Полный текст (769 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
الصالحي الصوفي قال ابن طولون: كان رجلاً صالحاً محباً لطلبة العلم، ملازماً لعمل الوقت بزاوية جده عين الملك بسفح قاسيون، توفي يوم الجمعة سادس شهر شعبان سنة أربعين وتسعمائة بغتة، ودفن بحوش الزاوية.
علي البحيري
علي الشيخ الإمام العلامة نور الدين البحيري، الشافعي أحد علماء القاهرة بلغني أن المولى ابن كمال باشا كان بمصر يباحثه، وشهد له بالفضل العام، ويقول: لا تقولوا البحيري، فتصغروه، ولكنه البحري يشير إلى تبحره في العلم. توفي في سنة إحدى وأربعين وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة خامس عشر رمضان منها، وترجمه ابن طولون بأنه آخر شيوخ المصريين.
علي الشوني المحيوي
علي الشيخ الصالح، المجمع على جلالته وصلاحه نور الدين الشوني الشافعي أول من عمل طريقة المحيا في الصلاة على النبي ﷺ بمصر، وهو شيخ هذه الطريقة في مصر ونواحيها، ومكة والقدس، ودمشق وسائر البلاد ولد في قرية بالغربية، يقال: لها شون بناحية طندتا بلد سيدي أحمد البدوي، ونشأ في الصلاة على رسول الله ﷺ ، وهو صغير ببلده، وكان إذا سرح بالبهائم يعطي غداءه للصغار، ويقول: تعالوا صلوا معي على النبي ﷺ ، ثم انتقل إلى مقام سيدي أحمد البدوي، فأقام فيه مجلس الصلاة على النبي ﷺ ليلة الجمعة ويومها، فكان يجلس في جماعة من العشاء إلى الصبح، ثم من صلاة الفجر حتى يخرج لصلاة الجمعة، ثم من صلاة الجمعة إلى صلاة العصر، ومن صلاة العصر إلى المغرب فأقام على ذلك عشرين سنة، ثم خرج - رضي الله تعالى عنه - يودع شخصاً من أصحابه في المركب أيام النيل كان مسافراً إلى مصر، ففات المركب بهم وما رضي الريس يرجع بالشيخ، فدخل الشيخ مصر فأقام بالتربة البرقوقية بالصحراء، وكان يتردد إلى الأزهر للصلاة على النبي ﷺ ، فاجتمع عليه خلق كثير، واعتقله مماليك السلطان قايتباي، فانحصر منه المجاورون بالأزهر، وسعوا في إبطال المجلس واستفتوا في ذلك البرهان بن أبي شريف، فمزق رقعة الفتيا، وانتقدوا عليه كثرة الشموع والقناديل التي توقد في المجلس، وقالوا: هذا فعل المجوس، وأفتى البرهان المذكور بأنه ما دام النور يزيد بزيادة الشموع والقناديل فهو جائز، ولا يحرم إلا إذا وصل إلى حد لا يزداد الضوء به، وممن انتصر له الشيخ شهاب الدين القسطلاني، وصنف كتاباً في الرد على من أنكر على مجلس الشوني، وحث
стр. 527
على حضور المجلس، وصار يحضره ولما كتب شرحه على البخاري كان يأتي قربه، فيضعه وسط الحلقة إلى الصباح رجاء القبول، وكان إنشاؤه لمجلس الصلاة على النبي ﷺ في الأزهر سنة سبع - بتقديم السين - وتسعين بتأخيرها وثمانمائة، ولم يتزوج - رحمه الله تعالى - حتى مضى من عمره تسعون سنة اشتغالاً بالصلاة على رسول الله ﷺ ، والعبادة. قال الشعراوي: إن ورده في الصلاة على النبي ﷺ عشرة آلاف مرة ليلاً، وعشرة آلاف نهاراً، وكان حسن المعاشرة، جبلي الخلق، كريم النفس، كثير التبسم، لا يكاد قط يسمع منه كلمة فيها رائحة دعوى لمعرفة شيء من الطريق، وكان من الصفاء لا يظن أن أحداً يكذب أبداً، وكان مجبولاً على الأخلاق المحمدية، وإذا نزل بالمسلمين هم لا يقر له قرار، ولا يضحك حتى ينجلي عنهم، وكان الناس يصفونه بكثرة رؤية النبي ﷺ ، وإذا ذكر شيء من ذلك في حضرته يسكت، وكان لا يذكر نفسه في رؤية النبي ﷺ ، بل إذا ذكروا قصة يقول: رأى بعضهم رسول الله ﷺ ، وقال له: كذا كذا، وكان الناس يرونه بعرفات، وفي المطاف، ومشاهد الحج، فإذا رجعوا إلى مصر أخبروا بذلك عنه. فيقول: شبهوني حتى حلف شخص بالطلاق أنه رآه في عرفات. فقال الشيخ: أنا ما فارقت مصر. قلت: ولا شك ولا ريب أن هذا الرجل من مشاهير الأولياء والصالحين، ومجلس الصلاة على النبي ﷺ الذي ابتكره من المجالس التي تلقاها العلماء الأعلام بالقبول في أقطار الأرض، وأقاليم البلاد، وهو المجلس المعروف الآن بدمشق، وما والاها بالمحيا لأنه إنما يعمل في الغالب ليلاً، فلما كان يجيء به الليل يسمى بالمحيا، وأصل إنشائه من الشوني - رحمه الله تعالى - ثم خلفه الشيخ شهاب الدين البلقيني، والشيخ عبد الوهاب الشعراوي بالقاهرة، وكان البلقيني خليفة الشيخ الذي جلس مكانه في الأزهر، وكان الشعرواي في جامع الغمري، وذكر الشعراوي عن نفسه أنه لازم الشيخ نور الدين في السهر معه في الجامع الأزهر نحو خمس سنين. قال: ثم قال لي: أولاً تجمع لك جماعة في جامع الغمري، وتسهر بهم، فلعل يحصل هناك أحد يوافقك. فقلت: نعم، وذلك في سنة تسع عشرة - بتقديم التاء - وتسعمائة. قال: ففعلت ذلك بإشارته. قال: فاجتمع عندنا في ثاني جمعة خلائق كثيرة، وأوقدوا شموعاً وقناديل، ففرح الشيخ بذلك، فانشرح صدره لقراءة " إنا أعطيناك الكوثر " سورة الكوثر: الآية الليلة الجمعة ألف مرة قبل قراءة قل هو الله أحد قال فرأى جماعة كثيرة رسول
الله ﷺ فأخبرت بذلك الشيخ، فقال: إن شاء الله نفعلها في مجلس جامع الأزهر. قال الشعراوي: ثم إن جماعتنا كرروا عند ختام القراءة. قوله تعالى: " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا " سورة: البقرة الآية ٢٨٦ ساعة طويلة فحصل لهم بذلك بسط عظيم قال: فأخبرت بها الشيخ، ففعلها في مجلسه وتوارثها عنه جماعة. قال: وهذا كان أصل قراءة إنا أعطيناك الكوثر، وتكرار هذه الآية قال: ثم إننا سهرنا العشر الأخير من رمضان متوالياً، وكان ﷺ فأخبرت بذلك الشيخ، فقال: إن شاء الله نفعلها في مجلس جامع الأزهر. قال الشعراوي: ثم إن جماعتنا كرروا عند ختام القراءة. قوله تعالى: " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا " سورة: البقرة الآية ٢٨٦ ساعة طويلة فحصل لهم بذلك بسط عظيم قال: فأخبرت بها الشيخ، ففعلها في مجلسه وتوارثها عنه جماعة. قال: وهذا كان أصل قراءة إنا أعطيناك الكوثر، وتكرار هذه الآية قال: ثم إننا سهرنا العشر الأخير من رمضان متوالياً، وكان
стр. 528
الشيخ لا يسهر إلا ليالي الوتر فقط، فقلت له في ذلك فانشرح صدره لسهر العشر كله، وقال: إن ليلة القدر واحدة لا تتعدد وربما يكون مطلع الهلال مختلفاً، وربما جاءت في الإشفاع بالنظر لمطلع بلادنا، فهذا كان سبب سهر العشر كاملاً في الأزهر. انتهى كلام الشعراوي.
قلت: ثم إن الشيخ عبد القادر بن سوار العاتكي - رحمه الله تعالى - كان يتردد إلى مصر في التجارة والطلب، فحضر مجلس الصلاة على النبي ﷺ بالأزهر، والشيخ شهاب الدين البلقيني شيخ المجلس يومئذ بعد الشيخ نور الدين الشوني، فوقع في قلبه محبة المجلس، وأعجبته هذه الطريقة، فلازم الشيخ، ثم رجع إلى دمشق، فكان ربما عمل هذه الطريقة في جامع البزوري بمحلة قبر عاتكة خارج دمشق نهاراً، ويقعد هو وجماعة قليلة بعد العصر، وكان الأخ الشيخ الإمام شهاب الدين الغزي كثيراً ما يتحرى الخير ويقصده، وكان يطوف في أرجاء دمشق وضواحيها يتحرى المساجد المهجورة والمعمورة للصلاة فيها والذكر، فدخل يوماً جامع البزوري، فوجد الشيخ عبد القادر المشار إليه في جماعة يعملون هذه الطريقة، وكان يعرفها حين دخل القاهرة مع والده في سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة، فقعد معهم، وساعدهم، ثم دعا لهم، وأثنى عليهم، ثم تردد إليهم مراراً، ثم أشار على الشيخ عبد القادر أن يعمل المجلس ليلة الجمعة على طريقة الشوني والبلقيني، ففعل، ثم أشار عليه أن يعمله في الجامع الأموي بعد أن استأذن شيخ الإسلام الوالد في ذلك، فأذن له فيه، واستحسنه، كان إذا ما عمل مجلس الصلاة على النبي ﷺ كما أخبرني الشيخ عبد القادر من لفظه مراراً في سنة إحدى وسبعين وتسعمائة، وسمي إذ ذاك بالمحيا، واستقر الأمر آخراً على عمل المحيا ليلتين في الجمعة ليلة الجمعة في البزوري، وليلة الاثنين بالأموي إلى الآن، وحضر المجلس المشار إليه شيخ الإسلام الوالد مراراً، وقال للشيخ عبد القادر: لو زدتم في المحيا قراءة الإنشراح لتعلقها بخطاب النبي ﷺ كتعلق سورة الكوثر به. قال لي الشيخ عبد القادر فقلت لمولانا الشيخ: يا سيدي نفعل إذا امددتمونا قال: فقال لي الشيخ: افعلوا ذلك يا شيخ عبد القادر. قال: فقلت له: يا سيدى كم نقرأها مرة. قال فسكت الشيخ ساعة ثم قال: إحدى عشرة مرة عدد ضمائر الخطاب التي اشتملت عليها السورة فكان هذا أصل قراءة الإنشراح في المجلس، وكان شيخ الإسلام أخي الشهاب الغزي - رحمه الله تعالى - يلازم المحيا ليلاً، ويقرر كتاب الإحياء نهاراً كلاهما. فقال - رحمه الله تعالى - في ذلك:
أمانة نفسي في مطالعة الأحيا ... واحياء روحي في مشاهدة المحيا
فيا رب هذا دأب عبدك دائماً ... وذلك قدماً دام في هذه الدنيا
توفي بهذا الإلتزام، حتى ألحقه بدار السلام، وكانت وفاة الشيخ نور الدين الشوني
стр. 529
رحمه الله تعالى في سنة أربع وأربعين وتسعمائة، ودفن بزاوية الشيخ عبد الوهاب الشعراوي بخط بين السورين، قال الشعراوي: ولم يكن على بال الشيخ عندنا إلا في مرض موته، فكنت كلما أزوره يقول الفسقية التي فيها أولادك تسمع أحدا فأقول له: نعم. قال: فلما حضرته الوفاة طلب أكابر الدولة أن يدفنوه عندهم. فقال: إذا مت، فادفنوني عند عبد الوهاب. قال: ولما مرض مرض الموت مكث سبعة وخمسين يوماً على جنب واحد لم يلتفت حتى ذاب لحم ظهره، صار النمل يدخل جسده ويخرج، ولم يتأوه قط، فلما مات ما ضممنا لحم ظهره إلا بالقطن وورق الموز قال: ولما دفن رأيته في المنام، وهو يقول لي: قد جعلوني بواباً للبرزخ، فلا يدخل عمل أحد إلى البرزخ إلا وأعرفه، وما دخل على البرزخ عمل أحد ولا أنور إلا من أصحابنا لأنه تلاوة قران، وذكر وصلاة على رسول الله ﷺ . قال: ورأيت قبره اتسع مد البصر، وهو مغطى بلحاف حرير أخضر مساحته نحو فدان من الأرض، ثم أني رأيته بعد سنتين وشيء وهو يقول لي: غطني بملاءتك، فإني عريان، فما عرفت ما المراد بذلك فمات ولدي محمد تلك الليلة، فنزلنا به، فدفنته عنده، فوجدنا الشيخ عرياناً على الرمل الأبيض ليس عليه من كفنه شيء، ووجدناه طرياً وظهره يخر دماً مثل ما دفناه سواء لم يتغير لحمه، فغطيته بملاءتي كما قال، وقلت: هذه وديعة عندك. قال: ثم إني أرسلت وراء البناء، فبنيت عليه حائطاً، وجعلت فيه طاقة عالية لا يستطيع أحد أن يدخل عليه ميتاً بعد ذلك قياماً بحرمته، فليس معه أحد مدفوناً سوى ولدي محمد الأول، وأخوه عبد الرحمن، فإنهما دفنا قبله بسنتين، ومكانهما تحت المسطبة التي في الدركات، والشيخ تحت الشباك لا تحت التابوت انتهى كلام الشيخ عبد الوهاب الشعراوي رحمهما الله تعالى.
علي التميمي
علي الشيخ العلامة، عالم بلاد الخليل علاء الدين التميمتي الشافعي أخو القاضي محمود التميمي نزيل دمشق. توفي ببلد الخليل في سنة خمس وأربعين وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بدمشق يوم الجمعة سادس عشر جمادى الآخرة منها.
علي الذويب
علي، الشيخ الصالح المكاشف، المعروف بالذويب. أقام بمصر نحو عشرين، سنة، ثم نزل إلى الريف، وظهرت له كرامات وخوارق. أخذ عنه الشيخ
стр. 530
محمد العدل الطناخي وغيره، وكان ملامتياً يلبس تارة لباس الحمالين، وتارة لباس التراسين، ولما مات وجدوا في داره نحو ثمانين ألف دينار مع أنه كان متجرداً من الدنيا، فوضعها نائب مصر في بيت المال. قال الشعراوي: اجتمعت مرة واحدة عقيب منام رأيته، وذلك أني سمعت قائلاً يقول لي في المنام: الشيخ علي الذويب قطب الشرقية هو، ولم أكن أسمع به أبداً، فسألت الناس عنه فقالوا لي: هذا رجل من أولياء الله تعالى له وجود. قال: وكان يمشي كثيراً على الماء، فإذا أبصره أحد اختفى، وكان يرى كل سنة بعرفة، ويختفي من الناس إذا عرفوه، ومات سنة سبع وأربعين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
علي النجار
علي النجار الشيخ المعمر، المقيم بباب الخلق من القاهرة قال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: صحبته ساعة واحدة في سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة، وذلك أني كنت ماراً في الخليج الحاكمي أيام الصيف، فوجدته قائماً تحته قنطرة سنقر، وتحت رأسه حجر. فقلت له: السلام عليكم. فقال لي: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته. قال: فجلست عنده، فقبض على أصابع يدي، فكاد أن يلصق بعضها لبعض. فقال لي: ما تقول في هذه القوة. فقلت: شديدة. فقال: هذه من لقيمات الزمن الذي أدركناه حال الصبا من الكسب الحلال، وأما لقمة هذا الزمن فإنها تجعل الجسم مثل النخالة من حيث المكاسب ثم قال: يا ولدي عمري الآن بلغ مئة وخمساً وثلاثين سنة قد تغير حال الناس في هذه الثلاث سنين الأخيرة أكثر ما تغير في عمري كله، قد صار ولدك كأنه ما هو ولدك وأخوك كأنه ما هو أخوك، وجارك كأنه عدوك، وصار الإنسان إذا نزلت به مصيبة لا تجد أحداً من الخلق يشكون له لأن الناس قسمان لا ثالث لهما: أحدهما شامت، والآخر قلبه فارغ، وصار الموت تحفة لكل مسلم كما ورد في كلام آخر، ولم يؤرخ الشعرواي وفاته بل قال: ولم أدر الآن أهو حي أو ميت.
علي البرلسي الخواص
على البرلسي الخواص، أحد العارفين بالله تعالى، وأستاذ الشيخ عبد الوهاب الشعراوي الذي أكثر اعتماده في مؤلفاته على كلامه. وطريقه. كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك كان يتكلم على الكتاب، والسنة، وأحوال
стр. 531
القوم، ومقاماتهم بكلام نفيس عال، ويتكلم على خواطر الناس ويكاشفهم، وكان يبيع الجميز وهو شاب عند الشيخ العارف بالله تعالى سيدي إبراهيم المتبولي في بركة الحاج خارج مصر، ثم أذن له الشيخ أن يفتح دكان زيات، فمكث فيها نحو أربعين سنة، ثم ترك ذلك، واشتغل بضفر الخوص إلى أن مات، وكان لا يمل من كسب أحد إلا أن علم ورعه وخوفه من الله تعالى، وكان يرد جميع ما يعطيه له القضاة والأمراء وأعوانهم، ثم قبل ذلك أواخر عمره، وكان يضعه عنده، ويفرقه على من مر بدكانه من العميان والشيوخ والعجائز الذين يسألون الناس، وكان يقول: ينبغي للفقير أن يكون كالبتاء يعرف موضع كل طوبة يضعها فيه، ورمدت عيناه رمداً شديداً، فدفع إليه شخص من معتقديه ثلاثة أنصاف وقال له: انفقها اليوم وأرح عينيك، فردها، وقال له: يا أخي أنا أضفر الخوص في هذا الحال ولا يعجبني أن آكل من كسبي، فكيف آكل من كسبك.! فقال: يا سيدي خاطري طيب بذلك. فقال: أنا خاطري ما هو طيب، وكان إذا وضع الحزمة من الخوص التي يدور عليها اليد يضفر ثلاثين قفة، فإن شعر به أحد قال له: أكتم علي الكل فعل الله تعالى، وكان له طب غريب يداوي به ذوي العاهات والأمراض المزمنة التي عجز عنها الأطباء، وكان يطوف على المساجد يوم الخميس والجمعة يكنسها وينظف أخليتها، ويحمل الكناسة إلى المزابل، وكان ينظف المقياس كل سنة صباح نزول النقطة، فيكشط سلمه من الطين، ثم ينزل يتوضأ ويصلي ركعتين، ثم يدعو ويبكي ويتضرع إلى الله تعالى في طلوع النيل يفعل ذلك كل سنة. قال الشعراوي: وكان يرسل وراءنا ذلك اليوم، ويقول: تعالوا زوروا محل نزول الرحمة لأهل مصر، ويأمرنا أن لا نخرج في الروضة ريحاً ولا نبول، ويقول: من كان له حاجة، فليفعل ذلك في ساحل مصر، ولا تطلبوا الروضة إلا على طهارة، وكان يأخذ معه ذلك النهار الأموال الجزيلة من ذهب وفضة وفلوس مخلوطة، فيفرق على كل من رآه من الفقراء حتى يرجع، وقد استوفى الشيخ عبد الوهاب أحواله في طبقاته، وأورد من كلامه في طريق الله تعالى جملة صالحة في الطبقات، وفي كتابيه المنن والأخلاق والجواهر والدرر وغيرها، وكان كلامه عالياً، وكان يذعن له ولكلامه جماعة من أجلاء علماء مصر كالشيخ ناصر الدين اللقاني، والشيخ شهاب الدين ابن السبكي، والشيخ شهاب الدين الرملي، وقاضي القضاة شهاب الدين الفتوحي، وكان يعجبه كلامه كثيراً. توفي - رحمه الله تعالى - في جمادى الآخرة سنة تسع - بتقديم التاء - وثلاثين وتسعمائة، ودفن
стр. 532
بزاوية الشيخ بركات خارج باب الفتوح تجاه حوص الصارم بمصر - رحمه الله تعالى - رحمة واسعة.
علي الهندي
علي الهندي، الشيخ العلامة، الزاهد أحد المجاورين بمكة المشرفة. له مصنفات منها مختصر النهاية لابن الأثير وترتيب جامع الصغير على ترتيب أبواب الفقه، وكان مقيما في حوض قريب من دار الشريف بركات سلطان مكة هو وجماعته، وكانوا نحو خمسين نفساً لهم حجر من خوص يتعبدون فيها، ولا يخرجون إلا للصلاة في الحرم، ثم يرجعون لا يخالط أحد منهم أحداً إلا لضرورة بإذن الشيخ. قال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: اجتمعت به في سنة ست وأربعين بمكة المشرفة مدة إقامتي هناك، وانتفعت برؤيته وبخطه قال: فلما حججت سنة اثنتين وخمسين وجدته رجع إلى بلاد الهند.
علي البحيري
علي البحيري، الشيخ الإمام العالم العامل بقية السلف.
أخذ عن جماعة منهم الشيخ شهاب الدين الإقيطع البرلسي، وسيدي علي النبتيني، وكان على قدم السلف في العلم والزهد والتقشف يغلب عليه الخوف، وذكر مواقف القيامة جامعاً بين الشريعة والحقيقة، وكان أكثر إقامته في الريف يدور البلاد، فيعلم الناس أحكام الدين، ويرشدهم إلى طريق التقوى، ولا تكاد تراه فارغاً من إقراء العلم، وكان يفتي في الوقائع الغريبة بالأجوبة الحسنة المقبولة، وكان يقول: والله ما نزل ببلادنا هذه قط بلاء إلا وظننت أنه بسبب ذنوبي، ولو أخرجوني من بلادهم لخف عليهم نزول البلاء، وتوفي في شوال سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة، ودفن بزاوية سيدي محمد المنير خارج الخانقاه السرياقوسية.
علي العياش المصري
علي العياش المصري، الشيخ الصالح. الورع، المجد على العبادة ليلاً ونهاراً. كان من أجل أصحاب سيدي أبي العباس الغمري، وسيدي إبراهيم المتبولي. مكث نحو ستين سنة ما وضع جنبه على الأرض، وكان يقرأ القران، ويردده ويبكي إلى الصباح، ولا يزيد على خمسة أحزاب، وقراءة كل ليلة سورة طه من بعد صلاة العشاء، فما زال يرددها ويبكي إلى الصباح، وكان يصوم يوماً، ويفطر يوماً، وكان أمين الدين النجار إمام جامع الغمري يجله ويكرمه ويعتقده اعتقاداً زائداً، ويقول: ما رأيت أعبد منه، وكان يكاشف بأرواح الملائكة والأولياء كثيراً، وكان يرى إبليس كشفاً، فيضربه بالعصا،
стр. 533
فيروغ عنه. وقال له مرة: يا علي أنا ما أخاف من العصا، وإنما أخاف من النور الذي في القلب. مرض مرضاً شديداً نحو أربعة أشهر بمصر، فلم ينقص من أوراده شيئاً، ثم حمل مريضاً إلى دمياط، وقال: أسافر إلى قبري، فمات هناك بعد وصوله في سنة ست وخمسين وتسعمائة، وقبره بها ظاهر يزار رحمه الله تعالى.
علي الإثميدي
علي الأثميدي، المصري، المالكي، الشيخ العالم، الصالح، المحدث. أخذ الطريق عن سيدي علي بن عنان، وكان يقرىء القرآن لمجاوري زاوية شيخه، واختصر شيئاً كثيراً من مؤلفات الشيخ جلال الدين السيوطي، ومؤلفاته حسنة، وكان يعظ الناس على الكرسي في المساجد، وكان مقبلاً على الله تعالى حتى توفي، ويده تتحرك بالسبحة، ولسانه مشغول بذكر الله تعالى كما اتفق لجماعة من أولياء الله تعالى. منهم شيخه سيدي محمد بن عنان، ونقل نحو ذلك عن الشيخ أبي القاسم الجنيد. توفي في سنة، ودفن بجوار الشيخ جلال الدين السيوطي خارج باب القرافة.
علي البرلسي المحدث المصري
كان نحيف البدن يكاد يحمله الإنسان الضعيف كالطفل الصغير، وكان يتردد بين مدينة قليوب ومصر لا بد له كل يوم من الدخول إلى قليوب، ورجوعه إلى مصر، وكان من أصحاب الخطوة، وكراً ما يمر عليه صاحب البغلة الناهضة، وهو نائم تحت الجيزة بقليوب، فيدخل مصر فيجده أمامه ماشياً، وكان كثيراً ما يغلقون عليه الباب، فيجدونه خارج الدار قالوا: وما رؤي قط في معدية إنما يرونه في ذلك البر، وربما رأوه في البرلس، وفي دموق، وفي طندتا، وفي مصر في ساعة واحدة، وهذه صفة الإبدال، وأما رؤيته بعرفة كل سنة. فكثير، وكان يلبس جبة، وقطعة لبادة على رأسه، ويمشي دائماً حافياً، ولا يكاد يرى في رجليه نجاسة أبداً، ومكث سنين على حالته هذه من صغره إلى كبره. توفي في ربيع الأول سنة إحدى وستين وتسعمائة، ودفن بزاويته المرتفعة داخل باب الشعرية.
عمر بن محمد المرعشي
عمر بن محمد بن أحمد أبي بكر، الشيخ زين
стр. 534
الدين المرعشي أحد رؤوساء حلب، كان في أول أمره يتكسب بالشهادة بمكتب العدول المشهور قديماً بمكتب الصوفي بجوار جامع الزكي بحلب على فقر كان له. وقناعة، ثم انقادت إليه الدنيا. فرأس، ولم يستكثر أهل حلب رئاسته لأنه كان حفيداً للشيخ الإمام العالم المفنن شهاب الدين المرعشي المتوفى سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة الذي ترجمة السخاوي بالتقدم في الفقه وغيره وأنشد فيه:
عن العلماء يسألني خليلي ... ألا قل لي فمن أهدى وأرشد؟
ومن أحمدهم قولاً وفعلاً ... فقلت: المرعشي الشيخ أحمد
وكان الشيخ زين الدين يتجمل بمصاحبة شيخ الإسلام البدر بن السيوفي، وأحبه قاضي قضاة حلب زين العابدين بن الفناري، وكان يكتب على الفتاوي، وامتحن في واقعة قرا قاضي، وسيق فيمن سيق هو وأولاده إلى رودس، ثم أعيد إلى حلب باقياً على رئاسته وشهامته ومناصبه إلى أن مات، وهو يحث من حضره على الذكر، وتلاوة القرآن في سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة.
عمر بن سعد
عمر بن أحمد بن محمد، الشيخ زين الدين الداراني
стр. 535
الكلام، ثم قال الشيخ علوان للشيخ زين الدين: وأنت يا أخي قولك يعني في تخميس أبيات السهيلي:
يا من إليه بذلتي أتخضع ... وبذكره أبداً لساني مولع
إن كنت كذلك فبها، ونعمت أو فكن كما قلت: وكان الشيخ زين الدين ببركة الشيوخ الذين أخذ عنهم. وصحبهم، وتلقى منهم مسدداً موفقاً حتى كان يختار إنشاءات لم يرها منقولة، ثم يظهر أنها منقولة، وكان قد جعل في ورده الذي رتبه لنفسه من أدعية الكرب: الله الله ربي لا أشرك به شيئاً، ولم ير نصاً على عدد فيه، فوقع في قلبه أن يقوله سبع مرات، ففعل ذلك سنين، ثم وقف على جمع الجوامع في الحديث لشيخه السيوطي، فرآه نقل فيه عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز أنه قال: إذا أصاب أحدكم هم أو حزن، فليقل سبع مرات: الله ربي لا أشرك به شيئاً، وكان يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ولا يقبل هدايا أهل الدنيا، ولا يتولى شيئاً من الوظائف والمناصب، وينتفع بما يحصل له من ربح مال. كان يضارب به رجلاً من أصحابه.
وله مؤلفات كثيرة منها مورد الظمآن في شعب الإيمان ومختصره تنبيه الوسنان، إلى شعب الإيمان، ومختصر شرح الروض سماه مغنى الراغب، في روض الطالب، وكتاب بلغة المقتنع، في آداب المستمع، والدر الملتقط من الرياض النضرة، في فضائل العشرة، والعذب الزلال، في فضائل الآل واللآلىء اللامعة، في ترجمة الأئمة الأربعة، والمنتخب من النظم الفائق، في الزهد والرقائق، وعرف الند، في منتخب مؤلفات ابن فهد، والفوائد الزاهرة، في السلالة الطاهرة، والمنتخب المرضي، من مسند الشافعي، ولقط المرجان، من مسند النعمان واتحاف العابد الناسك، بالمنتقى من موطأ مالك،
стр. 536
والدر المنضد، من مسند أحمد، واليواقيت المكللة، في الأحاديث المسلسلة، والقبس الحاوي، لغرر ضوء السخاوي، والمواهب الملكية، وتحفة الأمجاد والتذكرة المسماة سفينة نوح والسيرة الموسومة بالجواهر والدرر، وكتاب محرك همم القاصرين، لذكر الأئمة المجتهدي المتعبدين، والنبذة الزاكية، فيما يتعلق بذكر أنطاكية، وعيون الأخبار، فيما وقع له في الإقامة والأسفار، ومن شعره ما قرأت بخطه في إجازته لشيخ الإسلام شهاب الدين أحمد بن أحمد بن بدر الطيبي حين قدم عليهم دمشق في معنى الحديث المسلسل بالأولية:
كن راحما لجميع الخلق منبسطاً ... لهم وعالمهم بالبشر والبشر
من يرحم الناس يرحمه الإله كذا ... جاء الحديث به عن سيد البشر
توفي في حلب في أواسط صفر سنة ست وثلاثين وتسعمائة، ودفن تحت جبل الجوشن عند الجادة التي يرد عليها من يرد بأنطالية، وتأسف لفقده أهل حلب وغيرهم حتى صاحبه الشيخ علوان، فإن وفاته تأخرت عن وفاته كما سبق في ترجمة الشيخ علوان، ولما بلغته وفاته. قال: انتهت إليه رئاسة الحديث النبوي، ومعرفة طرقه، وكان محافظاً على السنة، واقتفاء أثر السلف الصالح. نقله ابن الحنبلي عن شيخه جار الله ابن فهد عمن أخبر عن الشيخ، وتقدم في ترجمة الشيخ علوان اتفاق غريب في الصلاة عليهما غائبة بدمشق، وذكر ابن طولون في تاريخه أنه وصل إليه الكتاب من حلب أن الشيخ زين الدين ابن الشماع رحمه الله تعالى توفي في صبح يوم الجمعة قبيل آذانه ثاني عشر صفر الخير من سنة لست وثلاثين وتسعمائة. قال: ودفن بالسبيل خارج باب أنطاكية، وبعده بسبعة عشر يوماً توفيت زوجته، ولم يعقبا.
عمر بن أحمد الشهير بخليفة
عمر بن أحمد بن محمد، الشيخ زين الدين الحلبي، الصوفي، الشهير بخليفة بن الزكي، ويابن خليفة شيخ طائفة السعدية بحلب. قال ابن الحنبلي: كان حسن الخط، كثير الكتابة بالأجرة، له شعر يلحن فيه، عمر زاوية بالقرمن حمام القواس خارج باب النصر بحلب، ووضع فيها أعلام الصوفية، ومن شعره:
تكلم بالشهباء من كان أبكما ... لمال وجاه لا لعلم ولا أدب
ومن أعجب العجاب أن غريبها ... يقدم على أبنائها من ذوي الحسب
قلت: لو قال:
ومن أعجب الأشياء أن غريبها ... يبدي على أبنائها من ذوي الحسب
لأجاد ومن شعره لما قدم سيدي محمد ابن الشيخ علوان إلى حلب يمدحه:
стр. 537
بشمس حماة نورت حلب الشهبا ... وقد ظفرت بالوصل منه ذوي القربى
فاقتبسوا يا عاشقين ضياءه ... واغتنموا من صرف كاساته شربا
قلت: لو قال:
ألا اقتبسوا يا عاشقين ضياءه ... لتغتنموا من صرف كاساته شربا
لأصاب، وخلص من قطع همزة الوصل. توفي سنة ست وأربعين وتسعمائة.
عمر بن سامة العرضي
عمر بن سامة بن فضل الله، الشيخ العلامة زين الدين العرضي الأصل، الحلبي، الشافعي، الصوفي، العلواني أحد خلفاء سيدي الشيخ علوان، والآخذين عن الزين بن الشماع المتقدم ذكره. قال ابن الحنبلي: كان شيخاً معمراً، مفيداً لبعض المتفقهين، له في الطريق بعض أتباع، ووصفه شيخ الإسلام الوالد في الرحلة، فقال: الشيخ الصالح، النير الدين، الخير، القدوة، العلامة الشيخ زين الدين عمر بن سامة. حضر إلي، وسلم علي، ودعا والتمس الخاطر والدعا، وحصل بيننا وبينه صحبة ومودة وأخوة ومحبة. انتهى. توفي سنة سبع وخمسين وتسعمائة.
عمر بن معروف
عمر بن معروف، الشيخ الفاضل العلامة زين الدين، المعروف بأبيه. معروف الجبرتي، ثم الدمشقي الشافعي إمام الصابونية خارج باب الجابية بدمشق. كان من نوادر الزمان في الحفظ، فإنه كان يقرأ القرآن من آخره إلى أوله كلما ختم آية افتتح الآية التي قبلها. قال ابن طولون: تردد إلي مرات، وفي كل مرة نستفيد منه في علم التفسير غرائب، وقال شيخ الإسلام: والدي. كان رجلاً صالحاً فاضلاً قال: وقلت فيه:
كالكرخي معروف ... من قال: كمال معروف
شيخ الورى ابن معروف ... جوزي بكل معروف
توفي في أواخر شعبان سنة ست وأربعين وتسعمائة. رحمه الله تعالى.
عمر بن نصر الله الصالحي
عمر بن نصر الله، الشيخ العالم، الزاهد، العارف بالله تعالى زين الدين بن نصر الله الصالحي، الدمشقي، الحنفي قال والد شيخنا: كان من
стр. 538
أهل العلم والصلاح، طارحاً للتكلف، يلبس العبادة، قانعاً باليسير، يرجع إليه في مذهبه، وكان الشيخ زين الدين بن سلطان يستعين به في تأليف ألفه في فقه الحنفية. توفي في سادس شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة، ودفن بسفح قاسيون بالصالحية. مات مقهوراً لما رآه من ظهور المنكرات، وحدوث المحرمات، وضرب اليسق على الأحكام.
عمر الحموي
عمر الحموي، الشيخ الصالح الحائك أحد مجاذيب دمشق.
كان من جماعة الشيخ علي بن مكنا الحائك. قال ابن طولون: كان يقبل من الناس الصدقات، ولكن كان يؤثر بها، وربما حصل منه كشف، وكان يقول: قال لي القديم: كذا، ويرفع يديه إلى السماء، ويكاشف، وكان وفاته يوم السبت سادس ذي القعدة الحرام سنة ثلاثين وتسعمائة، وصلي عليه بالجامع المظفري بسفح قاسيون، ودفن بتربة العجمي التي كان مقيماً بها حال حياته، وحضر جنازته جماعة من الصلحاء منهم الشيخ عمر العقيبي الإسكاف.
عمر الصعيدي
عمر الصعيدي، الشيخ العلامة زين الدين الصعيدي، الحنفي إمام الصخرة المعظمة بالقدس الشريف. قال ابن طولون: كان من أهل العلم والعمل، وقرأ بمصر على جماعة منهم البرهان الطرابلسي. مات سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الآخرة منها.
عمر الشروقي
عمر الشروقي بفتح المعجمة، وضم الراء، وبالقاف قبل ياء النسبة - قرية من عمل البلقاء قرب بلد تسمى جيدوان أصل أهله منها، لكنه ولد ببلاد عجلون العبد الصالح الولي. كان مجذوباً لكن كان الغالب عليه الصحو، وكان يطوف في البلاد، فينتفع به من قسم له الانتفاع به من العباد، وكان يصافح الناس، فيحدث لمن يصافحه معهم حاله يصرخ منها، ويصيح ويمضي معه حيث طاف في البلاد. ذكر ذلك عنه الشيخ موسى الكناوي، وذكر أنه اجتمع به في بلدة اسمها هام من بلاد إربد. قال: ولازمته وترددت معه في البلاد، ورأيت له أحوالاً، ومكاشفات كثيرة، وكان مجذوباً صاحياً صافياً لا يكترث بالدنيا. قال: وأخذ هو عن شيخه سيدي أحمد العادة العجلوني، وهو عن سيدي محمد الديموني، وكان شيخه سيدي أحمد العادة هذا من الأولياء المتصرفين بالولاية. قرأ نصف القران، فمنعه شيخه من الزيادة، وقال: هذا الذي قسم لك. قال الشيخ موسى: وسمعت أهل ناحية يقولون: حج أحمد العادة فضل منه الجمل في عرفة ليلاً، فسمع صوت شيخه الديموني يا أحمد الجمل تجاهك، فمشى خطوات فرآه وأتى به، وكان الديموني ببلدته ديمون قال:
стр. 539
وكف أحمد العادة في آخر عمره، ومات قبل التسعمائة، وأما تلميذه الشيخ عمر الشروقي صاحب الترجمة فمات بقرية سوم من أعمال إربد في سنة أربعين وتسعمائة أو قبلها بسنة رحمهم الله تعالى.
عمر التنائي
عمر الشيخ العلامة زين الدين التنائي المالكي المصري، توفي في سنة سبع وأربعين وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بدمشق بالجامع الأموي يوم الجمعة حادي عشر ربيع الثاني منها.
عمر العبادي
عمر الشيخ الإمام العلامة سراج الدين العبادي، الشافعي المصري المقيم بالبرقوقية من الصحراء، خارج باب القاهرة، كان على قدم عظيم في العبادة والزهد والورع والعلم وضبط النفس، وكان يقول مذهب الشافعي نصب عينه، وشرح قواعد الزركشي في مجلدين أخذ عن سميه وبلديه الشيخ سراج الدين العبادي الكبير، وعن العلامة شمس الدين الجوجري، وشيخ الإسلام يحيى المناوي، وغيرهم وأجازوه، وكان مجاب الدعوة، ولما حج وزار رسول الله ﷺ ، فتحت له الحجرة الشريفة والناس نيام من غير فاتح، فدخلها وزار، ثم خرج وعادت الأقفال كما كانت، ومات في نيف وأربعين وتسعمائة.
عمر العقيبي
عمر الشيخ العارف بالله تعالى، المربي المسلك زين الدين الحموي الأصل، ثم العقيبي الدمشقي الشافعي المعروف بالإسكاف، كان في بداءته إسكافاً يصنع النعال الحمر، ثم صحب الشيخ علوان الحموي، وبقي على حرفته غير أنه كان ملازماً للذكر أو الصمت، وكان يتقن صناعته فإذا جاء من يطلب نعلاً ناوله واحدة، وهو مشتغل بالذكر فإذا وجد الطالب صالحاً وساومه، ولم يرد عليه فيبادر بعض جيرانه، فيجيب عن الشيخ عمر ويقول بيعه بكذا وكذا، لا أزيد من ذلك، ولا أنقص، فإن كان قد أعجبك فضع ثمنه وإلا فدعه، ثم غلبت عليه الأحوال فترك الحرفة، وأقبل على المجاهدات، ولزم خدمة أستاذه الشيخ علوان حتى أمره أن يذهب إلى دمشق، ويرشد الناس، وكان كثير المجاهدات شديد التقشف ورعاً، وكان أمياً لكنه ببركة صدقه، فتح الله تعالى عليه في الكلام في طريق القوم والتكلم على الخواطر التي يشكوها إليه الفقراء، وكان مدة إقامته بدمشق يسافر لزيارة شيخه في كل سنة مرة، ويقيم فيها ثلاثة أيام بحماة، ثم يرجع ولما مات شيخه خرج لتعزية ولديه
стр. 540
وزيارته، ثم عاد إلى دمشق وبقي على عادته من زيارة شيخه كل سنة مرة بعد موت شيخه، حتى لحق به، وكان في بداءته ينظر بستاناً بحماة وفيه العنب والتين، وكثير من أنواع الفواكه، فيقطفون العنب وغيره، ويبيت في البستان فيصبح وعليه الندى فيكتسي بذلك حسناً فلا يلتفت إليه، ولا يعرج عليه ولا يأكل منه حبة واحدة وبقي على ذلك سنين، كما قرأت ذلك بخط الشيخ موسى الكناوي، وذكر أنه سمع ذلك من لفظ الشيخ عمر قال: وسمعته مرة يقول كنت مرة أنظر في بستان، وكان أيام الدراقن الخواجكي، وكنت أقطف من ذلك لصاحبه، ويبيت في الإناء فيصبح وعليه الندى فتتوق نفسي إليه فأمنعها، وكذلك كنت أفعل مع نفسي في جميع الفواكه انتهى.
قلت: وكذلك كان يعامل أصحابه ومريديه بالمجاهدات الشاقة. على النفوس، وكان ربما أمر بعضهم فيركب على بعير ويعلق في عنقه بعض الأمتعة، ويأمر آخر أن يقود به البعير، وهما يجهران بذكر الله تعالى كما هو المشهور من طريقته، وبلغني أن أتى بعض أصدقائه ذات يوم إلى بستانه، فذهب وذهب معه الفقراء، فلما دخل من باب البستان وجد ساقية ماء، فشرب منها وأمر الفقراء أن يشربوا من الماء فشربوا، ثم قال: كل ما في البستان أصله من هذا فقد أخذنا كفايتنا منه، فارجعوا فرجع ورجعوا معه، ولم يتناولوا من فاكهة البستان شيئاً، وبلغني أن إنساناً جاء إليه يطلب الإرشاد، والتزمه فأمره أن يعترف بين يديه بظلامات الناس ليأمره بالتوبة منها، والتحلل، وكيف يتوب ويخرج من المظالم، فاعترف بين يديه بقتل إنسان عمداً فقال له: لا بد أن تعترف لأوليائه وتطلب منهم العفو، فإن عفوا كان طريقك مبيناً على أمر صحيح، وإن اقتص منك خرجت من عهدة الجناية في الدنيا باستيفائهم منك ما لهم عليك من القصاص والصبر على القصاص في الدنيا أهون من الصبر على عذاب الآخرة، ففعل واعترف عند أولياء القتيل، فامسكوه وضيقوا عليه، واستعدوا عليه عند الحاكم، ثم لما بلغهم قصته مع الشيخ عمر عفوا عنه، ووهبوه له، ومر بعض الأيام على أحد فقرائه، فاشرف عليه فوجد نظره طامحاً إلى غلام جميل الصورة فجاء الشيخ حتى حاذاه، وأوقع بصره عليه ففطن الرجل أن شيخه أشرف عليه، فخجل وقال يا سيدي: ما وقفت هنا إلا أتعجب من صانع هذه الخلقة الشريفة، ومصور هذه الصورة البديعة، يا سيدي ما أحسن تلويز عينيه، وحمرة خديه وبياض وجهه، وكذا وكذا فقال له الشيخ: رحمه الله تعالى انظر إلى زنجي أسود شديد السواد على رأسه طرطور، والناس يضحكون منه يا كذاب، وهلا تعجب من خلقة هذا الأسود، وتعجبت من شدة سواد بدنه، وشدة بياض أسنانه، وطالعت صنعة الله فيه من غير أن يكون للشرع عليك إنكار فيه بخلاف نظرك في هذا الأمرد الجميل، فإنك ممنوع منه شرعاً، وكيف يكون طريق الله فيما حرمه الله
стр. 541
تعالى، وصحب الشيخ عمر رجل رافضي، وطلب منه أن يكون من فقرائه، فقبله الشيخ على ما فيه من عوج، فلما طالت صحبته مع الشيخ توهم الشيخ فيه الصدق قال له الشيخ يوماً: يا فلان خطر لي أن أزور غداً جبل قاسيون، ولا يكون معي غيرك، فجئني في غد مبكراً، فلما أصبح غداً على الشيخ فخرج الشيخ عمر من زاويته، والرجل معه حتى كان في أثناء الجبل أظهر الشيخ عمر الإعياء والعجز عن المشي والحركة، حتى تحير الرجل في أمره، وقد قرعتهما الشمس فقال الرجل: غرقنا يا سيدي أنا أحملك على ظهري فقال له الشيخ: أكلفك وأخاف المشقة عليك لكن ما بقي لي مجال للمشي، ولا خطوة، ثم قعد الرجل، وحمل الشيخ على ظهره، فمشى به خطوات وأعيى ووقف فقال له الشيخ: ما بالك. قال: يا سيدي أعييت حتى أستريح، فلما تحقق ذلك الشيخ منه قال له: يا هذا اشتهر عند الناس أن الرافضة حمير اليهود، ويركبونهم يوم القيامة على الصراط، ويكبكبون جميعاً في النار وأنت الآن تدعي صحبتي، وعجزت عن حملي في هذا الطريق الواسع، فبالله عليك إن كان في قلبك شيء من البدعة، وبغض الشيخين، فارجع عنه وتب إلى الله تعالى، فبكى ذلك الرجل بكاء شديداً، واعترف ببدعته وأقلع إلى الله تعالى منها، وصار يثني على أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما بعد ذلك وصار من مريدي الشيخ حقيقة بعد ذلك ووقائع الشيخ عمر كثيرة، ولطائفه في سلوكه وتشكيته الخواطر شهيرة، ومن لطائف ما اتفق للشيخ محمد الزغبي المجذوب، وكان من جماعته الملازمين له مدة أن الزغبي كان يجلس في مجلس الشيخ عمر، والخواطر تشكى إليه، والزغبي ساكت لا يشكو إليه خاطراً، فقام في بعض الأيام رجل من الفقراء فقال للشيخ عمر: يا سيدي خاطر فقال له الشيخ: قل لي: قال: ما بال الشيخ محمد الزغبي لم يشك إليك خاطراً قط فقال الشيخ: والله ما أدري ولكن قولوا له، ثم قال له: الشيخ يا محمد يا زغبي لماذا لا تشكو إلينا كما تشكو الفقراء، فقام الزغبي فقال يا سيدي: خاطر فقال الشيخ عمر: قل لي فأنشد الزغبي:
ويأبى علي الشكوى إليك مذلة ... واش تنفع الشكوى لمن لا يزيلها
وكان للشيخ عمر ولدان، أحدهما علي والآخر محمد، فكناه بأحد ولديه فقال الشيخ عمر لذلك الرجل الذي شكى الخاطر في سكوت الزغبي، هذا جواب خاطرك، ولو سكت عنه كان خيراً لك، ولنا وكان عيسى باشا كافل المملكة الشامية، يعتقد الشيخ عمر اعتقاداً زائداً، وكان سبب اعتقاده فيه فيما بلغني أنه امتحنه فبعث إليه ثمانين ديناراً ذهباً، فردها عليه وقال: نحن في كفاية وغنية عنها، ولا يجوز لنا تناولها إلا مع الاضطرار، ولا إضطرار لنا، فكان ذلك سبب اعتقاده وكان يتردد إليه في كل جمعة مرة أو مرتين، ويشكو إليه الخواطر، وأخذ عنه
стр. 542
الطريق، وشكى إليه مدة خاطراً فقال: يا سيلي يخطر لي أن طالما أوتي بالرجل سارقاً أو شارباً أو غير ذلك، فيقال لي: هو من جماعة الشيخ عمر وكنت أحب أن لو كانت جماعتك أخياراً. فقال له: يا عيسى، وكان هذا خطابه في الغالب لو أن إنساناً جاء إلى معلم نجار، ومعه ضبة منجورة محكمة الصناعة، لا تحتاج إلى شيء أصلاً فقال له: اعمل لي هذه الضبة أما كان يتعجب منه. ويقول له: وما أصنع فيها، وهي ضبة تامة الصناعة محكمة متقنة لا تحتاج إلى إصلاح ما هذا إلا عبث قال: نعم قال: فلو جاء بقطعة خشب غير مصنوعة فقال اعمل لي هذه ضبة محكمة ماذا كان يصنع بها. قال: كان يبادر، ويصنعها قال: ولذلك لو جاءني الكمل مثل فلان وفلان وعدد جماعة من كمل العلماء والصالحين، ما كانوا يحتاجون إلي وإنما يجيئني هؤلاء الذي تذكر لأنهم يحتاجون إلى إصلاحهم وتربيتهم، فأعجب عيسى باشا جوابه وقال. الشيخ موسى الكناوي: لما حضر الشيخ محمد ابن الشيخ علوان إلى دمشق، ونزل عند الشيخ عمر بمنزله عند جامع التوبة بمحلة العقيبة خارج دمشق، كنت أنا ممن حضره للسلام عليه، وسماع كلامه في التصوف: فتكلم بكلام سرده سرداً كالمحفوظ عنده، ونزل بعضه على أبيات من ألفية بن مالك في النحو فقال في قوله: " فالثاني أولى عند أهل البصرة " أي عند أهل البصيرة عند أهل البصائر، فثقل كلامه علي وعلى كثير من الحاضرين، وسبب ذلك قوة كلامه، وشدة فهمه على الحاضرين " فسكت الشيخ محمد ابن الشيخ علوان، وأتوا بالشيخ عمر فتكلم بكلام صادر عن عمل وفوق أفارتحت أنا وكثير ممن الحاضرين من أصحاب الشيخ عمر إلى كلام الشيخ عمر وكانوا فوق مائتي نفس، فرحمه الله ورضي عنه، وكان وفاة الشيخ عمر في سنة إحدى وخمسين وتسعمائة، ودفن بزاويته، وحدثني شيخنا مفتي السادة الشافعية بدمشق نفع الله تعالى به قال: ظهر في الشمس تغير، وظلمة تشبه الكسوف يوم موت الشيخ عمر العقيبي رحمه الله تعالى.
عيسى بن محمد الصفوي
عيسى بن محمد بن عبد الله بن محمد السيد الشريف العلامة المحقق المدقق الفهامة أبو الخير قطب الدين الحسيني الإيجي الشافعي الصوفي المعروف بالصفوي، نسبة إلى جده لأمه السيد صفي الدين والد الشيخ معين الدين الإيجي صاحب التفسير، كان مولده في سنة تسعمائة واشتغل في النحو والصرف على أبيه، وتفقه به في المحرر وأخذ عنه الرسالة الصغرى والكبرى للسيد الشريف الجرجاني في المنطق وهما اللتان عملهما مؤلفهما لولده محمد، وسماهما بالغرة والمرة، ثم لازم الشيخ أبا الفضل
стр. 543
الكازواني الصديقي القرشي، صاحب الحاشية على تفسير البيضاوي، والشرح على إرشاد القاضي شهاب الدين الهندي ست سنين بكجرات من بلاد الهند، فقرأ عليه المختصر والمطول مع حاشية الشريف إلى باب القصر، وشرح الطوالع والتجريد، مع حاشية الدواني وأجاز له، ثم فارقه وسمع بالهند أيضاً على أبي الفضل الاستراباذي، أشياء بقراءة غيره، ورحل إلى دلي، وحضر مجلس العلماء بها عند السلطان إبراهيم بن السلطان إسكندر شاه، وبحث معهم فظهر فضله وأكرمه السلطان وأدرك الجلال الدواني، وأجاز له، ثم حج وجاور بمكة المشرفة سنين، وزار قبر النبي ﷺ ، وصحب بالمدينة الشيخ الصالح الزاهد المعمر أحمد بن موسى النبتيتي المجاور بها، فلقنه الذكر، وصافحه، وشابكه وأرخى له العذبة، وأذن له في ذلك وأخبره أنه تلقى ذلك من جماعة منهم جده لأمه السيد معين الدين الصفوي، تجاه وجه النبي ﷺ سنة أربع وتسعمائة عن والده السيد صفي الدين، عن الشيخ زين الدين الخوافي، وذكر له أنه رأى النبي ﷺ في المنام، ثم دخل دمشق في حدود سنة تسع - بتقديم التاء - وثلاثين وتسعمائة فأخذ عنه جماعة من أهل دمشق وحلب، ودرس بدمشق في شرح الكافية، للعلامة الرضي وكان يعتمد على كلام الشيخ جمال الدين بن مالك، ولا يعتمد على كلام الشيخ جمال الدين بن هشام الأنصاري، وزار بدمشق مقام سيدنا إبراهيم ﵇ ببرزة، وضريح سعد بن عبادة وأبي مسلم الخولاني، وتميم الداري، والسيد مدرك، والسيدة زينب، والشيخ محيي الدين بن العربي، وغيرهم من الصالحين، وزار بيت المقدس، وسافر إلى الروم مرتين وأنعم عليه السلطان سليمان رحمه الله تعالى بخمسين عثمانياً في خزينة مصر، وأدخل في المرة الثانية على السلطان، وأوصي أن لا يجهر بالسلام كما هو المعروف، فلما دخل على السلطان جهر بالسلام عملاً بالسنة، فأكرمه السلطان، وزاد في جامكيته عشرين عثمانياً وأنعم على أولاده، وأولاد أولاده بأربعة وعشرين عثمانياً تجري عليهم إلى انقطاع النسل، ثم رجع إلى حلب، فقدمها الشيخ محمد الإيجي نزيل دمشق للقائه، وعادا جميعاً إلى دمشق وكان ممن أخذ عنه بحلب، وتلقن منه الذكر، ولبس الخرقة الشيخ رضي الدين بن الحنبلي مؤرخ حلب، ثم رحل السيد قطب الدين عيسى إلى مصر واستوطنها، ولما حج شيخ الإسلام والدي في سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة من طريق مصر، ودخل مصر يوم الخميس رابع جمادى الأولى، حضر السيد عيسى للسلام عليه، فيمن حضر من شيوخ مصر القاهرة وأعيانها إذ ذاك، وكان في صحبة الوالد ولده الأخ العلامة شهاب الدين، فكتب الأخ شرح الكافية، من تأليفات السيد المشار إليه، وقرأه عليه وأخذ عنه، وللسيد مؤلفات منها شرح الكافية المذكور، وهو شرح مختصر وشرح الغرة للسيد الشريف الجرجاني في المنطق وشرح الفوائد الغياثية في المعاني والبيان قال ابن الحنبلي: وهو مما لم يكمله
стр. 544
ومختصر النهاية لابن الأثير في نحو نصف حجمها وتفسير من سورة عم إلى آخر القرآن وكان مع ما كان عليه من العلم والتحقيق يحب الصالحين ويميل إلى بر الفقراء، وزيارة قبور الأولياء، حتى رحل من حلب إلى بغداد لزيارة أوليائها، وكان له مزيد اعتقاد في سيدي محمد بن عراق، وله قصة في تغسيله، وحمل سريره تقدمت في ترجمته في الطبقة الأولى، ومما اتفق أن تلميذ السيد قطب الدين عيسى المذكور، وهو الشيخ محمد الكيلاني الصوفي التروسي، رآه ذات ليلة في المنام، وحوله جماعة في مكان لطيف قال: فقيل لي إنه القطب ثم غاب عني ساعة فقلت في نفسي إن من شأن القطب أن يغيب عن العين، ويظهر تارة أخرى قال: فظهر لي قال: فجئته صبيحة الرؤيا، وكنت قد انقطعت عنه في يوم أرسل فيه ورائي لأتغدى عنده فلم يمكنني التوجه إليه، فبادر بقوله:
إنك قد انقطعت عنا نهاراً أما ليلاً فلا، وكتب إليه ابن الحنبلي وهو بمكة: ك قد انقطعت عنا نهاراً أما ليلاً فلا، وكتب إليه ابن الحنبلي وهو بمكة:
من محب مشتاق في كل آن ... لأناس مقرهم في الجنان
ذكرهم في مجالس الأنس أغنى ... عن سماع الغنا وذكر الغواني
هو بالتادفي غدا ذا اشتهار ... واقتداء بمذهب النعمان
حلبي ولادة ومقاماً ... قد تسمى أبوه بالبرهان
لشريف وسيد صفوي ... هو للقطب إذ أضاء مدان
بل هو القطب في الوجود فحاول ... دعوة منه لاجتلاب التهاني
نير الوجه صالح ذو علوم ... دونها في جلائها النيران
سار نحو الشمال والروم قدماً ... فبدا القطب طائراً عن عنان
بل بدت شمس فضله كنضار ... وبدت أنجم الهدى كالجمان
ثم نحو الحجاز سار فقلنا ... من نواه فوات نيل الأمان
ورأينا أمراً عجيباً غريباً ... ما رأيناه في قديم الزمان
كان قطب الشمال حساً فأضحى ... إثر ذاك المسير قطب يمان
جمع الله شملنا وأرانا ... وجهه في سلامة وأمان
وغدا نجله السعيد سعيداً ... معرباً عن صلاحه الأصغران
ما مضى للحجاز قوم وزاروا ... حجرة المصطفى الرفيع المكان
صلوات عليه ثم سلام ... دائم ما تعاقب الملوان
وعلى الآل والصحاب جميعاً ... وعن التابعين كل أوان
стр. 545
عيسى باشا الرومي
عيسى باشا بن إبراهيم باشا الرومي الحنفي أمير أمراء دمشق، كان له أولاً اشتغال في العلم، وكان مدرساً بمدرسة الوزير داود باشا بالقسطنطينية، ثم صار مدرساً بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنة، ثم بإحدى الثماني، ثم صار موقعاً بالديوان السلطاني، ثم ولي الإمارة في بعض البلاد، ثم ولي إمارة حلب، فأحسن فيها السيرة، ثم إمارة دمشق وعزل منها، ثم أعيد إليها، ورسخ فيها، وكان عالماً بعدة من العلوم، ولم يترك المطالعة أيام الإمارة، وكان له حسن أدب، ولطف معاشرة إلا أنه كان إذا غضب اشتد غضبه حتى يخمش يديه ويدميهما، وهو لا يحس بذلك، وذكر والد شيخنا أنه أرسل حين كان بدمشق إلى أهل القرى مراسيم أن لا يطعموا الصوباشي، ولا القاضي، ولا صاحب التيمار شيئاً، ولا يعلقوا على دوابهم، ولا يعطوا شعير.... واستمر ذلك إلى آخر توليته، وعاشت أهل القرى في زمن ولايته عيشة طيبة، وكان في زمن إمارته بدمشق وغيرها، مكرماً لأهل العلم، ومشايخ الصوفية، ولبس الخرقة القادرية من الشيخ حسين الكيلاني حين قدم دمشق، وكان له مزيد اعتقاد في الشيخ عمر الإسكاف العقيبي خليفة الشيخ علوان، وكان يشكو إليه الخواطر، ويحضر إلى زاويته ليلاً، وكان يخاطبه الشيخ عمر: يا عيسى، وذكر لي بعض المعمرين أن سبب اعتقاده في الشيخ عمر أنه بعث إليه بمال فلم يقبله. ورده عليه، وقال: إني في غنية، فلما رجع إليه رسوله بالمال ضاعفه أضعافاً، ثم بعث به إلى الشيخ عمر، وسأل فضله في قبوله، وصرفه على الفقراء، فرده ثانياً عليه إشارة أنه إذا جاء الفقراء إليه أمرهم بالخروج من الدنيا، فكيف يدخلهم فيها. فكان هذا سبب اعتقاده في الشيخ عمر، وتردده إليه، وعرض خواطره عليه، وكان وفاته بدمشق في يوم الأحد تاسع صفر سنة خمسين وتسعمائة، وأوصى أن يلقن بعد موته، فلقنه الشيخ أبو الفتح المالكي، وأوصى أن يسحب على الأرض قبل الدفن إلى قبره تعزيراً لنفسه على عادة الفقراء العمرية في حال حياتهم في تعزير أنفسهم، فحمل سريره إلى الصالحية، فلما قرب من قبره سحب على الأرض قليلاً تنفيذا لوصيته. قال ابن طولون: ودفن في حوش الشيخ محيي الدين بن العربي عند شباكه الشرقي بوصية منه مع أن الشائع عنه عدم اعتقاده.
عيسى المعروف بسعدي جليي
عيسى بن أمير خان الأمير الفاضل، والهمام الكامل، المولى سعد الدين، المعروف بسعدي جلبي أحد صدور الروم ومواليها
стр. 546
المشهورين بالعلم والدين والرئاسة. كان أصله من ولاية قسطموني، ثم دخل القسطنطينية مع والده، ونشأ في طلب العلم، وقرأ على علماء ذلك العصر، ووصل إلى خدمة المولى الساميوني، ثم صار مدرساً بمدرسة الوزير محمود باشا بالقسطنطينية، ثم بسلطانية بروسا، ثم بإحدى الثماني، ثم صار قاضياً بالقسطنطينية، ثم عزل عن قضائها وأعيد إلى إحدى الثماني، ثم صار مفتياً مدة طويلة، ويحكى أنه نزلت به إضاقة الحاجة إلى طلب المنصب، فاجتهد في طلبه، فلم يحصل، وأعياه حتى هم أن يترك الطلب، فرأى في منامه قائلاً يقول له:
ثق بالله مسبب الأسبابا ... الرزق إذا أتاك دق البابا
فلما أصبح من ليلته إذا بطارق يطرق بابه، فأذن له، فلما دخل بشره بالمنصب. قال في الشقائق كان فائقاً على أقرانه في تدريسه، وفي قضائه، مرضي السيرة محمود الطريقة، وكان في إفتائه مقبول الجواب، مهتدياً إلى الصواب، وكان طاهر اللسان لا يذكر أحداً إلا بخير، وكان صحيح العقيدة، مراعياً للشريعة، محافظاً على الأدب، وكان من جملة الذين صرفوا جميع أوقاتهم في الاشتغال بالعلم الشريف، وقد ملك كتباً كثيرة، واطلع على عجائب منها، وكان ينظر فيها، ويحفظ فوائدها، وكان قوي الحفظ جداً. حفظ من المناقب والتواريخ شيئاً كثيراً، وله رسائل وتعليقات، وكتب حواشي مفيدة على تفسير البيضاوي، وهي متداولة بين العلماء، وله شرح مختصر مفيد للهداية، وبنى داراً للفقراء بقرب داره بمدينة قسطنطينية. انتهى.
قلت: وكان السيد عبد الرحيم العباسي خليلاً لسعدي جلبي لكل منهما بالآخر مزيد اختصاص، وللسيد عبد الرحيم فيه مدائح نفيسة في عدة قصائد، ومقاطيع، ولما كان شيخ الإسلام والدي بالقسطنطينية في سنة سبع وثلاثين وتسعمائة اجتمع بالمذكور كثيراً، وكان إذ ذاك قاضي القسطنطينية، وذكره في المطالع البحرية فقال قاضي قضاة المسلمين، وأولى ولاة الموحدين، وينبوع العلم واليقين، العادل العمل في أحكامه، والحركة في إقدامه، والمراقب لله في فعله وكلامه، إنسان عين الزمان، وإنسان عين البيان، إلى أن قال: ما قرن به فاضل بالروم إلا رجحه، ولا ألقي إليه مقفل من العلم إلا كشفه وأوضحه، له صادقات عزائم، لا تأخذه في الله لومة لائم، إلى عفة ونزاهة، وإبانة وهمة علية وصيانة، في أوصاف آخر ومما قاله الشيخ الوالد فيه وأنشدنا إياه شيخنا القاضي محب الدين الحنفي، وأخبرنا أنه وجده مكتوباً في جدار مجلس المولى سعدي:
أوصاف سعدي مثل شمس الضحى ... ظاهرة في القرب والبعد
إذا عملت الشعر في مدحه ... فإنما أعمل، في سعدي
стр. 547
ذكر ابن طولون في وقائع سنة خمس وأربعين وتسعمائة أنه صلي على سعدي جلبي غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة رابع عشر ذي القعدة قال ابن طولون: واسمه أحمد والصواب إنه عيسى كما تقدم، لأنه هو الثابت في الشقائق النعمانية، ومؤلفها أخبر بأحوال أهل الروم من غيره. قال ابن طولون: وتوفي بعلة النقرس قال: وكانت وفاته عند صلاة الجمعة ثاني عيد الفطر من السنة المذكورة. قال: وأقيم مفتياً عوضه قاضي قضاة العسكر الأناظولي جوي زاده وولي قاضي قضاة العسكر الأسطنبولي ابن قطب الدين الرومي الحنفي. انتهى.
قلت: وجوي زاده المذكور في كلام ابن طولون هو المولى محمد بن إلياس المتقدم والد محمد بن محمد بن إلياس قاضي دمشق الذي صار في آخر الأمر مفتياً بالروم، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في الطبقة الثالثة.
حرف الغين المعجمة خال
حرف الفاء من الطبقة الثانية
فاطمة بنت قريمزان
فاطمة بنت عبد القادر بن محمد بن عثمان، الشيخة الفاضلة الصالحة الحلبية الحنفية، الشهيرة ببنت قريمزان شيخة الخانقتين العادلية والدجاجية معاً. كان لها خط جيد، ونسخت كتباً كثيرة، وكان لها عبارة فصيحة، وتعفف، وتقشف وملازمة للصلاة حتى في زمن المرض. مولدها في رابع المحرم سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، ثم كانت زوجاً للشيخ كمال الدين محمد بن مير جمال الدين بن قلي درويش الأردبيلي، الشافعي نزيل المدرسة الرواحية بحلب الذي قيل إن جده هفا هو أول من شرح المفتاح. قالت: وعن زوجي هذا أخذت العلم، وكان يقول: قد ملكني الله تعالى وثلاثين علماً، وكانت وفاتها في سنة ست وستين وتسعمائة، وأوصت أن تدفن معها سجادتها. قال ابن الحنبلي: وقد ظفرت بشهود جنازتها، وحملها فيمن حمل.
فرج المصري المجذوب
فرج المصري المجذوب قال: كان له كشف وكرامات، وكان يجمع الدراهم من الناس، ويفرقها على المحاويج، ثم يبيت لا يملك شيئاً ليله. قال الشيخ جمال الدين بن يوسف ابن قاضي القضاة زكريا: لقيني الشيخ فرج، وفي
стр. 548
رأسي أربعون نصفاً، فأعطيته فلا زال يقول لي: أعطني نصفاً حتى بقي منها نصف، وهذا على اسم الحمام، فتبعني للحمام، وقال: أعطني النصف الآخر، وأنا أعطيك، وهذا على اسم شموال اليهودي بأربعين ديناراً. قال: فلم اعطه النصف، فلما خرجت من الحمام، ودخلت البيت إذا بشخص يستأذن في الدخول، فقلت له: من هذا. فقال: شموال اليهودي، فقلت: ما حاجتك؟ فقال: كنت اقترضت من والدك أربعين ديناراً، وليس بها شاهد إلا الله تعالى، وقد تحرك عندي الخاطر بقضائها هذا اليوم، وعجزت عن دينار واحد منها، وها هي فأعطاني تسعة وثلاثين ديناراً، فندمت إذ لم أعطه النصف الآخر قال ... ، وله وقائع كثيرة مع أهل مصر. انقطع آخر عمره في البيمارستان، وله كرامات، ودفن في زاوية الشيخ بهاء الدين المحدث بباب السويقة، وهو من هذه الطبقة.
فضلي بن علي الرومي
فضلي بن علي بن أحمد بن محمد قاضي القضاة ابن مفتي المملكة الرومية علاء الدين الأقصرائي، الجمالي، الحنفي. كان ينسب إلى الشيخ محمد الأقصرائي صاحب موجز الطب، وإيضاح البيان وغيرهما، وكان الشيخ جمال الدين هذا ينسب إلى الفخر الرازي الذي هو من ذرية أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - كذا قال ابن الحنبلي، وذكر أنه قدم حلب في ذي القعدة سنة ستين متولياً قضاء بغداد، فاجتمع به وأجازه، ثم ولي قضاء حلب، ثم في سنة إحدى وستين دخلها متولياً قضاء مكة، وزار ابن الحنبلي في منزله، ووهبه رسالة له سماها إعانة الفارض، في تصحيح واقعات الفرائض ولم يؤرخ وفاته، ولعله من هذه الطبقة.
حرف القاف من الطبقة الثانية
قاسم منلا زاده
قاسم بن محمد، العالم الفاضل، المولى شاه قاسم، الشيخ شهاب الدين الحنفي، الشهير بمنلا زاده أصله من هراة، وكان هو وأبوه واعظين، وكان مستوطناً بتبريز، ولما دخلها السلطان سليم بن بايزيد أخذه معه إلى بلاد الرم، وعين له كل يوم خمسين درهماً، وكان عالماً فاضلاً، أديباً، بليغاً له حظ من علم التصوف، وخط حسن، ومهارة بالإنشاء أنشأ تواريخ آل عثمان، فمات قبل إكمالها سنة ثمان أو تسع وثلاثين وتسعمائة.
стр. 549
قاسم بن خليفة الحلبي
قاسم بن خليفة بن أحمد بن محمد، الشيح شرف الدين أبو الوفاء، وأبو السعادات الحلبي، الشافعي، المعروف بابن خليفة. مولده بحلب ليلة عيد الأضحى سنة سبع وسبعين وثمانمائة، ونشأ بها، وحمله والده على طلب العلم، واشترى له نفائس الكتب، فلزم كثيراً من العلماء منهم البدر السيوفي، ومنلا عرب، والمظفر بن علي الشيرازي، والجلال النصيبي، والشمس بن بلال، والبرهان العمادي، وعبد الصمد الهندي، والمحيوي بن أبي سعيد، وباشر في أول أمره صنعة الشهادة، وجلس بمكتب العدول خارج باب النصر، وولي إعادة العصرونية، ومدرسها البرهان العمادي، ووظائف أخر، واستنيب في الدولة العثمانية كثيراً في فسوخ الأنكحة، وجلس لتعاطي الأحكام الشرعية برهة من الزمان، وكان يخدم العلماء، ويبذل المال في خدمتهم، وكان له تواضع، طارحاً للتكليف، وله شعر منه ما أنشده للمحيوي عبد القادر بن سعيد عند قدومه من القاهرة:
لقد آخى المقام وساكنيه ... قدوم العالم المحيي الأجل
حوى للعلم، والآداب جمعاً ... ولم لا وهو قد فاق المحلي
قال ابن الحنبلي: وانتقد عليه بعضهم وصفه إياه بالمحيي لا بالمحيوي بقوله:
كفرت بوصفك المحيي لعبد ... وشركك من لقبلته تصلي
وقد اخطأت في التفضيل لما ... ضللت وما اهتديت إلى المحلي
قلت وأنا أعجب من ابن الحنبلي، وهو عالم حلب كيف يستحسن إثبات مثل هذا الشعر الذي ليس لصاحبه شعور مع جرأته على تكفير مسلم بغير مكفر، وإطلاق المحيي على العبد صحيح على ضرب من المجاز، وهلا اعترض على قول الموحد: إحيى الربيع النبات، وأنبت الربيع البقل، وهو لا يعتقد أن المحيي والمميت حقيقة إلا الله تعالى على أنه أراد بالمحيي الإشارة إلى لقبه محيي الدين، ويجوز أن يقال إن فلان إحدى الدين، أو إحيى العلم، وقد قيل في حجة الإسلام الغزالي:
أحيى علوم الدين بعد مماتها ... بكتابه إحيا علوم الدين
توفي صاحب الترجمة في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وتسعمائة، ودفن بمقبرة السيد علي بالهزازة وما زال يقول في نزعه الله الله حتى مات رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
стр. 550
قاسم بن زلزل
قاسم بن زلزل بن أبي بكر، القادري أحد أرباب الأحوال المشهورين بحلب، وقد اشتهر بابن زلزل - بلامين - كما ذكره ابن الحنبلي، وذكر الشيخ موسى الكناوي أنه كان يعرف بقاسم بن زنزل بالنون عوضاً عن اللام الأولى قال ابن الحنبلي: كان في بدء أمره ذا شجاعة حمى بها أهل محلته المشارقة بحلب من اللصوص، وكان يعارضهم ليلاً في الطرقات، ويقول لهم: ضعوا ما سرقتم، وفوزوا بأنفسكم أنا فلان، فلا يسعهم إلا وضعه، ثم كان مريداً للشيخ حسين بن أحمد الأطعاني كما كان أبوه مريداً لأبيه، ثم صار على يد الشيخ محمد الغزي الجلجولي مريداً لابن أرسلان الرملي، ثم المقدسي، وعلى يده حصلت له حال، وهو الذي حمله على سقاية الماء، فكان يسقي في الطرقات، وهو يذكر الله تعالى، ويحصل له الحال الصادقة، فيرفع رجله، ويبطش بها على الأرض. قيل: وكان أحياناً يذكر الله تعالى بالزاوية الاطعانية، فيحصل له الحال، فيبادر إلى جرن حمام موضوع هناك لمصالحها فيضعه على رأسه كأنه تاج ويدور به دورة، ثم يضعه ويصلي كثيراً وراء إمام كان حسن الصوت، فيحصل له الحال بحيث يغيب بها في نفسه فيصيح وهو في الصلاة صيحة عظيمة، ثم يفيق فيعيد الصلاة، وكان يحضر سماعات الشيخ محمد الخراساني النجمي، وينشد فيها كلام القوم قال: ولما قدم حلب الوزير الأعظم إبراهيم باشا في سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة، رأى الشيخ على حالة اقتضت الفحص عنه، ثم إحضاره فأحضره إليه فإذا الذي رآه في المنام هو هو فجعل له علوفة في المملحة فأبي، فجعلها لأولاده قال: ومما حكي عنه بعد وفاته أنه خرج به قديماً الحب الفارسي، فطلبوا مداواته فأبى فعافاه الله تعالى منه بدون مداواة، وحكي أنه أراد زيارة الشيخ عبد القادر الكيلاني، فصرفه عنها الشيخ علي المصارع البيري الأردبيلي الطريقة، فلم يقبل منه فلما دخل إلى الرها كاشفه بها بعض الرجال، وصرفه عن الزيارة، فلم يقبل قال: فبينما أنا قاعد بالموضع الذي كان منجنيق نمرود إذا بامرأة أقبلت علي تسأل عن قاسم بن زلزل، فاعطتني رغيفين، وأخبرتني أنها رأت مناماً يقتضي أني لا أسافر إلى بغداد. قال: فما وسعني إلا العود إلى الشيخ علي البيري وكنت لما فارقته لم أصل إلى الرها إلا وفي ساقي وفخذي وجع شديد، فلما عدت إليه لم يبق منه شيء بإذن الله تعالى، ذكر ذلك ابن الحنبلي في تاريخه وقرأت بخط الشيخ موسى الكناوي، أنه اتفق للشيخ أبي العون محمد الغزي الجلجولي كرامة مع قاسم بن زلزل، ولعلها هي السبب في إهتمام أبي العون بأمره، وإعتقاد قاسم فيه، وهي أنه وقع بمدينة حلب أن امرأة خرجت من الحمام فحملها رجل جاهل من الجند، فعجز الناس عن خلاصها منه فجاء قاسم بن زلزل فضربه، فقتله وانفلتت المرأة،
стр. 551
وذهبت في سبيلها، ومضى لوجهه هارباً، فدخل الحمام فكبسه الجند وهو في الحمام، فقال للحمامي: إئتني بلباسي وخنجري، فخرج عليهم وتفرقوا عنه وطاح إلى بستان هناك واستغاث بأبي العون الغزي، وكان قاسم قد اجتمع بأبي العون قبل ذلك وشاهد بركاته، فحماه الله تعالى منهم ببركته، واستمر على وجهه على طريق الساحل إلى جلجوليا، فدخل على الشيخ فكاشفه الشيخ بما وقع وقال له: كيف تقتل مملوك السلطان، فاعتذر بما فعله الجندي ودخل تحت ذيل الشيخ فقال له: الشيخ: لك الأمان وكتب له كتابا إلى نائب دمشق قانصوه اليحياوي، وكتاباً إلى نائب حلب. وقال له الشيخ: إسق الماء واترك الزعارة، فأكرمه قانصوه اليحياوي وأعطاه ألف درهم إكراماً للشيخ أبي العون، وكتب به كتاباً إلى نائب حلب يأمره فيه بإكرامه، وعدم التعرض له مما يؤذيه لأجل خاطر الشيخ أبي العون، وحذره من تكدير خاطر الشيخ عليه، فقدم قاسم على نائب حلب فأكرمه، وعفا عنه ببركة الشيخ واستمر قاسم في يومئذ يسقي الماء بيده في شربتين، ولزم طور الفقراء، وترك ما كان عليه من أطوار الشطار والزعار. قال ابن الحنبلي: توفي الشيخ قاسم في أواخر سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة.
قاسم بن عبد الكريم الفاسي
قاسم بن عبد الكريم المغربي الفاسي الأوراسي، كان أبوه بواباً بخان الليمون بدمشق، وكان هو من أتباع القاضي ولي الدين الفرفور، ثم قدم حلب فراش بها، وتزوج بها فاطمة بنت كاتب الأسرار المحب بن أجا بعد وفاة أبيها، واستولى على أموالها، وأوقاف أبيها وأبيه وجدها لأبيها الفخر عثمان بن غلبك فكثر ماله واتسعت دائرته، وقوي جأشه، وزاحم في المناصب الجليلة، وتولى نظر جامع حلب، وخالط أركان الدولة، ولم تسعه حلب فذهب إلى القاهرة، وتولى فيها نظر الأوقاف في سنة أربعين أو قبلها بمعونة الأمير جانم الحمزاوي ثم قيل أنه هو الذي دبر مع سليمان باشا تدبير قتل الأمير جانم، وولده الأمير يوسف، وشاع ظلمه بالقاهرة على ما ذكره ابن الحنبلي في تاريخه، وكان يرى السحر وقيل فيه:
قاسم الأسود أفعى ... قاء سماً للعباد
كل من قد ذاق منه ... عاد منه كالرماد
ثم جاء عليه التفتيش في آخر عمره، وفتش عليه بالقاهرة، ثم شنق على باب زويله بعد أن رجمه الناس بما وجدوه من حجر أو مدر حين أخرج من الحبس، إلى موضع شنقه، وكان ذلك في سنة سبع وأربعين وتسعمائة.
стр. 552
قاسم العجمي
قاسم العجمي الملقب بعفاريت على عادة أهل حلب، في تنابزهم بالألقاب المهملة حتى بين خاصتهم، كما يشهد لذلك تعبير ابن الحنبلي للأعيان بالألقاب في تاريخه، فإنه مشحون بذلك كان صاحب الترجمة من مريدي الشيخ محمد الخرساني النجمي وهو الذي كان يوم دفن الشيخ قد خرج من جنازته دائراً على قدميه كأنه فلكة مغزل من منزل الشيخ إلى تربته قال ابن الحنبلي: ثم داخل أرباب الدولة بالباب العالي، فتولى نظر جامع حلب الكبير، ونظر مدرسة الجردكية. قال: وغير فيها هيئة الواقف التي رضي بها، وذكر ابن الحنبلي أنه كان إمامها فبالغ في كشف حاله حتى ألف رسالة سماها بالقول القاصم، للقاضي قاسم، ضمنها عدة مقاطيع منها:
لا تركنن لقاسم ... إذ ليس فيه فائدة
واعلم أخي فإنه ... قاس بميم زائدة
وما كنت أذكر ذلك لولا تبجح فيه في تاريخه، وإلا فإن مثل هذه الغيبة مما لا يتعلق به غرض شرعي لا ينقطع حكمه بموت من يغتاب بجرح الرواة لا يجوز إثباته في الكتب الباقية على توالي الأزمان، لكن كان ابن الحنبلي عفا الله عنه، قد التزم أن لا يذكر في تاريخه أحداً حتى يذكر له شيئاً يحط من مقامه، وبلغني عن بعض العلماء الأخيار أنه قال: ليت ابن الحنبلي لم يؤلف هذا التاريخ، فإنه أفصح عن تجرئته على الناس فيما الورع خلافه، ولولا هذا التاريخ لحسب الناس أنه من أهل الورع، والكف عن الخوض فيما لا يعنيه، ومن طالع هذا التاريخ من أوله إلى آخره، وجد فيه العجب قال ابن الحنبلي: كان صاحب الترجمة في سنة أربع وثلاثين وتسعمائة في الأحياء، ثم مات بعدها برودس مسوقاً إليها.
قاسم آشق قاسم
قاسم الحنفي أحد الموالي الرومية، والشهير بآشق قاسم كان من إزنيق، واشتغل في العلم، وخدم المولى عبد الكريم، ثم درس بالحجرية بمدينة أدرنة، وتقاعد بثلاثين عثمانياً، قال في الشقائق: كان ذكياً، مقبول الكلام، صاحب لطائف ونوادر، متجرداً عن الأهل والولد، كثير الفكرة، مشتغلاً بذكر الله تعالى، خاشعاً في صلاته بلغ قريباً من المئة، وتوفي في سنة خمس وأربعين وتسعمائة بأدرنة.
стр. 553
قصير البخاري
قصير مفتي بخارى الحنفي. دخل دمشق في أثناء جمادى الأولى سنة تسع - بتقديم التاء - وثلاثين وتسعمائة، ومعه جماعة، وزار بيت المقدس ثم عاد إلى دمشق، وحج منها، وكان عالماً بالعربية نزل بالشامية البرانية، وتردد إليه الشيخ أحمد الحنفي، د والشيخ تقي الدين القاري، وقرأ عليه الثاني في المصابيح. ذكرهه ابن طولون.
حرف الكاف من الطبقة الثانية
الكمال العجمي
الكمال العجمي التريزي، الشيخ العالم الصالح، العارف بالله تعالى. المحقق الصوفي نزيل دمشق. قال شيخ الإسلام والدي: ذاكرته في علوم عديدة وقد غلب عليه التصوف والتأله، وهو من المحبين، وقال الشيخ يونس والد شيخنا: كان له مرتب من الجوالي نحو عشرين عثمانياً في كل يوم، وكان يأكل الطيب، ويلبس الحسن، ولا يخالط الناس إلا من يخدمه حكي أنه كان إذا ضعف وهب ثيابه ودراهمه لأصحابه، وإذا شفي جدد غيرها، ولا يرجع في هبته، وكان ساكناً بمدرسة العزيزية شمالي الكلاسة وغربي الأشرفية وبها توفي في سادس عشر ربيع الآخر سنة سبع - بتقديم السين وخمسين وتسعمائة،، بباب الفراديس.
كريم خليفة الشيخ دمرداش
كريم، الشيخ الصالح العارف بالله تعالى خلفة الشيخ دمرداش بالقاهرة، جلس بعد شيخه لأخذ العهد على المريدين، وانتفع به خلائق لا يحصون من طلبة العلم وغيرهم، وكان مشتملاً على شأنه، حافظاً للسانه، عارفاً بزمانه المريدين على طريقة الخلوة والرياضة بالأسماء انتهت إليه الرئاسة في ذلك بمصر. مات ثامن عشر جمادى الأولى.
حرف اللام من الطبقة الثانية
لطفي باشا الوزير
لطفي باشا الوزير الأعظم، دخل إلى دمشق في ثالث شعبان سنة ثمان وأربعين وتسعمائة، ونزل بالمرجة خارج دمشق، وزار الصلحاء والأولياء، بدمشق الأحياء والأموات كالشيخ أرسلان، والشيخ محيي الدين بن العربي، وزار المقام
стр. 554
ببرزة، وزار من الأحياء الشيخ عمر العقيبي، والشيخ محمد بن قيصر، ثم توجه لمصر ليحج منها قيل وكان هو السبب في إبطال الأوقات، ومنعهم من تسخير خيل الناس، وإبطال العوارض عنهم في ذلك العصر.
حرف الميم من الطبقة الثانية
مبارك عبد الله الحبشي
مبارك عبد الله الحبشي، الدمشقي، ثم القابوني الشافعي، الشيخ الصالح المربي. ذكر ابن طولون في التمتع بالأقران أن ابن المبرد ذكره في رياضه فقال الشيخ مبارك: ظهر في سنة سبع وتسعين - بتقديم السين الأولى وتأخيرها في الثاني - وثمانمائة، وصار له مريدون، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر من إراقة الخمور وغيرها بعد ما أبطل ذلك، وقام على الأتراك، وقاموا عليه، وذكر ابن طولون في مفاكهة الإخوان أن الشيخ مبارك قرأ في غاية الإختصار على الشيخ شيخ الإسلام تقي الدين ابن قاضي عجلون، وبنى له زاوية بالقرب من القابون التحتاني، وأقام هو وجماعته بها يرصدون الطريق على نقلة الخمر، فيقطعون ظروفها ويريقونها، فبلغ الحكام ذلك، فقبض النائب على بعض جماعة الشيخ، وحبسهم في سجن باب البريد، فنزل الشيخ مبارك ليشفع فيهم، فأمر النائب بوضعه في الحبس معهم، فبلغ الخبر إلى الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، فأرسل وشفع فيه، فأطلق، ثم هجم بقية جماعة الشيخ مبارك على السجن، وكسروا بابه، وأخرجوا من فيه من رفاقهم، فبلغ النائب، فأرسل جماعة من مماليكه، فقتل منهم نحو سبعين نفساً عند باب البريد والعنبرانية، وقرب الجامع الأموي، ثم ترك الشيخ مبارك ذلك، ولازم حضور الزوايا كزاوية الشيخ أبي بكر بن داود بالسفح، ووقت سيدي سعد بن عبادة بالمنيحة، وحكي أن الشيخ مبارك كان شديد السواد، عظيم الخلقة، له همة علية، وشدة بأس، وقوة وكان له معرفة تامة بالنغمة، والصيد يسرح إلى الصيد هو وفقراؤه ومريدوه، ومعهم قسي البندق إلى جهة المرج، وكان يصطاد الحمام والأوز والكراكي وغير ذلك، وحكي أنه كان كسر مرة بندقة نصفين، واصطاد في كل نصف طائراً عظيماً، وكان عارفاً بالسباحة، وكان يغوص في تيار الماء، ثم يخرج منه وبين أصابعه يديه وأصابع رجليه السمك، وروي أنه حج ومعه جماعة من أصحابه، فلما دخل مكة فرغت نفقتهم فقال الشيخ لبعض أصحابه: خذ بيدي إلى السوق، واقبض ثمني، وأصرفه على بقية الجماعة، ففعل ذلك، واشتراه بعض تجار العجم، ثم أعتقه
стр. 555
قال ابن طولون، والشيخ مبارك: هو الذي أحدث اللهجة في الذكر قال: وحقيقتها أنهم يذكرون إلى أن يقتصروا من الجلالة على الهمزة والهاء لكنهم يبدلون الهاء حاء مهملة، فيقول: إح إح، وكانت وفاته يوم الخميس مستهل ربيع الأول سنة أربع وأربعين وتسعمائة، ودفن بتربة القابون التحتاني.
مجير الدين الرملي
مجير الدين الرملي، الشيخ الفاضل أحد العدول بدمشق، قال ابن طولون: كان صالحاً، وعنده فضيلة وبصره فيه تكسير، مات - رحمه الله تعالى - يوم الثلاثاء ثامن عشري ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وتسعمائة فجأة.
محب الدين التبريزي
محب الدين ويقال: محب الله التبريزي، الشافعي الصوفي المنلا، والمشهور نزيل دمشق. رحل من بلاده إلى بلاد الشام، وحج منها وجاور، ثم عاد إليها، ومكث بالتكية السليمية بسفح قاسيون لمزيد شغفه بالشيخ محيي الدين بن العربي، واعتقاده فيه، وكثرة تعلقه بكلامه، وحله وتشديده النكير على من ينكر عليه، وصار يقرأ عليه بها جماعة في التفسير وغيره، وكان يجمع إلى تفسير الآية تأويلها على طريقة القوم، ويورد على تأويلها ما يحضره من كلام المثنوي، وكانت وفاته بدمشق سنة ثمان وخمسين وتسعمائة رحمه الله تعالى واسعة.
محمد بن محمد بن فرفور
محمد بن محمد القاضي بدر الدين ابن قاضي القضاة بدر الدين بن الفرفور الحنفي الدمشقي سبط القاضي كمال الدين بن خطيب جامع الورد، كان قاضياً على بلاد الكرك الذي يقال أن سيدي نوحاً ﵇ مدفون به قال ابن طولون: قيل إنه كان كثير البلصة. توفي في أوائل سنة ست وثلاثين وتسعمائة، وهو راجع من الحج الشريف.
محمود بن محمد البصروي
محمود بن محمد بن علي القاضي نور الدين بن الخطيب العلامة علاء الدين البصروي الشافعي. كان لا بأس به، وكان يتردد إلى الناس توفي بغتة يوم الأحد تاسع عشري جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وتسعمائة، ودفن بتربة الحمرية خارج دمشق، وتألم والده لموته ﵀.
محمود بن محمد بن الرضي
محمود بن محمد بن عبد العزيز بن
стр. 556
محمد بن أحمد الأصيل محدث الدين أبو السعود بن الرضي، الحلبي، الشافعي الموقع والده بديوان الإنشاء في الدولة الجركسية. ولد بالقاهرة سنة اثنتين وتسعمائة، وحفظ كتباً، جود الخط بها، وعرض بها في سنة خمس عشرة مواضع من ألفية ابن مالك، والشاطبية، والمنهاج الفقهي على الشهاب الشبشيبي الحنبلي، والبرهان بن أبي شريف الشافعي، والشرفي محب الله سري المالكي، والبرهان الكركي، الحنفي وآخرين، وأجازوا له، ثم عرض منها، ومن جمع الجوامع لابن السكبي على القاضي زكريا الأنصاري سنة تسع عشرة، وأجاز له، وكان له شعر لا بأس به، وكان شهماً، حسن العمامة. توفي بحلب في ذي الحجة سنة ست وخمسين وتسعمائة.
محمود بن أحمد القرشي
محمود بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن حسن بن عبد الباقي، الشيخ الأصيل المعمر الجليل نور الدين القرشي، البكري، الحلبي، الشافعي خطيب المقام بقلعة حلب أخذ عنه الشيخ الحافظ أبي ذر بن الحافظ برهان الدين الحلبي، وأخذ عنه ابن الحنبلي، ووالده الحديث المسلسل بالأولية، واستجازاه، فأجاز لهما. توفي نهار الأحد حادي عشر ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وتسعمائة، ودفن بمقابر الصالحين بحلب.
محمود بن عثمان اللامعي
محمود بن عثمان بن علي النقاض، المشهور باللامعي أحد موالي الروم. كان جده من بروسا، ولما دخلها تيمورلنك أخذه معه وهو صغير إلى ما وراء النهر، وتعلم صنعة النقش، وهو أول من أحدث السورج المنقوشة في بلاد الروم، وابنه عثمان، كان سالكاً مسلك الأمراء، وصار حافظاً للدفتر السلطاني بالديوان العالي، وأما ولده اللامعي صاحب الترجمة، فقرأ العلم على جماعة منهم المولى أخوين، والمولى محمد بن الحاج حسن، ثم تصوف وخدم السيد أحمد البخاري، ونال عنده المعارف والأحوال، ثم تقاعد بخمسة وثلاثين عثمانياً، وسكن بروسا، واشتغل بالعبادة والعلم، ونظم بالتركية أشياء كثيرة مشهورة مقبولة، فتوفي في سنة ثمان أو تسع وثلاثين وتسعمائة ببروسا.
محمود بن عبيد الله أحد موالي الروم
محمود بن عبيد الله المولى بدر الدين أحد موالي الروم، كان من عتقاء الوزير علي باشا، وقرأ على جماعة منهم ابن المؤيد، ثم درس في مدرسة جنديكن ببروسا، ثم بمدرسة السلطان بايزيد بها، ثم بمدرسة أستاذه علي
стр. 557
باشا بالقسطنطينية، ثم بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنة، ثم بإحدى الثماني، ثم صار قاضياً بأدرنة، ومات وهو قاضيها سنة سبع - بتقديم السين - وثلاثين وتسعمائة.
محمود الرومي
محمود المولى بدر الدين ابن الشيخ جلال الدين الرومي أحد الموالي الرومية. قرأ وحصل ودرس وترقى في التدريس حتى درس بإحدى الثماني، ومات مدرساً بها قال في الشقائق: كان عالماً فاضلاً، ذا كرم، ومروءة. اختلت عيناه في آخر عمره، ولم يؤرخه لكن ذكره في دولة السلطان سليمان، والظاهر أنه من هذه الطبقة.
محمود بن مصطفى بن طليان
محمود بن مصطفى بن موسى بن طليان القصيري الأصل، الحلبي المولد الحنفي، المشهور بابن طليان. ولي خطابة الجامع الكبير بحلب في أوائل الدولة العثمانية، وكان فقيهاً جيداً، وكان يصدع بالحق، ولا يخاف في الله لومة لائم لكن عنده حدة، وحج في آخر عمره، ثم توفي في رمضان سنة خمس وثلاثين وتسعمائة.
محمود بدر الدين الأصغر
محمود المولى بدر الدين أحد الموالي الرومية، الشهير ببدر الدين الأصغر. قرأ على المولى الفناري، والمولى لطفي، ثم وصل إلى خدمة المولى خسرو زاده، ثم درس بمدرسة بالي كبرى، وترقى في المدارس إلى إحدى الثماني، ثم درس بأيا صوفيا، ثم تقاعد بمئة عثماني، ومات على ذلك الغالب عليه العلوم العقلية، وله مشاركة في سائر العلوم، وله تعليقات لم يدونها، وكان يحب الصوفية. مات في سنة ست وأربعين وتسعمائة.
محمود التميمي
محمود القاضي بدر الدين ابن قاضي الخليل التميمي، الشافعي كان مدرساً بدار الحديث الأشرفية بدمشق، وكان موجوداً في سنة ست وأربعين وتسعمائة.
محمود العجمي
محمود العجمي، الشافعي السيد الشريف العلامة مدرس الأتابكية بصالحية دمشق كان مقيماً بالبادرائية داخل دمشق، وكان مقصداً للطلبة ينتفعون به، وكان له يد طولى في المعقولات. توفي يوم السبت ثالث عشر ربيع الآخر سنة
стр. 558
خمسين وتسعمائة، وصلي عليه بالأموي، ودفن بباب الصغير، وكانت جنازته حافلة.
محمود الشيرازي
محمود المنلا الشيرازي نزيل السليمية بصالحية دمشق حج في سنة أربعين وتسعمائة، وكان عنده فضيلة تامة، وفهم جيد، وكان عنده نسخة المصابيح بخطه نقل في هامشها من اثني عشر مصنفاً عليه، وهي المظهر، والمفاتيح، والبيضاوي، والخلخالي، والهروي، وزين العرب، والسلمي، الطيبي، والينابيع، والزعفراني، والتوربشتي، والأزهار وهذه المؤلفات كلها كانت حينئذ موجودة ببلاد الأكراد، ولم يوجد منها في بلاد العرب إلا القليل ذكره ابن طولون، ولم يؤرخ وفاته.
محيسن البرلسي
محيسن البرلسي، الشيخ الصالح المجذوب بمصر، كان من أرباب الكشف أقام أولاً بسلاف، ثم انتقل إلى الرميلة، وكان يوقد النار عنده كثيراً ليعرف أصحاب الجذب من الأولياء أنه لا بد من وقوع فتنة وكان إذ صب ماء عليها انقطعت الفتنة، وكتب الشيخ عبد الوهاب الشعراوي مكتوباً يتشفع به إلى أولياء الروم، والسلطان سليمان في جانم الحمزاوي، ودفعه إلى الأمير جانم، فبعد نحو خمس درج أرسل الشيخ محيسن إلى الشيخ عبد الوهاب يقول له: يا عبد الوهاب أنت الذي صرت ترى الناس في عينك كالتراب تكاتب أولياء الروم من غير مشورة أصحاب النوبة بمصر مات - رحمه الله تعالى - في سنة تسع وأربعين وتسعمائة، ودفن في تربة الأمير جانم المجاورة لقبة الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه.
مخلص العابد
مخلص الشيخ الصالح العبد محيي السنة في بلاد الغربية من بلاد مصر بعد موت شيخه الشيخ أبي الخير بن نصر بمحلة منوف. كان مقيماً بأبشية الملق، كان سيدي الشيخ محمد الشناوي يكرمه ويجله قال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: صحبته نحو ثلاث سنين بعد موت شيخي الشيخ محمد الشناوي قال: وحصل لي منه دعوات صالحة، وجدت بركتها، وأوصاني بإيثار الخمول على الظهور، وبعدم التعرف بأركان الدولة إلا أن يعرفوك من غير تعرف منك. قال: ولم يزل على المجاهدة والتقشف على طريقة الفقراء الأول إلى أن توفي سنة أربعين وتسعمائة، ودفن بأبشية الملق، وقبره بها يزار.
مدلج بن ظاهر الحياري
مدلج بن ظاهر بن عساف بن عجلة بن نعير بن قرموش الحياري، البدوي، أمير عرب الشام من بني حيار الذين يقال: إنهم من ذرية جعفر
стр. 559
البرمكي. كان ذا قوة وبطش بحيث يمسك الدرهم من الفضة بإصبعه، ويفركه فيذهب نقشه، ويفت الحنطة بين إصبعيه، ويضرب بأصابعه ... فيأخذ منها قطعة ... دخل عليه ولده قرموش وهو منه من ... دومة في حدوه.. وشرب شخص لبناً حليباً، وكان هذا إلى إمراة، فاشتكت إليه عليه، فاستخبره فأنكر وحلف بحياته أنه لم يشربه، فطعنه برمح كان بيده فإذا اللبن خارج من جوفه، فأمر المرأة بأخذ بعير من بعرانه عوض لبنها، وعجز عنه أمراء دمشق لتمنعه، ومات على فراشه سنة خمس وأربعين وتسعمائة بقرية أساور تابع حماة، وجعل عليه صندوق مزار بحيث يزار، ولم يكن من أهل ذاك.
مروان المجذوب
مروان المجذوب بمصر كان في أول أمره قاطع طريق ببلاد الشرقية، وكان مشهوراً بالفروسية، ثم لما جذب كان يدور في أسواق دمشق، ويظهر عليه للناس كرامات وخوارق، وكان إذا خطر لأحد ممن يصادفه معصية أو عمل معصية جعل مروان يصكه حتى يدعه من خاطره، ولا يتجرأ أحد على منعه منه، وربما منعه بعضهم فشلت يده، وكان الشيخ علي الحريص يقول: إن الشيخ مروان لا تفوته غزوة في الكفار، ولا يوما واحداً، وتلك الجروح التي كانت به إنما كانت من ذلك وحضر فتح رودس، وكان له صيت بين فقراء مصر فيما فعل في الغزو في أيام السلطان سليمان بن عثمان. توفي في سنة خمس وخمسين وتسعمائة، ودفن في جامع النبهاوي خارج باب الفتوح، وقبره ظاهر يزار.
مرعي الحيري
مرعي، الشيخ الصالح الورع في مأكله، وملبسه، ومنطقة الحيري المصري. أخذ الطريق عن سيدي محمد بن عنان، وخدمه خدمة طويلة، ولما مات توجه إلى دمشق، وأخذ الطريق عن سيدي محمد بن عراق، وانتفع به، وكان يتظاهر بمحبة الدنيا طلباً للستر، فيسأل الناس، ويجمع منهم، ثم يفرقه على الفقراء والمساكين، ويطوي الأيام والليالي، ويؤثر بغدائه وعشائه الفقراء، وكان له اعتقاد تام في الفقراء. رب جماعة من المريدين، وانتفعوا به، ومات في سابع عشر صفر الخير سنة إحدى وستين وتسعمائة.
مسعود الشيرازي
مسعود بن عبد الله المنلا العجمي الشيرازي، الواعظ نزيل حلب. كان له مطالعات في التفسير والحديث، وكان يتكلم فيها باللسان العربي لكن انتقد عليه ابن الحنبلي أنه كان يلحن فيه، ووعظ بجامع حلب الكبير، فنال من الناس قبولاً،
стр. 560
وصارت له فيه يوم الجمعة المجالس الحافلة، توفي مطعوناً سنة تسع - بتقديم التاء - وثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
مصطفى بن خليل الرومي
مصطفى بن خليل، المولى مصلح الدين أحد موالي الروم والد صاحب الشقائق النعمانية. ولد ببلدة طاش كبري سنة فتح قسطنطينية، وهي سنة سبع وخمسين وثمانمائة، وقرأ على والده، ثم على خاله المولى التكشاوي، ثم على المولى درويش بن المولى خضر شاه المدرس بسلطانية بروسا، ثم على المولى بهاء الدين المدرس بإحدى الثماني، ثم على المولى ابن مغنيسا، ثم على المولى علاء الدين العربي، ثم على المولى خوجه زاده، ثم درس بالأسدية ببروسا، ثم بالمدرسة البيضاء بأنقره، ثم بالسيفية بها، ثم بإسحاقية أسكوب، ثم بحلبية أدرنة، ثم صار معلماً للسلطان سليم خان ابن بايزيد، ثم أعطي تدريس السلطانية ببروسا، ثم إحدى الثماني، ثم صار قاضياً بحلب، ثم استعفى من القضاء، وعرض وصية والده له في ذلك على السلطان، وكان زاهداً، عابداً، متأدباً، مشتغلاً بنفسه، معرضاً عن الدنيا، وله رسائل وحواش على نبذ من شرح المفتاح، ورسالة في الفرائض وغير ذلك. وتوفي في سنة خمس وثلاثين وتسعمائة.
مصطفى الحائك
مصطفى المولى، المشهور بحائك مصلح الدين أحد موالي الروم كان - رحمه الله تعالى - حائكاً، ولما بلغ سن الأربعين رغب في العلم، وبرع فيه، وصار مدرساً ببلدة تبرة، وصحبه العارف بالله تعالى محمد الجمال، والعارف بالله تعالى أمير البخاري، ثم انقطع عن الدريس، وتقاعد بثلاثين عثمانياً، وكان يكتب الفتوى، ويأخذ عليها أجرة، وكان يحيي كثر الليل، وربما غلب عليه الحال في الصلاة. توفي سنة أربع وثلاثين وتسعمائة.
مصطفى الرومي
مصطفى الرومي، الحنفي، الملقب مصلح الدين كاتب التكية السليمية بسفح جبل قاسيون. كان فاضلاً، ديناً، وكان يكتب الخط المنسوب، وينظم الشعر بالعربية والفارسية، وتزوج بنتاً من بيت زريق من أهل الصالحية، فبقيت عنده ثماني سنوات، ومات عنها وهي بكر، وكان أهلها يسيئون إليه، وهو يغفلهم وتوفي يوم السبت رابع ربيع الثاني سنة سبع - بتقديم السين - وتسعمائة، ودفن بالروضة في سفح قاسيون، وخلف كتباً عدتها سبعون مجلداً، وفيها من علم الصنعة عدة مجلدات ذكره ابن طولون.
стр. 561
مصطفى مصلح الدين
مصطفى الشيخ الصالح مصلاح الدين أحد خلفاء السيد أحمد البخاري. كان مستوطناً بالقسطنطينية في زاويته. المسماة بدار الأحجار، وكان نيراً عابداً، زاهداً، منقطعاً إلى الله تعالى، مشتغلاً بإصلاح أصحابه، توفي قريباً من ست وتسعمائة.
منلا زاده الرومي
منلا زاده، المولى صالح الرومي، الحنفي، ورد دمشق سنة ست وأربعين وتسعمائة، وصلى بجامعها صلاة عيد الفطر، وخطب بعدها خطبة العيد.
مهيا المصري
مهيا بن محمد المصري، ثم الرومي. قال شيخ الإسلام والدي: اجتمع بي في الروم، وأخذ عني - يعني في سنة سبع وثلاثين وتسعمائة - قال: بلغني أنه مشتغل بتأليف. قلت: والظاهر أن مهيا لم يكن بذلك لأني قرأت بخط الوالد في ديوانه أنه قال فيه:
طلبت من القضاة فتىً سفيهاً ... يناضل دوننا قوماً بذيا
فقالوا لي: انظروا رجلاً دنيا ... خسيس الأصل قلت لهم: مهيا
موسى بن محمد العلماوي
موسى بن محمد بن إسماعيل، الشيخ شرف الدين العلماوي، الشافعي الخطيب بجامع الحاجب بسوق صاروجا خارج دمشق، وكان أحد، الشهود القدماء بها، وتوفي بغتة يوم الاثنين ثامن عشر جمادى الآخرة سنة أربعين وتسعمائة عن ولدين كان أحدهما. وأكبرهما، وهو الشيخ عبد الباسط رئيس المؤذنين بجامع دمشق وأحد وعاظه ﵀.
موسى بن الحسين عوض
موسى بن الحسين، الملقب بعوض بن مسافر الحسين بن محمود الكردي اللاني طائفة، السر مسوي ناحية وقرية، الشافعي نزيل حلب، أخذ العلم عن جماعة منهم المنلا محمد المعروف ببرقلعي، وعمرت في زمانه مدرسة بالعمادية، فجعل مدرسها، ثم تركها وأقبل على التصوف، فرحل إلى حماة، وأخذ عن سيدي علوان مع الإنتفاع بغيره، ثم قدم حلب لمداواة مرض عرض له، ونزل بالمدرسة الشرفية، فقرأ عليه غير واحد قال ابن الحنبلي وكنت ممن فاز بالقراءة عليه ثم ذهب إلى حماه
стр. 562
فلما توفي الشيخ علوان. عاد إلى حلب واستقر في مشيخه الزينبية، وأخذ يربي فيها المريدين، ويتكلم فيها على الخواطر مع طيب الكلام، وإطعام الطعام، وإكرام الواردين إليه من الخواص والعوام، وحسن الصمت، ولين الكلمة، وفصاحة العبارة والتكلم في التفسير، والحديث، وكلام الصوفية. توفي مطعوناً في سنة تسع - بتقديم التاء - وثلاثين وتسعمائة، وصلى عليه ابن بلال في مشهد عظيم، ودفن في مقابر الصالحين بوصية منه رحمه الله تعالى.
موسى الأدهمي التبريزي
موسى الأدهمي التبريزي نزيل حلب، كان شيخاً معمراً منوراً، وكان من مريدي الحاج علي التبريزي الأدهمي، ثم قطن بحلب بزاوية الأدهمية شرقي السفاحية، ولم يزل يعبد الله تعالى فيها حتى توفي سنة أربعين وتسعمائة. قال ابن الحنبلي: ولم تر عيني مثل شيبته ونورانيته.
موسى البيت لبدي الصالحي الحنبلي
موسى، الشيخ شرف الدين البيت لبدي الصالحي، الحنبلي. مؤدب الأطفال بالشاذبكية بمحلة القنوات خارج دمشق. قال ابن طولون: كان يسمع معنا على الشيخ أبي الفتح المزي، والمحدث جمال الدين بن المبرد، ولبس خرقة التصوف من شيخنا أبي عراقية، وقرأ على محنة الإمام أحمد جمع ابن الجوزي، وأشياء آخر. توفي يوم الجمعة سلخ ربيع الثاني سنة ست وأربعين وتسعمائة.
موسى الكردي العريان
موسى الكردي، ثم الحلبي العريان، المجذوب.
كان عارياً من الثياب صيفاً وشتاء، وكان يسمن إذا نزل الشتاء، ويهزل إذا كان الصيف، وكان ينام في الأسواق عند مواقد الطباخين، ولا يبالي بحر النار، وكان يأخذ قوته من أرباب البضائع، فلا يعارضونه، ويتبركون به، وكان الشيخ أحمد بن عبدو يعتقده، قال ابن الحنبلي: وحكي لي عنه أنه لما قدم البرهان العمادي من رودس إلى حلب. وصل لباب النيرب قى حماه فلما توفي الشيخ علوان. عاد إلى حلب واستقر في مشيخه الزينبية، وأخذ يربي فيها المريدين، ويتكلم فيها على الخواطر مع طيب الكلام، وإطعام الطعام، وإكرام الواردين إليه من الخواص والعوام، وحسن الصمت، ولين الكلمة، وفصاحة العبارة والتكلم في التفسير، والحديث، وكلام الصوفية. توفي مطعوناً في سنة تسع - بتقديم التاء - وثلاثين وتسعمائة، وصلى عليه ابن بلال في مشهد عظيم، ودفن في مقابر الصالحين بوصية منه رحمه الله تعالى.
موسى الأدهمي التبريزي
موسى الأدهمي التبريزي نزيل حلب، كان شيخاً معمراً منوراً، وكان من مريدي الحاج علي التبريزي الأدهمي، ثم قطن بحلب بزاوية الأدهمية شرقي السفاحية، ولم يزل يعبد الله تعالى فيها حتى توفي سنة أربعين وتسعمائة. قال ابن الحنبلي: ولم تر عيني مثل شيبته ونورانيته.
موسى البيت لبدي الصالحي الحنبلي
موسى، الشيخ شرف الدين البيت لبدي الصالحي، الحنبلي. مؤدب الأطفال بالشاذبكية بمحلة القنوات خارج دمشق. قال ابن طولون: كان يسمع معنا على الشيخ أبي الفتح المزي، والمحدث جمال الدين بن المبرد، ولبس خرقة التصوف من شيخنا أبي عراقية، وقرأ على محنة الإمام أحمد جمع ابن الجوزي، وأشياء آخر. توفي يوم الجمعة سلخ ربيع الثاني سنة ست وأربعين وتسعمائة.
موسى الكردي العريان
موسى الكردي، ثم الحلبي العريان، المجذوب.
كان عارياً من الثياب صيفاً وشتاء، وكان يسمن إذا نزل الشتاء، ويهزل إذا كان الصيف، وكان ينام في الأسواق عند مواقد الطباخين، ولا يبالي بحر النار، وكان يأخذ قوته من أرباب البضائع، فلا يعارضونه، ويتبركون به، وكان الشيخ أحمد بن عبدو يعتقده، قال ابن الحنبلي: وحكي لي عنه أنه لما قدم البرهان العمادي من رودس إلى حلب. وصل لباب النيرب قبل أن يفتح وأنا معه، ولأني كنت توجهت للقائه، وصحبته إلى حلب، فإذا الشيخ موسى يحث على فتح الباب، ويقول وهو مردود الباب: إن العمادي، وابن عبدو قد وصلوا من غير أن يسمع صوت أحد منهم، توفي سنة ثلاث وستين وتسعمائة، وكان معمراً، ودفن خارج باب النيرب بحلب.
حرف النون من الطبقة الثانية
ناصر الدمشقي
ناصر الأمير المولى ناصر الدين بن قنفار، الدمشقي،
стр. 563
الصالحي قال ابن طولون: أفادني عن بعض الصلحاء من أهل مصر أن من قرأ بعد العطاس فاتحة الكتاب، ثم قوله تعالى: " قال من يحيى العظام وهي رميم " الآية، ومر بلسانه على أسنانه جميعها، فإنه يأمن من الآفات ولا يصيبه منها سوء. توفي بحماة يوم السبت حادي عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
ناصر الدين النحاس
ناصر الدين النحاس، العبد صالح المصري. كان صانعاً عند الشيخ أبي النجا النحاس يأكل من عمل يده، ومهما فضل عن نفقته تصدق به، فسافر الشيخ أبو النجا إلى الروم في طلب الجوالي، فجهزه الشيخ ناصر الدين إلى أن مات، وكان يتملث، وحج مرة على التجريد من غير مال، ولا زاد، ولا قبول شيء من أحد، فطوى من مصر إلى مكة. قال الشعراوي: وأخبرني الشيخ ناصر الدين بيوم مات أخي أفضل الدين ببدر، وقال: مات أفضل الدين اليوم ببدر، ودفناه، فجاءت كتب الحاج بذلك كما قال قال: ووقع لنا معه عدة كرامات تركنا ذكرها لكونه كان يكره الشهرة. مات سنة خمس وأربعين وتسعمائة، ودفن عند سيدي علي الخواص خارج باب الفتوح رحمه الله تعالى.
نصر الله الخلخالي
نصر الله بن محمد العجمي، الخلخالي، الشافعي، الشيخ العالم ابن الفقيه. درس بالعصرونية بحلب، وكان ذكياً، فاضلاً، صالحاً، متواضعاً، ساكناً، ملازماً على الصلوات في الجماعة، حسن العبارة باللسان العربي. توفي مطعوناً سنة اثنتين وستين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
نعمة الصلتي
نعمة الصلتي، الشيخ الصالح. توفي بالصلت سنة ست وأربعين وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة رابع عشر ربيع الآخر من السنة المذكورة. قال ابن طولون: وكثر الثناء عليه.
نور الدين بن عين الملك
نور الدين بن عين الملك، الشيخ الصالح، الصالحي كان محباً لطلبة العلم، ملازماً لعمل الوقت بزاوية جده عين الملك بسفح قاسيون. توفي يوم الجمعة سادس شعبان سنة أربعين وتسعمائة.
стр. 564
حرف الهاء من الطبقة الثانية
هاشم السروجي
هاشم بن محمد، السيد هاشم بن السيد ناصر الدين السروجي الحسيني رئيس الأطباء بالمارستان النوري بحلب. كان حسن العلاج، كثير الملاطفة للعليل، سهل الانقياد. توفي سنة أربع وستين وتسعمائة.
هاشم المنلا العجمي
هاشم المنلا العجمي. قدم دمشق من مصر متوجهاً إلى الروم في سنة أربع وأربعين وتسعمائة، ونزل بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر بالسفح، وكان علامة في المعقول المعمى.
هداية الله التبريزي
هداية الله بن نار علي التبريزي الأصل، القسطنطيني الحنفي أحد موالي الروم. كان فصيحاً مقتدراً على التعبير بالعربية، يغلب عليه علم الكلام، ويميل إلى اقتناء الكتب النفيسة، وكان له معرفة بالأصلين والفقه، ومشاركة في غيرهما من العلوم. قرأ على المولى بير أحمد جلبي، والمولى محيي الدين الفناري، والمولى بن كمال باشا، والمولى طاش كبري. والد صاحب الشقائق وغيرهم، ثم صار مدرساً بمدرسة السلطان بايزيد، ثم بمدرسة بروسا، ثم بمدرسة مناستر بالمدينة المذكورة، ثم بإحدى المدرستين المتلاصقتين بأدرنة، ثم بإحدى الثماني، ثم صار قاضياً بمكة، وقدم حلب ودمشق ذاهباً إليها سنة ست وأربعين وتسعمائة. قال ابن الحنبلي: وقد أطلعني من نفائس كتبه على كتاب دمية القصر وأعارني إياه، وقد كان قرير العين به، كثير اللهجة بمدحه. قال: فأنشدته في مدحه من نظمي:
بان لي أن دمية القصر ... كنز تبر القريض والنثر
أو عروس تجملت بحلي ... وهي تزري بطلعة البدر
ألبست من حلى البلاغة ما ... قد غلا فضله على الدر
كم أديب بشعره نطقت ... هو في الشعر أوفر السعر
стр. 565
ذات بث لمدحه ولما ... شذ من نتائج الفكر
إن ترد أن تكون خاطبها ... أولها أنت غالي المهر
واخلع التاج والشعار إذا ... رمت منها محاسن الثغر
ثم إن صاحب الترجمة رحل من مكة إلى مصر، وترك القضاء لمرض ألم بعينيه، وأخذ في علاجه بمصر، ولم يبرأ منه، وبقي إلى أن مات سنة ثمان أو تسع وأربعين وتسعمائة.
حرف الواو من الطبقة الثانية
ولي بن محمد القسطنطيني
ولي بن محمد، الفاضل العلامة ولي جلبي بن محمد جلبي القسطنطيني. قال شيخ الإسلام الوالد: لقيني بأزنكية يعني في رحلته إلى الروم، سمع مني جانباً من تفسير البيضاوي مع حل معناه له، وأفادته إياه، وقرأ علي في كتاب حديث يقال: إنه مختصر المصابيع لرجل رومي، وسمع شيئاً من شعري وأجزته.
ولي بن الحسين الشرواني
ولي بن الحسين، السيد الشريف، الحسني، العجمي الشرواني، الشافعي، المعروف بوالده. حج من بلاده، وعاد فدخل دمشق وحلب في طريقه في سنة تسع - بتقديم التاء - وعشرين وتسعمائة، وقرأ بحلب صحيح البخاري على برهان العمادي تماماً، وقرأ عليه بها جماعة منهم ابن الحنبلي: قال: قرأت عليه في متن الجغميني في الهيئة، وانتفعت به وهو أول اشتغالي في هذا الفن، ثم رحل إلى بلاده، وحدث بها واشتهر بالمحدث، وكان يعرف البيان والكلام في المطول، وحاشية التجريد على صدر شروان مولانا شمس الدين البراذعي، وتوفي ببلاده في سنة خمس أو ست وخمسين تسعمائة رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
حرف الياء المثناة تحت من الطبقة الثانية
يحيى بن محمد بن مزلق
يحيى بن محمد، القاضي شرف الدين ابن
следующие страницы →