفاً ولطافة، وإن لم تكن فاسدة ولا مستحيلة؛ فمنها قول امرئ القيس:
وهر تصيد قلوب الرجال ... وأفلت منها ابن عمرو حجر
فكان لفظة هر استعارة الصيد معها مضحكة هجينة، ولو أن أباه حجراً من فارات بيته ما أسف على إفلاته منها هذا الأسف، وأين هذه الاستعارة من استعارة زهير حين قال يمدح:
ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا
لا على أن امرأ القيس أتى بالخطأ على جبهته، ولكن للكلام قرائن تحسنه، وقرائن تقبحه، كذكر الصيد في هذين البيتين.
ولعل معترضاً يقول: العرب لا تعرف إلا الحقائق، ولا تلتفت إلى كلام
стр. 254
السفلة، فقد قدمت هذا في أول كلامي، وعرفت أنه لا يلزم، ولكن يرغب عنه في الواجب، ألا ترى أن بعض الوزراء وقيل: بل هو المأمون غير المسلحة واستهجنها لما فيها فقال: قولوا المصلحة، وليس ذلك لعلة إلا موافقة كلام السفلة.
وقال الرماني: الاستعارة الحسنة ما أوجب بلاغة، ببيان لا تنوب منابه الحقيقة، كقول امرئ القيس: قيد الأوابد واسترذل قول بعض المولدين: اسفري لي النقاب يا ضرة الشمس بأن قال: أتراه ظن أن الضرة لا تكون إلا حسنة؟! وإلا فأي وجه لاختياره هذه الاستعارة.
ومثل قول امرئ القيس المتقدم ذكره في القبح قول مسلم بن الوليد:
وليلةٍ خلست للعين من سنةٍ ... هتكت فيها الصبا عن بيضة الحجل
فاستعار للحجل يعني الكلل بيضة، كما استعارها امرؤ القيس للخدر في قوله: وبيضة خدر لا يرام خباؤها وكلاهما يعني المرأة، فاتفق لمسلم سوء الاشتراك في اللفظ؛ لأن بيضة الحجل من الطير تشاركها، وهي لعمري حسنة المنظر كما عرفت.. وقال في موضع آخر:
стр. 255
رمت السلو وناجاني الضمير به ... فاستعطفتني على بيضاتها الحجل
فما الذي أعجبه من هذه الاستعارة قبحها الله!!؟ ولو قال " الكلل " لتخلص وأبدع فكان تبعاً لامرئ القيس في جودة هذه الاستعارة..
وقال حبيب على بصره بهذا النوع: والله مفتاح باب المعقل الأشب فجعل الله تعالى اسمه مفتاحاً، وأي طائل في هذه الاستعارة مع ما فيها من البشاعة والشناعة!!؟ وإن كنا نعلم أنما أراد أمر الله وقضاءه.
واعترض بعض الناس على قول أبي تمام:
وللجود باب في الأنام ولم تزل ... مذ كنت مفتاحاً لذاك الباب
بحضرة بعض أصحابنا، وقال: أتى إلى ممدوحه فجعله مفتاحاً، فهلا قال كما قال ابن الرومي:
قبل أنامله فلسن أناملا ... لكنهن مفاتح الأرزاق
فقال له الآخر: عجبت منك تعيب أن يجعل ممدوحه مفتاحاً وقد جعل ربه كذلك، وأنشد البيت المتقدم عجزه.
وقال في ممدوح ذكر أنه يعطيه مرة ويشفع له أخرى إلى أن يعطيه:
فإذا ما أردت كنت رشاء ... وإذا ما أردت كنت قليبا
فجعله مرة حبلاً ومرة بئراً.. وقال الآخر هو أبو تمام:
ضاحي المحيا للهجير وللقنا ... تحت العجاج تخاله محراثا
فلعنة الله على المحراث ههنا، ما أقبحه وأركه!!! وأين هذا كله من قوله المليح البديع:
أو ما رأت بردى من نسج الصبا ... ورأت خضاب الله وهو خضابي
стр. 256
وإن كان إنما أخذه من قول الله : " صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة " قالوا: يريد الختان، وقيل: الفطرة.
والاستعارة إنما هي من اتساعهم في الكلام اقتداراً ودالة، ليس ضرورة؛ لأن ألفاظ العرب أكثر من معانيهم، وليس ذلك في لغة أحد من الأمم غيرهم، فإنما استعاروا مجازاً واتساعاً. ألا ترى أن للشيء عندهم أسماء كثيرة وهو يستعيرون له مع ذلك؟ على أنا نجد أيضا اللفظة الواحدة يعبر بها عن معان كثيرة، نحو " العين " التي تكون جارحة، وتكون الماء، وتكون الميزان، وتكون المطر الدائم الغزير، وتكون نفس الشيء وذاته، وتكون الدينار، وما أشبه ذلك كثير، وليس هذا من ضيق اللفظ عليهم، ولكنه مع الرغبة في الاختصار، والثقة بفهم بعضهم عن بعض. ألا ترى أن كل واحد من هذه التي ذكرنا له اسم غير العين أو أسماء كثيرة؟ ومما اختاره ابن الأعرابي وغيره قول أرطاة بن سهية:
فقلت لها يا أم بيضاء إنني ... هريق شبابي واستشن أديمي
فقال هريق شبابي لما في الشباب من الرونق والطراوة التي هي كالماء، ثم قال استشن أديمي لأن الشن هو القربة اليابسة؛ فكأن أديمه صار شناً لما هريق ماء شبابه؛ فصحت له الاستعارة من كل وجه ولم تبعد.
ومثل ذلك في الجودة ما اختاره ثعلب وفضله جماعة مما قبله، وهو قول طفيل الغنوي:
فوضعت رحلي فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرحل
стр. 257
فجعل شحم سنامها قوتاً للرحل، وهذه استعارة كما تراها كأنها الحقيقة لتمكنها وقربها، وقد تناولها جماعة منهم كلثوم بن عمرو العتابي: قال في قصيدة يعتذر فيها إلى الرشيد:
ومن فوق أكوار المهاري لبانة ... أحل لها أكل الذرى والغوارب
ثم أتى أبو تمام وعول على العتابي وزاد المعنى زيادة لطيفة بينة فقال:
وقد أكلوا منها الغوارب بالسرى ... فصاحت لها أشباحهم كالغوارب
وكان ابن المعتز يفضل ذا الرمة كثيراً، ويقدمه بحسن الاستعارة والتشبيه، لا سيما بقوله:
فلما رأيت الليل والشمس حية ... حياة الذي يقضي حشاشه نازع
لأن قوله والشمس حية من بديع الكلام والاستعارة، وباقي البيت من عجيب التشبيه. واختار الحاتمي في باب الاستعارة في وصف سحائب وأظنه لابن ميادة، واسمه الرماح بن أبرد من بني مرة، وميادة أمه:
إذا ما هبطنا القاع قد مات بقله ... بكينا به حتى يعيش هشيم
ورواه قوم لأبي كبير، وابن ميادة أولى به وأشبه.
والاستعارة كثيرة في كتاب الله وكلام نبيه ﷺ : من ذلك قوله تعالى: " لما طغى الماء " وقوله: " فلما سكت عن موسى الغضب " وقوله: " وسمعوا لها شهيقاً وهي تفور، تكاد تميز من الغيظ "، فالشهيق والغيظ استعارتان، وقوله تعالى: " يا أرض ابلغي ماءك " وكثير من هذا لو تقصى لطال جداً. وقول النبي ﷺ : " الدنيا حلوة خضرة " وقوله لحالب حلب ناقة: " دع داعي اللبن " يعني بقية من اللبن في الحلب، وقوله: " تمسحوا
стр. 258
بالأرض فإنها بكم برة ". قال أبو عبيد: يريد أنها منها خلقهم، ومنها معادهم وهي بعد الموت: كفاتهم وقوله: " رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي " فغسل الحوبة استعارة مليحة.
ومن أناشيد هذا الباب وهو فيما زعم ابن وكيع استعارة وقعت قول امرئ القيس يصف الليل:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بجوزه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
فاستعار لليل سدولاً يرخيها، وهو الستور، وصلباً يتمطى به، وأعجازاً يردفها، وكلكلاً ينوء به، وقال حسان بن ثابت يذكر قتلة عثمان رحمة الله عليه:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا
فالاستعارة قوله عنوان السجود به وقد أخذه من قول الله تعالى: " سيماهم في وجوههم من أثر السجود " وقال جميل العذري:
أكلما بان حي لا تلائمهم ... ولا يبالون أن يشتاق من فجعوا
علقتني بهوى منهم، فقد جعلت ... من الفراق حصاة القلب تنصدع
البديع " حصاة القلب ". ومن كلام المولدين قول أبي التواس:
بصحن خد لم يغض ماؤه ... ولم تخضعه أعين الناس
البديع كل البديع عجز البيت. وقال أيضاً:
فإذا بدا اقتادت محاسنه ... قسراً إليه أعنة الحدق
стр. 259
البديع " أعنة الحدق " وقوله: " اقتادت ". وقال أبو الطيب:
ضممت جناحيهم على القلب ضمة ... تموت الخوافي تحتها والقوادم
أراد بالجناحين ميمنة العسكر وميسرته، وبالقلب موضع الملك، والخوافي والقوادم السيوف والرماح، وهذا تصنيع بديع، كله حسن الاستعارات.. وقال:
صدمتهم بخميس أنت غرته ... وسمهريته في وجهه شمم
وهذا كالأول جودة.. وقال السري والموصلي:
يشق جيوب الورد في شجراته ... نسيم متى ينظر إلى الماء يبرد
فالبديع قوله: " متى ينظر ".
باب التمثيل
ومن ضروب الاستعارة التمثيل، وهو الممائلة عند بعضهم، وذلك أن تمثل شيئاً بشيء فيه إشارة، نحو قول امرؤ القيس وهو أول من ابتكره، ولم يأت أملح منه:
وما ذرفت عيناك إلا لتقذحي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
فمثل عينيها بسهمي الميسر يعني المعلى، وله سبعة أنصباء، والرقيب، وله ثلاثة أنصباء فصار جميع أعشار قلبه للسهمين الذين مثل بهما عينيها، ومثل قلبه بأعشار الجزور؛ فتمت له جهات الاستعارة والتمثيل.
وقال حريث بن زيد الخيل:
أبانا بقتلانا من القوم عصبة ... كراماً، ولم نأكل بهم حشف النخل
стр. 260
فمثل خساس الناس بحشف النخل، ويجوز أن يريد أخذ الدية فيكون حينئذ حذقاً أو إشارة.. وقال الأخطل لنابغة بني جعدة:
لقد جاز أبو ليلى بقحم ... ومنتكث عن التقريب وان
إذا هبط الخبار كبا لفيه ... وخر على الجحافل والجران
وإنما عيره بالكبر، وإنما هو شاب حديث السن.. وقال بعض الرواة: إنما تهاجيا في مسابقة فرسين، وهو غلط عند الحذاق.
ومن التمثيل أيضاً قوله:
فنحن أخ لم تلق في الناس مثلنا ... أخاً حين شاب الدهر وابيض حاجبه
ومعنى التمثيل اختصار قولك مثل كذا وكذا كذا وكذا ...
وقال أبو خراش في قصيدة رثى بها زهير بن عجردة، وقد قتله جميل بن معمر يوم حنين مأسوراً:
فليس كعهد الدار يا أم مالكٍ ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل
يقول: نحن من عهد الإسلام في مثل السلاسل، وإلا فكنا نقتل قاتله، وهو من قول الله في بني إسرائيل " ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم " يريد بذلك الفرائض المانعة لهم من أشياء رخص فيها لأمة محمد ﷺ ، وإلى نحو ذلك ذهب عمرو بن معدي كرب حين خفقه عمر ﵁ بالدرة، فقال له: الحمى أضرعتني لك، يعني الدين، وإن كان مثل قديماً إنما هو الحمى أضرعتني للنوم.
ومن جيد التمثيل قول ضباعة بنت قرط ترثي زوجها هشام بن المغيرة المخزومي:
إن أبا عثمان لم أنسه ... وإن صمتاً عن بكاه لحوب
تفاقدوا من معشر! ما لهم ... أي ذنوب صوبوا في القليب؟
ومن كلام النبي ﷺ في التمثيل قوله: " الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة " وقوله: " ظهر المؤمن مشجبه، وخزانته بطنه، وراحلته رجله،
стр. 261
وذخيرته ربه " وقوله: " المؤمن في الدنيا ضيف، وما في يديه عارية، والضيف مرتحل، والعارية مؤداة، ونعم الصهر القبر ".
ومن مليح أناشيد التمثيل قول ابن مقبل:
إني أقيد بالمأثور راحلتي ... ولا أبالي وإن كنا على سفر
فقوله أقيد بالمأثور تمثيل بديع، والمأثور هو السيف الذي فيه أثر، وهو الفرند، وقوله ولا أبالي حشو مليح، أفاد مبالغة عجيبة، وقوله إن كنا على سفر زيادة في المبالغة، وهذا النوع يسمى إيغالاً، وبعضهم يسميه التبليغ، وهو يرد في مكانه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ومما اختاره عبد الكريم وقدمه قول ابن أبي ربيعة:
أيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان!!؟
هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني
يعني الثريا بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر، وكانت نهاية في الحسن والكمال، وسهيل بن عبد الرحمن بن عوف، وكان غاية في القبح والدمامة. فمثل بينهما وبين سمييهما، ولم يرد إلا بعد ما بينهما وتفاوته خاصة، لا أن سهيلاً اليماني قبيح ولا دميم، ولا أدري هل هذا الرأي موافق لرأي عبد الكريم أم لا؟ وحسبك أن الشاعر لم ينكر إلا التقاءهما.
وقال أبو الطيب وذكر نزاراً:
فأقرحت المقاود ذفرييها ... وصعر خدها هذا العذار
ووصف رمحاً فقال، وهو مليح متمكن جداً:
يغادر كل ملتفت إليه ... ولبته لثعلبه وجار
وقال يخاطب سيف الدولة:
بنو كعب وما أثرت فيهم ... يد لم يدمها إلا السوار
стр. 262
بها من قطعها ألم ونقص ... وفيها من جلالتها افتخار
والتمثيل والاستعارة من التشبيه، إلا أنهما بغير أداته، وعلى غير أسلوبه، والمثل المضروب في الشعر نحو قول طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
راجع إلى ما ذكرته؛ لأن معناه ستبدي لك الأيام كما أبدت لغيرك ويأتيك بالأخبار من لم تزود كما جرت عادة الزمان.. وتسمية المثل دالة على ما قلته؛ لأن المثل والمثل والشبيه والنظير، وقيل: إنما سمي مثلاً لأنه مائل لخاطر الإنسان أبداً، يتأسى به، ويعظ ويأمر ويزجر، والماثل: الشاخص المنتصب، من قولهم " طلل ماثل " أي: شاخص، فإذا قيل " رسم مائل " فهو الدارس، والماثل من الأضداد.. وقال مجاهد في قول الله " وقد خلت من قبلهم المثلات ": هي الأمثال. وقال قتادة: هي العقوبات. وقال قوم: إنما معنى المثل المثال الذي يحذى عليه، كأنه جعله مقياساً لغيره، وهو راجع إلى ما قدمت. وقال بعضهم: في المثل ثلاث خلال: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وقد يكون المثل بمعنى الصفة، من ذلك قول الله تعالى: " مثل الجنة التي وعد المتقون " أي: صفة الجنة، وقوله: " وله المثل الأعلى في السموات والأرض " أي: الصفة العليا، وهي قولنا " لا إله إلا الله " وقوله تعالى: " ذلك مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه " أي: صفتهم.
باب المثل السائر
المثل السائر في كلام العرب كثير نظماً ونثراً، وأفضله أوجزه، وأحكمه أصدقه، وقولهم " مثل شرود وشارد " أي سائر لا يرد كالجمل الصعب الشارد الذي لا يكاد يعرض له ولا يرد. وزعم قوم أن الشرود ما لم يكن له نظير كالشاذ والنادر، فأما قول أبي تمام وكان إمام الصنعة ورئيسها:
стр. 263
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شروداً في الندى والباس
حين عيب عليه قوله في ابن المعتصم:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
فإنه يشهد للقول الأول؛ لأن المثل بعمرو وحاتم مضروب قديماً، وليس بمثل لا نظير له كما زعم الآخر.
وقد تأتي الأمثال الطوال محكمة إذا تولاها الفصحاء من الناس، فأما ما كان منها في القرآن فقد ضمن الإعجاز، قال الله : " كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت " وقال: " ومثله كمثل الكلب: إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث " وقال: " كمثل الحمار يحمل أسفاراً " فهذه أمثال قصار.. وقال: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها " ومن الأمثال الطوال قوله تعالى: " ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط " الآية " وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون " الآية " ومريم ابنة عمران " الآية، وقال: " فمثله كمثل صفوانٍ عليه تراب " الآية، وقال: " والذين كفروا بربهم أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً " الآية، ثم قال: " أو كظلمات في بحر لجى " الآية.. ومن كلام النبي ﷺ في الأمثال قوله: " كل الصيد في جوف الفرا " قاله لأبي سفيان بن حرب حين أسلم، وقوله: " مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تميلها الريح مرة هكذا ومرة هكذا، ومثل المنافق مثل الأرزة المجذية
стр. 264
على الأرض حتى يكون انجعافها مرة " وقوله حين ذكر الدنيا وزينتها فقال: " وإن مما تنبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم " وقوله: " وإياكم وخضر الدمن " قيل: وما خضراء الدمن؟ قال:
" المرأة الحسناء في المنبت السوء " والأناشيد في هذا الباب كثيرة: فمنها ما فيه مثل واحد، ومنها ما فيه مثلان، ومنها ما فيه ثلاثة أمثال، ومنها ما فيه أربعة أمثال، وهو قليل جداً، وكل نوع من هذه الأنواع فيه احتياج واستغناء.
والمثل إنما وزن في الشعر ليكود أشرد له، وأخف للنطق به، فمتى لم يتزن كان الإتيان به قريباً من تركه.. وقد حكى الحاتمي أشياء لا أدري كيف وجهها، وزعم أن حماداً الراوية سئل: بأي شيء فضل النابغة؟ فقال: إن النابغة إن تمثلت ببيت من شعره اكتفيت به، مثل قوله:
حلفت فلم أتلاك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
بل لو تمثلت بنصف بيت من شعره اكتفيت به، وهو قوله ليس وراء الله للمرء مذهب بل لو تمثلت بربع بيت من شعره اكتفيت به، وهو قوله أي الرجال المهذب؟ ولا أعرف كيف يحمل حماد هذا ربع بيت وفيه زيادة سببين وهما أربعة أحرف؟ إلا أن يريد التقريب، فهذا من الاحتياج الذي ذكرته؛ لأنه لا يتمثل به على أنه شعر إلا احتاج إلى ما قبله واستغنى ما قبله عنه، ألا ترى أنه لو قال ولست بمستبق أخاً لا تلمه أنه يكون مثلاً كافياً، ثم لا يتعلق قوله على شعث بشيء من المثل الثاني وإن بقي موزوناً، فإذا رده على الصدر تعلق به وبقي المثل الثاني مكسوراً.
ومثله قول القطامي، واسمه عمير بن شييم التغلبي:
стр. 265
والناس من يلق خيراً قائلون له ... ما يشتهي، ولأم المخطئ الهبل
فقوله ولأم المخطئ الهبل مثل، إلا أنه غير موزون حتى يتصل بقوله ما يشتهي وذلك من تمام المثل الأول الذي في صدر البيت، وهذا كله احتياج ومما لا احتياج فيه قول امرئ القيس:
الله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل
ففي كل قسيم من هذين مثل قائم بنفسه، غير محتاج إلى صاحبه..
وكذلك قول الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
وقال عبيد بن الأبرص الأسدي:
الخير يبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت من زاد
ومما فيه مثل واحد قول عنترة العبسي:
نبئت عمراً غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس المنعم
فجاء بالمثل غير محتاج إلى ما قبله.. وقال أبو ذؤيب:
تركوا هوي وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا، ولكل جنب مصرع
فإن بدأت بالقسيم الثاني كان مثلاً سائراً، وإن أسقطت جزأ منه بقي المثل سائراً غير موزون، إلا أن يكون في المرفوع من الأمثال مصمت يأتي في البيت بأسره كقول الأول:
وإنك لن ترى طرداً لحر ... كإلصاق به طرف الهوان
وقول أبي نواس:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
ومما فيه ثلاثة أمثال قول زهير:
وفي الحلم إذعان، وفي العفو دربة، ... وفي الصدق منجاة من الشر فاصدق
стр. 266
فأتى بكل مثل في ربع بيت، ثم جعل الربع الآخر زيادة في شرح معنى ما قبله. وكذلك قول النابغة الذبياني:
الرفق يمن، والأناة سلامة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا
فجاء بثلاثة أمثال إلا أنها مداخلة لم تسلم سلامة ما قبلها من كلام زهير.
وقال ابن عبد القدوس:
كل آت لا بد آت، وذو الجه ... ل معنى، والغم والحزن فضل
فأتى بثلاثة أمثال مداخلة الوزن أيضاً، وكان قول ضابئ بن الحارث:
وفي الشك تفريط، وفي الحزم قوة، ... ويخطئ في الحدس الفتى ويصيب
أحسن تعديلاً في القسمة؛ لأن شطره الأول مشتمل على مثلين، وشطره الثاني مشتمل على مثل قائم بنفسه. وقال عبد الله بن المعتز:
والعيش هر، والموت مر ... مستكره، والمنى ضلال
والحرص ذل، والبخل فقد ... وآفة النائل المطال
ففي البيت الأول ثلاثة أمثال في أحدها احتياج، وفي البيت الثاني ثلاثة أمثال لا احتاج فيها على حذو ما أتى به ضابئ، ولم أر بيتاً فيه أربعة أمثال كل واحد منها قائم بنفسه إلا قليلاً، أنشد الأصمعي:
فالهم فضل، وطول العيش منقطع، ... والرزق آتٍ، وروح الله منتظر
وقال أبو الطيب وحكم عليه الوزن أيضاً:
والمرء يأمل، والحياة شهية، ... والشيب أوقر، والشبيبة أنزق
فأتى بمثلين في كل قسيم، وصنعت أنا:
كل إلى أجلٍ، والدهر ذو دول ... والحرص مخيبة، والرزق مقسوم
وأقل من ذلك ما كان فيه خمسة أمثال، ولا أعرف منه في حفظي إلا بيتاً
стр. 267
واحداً للقزاز السناط في بسط قصيدة مدح بها الأمير تميم بن المعز معد، وهو قوله:
خاطر تفد، وارتد تجد، واكرم تسد ... وانقد تقد، واصغر تعد الأكبرا
وأما ما فيه ستة فإني صنعت:
خذ العفو، وأب الضيم، واجتنب الأذى ... وأغض تسد، وارفق تنل، واسخ تحمد
ومن الأمثال أيضاً كلمات سارت على وجه الدهر: كقولهم " تسمع بالمعيدي خير من أن تراه " يضرب مثلاً للذي رؤيته دون السماع به، وفي كل ما جرى هذا المجرى، وكذلك قولهم: " على أهلها جنت براقش " يضرب مثلاً للرجل يهلك قومه بسببه. وأما قولهم في تفسير ما يقع في الشعر من جنس قول الحطيئة: شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا هو مثل؛ فإنما ذلك مجاز، أرادوا التمثيل.
وهذه الأشياء في الشعر إنما هي نبذ تستحسن، ونكت تستظرف، مع القلة، وفي الندرة، فأما إذا كثرت فهي دالة على الكلفة، فلا يجب للشعر أن يكون مثلاً كله وحكمة كشعر صالح بن عبد القدوس؛ فقد قعد به عن أصحابه وهو يقدمهم في الصناعة لإكثاره من ذلك، وما نص عليه العلماء في كتبهم، وكذلك لا يجب أن يكون استعارة وبديعاً كشعر أبي تمام؛ فقد رأيت ما صنع به ابن المعتز، وكيف قال فيه ابن قتيبة، وما ألف عليه المتعقبون كالجرجاني وأبي القاسم بن بشر الآمدي وغيرهما، وإنما هرب الحذاق عن هذه الأشياء؛ لما تدعو إليه من التكلف لا سيما إن كان في الطبع أيسر شيء من الضعف والتخلف. وأشد ما تكلفه الشاعر صعوبة التشبيه؛ لما يحتاج إليه من شاهد العقل واقتضاء العيان. ولا ينبغي للشعر
стр. 268
أن يكون أيضاً خالياً مغسولاً من هذه الحلي فارغاً ككثير من شعر أشجع وأشباهه من هؤلاء المطبوعين جملة، مع أنه لا بد لكل شاعر من طريقة تغلب عليه فينقاد إليها طبعه، ويسهل عليه تناولها: كأبي نواس في الخمر، وأبي تمام في التصنيع، والبحتري في الطيف، وابن المعتز في التشبيه، وديك الجن في المراثي، والصنوبري في ذكر النور والطير، وأبي الطيب في الأمثال وذم الزمان وأهله. وأما ابن الرومي فأولى الناس باسم شاعر؛ لكثرة اختراعه، وحسن افتتانه، وقد غلب عليه الهجاء حتى شهر به؛ فصار يقال: أهجى من ابن الرومي، ومن أكثر من شيء عرف به، وليس هجاء ابن الرومي بأجود من مدحه ولا أكثر. ولكن قليل الشر كثير.
باب التشبيه
التشبيه: صفة الشيء بما قاربه وشاكله، ومن جهة واحدة أو جهات كثيرة لا من جميع جهاته؛ لأنه لو ناسبه مناسبة كلية لكان إياه، ألا ترى أن قولهم " خذ كالورد " إنما أرادوا حمرة أوراق الورد وطراوتها، لا ما سوى ذلك من صفرة وسطه وخضرة كمائمه، وكذلك قولهم " فلان كالبحر، أو كالليث " إنما يريدون كالبحر سماحة وعلماً، وكالليث شجاعة وقرما، وليس يريدون ملوحة البحر وزعوقته، ولا شتامة الليث وزهوقته؛ فوقوع التشبيه إنما هو أبداً على الأعراض لا على الجواهر؛ لأن الجواهر في الأصل كلها واحد، اختلفت أنواعها أو اتفقت؛ فقد يشبهون الشيء بسميه ونظيره من غير جنسه، كقولهم " عين كعين المهاة، وجيد كجيد الريم " فاسم العين واقع على هذه الجارحة من الإنسان والمهاة، واسم الجيد واقع على هذا العضو من الإنسان والريم، والكاف للمقاربة، وإنما يريدون أن هذه العين لكثرة سوادها قاربت أن تكون سوداء كلها كعين المهاة، وأن هذا الجيد لانتصابه وطوله كجيد الريم، ألا ترى أن الأصمعي
стр. 269
سئل عن الحور فقال: أن تكون العين سوداء كلها كعيون الظباء والبقر، ولا حور في الإنسان، هذا أحد أقوال الأصمعي في الحور، ويدلك على أن التشبيه إنما هو هو بالمقاربة كما قلنا.
والتشبيه والاستعارة جميعاً يخرجان الأغمض إلى الأوضح، ويقربان البعيد، كما شرط الرماني في كتابه، وهما عنده في باب الاختصار.
قال: واعلم أن التشبيه على ضربين: تشبيه حسن، وتشبيه قبيح، فالتشبيه الحسن هو الذي يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بياناً، والتشبيه القبيح ما كان على خلاف ذلك، قال:
وشرح ذلك أن ما تقع عليه الحاسة أوضح في الجملة مما لا تقع عليه الحاسة، والمشاهد أوضح من الغائب؛ فالأول في العقل أوضح من الثاني، والثالث أوضح من الرابع، وما يدركه الإنسان من نفسه أوضح مما يعرفه من غيره، والقريب أوضح من البعيد في الجملة، وما قد ألف أوضح مما يؤلف، ثم عاب على بعض شعراء عصره:
صدغه ضد خده مثل ما الوع ... د إذا ما اعتبرت ضد الوعيد
من قبل أنه شبه الأوضح بالأغمض، وما تقع عليه الحاسة بما لا تقع عليه، وكذلك قوله:
له غرة كلون وصالٍ ... فوقها طرة كلون صدود
وقال في موضع آخر: التشبيه على ضربين والأصل واحد: فأحدهما التقدير، والآخر التحقيق؛ فالذي يأتي على التقدير التشبيه من وجه واحد دون وجه، والذي يأتي على التحقيق التشبيه على الإطلاق، وهو التشبيه بالنفس، مثل تشبيه الغراب بالغراب، وحجر الذهب بحجر الذهب إذا كان مثله سواء، وحمرة شقائق بحمرة الشقائق.
قال صاحب الكتاب: أما ما شرط في التشبيه فهو الحق الذي لا يدفع،
стр. 270
لا أنه قد حمل على الشاعر فيما أخذ عليه؛ إذ كان قصد الشاعر أن يشبه ما يقوم في النفس دليله بأكثر مما هو عليه في الحقيقة، كأنه أراد المبالغة، ولعله يقول أو يقول المحتج له: معرفة النفس والمعقول أعظم من إدراك الحاسة، لا سيما قد جاء مثل هذا القرآن وفي الشعر الفصيح: قال الله : " طلعها رءوس الشياطين " فقال قوم: إن شجرة الزقوم وهي أيضاً الأستن لها صورة منكرة وثمرة قبيحة يقال لها: رؤوس الشياطين، وقال قوم: الشياطين الحيات في غير هذا المكان، والأجود الأعرف أنه شبه بما لا يشك أنه منكر قبيح؛ لما جعل الله في قلوب الإنس من بشاعة صور الجن والشياطين، وإن لم يروها عياناً، فخوفنا تعالى بما أعد للعقوبة، وشبهه بما نخاف أن نراه، وقال امرؤ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
فشبه نصال النبل بأنياب الأغوال لما في النفس منها. وعلى هذا التأويل قال أبو تمام وفيه عكس:
وأحسن من نور يفتحه الندى ... بياض العطايا في سواد المطالب
وقال أعرابي قديم:
يزملون حديث الضغن بينهم ... والضغن أسود أو في وجهه كلف
فوصفه بما يتصور ويقوم في النفس، كأنه يقول: لو كان صورة لكان هكذا، وقال بعض المولدين:
стр. 271
وتدبر عيناً في صحيفة فضة ... كسواد يأس في بياض رجاء
فاليأس على الحقيقة غير أسود؛ لأنه لا يدرك بالعيان، لكن صورته في المعقول وتمثيله كذلك مجازاً، والرجاء أيضاً على هذا التقدير في البياض.
وقد يقول المحتج الأول: إن هذا داخل في باب الاستطراد، كأن الشاعر لم يقصد الإخبار عن الغرة والطرة وشبههما، لكن عن الوصال والصدود، وعكس التشبيه ثقة بأن ما أشبه شيئاً من جهة فقد أشبهه الآخر من تلك الجهة.
فأما قول ابن المعتز يصف شرب حمار:
وأقبل نحو الماء يشتل صفوه ... كما أغمدت أيدي الصياقل منصلا
فإنه بديع، يشبه فيه انسياب الماء في شدقيه إلى حلقه بمنصل يغمد، وهذا تشبيه مليح يدرك بالحس، ويتمثل في المعقول، وكرر هذا التشبيه فقال يذكر إبل سفر:
وأغمدن في الأعناق أسياف لجةٍ ... مصقلةً تفرى بهن المفاوز
وزعم قدامة أن أفضل التشبيه ما وقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما، حتى يدنى بهما إلى حال الاتحاد، وأنشد في ذلك وهو عنده أفضل التشبيه كافةً:
له أيطلا ظبي، وساقا نعامةٍ ... وإرخاء سرحان، وتقريب تتفل
وهذا تشبيه أعضاء بأعضاء هي هي بعينها، وأفعال بأفعال هي هي أيضاً بعينها، إلا أنها من حيوان مختلف كما قدمت، والأمر كما قال في قرب التشبيه، إلا أن فضل الشاعر فيه غير كبير حينئذ؛ لأنه كتشبيه نفس الشيء المشبه الذي ذكره الرماني في تشبيه الحقيقة، وإنما حسن التشبيه أن يقرب بين البعيدين حتى تصير بينهما مناسبة واشتراك، كما قال الأشجعي:
كأن أزيز الكير إرزام شخبها ... إذا امتاحها في محلب الحي ماتح
стр. 272
فشبه ضرع العنز بالسكير، وصوت الحلب بأزيزه، فقرب بين الأشياء البعيدة بتشبيهه حتى تناسبت، ولو كان الوجه ما قال قدامة لكان الصواب أن يشبه الأشجعي ضرع عنزة بضرع بقرة، أو خلف ناقة؛ لأنه إنما أراد كبره وكثرة ما فيه من اللبن، وكان يعدل عن ذكر الكير وأزيزه الذي دل به على أعظم ما يكون من صفة كبر الضرع وكثرة لبنه.
وسبيل التشبيه إذ كانت فائدته إنما هي تقريب المشبه من فهم السامع، وإيضاحه له أن تشبه الأدون بالأعلى إذا أردت مدحه، وتشبه الأعلى بالأدون إذا أردت ذمه، فتقول في المدح: تراب كالمسك، وحصى كالياقوت، وما أشبه ذلك، فإذا أردت الذم قلت: مسك كالسك أو التراب، وياقوت كالزجاج أو كالحصى؛ لأن المراد في التشبيه ما قدمته من تقريب الصفة وإفهام السامع، وإن كان ما شابه الشيء من جهة فقد شابهه الآخر منها، إلا أن المتعارف وموضوع التشبيه ما ذكرت.
وأصل التشبيه مع دخول الكاف وأمثالها أو كأن وما شاكلها كلها شيء بشيء في بيت واحد، إلى أن صنع امرؤ القيس في صفة عقاب:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
فشبه شيئين بشيئين في بيت واحد، واتبعه الشعراء في ذلك؛ فقال لبيد ابن ربيعة:
وجلا السيول عن الضلول كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها
فشبه الطلول بالزبر والسيول بالأقلام، بل زاد فشبه جلاء هذه عن هذه
стр. 273
بتجديد تلك لتلك. وحكى عن بشار أنه قال: ما قر بي القرار مذ سمعت قول امرئ القيس كأن قلوب الطير رطباً ويابساً حتى صنعت:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فإن كان مراده الترتيب فصدق، ولم يقع بعد بيت امرئ القيس في ترتيبه كبيته، وإن كان المراد تشبيهين في بيت فقد قال الطرماح في صفة ثور وحشي:
يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد
وهذا نهاية في الجودة. وأما قول من قال في بيت الحارث بن حلزة:
وحسبت وقع سيوفنا برءوسهم ... وقع السحابة بالطراف المشرج
إن فيه تشبيهين من جهة الكثرة والحس أو السرعة والحس؛ فمحتمل، إلا أن الشاعر لم يصرح إلا بالوقع خاصة، يريد بذلك الحس وحده ظاهر الأمر ولذلك خص الطراف؛ لكونه من الأدم، فصوت القطر عليه أشد منه على غيره من سائر البيوت. وقال بشار أيضاً:
خلقنا سماء فوقهم بنجومها ... سيوفاً ونقعاً يقبض الطرف أقسما
وقال فشبه شيئين مختلفين بشيئين من جنس واحد:
من كل مشتهرٍ في كف مشتهرٍ ... كأن غرته والسيف نجمان
وربما شبهوا شيئاً بشيئين كقول القطامي:
فهن كالحلل الموشى ظاهرها ... أو كالكتاب الذي قد مسه البلل
وربما شبهوا بثلاثة أشياء كما قال البحتري:
كأنما يبسم عن لؤلؤٍ ... منظم، أو بردٍ، أو أقاح
فقول الشاعر " أو " زيادة تشبيه وإن لم يصح من جميع المشبه بها إلا شيء واحد من جهة الحكم في " أو ". ومن الناس من يرويه:
стр. 274
كأنما يبسم عن لؤلؤٍ ... أو فضة، أو بردٍ، أو أقاح
وهي زعموا رواية أكثر أهل الأندلس والمغرب؛ فيكون حينئذ الثغر مشبهاً بأربعة أشياء، وقد تقدم أبو تمام فقال:
وثناياك إنها إغريض ... ولآل توم وبرق وميض
فشبهها بثلاثة أشياء حقيقة؛ لأن حكم الواو غير حكم " أو " لا سيما وقد أتى التشبيه بغير كاف ولا شيء من أخوتها، فجاء كأنه إيجاب وتحقيق.
وكثر تشبيههم شيئين بشيئين حتى لم يصر عجباً، وقد جاءوا بتشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء في بيت واحد: بالكاف؛ وبغير كاف؛ فقال مرقش:
النشر مسك، والوجوه دنا ... نير، وأطراف الأكف عنم
وقال ابن الرومي:
كأن تلك الدموع قطر ندى ... يقطر من نرجس على ورد
وقال أيضاً ويدخل في باب قول مرقش:
إن أقبلت فالبدر لاح، وإن مشت ... فالغصن ماد، وإن رنت فالريم
وقال ابن المعتز:
بدر وليل وغصن ... وجه وشعر وقد
خمر ودر وورد ... ريق وثغر وخد
وقال صاحب الكتاب:
كأن ثناياه أقاحٍ، وخده ... شقيق، وعينيه بقية نرجس
وقال أيضاً على جهة التفسير:
بكؤوس حكين من شف قلبي ... شفة لم تذق وثغراً وريقا
يريد حافة الكأس والحباب والخمر.
стр. 275
ثم أتوا بتشبيه أربعة بأربعة: بالكاف أيضاً، وبغير كاف، فقال امرؤ القيس وهو أول من فتح هذا الباب:
له أيطلا ظبي، وساقا نعامةٍ ... وإرخاء سرحان، وتقريب تتفل
فجاء بتشبيه إضافة كما ترى حتى جعله تحقيقاً لولا مفهوم الخطاب.
بدت قمراً، ومالت خوط بان، ... وفاحت عنبراً، ورنت غزالا
فجاء بالتشبيه على إسقاط الكاف. وقال أيضاً:
ترنو إلي بعين الظبي مجهشةً ... وتمسح الطل فوق الورد بالعنم
فشبه في القسيم الأول عينها بعين الظبي، وشبه في القسيم الآخر ثلاثة بثلاثة، وقد تقدم أبو نواس فقال:
يبكي فيذري الدر من نرجس ... ويلطم الورد بعناب
وهذا مليح جداً. سئل ابن مناذر: من أشعر الناس؟ فقال: الذي يقول:
يا قمراً أبصرت في مأتمٍ ... يندب شجواً بين أتراب
يبكي فيذري الدر من نرجس ... ويلطم الورد بعناب
هذا أشعر الجن والأنس. وقد جاء بالشعر على سجيته أعني أبا نواس وشاهد ذلك ظاهر في لفظه، وإلا فهو قادر أن يجعل مكان الدر الطل حتى يتناسب الكلام، لكنه لم يكن يؤثر التصنيع ولا يراه فضيلة؛ لما فيه من الكلفة ومن الناس من يرويه كذلك، ومنهم من يرويه فيذري الدر من جفنة ومما شبه أربعة بأربعة مع الكاف قول ابن حاجب وهو عبد العزيز وزير القادر بالله أبي العباس النعمان:
ثغر وخد ونهد واختضاب يدٍ ... كالطلع والورد والرمان والبلح
وقال صاحب الكتاب:
стр. 276
بفرع ووجه وقدٍ وردفٍ ... كليلٍ وبدرٍ وغصنٍ وحقفٍ
ومما وقع فيه تشبيه خمسة بخمسة قول أبي الفرج الوأواء، وأتى به بغير آلة تشبيه:
فأسبلت لؤلؤاً من نرجس وسقت ... ورداً وعضت على العناب بالبرد
وقال أبو الفتح البستي شاعر مصر في وقتنا هذا يصف شمعة:
قد شابهتني في لونٍ وفي قضفٍ ... وفي احتراق وفي دمع وفي سهر
فقوله قد شابهتني أظهر مقدرة من المجيء بالكاف؛ لأنهم إنما استصعبوا ذلك مع الكاف وأخوتها من جهة ضيق الكلام بها، فهذا الذي أتى به البستي أشد ضيقاً، ألا ترى أنه لو قال: " كأنها أنا " لكان هو الصواب ويكون قد أتى بكأن وضميرين بعدها فضلاً عن الكاف.
ومنهم من يأتي بالتشبيه الواحد بغير كاف كقول امرئ القيس:
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال
وقوله أيضاً:
إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفضل
يريد كسمو حباب الماء، وكتعرض أثناء الوشاح.
وأبدع من هذا عندهم وأغرب قول المنخل اليشكري:
دافعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغدير
وإنما براعته عندهم لما لم يكن قبله فعل من لفظه.
ومن مليح التشبيه قول أبي كبير الهذلي:
فالطعن شغشغة، والضرب هيقعة ... ضرب المعول تحت الديمة العضدا
стр. 277
وللقسي أزاميل وغمغمة ... حس الجنوب تسوق الماء والبردا
فالأول من نوع بيتي امرئ القيس، والثاني من نوع بيت المنخل، وأنا أستحسن هذين البيتين جداً.
وقد يقع التشبيه بين الضدين والمختلفين: كقولك " العسل في حلاوته كالصبر في مرارته، أو كالخل في حموضته ".
قال أبو الحسن الرماني: وهذا الضرب من التشبيه لا يقال إلا بتقييد وتفسير ومن هذا النوع الذي ذكره الرماني قول ابن المهدي للمأمون يعتذر:
لئن جحدتك معروفاً مننت به ... إني لفي اللؤم أحظى منك بالكرم
وكذلك قول أبي نواس:
أصبح الحسن منك يا أحسن الأم ... ة يحكي سماجة ابن حبيش
يريد أن هذا غاية كما أن ذاك غاية.
قال الجرجاني: التشبيه والتمثيل يقع مرة بالصورة والصفة، وأخرى بالحالة والطريقة، اعتذر بذلك عن قول أبي الطيب:
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه
إنه إنما أراد وقوفاً خارجاً عن المتعارف. وأنشد:
رب نيل أمد من نفس العا ... شق طولاً قطعته بانتحاب
стр. 278
فهذا والله هو النقد العجيب الذي غفل الناس عنه، بل عموا وصموا. والبيت لمحمد بن عبد الملك الزيات، ويروي لماني الموسوس. ومثله قول أبي تمام:
ومسافة كمسافة الهجر ارتقى ... في صدر باقي الحب والبرحاء
وأنشد الرماني لذي الرمة:
كأنه كوكب في إثر عفريت ... مسوم في سواد الليل منقضب
ثم قال: قد اجتمع الثور والكوكب في السرعة إلا أن انقضاض الكوكب أسرع، واستدل بهذا على جودة التشبيه.
وأنا أرى أن فيه دركاً على الشاعر، وإغفالاً من الشيخ المفسر، وذلك أن الثور مطلوب، والكوكب طالب، فشبهه به في السرعة والبياض، ولو شبهه بالعفريت وشبه الكلب وراءه بالكوكب لكان أحسن وأوضح، لكنه لم يتمكن له المعنى الذي أراده من فوت الثور الذي شبه به راحلته؛ وأما ما أغفله الشيخ فإن الشاعر إنما رغب في تشبيه الثور بالكوكب، واحتمل عكس التشبيه: بأن جعل المطلوب طالباً لبياضه فإن الثور لهق لا محالة؛ وأما السرعة التي زعم فإن العفريت لو وصفه به وشبهه بسرعته لما كان مقصراً، ولا متوسطاً، بل فوق ذلك.
ومن التشبيهات عقم لم يسبق أصحابها إليها، ولا تعدى أحد بعدهم عليها، واشتقاقها فيما ذكر من الريح العقيم، وهي التي لا تلقح شجرة ولا تنتج ثمرة، نحو قول عنترة العبسي يصف ذباب الروض:
وخلا الذباب بها فليس بارحٍ ... غرداً كفعل الشارب المترنم
هزجاً يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم
وقوله أيضاً في صفة الغراب:
стр. 279
خرق الجناح كأن لحي رأسه ... جلمان بالأخبار هش مولع
وقال الحطيئة يصف لغام ناقته:
ترى بين لحييها إذا ما ترغمت ... لغاماً كبيت العنكبوت الممدد
وقال الشماخ يصف آثار ريش نعامة:
كأنما منثني أقماع ما مرطت ... من العفاء بليتيها الثآليل
وقول عدي بن الرقاع يصف قرن ظبي:
تزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها
وقول الراعي يصف جعد الرأس:
جدلاً أسك كأن فروة رأسه ... بذرت فأنبت جانباها فلفلا
وقول بشر بن أبي خازم يصف عروق الأرطى وقد كشفها ثور:
يثير ويبدي عن عروقٍ كأنها ... أعنة خراز تخط وتنشر
وقول الطرماح في صفة الظليم:
стр. 280
مجتاب شملة برجد لسراته ... قدداً، وأسلم ما سواه البرجد
وقول ذي الرمة في صفة الليل:
وليل كجلباب العروس قطعته ... بأربعةٍ والشخص في العين واحد
وقول مضرس بن ربعي في صفة رأس النعامة:
سكاء عارية الأخادع رأسها ... مثل المدق وأنفها كالمسرد
وقال النابغة في صفة النسور:
تراهن خلف القوم خزراً عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب
وهذا التشبيه عندهم عقيم، إلا أني أقول: إنه من قول طرفة يصف عقاباً:
وعجزاء دفت بالجناح كأنها ... مع الصبح شيخ في بجاد مقنع
стр. 281
وينظر أيضاً إلى قول امرئ القيس قبله:
كأن ثبيراً في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل
وقال عبد الله بن الزبير الأسدي في تشبيه رأس القطاة:
تقلب للإصغاء رأساً كأنها ... يتيمة جوز أغبرتها المكاسر
وفي الشعر من هذا صدر جيد، وفي القرآن تشبيه كثير كقوله تعالى: " والقمر قدرناها منازل حتى عاد كالعرجون القديم " وقوله تعالى: " والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيمة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً " وقوله: " إذا غشيهم موج كالظلل " وقوله: " كأنهم جراد منتشر " ومن كلام النبي ﷺ : " الناس كأسنان المشط، وإنما يتفاضلون بالعافية " وقال: " الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " وكثير من هذا يطول تقصيه.
وقد أتت القدماء بتشبيهات رغب المولدون إلا القليل عن مثلها استبشاعاً لها، وإن كانت بديعة في ذاتها، مثل قول امرئ القيس:
وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
فالبنانة لا محالة شبيهة بالأسروعة، وهي دودة تكون في الرمل، وتسمى جماعتها بنات النقا، وإياها عنى ذو الرمة بقوله:
خراعيب أمثال كأن بنانها ... بنات النقا تخفى مراراً وتظهر
فهي كأحسن البنان: ليناً، وبياضاً، وطولاً، واستواءً، ودقة، وحمرة رأس، كأنه ظفر قد أصابه الحناء، وربما كان رأسها أسود، إلا أن نفس الحضري المولد إذا سمعت قول أبي نواس في صفة الكأس:
стр. 282
تعاطيكها كف كأن بنانها إذا اعترضتها العين صف مداري
أو قول علي بن العباس الرومي:
سقى الله قصراً بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصري الدلال رصافي
أشار بقضبان من الدر قمعت ... يواقيت حمراً فاستباح عفافي
وقول عبد الله بن المعتز:
أشرن على خوف بأغصان فضة ... مقومة أثمارهن عقيق
كان ذلك أحب إليها من تشبيه البنان بالدود في بيت امرئ القيس، وإن كان تشبيهه أشد إصابة. وفي قول الطائي أبي تمام:
بسطت إليك بنانة أسروعا ... تصف الفراق ومقلة ينبوعا
وقرب هذا عنده وهو مدح من قول حسان في الهجو:
وأمك سوداء نوبية ... كأن أناملها الحنظب
إذ كانا جميعاً من خشاش الأرض. فأما قول امرئ القيس أو مساويك إسحل فجار مجرى غيره من تشبيهاتهم؛ لأنهم يصفونها بالعنم والأقلام وما أشبه ذلك، والبنان قريب الشبه من أعواد المساويك: في القدر، والاستواء، والإملاس، إلا أن الأول على كراهته أشبه بها، والإسحل: شجر المخيطا.
وقد استبشع قوم قول الآخر يصف روضاً
كان شقائق النعمان فيه ... ثياب قد روين من الدماء
فهذا وإن كان تشبيهاً مصيباً فإن فيه بشاعة ذكر الدماء، ولو قال من العصفر مثلاً أو ما شاكله لكان أوقع في النفس وأقرب إلى الأنس.
وكذلك صفتهم الخمر في حبابها بسلخ الشجاع وما جرى هذا المجرى من التشبيه،
стр. 283
فإنه وإن كان مصيباً لعين الشبه فإنه غير طيب في النفس، ولا مستقر على القلب، ومن ذلك قول أبي عون الكاتب:
تلاعبها كف المزاج محبة ... لها، وليجري ذات بينهما الأنس
فتزبد من تيه عليها كأنها ... غريرة خدر قد تخبطها المس
فلو أن في هذا كل بديع لكان مقيتاً بشعاً، ومن ذا يطيب له أن يشرب شيئاً يشبه بزبد المصروع وقد تخبطه الشيطان من المس؟! وكأني أرى بعض من لا يحسن إلا الاعتراض بلا حجة قد نعى على هذا المذهب، وقال: رد على امرئ القيس، ولم أفعل، ولكني بينت أن طريق العرب القدماء كثير من الشعر قد خولفت إلى ما هو أليق بالوقت وأشكل بأهله. وقد عاب الأصمعي بين يدي الرشيد قول النابغة:
نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود
على أنه تشبيه لا يلحق، ولا يشق غبار صاحبه، ولم يجد فيه المطعن إلا بذكر السقيم؛ فإنه رغب عن تشبيه المحبوبة به، وفضل عليه قول عدي بن الرقاع العاملي:
وكأنها وسط النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم
وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم
وأجرى الناس هذا المجرى قول صريع الغواني على أنه لم يقع لأحد مثله، وهو:
فلطت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع
فهذا تشبيه مصيب جداً، إلا أنهم عابوه بما بينت، وإنما أشار إلى قول النابغة:
стр. 284
ويخططن بالعيدان في كل منزل ... ويخبأن رمان الثدي النواهد
ومثله قول أبي محجن الثقفي في وصف قينة:
وترفع الصوت أحياناً وتخفضه ... كما يطن ذباب الروضة الغرد
فأي قينة تحب أن تشبه بالذباب؟ وقد سرق بيت عنترة وقلبه فأفسده.
باب الإشارة
والأشارة من غرائب الشعر وملحه، وبلاغة عجيبة، تدل على بعد المرمى وفرط المقدرة، وليس يأتي بها إلا الشاعر المبرز، والحاذق الماهر، وهي في كل نوع من الكلام لمحة دالة، واختصار وتلويح يعرف مجملاً ومعناه بعيد من ظاهر لفظه؛ فمن ذلك قول زهير:
فإني لو لقيتك واتجهنا ... لكان لكل منكرة كفاء
فقد أشار له بقبح ما كان يصنع لو لقيه، هذا عند قدامة أفضل بيت في الإشارة.. وقول الآخر:
جعلت يدي وشاحاً له ... وبعض الفوارس لا يعتنق
وهذا النوع من الشعر هو الوحي عندهم.. وأنشد الحاتمي عن علي بن هارون عن أبيه، عن حماد، عن أبيه إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
جعلنا السيف بين الخد منه ... وبين سواد لمته عذارا
стр. 285
فأشار إلى هيئة الضربة التي أصابه بها دون ذكرها إشارة لطيفة دلت على كيفيتها، وإنما وصف أنهم ضربوا عنقه، ويروي بين الجيد ومثله قول الآخر:
ويوم يبيل النساء الدماء ... جعلت رداءك فيه خمارا
يريد بالرداء الحسام كما قال متمم بن نويرة:
لقد كفن المنهال تحت ردائه ... فتى غير مبطان العشيات أروعا
وقوله إنه جعله خماراً أي قنعت به الفرسان، وأشار بقوله يبيل النساء الدماء إلى وضع الحوامل من شدة الفزع.
ومما جاء في الإشارة على معنى التشبيه قول الراجز يصف لبناً ممذوقاً وجاء بمذق هل رأيت الذئب قط فإنما أشار إلى تشبيه لونه؛ لأن الماء غلب عليه فصار كلون الذئب.
ومن أنواع الإشارة التفخيم فكقول الله تعالى: " القارعة ما القارعة " وقد قال كعب بن سعد الغنوي:
أخي ما أخي لا فاحش عند بيته ... ولا ورع عند اللقاء هيوب
وأما الإيماء فكقول الله : " فغشيهم من اليم ما غشيهم " فأومأ إليه وترك التفسير معه.. وقال كثير:
تجافيت عني حين لا لي حيلة ... وخلفت ما خلفت بين الجوانح
فقوله وخلفت ما خلفت إيماء مليح.. ومثله قول ابن ذريح:
أقول إذا نفسي من الوجد أصعدت ... بها زفرة تعتادني هي ما هيا
ومن أنواع التعريض: كقول كعب بن زهير لرسول الله ﷺ :
في فتية من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا
فعرض بعمر بن الخطاب وقيل: بأبي بكر ﵄، وقيل: برسول الله ﷺ تعريض مدح، ثم قال:
следующие страницы →