← Адаб

Адаб · id 10909

العمدة في محاسن الشعر وآدابه

ابن رشيق القيرواني

Полный текст (633 стр.). Показаны 596–633 · переход к 601.

стр. 596

قال ابن أبو ربيعة المخزومي: فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر فأنث الشخوص على المعنى. وكل جمع مكسر جائز تأنيثه وإن كان واحده مذكراً حقيقياً. ومما أنث من المذكر حملا على اللفظ قول الشاعر، أنشده الكسائي: أبوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة، ذاك الكمال ومثل هذا في الشعر كثير وموجود. باب السرقات وما شاكلها وهذا باب متسع جداً، لا يقدر أحد من الشعراء أن يدعى السلامة منه، وفيه أشياء غامضة، إلا عن البصير الحاذق بالصناعة، وأخر فاضحة لا تخفى على الجاهل المغفل، وقد أتى الحاتمي في حلية المحاضرة بألقاب محدثة تدبرتها ليس لها محصول إذا حققت: كالاصطراف، والاجتلاب، والانتحال، والاهتدام، والإغارة، والمرافدة، والاستلحاق، وكلها قريب، وقد استعمل بعضها في مكان بعض، غير أني ذاكرها على ماخيلت فيما بعد. وقال الجرجاني وهو أصح مذهباً، وأكثر تحقيقاً من كثير ممن نظر في هذا الشأن: ولست تعد من جهابذة الكلام، ولا من نقاد الشعر، حتى تميز بين أصنافه وأقسامه، وتحيط علماً برتبه ومنازله، فتفصل بين السرق والغصب وبين الإغارة والاختلاس، وتعرف الإلمام من الملاحظة، وتفرق بين المشترك الذي لا يجوز ادعاء السرقة فيه والمبتذل الذي ليس واحد أحق به من الآخر، وبين المختص الذي حازه المبتدي فملكه واجتباه السابق فاقتطعه. قال عبد الكريم: قالوا: السرق في الشعر ما نقل معناه دون لفظه، وأبعد

стр. 597

في أخذه، على أن من الناس من بعد ذهنه إلا عن مثل بيت امرئ القيس وطرفة حين لم يختلفا إلا في القافية؛ فقال أحدهما وتحمل، وقال الآخر وتجلد ومنهم من يحتاج إلى دليل من اللفظ مع المعنى، ويكون الغامض عندهم بمنزلة الظاهر، وهم قليل. والسرق أيضاً إنما هو في البديع المخترع الذي يختص به الشاعر، لا في المعاني المشتركة التي هي جارية في عاداتهم ومستعملة في أمثالهم ومحاوراتهم، مما ترتفع الظنة فيه عن الذي يورده أن يقال إنه أخذه من غيره. قال: واتكال الشاعر على السرقة بلادة وعجز، وتركه كل معنى سبق إليه جهل، ولكن المختار له عندي أوسط الحالات. وقال بعض الحذاق من المتأخرين: من أخذ معنى بلفظه كما هو كان سارقاً، فإن غير بعض اللفظ كان سالخا، فإن غير بعض المعنى ليخفيه أو قلبه عن وجهه كان ذلك دليل حذقه. وأما ابن وكيع فقد قدم في صدر كتابه على أبي الطيب مقدمة لا يصح لأحد معها شعر إلا الصدر الأول إن سلم ذلك لهم، وسماه كتاب المنصف مثل ما سمي اللديغ سليما، وما أبعد الإنصاف منه. والاصطراف: أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر فيصرفه إلى نفسه، فإن

стр. 598

صرفه إليه على جهة المثل فهو اختلاب واستلحاق، وإن ادعاه جملة فهو انتحال، ولا يقال منتحل إلا لمن ادعى شعراً لغيره وهو يقول الشعر، وأما إن كان لا يقول الشعر فهو مدع غير منتحل، وإن كان الشعر لشاعر أخذ منه غلبة فتلك الإغارة والغصب، وبينهما فرق أذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، فإن أخذه هبة فتلك المرافدة، ويقال: الاسترفاد، فإن كانت السرقة فيما دون البيت فذلك هو الاهتدام، ويسمى أيضاً النسخ، فإن تساوى المعنيان دون اللفظ وخفي الأخذ فذلك النظر والملاحظة، وكذلك إن تضادا ودل أحدهما على الآخر، ومنهم من يجعل هذا الإلمام، فإن حول المعنى من نسيب إلى مديح فذلك الاختلاس، ويسمى أيضاً نقل المعنى، فإن أخذ بنية الكلام فقط فتلك الموازنة، فإن جعل مكان كل لفظة ضدها فذلك هو العكس، فان صح أن الشاعر لم يسمع بقول الآخر وكانا في عصر واحد فتلك المواردة، وإن ألف البيت من أبيات قد ركب بعضها من بعض فذلك هو الالتقاط والتلفيق، وبعضهم يسميه الاجتذاب والتركيب، ومن هذا الباب كشف المعنى والمحدود من الشعر، وسوء الاتباع، وتقصير الآخذ عن المأخوذ منه، وسأورد عليك مما رويته أو تأدى إلى فهمه لكل واحد من هذه الألقاب مثالا يعرفه العالم، ويقتدي به المتعلم، إن شاء الله تعالى. أما الاصطراف فيقع من الشعر على نوعين: أحدهما: الاجتلاب، وهو الاستلحاق أيضاً كما قدمت، والآخر: الانتحال؛ فأما الاجتلاب فنحو قول النابغة الذبياني: وصهباء لا تخفي القذى وهو دونها ... تصفق في راووقها حين تقطب تمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا فاستلحق البيت الخير فقال:

стр. 599

وإجانة ريا السرور كأنها ... إذا غمست فيها الزجاجة كوكب تمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا وربما اجتلب الشاعر البيتين على الشريطة التي قدمت؛ فلا يكون في ذلك باس، كما قال عمرو ذو الطوق: صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراه اليمينا وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا فاستلحقهما عمرو بن كلثوم؛ فهما في قصيدته، وكان عمرو بن العلاء وغيره لا يرون ذلك عيباً، وقد يصنع المحدثون مثل هذا. قال زياد الأعجم: أشم إذا ما جئت للعرف طالباً ... حباك بما تحوي عليه أنامله ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله ويروى هذا لأخت يزيد بن الطثرية، فاستلحق البيت الأخير أبو تمام فهو في شعره. وأما قول جرير للفرزدق وكان يرميه بانتحال شعر أخيه الأخطل بن غالب: ستعلم من يكون أبوه قيناً ... ومن كانت قصائده اجتلاباً فإنما وضع الاجتلاب موضع السرق والانتحال لضرورة القافية، هكذا ذكر العلماء من هؤلاء المحدثين، وأما الجمحي فقال: من السرقات ما يأتي على سبيل المثل ليس اجتلاباً، مثل قول أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي: تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيباً بماء فعاد بعد أبوالا. ثم قاله بعينه النابغة الجعدي لما أتى موضعه، فبنو عامر ترويه للجعدى، والرواة مجمعون أنه لأبي الصلط؛ فقد ذهب الجمحي في الإجتلاب مذهب جرير أنه انتحال ولم أر محدثاً غيره يقول هذا القول. والانتحال عندهم قول جرير:

стр. 600

إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا غيضن من عبراتهن وقلن لي: ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا؟ فإن الرواة مجمعون على أن البيتين للمعلوط السعدي انتحلهما جرير، وانتحل أيضاً قول طفيل الغنوي: ولما التقى الحيان ألقيت العصا ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله ولذلك قال الفرزدق: إن تذكروا كرمي بلؤم أبيكم ... وأوابدي تتنحلوا الأشعارا وكان يتقارضان الهجاء، ويعكس كل واحد منهما المعنى على صاحبه وليس ذلك عيباً في المناقضات، ولما قال الفرزدق في بني ربيع: تمنت ربيع أن يجيء صغارها ... بخير، وقد أعيا ربيعاً كبارها أخذه البعيث بعينه في بني كليب رهط جرير فقال الفرزدق: إذا ما قلت قافية شروداً ... تنحلها ابن حمراء العجان يعني البعيث؛ وكان ابن سرية. وأما قول البحتري: رمتني غواة الشعر من بين مفحم ... ومنتحل ما لم يقله ومدعى فيشهد لك ما قدمت ذكره؛ لأنه قسمهم ثلاثة أقسام: مفحم قد عجز عن الكلام فصلا عن التحلي بالشعر غير أنه يتبع الشعراء؛ والآخر منتحل لأجود من شعره، والثالث مدع جملة لا يحسن شيئاً. والإغارة: أن يصنع الشعر بيتاً ويخترع معنى مليحاً فيتناوله من هو أعظم منه ذكراً وأبعد صوتاً، فيروى له دون قائله، كما فعل الفرزدق بجميل وقد سمعه ينشد: ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

стр. 601

فقال: متى كان الملك في بني عذرة؟ إنما هو في مضر وأنا شاعرها، فغلب الفرزدق على البيت، ولم يتركه جميل ولا أسقطه من شعره. وقد زعم بعض الرواة أنه قد قال له: تجاف لي عنه، فتجافى جميل عنه، والأول أصح؛ فما كان هكذا فهو إغارة، وقوم يرون أن الإغارة أخذ اللفظ بأسره والمعنى بأسره، والسرق أخذ بعض اللفظ أو بعض المعنى، كان ذلك لمعاصر أو قديم. وأما الغصب فمثل صنيعه بالشردل اليربوعي، وقد أنشد في محفل: فما بين من لم يعط سمعاً وطاعةً ... وبين تميم غير حز الحلاقم فقال الفرزدق: والله لتدعنه أو لتدعن عرضك، فقال: خذه لا بارك الله لك فيه. وقال ذو الرمة بحضرته: لقد قلت أبياتاً، إن لها لعروضاً وإن لها لمراداً ومعنى بعيداً، قال: وما قلت؟ فقال: قلت: أحين أعادت بي تميم نسائها ... وجردت تجريد اليماني من الغمد ومدت بضبعي الرباب ومالك ... وعمرو وسالت من ورائي بنو سعد ومن آل يربوع زهاء كأنه ... دجى الليل محمود النكاية والرفد فقال له الفرزدق: إياك وإياها لا تعودن إليها، وأنا أحق بها منك، قال: والله لا أعود فيها ولا أنشدها أبداً إلا لك وسمعت بعض المشايخ يقول: الاصطراف في شعر الأموات كالإغارة على شعر الأحياء، إنما هو أن يرى الشاعر نفسه أولى بذلك الكلام من قائله.

стр. 602

وأما المرافدة فأن يعين الشاعر صاحبه بالأبيات يهبها له، كما قال جرير لذي الرمة: أنشدني ما قلت لهشام المرئي، فأنشده قصيدته: نبت عيناك عن طلل بحزوى ... محته الريح وامتنح القطارا فقال: ألا أعينك؟ قال: بلى بأبي وأمي، قال: قل له: يعد الناسبون إلى تميم ... بيوت المجد أربعة كبارا يعدون الرباب وآل سعد ... وعمراً ثم حنظلة الخيارا ويهلك بينها المرئي لغواً ... كما ألغيت في الدية الحوارا فلقيه الفرزدق، فلما بلغ هذه قال: جيد، أعده، فأعاده، فقال: كلا والله، لقد علكهن من هو أشد لحيين منك، هذا شعر ابن المراغة. واسترفد هشام المرئي جريراً على ذي الرمة فقال في أبيات: يماشي عدياً لؤمها ما تجنه ... من الناس ما ماشت عدياً ظلالها فقل لعدي تستعن بنسائها ... علي فقد أعيا عدياً رجالها أذا الرم، قد قلدت قومك رمة ... بطيئاً بأيدي العاقلين انحلالها ويروي بأيدي المطلقين فقال ذو الرمة لما سمعها: يا ويلتنا، هذا والله شعر حنظلي، وغلب هشام على ذي الرمة بعد أن كان ذو الرمة مستعلياً عليه. وقد استرفد نابغة بني ذبيان زهيراً فأمر ابنه كعباً فرفده. والشاعر يستوهب البيت والبيتين والثلاثة وأكثر من ذلك، إذا كانت

стр. 603

شبيهة بطريقته، ولا يعد ذلك عيباً؛ لأنه يقدر على عمل مثلها، ولا يجوز ذلك إلا للحاذق المبرز. والاهتدام نحو قول النجاشي: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمت فيها يد الحدثان فأخذ كثير القسم الأول واهتدم باقي البيت فجاء بالمعنى في غير اللفظ، فقال: ورجل رمى فيها الزمان فشلت وأما النظر والملاحظة فمثل قول مهلهل: أنبضوا معجس القسي وأبرق ... نا كما توعد الفحول الفحولا نظر إليه زهير بقوله: يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا وأبو ذؤيب بقوله: ضروب لهامات الرجال بسيفه ... إذا حن نبع بينهم وشريح والإلمام: ضرب من النظر، وهو مثل قول أبي الشيص: أجد الملامة في هواك لذيذة وقول أبي الطيب: أأحبه وأحب فيه ملامة البيت، وقد تقدم ذكرهما في التغاير. وأما الاختلاس فهو قول أبي نواس: ملك تصور في القلوب مثاله ... فكأنه لم يخل منه مكان اختلسه من قول كثير:

стр. 604

أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل وقول عبد الله بن مصعب: كأنك كنت محتكماً عليهم ... تخير في الأبوة ما تشاء ويروى كأنك جئت محتكماً عليهم اختلسه من قول أبي نواس: خليت والحسن تأخذه ... تنتقي منه وتنتخب فاكتست منه طرائفه ... ثم زادت فضل ما تهب أردت البيت الأول. ومن هذا النوع قول امرئ القيس: إذا ما ركبنا قال ولدان حينا ... تعالوا إلى أن يأتنا الصيد نحطب نقله ابن مقبل إلى القدح فقال: إذا امتحنته من معد عصابة ... عدارية قبل الإفاضة يقدح نقله ابن المعتز إلى البازي فقال: قد وثق القوم له بما طلب ... فهو إذا عرى لصيد واضطرب عروا سكلكينهم من القرب نقلته أنا إلى قوس البندق فقلت: طير أبابيل جاءتنا فما برحت ... إلا وأقواسنا الطير الأبابيل ترميهم بحصى طير مسمومة ... كأن معدنها للرمي سجيل تعدو على ثقة منا بأطيبها ... فالنار تقدح والطنجير مغسول والموازنة مثل قول كثير: تقول مرضنا فما عدتنا ... وكيف يعود مريض مريضا وازن في القسم الآخر قول نابغة بني تغلب:

стр. 605

بخلنا لبخلك قد تعلمين ... وكيف يعيب بخيلاً بخيلا والعكس قول ابن أبي قيس، ويروى لأبي حفص البصري: ذهب الزمان برهط حسان الأولى ... كانت مناقبهم حديث الغابر وبقيت في خلف يحل ضيوفهم ... منهم بمنزلة اللئيم الغادر سود الوجوه لئيمة أحسابهم ... فطس الأنوف من الطراز الآخر وقد عاب ابن وكيع هذا النوع بقلة تمييز منه أو غفلة عظيمة. وأما الموارد فقد ادعاها قوم في بيت امرئ القيس وطرفة، ولا أظن هذا مما يصح؛ لأن طرفة في زمان عمرو بن هند شاب حول العشرين، وكان امرؤ القيس في زمان المنذر الأكبر كهلاً واسمه وشعره أشهر من الشمس؛ فكيف يكون هذا مواردة؟ إلا أنهم ذكروا أن طرفة لم يثبت له البيت، حتى استحلف أنه لم يسمعه قط فحلف، وإذا صح هذا كان مواردة، وإن لم يكونا في عصر، وسئل أبو عمرو بن العلاء: أرأيت الشاعرين يتفقان في المعنى ويتواردان في اللفظ لم يلق واحد منهما صاحبه ولم يسمع شعره؟ قال: تلك عقول رجال توافت على ألسنتها، وسئل أبو الطيب عن مثل ذلك فقال: الشعر جادة، وربما وقع الحافر على موضع الحافر. وألما الالتقاط والتلفيق فمثل قول يزيد بن الطثرية: إذا ما رآني مقبلاً غض طرفه ... كأن شعاع الشمس دوني مقابله فأوله من قول جميل: إذا ما رأوني طالعاً من ثنية ... يقولون: من هذا؟ وقد عرفوني

стр. 606

ووسطه من قول جرير: فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا وعجزه من قول عنترة الطائي: إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من حولي تدور فأما كشف المعنى فنحو قول امرئ القيس: نمشي بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهب وقال عبدة بن الطبيب بعده: ثمة قمنا إلى جرد مسومة ... أعرافهن لأيدينا مناديل فكشف المعنى وأبرزه. وأما المجدود من الشعر فنحو قول عنترة العبسي: وكما علمت شمائلي وتكرمي رزق جداً واشتهاراً على قول امرئ القيس: وشمائلي ما قد علمت، وما ... نبحت كلابك طارقاً مثلي ومنه أخذ عنترة، والمخترع معروف له فضله، متروك له من درجته، غير أن المتبع إذا تناول معنى فأجاده بأن يختصره إن كان طويلاً، أو يبسطه إن كان كزاً، أو يبينه إن كان غامضاً، أو يختار له حسن الكلام إن كان سفسافاً، أو رشيق الوزن إن كان جافياً فهو أولى به من مبتدعه، وكذلك إن قلبه أو صرفه عن وجه إلى وجه آخر، فأما إن ساوى المبتدع

стр. 607

فله فضيلة حسن الاقتداء لا غيرها، فإن قصر كان ذلك دليلاً على سوء طبعه، وسقوط همته، وضعف قدرته. فمما أجاد فيه المتبع على المبتدع قول الشماخ: إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين فقال أبو النواس: أقول لناقتي إذا بلغتني ... لقد أصبحت مني باليمين فلم أجعلك للغربان نحلاً ... ولا قلت " اشرقي بدم الوتين " وكرره فقال: وإذا المطي بنا بلغن محمداً ... فظهورهن على الرجال حرام قربننا من خير من وطئ الحصى ... فلها علينا حرمة وذمام ومما يتساوى فيه السارق والمسروق منه قول امرئ القيس فلو أنها نفس البيت، وقول عبدة بن الطبيب فما كان قيس البيت. وسوء الاتباع أن يعمل الشاعر معنى ردياً ولفظاً ردياً مستهجناً ثم يأتي من بعده فيتبعه فيه على رداءته، نحو قول أبي تمام: باشرت أسباب الغنى بمدائح ... ضربت بأبواب الملوك طبولا فقال أبو الطيب: إذا كان بعض الناس سيفاً لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول

стр. 608

فسرق هذه اللفظة لئلا تفوته. ومما قصر فيه الآخذ عن المأخوذ منه قول أبي دهبل الجمحي في معنى بيت الشماخ: يا ناق سيري واشرقي ... بدم إذا جئت المغيره سيثيبني أخرى سوا ... ك، وتلك لي منه يسيره فأنت ترى أين بلغت همته؟؟ ومما يعد سرقاً وليس بسرق اشتراك اللفظ المتعارف كقول عنترة: وخيل قد دلفت لها بخيل ... عليها الأسد تهتصر اهتصارا وقول عمرو بن معدي كرب: وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع وقول الخنساء ترثي أخاها صخراً: وخيل قد دلفت لها بخيل ... فدارت بين كبشيها رحاها ومثله: وخيل قد دلفت لها بخيل ... ترى فرسانها مثل الأسود وأمثال هذا كثير. وكانوا يقضون في السرقات أن الشاعرين إذا ركبا معنى كان أولاهما به أقدمهما موتاً، وأعلاهما سناً، فإن جمعهما عصر واحد كان ملحقاً بأولاهما بالإحسان، وإن كانا في مرتبة واحدة لهما جميعاً، وإنما هذا فيما سوى المختص الذي حازه قائله، واقتطعه صاحبه، ألا ترى أن الأعشى سبق إلى قوله: وفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا موروثة مجداً، وفي الأصل رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا

стр. 609

فأخذ النابغة فقال: شعب العلا فيات بين فروجهم ... والمحصنات عوازب الأطهار وبيت النابغة خير من بيت الأعشى باختصاره، وبما فيه من المناسبة بذكر الشعب بين الفروج وذكره النساء بعد ذلك، وأخذه الناس من بعده، فلم يغلبه على معناه أحد، ولا شاركه فيه، بل جعل مقتدياً تابعاً، وإن كان مقدماً عليه في حياته، وسابقاً له بمماته. وقال أوس بن حجر: كأن هراً جنيباً عند غرضتها ... والتف ديك برجليها وخنزير فلم يقربه أحد، وكذلك سائر المعاني المفردة والتشبيهات العقم تجري هذا المجرى. وأجل السرقات نظم النثر وحل الشعر، وهذه لمحة منه. قال نادب الإسكندر " حركنا الملك بسكونه " فتناوله أبو العتاهية فقال: قد لعمري حكيت لي غصص المو ... ت وحركتني لها وسكنتا وقال أرساطاطاليس يندبه: " قد كان هذا الشخص واعظاً بليغاً، وما وعظ بكلامه عظة قط أبلغ من موعظته بسكوته " وقال أبو العتاهية في ذلك: وكانت في حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حياً وقال عيسى ﵇: تعملون السيئات وترجون أن تجازوا عليها بمثل ما يجازى به أهل الحسنات، أجل لا يجنى الشوك من العنب.

стр. 610

فقال ابن عبد القدوس: إذا وترت امرأ فاحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنباً وأخذ الكتاب قولهم " قدمت قبلك " من قول الأقرع بن حابس، ويروى لحاتم: إذا ما أتى يوم يفرق بيننا ... بموت فكن أنت الذي تتاخر وقولهم " وأتم نعمته عليك " من قول عدي بن الرقاع العاملي: صلى الإله على امرئ ودعته ... وأتم نعمته عليه وزادها فما جرى هذا المجرى لم يكن على سارقه جناح عند الحذاق، وفي أقل ما جئت به منه كفاية. باب الوصف الشعر إلا أقله راجع إلى باب الوصف، ولا سبيل إلى حصره واستقصائه، وهو مناسب للتشبيه، مشتمل عليه، وليس به؛ لأنه كثيراً ما يأتي في أضعافه، والفرق بين الوصف والتشبيه أن هذا إخبار عن حقيقة الشيء، وأن ذلك مجاز وتمثيل. وأحسن الوصف ما نعت به الشيء حتى يكاد يمثله عياناً للسامع، كما قال النابغة الجعدي يصف ذئباً افترس جؤذراً: فبات يذكيه بغير حديدة ... أخو قنص يمسي ويصبح مفطراً إذا ما رأى منه كراعا تحركت ... أصاب مكان القلب منه وفرفرا فأنت ترى كيف قام هذا الوصف بنفسه، ومثل الموصوف في قلب سامعه. قال قدامة: الوصف إنما هو ذكر الشيء بما فيه من الأحوال والهيئات،

стр. 611

ولما كان أكثر وصف الشعراء إنما يقع على الأشياء المركبة من ضروب المعاني كان أحسنهم وصفا من أتى في شعره أكثر المعاني التي الموصوف بها مركب فيها، ثم بأظهرها فيه، وأولاها به، حتى يحكيه ويمثله للحس بنعته. وقال بعض المتأخرين: أبلغ الوصف ما قلب السمع بصراً. واصل الوصف الكشف والإظهار، يقال: قد وصف الثوب الجسم، إذا نم عليه ولم يستره، ومنه قول ابن الرومي: إذا وصفت ما فوق مجرى وشاحها ... غلائلها ردت شهادتها الأزر إلا أن من الشعراء والبلغاء من إذا وصف شيئاً بلغ في وصفه، وطلب الغاية القصوى التي لا يعدوها شيء: إن مدحا فمدحا، وإن ذما فذما. والناس يتفاضلون في الأوصاف، كما يتفاضلون في سائر الأصناف: فمنهم من يجيد وصف شيء ولا يجيد وصف آخر، ومنهم من يجيد الأوصاف كلها وإن غلبت عليه الإجادة في بعضها: كامرئ القيس قديماً، وأبي نواس في عصره، والبحتري وابن الرومي في وقتهما، وابن المعتز، وكشاجم؛ فإن هؤلاء كانوا متصرفين مجيدين الأوصاف، وليس بالمحدث من الحاجة إلى أوصاف الإبل ونعوتها، والقفار ومياهها، وحمر الوحش، والبقر، والظلمان، والوعول؛ ما بالأعراب وأهل البادية؛ لرغبة الناس في الوقت عن تلك الصفات، وعلمهم أن الشاعر إنما يتكلفها تكلفا ليجري على سنن الشعراء قديما، وقد صنع ابن المعتز وأبو النواس قبله ومن شاكلهما في تلك الطرائق ما هو مشهور في أشعارهم: كرائية الحسن في الخصيب، وجيمية ابن المعتز المردفة في الضرب الثاني من الكامل. والأولى بنا في هذا الوقت صفات الخمر والقيان وما شاكلهما، وما كان مناسباً لهما كالكؤوس والقناني والأباريق، وتفاح التحيات، وباقات الزهر

стр. 612

إلى ما لا بد منه من صفات الخدود، والقدود، والنهود، والوجوه، والشعور، والريق، والثغور، والرداف، والخصور، ثم صفات الرياض والبرك والقصور، وما شاكل المولدين؛ فإن ارتفعت البضاعة فصفات الجيوش وما يتصل بها من ذكر الخيل، والسيوف، والرماح، والدروع، والقسي، والنبل، إلى نحو ذلك من ذكر الطبول، والبنود، والمنحرفات، والمنجنيقات، وليس يتسع بنا هذا الموضع لاستقصاء ما في النفس من هذه الأوصاف؛ فحينئذ أدل على مظانها دلالة مجملة، وأذكر مما قل شكله وعز نظيره شواهد وأمثلة يعرف بها المتعلم كيف العمل فيها ومن حيث المسلك إليها، إن شاء الله تعالى. أما نعات الخيل فامرؤ القيس، وأبو دؤاد، وطفيل الغنوي، والنابغة الجعدي، وأما نعات الإبل فطرفة في معلقته من أفضلهم، وأوس بن حجر، وكعب بن زهير، والشماخ، وأكثر القدماء يجيد وصفها؛ لأنها مراكبهم، ألا ترى رؤبة لما غلط في وصف الفرس كيف قال: أدنني من ذنب البعير، وكان عبيد بن حصين الراعي النميري أوصف الناس للابل، ولذلك سمي راعياً، وأما الحمر الوحشية والقسي فأوصف الناس لها الشماخ، شهد له بذلك الحطيئة والفرزدق، وهذان يجيدان صفات الخيل والقسي أيضاً والنبل، وأما الخمر فمن أوصاف الأعشى والأخطل وأبي نواس وابن المعتز، ولأبي نواس أيضاً وابن المعتز الصيد والطرد، فما شئت من هذه الأوصاف فالتمسها حيث ذكرت، ومن الأوصاف القليلة المثل قول رؤبة يصف الفيل: أجرد الخصر طويل النابين ... مشرب اللحى صغير الفقمين

стр. 613

عليه أذنان كفضل الثوبين وقال آخر يصفه، أنشده عبد الكريم: من يركب الفيل فهذا الفيل ... إن الذي يحمله محمول على تهاويل لها تهويل ... كالطود إلا أنه يجول وأذن كأنها منديل هكذا أنشده، وبين البيتين الأخيرين أبيات كثيرة أسقطتها، وقد أنشدها غلام ثعلب عنه عن ابن الأعرابي. وقال عبد الكريم فجمع ما فرقاه وزاد عليهما: وأضخم هندي النجار تعده ... ملوك بني ساسان إن رابها أمر من الورق لا من ضربه الورق ترتعي ... أضاخ ولا من ضربه الخمس والعشر يجئ كطود جائل فوق أربع ... مضبرة لمت كما لمت الصخر له فخذان كالكثيبين لبدا ... وصدر كما أوغى من الهضبة الصدر ووجه به أنف كراووق خمرة ... ينال به ما تدرك الأنمل العشر وأذن كنصف البرد يسمعه الندا ... خفياً وطرف ينقض الغيب مزور ونابان شقا لا يريك سواهما ... قناتين سمراوين طعنهما نثر له لون ما بين الصباح وليله ... إذا نطق العصفور أو غلس الصقر وصنعت أنا في زرافة أتت في الهدية من مصر إلى مولانا خلد الله ملكه من قصيدة طويلة: أتتك من كسب الملوك زرافة ... شتى الصفات لكونها أثناء جمعت محاسن ما حكت فتناسبت ... في خلقها وتنافت الأعضاء تحتثها بين الخوافق مشية ... باد عليها الكبر والخيلاء

стр. 614

وتمد جيداً في الهواء يزينها ... فكأنه تحت اللواء لواء حطت مآخرها وأشرف صدرها ... حتى كأن وقوفها إقعاء وكأن فهر الطيب ما رجمت به ... وجه الثرى لو لمت الأجزاء وتخيرت دون الملابس حلة ... عيت لصنعة مثلها صنعاء لوناً كلون الزبل إلا أنه ... حلي وجزع بعضه الجلاء أو كالسحاب المكفهرة خيطت ... فيه البروق، وميضها إيماء أو مثل ما صدئت صفائح جوشن ... وجرى على حافاتهن جلاء نعم التجافيف التي ادرعت به ... من جلدها لو كان فيه وقاء وصنعت أيضاً: ومجنونة أبداً لم تكن ... مذللة الظهر للراكب قد اتصل الجيد من ظهرها ... بمثل السنام بلا غارب ملمعة مثل ما لمعت ... بجناء وشي يد الكاعب كأن الجواري كنفنها ... لخالخ من كل جانب؟ وقال كشاجم يصف اصطرلاباً: ومستدير كجرم البدر مسطوح ... عن كل رابعة الأشكال مصفوح صلب يدار على قطب يلينه ... تمثال طرف بشكم الحذق مشبوح مثل البنان وقد أوفت صفائحه ... على الأقاليم في أقطارها الفيح كأنما السبعة الأفلاك محدقة ... بالماء والنار والأرضين والريح تنبيك عن طالع الأبراج هيئته ... بالشمس طوراً وطوراً بالمصابيح وإن مضت ساعة أو بعض ثانية ... عرفت ذاك بعلم منه مشروح وإن تعرض في وقت يقدره ... لك التشكك جلاه بتصحيح

стр. 615

مميز في قياسات النجوم لنا ... بين المشائيم منها والمناجيح له على الظهر عيناً حكمة بهما ... يحوي الضياء ويجنيه من اللوح وفي الدوائر من أشكاله حكم ... تلقح الفهم منا أي تلقيح لا يستقل لما فيها بمعرفة ... إلا الحصيف اللطيف الحس والروح حتى ترى الغيب عنه وهو منغلق ال ... أبواب عمن سواه جد مفتوح نتيجة الدهر والتفكير صوره ... ذوو العقول الصحيحات المراجيح وقال أيضاً يصف تحت حساب الهندسة: وقلم مداده تراب ... في صحف سطورها حساب يكثر فيه المحو الإضطراب ... من غير أن يسود الكتاب حتى يبين الحق والصواب ... وليس إعجام ولا إعراب فيه ولا شك ولا ارتياب وقال يستهدي بركارا: جد لي ببركارك الذي صنعت ... فيه يدا قينة أعاجيبا ملأم الشفرتين معتدل ... ماشين من جانب ولا عيبا شخصان في شكل واحد قدرا ... وركبا في العقول تركيبا وأشبه شيئين في اشتباههما ... بصاحب لا يمل مصحوبا أوثق مسماره وغيب عن ... نواظر الناقدين تغييبا فعين من يجتليه تحسبه ... في قالب الاعتدال مصبوبا وضم شطريه محكم لهما ... ضم محب إليه محبوبا يزداد حرصاً عليه مبصره ... ما زاده بالبنان تقليبا فقوله كلما تأمله ... طوبى لمن كان ذاله طوبى

стр. 616

ذو مقلة بصرته مذهبة ... لم تأله زينة وتذهيبا ينظر منه إلى الصواب به ... فلا يزال الصواب مطلوبا لولاه ما صح شكل دائرة ... ولا وجدنا الحساب محسوبا الحق فيه فإن عدلت إلى ... سواه كان الحساب تقريبا لو عين إقليدس به بصرت ... خر له بالسجود مكبوبا فابعثه واجنبه لي بمسطرة ... تلق الهوى بالثناء محبوبا لا زلت تجدي وتجتدي حكماً ... مستوهباً للصديق موهوبا وقال في صفة البنكام: روح من الماء في جسم من الصفر ... مؤتلف بلطيف الحس والنظر مستعبر لم يغب عن إلفه سكن ... ولم يبت قط من طعن على حذر له على الظهر أجفان محجرة ... ومقلة دمعها يجري على قدر تنشأ له حركات في أسافله ... كأنها حركات الماء في الشجر وفي أعاليه حسبان يفصله ... للناظرين بلا ذهن ولا فكر إذا بكى دار في أحشائه فلك ... خافي المسير وإن لم يبك لم يدر مترجم عن مواقيت تخبرنا ... عنها فيوجد فيها صادق الخبر تقضى به الخمس في وقت الوجوب، وإن ... غطى على الشمس ستر الغيم والمطر وإن سهرت لأسباب تؤرقني ... عرفت مقدار ما ألقى من السهر محرر كل ميقات تخيره ... ذوو التخير للأسفار والحضر ومخرج لك بالإجراء ألطفها ... من النهار وقوس الليل والسحر نتيجة العلم والأفكار صوره ... يا حبذا بدع الأفكار في الصور وقال يصف زرمانج آبنوس:

стр. 617

نعم المعين على الآداب والحكم ... صحائف حلك الألوان كالظلم لا تستمد مدادها غير صبغتها ... فسر ذي اللب منها غير مكتتم خفت وجفت فلم تدنس لحاملها ... ثوباً ولم يخش منها نبوة القلم وأمكن المحو فيها الكف فاتسعت ... لما تضمن من نثر ومنتظم حليتها بلجين وانتخبت لها ... وقاية من ذكي العود لا الأدم فالكم يعبق منها حين تودعه ... عرفاً تنسم منها أطيب النسم لو كن ألواح موسى حين يغضبه ... هارون لم يلقها خوفاً من الندم وله من قصيدة ذكر فيها طاووساً مات له: رزئته روضةً يروق، ولم ... نسمع بروض يمشي على قدم جثل الذنابى كأن سندسة ... زرت عليه موشية العلم متوجاً خلقة حباه بها ... ذو الفطر المعجزات والحكم كأنه يزدجرد منتصباً ... يبني فيعلى مآثر العجم يطبق أجفانه ويحسر عن ... فصين يستصبحان في الظلم أدل بالحسن فاستذال له ... ذيلاً من الكبر غير محتشم ثم مشى مشية العروس؛ فمن ... مستظرف معجب ومبتسم فهذا طرف مما شرطته كاف، يرى به المتعلم نهج هذه الطريقة، إن شاء الله تعالى. باب الشطور وبقية الزحاف القول في الشطور على أحد وجهين: إما أن يراد بالشطر نصف البيت، وإما أن يراد به القصد، وذلك أنهم إذا ذكروا الشطور فربما أنشدوا أبياتاً كاملة، وليست أقسمة؛ فيكون هذا من قوله تعالى: " فول وجهك شطر

стр. 618

المسجد الحرام " وكذلك القسيم أيضاً: يجوز أن يكون نصف البيت، ويجوز أن يكون بمعنى الحظ من الوزن؛ لأن الحظ يقال له قسيم وقسم. قال جرير: أتاركة أكل الخزيز مجاشع ... وقد خس إلا في الخزيز قسيمها يريد حظها. وقالت ابنة المنذر بن ماء السماء: بعين أباغ قاسمنا المنايا ... فكان قسيمها خير القسيم وهذا حين أبدأ بذكر الشطور على مذهب الجوهري لقلة حشوه. الطويل: مثمن قديم، مسدس محدث، أجزاؤه " فعولن مفاعيلن " ثماني مرات وزحافه: القبض، الثلم، والثرم، الكف، الحذف. ومسدسه أن يحذف منه مفاعيلن الآخرة من كل قسم. المديد: مثمن محدث، مسدس قديم، مربع قديم،، أجزاؤه " فاعلاتن فاعلن " ثماني مرات وعلى ذلم أتى محدثه، وبيت مربعه السالم: بؤس للحرب التي ... غادرت قومي سدى قال: وهذا شعر قديم، إلا أن الخليل لم يذكره. زحافه: الخبن، الكف، الشكل، القصر، الحذف، الصلم. البسيط: مثمن قديم، مسدس قديم، مربع محدث، أجزاؤه " مستفعلن فاعلن " ثماني مرات ومسدسه " مستفعلن فاعلن مستفعلن " مكررة، قال:

стр. 619

وله مسدس آخر يسميه الخليل السريع، وقد نقص منه " فاعلن " الأولى والثالثة وبيته المربع المحدث: دار عفاها القدم ... بين البلى والعدم زحافه: الخبن، الطي، الخبل، القطع، الإذالة، التخليع. ومعنى التخليع: قطع " مستفعلن " في العروض والضرب جميعاً. الوافر: مسدس قديم، مربع قديم، أجزاؤه " مفاعلتن " ست مرات، ولم يجئ عن العرب في مسدسه بيت صحيح. زحافه: العصب، القطف، النقص، العقل، العضب، القصم، العقص، الجمم. الكامل: مسدس قديم، مربع قديم، أجزاؤه متفاعلن " ست مرات، زحافه: الإضمار، الوقص، الخزل، القطع، الخرم، الترفيل، الإذالة. الهزج: مسدس محدث، مربع قديم، أجزاؤه مفاعيلن " أربع مرات، بيته المسدس المحدث: ألا هل هاجك الأظعان إذ بانوا ... وإذ صاحت بشط البين غربان زحافه: الخزم، الكف، القبض، الحزب، الشتر، الحذف. الرجز: مسدس، مربع، مثلث، مثنى، كله قديم، موحد محدث، أجزاؤه " مستفعلن " ست مرات، زحافه: الخبن، الطي، الخبل، القطع، الفرق، الوقف؛ ومعنى قوله الفرق: أن يفرق الوتد المجموع في حشو مسدسه فيعود مستفعلن مستفعنل بتقديم النون فيكون وزنه مفعولات. قال: وهو الذي يسميه الخليل المنسرح، ولم يجئ ضربه إلا مطوياً، وفي صدر مربعه، قال: وهو الذي يسميه الخليل المقتضب، وفي ضرب مثناه ومثلثه إلا أنه ساكن اللام؛ لأن آخر البيت لا يكون إلا متحركاً، وذلك هو الوقف.

стр. 620

الرمل: مسدس قديم، مربع قديم، أجزاؤه " فاعلاتن " ست مرات، زحافه: الخبن، الكف، الشكل، الحذف، القصر، الإسباغ. الخفيف: مسدس قديم، مربع قديم، أجزاؤه " فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن " مكرر، ومربعه " فاعلاتن مستفعلن " قال: وقد ركب منه مربع آخر، وهو الذي يسميه الخليل مجتثاً، وقد نقص منه " فاعلاتن " الأولى والرابعة. وزحافه: الخبن، الكف، الشكل، الحذف، القطع، التشعيث، الإسباغ، الطي. المضارع: مربع قديم لا غير، أجزاؤه " مفاعلن فاعلاتن " مكرر، ولم يجئ عن العرب فيه بيت صحيح. زحافه: القبض، الكف، الحذف، الشتر، الخبن. المتقارب: مثمن قديم، مسدس مربع محدث، أجزاؤه " فعولن " ثماني مرات. زحافه: القبض، الثلم، الثرم، القصر، الحذف، البتر، وبيت مربعه المحدث: وقفنا هنيه ... بأطلال ميه المتدارك: مثمن قديم، مسدس محدث، أجزاؤه " فاعلن " ثماني مرات، وبيته السالم من مثمنه: لم يدع من مضى للذي قد غبر ... فضل علم سوى أخذه بالأثر وشعر عمرو الجني مخبون. زحافه: الخبن، القطع، الإذالة، الترفيل.. وهذا شرح الألقاب عن أبي زهرة النحوي وغيره. كل ما حذف ثانيه الساكن فهو مخبون، وكل ما حذف رابعه الساكن منه فهو مطوي، وما حذف خامسه الساكن فهو مقبوض، وما حذف سابعه الساكن فهو مكفوف، وما حذف ثانيه ورابعه الساكنان فهو مخبول، وما حذف ثانيه وسابعه الساكنان

стр. 621

فهو مشكول، وما حذف ثانيه المتحرك فهو موقوص، وما حذف خامسه المتحرك فهو معقول، وما حذف سابعه المتحرك فهو مكشوف عند الخليل، ولم يعتد به الجوهري، وما حذف رابعة الساكن وأسكن ثانية المتحرك فهو مخزول، وما أسكن ثانية المتحرك فهو مضمر، وما أسكن خامسة المتحرك فهو معصوب، وما أسكن سابعه المتحرك فهو موقوف، وما حذف ساكن سببه وأسكن متحركه فهو مقصور، وإن كان هذا العمل في وتد فهو مقطوع، وكل سبب زيد عليه حرف ساكن ليس من الجزء الذي هو فيه فهو مسبغ، وإن كان ذلك في وتد فهو مذيل؛ فإن زيد على الوتد حرفان فهو مرفل، وكل ما حذف منه وتد مجموع فهو أحذ، فإن حذف وتد مفروق فهو أصلم، وإذا حذف من الجزء سبب وأسكن المتحرك الي يليه فهو مقطوف، وكل وتد مجموع كان في مبتدأ البيت فحذف أول الوتد فهو مخروم، وإن كان ذلك في " فعولن " فهو أثلم، فإن كان فيه مع الخرم قبض فهو أثرم، وإن كان الخرم في " مفاعلتن " فهو أعصب وإن كان مع ذلك عصب فهو أقصم، وإن كان فيه مع الخرم قبض فهو أعفص، وإن كان فيه مع الخرم عقل فهو أجم، وإذا خرمت " مفاعيلن " فهو أخرم وإذا كففته مع ذلك فهو أخرب، وإذا خرمته وقبضته فهو أشتر، وما ذهب منه جزآن من العروض والضرب فهو مجزو، وما يذهب منه شطره فهو مشطور، وما ذهب ثلثاه فهو منهمك، ومل سلم من الزحاف وهو يجوز فيه فهو سالم، وما سلم من الخرم فهو موفور، وما استوفى دائرته فهو تام، وما استوفى أجزاء دائرته وكان في بعض الأجزاء نقص فهو وافٍ، وكل جزء كان في ضرب أو عروض فكان بمنزلة الحشو فهو صحيح، وإن خالف الحشو فهو معتل، ومخالفة الحشو: أن يدخل فيه من النقص والزيادة ما لا يدخل الحشو، أو يمتنع من النقص

стр. 622

الذي يدخل الحشو، والمعتدل على أربعة أوجه: ابتداء، وفصل، وغاية، واعتماد. وقد شرحتها فيما تقدم. باب بيوتات الشعر والمعرقين فيه منها في الجاهلية بيت أبي سلمى: كان شاعراً واسمه ربيعة، وابنه زهير كان شاعراً، وله خؤولة في الشعر: خاله بشامة بن الغدير، وكان كعب وبجير ابنا زهير شاعرين، وجماعة من أبنائهما. ومن المخضرمين حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام، وهو وأبوه وجده وأبو جده شعراء، وابنه عبد الرحمن شاعر، ذكر ذلك المبرد وبعد هذين بيت النعمان بن بشير، وبنوه: أبان، وبشير، وشبيب، وابنته حميدة، ومن بني بنيه عبد الخالق بن عبد الواحد، وعبد القدوس بن عبد الواحد بن النعمان، وأم النعمان عمرة بنت رواحة شاعرة، وخاله عبد الله بن رواحة أحد شعراء النبي ﷺ . ومن المعرقين في الشعر عن عبد الكريم نهشل بن حرى بن ضمرة بن جابر بن قطن، ستة ليس يتوالى في بني تميم مثلهم شعراً وشرفاً وفعالاً. وعن ابن قتيبة القاسم بن أمية بن أبي الصلت، وهو القائل: قوم إذا نزل الغريب بدارهم ... تركوه رب صواهل وقيان وربيعة بن أمية عن غير ابن قتيبة. ومن بيوتات الشعر في الإسلام بيت جرير: كان هو وأبوه عطية وجده الخطفي شعراء، وكان بنوه وبنو بنيه شعراء.. قال أبو زياد الكلابي:

стр. 623

رأيت باليمامة نوحاً وبلالاً ابني جرير وهما يتسايران ولهما جمال وهيئة وقدر عظيم، وأشعر من باليمامة يومئذ حجناء بن نوح بن جرير، وكان عقيل بن بلال شاعراً، وعمارة ابنه شاعراً، أدرك الطائي حبيباً ولقيه المبرد. ومن المعوقن عقبة بن رؤبة بن العجاج. ومن البيوتات بيت أبي حفصة: كان مروان شاعراً، وجماعة بيته شعراء يضربون بألسنتهم أنوفهم، حكاه الجاحظ، وكان يحيى جد مروان شاعراً يهاجي اللعين المنقري، وأكثر أهل بيته شعراء رجالاً ونساء. وبيت أبي عيينة بيت شعر: منهم مجد وبنوه أبو عيينة وعبد الله وداود وعباد بن داود لقبه المخرق لقوله: أنا المخرق أعراض اللئام كما ... كان الممزق أعراض اللئام أبي وبيت الرفاشيين منهم عبد الصمد بن الفضل وابناه الفضل والعباس، وأكثرهم شعراء. وبيت اللاحقيين: كان حمدان شاعراً، وابنه، وأبوه أبان شاعراً، وجده عبد الحميد شاعراً، ولاحق أبو عبد الحميد شاعر، وإليه نسبوا، وهو مولى الرقاشيين، وأكثر أهل هذا البيت شعراء. وبيت أمية الكاتب ذكرهم دعبل، وهم أمية وإخوته: علي، ومحمد، والعباس وسعيد، ومن أولاد هؤلاء أبو العباس بن أمية وأخواه علي وعبد الله، وابن عمهم محمد بن علي بن أبي أمية. وبيت رزين بيت شعر، منهم عبد الله شاعر، وابنه الشيص شاعر، واسمه محمد، ومنهم علي شاعر، وابناه دعبل وعلي شاعران. وبيت حميد بن عبد الحميد. كان حميد شاعراً، وبنوه أهرم وأبو عبد الله وأبو نصر وأبو نهشل شعراء، ذكرهم دعبل.

стр. 624

والفرق بين المعرق وبين ذي البيت أن المعرق من تكرر الأمر فيه وفي أبيه وجده فصاعداً، ولا يكون معرقاً حتى يكون الثالث فما فوقه، وعلى هذا فسر قول أبي الطيب: العارض الهتن ابن العارض الهتن اب ... ن العارض الهتن ابن العارض الهتن قالوا: إنما أراد أنه معرق، وزاد واحداً على الشرط المتعارف، وإنما أخذه أبو الطيب من قول محمد بن عبد الملك الزيات: ما كان ينذرنا ويؤمن سربنا ... ويجيرنا من شر كل مخيفة إلا مقام خليفة لخليفة ... لخليفة لخليفة لخليفة يعني الواثق بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، فصدق وحسن في معناه، ونقص المتنبي بواحد بعد سرقته. وذو البيت من عم الأمر جميع أهل بيته أو أكثرهم، فهذا فرق بينهما. ومن الأخوة ومن لم يعرق: لبيد وأخوه لأمه أربد، والشماخ وأخواه جزء ويزيد وهو مزرد وبنو ابن مقبل وهم عشرة أخوة، تميم، وفضالة وحيان: ورفاعة، ووبرة، والمضاء، وأعقد، وعبد الله، وخفاف، وأبو الشمال، وأم تميم ابنة أمية بن أبي الصلت، وفي أولاد أخوته المذكورين آنفاً شعر؛ وقيس بن عمرو النجاشي وأخوه خديج، وعمرو بن أحمر وأخواه سنان وسيار، وغيلان ذو الرمة وإخوته: أوفى، ومسعود، وهشام، وحرقاس، شعراء خمستهم، ومسلم بن الوليد وأخوه سليمان الكفيف، وأشجع السلمي وأخوه أحمد. وأما الشاعر ابن الشاعر فقط فيقال له الثنيان حكاه عبد الكريم عن غيره، وهو كثير لو أخذنا في ذكرهم لطالت مسافة الباب.

стр. 625

باب حكم البسملة قبل الشعر قال أبو جعفر النحاس: اختلف العلماء في كتب " بسم الله الرحمن الرحيم " أمام الشعر؛ فكره ذلك سعيد بن المسيب والزهري، وأجازه النخعي، وكذا يروي عن ابن العباس، قال: اكتب " بسم الله الرحمن الرحيم " أمام الشعر وغيره؛ قال أبو جعفر: ورأيت علي بن سليمان يميل إلى هذا، وقال: ينبغي أن يكتب أمام الشعر " بسم الله الرحمن الرحيم " لأنه يجيء بعده " قال فلان " وما أشبه ذلك.. قلت أنا: إنما هذا في الشعر إذا دون، فأما قصيدة رفعها الشاعر إلى ممدوحه فلا يكتب قبلها اسم قائلها، لكن بعدها، وإذا كان الأمر هكذا فلا سبيل إلى كتاب البسملة؛ لأن العذر حينئذ ساقط. باب أحكام القوافي في الخط إذا صارت الواو الأصلية والياء الأصلية وصلاً للقافية سقطت في الخط كما تسقط واو الوصل وياؤه، مثل واو يغزو للواحد، ويغزوا للجماعة إذا كانت القافية على الزاي، ألا ترى أنهم أسقطوها في اللفظ فضلاً عن الخط.. قال الراجز: كريمة قدرهم إذا قدر يريد إذا قدروا قال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن السمين وقد سألته عن هذا: لا يجوز حذف هذه الواو في أشد ضرورة، للعرب لا للمولدين؛ لأنها علامة جمع وإضمار؛ فحذفها يلتبس بالواحد، قال: وهذا مذهب سيبويه والبصريين، ومثل واو يغزو وياء يقضي للغائب وتقضي

стр. 626

للمؤنثة الغائبة والمذكر المخاطب. وكذلك ياء القاضي والغازي إذا كانا معرفين بالألف واللام، وهذا هو الوجه، فإن كتب بإثبات الواو والياء فعلى باب المسامحة، والأجود أن تكون الواو والياء خارجاً في الغرض، وكذلك ياء الضمير نحو غلامي إذا كانت القافية الميم فالوجه سقوط الياء، فإن كتبت مسامحة ففي الغرض كما قدمت، وقد أسقطها بعضهم في اللفظ. أنشدني أبو عبد الله للأعشى: ومن شانئ كاسف وجهه ... إذا ما انتسبت له أنكرن قال: يريد أنكرني فحذف الياء، فأما ما يكون منوناً نحو قاضٍ، وغاز، أو مجزوماً نحو لم يقض، ولم يغز، فلا يجوز أن يثبت فيهما الياء والواو على المسامحة؛ لأنهما سقطا بالتنوين والعامل.. ومن العرب من يقول هذا الغاز، ومررت بالقاض، بغير ياء، وهذا تقوية لمذهب من حذفها في الخط إذا كانت وصلاً للقافية. وإن كان في قوافي قصيدة ما يكتب بالياء وما يكتب بالألف كتباً جميعاً بالألف لتستوي القوافي، وتشتبه صورتها في الخط. باب النسبة إلى الروي إذا قلت قصيدة فنسبتها إلى ما كان على حرفين قلت هذه قصيدة بائية وحائية، وكذلك أخواتهما، وإن شئت جعلت الهمزة واواً فقلت: ياوية، وكان أبو جعفر الرقاشي ينسب إلى ما كان على حرفين يقول: هذا يبوي، ويتوي، وكذلك أخواتهما، إلا ما ولا فإنه يقول: مووي، ولووي على فعلي، وتقول على هذا القول: قصيدة مووية ولووية، قال ثعلب: ما كان على ثلاثة أحرف الأوسط ياء فليس فيه إلا وجه واحد، تقول: سينت سيناً، وعينت عيناً، إذا كتبت سيناً وعيناً، فيقول على هذا: قصيدة مسينة ومعينة

стр. 627

وسينية وعينية، وكذلك قصيدة ميمية، ولا تقول " مؤومة " فإنه خطأ، وتقول في الواو وهي على ثلاثة أحرف الأوسط ألف بالياء لا غير؛ لكثرة الواوات، فتقول: وويت واواً حسنة، وبعضهم يجعل الواو الأولى همزة لاجتماع الواوين فيقول: أويت واواً حسنة، فالقصيدة على هذا واوية ومؤواة وموواة، وقال بعضهم في " ما " و " لا " من بين أخواتهما: مويت ماء حسنة، ولويت لاء حسنة، بالمد؛ لمكان الفتحة من ما ولا. باب الإنشاد وما ناسبه ليس بين العرب اختلاف إذا أرادوا الترنم ومد الصوت في الغناء والحداء في إتباع القافية المطلقة، مثلها من حروف المد واللين في حال الرفع والنصب والخفض، كانت مما ينون أو مما لا ينون، فإذا لم يقصدوا ذلك اختلفوا: فمنهم من يصنع كما يصنع في حال الغناء والترنم؛ ليفصل بين الشعر والكلام المنثور، وهم أهل الحجاز، ومنهم من ينون ما ينون وما لا ينون: إذا وصل الإنشاد أتى بنون خفيفة مكان الوصل فجعل ذلك فصلاً بين كل بيتين فينشد قول النابغة: يا دار مية بالعلياء فالسند منوناً إلى آخر القصيدة، لا يبالي بما فيه ألف ولام، ولا مضاف، ولا بفعل ماض، ولا مستقبل، وهم ناس كثير من بني تميم. ومنهم من يجري القافي مجراها ولو لم تكن قوافي فيقف على المرفوع والمكسور موقوفين ويعوض المنصوب ألفا على كل حال، وهم ناس كثير من قيس وأسد، فينشدون: لا يبعد الله جيراناً لنا ظعنوا ... لم أدر بعد غداة البين ما صنع

стр. 628

يريد " ما صنعوا ". وكذلك ينشدون: ففاضت دموع العين مني صبابة ... على النحر حتى بل دمعي محمل فإذا وصلوا جعلوه كالكلام وتركوا المدة لعلهم أنها في أصل البناء. قال سيبويه: سمعناهم ينشدون: أقلي اللوم عاذل والعتاب إذا كان منوناً أثبتوا تنوينه ووصلوه كما يفعلون بالكلام المنثور. ومن العرب من في لغته أن يقف على إشباع الحركة: فتجر الضمة واواً، والكسرة ياء، والفتحة ألفا، فينشد هذا كله موصولاً من غير قصد غناء ولا ترنم. ومنهم من في لغته أن لا يعوض شيئاً من النصب فهو ينشد هذا كله موقوفاً من غير اعتقاد تقييد، وإذا كان الشعر مقيداً كان تنويه بإزاء إطلاقه، فهو غير جائز؛ لأن الشعر المقيد يكسر بتنوينه كما يكسر بإطلاقه، ما خلا الأوزان التي قدمنا القول أنها من بين ضروب الشعر يجوز إطلاقها وتقييدها. ويحكى عن رؤبة أنه أنشد قصيدته القافية المقيدة منونة، فرد ذلك الزجاجي وأنكره، وذكر أنه وهم من السامع، وأن الوجه فيه أن من العرب من يزيد بعد كل قافية " إن " الخفيفة المكسورة إعلاماً بانقضاء البيت، فينشد: وقاتم الأعماق خاوي المخترق ان ... مشتبه الأعلام لماع الخفق ان يكل وفد الريح من حيث انخرق ان وإذا كان ما قبل حرف الروي ساكناً وكانت لغة منشده الوقوف على المضموم والمكسور بنقل الحركة كما أنشد أعرابي من بني سنبس قول ذي الرمة: ولا زال منهلاً يجرعائك القطر

стр. 629

بضم الطاء وإسكان الراء لما وقف حكى ذلك عبد الكريم، وعلى هذا قال الآخر: أنا ابن ماوية إذ جد النفر أراد " النفر " بالخيل. وأنشد أبو العباس ثعلب: أرتني حجلاً على ساقها ... فهش الفؤاد لذاك الحجل فقلت ولم أخف من صاحبي: ... ألا بأبي أصل تلك الرجل وقال: نقل لاضطرار القافية. ومما يدخل في شفاعة هذا الباب: الغناء، والحداء، والتغبير، قال الشاعر: تغن بالشعر إما كنت قائله ... إن الغناء لهذا الشعر مضمار ويقولون: فلان يتغنى بفلان أو بفلانة، إذا صنع فيه شعراً. قال ذو الرمة: أحب المكان القفر من أجلي أنني ... به أتغنى باسمها غير معجم وكذلك يقولون: حدا به، إذا عمل فيه شعراً. قال المرار الأسدي: ولو أني حدوت به أرفأنت ... نعامته وأبصر ما يقول وغناء العرب قديماً على ثلاثة اوجه: النصب، والسناد، والهزج. فأما النصب فغناء الركبان والفتيان، قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: وهو الذي يقال له المرائي، وهو الغناء الجنابي، اشتقه رجل من كلب يقال له جناب بن عبد الله بن هبل، فنسب إليه، ومنه كان أصل الحداء كله، وكله يخرج من أصل الطويل في العروض. وأما السناد فالثقيل ذو الترجيع، الكثير النغمات والنبرات، وهو

стр. 630

على ست طرائق: الثقيل الأول، وخفيفه، والثقيل الثاني، وخفيفه، والرمل، وخفيفه. وأما الهزج فالخفيف الذي يرقص عليه، ويمشي بالدف والمزمار فيطرب، ويستخف الحليم، قال إسحاق: هذا كان غناء العرب حتى جاء الله بالإسلام، وفتحت العراق، وجلب الغناء الرقيق من فارس والروم، فغنوا الغناء المجزأ المؤلف بالفارسية والرومية، وغنوا جميعاً بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير. قال الجاحظ: العرب تقطع الألحان الموزونة على الأشعار الموزونة، والعجم تمطط الألفاظ فتقبض وتبسط حتى تدخل في وزن اللحن فتضع موزوناً على غير موزون. ويقال: إن أول من أخذ في ترجيعه الحداء مضر بن نزار؛ فإنه سقط عن جمل فانكسرت يده فحملوه وهو يقول: وايداه، وايداه، وكان أحسن خلق الله جرماً وصوتاً، فأصغت الإبل إليه وجدت في السير، فجعلت العرب مثالاً لقوله هايدا هايدا يحدون به الإبل، حكى ذلك عبد الكريم في كتابه. وزعم ناس من مضر أن أول من حدا رجل منهم، كان في إبله أيام الربيع، فأمر غلاماً له ببعض أمر، فاستبطأه، فضر به بالعصا، فجعل ينشد في الإبل ويقول: يايداه، يايداه، فقال له: إلزم إلزم، واستفتح الناس الحداء من ذلك الوقت. وذكر ابن قتيبة أنهم قالوا ذلك للنبي ﷺ ، وحكى الزبير بن بكار في حديث يرفعه أن النبي ﷺ قال لقوم من بني غفار سمع حاديهم بطريق مكة ليلاً فمال إليهم: إن أباكم مضر خرج إلى بعض رعاته فوجدها قد تفرقت، فأخذ عصا فضرب بها كف غلامه، فعدا

стр. 631

الغلام في الوادي وهو يصيح: وايداه، وايداه، فسمعت الإبل ذلك فعطفت، فقال مضر: لو اشتق مثل هذا لانتفعت به الإبل واجتمعت، فاشتق الحداد. وأما التغبير فهو تهليل أو تردد صوت، بقراءة أو غيرها، حكى ذلك ابن دريد، وحكى أبو إسحاق الزجاجي قال: سألني بعض الرؤساء: لما سمي التغبير تغبيراً؟ قلت: لأنه وضع على أنه يرغب في الغابر أي: الباقي، أي: يرغب في نعيم الجنة وفيما يعمل للآخرة وقال غيره: إنما قيل له تغبير لأنه جعل ما يخرج من الفن بمنزلة الغبار، فعرض الجوابان على أحمد بن يحيى فاستجاد جوابي. يقال للمراسل في الغناء: المثالي، حكاه غلام ثعلب باب الجوائز والصلات قال أبو جعفر النحاس: أصل الجائزة أن يعطي الرجل ما يحيزه ليذهب إلى وجهه، وكان الرجل إذا ورد ماء قال لقيمه: أجزني أي: أعطني ماء حتى أذهب لوجهتي وأجوز عنك فكثر حتى جعلت الجائزة عطية. قال الراجز: يا قيم الماء فدتك نفسي ... أحسن جوازي وأقل حبسي قال ابن قتيبة: أصل الجائزة والجوائز أن عبد عوف بن أصرم من بني هلال بن عامر بن صعصعة ولي فارس لعبد الله بن عامر، فمر به الأحنف بن قيس في جيشه غازياً إلى خراسان، فوقف لهم على قنطرة الكر فجعل ينسب الرجل فيعطيه على قدر حسبه، فكان يعطيهم مائة مائة، فلما كثروا عليه قال: أجيزوهم، فأجيزوا؛ فهو أول من سن الجوائز.

стр. 632

قال الشاعر: فدى للأكرمين بني هلال ... على علاتهم عمي وخالي هم سنوا الجوائز في معد ... فصارت سنة أخرى الليالي والبدرة: عشرة آلاف درهم، سميت بذلك لوفورها، قال بعضهم: ومنه سمى القمر ليلة أربعة عشرة بدراً لتمامه وامتلائه من النور، ويقال: لمبادرته الشمس، وقيل: بل البدرة جلدة السخلة إذا فطمت والجذع من المعز يملأ مالاً، فسمى المال بدرة باسم الوعاء مجازاً. والصلة ما أخذه رجل من السلطان أول ما يتصل به، ثم كثر ذلك حتى قيل لهبة الملك صلة. وهذه أبيات كنت صنعتها للسيد أبي الحسن أدام الله عزه ختمت بها الكتاب لما جاء موضعها: إن الذي صاغت يدي وفمي ... وجرى لساني فيه أو قلمي مما عنيت لسبك خالصه ... واخترته من جوهر الكلم لم أهده إلا لتكسوه ... ذكراً تجدده على القدم لسنا نزيدك فضل معرفة ... لكنهن مصائد الكرم فأقبل هدية من أشدت به ... ونسخت عنه آية العدم لا تحسب الدنيا أبا حسن ... تأتي بمثلك فائق الهمم

стр. 633

الحمد لله الذي بنعمته تكمل الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد أشرف الكائنات، وعلى آله وصحبه نجوم الهداية وأعلام الدرايات، وسلم تسليماً كثيراً. وبعد، فقد نجز كتاب العمدة، في محاسن الشعر وآدابه لأبي علي الحسن بن رشيق الأزدي: المولود في سنةمن الهجرة " ١٠٠٠ م " المتوفي في ذي القعدة سنةمن الهجرة " ١٠٦٤م " بعد أن صقله التحقيق، وجلاء حسن الوضع، وزانه رونق الطبع، وبعد أن قضيت نصف حول في المراجعة ومعاودة النظر، وقضيت من بعد ذلك ثلاثة أشهر في الإشراف على طبعه، لا يحملني على تجثم هذه الأهوال إلا الرغبة الصادقة في خدمة العربية، والحرص على أن تكون كتبها صحيحة المعنى جميلة الرواء. وإني أتضرع إلى الله تعالى أن يثيبني على هذا بمقدار إخلاصي فيه لوجهه؛ فهو حسبي ونعم الوكيل.