Полный текст (769 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
أنت تفتي بمقتضى الظن ... لك لا تاتسي
شربها بالقياس والاجماع ... مستحل مباح
فهي تنفي ... الأشباع ... والكرب والرياح
وتنيل الحواس والأسماع ... طرباً وارتياح
فأدرها على ذوي الفن ... سخنة الملمس
قل لمن شربها له مله ... أن يروم الصواب
فاجتل كأسها على اسم الله ... وأتل أم الكتاب
ثم صل على رسول الله ... واحتسبها تثاب
ثم صفق إن شئت أو غن ... وافت أو درس
وقد عارض الشيخ أبو الفتح المالكي المغربي، هذا بموشح على وزنه، وقافيته وقال شيخ الإسلام الوالد: أخبرني الزيني عبد اللطيف بن أبي كثير عن بعض من ينسب لحمق أنه أرسل يراجعه في مسألة مع صبي مهمل حساً ومعنى، فشرع يقرر له المسألة ويريه الروضة وغيرها، ثم أرسل إليه مع الصبي المذكور، ورقة صورة ما فيها.
مولاي هذا الذي يراه ... وشكله الجامد المبرد
تلميذك الخبيث أضحى ... ينبيك عن ذوقه المبدد
في لحظة نال منه فضلا ... صيره في العلوم مفرد
فحقق الفقه والمعاني ... والنحو والصرف جود
بالأمس أرسلته إليه ... فخاله في الظلام أمرد
فسله عما قد صار منه ... ينبيك لكن ذاك يجحد
ثم كتب تحتها سجعاً مضمونه التلميح لأمر ما، فكتب إليه من رأس القلم:
العفو مولاي منك أولى ... والعفو خير والستر أجود
وليس قول الذي ذكرتم ... يقبل فيما إليه أسند
وليس نصغي إليه حتى ... يقول في خصمه سيجحد
فشكله ذو الجمود أضحى ... أسلم من ريبة وأبعد
فإنه بارد ولكن ... قد يوجد الريق منه أبرد
وإن يكن قد أصاب منه ... رشفاً به قلبه تبرد
فوازع العين مانع من ... تحقيق ما عنده تردد
стр. 492
قلت ما بين كلاميهما كما بين مقاميهما، فإن تحسين الظن بالمسلمين أولى من إساءة الظن بهم خصوصاً في مثل ذلك، سافر صاحب الترجمة مع الحاج هو والشيخ أبو الفتح المالكي إلى مكة في شوال سنة إحدى وأربعين وتسعمائة وتوفي في حدود الخمسين وتسعمائة.
عبد اللطيف الخراساني
عبد اللطيف بن عبد المؤمن بن أبي الحسن، الشيخ العارف بالله الخراساني الجامي، الأحمدي، الهمداني الطريقة. خرج من بلاده يريد الحج في جم غفير من مريديه، فدخل القسطنطينية في دولة السلطان سليمان، فكرم مثواه هو وأركان دولته قيل: واجتمع به السلطان سليمان، وتلقن منه الذكر، ثم دخل حلب في رمضان سنة أربع وخمسين وتسعمائة، ونزل بالتكية الخسروية، وقرأ بها الأوراد الفتحية على وجه خشعت له القلوب، وذرفت له العيون، وهرع إليه جميع أهل حلب حتى أميرها ودفتر دارها، وصار يتكلم في الطريق ويورد أخبار الصوفية قال ابن الحنبلي: وسألته عن وجه وقوله في نسبة الإحمدي، فقال: هي نسبة إلى جدي مير أحمد أحد شيوخ جام في وقته قال: ونسبي متصل بجرير بن عبد الله البجلي. قال: واستخبرته عن شيخه في الطريق. فقال: إنه حاجي محمد الخبوشاتي، وذكر أنه تلقن الذكر منه، وهو تلقنه من شيخ شاه الإسفرائيني البيدوراني، وهو تلقنه من الشيخ رشيد الدين الإسفرائيني، وهو تلقنه من عبد الله البردشابادي، وهو تلقنه من الشيخ إسحاق الختلاني - بفتح المعجمة وسكون المثناة فوق - وهو تلقنه من السيد علي الهمداني، ونقل ابن الحنبلي عنه فائدة نقلها عن الشيخ رشيد الدين الإسفرائيني أنه كان يقول: إنه ﷺ يحضر روحه عند قول القائل في الأوراد الفتحية: الصلاة والسلام عليك يا من عظمه الله. وأنه لا يخلو من حضوره بالروح. قال صاحب الترجمة بعد فعل ذلك: ولذلك ترى العادة أن ترفع الأيدي عند قولك: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله إلى قولك: الصلاة والسلام عليك يا من عظمه الله. قال ابن الحنبلي: وقد سألته عن تلقيني الذكر، فلقنني إياه بالتكية الخسروية، وصافحني وأجازني أن ألقن وأصافح، وكتب لي دستور العمل، ولكن بالفارسية لاشتغاله عن التعريب بأهبة السفر، فاستأذنته في تعريبه نظماً ونثراً بحسب ما فيه من منظوم ومنثور له ولغيره، ولو باستعانة بالغير في معرفة معانيه الإفرادية، دون تبديل معانية التركيبية، قال: فأذن
стр. 493
فعربته، وعرضت التعريب عليه، فاستملحه، وصار الناس يكتبون منه نسخاً، ثم كان سفره إلى بيت الله الحرام، فحج وعاد سنة خمس وخمسين، وتكلم في حلب أياماً في الإرشاد، وأخذ العهد على جماعة، ولقنهم الذكر بها، ثم توجه إلى بلاده من طريق القسطنطينية، فصادف المرحوم السلطان سليمان بقونية، وهو متوجه إلى فتح تبريز، فرأى أن يصبحه معه، فصحبه وصاحبه في أثناء الطريق، ورفعت الوحشة بينهما، وعين له من يخدمه من جملة خدمه حتى دخل معه إلى حلب، ثم فارقه منها، وتوجه إلى بلاده، فتوفي ببخاري.
ومن كراماته ما حكاه ابن الحنبلي أنه ذهب إليه مرة، وفي رفقته بعض الطلبة، فجرى منه في الطريق أن قال لهم: لو تركتم فن المنطق، وشرعتم فيما هو أولى. قال: فما جلسنا بين يديه إلا وأخذ يحكي لمنلا إسماعيل بن منلا عصام البخاري قائلاً: إن والدك كان يقول: قد بلغت ثلاثاً وتسعين سنة، ولم أمسك كتاباً في علم حتى في المنطق إلا وأنا على وضوء، ثم التفت إلى رفقتي وأمرهم أن لا يكثروا منه، وأن يضموا إليه علماً شرعياً. قال ابن الحنبلي: وكان محدثاً مفسراً، مستحضر الأخبار، معدوداً من أرباب الأحوال بل كان يقول: لم يزل في بيتناً من له حال، وكانت وفاته في سنة ثلاث وستين وتسعمائة ببخارى.
عبد اللطيف الخراساني
عبد اللطيف المنلا الخراساني الحنفي، دخل دمشق في أوائل جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وتسعمائة حاجاً، فنزل بالصالحية، وكان رجلاً عالماً خصوصاً في التفسير عاملاً قال ابن طولون: وأفاد أن للسيد الشريف حواشي على المختصر في علم المعاني والبيان لم تعرف واحدة منها في ديارنا. وقال: إن مؤلفه الشيخ سعد الدين التفتازاني الشافعي كان سئل عند موته، فضل السيد الشريف الجرجاني الحنفي في ترك التحشية عليه، فلم يلتفت إلى سؤاله قال: وأما حاشيته على المطول فمشهورة عندنا.
عبد اللطيف أحد موالي الروم
عبد اللطيف المولى الفاضل، أحد موالي الروم، اشتغل بالعلم حتى وصل إلى خدمة المولى مصلح الدين البارحصاري، وترقى حتى صار مدرساً بإحدى المدارس الثماني، ثم بمدرسة أبي يزيد خان بأدرنة، ثم صار قاضياً بها، ثم ترك القضاء وعين له كل يوم ثمانون درهماً، وكان عالماً عاملاً عابداً زاهداً صالحاً تقياً نقياً
стр. 494
مقبلاً على المطالعة والأوراد والأذكار، ملازماً للمساجد في الصلوات الخمس، معتكفاً في أكثر أوقاته مجاب الدعوة صحيح العقيدة، لا يذكر أحداً إلا بخير، وكان كثر اهتمامه بالآخرة، ولم يكن له هم في أمر الدنيا، توفي سنة تسع أو ثمان وثلاثين وتسعمائة.
عبد المؤمن المالكي
عبد المؤمن المالكي، أحد أصحاب سيدي علي بن ميمون المغربي نزيل مدينة بروسا، والقاطن بها اشتغل بالوعظ والتذكير، واختلف الناس فيه وشهد بعض العلماء بصحة طريقته، وحسن سيرته....
عبد المطلب بن مرتضي
عبد المطلب بن مرتضي، كان والده من بلاد العجم وكان شريفاً صحيح النسب، كاتباً مجيداً كتب مصاحف كثيرة، رغب السلاطين فيها لحسن خطها، وصار نقيب الأشراف ببلاد الروم، وولده صاحب الترجمة حينئذ في سن الشباب، وقد رغب في التحصيل، وكان يكتب الخط الحسن، وصار له معرفة بالأنساب بالفارسية والعربية، ونظم بالتركية والفارسية، ثم رغب في التصوف، وصحب الشيخ ابن الوفاء، ثم صحب بعد وفاته الشيخ يحيى الطوزلوي، ودخل عنده الخلوة، وزوجه بنته وأجاز له بالإرشاد لكنه رغب في العزلة، وعدم الاختلاط، وكان له ذوق ولطائف في الصحبة، مات رحمه الله تعالى في سنة خمس وخمسين وتسعمائة قلت: وعندي في تسميته عبد المطلب نظر لأن المطلب ليس من أسماء الله تعالى، ولا يجوز التعبد لغيره، وإنما هي تسمية قديمة في الجاهلية، أشهر من سمي بها عبد المطلب جد رسول الله ﷺ .
وعبد الملك بن القصاب
عبد الملك بن عبد الرحمن بن رمضان بن حسن الحلبي، الشافعي الشهير بابن القصاب. قال ابن الحنبلي: تفقه على والده، وجلس بعده لشكاية الخواطر على حسب حاله، وحدث على كرسي جامع دمرداش، وتوفي في سنة خمس وستين وتسعمائة.
عبد النافع بن عراق
عبد النافع بن محمد بن علي بن عبد الرحمن بن
стр. 495
عراق الشيخ الفاضل القاضي سري الدين بن حمزة الدمشقي الأصل الحجازي، الحنبلي، الحنفي، أحد أولاد القطب الكبير سيدي محمد بن عراق. مولده بمجدل مغوش في سنة عشرين وتسعمائة، وكان فاضلاً لبيباً أديباً، حسن المحاضرة، مأنوس المعاشرة. دخل بلاد الشام مرات، وتولى قضاء زبيد من بلاد اليمن. له مؤلف سماه بيان ما أعضل في جواب أي المسجدين أفضل، أهو القائم بالعبادة والمعمور، أو الدائر العاري المهجور وله شعر حسن منه:
إن الغرام حديثه لي سنة ... مذ صح أني فيه غير مدافع
يا حائزاً لمنافعي ومملكاً ... رقي، تهن، برق عبد النافع
ومنه من بحر البسيط، وزاد في ضربه حرفاً، وفيه توجيه لطيف:
يا غائبين وقولي حين أذكرهم ... كم هكذا أغتدي في غربة وفراق
لو سار ركب بعشاق الهوى رملاً ... نحو الحجاز لما ذاق النوى ابن عراق
ورشيق مليح قد وصورة ... قال: إن القلوب لي مأموره
رام كشفاً لما حوته ضلوعي ... قلت: بالله خلها مستوره
ومنه:
يا رب أثقلني ذنب أقارفه ... فهل سبيل إلى الإقلاع عن سببه
وأنت تعلمه فاغفره لي كرماً ... وخذ بناصيتي عن سوء مكتسبه
ومنه:
فؤادي في أرض الحجاز وإنني ... بأرض بلاد الشام جسماً وقالبا
فمن لي بأن أقضي غرامي وأنثني ... وقد سر محبوبي بعودي وقال: با
стр. 496
توفي بمكة المشرفة معزولاً عن قضاء زبيد في سنة اثنتين وستين وتسعمائة.
عبد الواحد المغربي
عبد الواحد المغربي المالكي نزيل دمشق الصالح.
قرأ على ابن طولون عدة مقدمات في النحو، ثم قرأ عليه الألفية وشرحها لابن المصنف، وسمع عليه الحديث كثيراً، وبرع في فقه المالكية، وتخرج فيه على أبي الفتح المالكي، ودرس بالجامع الأموي حسبة، وكان يقرىء الأطفال بالكلاسة، ثم بالأمينية، وتوفي في البيمارستان النوري يوم الاثنين ثاني عشري صفر سنة أربع وأربعين وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.
عبد الواسع الديمتوفي
عبد الواسع بن خضر المولى الفاضل العلامة الديمتوفي، أحد موالي الروم، كان والده من الأمراء واشتغل هو بالعلم، وقرأ وهو شاب على المولى شجاع الدين الرومي، ثم على المولى لطفي التوقاتي، ثم على المولى الفناري، ثم اتصل بخدمة المولى أفضل زاده، ثم ارتحل إلى بلاد العجم، ووصل إلى هراة من بلاد خراسان وقرأ هناك على العلامة حفيد السعد التفتازاني حواشي شرح العضد للسيد الشريف، ثم عاد إلى الروم في أواخر دولة السلطان سليم خان، فأنعم عليه بمدرسة علي بيك بأدرنة، ثم بالمدرسة الحجرية بها، ثم بمدرسة محمود باشا بالقسطنطينية، ثم بإحدى المدرستين المجاورتين بأدرنة، ثم بإحدى الثماني، ثم ولاه قضاء بروسا، ثم ولاه السلطان سليمان قضاء القسطنطينية، وبعد يومين جعله قاضيا بالعسكر الأناظولي، ثم عين له كل يوم مائة عثماني بطريق التقاعد ثم صرف جميع ما بيده في وجوه الخيرات، وبنى تكيتين ومدرسة، ووقف جميع كتبه على العلماء بأدرنة، وكان عنده جارية فأعتقها وزوجها من رجل صالح، ثم ارتحل إلى مكة المشرفة، وانفرد بها عن الأهل والمال، والولد واشتغل بالعبادة إلى أن توفي سنة أربع أو خمس وأربعين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
عبد الوهاب العرضي الحلبي
عبد الوهاب بن إبراهيم العرضي الحلبي الشافعي، مفتي الشافعية بحلب، ذكره الوالد في رحلته ووصفه بالشيخ الفاضل، والعالم الكامل البارع في فنون العلم وأنواع الأدب.
عبد الوهاب الغزي
عبد الوهاب بن أبي بكر، الشيخ الصالح، الغزي
стр. 497
الأصل، الحلبي المولد، الشافعي، الصوفي، الهمداني الخرقة، الليموني. أحد أكابر حفاظ القرآن العظيم. لبس الخرقة، وتلقن الذكر من الشيخ يونس بن إدريس، وألم بالشاطبية، وأقرأ فيها، وأم بجامع حلب، وتوفي في رمضان سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة.
عبد الوهاب الكنجي
عبد الوهاب بن أحمد بن محمد الشيخ الفاضل تاج الدين الكنجي الدمشقي الشافعي، أخو الشيخ الإمام شمس الدين الكنجي المتقدم ذكره في الطبقة الأولى، عني بالفرائض والحساب، ولزم شيخ الإسلام الوالد كثيراً، وقرأ عليه شرح المنهاج للمحلي من أوله إلى باب صفة الصلاة، وقرأ عليه غالب ترتيب المجموع في الفرائض للشيخ بدر الدين المارديني، وذكر في فهرست تلاميذه وهو وأخوه عماي من الرضاع قال وهو ممن أذهب عمره في الحساب، من غير جمود فيه، وغالب عليه الحمق وقلة العقل في عدم حساب العواقب، ثم قال: توفي يوم الاثنين تاسع عشر شوال المبارك سنة أربع وثلاثين وتسعمائة قال: وتعذر علي حضور جنازته.
عبد الوهاب بن تاج الدين العنابي
عبد الوهاب بن عبد القاضي، القاضي تاج الدين العنابي الدمشقي الأسلمي، أبوه كان ديوانياً بقلعة دمشق هو وأبوه من قبله، ثم تولى عمة وظائف منها إمرة التركمان، واستمر على ذلك في الدولة الجركسية، ثم أخذه السلطان سليم في المركز إلى الإسلام بول، ثم أطلقه فحج، وجاور، ثم عاد إلى دمشق، وبقي بها إلى الممات قال: وقد فقد هيبته قال ابن طولون: وسمع في صغره على جماعة عدة أجزاء، ولم يقف إلا على الجزء الثالث من أحاديث علي بن حجر. قال: ولذلك استجزته لجماعة. قال: ومدحه الشعراء الأفاضل منهم شيخنا علاء الدين بن مليك، وأكثر منه الشيخ شهاب الدين الباعوني، وكانت وفاته ليلة الجمعة ثاني ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة، ودفن في تربتهم، لصيق الصابونية من جهة القبلة، ولم تحتفل الناس بجنازته.
عبد الوهاب العيثاوي
عبد الوهاب بن يونس بن عبد الوهاب الشيخ الإمام العلامة تاج الدين ابن الشيخ الصالح العلامة شرف الدين العيثاوي، أخو شيخنا شيخ الإسلام شهاب الدين لأبيه ولد ليلة الأربعاء ثالث عشري رمضان، سنة إحدى وعشرين وتسعمائة، وحصل له بركة أشياخه منهم الشيخ تقي الدين البلاطنسي، والشيخ أبو الفضل بن أبي اللطف المقدسي، قرأ عليهما وأجازاه بالمكاتبة، وأجاز مفتي بعلبك، الشيخ بهاء الدين بن الفصي،
стр. 498
واجتمع بشيخ الإسلام جمال الدين الديروطي المصري، وبحث معه وأجازه وقرأ على الشيخ شمس الدين سبط أبو حامد، وشيخ الإسلام التقوي القاري، وكتب كل منهما إجازة حسنة، وسافر إلى حلب سنة ست وخمسين وتسعمائة، فحضر دروس شيخ الإسلام تاج الدين عبد الوهاب العرضي، وكان يشير إليه في الدرس، ويرفع محله، واجتمع بقاضي قضاة العساكر، المولى سنان بن حسام الدين فعظمه، وأثنى عليه، ونشأ من صغره في طاعة الله تعالى مؤدياً للصلاة قبل الوجوب بحكمه عليه باراً بأبيه متأدباً متواضعاً سليم الفطرة منور الطلعة، ولم يزل منذ صغره مشتغلاً بالعلم قراءة، ثم إقراء، وتدريساً في الفقه والنحو والتصريف والتفسير والحديث، وانتفع به الطلبة وولي تدريساً بالجامع الأموي، وبمدرسة أبي عمر، ودرس بالظاهرية، وأم بالناس وخطبهم نيابة عن أبيه بالجامع الجديد، خارج باب الفراديس، والفرج، وكان يود أن يموت قبل أبيه فبلغه الله تعالى منيته وساق الله تعالى في حياة والده منيته فتوفي نهار الأربعاء خامس عشري رجب سنة ثمان وخمسين وتسعمائة، وعمره سبع وثلاثون سنة وشهر وثمانية وعشرون يوماً، وخرجت روحه شاخصاً ببصره قائلاً لا إله إلا الله وصلى عليه العلماء والصالحون، ودفن بمقبرة الفراديس، واتفق في وقت دفنه آذان المؤذنين بالمنائر، آذان الظهر ونزول المطر الخفيف في وقت دفنه، ولم يزل في السماء سحاب ورؤي النور يتصاعد من قبره، ورؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك قال غفر لي بقولي لا إله إلا الله وقال للرائي: سلم على والدي وقل له يأمر الناس بقول لا إلا إلا الله.
عبد الوهاب الصواف
عبد الوهاب الشيخ الصالح، السيد الشريف تاج الدين الصواف الدمشقي الشافعي المقرىء. قال ابن طولون: سمع معي بمكة على محدثها الشيخ عز الدين بن فهد وغيره، وبدمشق على مؤرخها القاضي محيي الدين النعيمي وغيره، وكان يقرأ للأموات خصوصاً بتربة باب الصغير، وكان يدعو في المحافل أدعية لطيفة وكان له بعض اشتغال وصلاح، وكان فقيراً توفي يوم الثلاثاء ثاني عشري شوال سنة إحدى وأربعين وتسعمائة ودفن بباب الصغير.
عبدو الكردي القصيري
عبدو بن سليمان الكردي القصيري، الشافعي، الصوفي الخلواتي، العبد الصالح، المشهور كان أصله من خينو من قرى القصير، فتركها مع
стр. 499
نضارتها إلى قرية خربة بجبل الأقرع، فعمر له بها داراً، فعمر غيره دورا، ً واعتزل بها إلى أن ورد عليه ولده الشيخ أحمد، وقبل يده، وأظهر التوبة عما كان عليه من عدم الرضى مما عليه أبوه، فجعله خليفة، وانقطع لمجرد العبادة، وكان له مريدون كثيرون إلا أنهم لم يبلغوا قدر مريدي ولده الشيخ أحمد، ولا كان يشتغل بعلوم الظاهر كما كان ولده، وكان الشيخ عبدو من المجدين في العبادة فوق العادة يتعمم هو وأصحابه وأتباعه بالمآزر السود، ويلبس التاج المضرب، وتوجه بعضهم إلى زيارته، فرأى حول داره دواب لا تحصى للزوار وغيرهم فحدثته نفسه أن يشتري لدابته علفاً خشية عليها أن تموت جوعاً بين تلك الدواب الكثيرة. قال فدخلت على الشيخ. فقال لي بديهة: أتخاف عليها من الموت لعدم العلف؟ قال: فعلمت أنه كاشفني، وتوفي الشيخ عبدو في وطنه سنة أربع وأربعين وتسعمائة.
عبيد الله بن يعقوب
عبيد الله بن يعقوب، المولى الفاضل أحد الموالي الرومية، سبط الوزير أحد باشا ابن الفناري. قال في الشقائق: قرأ على علماء عصره، واشتغل بالعلم غاية الاشتغال، ثم وصل إلى خدمة الفاضل مصلح الدين البارحصاري، ثم انتقل إلى خدمة الشيخ محمود قاضي العسكر المنصور، ثم صار قاضياً بحلب، ثم قال: كان فاضلاً ذكياً كانت له مشاركة في العلوم، ومعرفة تامة بعلم القراءآت، وكان قوي الحفظ. حفظ القرآن العظيم في ستة أشهر، وكان صاحب أخلاق حميدة جداً، وكان من الكرم في غاية لا يمكن المزيد عليها إلى أن قال: وملك كتباً كثيرة، وهي على ما يروى عشرة آلاف مجلد. قال رأيت له شرحاً للقصيدة المسماة بالبردة وهو أحد شروحها انتهى.
ولي قضاء حلب في سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، ومكث بها مدة قال ابن الحنبلي كان له مدة إقامته بحلب شغف بجمع الكتب سمينها وغثها، جديدها ورثها، حتى جمع منها ما يناهز تسعة آلاف مجلد، وجعل فهرستها مجلداً مستقلاً. يذكر فيه الكتاب ومؤلفه، ولم يعرف مؤلفي عدة منها، فكتب أسماءها، وفرقها على علماء حلب ليعرفوه، وكان مع أصالته فاضلاً سيما في القراءات، عارفاً باللسان العربي، سخياً في كثير من رسوم المحكمة، ومعتقداً في الصوفية، كثير التردد إلى مجلس الشيخ علي الكيزواني لتقبيل يده من غير حائل، ولا يتغالى في ملبسه، لكنه كان مترفهاً في مأكله ومشربه، مغرماً بالعمائم وتحسينها بالنقوش
стр. 500
وغيرها، وكان يميل إلى صنعة الكيمياء، وكان عليه مع ذلك دين كثير لكنه لا يبالي به، وكان يقول إذا ذم أحداً من متولي الأوقاف: من تعاطى الأوقاف فقد تحمل أحداً وقاف. قال ابن الحنبلي: وفي سنة إحدى وثلاثين في ذي الحجة منها عقيب صلاة الأضحى بالجامع الكبير أمر أن يتقدم الإمام الحنفي، فيصلي بالمحراب الكبير الملاصق للمنبر قبل الشافعي، ويصلي الشافعي به بعده قال: فبقي هذا إلى عامنا هذا الذي نحن فيه الآن في آخر عام أربعة وستين بعد أن عهدنا المحراب الكبير مختصاً بالشافعية، والذي عن يمينه، وهو الغربي بالحنفية على وفق ما ذكره ابن الشماع في عيون الأخبار قال في الشقائق: مات سنة ست وثلاثين وتسعمائة.
عبيد الدنجاوي
عبيد الدنجاوي، ثم البلقيني المصري الشيخ العارف بالله تعالى أحد أصحاب سيدي الشيخ محمد الكواكبي الحلبي، دخل مصر من قبل الشام في زمان السلطان قايتباي، وكان يعتقده أشد الإعتقاد، وكان وظيفته خدمة شيخه المذكور، وكان له أثر في كاهله من أثر حمل الماء، وغيره على ظهره، وكتفه في خدمة الشيخ. والفقراء، ولم يكن يحضر مع أصحاب شيخه أورادهم قط إنما كان مشغولاً بالخدمة، فلما حضرت شيخه الوفاة تطاول ذوو الهيئات للأذن، فلم يلتفت الشيخ إلى أحد منهم. وقالوا: هاتوا عبيد فأذن له بحضرتهم فغاروا منه، ووجدوا عليه حتى كادوا يقتلونه، فسافر إلى مصر ودخل مصر مجذوباً عريان ليس عليه سوى سراويل وطرطور كلاهما من جلد، ثم أذن له في السفر إلى الصعيد فأقام بها مدة، ثم رجع إلى مصر فسكن بلقين، وعمر بها زاوية وأقبلت الإناس عليه من سائر الآفاق، ونزل السلطان إلى زيارته فمكث هناك مدة، ثم أذن له أن يسكن مصر، فسكن في الزواية الحلاوية فرآها خربة، فعمرها له السلطان الغوري، وكان ينزل هو وولده، إلى زيارته، ثم ترك لباس الجلد، وصار يلبس الملابس الفاخرة كملابس الملوك، وكان له سبعة نقباء لقضاء حوائج الناس عند السلطان فمن دونه، وكان لا ترد له كلمة ولا شفاعة، وكان لا يرد له سائلاً قط، ومن سأله درهماً أعطاه ما يساوي خمسين ديناراً، وما يقرب منها، وكان إذا جاءه من بعض الأكابر مال، ولو خمسمائة دينار فرقه في الحال على الحاضرين، توفي في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وتسعمائة.
عثمان الآمدي
عثمان بن شمس الإمام العلامة الخطيب، المفنن فخر الدين أبو النور بن منلا شمس الآمدي، ثم الدمشقي الحنفي، ولي خطابة السليمية بصالحية دمشق
стр. 501
ومشيخة الجقمقية داخل دمشق بالقرب من جامع الأموي، ودرس في الجامع المذكور وكان ساكناً يجيد تدريس المعقولات، وكان له يد طولى في إدراك علم النغمة، وله كتابة حسنة، وحوى كتباً نفيسة، وتوفي يوم الاثنين ثاني عشري ربيع الأول سنة أربع وأربعين وتسعمائة، وهو في حدود السبعين، وصلي عليه بالأموي وكان له جنازة حافلة حضرها طلبة العلم والأعيان والفقراء الأدبيون، ودفن في طرف تربة الفراديس من جهة الشمال عند ضريح سيدي منلا زين الدين.
عثمان بن شيء لله
عثمان بن عمر، الشيخ المعمر، الحلبي، الشافعي، المعروف بابن شيء لله. تفقه على الفخري عثمان الدي، والبرهاني فقيه اليشبكية بحسب ما أمكنه، وجود القرآن، وحج وانتفع به من كان لائقاً به من الطلبة، وتوفي سنة تسع - بتقديم التاء - وخمسين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
عثمان السنباطي
عثمان الشيخ الإمام العلامة القاضي فخر الدين السنباطي الشافعي، أخذ عن القاضي زكريا، والبرهان بن أبي شريف، والكمال الطويل، وصحب الشيخ محمد النشاوي، وكان من العلماء العاملين، قليل الكلام، حسن الصمت، ولما ضرب القانون على القضاة عزل نفسه، وكان يقضي في بلاده احتساباً، وهو من هذه الطبقة.
عرفة القيرواني
عرفة القيرواني المغربي المالكي، الشيخ العارف بالله تعالى شيخ سيدي علي بن ميمون، وسيدي أحمد بن البيطار، من كراماته ما حكاه سيدي محمد ابن الشيخ علوان، في كتابه تحفة الحبيب أن سلطان المغرب قد حبسه، بنقل واش كاذب فوضعة في السجن، وقيده بالحديد، وكان الشيخ عرفة إذا حضر وقت الصلاة أشار إلى القيود، فتتساقط فيقوم ويصلي فقال له: بعض من كان معه في السجن إذا كان مثل هذا المقام لك عند الله، فلأي شيء ترضى ببقائك في السجن فقال: لا يكون خروج إلا في وقت معلوم، لم يحضر إلى الآن واستمر على حاله حتى رأى سلطان المغرب رسول الله ﷺ فقال له: عجل بإطلاق عرفة من السجن مكرماً، وإياك من التقصير تكن مغضوبا عليك، فإنه من أولياء الله تعالى، فلما أصبح أطلقه مكرماً مبجلا تأخرت وفاة سيدي عرفة إلى سنة ثمان وأربعين، أو قبلها وصلي عليه غائبة بدمشق في الأموي يوم الجمعة تاسع عشر المحرم سنة تسع وأربعين وتسعمائة ﵀.
стр. 502
عز الدين العجمي
عز الدين المازندراني، العجمي، جاور بمكة، ثم قدم حلب سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة، وظهر له فضل في علوم شتى لا سيما القراءات فإنه كان فيه أمة وألف فيكتاباً في وقف حمزة وهشام، وله شرح على الجرومية أجاد فيها وأتى بعبارات محكمة لكنها مغلقة على المبتدىء، ثم رحل إلى بلاده، فمات بها في حدود هذه الطبقة.
علي بن محمد المقدسي
علي بن محمد بن علي، الشيخ الإمام العلامة أبو الفضل بن أبي اللطف المقدسي الشافعي نزيل دمشق. قرأت بخطه في إجازة أولاد مفلح أن مولده في جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثمانمائة زاد في إجازة الشيخ شهاب الدين الطيبي أنه في العشر الأوسط من جمادى الأولى، وأنه ولد ببيت المقدس، وذكر أنه أخذ عن الشهاب الحجازي، والسيد علاء الدين بن السيد عفيف الدين الإيجي، وشيخ الإسلام الشيخ ماهر المصري، وهو أعلى شيوخه في الفقه، وقرأت بخط تلميذه والد شيخنا الشيخ يونس العيثاوي، وأخبرناه عنه ولده شيخنا شيخ الإسلام شهاب الدين أنه تفقه على الشيخ كمال الدين ابن أبي شريف في بيت المقدس، ورحل إلى مصر، وأخذ عن علمائها الفقه والحديث عن الشيخة أم الخير المحدثة بالديار المصرية لعلو سندها، وقال لها على عادة أخذه السند أسمعينا من نظمك. فقالت: لم أنظم شيئاً. لكن أنشدني والدي، وقد مر على مسجد خراب مكتوب على جداره هذا البيت:
بأي جريرة وبأي ذنب ... بيوت الله خربها الزمان
وعاد بعد مدة فرأى إلى جانب هذا البيت:
فساد الناس خربها ولولا ... فساد الناس ما خرب الزمان
وأخذ الفقه أيضاً عن شيخ الإسلام زكريا، وعن الشيخ سراج الدين العبادي، والشيخ فخر الدين المفتي بمصر، وسمع على الشيخ تقي الدين أبي بكر بن عبد الكريم بن عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل بن علي بن الحسن بن إسماعيل بن صالح بن سعيد القلقشندي
стр. 503
الشافعي، صحيح البخاري كاملاً، ومسلسلات منها المسلسل بالأولية، وأخذ الجزرية عن الشيخ شمس الدين محمد بن موسى بن عمران المقريء الغزي الحنفي، عرضها عليه في مجلس واحد عند باب الحديد، أحد أبواب المسجد الأقصى في ثامن رجب سنة ست وستين وثمانمائة، وهو يرويها عن ناظمها كذا رأيته بخط الشيخ العلامة شهاب الدين الطيبي، ورحل إلى دمشق، ثم استوطنها، وحضر دروس شيخ الإسلام مشايخ الإسلام زين الدين بن خطاب الغزاوي في الشامية البرانية وغيرها، وشيخ الإسلام نجم الدين ابن قاضي عجلون صاحب التصحيح والتاج وغيرهما، ثم قرأ من بعده على أخيه شيخ الإسلام تقي الدين ابن قاص عجلون. وقال والد شيخنا: ورافق شيخنا الشيخ تقي الدين البلاطنسي والشيخ بهاء الدين الفصي البعدي، والشيخ بدر الدين بن الياسوفي وغيرهم من الأجلة الكبار المفتين في التقسيم على الشيوخ المتقدم ذكرهم، وكل منهم يدرس ويفتي قال: وجاور بمكة مع الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، وذكر لي أنه حصل له زيادة في بدنه، فتزوج امرأة بمكة، وحضر دروس شيخ الإسلام قاضي القضاة ابن ظهيرة الشافعي، قال: وكان يحكي لنا فصاحته وبلاغته في تقريره، وعاد إلى دمشق مستوطناً بعياله يفتي ويدرس، وكان أحد المدرسين بالجامع الأموي يجلس مستنداً إلى أحد الأعمدة مستقبل القبلة عند قبر سيدي يحيى ﵇ إلى أن قال وبيض التحرير للشيخ نجم الدين ابن قاضي عجلون بأمر أخيه الشيخ تقي الدين، ووصل فيه إلى أثناء المعاملات، وزاد فيه فوائد مهمة، وله كتاب مر النسيم، في فوائد التقسيم، وكان حافظاً لكتاب الله تعالى، وله همة مع الطلبة، ومهابة، وموادة للخاص والعام، ونفس غنية متقللاً من الوظائف، ظاهراً غناه قال: وتمنى الموت لفتنة حصلت في الدين لما دخلت هذه الدولة العثمانية، وضربت المكس على الأحكام الشرعية حتى على فروج النساء، وكان يقول أي فتنة أعظم من ذلك. قال: وأخبرني أنه تنخع الدم، وأنه من كبده لما لحقه من القهر والغيرة على دين الإسلام، وتغيير الأحكام، أخبرنا شيخنا فسح الله تعالى في مدته - قال: أنبأنا والدي قال: أنشدني العلامة شيخ الإسلام أبو الفضل بن أبي اللطف المقدسي في أول دخول السلطان سليم دمشق هذه الأبيات:
ليت شعري من على الشام دعا ... بدعاء خالص قد سمعا
فكساها ظلمة مع وحشة ... فهي تبكينا ونبكيها معا
قد دعا من مسه الضر من ال ... ظلم والجور اللذين اجتمعا
فعلى الحجب دعا فانبعثت ... غارة الله بما قد وقعا
стр. 504
فأصاب الشام ما حل بها ... سنة الله التي قد بدعا
توفي الشيخ أبو الفضل بن أبي اللطف في نهار الأحد قبل الظهر خامس عشر صفر سنة أربع وثلاثين وتسعمائة، وحملت جنازته على الرؤوس، وصلي عليه مرتين مرة في محلته بميدان الحصا، ومرة بجامع المصلى، ودفن بمقبرة باب الصغير بالقرب من ضريح سيدي الشيخ نصر المقدسي تجاه قبر معاوية - رضي الله تعالى - عنه إلى جانب قبر التغلبي خطيب جامع دمشق في عصره. قال الشيخ يونس: ولما رجعنا من جنازته توجهت مع شيخنا البلاطنسي إلى زيارة قبر الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، والشيخ زين الدين بن خطاب، وأنشدني ما أنشده الشيخ نجم الدين ابن قاضي عجلون لما رجعوا من جنازة الشيخ زين الدين خطاب هذا البيت:
واعجباً من عجب يا قومي ... ميت غد يحمل ميت اليوم
علي بن دغيم البابي الحلبي الحنبلي
علي بن محمد بن عثمان بن إسماعيل، الشيخ علاء الدين ابن قاضي القضاة شمس الدين البابي، الحلبي، الحنبلي، المعروف بابن الدغيم قال ابن الحنبلي: ولي تدريس الحنابلة بجامع حلب، وكان هيناً لينا، صبوراً على الأذى، مزوحاً قال: وتوفي يوم الجمعة ثاني عشر رمضان سنة ثمان وأربعين وتسعمائة، ودفن بجوار مقابر الصالحين بوصية منه. قال: وكان آخر حنبلي بقي بمدنية حلب من أهلها.
علي بن محمد البكري
علي بن محمد ابن الشيخ الإمام العلامة، نادرة الزمان، وأعجوبة الدهر، الفقيه، المحدث، الأستاذ الصوفي أبو الحسن ابن القاضي جلال الدين البكري. أخذ الفقه والعلوم عن القاضي زكريا، والبرهان بن أبي شريف وغيرهما، وأخذ التصوف عن شيخ الإسلام رضي الدين الغزي جدي، وبلغني أن القطب الكبير سيدي عبد القادر الدشطوطي، كان من معتقديه والد الشيخ أبي الحسن القاضي جلال الدين، وكان قد انكسر عليه مال للغوري جزيل، وكان الغوري عسوفاً، فطالب القاضي جلال الدين بالمال، وأراد أن يعاقبه عليه، فجاء القاضي جلال الدين إلى سيدي عبد القادر، وشكى إليه أمر
стр. 505
الغوري، وسأل منه أن يكون خاطره عليه. فقال له: يا جلال الدين إن رددت عنك الغوري تعطيني ولدك أبا الحسن يخدمني. قال: نعم، وبعث إليه بأبي الحسن، وكان إذ ذاك شاباً بارعاً فاضلاً، له اشتغال على مشايخ الإسلام، فلما جاء دخل أبو الحسن فقال له: يا أبا الحسن لا تقرأ على أحد، واترك الإشتغال حتى يجيء شيخك من الشام، فامتثل أمره، ثم أن سيدي عبد القادر بعث إلى الغوري، وكان له فيه مزيد اعتقاد، وقال له: هبني ما على جلال الدين من الدين ففعل. فقال له سيدي عبد القادر: اعطه مرسوماً بالبراءة، وأن لا يطالبه أحد ففعل الغوري، ثم انقطع القاضي جلال الدين، وولده الشيخ أبو الحسن لخدمة سيدي عبد القادر الدشطوطي، وعمر الجامع المعروف به بالقاهرة، وكلما أراد أبو الحسن أن يعاود المشايخ في الدروس واستأذن سيدي عبد القادر يقول له لا حتى يجيء شيخك من الشام، فلما قدم شيخ الإسلام الجد رضي الدين الغزي القادري في سنة سبع عشرة - بتقديم السين - وتسعمائة جاء مسلماً على سيدي عبد القادر وكان بينه وبينه قبل ذلك محبة وصحبة قال سيدي عبد القادر: للشيخ أبي الحسن قم يا أبا الحسن هذا شيخك قد جاء من الشام، وسلمه للشيخ رضي الدين وقال له: يا سيدي رضي الدين علم أبا الحسن الكيمياء، وأمر أبا الحسن أن يذهب مع الشيخ، ويلازمه فلازم الشيخ رضي الدين في سكنه ليلاً ونهاراً، وكان يذهب هو وشيخ الإسلام الوالد كل يوم يقرآن الدروس على الشيخ رضي الدين، وعلى غيره من علماء مصر إذ ذاك بأمر الشيخ رضي الدين وإشارته قال والدي: كنت أذهب أنا وأبو الحسن البكري إلى شيخ الإسلام زكريا، وشيخ الإسلام البرهان بن أبي شريف، والشيخ القسطلاني وغيرهم، نقرأ الدروس ونحضر دروسهم، فكان أبو الحسن لا يمكنني من حمل محفظتي، ويحلف علي، ويحملها لمكان شيخ الإسلام الوالد، وكان الشيخ أبو الحسن كلما طالب الشيخ رضي الدين بعلم الكيمياء الذي أمره الدشطوطي بتعليمه يقول له: الشيخ رضي الدين حتى يأتي الأبان وكان الشيخ يربي أبا الحسن، ويهذب أخلاقه، ويعلمه الآداب، ويلقي إليه الفوائد وينهضه في الأحوال، والطاعات، حتى أنس منه الكمال قال له: يوماً يا أبا الحسن أريد منك أن تركب على بغلتك، وتذهب من هذا المنزل إلى جامع الأزهر، وفي إحدى يديك رغيف، وفي الآخرى بصلة، وتأكل من ذلك وأنت راكب حتى تدخل الجامع، ثم تعود إلي ففعل الشيخ أبو الحسن ذلك فلما رجع إلى الشيخ رضي الدين قال له: يا أبا الحسن ما بقت مصر تسعنا وإياك، فمن ثم سافر الشيخ رضي الدين راجعاً إلى الشام واشتهر الشيخ أبو الحسن البكري، وقد تمت فتوحاته، ونمت نفحاته، وصار يتكلم على الناس، ثم صار المدد متصلاً في ذريته إلى الآن، وذكره الشيخ عبد الوهاب الشعراوي في طبقاته. وقال: أخذ العلم عن جماعة من مشايخ الإسلام، والتصوف على الشيخ رضي الدين الغزي وتبحر في علوم الشريعة، من فقه وتفسير
стр. 506
وحديث وغير ذلك، وكان إذا تكلم في علم منها كأنه بحر زاخر لا يكاد السامع يحصل من كلامه على شيء ينقله عنه لوسعه إلا إن كتبه. قال: وأخبرني بلفظه، ونحن بالمطاف أنه بلغ درجة الإجتهاد المطلق. وقال: إنما أكتم ذلك عن الأقران خوفاً من الفتنة بسبب ذلك، كما وقع للجلال السيوطي قال: وكانت مدة اشتغاله على الأشياخ نحو سنتين، ثم جاء الفتح من الله، فاشتغل بالتأليف، قلت: ومن مؤلفاته شرح المنهاج وشرح الروض وشرح العباب للمزجد، وحاشيته على شرح المحلى قال الشعرواي: وهو أول من حج من علماء مصر في محفة، ثم تبعه الناس قال: وحججت معه مرة، فما رأيت أوسع خلقاً ولا أكثر صدقة في السر والعلانية، وكان لا يعطي أحداً شيئاً نهاراً إلا نادراً، وأكثر صدقته
ليلية، وكان له الإقبال العظيم من الخاص والعام في مصر والحجاز، وشاع ذكره في أقطار الأرض كالشام والروم - اليمن، وبلاد التكرور، والغرب مع صغر سنه، وله كرامات كثيرة، وخوارق، وكشوفات فما قاله أو وعده لا يخطىء قال: وترجمه الناس بالقطبية العظمى، ويدل على ذلك ما أخبرنا به الشيخ خليل الكشكاوي. قال: رأيت الشيخ أبا الحسن البكري، وقد تطور، فصار كعبة مكان الكعبة، ولبس سترها كما يلبس الإنسان القميص قال: وكان له النظم السائغ في علوم التوحيد، وأطلعني مرة على تائية عملها نحو خمسة آلاف بيت أوائل دخوله في طريق القوم، ثم أنه غسلها، وقال: إن أهل زماننا لا يتحملون سماعها لقلة صدقهم في طلب الطريق. انتهى. لية، وكان له الإقبال العظيم من الخاص والعام في مصر والحجاز، وشاع ذكره في أقطار الأرض كالشام والروم - اليمن، وبلاد التكرور، والغرب مع صغر سنه، وله كرامات كثيرة، وخوارق، وكشوفات فما قاله أو وعده لا يخطىء قال: وترجمه الناس بالقطبية العظمى، ويدل على ذلك ما أخبرنا به الشيخ خليل الكشكاوي. قال: رأيت الشيخ أبا الحسن البكري، وقد تطور، فصار كعبة مكان الكعبة، ولبس سترها كما يلبس الإنسان القميص قال: وكان له النظم السائغ في علوم التوحيد، وأطلعني مرة على تائية عملها نحو خمسة آلاف بيت أوائل دخوله في طريق القوم، ثم أنه غسلها، وقال: إن أهل زماننا لا يتحملون سماعها لقلة صدقهم في طلب الطريق. انتهى.
ومن شعر الشيخ أبي الحسن وهي قصيدة مشهورة:
بوجودكم تتجمل الأوقات ... وبجودكم تتنزل الأقوات
وبسركم تطوي الركائب سيرها ... وبنشركم تتعطر النسمات
وبذكركم تطوى أحاديث العلى ... وبفضلكم تتلى لنا الآيات
وبشكركم تتحدث الركبان ... والبلدان والعمران والفلوات
وبرسمكم ينشا السحاب وبإسمكم ... يمحى العقاب وتغفر الزلات
أنتم معاني الكائنات فأينما ... أنتم حللتم حلت البركات
لله ما أحلى قديم حديثكم ... ذاك الذي هو للقلوب حياة
تحيى قلوب العارفين بذكركم ... والجاهلون قلوبهم أموات
غنى الزمان بذكركم متهللاً ... فرحاً فكل جهاته نغمات
طرب الوجود على لذيذ سماعكم ... فكأنما نسماته نايات
стр. 507
رقت معانيكم فحار أولو النهى ... واستعجمت برموزها الكلمات
وبدا سناء صباحكم فقلوبنا ... كزجاجة وصدورنا المشكاة
وقع النداء لنا ألست بربكم ... قلنا بلى وأجابت الذرات
شهد الشهود وأثبت القاضي على ... إشهادكم وتسجل الإثبات
وعلى قديم العهد نحن إلى اللقا ... هيهات أن تتحول الحالات
جعل التعاون بيننا من ذلك ال ... عهد القديم وضمنا الميقات
ما في الحمى إلا محب جمالكم ... حتى حمام الأيك والأثلات
إن كان للأيام أعياد الهنا ... أنتم لنا الأعياد والجمعات
فكلامكم من معدن الوحي الذي ... ظهرت على إثباته الآيات
واهاً على أحوال قوم أعرضوا ... عن بابكم كم فاتهم خيرات
وحياتكم من فاته من أنسكم ... وقت فكل العمر منه فوات
ومن احتمى يوماً بغير حماكم ... حلت به الآفات والهلكات
لفقيدكم تجري الكنوز من الثرى ... وبعبدكم تتضامن السادات
يا نائمين تيقظوا من نومكم ... لم يبق من قرب الحبيب سبات
يا معرضين عن الكريم تعرضوا ... فلربكم في دهركم نفحات
خلوا الغرور فكل شيء هالك ... لا شك إلا الله والطاعات
أين الجبابرة الفراعنة التي ... ضاقت لعظم جيوشها الفلوات
أين الملوك السالفون ومدحهم ... أين البنود السود والرايات
بل أين ذو القرنين من دانت له م ... الآفاق والبلدان والظلمات
أين المعارف أين اخوان الصفا ... والأخوة والأنساب والأخوات
جز في ديارهم وسائل عنهم ... يخبرك أنهم جميعاً ماتوا
لله كم تحت الثرى من أمة ... راحت وملء فؤادها حسرات
كانوا وكانت في الحمى أوقاتهم ... ماتوا وماتت معهم الأوقات
يبكي الزمان عليهم متأسفاً ... وتفيض من أجفانه العبرات
بالأمس كانوا في المنازل كلهم ... واليوم هم تحت التراب رفات
ثم الصلاة على النبي وآله ... ما دامت الأزمان والساعات
قرأت بخط الشيخ المحدث العلامة نجم الدين الغيطي المصري، وأخبرنا عنه شيخنا العلامة نور الدين محمود البيلوني الحلبي إجازة أن الشيخ أبا الحسن البكري، توفي في سنة
стр. 508
اثنتين وخمسين وتسعمائة، وكانت جنازته مشهورة ودفن بجوار الإمام الشافعي.
علي بن محمد الشامي
علي بن محمد بن علي بن عبد الرحمن الشيخ العلامة الفقيه المقريء سعد الدين الشامي، ثم الحجازي الشافعي، ولد سيدي محمد بن عراق ولد كما ذكره والده في السفينة العراقية في سابع ذي الحجة سنة سبع - بتقديم السين - وتسعمائة بساحل بيروت، وحفظ القرآن العظيم، وهو ابن خمس سنين في سنتين، ولازم والده في قراءة ختمة كل جمعة ست سنين، فعادت بركة أبيه عليه، وحفظ كتباً عديدة في فنون شتى، وأخذ القراءات أولاً عن تلميذ أبيه الشيخ أحمد بن عبد الوهاب خطيب قرية مجدل معوش، وأفرد عليه القراءات وثانياً على تلميذ والده أيضاً الشيخ محمود بن حميدان المدني في أربع ختمات، ثم عن شيخه الخطيب شمس الدين محمد بن زين الدين القطان ختمة العشرة، وكان له قدم راسخة في الفقه، والحديث والقراءات، ومشاركة جيدة في غيرها، وله اشتغال في الفرائض، والحساب، والميقات، وقوة في نظم الأشعار الفائقه، واقتدار على نقد الشعر، وكان ذا سكينة ووقار، لكن كان أصم صمماً فاحشاً قيل: وكان سببه أنه كان مكباً على سماع الأنغام الطيبة فنهاه عنها والده، فلم ينته فعوقب بذلك وولي خطابة المسجد النبوي ﷺ على صاحبه، وكان باذلاً للهمة طارحاً للتكلف ملازماً للتعفف، وكرم النفس دخل دمشق وحلب في رحلته إلى الروم، وقدم دمشق مع الحاج في صفر سنة سبع - بتقديم السين - وأربعين وتسعمائة ونزل بخلوة الشيخ محمد الأيجي تلميذ والده قال ابن طولون: فسلمت عليه بها فوجدته عرض له صمم في تلك البلاد قال: وذكر لي أنه عمل شرحاً على صحيح مسلم شبيهاً لصنع القسطلاني على صحيح البخاري، وشرع في كتابة شرح على العباب في فقه الشافعية، وكان سبقه إليه العلامة أبو الحسن البكري، لكن باختصار، ثم ذكر ابن طولون أن الشيخ علي بن عراق سافر من دمشق لزيارة بيت المقدس يوم الخميس ثالث جمادى الآخرة من السنة المذكورة، فزار، ثم انصرف إلى مصر وذكر أنه في مدة إقامته بدمشق أنه كان يزور قبر ابن العربي، وأنه يبيت عنده، وأنه أشهر شرب القهوة بدمشق، فاقتدى به الناس، وكثرت من يومئذ حوانيتها. قال: ومن العجب أن والده كان ينكرها، وخرب بيتها بمكة، وذكر ابن الحنبلي أنه كتب إلى الشيخ علي بن عراق، وهو بحلب يستفتيه في القهوة هذه الأبيات:
أيها السامي بكلتا الذروتين ... بجوار المصطفى والمروتين
стр. 509
والعلي القدر علماً وكذا ... عملاً فوق علو النيرين
من له في الزهد باع ويد ... فلذا ترمقه صفر اليدين
أفتنا في قهوة قد ظلمت ... حيثما شيب معاطيها بشين
من تلة هالنا مسمعه ... واقتراف لأقاويل ومين
ومراعاة أمور شاهدت ... فعلها في الحان كلتا المقلتين
وحكى شرابها أهل الطلا ... فالتداني بين تين الفرقتين
أدعوا ذا الطرس ما يرجو الفتى ... أو دعوا فاليأس إحدى الراحتين
فأجاب رحمه الله تعالى بقوله:
أيها السامي سمو الفرقدين ... وإمام العلم مفتي الفرقتين
يا رضي الدين يا بدر الندا ... من رجاه راح مملوء اليدين
جاءني منك نظام قد حكى ... في نصوع اللفظ مسبوك اللجين
قلت فيه ان في القهوة قد ... خلطوها بتلة وبمين
وبمطعوم حرام وغنى ... وبرقص وبصفق الراحتين
فطلبت الحكم فيه بعد ما ... قد رأيتم ما ذكرتم رأي عين
وعلى ذا الأمر إذ كان الذي ... شانها حتى تصفى دون رين
والتداني من حماها وهي في ... وصفها المذكور شين أي شين
والصفا في شربها مع فتية ... أخلصوها التقوى وشدوا المئزرين
ثم ناجوا ربهم جنح الدجى ... بخشوع ودموع المقلتين
فابتداء الأمر فيها هكذا ... قد حكوه عن ولي دون مين
ذا جوابي واعتقادي أنه ... في اعتدال كاعتدال الكفتين
توفي في المدينة المنورة، وهو خطيبها وإمامها سنة ثلاث وستين وتسعمائة.
علي بن محمد بن أبي سعيد
علي بن محمد بن حسن الحموي الشافعي نزيل دمشق، الشيخ الإمام العلامة علاء الدين القطان، الشهير بابن أبي سعيد قيل: أنه نسب إلى المتولي من أصحاب الشافعي، مولده سنة ست وستين وثمانمائة، وقرأ على جماعة من العلماء ولزم شيخ الإسلام الوالد فقرأ عليه في شرحه على المنهاج، قراءة تحقيق وإتقان، وفي شرحه على الدرر اللوامع في الأصول، وفي شرحه المنظوم على الألفية، وقرأ عليه النصف من
стр. 510
الحاوي بتمامه، وسمع عليه النصف الأول وقرأ عليه غير ذلك من مؤلفاته، وغيرها، وكان من الفضلاء البارعين ذا يد في الأصول، والفقه، ومشاركة جيدة في البيان، والنحو، والمنطق، وغير ذلك، مع إطراح زائد، ولما دخل الزين عبد اللطيف بن أبي كثير المكي دمشق صحبه واختص به، ثم ذهب معه إلى مصر ثم فارقه ابن أبي كثير، وعاد إلى دمشق، ثم انقطع بها مدة ومات بها سنة أربعين أو إحدى وأربعين وتسعمائة.
علي بن محمد الكنجي
علي بن محمد بن أحمد الشيخ العلامة، علاء الدين ابن الشيخ شمس الدين الكنجي الدمشقي الشافعي، مولده سنة تسعين - بتقديم التاء - وثمانمائة بالقدس الشريف، وكان بارعاً في كثير من العلوم، فاضلاً صالحاً مباركاً خيراً ديناً كأبيه شيخ الإسلام كثيراً، وهو من هذه الطبقة.
علي بن محمد الحميدي
علي بن محمد السيد علاء الدين الحسيني العجلوني، ثم البروسوي، المعروف بالحديدي خليفة الشيخ العارف بالله تعالى أبي السعود الجارحي صاحب الزاوية المشهورة بكوم الجارح بالقاهرة توطن بروسا من بلاد الروم نحو ثلاثين سنة، ثم حج وعاد إلى القاهرة، ودخل مصر وحلب سنة ثلاث وستين وتسعمائة، وكان له عبث بعلم الوفق والأسماء وصناعة الكيمياء، وكان له أسانيد عالية، وذكر ابن الحنبلي عنه أن شيخه أبا السعود الجارحي هو الذي بعث إليه السلطان سليم يستأذنه خفية مع بعض خواصه في أخذ مصر، فلم يتكلم، وإنما أخرج له رغيفاً عليه سلك، فأوصله الرسول إليه، ففهم منه الإذن قال: وكان السلطان طومان باي يعتقد الشيخ أبا السعود، ويلازم زاويته، فلما قدم السلطان سليم مصر وأرإد إمساك طومان باي جاء أعوانه، فأحاطوا بالزاوية، ودخلها قوم منهم، فلم يجدوا طومان باي، وكان الشيخ بين أظهر المريدين، فلم يروه، وكان كأنه لم يكن، فلما لم يظفروا بطومان باي، ولا بالشيخ وقعوا في المريدين والفقراء ضرباً، فإذا الشيخ بين أظهرهم، فحملوه إلى السلطان سليم، فإذا هو الآذن له في أخذ ملك مصر، فخلى سبيله، ومات صاحب الترجمة في حدود هذه الطبقة.
стр. 511
علي بن أحمد الجوبري
علي بن أحمد بن موسى بن محمد الديري، ثم الجوبري الدمشقي الشافعي الأديب، المعتقد علاء الدين أبو الحسن، مولده بقرية الشوبك ببلاد نابلس، في جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين وثمانمائة، كان مؤذناً بالجامع الأموي متسبباً ببابه فاضلاً بارعاً شاعراً، له ديوان شعر، ومن شعره تخميس أبيات ابن حجر.
أمر يطول ومدة متقاصره ... وبصائر عميت وعين باصره
فإلى متى بالصبر ويحك صابره ... قرب الرحيل إلى ديار الآخره
فاجعل إلهي خير عمري آخره
فالعيش والدنيا كلذة حالم ... وسواك يا مولاي ليس بدائم
وإليك مرجعنا بأمر حازم ... فلئن رحمت فأنت أكرم راحم
وبحار جودك يا إلهي زاخره
يا رب إن الدهر أبلى جدتي ... وعصيت في جهل الشباب وجدتي
فإذا تصرم ما بقي من مدتي ... آنس مبيتي في القبور ووحدتي
وارحم عظامي حين تبقى ناخره
إذ كنت ترحم من مضت أعوامه ... في لهوه حتى نمت آثامه
والعفو منك رجاؤه ومرامه ... فأنا المسكين الذي أيامه
ولت بأوزار غدت متواتره
فبوجهك الباقي وعز جلاله ... ومحمد سر الوجود وآله
رفقاً بمن أنت العليم بحاله ... وتوله باللطف عند مآله
يا مالك الدنيا ورب الآخره
توفي يوم الأربعاء سابع عشر صفر سنة سبع وثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
علي بن محمد الحاضري
علي بن محمد بن عز الدين بن محمد
стр. 512
الصغير بن عز الدين بن محمد الكبير، ابن خليل أقضى القضاة علاء الدين الحاضري الأصل، الحنفي أخذ عن الشمس الدلجي وغيره، وجلس بمكتب العدول على باب جامع حلب الشرقي، وناب محكمة الجمال يوسف بن اسكندر الحنفي، وكتب بخطه كثيراً من الكتب العلمية ووعظ بجامع حلب، وكان صالحاً عفيفاً سليم الصدر توفي في شوال سنة سبع وثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
علي بن أحمد الكيزواني
علي بن أحمد بن محمد، الشيخ العابد، الزاهد، المسلك العارف بالله تعالى أبو الحسن الكيزواني، الحموي، الصوفي، الشاذلي، وهو منسوب إلى كازوا، وقياس النسبة الكازواني، وهو اشتهر بالكيزواني، وكان يقول: أنا الكي زواني الكزواني كان له اطلاع على الخواطر، وله تآليف لطيفة في علوم القوم منها كتاب سماه زاد المساكين ونقل ابن الحنبلي في تاريخه عن تاريخ جار الله بن فهد المكي أن الكيزواني ولد تقريباً في عاشر رجب سنة ثمان وثمانين وثمانمائة، وأنه توجه صحبة الشيخ علوان حموي إلى بروسا من بلاد الروم سنة ثمان وتسعمائة، وأقام في صحبته عند سيدي علي بن ميمون نحو شهرين، وعاد في صحبته إلى صالحية دمشق، وأنه لازم سيدي علي بن ميمون، انتفع به، وتهذب بأخلاقه، وذكر صاحب الشقائق النعمانية: أنه سافر مع سيدي علي بن ميمون في نواحي حماة، وكانت الأسد كثيرة في تلك النواحي، فتعرض لهم الأسد، فشكوا منه إلى الشيخ ابن ميمون. فقال: اذنوا فأذنوا، فلم يبرح، فذكروا ذلك للشيخ فقال: اذنوا ثانياً، فلم يبرح، فتقدم الكازواني، فغاب الأسد عن أعينهم، ولم يعلموا أخسفت به الأرض أم ذاب في مكانه، فذكروا ذلك لسيدي علي بن ميمون فغضب على الكازواني، وقال له: أفسدت طريقنا وطرده، ولم يقبله حتى مات، فأراد الكازواني أن يرجع إلى خلفاء الشيخ، فلم يقبلوه حتى ذهب إلى بلاد الغرب، وأتى بكتاب من الشيخ عرفة أستاذ سيدي علي بن ميمون إلى خلفاء السيد علي، وقال فيه: إن أحداً لا يرد من تاب إلى الله تعالى، وإن شيخه إنما رده لتأديبه وإخلاصه، فقبلة الشيخ علوان، ووأكل تربيته، ثم رحل إلى بلاد الروم، ثم ذهب إلى حج الشريف، وجاور بمكة إلى أن مات. وذكر ابن الحنبلي في تاريخه أنه قدم حلب، وجلس في مجلس التسليك، فاجتمع عليه خلق كثير، ولما كانت سنة ست وعشرين، وهي
стр. 513
السنة التي ورد فيها حلب أرسل الشيخ علوان إلى الشيخ زين الدين بن الشماع رسالة مبسوطة تشتمل على التنفير من الإجتماع بالكيزواني بألفاظ يابسة لا ينبغي إطلاقها في حق متدين، فقرأها ابن الشماع على غير واحد، ثم توجه ابن الشماع في السنة المذكورة إلى الحج، وجاور، فلما قدم حلب سنة ثمان وعشرين رأى أمر الكازواني في ازدياد، وقد أقبل عليه خلق كثير، فأعرض عن قراءة الرسالة، وخطر له أن يغسلها، ثم خشي أن يكون في غسلها انتقاص لكاتبها، ثم ترجح عنده غسلها فغسلها، ثم توجه الكازواني بعد انسلاخ السنة المذكورة إلى حماة، واجتمع بالشيخ علوان، واعتذر إليه عن أشياء انتقدت عليه، وجدد التوبة، فأذن الشيخ علوان حينئذ في الإجتماع به. قال ابن الشماع: وقد ظهر - ولله الحمد - أنا سبقناه إلى محو الرسالة حساً قبل محوه لها معنى، وفي ذلك برهان ظاهر على أن من أخلص النية، ألهم سلوك الطرائق المرضية، وكان مما كتبه الشيخ علوان إلى ابن الشماع عن الكازواني أنه وقف علينا تائباً، وفي المواصلة راغباً، فحكمنا بالظاهر، والله يتولى السرائر، فإن رأيتم الإجتماع معه أو عنده، فذاك إليكم، وما أريد أن أشق عليكم، وليس يخفى على علمكم الحديث المشهور التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وذكر ابن طولون أن الكازواني دخل من حلب إلى دمشق يوم الجمعة ثاني عشر شعبان سنة....، ونزل بالصالحية قاصداً التوجه إلى الحجاز، وتلقاه بعض الصوفية، وأنزله بالناصرية بسفح قاسيون، وهرعت الناس إليه للسلام عليه. قال: وهو من أعيان المحبين للشيخ محيي الدين بن العربي. قال: وكان تلميذاً للشيخ علي بن ميمون وطرده، ثم سكن حلب، وبنى له بها زاوية، وذكر الشعراوي في طبقاته وقال: أخبرني من لفظه أنه كان في بداءته يمكث خمسة شهور طاوياً لا ينام إلا جالساً، ثم ذكر جملة مما سمعه من كلامه، ثم قال: وكان بدؤ أمره بمدينة حلب، وبنى له النائب تكية عظيمة، واجتمع عليه خلائق لا يحصون، فوقعت فتنة في حلب، فقتل الدفتر دار، وقاضي العسكر يعني قرا قاضي، فقال الناس: إن ذلك باشارة الشيخ يعني الكازواني، فأخرجوه من حلب، ونفوه إلى رودس، فأقام بها ثلاث سنين، ثم رأته يعني في المنام خونة الخاص، وهو يقول لي أن أقيم بمكة، ولا أرجع إلى حلب. فقال: من تكون. قال! الكازواني: فكلمت عليه السلطان سليمان، فأرسل له مرسوماً بأن يسافر إلى مكة، ويقيم بها، وعمرت له خونة هناك تكية. وفيها سماط، فزاحمه أهل مكة، فتركها وسكن في
بيت عند الصفا. قال الشعراوي: وأخبرني أنه لما دخل مكة انقلبت أهلها إليه رجاء أن يتوسط لهم عند السلطان في الأرزاق لأن الخاص مكية كانت تعتقده قال: فثقل علي بذلك، فتظاهرت بالرغبة في الدنيا، وصرت كلما يأتي إلى مكة صدقة أرسلت قاصدي أسألهم أن يعطوني، فإذا أعطوني قلت: هذا يسر وعدته عليهم، فأنكروا علي وتركوني فاسترحت بذلك وراق وقتي للطواف والعبادة. وإلا فأنا بحمد الله تعالى لا أحتاج إلى صدقة أحد لأن عندي ما يكفيني، ويكفي عيالي. عند الصفا. قال الشعراوي: وأخبرني أنه لما دخل مكة انقلبت أهلها إليه رجاء أن يتوسط لهم عند السلطان في الأرزاق لأن الخاص مكية كانت تعتقده قال: فثقل علي بذلك، فتظاهرت بالرغبة في الدنيا، وصرت كلما يأتي إلى مكة صدقة أرسلت قاصدي أسألهم أن يعطوني، فإذا أعطوني قلت: هذا يسر وعدته عليهم، فأنكروا علي وتركوني فاسترحت بذلك وراق وقتي للطواف
стр. 514
والعبادة. وإلا فأنا بحمد الله تعالى لا أحتاج إلى صدقة أحد لأن عندي ما يكفيني، ويكفي عيالي.
وذكر ابن الحنبلي في تاريخه أنهم صلوا على الكازواني غائبة بحلب في رجب سنة اثنتين وخمسين لورود الخبر بموته، ثم ظهر أنه حي، ولما بلغه أنه صلي عليه تمنى أن يصلوا عليه مرة أخرى، ثم وثم قلت: ورأيت بخط بعض الفضلاء أنه صلي عليه بجامع دمشق غائبة يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة. قال ابن الحنبلي: وكانت وفاته بين مكة والطائف في رجب سنة خمس وخمسين وتسعمائة إلا أنه حمل، ودفن بمكة، وأورد له الشعراوي في الطبقات الكبرى:
القصد رمز، فكن ذكياً ... والرسم سر على الأشاير
فلا تقف مع حروف رسم ... كل المظاهر لها ستاير
علي بن بكار السرميني: علي بن بكار بن علي، الشيخ علاء الدين المؤدب السرميني، الحلبي، قرأ القران العظيم على ابن الدهن، والبدر بن السيوفي، ثم لازم إقراء الأطفال في داره سنين في جماعة من أهل الخير والصلاح، وكان من عادته أن يدعو ويرفع صوته يطوله عند قوله: اللهم أعنا على سكرات الموت، وما قبل الموت، وما بعد الموت،. فاتفق له أنه مات فجأة في أواخر الورد، وهو على وضوء كما مات صاحب الورد المذكور كذلك، وكانت وفاته في ربيع الأول سنة خمس وأربعين وتسعمائة.
علي بن صالح الكلزلي
علي بن صالح بن إسماعيل بن يوسف، الأديب الشاعر الحلبي المشهور بدرويش علي بن الكلزلي. له شعر ملحون وربما جمع فيه بين بيتين كل واحد من بحر لعدم إلمامه بالعربية والوزن لكن كان له ذكاء، وحكي أن رجلاً عرف بشيخ الشيوخ الأنصاري أنشد لنفسه:
ذكر الصبا فصبا، وكان قد ارعوى ... صب على عرش الغرام قد استوى
فذيل عليه القاضي جابر التنوخي، الحلبي بقوله:
تجري مدامعه ويخفق قلبه ... فترى العشيق على الحقيقة واللوى
стр. 515
وإذا تألق بارق من بارق ... طفقت تنم عليه أسرار الجوى
فذيل عليه الدرويش علي بقوله:
وأنا نذير العاشقين فمن يرد ... طول الحياة فلا يذوقن الهوى
فخذوا أحاديث الهوى عن صادق ... ما ضل عن شرع الغرام ولا غوى
مات سنة ثمان وأربعين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
علي بن حسن الجراعي
علي بن حسن بن أبي مشعل، الشيخ الإمام العلامة علاء الدين الجراعي، ثم الدمشقي، الشافعي، المشهور بالقيمري لكونه كان يسكن بمحلة القيمرية تجاه القيمرية الكبرى. قرأ في علم القراءات على الشيخ شمس الدين ابن الملاح، وفيه وفي العربية على الجمال البويضي، وتفقه على الشيخ تقي الدين القارىء، وأجازه بالإفتاء والتدريس. كذا قال ابن طولون، وذكره شيخ الإسلام الوالد في فهرست من قرأ عليه، وقال: قرأ علي دروساً من الخزرجية، ودروساً من أوائل شرحي على منظومة الوالد في الأصول، وجانباً من تفسير البيضاوي. قال: وصحبني في قرآتي على شيخ الإسلام تقي الدين ابن قاضي عجلون، وسمعت بقراءته عليه ربع صحيح البخاري الأول، وشيئاً من صحيح مسلم، وشيئاً من سنن أبي داود، وشيئاً من ابن ماجة. قال: وهو من المحبين الصلحاء الأفاضل. انتهى.
وقال ابن طولون: كان يقرىء الأطفال، ثم ولي نصف إمامة الشافعية بالجامع الأموي.
قلت: وكانت ولايته لنصف الإمامة المذكورة بتفرغ شيخ الإسلام الوالد له عنها في سنة خمس وأربعين وتسعمائة، وهي سنة وفاة شيخنا الشيخ تقي الدين القارىء المتولي لنصف الإمامة الثانية، ووجه النصف المذكور بعده للشيخ شهاب الدين الطيبي تلميذه في السنة المذكورة، ثم ولي نصف الإمامة بعد القيمري الشيخ شهاب الدين الفلوجي شريكاً للطيبي، وتصدر الشيخ علاء الدين القيمري آخرا للإقراء بمقصورة الجامع الأموي في تفسير البيضاوي، ثم في تفسير البغوي، ومات ولم يكمله، ثم درس في البقعه المذكورة بعد القيمري الشيخ علاء الدين بن عماد الدين، وكان القيمري يكتب المصاحف للسبعة وللعشرة من طريق تحبير التيسير، وحرز الأماني، والحرة، وكان خطه حسناً. قاسى علة البطن مدة، ثم مات بها شهيداً يوم السبت
стр. 516
حادي عشر جمادى الأولى سنة تسع - بتقديم التاء - وأربعين وتسعمئة، ودفن بوصية منه في تربة باب الصغير إلى جانب أخ له في الله صالح.
علي بن شعبان الطرابلسي
علي بن شعبان بن محمد، الشيخ علاء الدين الطرابلسي، الشافعي، الشهير بأبيه. قرأ على شيخ الإسلام الوالد في البهجة، وسمع عليه دروس غيره في الفقه والنحو، وترجمه بالفيض والبكاء، فكان اشتغاله عليه في سنة خمس وثلاثين وتسعمائة.
علي بن عبد اللطيف القزويني
علي بن عبد اللطيف بن قطب الدين بن عبد الله بن محمد بن محمد بن أحمد، الشهير بأبدكا الحسيني، القزويني، الشافعي، المعروف بقاضي علي. كان من بيت علم وقضاء، وولي قضاء قزوين، ثم تركه وكتب بها على الفتوى، ثم دخل بلاد الشام، وحج وأخذ شيئاً من الحديث على شيخ الإسلام تقي الدين القاء وعن غيره، ثم عاد إلى بلاده، فدخل حلب في طريقه، فاستجازه ابن الحنبلي فأجاز له، ثم توفي في بلده على ما قيل في سنة تسع - بتقديم التاء - وأربعين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
علي بن عطية بن علوان الحموي
علي بن عطية بن الحسن بن محمد بن الحداد الشيخ الإمام العلامة، القرم الهمام الفهامة، شيخ الفقهاء والأصوليين، وأستاذ الأولياء والعارفين، الشيخ علوان الهيتي الشافعي، الحموي، الشافعي، الصوفي، الشاذلي، سمع على الشمس محمد بن داود البازلي كثيراً من البخاري، وقرأ عليه من أول مسلم إلى أثناء كتاب الصلاة، وسمع أيضاً بعض البخاري بحماة على الشيخ نور الدين علي بن زهرة الحنبلي الحمصي، وأخذ عن القطب الخيضري، وعن البرهان الناجي، والبدر حسن بن شهاب الدمشقيين وغيرهم من أهلها، وعن ابن السلامي الحلبي، وابن الناسخ الطرابلسي، والفخر عثمان الديمي المصري، وقرأ على محمود بن حسن بن علي البزوري الحموي، ثم الدمشقي، وأخذ طريقة التصوف على السيد الشريف أبي الحسن علي بن ميمون المغربي، حدثني شيخنا - فسح الله تعالى في مدته - مراراً عن والده الشيخ يونس أن الشيخ علوان حدثه في سنة أربع وعشرين وتسعمائة. كان واعظاً بحماة على عادة الوعاظ من الكراريس بأحاديث الرقائق،
стр. 517
ونوادر الحكم، ومحاسن الأخبار والاثار، فمر به السيد الحسيب النسيب سيدي علي بن ميمون، وهو يعظ بحماة، فوقف عليه، وقال يا علوان عظ من الرأس، ولا تعظ من الكراس، فلم يعبأ به الشيخ علوان، فأعاد عليه القول ثانياً وثالثاً. قال الشيخ علوان: فتنبهت عند ذلك، وعلمت أنه من أولياء الله تعالى. قال: فقلت له يا سيدي لا أحسن أن أعظ من الرأس - يعني غيباً - فقال: بل عظ من الرأس، فقلت: يا سيدي إذاً أمددتموني. قال: افعل، وتوكل على الله. قال: فلما أصبحت جئت إلى المجلس، ومعي الكراس في كمي احتياطاً. قال: فلما جلست فإذا بالسيد في قبالتي. قال: فابتدأت غيباً، وفتح الله تعالى علي، واستمر الفتح إلى الآن، وقرأت بخط الشيخ يونس هذه الحكاية بمعنى ما ذكرت، وقرأت بخطه أن اجتماعه به كان في نهار السبت ثامن عشر شوال سنة أربع وعشرين المذكورة عند توجهه إلى مكة المشرفة في مدرسة تنم بمحلة ميدان الحصا، وأنه قرأ عليه خاتمة التصوف للشيخ تاج الدين السبكي من جمع الجوامع، واستجازه وأجازه قال: واعتذر إلي في الفقه، وقال: لما صرت أطالع كتب الغزالي اشتغلت عنه. قال: وذكر لي أنه لما اجتمع بسيدي علي بن ميمون أمره بمطالعة الإحياء، وقال: كان من تلاميذ شيخنا الإمام تقي الدين البلاطنسي لما كان في حماة قال: وكان شيخنا يثني عليه. انتهى.
وبالجملة فإن سيدي علوان ممن أجمع الناس على جلالته، وتقدمه وجمعه بين العلم والعمل، وانتفع به الناس وبتآليفه في الفقه والأصول والتصوف، وتآليفه مشهورة منها المنظومة الميمية المسماة بالجوهر المحبوك، في علم السلوك، وكتاب مصباح الهداية، ومفتاح الدراية، وفي الفقه وكتاب النصائح المهمة، للملوك والأئمة، وبيان المعاني، في شرح عقيدة الشيباني، وعقيدة مختصرة، وشرحها، ورسالة سماها فتح اللطيف، بأسرار التصريف، على نهج رسالة شيخه التي وضعها في إشارات الجرومية، وشرح تائية ابن الفارض كتبته من خطه، وشرح تائية الشيخ عبد القادر بن حبيب الصفدي، وهو أشهر كتبه، وكتاب مجلى الحزن في مناقبشيخه السيد الشريف أبي الحسن والنفحات القدسية، في شرح الأبيات الشبشترية وهي التي نقلها سيدي أحمد زروق في شرح الحكم العطائية من قوله:
فلا يلتفت في الشيء غيرا فكلما ... سوى الله غير فاتخذ ذكره حصنا
стр. 518
وكل مقام لا يقم فيه إنه ... حجاب فجد السير فاستنجد العونا
ومهما ترى كل المراتب تحتلى ... عليك فحل عنها فعن مثلها حلنا
وقل ليس لي إلا مرادك مطلب ... ولا صورة تجلى ولا طرفة تجنى
وهي رسالة لطيفة جمعها بين نظم ونثر التمسها منه ملتمس، فألفها، وقال في آخرها مخاطباً لذلك الملتمس:
لقد حركت أشجان المشوق ... بما أرسلت تسأل يا صديقي
فهاك جواب نظم ضمن نظم ... ونثر فاق في علم الطريق
ومن نظم سيدي علوان في الرسالة المذكورة:
القتل في الحب أسنى منية الرجل ... طوبى لمن مات بين السيف والأسل
سيف اللحاظ ورمح القد كم قتلا ... من مستهام فقاداه إلى الأجل
لو تعلم الروح فيمن أهدرت تلفاً ... أصخت ومقدارها في نيل ذاك علي
إن الغرام وإن أشفى السقيم به ... على الهلاك لدرياق من العلل
يا حبذا سقمي فيهم وسفك دمي ... به ارتفعت بلا شك على زحل
أحباب قلبي بعيش قد مضى بكم ... جودوا بوصل فأنتم غاية الأمل
أشكوا انقطاعي وهجري والصدود لكم ... إن تقطعوا بانصرام الود ما حيلي
وحق معنى جمال يجتلى أبداً ... من حسن طلعتكم قدماً من الأزل
ما حلت عنكم ولا أبغي بكم بدلاً ... فليس من شيمتي ميل إلى البدل
هيهات أن أنثني يوما إلى أحد ... وليس غيركم في الكون يصلح لي
ومن نظمه ما أنشده - رضي الله تعالى عنه - في شرحه لتائية ابن الفارض:
سر سري لم يغب ... وتراني أطلب
أن أراني حاضراً ... إذ به عيش يطب
فتعجب يا فتى ... من بعيد مقترب
стр. 519
إن أغب عن طلبي ... فشهودي ما كذب
ومما وجدته بخطه والغالب عندي أنه من نظمه أيضاً:
من يكن في خلدي ... ليس شيء يحجبه
دائماً عندي معي ... وفؤادي يطلبه
ذا عجيب كل من ... خاله يستغربه
شمسه إن طلعت ... كان سري مغربه
ومنه ما أنشده في شرحه على تائية ابن حبيب:
بجمع وفرق وفرق وجمع ... وشرع وحق وحق وشرع
ينال الفتى كلما يرتجي ... بتنزيه طرف وإلقاء سمع
وترك هوى باتباع الهدى ... وتقديس سر وتنزيه طبع
عليك بها أيها إنها ... جماع لخير ومفتاح جمع
وقد التمس مني بعض أفاضل الصلحاء أن أكتب لهذه الأبيات شرحاً لطيفاً، فكتبت عليه
تأليفاً منيفاً، لم أر فيه ترتيباً وتصنيفاً، وسميته بالهمع الهتان، في شرح أبيات الجمع للشيخ علوان، وقرأت بخط الشيخ شمس الدين بن طولون في تاريخه وأخبرنا عنه شيخنا الزين ابن سلطان الحنفي وغيره. قال: وفي يوم الأربعاء ثالث عشري جمادى الآخرة يعني سنة خمس وثلاثين وتسعمائة، وصل إلي كتاب محدث حلب زين الدين بن الشماع الحلبي، وفيه وقد توجهت في العام الماضي سنة أربع وثلاثين إلى حماة في أول رمضان، وأقمت عند شيخ الوقت سيدي علوان الشافعي، فأكرمني وأنزلني في خلوته، وسمعت منه أشياء، وقد أذكرني حاله قول علي بن الفضل بن عياض لأبيه، كما في آخر جزء البطاقة يا أبه ما أحلى كلام أصحاب محمد ﷺ قال: يا بني وتدري لم حلي قال لا قال: لأنهم أرادوا به الله تعالى قال: وكذلك أقول: في سيدي علوان نفعني الله تعالى وإياكم، وسائر المسلمين ببركاته قال: ثم قرأ علي ولداه أبو الوفاء محمد وأبو الفتح محمد ثلاثيات البخاري وغيرها، وأنشدت في معنى بعض حديث الثلاثيات لو أقسم على الله لأبره من نظم الشهاب الحجازي.
رب ذي طمرين نضو ... يأمن العالم شره
لا يرى إلا غنياً ... وهو لا يملك ذره
ثم لو أقسم في ش ... يء على الله أبره
قال ابن طولون: قلت وقد أنشدني هذه الأبيات قاضي قضاة مصر الكمال الطويل
стр. 520
الشافعي للحافظ زين الدين العراقي، والأول أصوب والله أعلم قال ابن الشماع، وسمع ذلك من لفظي سيدي الشيخ علوان فنظم في معنى ذلك في يومه:
رب ذي طمرين أشعث ... يعتريه وصف غيره
ترك الدنيا اختياراً ... فهو لا يملك ذره
خامل الذكر حقير ... مهمل يجهل قدره
إن دنا يوماً علينا ... فهو مدوفوع بمره
وله جاه وقدر ... عند مولانا وشهره
فهو لو آلى على الل ... هـ يميناً لأبره
هكذا قد صح نقلاً ... في قرون مستمره
إن من كان كهذا ... يرتجي رزقاً ونصره
قاله المختار حقاً ... ناصحاً صحباً وعتره
فعليه الله صلى ... ضعف ألف ألف مره
وكذا أضعاف هذا ... حيث لا يحصى لكثره
وكان سيدي علوان قد سمع الحديث من الشيخ زين الدين بن الشماع انتهى.
وأخذ ابن الشماع الطريق عن سيدي علوان، فكل واحد منهما شيخ للآخر، وتلميذ وذلك يدل على إنصاف كل واحد منهما وإتصافه بالإتضاع وحسن الخلق، وتحصيل الفائدة من كل شيء من أخلاق المؤمنين والصالحين، وقد قرأت في إجازة ابن الشماع للشيخ شهاب الدين الطيبي مقرىء دمشق، وأورعها حين ورد ابن الشماع دمشق في سنة اثنين وثلاثين وتسعمائة، وقد وقفت على الإجازة المذكورة بخط ابن الشماع أن الشيخ علوان أنشده لنفسه بعد سماع سيدي علوان للحديث المسلسل بالأولويه من لفظ ابن الشماع:
استبق للخير تغنم ... وارحم الخلق لترحم
قد روينا في حديث ... مسند ليس ليكتم
إنما رب البرايا ... لأولي الرحمة يرحم
نجل شماع رواه ... وروينا عنه فأفهم
من طريق عن فريق ... سلسلوه فتقدم
وحدثت أن سيدي الشيخ علوان، وسيدي محمد بن عراق حجا معاً، في سنه واحدة
стр. 521
وكان سيدي محمد بن عراق ماشياً، والشيخ علوان في محمل، فبلغ الشيخ علوان في أثناء الطريق أن سيدي محمد بن عراق مرض، ومنعه المرض من المشي، وطرحه إلى الأرض فقصده الشيخ علوان فقال له: يا أخي ما هذا قال: أمر الله قال: يا أخي تركب في محملي قال: لا إني عاهدت الله أن أمشي إلى بيته قال الشيخ علوان: هذا لا يكون كيف تمشي وأنت مريض، ونركب ونحن أصحاء قال: فكيف الحال قال: نحن نحمل عنك فما افترقا حتى قام سيدي محمد بن عراق صحيحاً، ليس به بأس، ولزم الشيخ علوان المحمل مريضاً، وكرامات الشيخ علوان كثيرة منها ما ذكره ولده سيدي محمد شمس الدين في كتابه المسمى بتحفة الحبيب، وقد وقفت عليه جملة منها أنه شكا إليه بعض أصحابه أنه لا يرزق ولداً، ولم يزل يعرض له بذلك، فبينما هو وإياه في الحمام ليلة من الليالي أو يوماً من الأيام إذ بالشيخ قد أخذته الحال، فناداني وقال: ادن مني، ثم ضرب بيده المباركة على صلبه، فعند ذلك رزق اعداداً من الذكور، ومنها أنه كان ليلة من الليالي يتكلم في طريق السلوك مع بعض فقرائه، بعد صلاة العشاء في بيت، وفي البيت سراج موقد ففرغ منه الزيت فقام بعض فقرائه يصب فيه زيتاً، فانطفأ فأراد أن يشعله فقال له الشيخ، اقعد فإن من عباد الله من إذا قال للسراج اتقد من غير زيت، ولا دهن، يتقد فما فرغ الشيخ من كلامه إلا والسراج قد اتقد من غير زيت، ولا شي من الأدهان إلى آخر الليل واستمر كذلك إلى قرب طلوع الشمس. قال: وأظن الراوي قال في هذه الرواية ولم ينطفىء حتى جاء الشيخ وأطفأه بنفسه قال: وأخبرني بعض أهل العلم وكان مسافراً في مصر أنه كان عند إيابه في أثناء الطريق، فحصل لدابته عي، وقد تركه الرفقاء وساروا وبقي وحيداً فريداً، فنادى الشيخ باسمه فلم يلبث يسيراً إلا وهو بالشيخ الوالد وافقاً عنده فقال له: ملاطفاً مؤنساً من الذي قطعك يا فلان عن القافلة، فتذر إليه بما حصل لدابته فما هو إلا أن أخذ بطرف من أطرافها وأقامها وحمل عليها أمتعته، ثم ركبه إياها، ثم أوصله إلى القافلة في أسرع مدة فتفقد ذلك الرجل، فلم يجده ولم يدر أين مضى قال: وأخبرني ثقات من أصحابه وكانوا تجاراً ببعض أطراف الهند في مركب من مراكب التجار، وإذا بالرياح اختلفت عليهم حتى أشرفوا على الهلاك فاستغاثوا باسم الوالد، فإذا به قد خرج على شكله المعهود من البحر، وعليه ثيابه التي يعتاد لبسها، فحمل المركب على عاتقه، ولم يزل حتى أوصل السفينة بمن فيها إلى ساحل السلامة، والناس ينظرون إلى ذلك حتى غاب عنهم قال وكم شوهد مناماً ويقظة في كثير من المحاضر والمجالس قال: ولما فتح السلطان رودس شوهد الشيخ الوالد راكباً على فرس شهباء أو بيضاء، وقبل فتحها بنحو ساعة شهد قوم الشيخ قد تقدم، وفتح باب المدينة فمشى ذلك الرجل المشاهد له، وأخبر بعض الوزراء، والخواص فابتدورا باب المدينة، فإذا به مفتوح، فدخلوا فلما جاءوا بعض الكنائس، وجدوا الشيخ ومعه
стр. 522
طائفة يصلون، ويهللون، ويكبرون، ويرفعون أصواتهم بكلمة الإسلام، والصلاة على النبي ﷺ ، فجاءه ذلك الرجل، وابتدر الشيخ بالسلام، فنظر الشيخ إليه مغضباً، وخفي عن بصره، فأخبر بعض الوزراء وحوله جماعة، فصدقه بعض الحاضرين وقال: أنا رأيت ذلك الرجل يعني على ذلك الوصف، فتعجب الوزير من ذلك، وزاد اعتقاده فيه، ثم لما رجع الرجل اجتمع بالشيخ بحماة، وبكى فقال لا تفش شيئاً مما رأيت تهلك فكأنه كلم بعض الناس خفية فأرسل خلفه، وزجره وقال له مالك وللوصول إلى ساحة هذا الكلام، أما علمت أن من حسن إسلام المرء تركة ما لا يعنيه قال:. ولقد أخبرني لصوص بعد توبتهم بأنهم جاءوا إلى زاوية الشيخ بقصد أذيته فوجدوه قائماً يصلي، والمحل ممتلىء عليه نوراً، وكانت الليلة مظلمة، ولم يكن ثم سراج، ولا قنديل قال: ومما حكي لي بعض من لا أستريب في صدقه أنه تغلب عليه بعض أعوان الظلمة، وأخذه من بلدته قهراً وسجن، وقيد ووضع الحديد في عنقه، وبقية أعضائه بالسلاسل، والأغلال فاستغاث ليلاً بسيدي الشيخ والوالد، فتساقطت عنه الأغلال والقيود، فقام واقفاً وإذا بباب مفتوح له وإذا بالسجانين رقود على باب السجن، ولم يزل في أمن منهم ومن غيرهم حتى وصل إلى بلدته سالماً قال: ولقد قال
لبعض أصحابه سنة من السنين في رمضان إذا كنت غداً في مجلس الكلام، والوعظ يمر على باب المسجد ثلاثة من اليهود، فأما اثنان منهم، فينصرفان والواحد يقف على باب المسجد، ويسمع، ثم لا ينفصل المجلس إلا وقد دخل في الإسلام فإني خيرت بين أن يموت رجل في مجلسي وبين أن يسلم يهودي، فسألت الله تعالى إسلام اليهودي وحياة المسلم، فوجدت في قلبي ثبوت ذلك فلما أصبح الشيخ وجلس في جامعه على كرسيه، وأخذ في الكلام كان الأمر كما قال: ولما توجه سيدي الوالد إلى زيارة سيدي علي بن ميمون وهو ببروسا، فلما وصل إليه الشيخ فوض إليه أمر تربية الفقراء، فوقف الشيخ علي بن ميمون على باب المجلس، وكلما مر به ملأ من فقرائه من أولي العلم، والفضل والموالي وغيرهم يقول لهم: ادخلوا اسمعوا كلام الطريق، من أخلاق وعرفان وتحقيق، نعم هكذا وهكذا وهو واقف يسمع كلام الشيخ علوان ويضرب على ركبتيه فرحاً وسروراً وقال: بعض أهل الصلاح أشهد علي سيدي علي بن ميمون لست بشيخ وإنما أنا كرجل علم بكنز في بلدة فأراد أن يعم الإنتفاع به كل أحد فجاءنا فاستخرج ما فيه، ثم دل الناس عليه ومضى في حال سبيله فالكنز المعمى علوان، وقد أتى ابن ميمون فاستخرج ما فيه من العلوم والمعارف، ودل الناس على الإنتفاع به، والأخذ عنه قال: وأخبرني مرة أخرى عن ابن ميمون أنه قال في حق سيدي علوان: استمسكوا بهنا الرجل فوالله ليغرى له ملوك الأرض اعتقاداً وانتقادا وكأني أراهم على بابه زيارة وحياء واعتقاداً وتبركاً وليملأن الله تعالى ذكره في البلاد شرقاً وغرباً، وليسكنن الله القلوب حبه، وكان كما قال: انتهى ما نقله عن تحفة الحبيب لولده سيدي محمد رضي الله تعالى عنهما، وقد انتفع بالشيخ علوان جماعة حتى صار كل واحد منهم قدوة منهم ولداه سيدي محمد أبو الفتح، وسيدي محمد أبو الوفاء، ومنهم الشيخ العارف سيدي الشيخ عمر الحموي الاسكاف العقيبي نزيل دمشق، وكانت وفاة الشيخ علوان بحماة في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وتسعمائة قال ولده: سيدي محمد في تحفة الحبيب وقد أخبرني بموته قبل حلول مرضه، وعرف بأمور تصدر في بلدته وغيرها بعد موته من أصحابه وغيرهم، فجاءت مواعيده التي أشار بها كفلق الصبح قال: وفي يوم موته طلب أن يتيمم، ثم دخل في الصلاة فبينما هو عند قوله إياك نعبد وإياك نستعين إذ خرجت روحه أو وصلت إلى الغرغرة، وذكر ابن طولون أن خبر وفاة الشيخ علوان وصل إلى دمشق في يوم الثلاثاء حادي عشري جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وتسعمائة وأنه مات وقد قارب الثمانين قال وصلي عليه بعد يومين غائبة بعد صلاة الجمعة بالجامع الأموي، وعرض خطيبه الجلال البصروي لذكره في الخطبة فانتحب الناس بالبكاء عليه، وكان قد توفي يوم الخميس سادس هذا الشهر، ودفن بالمكان الذي كان يعظ به قال: وسافر عقيب هذه الخطبة الشيخ عمر الإسكاف تلميذه إلى تعزية ولديه ومعه الفقراء، وعاد بسرعة فإنه لم يلبث في حماة سوى ليلة وأسرى صبيحتها انتهى. ض أصحابه سنة من السنين في رمضان إذا كنت غداً في مجلس الكلام، والوعظ يمر على باب المسجد ثلاثة من اليهود، فأما اثنان منهم، فينصرفان والواحد يقف على باب المسجد، ويسمع، ثم لا ينفصل المجلس إلا وقد دخل في الإسلام فإني خيرت بين أن يموت رجل في مجلسي وبين أن يسلم يهودي، فسألت الله تعالى إسلام اليهودي وحياة المسلم، فوجدت في قلبي ثبوت ذلك فلما أصبح الشيخ وجلس في جامعه على كرسيه، وأخذ في الكلام كان الأمر كما قال: ولما توجه سيدي الوالد إلى زيارة سيدي علي بن ميمون وهو ببروسا، فلما وصل إليه الشيخ فوض إليه أمر تربية الفقراء، فوقف الشيخ علي بن ميمون على باب المجلس، وكلما مر به ملأ من فقرائه من أولي العلم، والفضل والموالي وغيرهم يقول لهم: ادخلوا اسمعوا كلام الطريق، من أخلاق وعرفان وتحقيق، نعم هكذا وهكذا وهو واقف يسمع كلام الشيخ علوان ويضرب على ركبتيه فرحاً وسروراً وقال: بعض أهل الصلاح أشهد علي سيدي علي بن ميمون لست بشيخ وإنما أنا كرجل علم بكنز في بلدة فأراد أن يعم الإنتفاع به كل أحد فجاءنا فاستخرج ما فيه، ثم دل الناس عليه ومضى في حال سبيله فالكنز المعمى علوان، وقد أتى ابن ميمون فاستخرج ما فيه من العلوم والمعارف، ودل الناس على الإنتفاع به، والأخذ عنه قال: وأخبرني مرة أخرى عن ابن ميمون أنه قال في حق سيدي علوان: استمسكوا بهنا الرجل فوالله ليغرى له ملوك الأرض اعتقاداً وانتقادا وكأني أراهم على بابه زيارة وحياء واعتقاداً وتبركاً وليملأن الله تعالى ذكره في البلاد شرقاً وغرباً، وليسكنن الله القلوب حبه، وكان كما قال: انتهى ما نقله عن تحفة
стр. 523
الحبيب لولده سيدي محمد رضي الله تعالى عنهما، وقد انتفع بالشيخ علوان جماعة حتى صار كل واحد منهم قدوة منهم ولداه سيدي محمد أبو الفتح، وسيدي محمد أبو الوفاء، ومنهم الشيخ العارف سيدي الشيخ عمر الحموي الاسكاف العقيبي نزيل دمشق، وكانت وفاة الشيخ علوان بحماة في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وتسعمائة قال ولده: سيدي محمد في تحفة الحبيب وقد أخبرني بموته قبل حلول مرضه، وعرف بأمور تصدر في بلدته وغيرها بعد موته من أصحابه وغيرهم، فجاءت مواعيده التي أشار بها كفلق الصبح قال: وفي يوم موته طلب أن يتيمم، ثم دخل في الصلاة فبينما هو عند قوله إياك نعبد وإياك نستعين إذ خرجت روحه أو وصلت إلى الغرغرة، وذكر ابن طولون أن خبر وفاة الشيخ علوان وصل إلى دمشق في يوم الثلاثاء حادي عشري جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وتسعمائة وأنه مات وقد قارب الثمانين قال وصلي عليه بعد يومين غائبة بعد صلاة الجمعة بالجامع الأموي، وعرض خطيبه الجلال البصروي لذكره في الخطبة فانتحب الناس بالبكاء عليه، وكان قد توفي يوم الخميس سادس هذا الشهر، ودفن بالمكان الذي كان يعظ به قال: وسافر عقيب هذه الخطبة الشيخ عمر الإسكاف تلميذه إلى تعزية ولديه ومعه الفقراء، وعاد بسرعة فإنه لم يلبث في حماة سوى ليلة وأسرى صبيحتها انتهى.
وقرأت بخط الشيخ موسى الكناوي أنه اجتمع بالشيخ علوان مرتين بدمشق في ذهابه إلى الحج سنة أربع وعشرين، وفي إيابه، وطلب منه الدعاء فدعا له، وإنه مات في التاريخ المذكور عن ثلاث وستين سنة، ولعل هذا أقرب مما ذكره ابن طولون ومن اللطائف أن الشيخ علوان بعث مكتوباً إلى دمشق أخبر فيه بموت صاحبه شيخه في الحديث، ومريده في الطريق المحدث زين الدين بن الشماع أنه مات بحلب، فوصل مكتوب الشيخ علوان إلى دمشق يوم الجمعة سابع ربيع الأول سنة ست وثلاثين المذكورة، ولم تتفق الصلاة الغائبة على ابن الشماع إلا في الجمعة الثالثة للجمعة التي صلي على الشيخ علوان، وذلك في يوم الجمعة حادي عشري جمادى الأولى سنة ست وثلاثين المذكورة، وكان ذلك على وفاق ما كان يعتقده ابن الشماع من فضل الشيخ علوان، وتقدمه عليه واعتارف ابن الشماع بالشيخية.
علي بن الكركية
علي بن عمر بن عبد الرحمن، الشيخ الأصيل علاء الدين الشهير بابن الكركية الحلبي الشافعي، خطيب جامع الطنبغا العلائي بحلب، توفي في رجب سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة قال ابن الحنبلي: واتفق له في آخر خطبة خطبها أن قال رزق مقسوم، وأجل معلوم، وعمر بالموت محتوم.
стр. 524
علي نور الدين الطرابلسي
علي بن ياسين، الشيخ الإسلام نور الدين الطرابلسي شيخ الحنفية بمصر، وقاضي قضاتها، اشتغل على قاضي القضاة شمس الدين الغزي، والشيخ صلاح الدين، وكان عنده ديانة، وتقشف، وتفنن في العلوم، ولي قضاء القضاة في الدولة السليمية، ثم في الدولة السليمانية إلى أن جاء قاض لمصر رومي من قبل السلطان سليمان، فعزله واستمر معزولاً يفتي ويدرس إلى أن مات، وهو ملازم على النسك والعبادة قال الشعراوي: وكان لا يأكل من معلوم محكمة شيئاً مع أنه ولي مكرهاً، وكان كثير الصدقة سراً وجهراً قال: وأنكر عليه قضاة الأروام بسبب إفتائه بمذهبه الراجح عنده وكاتبوا فيه السلطان، وجرحوه بما هو بريء منه، فأرسل السلطان يأمر بقتله أو بنفيه فوصل المرسوم يوم موته بعد أن دفناه، وكانت هذه كرامة له. انتهى.
وكانت وفاته سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة، ولم يصل عليه قاضي مصر يومئذ لكونه كان أفتى عليه، فعرض فيه بما ذكر آنفاً، وصلي عليه غائبة بدمشق بالأموي يوم الجمعة سادس عشري ربيع الثاني منها.
علي بن يوسف الوديني
علي بن يوسف الرومي الوديني الحنفي الصوفي الخلواتي، والمعروف بكاتب أوقاف الحرمين الشريفين بحلب، ولد بودين بكسر الواو والدال المهملة من بلاد روم إيلي سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، وكان يعرف بها بابن مراد لكون من طائفة يعرفون بها ببني مراد، وفيها تسلك ولبس الخرقة، ودخل الخلوة على يدي والده وصار له ذوق بكلام القوم، وسلسلة في الطريق ينتهي إلى خوجه علي بن خوجه عمر روشني، دخل بلاد الشام ومصر حج وزار بيت المقدس، وتولى البيمارستان النوري بدمشق، ثم نظر حلب وتولى كتابة أوقاف الحرمين بها من سنة تسع - بتقديم التاء - وعشرين وتسعمائة وبقي فيها مدة حتى كانت سنة إحدى وستين، حين كان السلطان بحلب عزم على تركها، فأبرم عليه بعض أركان الدولة أن لا يتركها لرضى أهل الحرمين الشريفين به، فبقيت في يده إلى أن مات في ربيع الأول سنة خمس وستين وتسعمائة.
علي بن شتي
علي الشيخ الصالح علاء الدين العسقلاني الأصل، الخليلي المعروف بابن شتي بضم أوله وفي آخره ياء مشددة تحتانية، ذكر ابن طولون في تاريخه عن الشمس ابن القويض الطبيب أنه أخبره حين قدم دمشق مع قاضيها يوسف عاشر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة أنه اجتمع في بلد الخليل بالشيخ علي المذكور قال ابن طولون: وكان
стр. 525
جده صالحاً، وكان الشيخ علي هذا قد ارتكبته ديون، فلازم ضريح سيدي إسحاق الغيور، ففي بعض الأيام قيل شاهد سيدي إسحاق وأنا شاهد نوراً طلع من عنده فادعى رؤيته يقظة، فأنكر عليه ذلك فصار كل من أنكر ذلك عليه يقع إلى الأرض مصروعاً، فامتنع الناس من الإنكار عليه وتلمذ له جماعة، وصار حالهم كحاله قال ابن طولون: وقد كان صنف العلامة الجلال السيوطي شيخنا في معنى ذلك كتابه المسمى بنور الحلك في جواز رؤية النبي والملك انتهى. قلت وقفت على هذا الكتاب، ولخصته في شرح ألفية جدي المسماة بالجوهر الفريد، في آداب الصوفي والمريد، والظاهر أن وفاة الشيخ علي المذكور تأخرت عن هذا العام أعني عام ثلاثة وثلاثين وتسعمائة فهو من هذه الطبقة رحمه الله تعالى.
علي التبريزي
علي المنلا علي العجمي التبريزي، ثم الصالحي الحنفي نزيل صالحية دمشق، كان شيخ التكية السليمية، وكان له خط حسن على طريقة العجم، وله سكون وصيانة توفي ليلة الجمعة تاسع عشر صفر سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة.
علي المقدسي
علي الشيخ العالم الورع علاء الدين المقدسي الشافعي، نزيل دمشق قال والد شيخنا: كان رفيقنا على الشيخ أبي الفضل بن أبي اللطف، ثم من بعده رافقنا على الشيخ الإمام تقي الدين البلاطنسي، إلى أن مات، وكان كتاب الإرشاد يفهمه فهماً جيداً، واشتغل في المنهاج قال: وكان يتعاطى البيع والشراء برأس مال يسير بورك له فيه، مع التعفف عن الوظائف على طريقة السلف، توفي نهار الخميس ثاني شهر ذي القعدة الحرام سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة ودفن بمقبرة باب الصغير.
علي بن مكي
علي الشيخ الزاهد العابد البقاعي، ثم الدمشقي الصالحي الشافعي المعروف بابن مكي، أصله من بيت روحا من أعمال البقاع، وسكن الصالحية، ولم يتزوج قط، وكان حائكاً، ثم ترك ذلك وانقطع للعبادة، وكان ملازماً لتلاوة القرآن وصيام يوه الاثنين والخميس من كل أسبوع، والأيام البيض والسود من كل شهر، والأشهر الثلاثة من كل عام، رجب وشعبان ورمضان، وكان للناس فيه اعتقاد توفي بالصالحية يوم الخميس حادي عشر صفر سنة أربعين وتسعمائة قال ابن طولون: وصليت عليه، ودفن في أعلى الروضة من جهة الشرق، أعني تربة ابن عبادة.
علي بن عين الملك الصالحي
علي الشيخ نور الدين بن عين الملك
стр. 526
الصالحي الصوفي قال ابن طولون: كان رجلاً صالحاً محباً لطلبة العلم، ملازماً لعمل الوقت بزاوية جده عين الملك بسفح قاسيون، توفي يوم الجمعة سادس شهر شعبان سنة أربعين وتسعمائة بغتة، ودفن بحوش الزاوية.
علي البحيري
علي الشيخ الإمام العلامة نور الدين البحيري، الشافعي أحد علماء القاهرة بلغني أن المولى ابن كمال باشا كان بمصر يباحثه، وشهد له بالفضل العام، ويقول: لا تقولوا البحيري، فتصغروه، ولكنه البحري يشير إلى تبحره في العلم. توفي في سنة إحدى وأربعين وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة خامس عشر رمضان منها، وترجمه ابن طولون بأنه آخر شيوخ المصريين.
علي الشوني المحيوي
علي الشيخ الصالح، المجمع على جلالته وصلاحه نور الدين الشوني الشافعي أول من عمل طريقة المحيا في الصلاة على النبي ﷺ بمصر، وهو شيخ هذه الطريقة في مصر ونواحيها، ومكة والقدس، ودمشق وسائر البلاد ولد في قرية بالغربية، يقال: لها شون بناحية طندتا بلد سيدي أحمد البدوي، ونشأ في الصلاة على رسول الله ﷺ ، وهو صغير ببلده، وكان إذا سرح بالبهائم يعطي غداءه للصغار، ويقول: تعالوا صلوا معي على النبي ﷺ ، ثم انتقل إلى مقام سيدي أحمد البدوي، فأقام فيه مجلس الصلاة على النبي ﷺ ليلة الجمعة ويومها، فكان يجلس في جماعة من العشاء إلى الصبح، ثم من صلاة الفجر حتى يخرج لصلاة الجمعة، ثم من صلاة الجمعة إلى صلاة العصر، ومن صلاة العصر إلى المغرب فأقام على ذلك عشرين سنة، ثم خرج - رضي الله تعالى عنه - يودع شخصاً من أصحابه في المركب أيام النيل كان مسافراً إلى مصر، ففات المركب بهم وما رضي الريس يرجع بالشيخ، فدخل الشيخ مصر فأقام بالتربة البرقوقية بالصحراء، وكان يتردد إلى الأزهر للصلاة على النبي ﷺ ، فاجتمع عليه خلق كثير، واعتقله مماليك السلطان قايتباي، فانحصر منه المجاورون بالأزهر، وسعوا في إبطال المجلس واستفتوا في ذلك البرهان بن أبي شريف، فمزق رقعة الفتيا، وانتقدوا عليه كثرة الشموع والقناديل التي توقد في المجلس، وقالوا: هذا فعل المجوس، وأفتى البرهان المذكور بأنه ما دام النور يزيد بزيادة الشموع والقناديل فهو جائز، ولا يحرم إلا إذا وصل إلى حد لا يزداد الضوء به، وممن انتصر له الشيخ شهاب الدين القسطلاني، وصنف كتاباً في الرد على من أنكر على مجلس الشوني، وحث
стр. 527
على حضور المجلس، وصار يحضره ولما كتب شرحه على البخاري كان يأتي قربه، فيضعه وسط الحلقة إلى الصباح رجاء القبول، وكان إنشاؤه لمجلس الصلاة على النبي ﷺ في الأزهر سنة سبع - بتقديم السين - وتسعين بتأخيرها وثمانمائة، ولم يتزوج - رحمه الله تعالى - حتى مضى من عمره تسعون سنة اشتغالاً بالصلاة على رسول الله ﷺ ، والعبادة. قال الشعراوي: إن ورده في الصلاة على النبي ﷺ عشرة آلاف مرة ليلاً، وعشرة آلاف نهاراً، وكان حسن المعاشرة، جبلي الخلق، كريم النفس، كثير التبسم، لا يكاد قط يسمع منه كلمة فيها رائحة دعوى لمعرفة شيء من الطريق، وكان من الصفاء لا يظن أن أحداً يكذب أبداً، وكان مجبولاً على الأخلاق المحمدية، وإذا نزل بالمسلمين هم لا يقر له قرار، ولا يضحك حتى ينجلي عنهم، وكان الناس يصفونه بكثرة رؤية النبي ﷺ ، وإذا ذكر شيء من ذلك في حضرته يسكت، وكان لا يذكر نفسه في رؤية النبي ﷺ ، بل إذا ذكروا قصة يقول: رأى بعضهم رسول الله ﷺ ، وقال له: كذا كذا، وكان الناس يرونه بعرفات، وفي المطاف، ومشاهد الحج، فإذا رجعوا إلى مصر أخبروا بذلك عنه. فيقول: شبهوني حتى حلف شخص بالطلاق أنه رآه في عرفات. فقال الشيخ: أنا ما فارقت مصر. قلت: ولا شك ولا ريب أن هذا الرجل من مشاهير الأولياء والصالحين، ومجلس الصلاة على النبي ﷺ الذي ابتكره من المجالس التي تلقاها العلماء الأعلام بالقبول في أقطار الأرض، وأقاليم البلاد، وهو المجلس المعروف الآن بدمشق، وما والاها بالمحيا لأنه إنما يعمل في الغالب ليلاً، فلما كان يجيء به الليل يسمى بالمحيا، وأصل إنشائه من الشوني - رحمه الله تعالى - ثم خلفه الشيخ شهاب الدين البلقيني، والشيخ عبد الوهاب الشعراوي بالقاهرة، وكان البلقيني خليفة الشيخ الذي جلس مكانه في الأزهر، وكان الشعرواي في جامع الغمري، وذكر الشعراوي عن نفسه أنه لازم الشيخ نور الدين في السهر معه في الجامع الأزهر نحو خمس سنين. قال: ثم قال لي: أولاً تجمع لك جماعة في جامع الغمري، وتسهر بهم، فلعل يحصل هناك أحد يوافقك. فقلت: نعم، وذلك في سنة تسع عشرة - بتقديم التاء - وتسعمائة. قال: ففعلت ذلك بإشارته. قال: فاجتمع عندنا في ثاني جمعة خلائق كثيرة، وأوقدوا شموعاً وقناديل، ففرح الشيخ بذلك، فانشرح صدره لقراءة " إنا أعطيناك الكوثر " سورة الكوثر: الآية الليلة الجمعة ألف مرة قبل قراءة قل هو الله أحد قال فرأى جماعة كثيرة رسول
الله ﷺ فأخبرت بذلك الشيخ، فقال: إن شاء الله نفعلها في مجلس جامع الأزهر. قال الشعراوي: ثم إن جماعتنا كرروا عند ختام القراءة. قوله تعالى: " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا " سورة: البقرة الآية ٢٨٦ ساعة طويلة فحصل لهم بذلك بسط عظيم قال: فأخبرت بها الشيخ، ففعلها في مجلسه وتوارثها عنه جماعة. قال: وهذا كان أصل قراءة إنا أعطيناك الكوثر، وتكرار هذه الآية قال: ثم إننا سهرنا العشر الأخير من رمضان متوالياً، وكان ﷺ فأخبرت بذلك الشيخ، فقال: إن شاء الله نفعلها في مجلس جامع الأزهر. قال الشعراوي: ثم إن جماعتنا كرروا عند ختام القراءة. قوله تعالى: " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا " سورة: البقرة الآية ٢٨٦ ساعة طويلة فحصل لهم بذلك بسط عظيم قال: فأخبرت بها الشيخ، ففعلها في مجلسه وتوارثها عنه جماعة. قال: وهذا كان أصل قراءة إنا أعطيناك الكوثر، وتكرار هذه الآية قال: ثم إننا سهرنا العشر الأخير من رمضان متوالياً، وكان
стр. 528
الشيخ لا يسهر إلا ليالي الوتر فقط، فقلت له في ذلك فانشرح صدره لسهر العشر كله، وقال: إن ليلة القدر واحدة لا تتعدد وربما يكون مطلع الهلال مختلفاً، وربما جاءت في الإشفاع بالنظر لمطلع بلادنا، فهذا كان سبب سهر العشر كاملاً في الأزهر. انتهى كلام الشعراوي.
قلت: ثم إن الشيخ عبد القادر بن سوار العاتكي - رحمه الله تعالى - كان يتردد إلى مصر في التجارة والطلب، فحضر مجلس الصلاة على النبي ﷺ بالأزهر، والشيخ شهاب الدين البلقيني شيخ المجلس يومئذ بعد الشيخ نور الدين الشوني، فوقع في قلبه محبة المجلس، وأعجبته هذه الطريقة، فلازم الشيخ، ثم رجع إلى دمشق، فكان ربما عمل هذه الطريقة في جامع البزوري بمحلة قبر عاتكة خارج دمشق نهاراً، ويقعد هو وجماعة قليلة بعد العصر، وكان الأخ الشيخ الإمام شهاب الدين الغزي كثيراً ما يتحرى الخير ويقصده، وكان يطوف في أرجاء دمشق وضواحيها يتحرى المساجد المهجورة والمعمورة للصلاة فيها والذكر، فدخل يوماً جامع البزوري، فوجد الشيخ عبد القادر المشار إليه في جماعة يعملون هذه الطريقة، وكان يعرفها حين دخل القاهرة مع والده في سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة، فقعد معهم، وساعدهم، ثم دعا لهم، وأثنى عليهم، ثم تردد إليهم مراراً، ثم أشار على الشيخ عبد القادر أن يعمل المجلس ليلة الجمعة على طريقة الشوني والبلقيني، ففعل، ثم أشار عليه أن يعمله في الجامع الأموي بعد أن استأذن شيخ الإسلام الوالد في ذلك، فأذن له فيه، واستحسنه، كان إذا ما عمل مجلس الصلاة على النبي ﷺ كما أخبرني الشيخ عبد القادر من لفظه مراراً في سنة إحدى وسبعين وتسعمائة، وسمي إذ ذاك بالمحيا، واستقر الأمر آخراً على عمل المحيا ليلتين في الجمعة ليلة الجمعة في البزوري، وليلة الاثنين بالأموي إلى الآن، وحضر المجلس المشار إليه شيخ الإسلام الوالد مراراً، وقال للشيخ عبد القادر: لو زدتم في المحيا قراءة الإنشراح لتعلقها بخطاب النبي ﷺ كتعلق سورة الكوثر به. قال لي الشيخ عبد القادر فقلت لمولانا الشيخ: يا سيدي نفعل إذا امددتمونا قال: فقال لي الشيخ: افعلوا ذلك يا شيخ عبد القادر. قال: فقلت له: يا سيدى كم نقرأها مرة. قال فسكت الشيخ ساعة ثم قال: إحدى عشرة مرة عدد ضمائر الخطاب التي اشتملت عليها السورة فكان هذا أصل قراءة الإنشراح في المجلس، وكان شيخ الإسلام أخي الشهاب الغزي - رحمه الله تعالى - يلازم المحيا ليلاً، ويقرر كتاب الإحياء نهاراً كلاهما. فقال - رحمه الله تعالى - في ذلك:
أمانة نفسي في مطالعة الأحيا ... واحياء روحي في مشاهدة المحيا
فيا رب هذا دأب عبدك دائماً ... وذلك قدماً دام في هذه الدنيا
توفي بهذا الإلتزام، حتى ألحقه بدار السلام، وكانت وفاة الشيخ نور الدين الشوني
стр. 529
رحمه الله تعالى في سنة أربع وأربعين وتسعمائة، ودفن بزاوية الشيخ عبد الوهاب الشعراوي بخط بين السورين، قال الشعراوي: ولم يكن على بال الشيخ عندنا إلا في مرض موته، فكنت كلما أزوره يقول الفسقية التي فيها أولادك تسمع أحدا فأقول له: نعم. قال: فلما حضرته الوفاة طلب أكابر الدولة أن يدفنوه عندهم. فقال: إذا مت، فادفنوني عند عبد الوهاب. قال: ولما مرض مرض الموت مكث سبعة وخمسين يوماً على جنب واحد لم يلتفت حتى ذاب لحم ظهره، صار النمل يدخل جسده ويخرج، ولم يتأوه قط، فلما مات ما ضممنا لحم ظهره إلا بالقطن وورق الموز قال: ولما دفن رأيته في المنام، وهو يقول لي: قد جعلوني بواباً للبرزخ، فلا يدخل عمل أحد إلى البرزخ إلا وأعرفه، وما دخل على البرزخ عمل أحد ولا أنور إلا من أصحابنا لأنه تلاوة قران، وذكر وصلاة على رسول الله ﷺ . قال: ورأيت قبره اتسع مد البصر، وهو مغطى بلحاف حرير أخضر مساحته نحو فدان من الأرض، ثم أني رأيته بعد سنتين وشيء وهو يقول لي: غطني بملاءتك، فإني عريان، فما عرفت ما المراد بذلك فمات ولدي محمد تلك الليلة، فنزلنا به، فدفنته عنده، فوجدنا الشيخ عرياناً على الرمل الأبيض ليس عليه من كفنه شيء، ووجدناه طرياً وظهره يخر دماً مثل ما دفناه سواء لم يتغير لحمه، فغطيته بملاءتي كما قال، وقلت: هذه وديعة عندك. قال: ثم إني أرسلت وراء البناء، فبنيت عليه حائطاً، وجعلت فيه طاقة عالية لا يستطيع أحد أن يدخل عليه ميتاً بعد ذلك قياماً بحرمته، فليس معه أحد مدفوناً سوى ولدي محمد الأول، وأخوه عبد الرحمن، فإنهما دفنا قبله بسنتين، ومكانهما تحت المسطبة التي في الدركات، والشيخ تحت الشباك لا تحت التابوت انتهى كلام الشيخ عبد الوهاب الشعراوي رحمهما الله تعالى.
علي التميمي
علي الشيخ العلامة، عالم بلاد الخليل علاء الدين التميمتي الشافعي أخو القاضي محمود التميمي نزيل دمشق. توفي ببلد الخليل في سنة خمس وأربعين وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بدمشق يوم الجمعة سادس عشر جمادى الآخرة منها.
علي الذويب
علي، الشيخ الصالح المكاشف، المعروف بالذويب. أقام بمصر نحو عشرين، سنة، ثم نزل إلى الريف، وظهرت له كرامات وخوارق. أخذ عنه الشيخ
стр. 530
محمد العدل الطناخي وغيره، وكان ملامتياً يلبس تارة لباس الحمالين، وتارة لباس التراسين، ولما مات وجدوا في داره نحو ثمانين ألف دينار مع أنه كان متجرداً من الدنيا، فوضعها نائب مصر في بيت المال. قال الشعراوي: اجتمعت مرة واحدة عقيب منام رأيته، وذلك أني سمعت قائلاً يقول لي في المنام: الشيخ علي الذويب قطب الشرقية هو، ولم أكن أسمع به أبداً، فسألت الناس عنه فقالوا لي: هذا رجل من أولياء الله تعالى له وجود. قال: وكان يمشي كثيراً على الماء، فإذا أبصره أحد اختفى، وكان يرى كل سنة بعرفة، ويختفي من الناس إذا عرفوه، ومات سنة سبع وأربعين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
علي النجار
علي النجار الشيخ المعمر، المقيم بباب الخلق من القاهرة قال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: صحبته ساعة واحدة في سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة، وذلك أني كنت ماراً في الخليج الحاكمي أيام الصيف، فوجدته قائماً تحته قنطرة سنقر، وتحت رأسه حجر. فقلت له: السلام عليكم. فقال لي: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته. قال: فجلست عنده، فقبض على أصابع يدي، فكاد أن يلصق بعضها لبعض. فقال لي: ما تقول في هذه القوة. فقلت: شديدة. فقال: هذه من لقيمات الزمن الذي أدركناه حال الصبا من الكسب الحلال، وأما لقمة هذا الزمن فإنها تجعل الجسم مثل النخالة من حيث المكاسب ثم قال: يا ولدي عمري الآن بلغ مئة وخمساً وثلاثين سنة قد تغير حال الناس في هذه الثلاث سنين الأخيرة أكثر ما تغير في عمري كله، قد صار ولدك كأنه ما هو ولدك وأخوك كأنه ما هو أخوك، وجارك كأنه عدوك، وصار الإنسان إذا نزلت به مصيبة لا تجد أحداً من الخلق يشكون له لأن الناس قسمان لا ثالث لهما: أحدهما شامت، والآخر قلبه فارغ، وصار الموت تحفة لكل مسلم كما ورد في كلام آخر، ولم يؤرخ الشعرواي وفاته بل قال: ولم أدر الآن أهو حي أو ميت.
علي البرلسي الخواص
على البرلسي الخواص، أحد العارفين بالله تعالى، وأستاذ الشيخ عبد الوهاب الشعراوي الذي أكثر اعتماده في مؤلفاته على كلامه. وطريقه. كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك كان يتكلم على الكتاب، والسنة، وأحوال
следующие страницы →