Полный текст (633 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وقوله ولم أسمع أحسن منه في معناه:
وما يعتريها آفة بشرية ... من النوم إلا أنها تتبختر
وغير عجيب طيب أنفاس روضة ... منورة باتت تراح وتمطر
كذلك أنفاس الرياض بسحرة ... تطيب، وأنفاس الورى تتغير
باب في أغاليط الشعراء والرواة
ولا بد أن يؤتى على الشاعر المفلق، والعالم المتقن؛ لما بني عليه الإنسان من النقص والتقصير، وخير ما في ذلك أن يرجع المرء إلى الحق إذا سمعه، ولا يتمادى على الباطل لجاجة وانفة من الخطأ؛ فإن تماديه زيادة في الخطأ الذي أنف منه.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن جعفر النحوي، عن أبي علي الآمدي، عن علي بن سليمان الأخفش، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: تلاحى مسلم بن الوليد وأبو نواس، فقال مسلم: ما أعلم بيتاً لك يخلو عن سقط، فقال أبو نواس: اذكر شيئاً من ذلك، فقال: بل أنشد أنت أي بيت شئت، فأنشد أبو نواس:
ذكر الصبوح بسحرة فارتاحا ... وأمله ديك الصباح صياحا
فقال مسلم: قف عند هذا، لم أمله ديك الصباح، وهو يبشره بالصبوح، وهو الذي يرتاح إليه؟ فقال أبو نواس: فأنشدني أنت، فأنشده:
عاصى الشباب فراح غير مفند ... وأقام بين عزيمه وتجلد
فقال أبو نواس:
ناقضت، ذكرت أنه راح، والرواح لا يكون إلا بالانتقال من مكان إلى مكان، ثم قلت وأقام فجعلته منتقلاً مقيماً في حال، هذا متناقض.
стр. 562
قال أبو العباس: وكلا البيتين صحيح، ولكن من طلب غيباً وجده ومن طلب له مخرجاً لم يفته.
قال الأصمعي: وأخطأ زهير في قوله كأحمر عاد ولا أدري لم خطأه وقد سمع قول الله : " وأنه أهلك عاداً الأولى " فهل قال هذا إلا وثم عاد أخرى؟ وهي هلكت بالنمل من ولد قحطان. قال قيس بن سعد بن عبادة: سراويل عادي نمته ثمود وكان يقال لثمود عاد الصغرى.
وخطأ الشماخ في قوله في وصف ناقته: رحى حيزومها كرحى الطحين ظنه يصفها بالكبر، وهو عيب لا محالة، وإنما وصفها بالصلابة لا غير. وأخذ ابن بشر الآمدي على البحتري قوله:
стр. 563
هجرتنا يقظى وكادت على مذ ... هبها في الصدود تهجر وسنى
قال: هذا غلط؛ لأن خيالها يتمثل له في كل أحوالها، يقظى كانت أو وسنى أو ميتة، والجيد قوله:
أرد دونك يقظاناً ويأذن لي ... عليك سكر الكرى إن جئت وسنانا
وأنا أقول: إن مراده أنها لشدة هجرها له ونحوها عليه لا تراه في المنام إلا مهجوراً، ولا تراه جملة، فالمعنى حينئذ صحيح لا فساد فيه، ولا غلط، ولعل الرواية وكادت وهذا موجود في كلام الناس اليوم، ومثله يقولون: " فلان لا يرى لي مناماً صالحاً " وليس بين بيتي البحتري تناسب من جهة المعنى جملة واحدة؛ لأنه أولاً يحكي عنها، وثانياً يحكي عن نفسه، بلى إن في اللفظ اشتراكاً ظاهراً.
وفي كتاب عبد الكريم من المأخوذ على أبي تمام قوله:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل
قال: فيه غلط من أجل أنه نفى عن النساء لين القنا، وإنما قيل للرماح ذوابل للينها وتثنيها، فنفى ذلك أبو تمام عن قدود النساء التي من أكمل أوصافها اللين والتثني والانعطاف.
قلت أنا: أما أبو تمام فقوله الصواب؛ لأنهم يقولون رمح ذابل إذا كان شديد الكعوب صلباً، وهو الذي تعرف العرب، ومنه قولهم: " ذبلت شفتاه " إذا يبستا من الكرب أو العطش أو نحوهما، فأما كلام المعترض فغير معروف إلا عند المولدين؛ فإنهم يقولون: " نوارة ذابلة " وليسوا بقدوة؛ على أن كلامهم راجع إلى ما قلناه، إنما ذلك لقلة المائية وابتداء اليبس، وإنما نقل عبد الكريم كلام ابن بشر الآمدي.
стр. 564
قال الأصمعي: قرأت على أبي محرز خلف بن حيان الأحمر شعر جرير، فلما بلغت إلى قوله:
وليل كإبهام الحباري محبب ... إلي هواه غالب لي باطله
رزقنا به الصيد الغرير ولم نكن ... كمن نبله محرومة وحبائله
فيا لك يوماً خيره قبل شره ... تغيب واشيه وأقصر عاذله
قال خلف: ويحه، ما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ فقلت: هكذا قرأته على أبي عمرو بن العلاء، قال: صدقت، وكذا قال جرير، وكان قليل التنقيح لألفاظه، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلا كما سمع، قلت: فكيف يجب أن يكون قال: الأجود أن يكون " خيره دون شره " فاروه كذلك، وقد كانت الرواة قديماً تصلح أشعار الأوائل، فقلت: والله لا أرويه إلا كذا.
قلت أنا: أما هذا الإصلاح فمليح الظاهر، غير أنه خلاف الظاهر، وذلك أن الشاعر أراد أنه كان ليلة في وصال، ثم فارق حبيبه نهاراً، وذلك هو الشر الذي ذكر، والرواية جعله لم يفارق فغير عليه المعنى، إلا أن تكون الرواية ويوم كإبهام الحبارى فحينئذ.. على أن دون تحتمل ما قصد، وتحتمل معنى قبل؛ فهي لفظة مشتركة، وتكون أيضاً بمعنى بعد؛ لأنها من الأضداد، ولكن في غير هذا الموضع. وخطأ الأصمعي بشامة بن الغدير في قوله يصف راحلته:
وصدر لها مهيع كالحليف ... تخال بأن عليه شليلا
لأن من صفة النجائب قلة الوبر وخطأ أيضاً كعب بن زهير في قوله يصف راحلته: فعم مقيدها ضخم مقلدها لأن النجائب دقيقات المذابح.
стр. 565
ونبه أو الفضل بن العميد على البحتري في بيت كسره، وهو قوله:
لماذا تتبع النفس شيئاً ... جعل الله الفردوس منه جزاء
قال ننشده: جعل الله الخلد منه جزاء ليستقيم، حكى ذلك الصاحب بن عباد.. وأنشد له أيضاً:
أبا غالب بالجود تذكر واجبي ... إذا ما غني الباخلين نسيه
وزعم أنه لحن، ولست أرى به بأساً، هذا الشاعر أسكن الياء لما يقتضيه بناء القافية، فإذا أسكن الياء وما قبلها مكسور لم تكن الهاء إلا مكسورة إتباعاً لما قبلها، لا سيما وهي طرف، وقد فعلوا مثل هذا في وسط الكلمة.. وقال رؤبة: كأن أيديهن بالقاع القرق ولم يقل أيديهن بالضم استثقالاً، وأيضاً فكأنه أعني البحتري نوى الوقوف، ثم جر القافية كعادتهم في تحريك الساكن أبداً إلى الجر.
وأنشد الصاحب بن عباد قال: أنشدني علي بن المنجم، قال: أنشدني أبو الغوث لأبيه:
وأحق الأيام بالأنس أن يؤ ... ثر فيه يوم المهرجان الكبير
وأنا أقول: إن أبا الغوث جاء من قبله الخذلان في هذه الرواية، فويل للآباء من أبناء السوء، ودع المثل القديم، ولا أظن البحتري قال إلا:
وأحق الأيام بالأنس أن تؤ ... ثره فيه يوم المهرجان الكبير
وأخذ الأحمر على المفضل روايته في قول امرئ القيس: نمس بأعراف الجياد أكفنا
стр. 566
وما هو إلا نمش أي: نمسح، والمشوش المنديل.
وكذلك قول المفضل:
إذا ألم خيالها طرقت ... عيني فماء شجونها سجم
وإنما هو طرفت بالفاء.
وأخذ عليه الأصمعي في قول أوس: تصمت بالماء تولباً جذعا وإنما هو جدعاً بدال مكسورة غير معجمة، ولأمر ما قال ذو الرمة لموسى بن عمرو: اكتب شعري، فالكتاب أعجب إلي من الحفظ؛ لأن الأعرابي ينسى الكلمة قد تعب في طلبها ليلة، فيضع في موضعها كلمة في وزنها، ثم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلاماً بكلام.
قال الأخطل: أخطأ الفرزدق حيث قال:
أبني غدانة إنني حررتكم ... فوهبتكم لعطية بن جعال
لولا عطية لاجتدعت أنوفكم ... من بين ألأم اوجه وسبال
كيف يكون وهب له وهو يهجوهم هذا الهجاء؟ فانبرى له فتى من بني تميم فقال: وأنت الذي قلت في سويد بن منجوف:
فما جذع سوء خرق السوس بطنه ... لما حملته وائل بمطيق
أردت هجاءه فزعمت أن وائلاً تعصب به الحاجات، وقدر سويد لا يبلغ ذلك عندهم، فأعطيته الكثير، ومنعته القليل، وأردت أن تهجو حاتم بن النعمان الباهلي، وأن تصغر شأنه، وتضع من قدره؛ فقلت:
وسود حاتماً أن ليس فيها ... إذا ما أوقد النيران نار
стр. 567
فأعطيته السؤدد من قيس الجزيرة، ومنعته ما لا يضر منعه؛ وأردت أن تمدح سماكاً الأسدي فقلت:
نعم المجير سماك من بني أسد ... بالطف إذ قتلت جيرانها مضر
قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه ... فالآن طير عن أثوابه الشرر
فانصرف الأخطل خجلاً.
قال الحسن لعلي بن زيد: أرأيت قول الشاعر:
لولا جرير هلكت بجيله ... نعم الفتى وبئست القبيلة
مدحه أم هجاه؟ قال: مدحه وهجا قومه، فقال الحسن: ما مدح من هجي قومه.
وقال من اعتذر للنابغة في قوله:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأي عنك واسع
إنما قدم الليل في كلامه لأنه أهول، ولأنه أول، ولأن أكثر أعمالهم إنما كانت فيه؛ لشدة حر بلدهم، فصار ذلك عندهم متعارفاً.
وكذلك اعترفوا لزهير في قوله يصف الضفادع:
يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغمر والغرقا
فقال: لم يرد أنها تخاف الغرق على الحقيقة، ولكنها عادة من هرب من الحيوان من الماء، فكأنه مبالغة في التشبيه، كما قال الله : " وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " وقال: " وبلغت القلوب الحناجر " والقول فيهما محمول على كاد هكذا الحذاق من المفسرين، مع أنا نجد الأماكن البعيدة القعر من البحار لا تقربها دابة، خوفاً على نفسها من الهلكة، فكأنه أراد المبالغة في كثرة ماء هذه الشربات، وإنما اقتدى فيه بقول أوس بن حجر:
فباكرن جونا للعلاجيم فوقه ... مجالس غرقى لا يحلا ناهله
стр. 568
وعند القاضي الجرجاني من غلط أبي النواس في الوزن قوله:
رأيت كل من كان أحمقاً معتوهاً ... في ذا الزمان صار المقدم الوجيها
يارب نذل وضيع نوهته تنويها ... هجوته لكيما أزيده تشويهاً
ولم يقل أبو نواس فيما علمت إلا رب وضيع نذل وهذا أفرط في التعصب والحمية على أبي نواس وغيره لمن لا يجري في حلبتهم ولا يشق غبارهم.
باب ذكر منازل القمر
ولما رأيت العرب وهم أعلم الناس بهذه المنازل وأنوائها؛ لأنها سقف بيوتهم، وسبب معايشهم وانتجاعهم غلطوا فيها فقال أحدهم: من الأنجم العزل والرامحة.. وقال امرؤ القيس.
إذا ما الثريا في السماء تعرضت فأتى بتعرض الجوزاء، ورأيت كل من عني بالنجوم من المحدثين واستوفى جميع المنازل مخطئاً، لا شك في خلافه؛ لأنه إنما يصف نجوم ليلة سهرها، والنجوم كلها لا تظهر في ليلة واحدة، ولذلك قلت أنا احتياطاً في الليل من نسيب قصيدة مدحت بها السيد أبا الحسن أدام الله عزه:
قد طال حتى خلته ... من كل ناحية وسط
وتكررت فيه المنا ... زل منه لا مني الغلط
وجب أن أذكر هذه المنازل وأنواءها، واختلاف الناس فيها، وعولت في ذلك على ما ذكره أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، مجتهداً فيما استطعت من البيان والاختصار، إن شاء الله تعالى.
стр. 569
السنة أربعة أجزاء، لكل جزء منها سبعة أنواء، لكل نوء ثلاثة عشر يوماً، إلا نوء الجبهة فإنه أربعة عشر يوماً، زيد فيه يوم لتكمل السنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً، وهو المقدار الذي تقطع الشمس فيه بروج الفلك الاثنى عشر، لكل برج منزلتان وثلث منزلة، وكلما نزلت الشمس منزلة من هذه المنازل سترته؛ لأنها تستر ثلاثين درجة: خمسة عشر من خلفها، ومثلها من أمامها، فإذا انتقلت عنها ظهرت، هكذا قال الزجاجي.
وإذا اتفق أن تطلع منزلة من هذه المنازل بالغداة ويغرب رقيبه فذلك النوء لا يتفق لكل منزلة إلا مرة واحدة في السنة، وهو مأخوذ من ناء ينوء إذا نهض متثاقلاً، والعرب تجعل النوء للغارب؛ لأنه ينهض للغروب متثاقلاً، وعلى ذلك أكثر أشعارها، وتفسير بعض العلماء في قوله تعالى: " ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة " أي: تميل بهم الأرض، وهذا التفسير أوجه من قول من جعل الكلمة من المقلوب، قال: وبعضهم يجعله للطالع، وهذا هو مذهب المنجمين؛ لأن الطالع له التاثير والقوة، والغارب ساقط لا قوة له ولا تأثير. قال المبرد: النوء على الحقيقة للطالع من الكوكبين، لا الغارب، وهذه المنازل كلها يطلع بها الفلك من المشرق، ويغرب في المغرب، كل يوم وليلة، وتلك دورة من دوراته.
الربع الأول من السنة، وابتداؤه من سبعة عشر يوماً من آذار، وبعضهم يجعله في عشرين يوماً منه، فيستوي حينئذ الليل والنهار منه، ويطلع مع الغداة فرع الدلو الأسفل، وهو المؤخر، ويسقط العواء، وإليها ينسب النوء، وهي تمد وتقصر وصفتها خمسة كواكب كأنها ألف معطوفة الذنب إلى اليسار، وبذلك سميت، وتقول العرب: عويت الشيء، إذا عطفته، وقال آخرون: بل هي كأنها خمسة أكلب تعوي خلف الأسد، قال ابن دريد: هي دبر الأسد، والعواء في كلامهم الدبر.
стр. 570
النوء الثاني: السماك، وهما سماكان: أحدهما السماك الأعزل، نجم وفاد، شبهوه بالأعزل من الرجال، وهو الذي لا سلاح معه، وهو منزل القمر، والآخر: كوكب تقدمه آخر، شبهوه بالرمح، وهما ساقا الأسد، وسمي سماكاً لعلوه، ولا يقال لغيره إذا علا سماك، هكذا قال سيبويه مما حكى الزجاجي عن أبي إسحاق الزجاج، غير أنه قال في الأعزل: وقيل إنما سمي أعزل لأن القمر لا ينزل به.
وأنا أقول: القول الآخر خلاف ما عليه جميع الناس، ورؤية العين تدركه على غير ما يزعم الزاعم.
النوء الثالث: الغفر، وهو ثلاثة كواكب غير زهر، وبذلك سميت، من قولك: غفرت الشيء، إذا غطيته، ومنه سميت الغفارة التي تلبس، وقيل: إنما سمي غفراً من الغفرة، وهي الشعر الذي طرف ذنب الأسد، وقال أبو عبيدة: الغفر كل شعر صغير دون الكثير، وكذلك هو في الريش، وقال قوم: هو من النكس في المرض، يقال: أغفر المريض، إذا نكس، كأن النكس غطاء العافية.
النوء الرابع: الزبانان، كوكبان مفترقان، وهما قرنا العقرب، وقيل: يداها، وسميا زبانين لبعد كل واحد منهما عن صاحبه، من قولهم: زبنت كذا، إذا دفعته لتبعده عن نفسك، ومنه اشتقاق الزبانية؛ لأنهم يدفعون أهل النار إليها.
النوء الخامس: الإكليل، ثلاثة كواكب على رأس العقرب، وبذلك سميت إكليلاً.
النوء السادس: القلب، كوكب أحمر وقاد: جعلوه للعقرب قلباً، على معنى التشبيه.
النوء السابع: الشولة، كوكبان أحدهما أخفى من الآخر، وهما ذنبا العقرب،
стр. 571
وذنب العقرب شائل أبداً، فشبه به، هذا قول بعضهم، وبعضهم يجعل الشولة الإبرة التي في ذنب العقرب، وهم أهل الحجاز، وهو أصح على مذهب من زعم أنهما كوكبان فقط.
الربع الثاني: الصيف، أول أنوائه " النعائم " وهي ثمانية كواكب نيرة: أربعة منها في المجرة تسمى الواردة، وأربعة خارجة منها تسمى الصادرة، وشبهت بالخشبات التي تكون على البئر يعلق بها البكرة والدلاء.
الثاني من الصيف " البلدة " وهي فرجة لطيفة لا شيء فيها، لكن بجوارها كواكب تسمى القلادة، وإنما قيل لتلك الفرجة البلدة تشبيها بالفرحة التي بين الحاجبين، إذا لم يكونا مقرونين، يقال منه: رجل أبلد، ويقال: بل شبهت بالبلدة، وهي باطن الراحة كلها، وقيل: باطن ما بين السبابة والإبهام.
الثالث منه " سعد الذابح " وهما نجمان صغيران: أحدهما مرتفع في الشمال معه كوكب آخر يقال هو شاته التي تذبح، والآخر هابط في الجنوب.
الرابع منه " سعد بلع " وهما كوكبان صغيران مستويان في المجرة، شبها بفم مفتوح، يريد أن يبتلع شيئاً، وقيل: إنما قيل بلع كأنه بلع شاته، وبلع غير مصروف؛ لأنه معدول من بالع، مثل زفر وقثم، وسعد مضاف إليه.
الخامس منه " سعد السعود " وهما كوكبان: أحدهما أنور من الآخر، سمي بذلك لأن وقت طلوعه ابتداء كمال الزرع وما يعيش به الحيوان من النبات.
السادس منه " سعد الأخبية " وهما كوكبان عن شمال الخباء، والأخبية أربعة كواكب: واحد منها في وسطها يسمى الخباء؛ لأنها على صورة الخباء، وزعم ابن قتيبة أنه سمي بذلك لطلوعه وقت انتشار الحيات والهوام، وخروج ما كان مختبئاً.
السابع: فرع الدلو الأعلى، وهو المقدم، وبعضهم يسميه العرقوة العليا تشبيهاً
стр. 572
بعرقوة الدلو، وهما كوكبان مفترقان نيران، وقيل له " دلو " لأنه تأتي فيه الأمطار العظيمة، ويقال: بل سميا بذلك لأنهما مثل صليب الدلو الذي يفرغ منه الماء.
الربع الثالث: الخريف، أول أنوائه " فرع الدلو الأسفل " وصورته كوكبان مضيئان بينهما بعد صالح يتتبعان العرقوة العليا.
ثم الحوت، وهو كوكب أزهر نير في وسط السمكة.
ثم الشرطان، وهما مفترقان مع الشمال، منهما كوكب دونه في القدر، وسميا شرطين لأن سقوطهما علامة ابتداء المطر واتصاله، وكل من جعل لنفسه علامة فقد شرطها، ومنه سمي الشرط؛ لأن لهم علامة عرفوا بها.
ثم البطين: وهو ثلاثة كواكب طمس خفيات، وهو بطن الحمل، إلا أنه قد صغر.
ثم الثريا، ثم الثريا، وهو النجم، وصورتها ستة كواكب متقاربة حتى كادت تتلاصق، وأكثر الناس يجعلها سبعة، وقد جاء الشعر بالقولين جميعاً، سميت بهذا لأن مطرها عنه تكون الثروة وكثرة العدد والغنى، وهي تصغير ثروي، ولم ينطق بها إلا مصغرة.
ثم الدبران، كوكب وقاد على أثر نجوم تسمى القلاص، وقيل له " دبران " لأنه دبر الثريا، أي: جاء خلفها، ويقال له أيضاً " الراعي " و " التالي " و " التابع " و " الحادي " على التشبيه.
ثم الهقعة، سميت بهذا تشبيها بالدائرة التي تكون عند عقب الفارس في جنب الفرس، وصورتها ثلاثة أنجم صغار متقاربة كآثار رءوس أصابع ثلاث في ثرى إذا جمعت الوسطى والسبابة والإبهام، وهي رأس الجوزاء.
стр. 573
الرابع: الشتاء، وهو آخر أرباع السنة، وأول أنوائه " الهنعة " سميت بذلك لأنها كوكبان مقترنان كل واحد منهما منعطف على صاحبه، من قولك: هنعه، إذا عطف بعضه على بعض، واقترانهما في المجرة بين الجوزاء والذراع المقبوضة.
ثم الذراعان، وهي ذراع الأسد المبسوطة والمقبوضة: كوكبان نيران بينهما كواكب صغار تسمى الأظفار.
ثم النثرة، وهي لطخة لطيفة بين كوكبين، وهي عندهم ما بين فم الأسد وأنفه، ومن الإنسان فرجة ما بين الشاربين حيال وترة الأنف، وقيل: إنما سميت نثرة لأنها كقطعة سحاب نثرت.
ثم الطرف، عينا الأسد، وهما كوكبان صغيران بينهما نحو قامة في مرأى العين.
ثم الجبهة، أربعة كواكب معوجة، في اليماني منها بريق، وهي جبهة الأسد عندهم.
ثم الزبرة، نجمان يرى أحدهما أكبر من الآخر، ويقال لهما " الخرتان " كأنهما نفذا إلى جوف الأسد، والعيان يبطل ذلك، كما قال الزجاجي.
ثم الصرفة، كوكب وقاد عنده كواكب طمس، سمى بذلك لانصراف البرد لسقوطه.
فهذه عدة المنازل وصفاتها، وإنما أضيفت إلى القمر دون الشمس، وحظهما فيه واحد؛ لظهورها معه، وتسمى نجوم الأخذ، كأن الأرض تأخذ عنها بركات المطر، وقيل: لأخذ الشمس والقمر سمتهما في سيرها.
стр. 574
باب في معرفة الأماكن والبلدان
قال أبو عبيدة: الحجاز هو ما بين الجحفة وجبل طيء، وإنما سمي حجازاً لأنه حجز ما بين نجد والغور، وحكى ابن قتيبة عن الرياشي عن الأصمعي: إذا خلفت حجراً مصعداً فقد أنجدت، فلا تزال منجداً حتى تنحدر من ثنايا ذات عرق، فإذا فعلت فقد أتهمت إلى البحر، فإذا عرضت لك الحرار وأنت منجد فتلك الحجاز، وإذا تصوبت من ثنايا العرج واستقبلك المرخ والأراك فقد أتهمت، وسمي حجازاً لأنه حجز ما بين نجد وتهامة، فأما محمد بن عبد الله الأسدي فقال: حد الحجاز الأول بطن نخلة وظهر جدة، والحد الثاني مما يلي الشام شغبى وبدا، والحد الثالث مما يلي تهامة بدر والسقيا ورهاط وعكاظ، والحد الرابع ساية وودان، ثم تنحدر إلى الحد الأول بطن نخل.
وأما بطن الجزيرة فإنها ما بين دجلة والفرات والموصل، والسودان: سواد البصرة والأهواز ودست ميسان وفارس، وسواد الكوفة كسكر إلى الزاب وحلوان إلى القادسية.
وجزيرة العرب قال أبو عبيدة: هي في الطول ما بين حفير أبي موسى إلى أقصى اليمين، وفي العرض مل بين يبرين إلى السماوة.
وقال الأصمعي: هي ما بين نجران والعذيب، حكاه ابن قتيبة عن الرياشي،
стр. 575
قال: وحكى عنه أبو عبيدة أنها في الطول من أقصى عدن إلى ريف العراق، وفي العرض من جدة وما والاها من طراز البحر إلى طراز الشام.
وقيل: سمي العراق تشبيهاً بعراق المزادة، وهو موضع الخرز المستطيل في أسفلها، وقال بعضهم: هو جمع عرق؛ لاشتباك عروق النخل والشجر في تلك الأرض، وقيل: إن اسمه بالفارسية إيران شهر أي: أسفل الأرض، فعربت.
وأما الشام واليمن فمن اليد اليمنى واليد الشؤمى، وهي الشمال؛ لأن الذي يستقبل الشمس تكون اليمن عن يمينه والشام عن شماله، ويقال شأم بالهمز والتخفيف، ومنهم من جعل الشام جمع شامة، وهي النكتة تكون في الجسم سوداء أو نحو ذلك، وكذلك في الأرض.
قال ذو الرمة:
وإن لم تكوني غير شام بقفرة ... تجر بها الأذيال صيفية كدر
باب من الزجر والعيافة
وعنهما يكون الفأل والطيرة، وبين الطيرة والفأل فرقان عند أهل النظر والمعرفة والحقائق؛ وذلك أن الفأل تقوية للعزيمة، وتحضيض على البغية، وإطماع في النية؛ والطيرة تكسر النية، وتصد عن الوجهة، وتثنى العزيمة، وفي ذلك ما يعطل الإحالة على المقادير.
وقد تفاءل النبي ﷺ ونهى عن الطيرة في قوله: " لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر " وقد تقدم ذكرها، وقيل في الهامة: إنها هده المعرفة.
والطيرة من أحد شيئين: مشتقة إما من الطيران، كأن الذي يرى ما يكره أو يسمع يطير، كما قال بعضهم:
стр. 576
عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير
وإما من الطير، وهو الأصل والمختار من الوجهين، هكذا ذكر الزجاجي.
وكانت العرب تزجر الطير والوحش؛ فمن قال بالقول الأول احتج بأن الوحش يطير بها، وزجرت مع الطير، ومن قال بالقول الثاني قال: إنما الأصل في الطير، ثم صار في الوحش، وقد يجوز أن يغلب أحد الشيئين على الآخر فيذكر دونه ويرادان جميعاً.
أنشد الجاحظ:
ما يعيف اليوم في الطير دوح ... من غراب البين أو تيسٍ برح
قال: فجعل التيس من الطير؛ إذ قدم ذكر الطير وجعله من الطير في معنى التطير، والعرب تتطير بأشياء كثيرة: منها العطاس، وسبب تطيرهم منه دابة يقال له العاطوس يكرهونها، والغراب أعظم ما يتطيرون به، والقول فيه أكثر من أن يطلب عليه شاهد، ويسمونه حاتماً؛ لأنه يحتم عندهم بالفراق، ويسمونه الأعور على جهة التطير بذلك؛ إذ كان أصح الطير بصراً، ويقال: سمي أعور لقولهم: " عورات الرجل عن حاجته " إذا
стр. 577
رددته عنها، وقد اعتذر أبو الشيص للغراب وتطير بالإبل وإن كان غيره سبقه إلى المعنى فقال:
الناس يلحون غرا ... ب البين لما جهلوا
وما على ظهر غرا ... ب البين تطوى الرحل
ولا إذا صاح غرا ... ب في الديار احتملوا
ما فرق الأحباب بع ... د الله إلا الإبل
وما غراب البين إ ... لا ناقة أو جمل
هكذا رويته، وبعضهم يجعل الشعر ما قرب الأحباب وبعده والناس يلحون.. بواو مكان الهمزة يعطف بها.
وقال آخر فملح وظرف:
زعموا بأن مطيهم عون النوى ... والمؤذنات بفرقة الأحباب
لو أنها حتفي لما أبغضتها ... ولهابهم سبب من الأسباب
ويتطيرون بالصرد، ومن أسمائه الأخيل، والأخطب، ويقال: الأخيل الشقراق، ويقال: بل طائر يشبهه، والولق أيضاً الصرد، قال زبان بن منظور الفزاري في حديث له كان مع نابغة بني ذبيان وقد تطير من جرادة سقطت عليه فرجع من الغزو ومضى زبان فظفر وغنم:
стр. 578
تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير، وهي الثبور
بل شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا، وباطله كثير
يقولها في أبيات لا أقف على جملتها.
وقال شاعر قديم لزبان أيضاً:
لا يمنعنك من بغا ... ء الخير تعقاد التمائم
لا، والتشاؤم بالعطا ... س ولا التيامن بالمقاسم
ولقد عدوت وكنت لا ... أعدو على واق وحاتم
وإذا الأشائم كالأيا ... من، والأيامن كالأشائم
قد خط ذلك في الزبو ... ر الأوليات القدائم
ويتشاءمون بالثور الأعضب، وهو المكسور القرن.
وقال الكميت ينفي الطير ويدفعها عن نفسه:
ولا أنا ممن يزجر الطير همه ... أصاح غراب أم تعرض ثعلب
ولا السانحات البارحات عشية ... أمر صحيح القرن أم مر أعضب
والبيت الأول من هذين يشبه بيت الأعشى الذي أنشده الجاحظ.
ومن أمثال العرب " فلان كبارح الأروى " وفيه قولان: أحدهما أن الأروى يتشاءم بها، فإذا كانت بارحاً فقد عظم الأمر، والآخر أنها إنما تكون في قرون الجبال، ولا تكاد تكون سانحة ولا بارحة.
وفي السانح والبارح اختلاف: قال عمرو بن العلاء: سأل يونس رؤبة عن السانح والبارح، فقال: السانح ما ولاك ميامنه، والبارح ما ولاك مياسره،
стр. 579
قال ابن دريد: السانح يتيمن به أهل نجد ويتشاءمون بالبارح، ويخالفهم أهل العالية فيتشاءمون بالسانح ويتيمنون بالبارح.
قال الشاعر الهذلي يذكر امرأته:
زجرت لها طير السنيح فإن يكن ... هواك الذي تهوى يصبك اجتنابها
قال: والسانح: الذي يلقاك وميامنه عن ميامنك، والبارح الذي يلقاك وشمائله عن شمائلك، والجابه والناطح: اللذان يستقبلانك، والقعيد: الذي يأتيك من ورائك.
قال صاحب الكتاب: الكارس الذي ينزل عليك من الجبل، حكاه الثعالبي، قال أبو جعفر النحاس: السنيح عند أهل الحجاز: ما أتى عن اليمين إلى اليسار، والبارح عندهم: ما أتى من اليسار إلى اليمين، وهم يتشاءمون بالسانح، ويتيمنون بالبارح، وأهل نجد بالضد من ذلك، والسانح عندهم هو البارح عند أهل الحجاز.
وقال المبرد: السانح: ما أراك مياسره فأمكن الصائد، والبارح: ما أراك ميامنه فلم يمكن الصائد إلا أن ينحرف له.
وقد يتطيرون من البازي والغراب وأشياء كثيرة من جهة التسمية، ويتيمن بها آخرون.
ومن مليح ما رأيت في الزجر والعيافة، قال الصولي: كان لأبي نواس إخوان لا يفارقهم، فاجتمعوا يوماً في موضع أخفوه عنه، ووجهوا إليه برسول معه ظهر قرطاس لم يكتبوا فيه شيئاً، وحزموه بزير وختموه بقار، وتقدموا إلى رسولهم أن يرمى بالكتاب من وراء الباب، فرمى به، فلما رآه استعلم خبرهم فعلم أنه من فعلهم وتعرف موضعهم وأتاهم فأنشدهم:
زجرت كتابكم لما أتاني ... كزجر سولنح الطير الجواري
стр. 580
نظرت إليه مخزوماً بزير ... على ظهر، ومختوماً بقار
فقلت: الزير ملهية ومله ... وقلت: القار من دن العقار
وقلت: الظهر أهيف ذو جمال ... تركب صدغه فوق العذار
فجئت إليكم طرباً وشوقاً ... فما أخطأت دراكم بداري
فكيف ترونني وترون زجري ... ألست من الفلاسفة الكبار؟!
باب ذكر المعاظلة والتثبيج
العظال في القوافي: التضمين، حكاه الخليل بن أحمد، وزعم قدامة أن المعاظلة سوء الاستعارة، وهو عندهم مشتق من التداخل والتراكب، ومنه تعاظلت الجراد والكلاب وأنشد قدامة بيت أوس بن حجر:
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا
لأنه قد أساء الاستعارة عنده؛ لجعله الطفل تولبا، وهو ولد الحمار.
وأما التثبيج فهو طول الكلام واضطرابه، ولا يقال " كلام مثبج حتى يكون هكذا، ويقال: رجل مثبج الخلق، إذا كان طويلاً في اضطراب، والتثبيج عند الصولي في الخط ألا يكون بيناً، وكذلك هو الكلام.
وزعم قوم أن المعاظلة تداخل الحروف وتراكبها، كما عيب على كعب بن زهير قوله:
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول
وعاب ابن العميد حبيباً لقوله:
كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي، ومتى ما لمته لمته وحدي
بالتكرير في أمدحه أمدحه مع الجمع بين الحاء والهاء في كلمة، وهما معاً من حروف الحلق، وقال: هو خارج عن حد الاعتدال، نافر كل النفار، حكى ذلك عنه الصاحب بن عباد.
стр. 581
وزعم آخرون أنها تركيب الشيء في غير موضعه، كقول الكميت بن زيد:
وقد رأينا بها حوراً منعمة ... بيضاً تكمل فيها الدل والشنب
وهذا البيت مما عابه عليه نصيب.
ومثله عندي قول أبي الطيب:
يحل المسك عن غدائرها الري ... ح ويفتر عن شنيب برود
باب الوحشي المتكلف والركيك المستضعف
الوحشي من الكلام: ما نفر عنه السمع، والمتكلف: ما بعد عن الطبع، والركيك: ما ضعفت بنيته، وقلت فائدته، واشتقاقه من الركة، وهي المطر الضعيف، وقيل: من الرك، وهو الماء القليل على وجه الأرض.
وأنشد النحاس
تهادى كعوم الرك يقطعه الحيا ... بأبطح سهل حين تمشي تأودا
وفلان ركيك أي: ضعيف العقل، ويقال للوحشي أيضاً: حوشي، كأنه منسوب إلى الحوش، وهي بقايا إبل وبار بأرض قد غلبت عليها الجن فعمرتها ونفت عنها الإنس، لا يطؤها إنسي إلا خبلوه.
قال رؤبة: جرت رجالاً من بلاد الحوش وإذا كانت اللفظة خشنة مستغربة: لا يعلمها إلا العالم المبرز، والأعرابي القح؛
стр. 582
فتلك وحشية، وكذلك إن وقعت غير موقعها، وأتى بها مع ما ينافرها، ولا يلائم شكلها.
وكان أبو تمام يأتي بالوحشي الخشن كثيراً ويتكلف.
وكذلك أبو الطيب كان يأتي بالمستغرب ليدل على معرفته، نحو قوله: كل آخائه كرام بني الدنيا ولكنه كريم كرام وهذا مع غرابته وتكلفه غير محمول على ضرورة يكون فيها عذر؛ لأن قوله كل إخوانه يقوم مقامه بلا بغاضة.
ومن التكلف قول إبراهيم بن سيار للفضل بن الربيع، ويروى أيضاً لإبراهيم بن شبابة:
هبني ظلمت وما ظلمت بل ظلم ... ت أقر كي يزداد طولك طولا
إن كان جرمي قد أحاط بحرمتي ... فأحط بجرمي عفوك المأمولا
فتبارك الله كأنهما لم يخرجا من ينبوع واحد.
قال إبراهيم بن المهدي لعبد الله بن صاعد كاتبه: إياك وتتبع الوحشي من الكلام طمعاً في نيل البلاغة؛ فإن ذلك هو العي الأكبر، عليك بما سهل مع تجنبك ألفاظ السفل.
وقال أبو تمام يمدح الحسن بن وهب بالبلاغة:
لم يتبع شنع اللغات، ولا مشى ... رسف المقيد في طريق المنطق
ينشق في ظلم المعاني إن دجت ... منه تباشير الكلام المفلق
وقال علي بن بسام:
ولا خير في اللفظ الكريه استماعه ... ولا في قبيح اللحن والقصد أزين
قال علي بن عيسى الرماني: أسباب الإشكال ثلاثة: التغيير عن الأغلب كالتقديم والتأخير وما أشبهه، وسلوك الطريق الأبعد، وإيقاع المشترك، وكل
стр. 583
ذلك اجتمع في بيت الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكاً ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
فالتغيير على الأغلب سوء الترتيب؛ لأن التقدير " وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكاً أبو أمه أبوه " يريد بالمملك هشام بن عبد الملك، والممدوح هو إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك؛ وأما سلوك الطريق الأبعد فقوله " أبو أمه أبوه " وكان يجزئه أن يقول " خاله " وأما المشترك فقوله " حي يقاربه " لأنها لفظة " حي " تشترك فيها القبيلة والحي من سائر الحيوان المتصف بالحياة، قال:
وإذا تفقدت أبيات المعاني لا تخرج عن هذه الأسباب الثلاثة.
وحكى الصولي قال: أنشدني بعض الكتاب عن أحمد بن يحيى ثعلب قول البحتري للحسين بن وهب:
وإذا دجت أقلامه ثم انتحت ... برقت مصابيح الدجى في كتبه
فاللفظ يقرب فهمه من بعده ... منا، ويبعد نيله في قربه
حكم سحائبها خلال بنانه ... هطالة، وقليبها في قلبه
كالروض مؤتلفاً بحمرة نوره ... وبياض زهرته وخضرة عشبه
وكأنها والسمع معقود بها ... وجه الحبيب بدا لعين محبه
واستعادها أبو العباس حتى فهمها، ثم قال: لو سمع الأوائل هذا الشعر لما فضلوا عليه شعراً.
باب الإحالة والتغيير
وهذه لمح أتيت بها تدل من عرفها على رداءتها، وتدعو إلى كراهتها واجتنابها، وقد وقعت في أشعار الجلة من المتقدمين، والتمس لهم فيها العذر لأنهم أرباب اللغة وأصحاب اللسان، وليس المولد الحضري منهم في شيء
стр. 584
فمن الإحالة قول ابن مقبل:
أما الأداة ففينا ضمر صنع ... جود حواجز بالألباد واللجم
ونسج داود من بيض مضاعفة ... من عهد عاد، وبعد الحي من إرم
فكيف يكون نسج داود من عهد عاد؟ اللهم إلا أن يريد فينا ضمر صنع من عهد عاد؛ فذلك له على سبيل المبالغة، مع أن الإحالة لم تفارقه، وكم بين قيس عيلان وبين عاد، فضلاً عن بني العجلان؟! وقال عبد الرحمن بن حسان:
وإن مال الضجيع بها فدعص ... من الكثبان ملتبد مهيل
قالوا: وكيف يكون ملتبداً مهيلاً؟ هذا مستحيل متناقض، والذي عندي فيه أنه صواب؛ لأنه إنما أراد بالتباده صلابة ملمس العجيزة، وأنها غير مسترخية وجعله مهيلاً لارتعاده واضطرابه من العظم، كما قال ابن مقبل:
يمشين هيل النقا سالت جوانبه ... ينهال طوراً، وينهاه الثرى حينا
فقد جعله مرة ينهال، ومرة ينهاه الثرى والتثني الذي فيه..
وقال جميل في التغيير:
لا حسنها حسن، ولا كدلالها ... دل، ولا كوقارها توقير
فحذف كاف التشبيه فصار المعنى كأنه ليس حسنها حسناً، وقد يغيرون اللفظ كما قال النابغة: ونسج سليم كل قضاء ذائل وهذا أسهل من قول الآخر:
стр. 585
من نسج داود أبي سلام وهذا كثير يخرج منه في هذا الموضع ما ذكرت.
٩٨ - باب الرخص في الشعر وأذكر هنا ما يجوز للشاعر استعماله إذا اضطر إليه، على أنه لا خير في الضرورة، على أن بعضها أسهل من بعض، ومنها ما يسمع عن العرب ولا يعمل به؛ لأنهم أتوا به على جبلتهم، والمولد المحدث قد عرف أنه عيب، ودخوله في العيب يلزمه إياه.
فمن ذلك قصر الممدود على مذاهب أهل البصرة والكوفة جميعاً، وله على ما أجاز الكوفيون وصل ألف القطع، وهو قبيح.. قال حاتم طيء:
أبوه أبي، والأمهات أمهاتنا ... فأنعم فداك اليوم أهلي ومعشري
قال بعضهم: إنما الرواية والأم من أمهاتها وله تخفيف المشدد في القافية، وأما في حشو البيت فمكروه جداً، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وربما حذفوا النون الساكنة.. كما قال:
فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
وأن يحذف للألف واللام أو الإضافة ما يحذف للتنوين مثل قول خفاف:
стр. 586
كنواح ريش حمامة نجدية ... ومسحت باللثثين عصف الإثمد
وأن يحذف حرفاً من الكلمة كقول العجاج: قواطناً مكة من ورق الحمي وحرفين كقول علقمة بن عبدة: مفدم بسبا الكتان ملثوم يريد بسبائب الكتان، وأن يحذف من المكنى في الوصل ما يحذف منه في الوقف.. كقول الشاعر: سأجعل عينيه لنفسه مقنعاً وأقبح منه أن يحذف من المكنى المنفصل كقول الآخر:
فبيناه يشري رحله قال قائل: ... لمن جمل رخو الملاط نجيب؟
وأقبح من ذلك أن يحذف الألف من ضمير المؤنث.. أنشد قطرب:
أما تقول به شاة فيأكلها ... أو أن تبيعه في بعض الأراكيب
أراد " تبيعها " فحذف الألف، قال: ولا يجوز استعمال هذا للمحدث
стр. 587
لشذوذه وقبحه، ويجوز له حذف الياء والواو من المضمر المذكر لكثرته واطراده، وللشاعر ان يحذف اسم " ليت " إذا كان مضمراً.. أنشد المفضل لعدي بن زيد:
فليت دفعت الهم عني ساعة ... فبتنا على ما خيلت ناعمي بال
يريد " ليتك " وله حذف الفاء من " افتعلته " من التقوى وما تصرف منها، أنشد المفضل لخداش بن زهير:
تقوه أيها الفتيان؛ إني ... رأيت الله قد غلب الجدودا
وأنشد أبو زيد الأنصاري:
إن المنية بالفتيان ذاهبة ... وإن تقوها بأرماح وأدراع
وحذف الفاء من جواب الجزاء كما قال:
يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنك إن يصرع أخوك تصرع
قال سيبويه: تقديره إنك إن يصرع أخوك فتصرع.
ومثله أيضاً:
من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله مثلان
يريد " فالله يشكرها " وهذا أبين من الأول، وحذف النون من تثنية " الذي " وجمعه.
стр. 588
قال الأخطل:
أبني كليب إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا
وأنشد سيبويه:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد
أراد " الذين " وعلى هذا قال أبو الطيب:
ألست من القوم الذي من رماحهم ... نداهم، ومن قتلاهم مهجة البخل
ويجوز أن يكون جعل " الذي " للجماعة والواحد كما جعل " من " وقد حكى ذلك الزجاجي.
قال ابن قتيبة في قول الله : " كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ": إن " الذي " ههنا يعني الذين، والله أعلم.
وحذف الياء من " الذي " فمنهم من يسكن الذال بعد الحذف، ومنهم من يدعها مكسورة على لفظها، أنشد البصريون والكوفيون جميعاً:
فظلت في شر من اللذ كيدا ... كمن تزبى زبية فاصطيدا
ويروى كالذ تزبي زبية فاصطيدا فجمع بين اللغتين. ونظير هذا حذف الياء من " التي " وإسكان التاء، وأنشدوا:
فقل للت تلومك: إن نفسي ... أراها لا تعوذ بالتميم
وحذف الياء والتاء من " اللواتي " أنشد الزجاجي:
стр. 589
جمعتها من أينق غزار ... من اللوا شرفن بالصرار
وحذف الموصول وترك الصلة. كما قال يزيد بن مفرغ:
عدس ما لعباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق
أراد " وهذا الذي تحملين " فحذف.
وحذف اسم " إن " ولكن " كما قال:
ولكن من لا يلق أمراً ينوبه ... بعدته ينزل به وهو أعزل
فحذف الهاء من لكنه لأنه جازى بمن، ولو أعمل فيها لكن لم يجز أن يجازي بها.
ومثله قول الآخر:
إن من يدخل الكنيسة يوماً ... يلق فيها جآذراً وظباء
أراد إنه. ويبدلون من الحروف السالمة حروف المد واللين، وأنشدوا:
стр. 590
لها أشارير من لحم تثمره ... من الثعالي ووخز من أرانيها
أراد " من الثعالب " " ومن أرانبها " ويلينون الهمزة، وذلك كثير جداً جائز في المنثور والفصيح، وله حذف ألف الاستفهام، كما قال الأخطل:
كذبتك عينيك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا
وهذا رديء في المنثور جداً.
ونقصان الجموع عن أوزانها لضرورة القافية كما قال رؤبة: حتى إذا بلت حلاقيم الحلق يريد " الحلوق " وترك صرف ما ينصرف؛ لأنه يحذف منه التنوين وهو يستحقه، وهو غير جائز عند البصريين، إلا أنه قد جاء في الشعر. قال عباس بن مرداس يخاطب رسول الله ﷺ :
وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع
وعلى هذا المذهب قال أبو نواس:
عباس عباس إذا احتدم الوغا ... والفضل فضل والربيع ربيع
ويروى إذا حضر الوغا والفراء يرى ترك الصرف لعلة واحدة، وهي التعريف، والبصريون يخالفونه في ذلك ويأبونه.
ومن أقبح الحذف حذف حركة الإعراب للضرورة، وأنشدوا لامرئ القيس:
فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثماً من الله ولا واغل
ومثله للفرزدق:
رحت وفي رجليك ما فيهما ... وقد بداهمك من المئزر
وزعم قوم أن الرواية الصحيحة في قول امرئ القيس اليوم أسقى وبذلك كان المبرد يقول، وقال الآخرون: بل خاطب نفسه كما يخاطب غيره،
стр. 591
فقال: فاليوم فاشرب، وفي بيت الفرزدق وقد بدا ذاك من المئزر كناية عن الهن، وهذا مما يسمع ويحكى، ولا يقاس عليه البتة.
هذا صدر جيد مما علمته يجوز للشاعر من الحذف والنقصان.
والذي يجوز من الزيادات أنا ذاكر منه أيضاً ما وسعته قدرتي، إن شاء الله تعالى: فمن ذلك صرف ما لا ينصرف، وإجراء المعتل مجرى الصحيح؛ فيعرب في حال الرفع والخفض، تقول: هذا القاضي، ومررت بالقاضي، وزيد يقضي ويغزو، ولا يجوز في المنثور من الكلام، وعلى هذا قول قيس بن زهير:
ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بني زياد
كأنه يقول في الرفع يأتيك بضم الياء، فلما جزمها أسكنها.
ومنهم من يبدل من الياء همزة، وهو القليل، فيقول: القاضئ، والغازئ، وأنشد:
يا دار سلمى بدكاديك البرق ... سقياً وإن هيجت شوق المشتئق
همزة الياء، وليس أصلها الهمزة.
وله إظهار التضعيف كقوله: يشكو الوجى من أظلل وأظلل وإنما هو الأظل وهو باطن خف البعير.
وتثقيل المخفف في وصل الكلام على نية من يقف على التثقيل، وأنشدوا:
ببازل وجناء أو عيهل ... كأن مهواها على الكلكل
موقع كفي راهب يصلي
فثقل العيهل وهي السريعة، والكلكل في صلة الشعر، وهما مخففتان
стр. 592
وله إدخال النون الخفيفة أو الثقيلة في الواجب، وإنما تدخل فيما ليس بواجب، نحو الأمر والنهي والاستفهام. قال القطامي:
وهم الرجال، وكل ذلك منهم ... يحزن في رحب وفي متضيق
وأنشدوا لآخر، وهو جذيمة الأبرش:
ربما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات
وله إدخال الفاء في جواب الواجب، والنصب بها على إضمار أن. قال طرفة:
لنا هضبة لا ينزل الذل وسطها ... ويأوي إليها المستجير فيعصما
فنصب بالفاء على الجواب.
وقال آخر:
سأترك منزلي لبني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا
وقطع ألف الوصل لأنه زيادة حركة، والجزم بحرف وحرفين، وأكثر من ذلك، وقد مضى فيما تقدم من هذا الكتاب.
وزيادة حرف في المجموع نحو قول الشاعر:
تنفى يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف
فزاد ياء في الدراهم وياء في الصياريف إن لم تكن الرواية تختلف، على أن الدراهم لا يضطر فيها إلى زيادة الياء؛ إذ كان الوزن يقوم دونها، وإن قيل في بعض اللغات درهام.
وله على مذاهب الكوفيين خاصة مد القصور، وقد ألزم ابن ولادٍ البصريين مده على مذهب سيبويه في امتناع الحركة ويجوز التقديم والتأخير، كما قال العجير السلولي:
وما ذاك إن كان ابن عمي ولا أخي ... ولكن متى ما أملك الضر أنفع
стр. 593
بالرفع، أراد ولكن أنفع متى ما أملك الضر، ولا أدري ما الفرق بين هذا وبين إن يصرع أخوك تصرع حيث فرقوا بينهما غير أنا نسلم لهم كما سلم من هو أثقب منا حساً وأذكى خاطراً وقال عمرو بن قميثة:
لما رأت ساتيد ما استعبرت ... لله در اليوم من لامها
وهذه أشياء من القرآن وقعت فيه بلاغة وإحكاماً لا تصرفاً وضرورة، وإذا وقع مثلها في الشعر لم ينسب إلى قائله عجز ولا تقصير، كما يظن من لا علم له ولا تفتيش عنده: من ذلك أن يذكر شيئين ثم يخبر عن أحدهما دون صاحبه اتساعاً، كما قال الله : " وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ". أو يجعل الفعل لأحدهما ويشرك الآخر معه، أو يذكر شيئاً فيقرن به ما يقار به ويناسبه ولم يذكره، كقوله تعالى في أول سورة الرحمن: " فبأي آلاء ربكما تكذبان " وقد ذكر الإنسان قبل هذه الآية دون الجان، وذكر الجان بعدها.
وقال المثقب العبدي:
فما أدري إذا يممت أرضاً ... أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني
فقال أيهما قبل أن يذكر الشر؛ لأن كلامه يقتضي ذلك.
وأن يحذف جواب القسم وغيره، نحو قوله : " ق والقرآن المجيد، بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم " وقوله: " والنازعات غرقاً " إلى قوله: " يوم ترجف الراجفة " فلم يأت بجواب؛ لدلالة الكلام عليه، وقال :
стр. 594
" ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم " أراد لعذبكم أو نحوه ومن هذا قول امرئ القيس:
ولو أنها نفس تموت جميعة ... ولكنها نفس تساقط أنفسا
وقد تقدم ذكره.
ومن ذلك إضمار ما لم يذكر كقوله جل اسمه: " حتى توارت بالحجاب " يعني الشمس، وقوله: " فأثرن نفعاً " ولم يجر للوادي ذكر
وقال حاتم طيئ:
أماوي، ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر؟
يعني النفس، وأنشد ابن قتيبة عن الفراء:
إذا نهى السفيه جرى إليه ... وخالف، والسفيه إلى خلاف
يعني جرى إلى السفه وحذف لا من الكلام وأنت تريدها، كقوله تعالى: " كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم " وزيادة لا في الكلام كقوله سبحانه " وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون " فزاد لا لأنهم لا يؤمنون، هذا قول ابن قتيبة، وقال جل اسمه: " ما منعك أن لا تسجد " أي: ما منعك أن تسجد، قال: وإنما تزاد لا في الكلام لإباء أو جحد، وقال: " لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله " أي: ليعلم.
وقال أبو النجم: فما ألوم النجم أن لا تسهرا يريد أن تسهرا.
وحذف المنادى كقوله تعالى: " ألا يا اسجدوا لله " كأنه قال: " ألا يا هؤلاء اسجدوا لله " وقال ذو الرمة في مثل ذلك:
стр. 595
ألا يا سلمى يا دار مي على البلى ... ولا أزال منهلاً بجرعائك القطر
وأن يخاطب الواحد بخطاب الاثنين والجماعة، أو يخبر عنه، كقوله تعالى: " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات " وإنما كان رجلاً واحداً، وقوله " ألقيا في جهنم " وإنما يخاطب مالكاً خازن النار، وقيل: بل أراد ألق ألق، فثنى الفعل، وقوله: " فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى " فخاطب الاثنين بخطاب الواحد، وقوله: " فقد صغت قلوبكما وقوله: " وألقى الألواح " وهما لوحان فيما زعم المفسرون، حكاه ابن قتيبة؛ وأن يصف الجماعة بصفة الواحد كقوله: " إن كنتم جنباً ".
ومن غرائب هذا الباب أن يأتي المفعول بلفظ الفاعل، كقوله تعالى: " لا عاصم اليوم من أمر الله " أي: لا معصوم، وكذلك قوله: " من ماء دافق " أي: مدفوق، وقوله: " في عيشة راضية " أي: مرضي بها، وقوله: " وجعلنا آية النهار مبصرة " أي: مبصر فيها، وأن يأتي الفاعل بلفظ المفعول به كقوله تعالى: " إنه كان وعده مأتيا " أي آتياً.
وقد جاء الخصوص في معنى العموم في قوله تعالى: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء " وجاء العموم بمعنى الخصوص في قوله: " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً " ومن الحمل على المعنى قوله تعالى: " وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم " كأنه قيل: من زينه؟ فقيل: شركاؤهم.
والحمل على المعنى في الشعر كثير، ومن أنواعه التذكير والتأنيث، ولا يجوز أن تؤنث مذكراً على الحقيقة من الحيوان، ولا أن تذكر مؤنثاً.
стр. 596
قال ابن أبو ربيعة المخزومي:
فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
فأنث الشخوص على المعنى. وكل جمع مكسر جائز تأنيثه وإن كان واحده مذكراً حقيقياً.
ومما أنث من المذكر حملا على اللفظ قول الشاعر، أنشده الكسائي:
أبوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة، ذاك الكمال
ومثل هذا في الشعر كثير وموجود.
باب السرقات وما شاكلها
وهذا باب متسع جداً، لا يقدر أحد من الشعراء أن يدعى السلامة منه، وفيه أشياء غامضة، إلا عن البصير الحاذق بالصناعة، وأخر فاضحة لا تخفى على الجاهل المغفل، وقد أتى الحاتمي في حلية المحاضرة بألقاب محدثة تدبرتها ليس لها محصول إذا حققت: كالاصطراف، والاجتلاب، والانتحال، والاهتدام، والإغارة، والمرافدة، والاستلحاق، وكلها قريب، وقد استعمل بعضها في مكان بعض، غير أني ذاكرها على ماخيلت فيما بعد.
وقال الجرجاني وهو أصح مذهباً، وأكثر تحقيقاً من كثير ممن نظر في هذا الشأن: ولست تعد من جهابذة الكلام، ولا من نقاد الشعر، حتى تميز بين أصنافه وأقسامه، وتحيط علماً برتبه ومنازله، فتفصل بين السرق والغصب وبين الإغارة والاختلاس، وتعرف الإلمام من الملاحظة، وتفرق بين المشترك الذي لا يجوز ادعاء السرقة فيه والمبتذل الذي ليس واحد أحق به من الآخر، وبين المختص الذي حازه المبتدي فملكه واجتباه السابق فاقتطعه.
قال عبد الكريم: قالوا:
السرق في الشعر ما نقل معناه دون لفظه، وأبعد
стр. 597
في أخذه، على أن من الناس من بعد ذهنه إلا عن مثل بيت امرئ القيس وطرفة حين لم يختلفا إلا في القافية؛ فقال أحدهما وتحمل، وقال الآخر وتجلد ومنهم من يحتاج إلى دليل من اللفظ مع المعنى، ويكون الغامض عندهم بمنزلة الظاهر، وهم قليل.
والسرق أيضاً إنما هو في البديع المخترع الذي يختص به الشاعر، لا في المعاني المشتركة التي هي جارية في عاداتهم ومستعملة في أمثالهم ومحاوراتهم، مما ترتفع الظنة فيه عن الذي يورده أن يقال إنه أخذه من غيره.
قال: واتكال الشاعر على السرقة بلادة وعجز، وتركه كل معنى سبق إليه جهل، ولكن المختار له عندي أوسط الحالات.
وقال بعض الحذاق من المتأخرين: من أخذ معنى بلفظه كما هو كان سارقاً، فإن غير بعض اللفظ كان سالخا، فإن غير بعض المعنى ليخفيه أو قلبه عن وجهه كان ذلك دليل حذقه.
وأما ابن وكيع فقد قدم في صدر كتابه على أبي الطيب مقدمة لا يصح لأحد معها شعر إلا الصدر الأول إن سلم ذلك لهم، وسماه كتاب المنصف مثل ما سمي اللديغ سليما، وما أبعد الإنصاف منه.
والاصطراف: أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر فيصرفه إلى نفسه، فإن
стр. 598
صرفه إليه على جهة المثل فهو اختلاب واستلحاق، وإن ادعاه جملة فهو انتحال، ولا يقال منتحل إلا لمن ادعى شعراً لغيره وهو يقول الشعر، وأما إن كان لا يقول الشعر فهو مدع غير منتحل، وإن كان الشعر لشاعر أخذ منه غلبة فتلك الإغارة والغصب، وبينهما فرق أذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، فإن أخذه هبة فتلك المرافدة، ويقال: الاسترفاد، فإن كانت السرقة فيما دون البيت فذلك هو الاهتدام، ويسمى أيضاً النسخ، فإن تساوى المعنيان دون اللفظ وخفي الأخذ فذلك النظر والملاحظة، وكذلك إن تضادا ودل أحدهما على الآخر، ومنهم من يجعل هذا الإلمام، فإن حول المعنى من نسيب إلى مديح فذلك الاختلاس، ويسمى أيضاً نقل المعنى، فإن أخذ بنية الكلام فقط فتلك الموازنة، فإن جعل مكان كل لفظة ضدها فذلك هو العكس، فان صح أن الشاعر لم يسمع بقول الآخر وكانا في عصر واحد فتلك المواردة، وإن ألف البيت من أبيات قد ركب بعضها من بعض فذلك هو الالتقاط والتلفيق، وبعضهم يسميه الاجتذاب والتركيب، ومن هذا الباب كشف المعنى والمحدود من الشعر، وسوء الاتباع، وتقصير الآخذ عن المأخوذ منه، وسأورد عليك مما رويته أو تأدى إلى فهمه لكل واحد من هذه الألقاب مثالا يعرفه العالم، ويقتدي به المتعلم، إن شاء الله تعالى.
أما الاصطراف فيقع من الشعر على نوعين: أحدهما: الاجتلاب، وهو الاستلحاق أيضاً كما قدمت، والآخر: الانتحال؛ فأما الاجتلاب فنحو قول النابغة الذبياني:
وصهباء لا تخفي القذى وهو دونها ... تصفق في راووقها حين تقطب
تمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا
فاستلحق البيت الخير فقال:
стр. 599
وإجانة ريا السرور كأنها ... إذا غمست فيها الزجاجة كوكب
تمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا
وربما اجتلب الشاعر البيتين على الشريطة التي قدمت؛ فلا يكون في ذلك باس، كما قال عمرو ذو الطوق:
صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراه اليمينا
وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا
فاستلحقهما عمرو بن كلثوم؛ فهما في قصيدته، وكان عمرو بن العلاء وغيره لا يرون ذلك عيباً، وقد يصنع المحدثون مثل هذا.
قال زياد الأعجم:
أشم إذا ما جئت للعرف طالباً ... حباك بما تحوي عليه أنامله
ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله
ويروى هذا لأخت يزيد بن الطثرية، فاستلحق البيت الأخير أبو تمام فهو في شعره.
وأما قول جرير للفرزدق وكان يرميه بانتحال شعر أخيه الأخطل بن غالب:
ستعلم من يكون أبوه قيناً ... ومن كانت قصائده اجتلاباً
فإنما وضع الاجتلاب موضع السرق والانتحال لضرورة القافية، هكذا ذكر العلماء من هؤلاء المحدثين، وأما الجمحي فقال: من السرقات ما يأتي على سبيل المثل ليس اجتلاباً، مثل قول أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي:
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيباً بماء فعاد بعد أبوالا.
ثم قاله بعينه النابغة الجعدي لما أتى موضعه، فبنو عامر ترويه للجعدى، والرواة مجمعون أنه لأبي الصلط؛ فقد ذهب الجمحي في الإجتلاب مذهب جرير أنه انتحال ولم أر محدثاً غيره يقول هذا القول.
والانتحال عندهم قول جرير:
стр. 600
إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا
غيضن من عبراتهن وقلن لي: ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا؟
فإن الرواة مجمعون على أن البيتين للمعلوط السعدي انتحلهما جرير، وانتحل أيضاً قول طفيل الغنوي:
ولما التقى الحيان ألقيت العصا ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله
ولذلك قال الفرزدق:
إن تذكروا كرمي بلؤم أبيكم ... وأوابدي تتنحلوا الأشعارا
وكان يتقارضان الهجاء، ويعكس كل واحد منهما المعنى على صاحبه وليس ذلك عيباً في المناقضات، ولما قال الفرزدق في بني ربيع:
تمنت ربيع أن يجيء صغارها ... بخير، وقد أعيا ربيعاً كبارها
أخذه البعيث بعينه في بني كليب رهط جرير فقال الفرزدق:
إذا ما قلت قافية شروداً ... تنحلها ابن حمراء العجان
يعني البعيث؛ وكان ابن سرية.
وأما قول البحتري:
رمتني غواة الشعر من بين مفحم ... ومنتحل ما لم يقله ومدعى
فيشهد لك ما قدمت ذكره؛ لأنه قسمهم ثلاثة أقسام: مفحم قد عجز عن الكلام فصلا عن التحلي بالشعر غير أنه يتبع الشعراء؛ والآخر منتحل لأجود من شعره، والثالث مدع جملة لا يحسن شيئاً.
والإغارة: أن يصنع الشعر بيتاً ويخترع معنى مليحاً فيتناوله من هو أعظم منه ذكراً وأبعد صوتاً، فيروى له دون قائله، كما فعل الفرزدق بجميل وقد سمعه ينشد:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
следующие страницы →