← Адаб

Адаб · id 10916

المقابسات

أبو حيان التوحيدي

Полный текст (260 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

العطب، وإن فاته وراء ذلك جميع ما هو داخل في باب الخير وموجود في ناحية الزيادة. ولعمري إن الاجتهاد حسن، وطلب الأقصى شجاعة. ولكن الغاية المتوخاة موهومة ولا سبيل إلى بلوغها، والذي يجب بذل الاستطاعة وقلة الرضى بالفتور ومصارفة الزمان بكل حال. وما أحسن ما يعمر بهذا المعنى بعض الموفقين حين قال: إنا نحرص على بلوغ الغاية لبعد السفر لأنه لا راحة دونها، ونشح على ساعات العمر لقصر المدة لأنه لا عمل بعدها. وهذا كلام عال، وينبغي أن يكون الحرص نقياً من الكد والاجتهاد، برياً من التعب المؤدي إلى العطب. وقال آخر: إنما أنت لب في قشرة، فاحفظ لبك بصيانة قشرك، ولا تصن قشرك بإضاعة لبك، واعلم أنك ذو لب واحد وذو قشور كثيرة، وتنقيتك من قشورك صعب، وقيامك بلبك أصعب. والأمر الأمم الذي يجب أن يتمم هو أن تنقيتك قشراً بعد قشر حتى إذا وصلت إلى القشر الحافظ للب أشفقت عليه وسسته ليبقى لبك مصونا في قشرك، فإن من إيلتك لهذا القشر باب إلى التواء وجالب للفساد، وستنقشر عن ذلك في الثاني على حسب ما يهيئه من هو أولى بك وأقدر عليك وأنفذ حكماً فيك، وهو الذي نظمك وأنت بدد، وجمعك وأنت مفرق، ونظر لك وأنت مغيب، وأوجدك وأنت عدم، وأقدرك وأنت عاجز، وأهمك وأنت ساه، وأنبهك وأنت راقد، ولاطفك وأنت جاف، وألفك وأنت متناف، وقادك إلى حظك وأنت كاره، وأتاح لك الخير وأنت يائس. وأعلى يا هذا حظك وأنت كاره وعلى هذا نظائر لا تحصى، ولطائف لا تستقصى، فهل يبقى لك بعد هذا حجة أو متعلق؟!

стр. 212

المقابسة السابعة والتسعون في عيون من كلام الأوائل المنقولة بالترجمة هذه مقابسة استفدتها من مواضع مختلفة هي أعيان كلام الأوائل بالترجمة المنقولة إلينا، وهي وإن كانت محتاجة في بعض حروفها إلى تفصيل وشرح، فإنها صالحة الفوائد كثيرة العوائد، ولعلها تتعلق ببعض ما يكون إيضاحاً لها عند الرواية، إن نظائرها قد مرت شافية بالبيان، مستوفاة بالبرهان والقليل من هذا الفن كثير، والصغير كبير: فأول ذلك: قال بعض الأوائل: الكرم والنبات المشتبه به إذا أخذ منه الجزء نبت من القضيب الكرمة والتفاحة والرمانة، فإن هذا منه ما ينبت ومنه ما لا ينبت إلا في أصله، وعلة ذلك أن صورة الكرمة وما أشبهها، غالبة على صورتها، فلا تنمى ولا تنبت إلا بالأصل الذي تجتمع فيه القوى الطبيعية، وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة. وقال أيضاً: النفس والعقل صورتان يحتملهما أو أحدهما، فإذا أتممت تلك الصورة وأمكنتها أعطتها النفس تمام ما تهيأت له، فتكون أول طبقات الأنفس وهي النامية، وتكون في الحيوانية ولا تكون في الإنسانية، فتمام الشيء الذي انبعث منه على قدر احتماله فتصير له مثال حقا، وصنم مشبهاً لطيفاً من الأنفس العاقلة منها وغير العاقلة. وقال قائل: لم كان للعقل ثلاث جهات: جهة إلى ربه، وجهة إلى معقولاته، وجهة إلى ذاته؟ فقيل له: إن جهته إلى الباري هي التي جعلته

стр. 213

عقلاً أولاً، ثم نظره إليه إنما هو استمداده من الصورة التي صورت فيه بدياً، لأنه وقع فيه جميع الصور، فاستمداده ليس بزيادة صور لم تكن وكانت. ولكنه ليبقى ويقوى كما يستمد الهواء من نور الشمس، فهو يزداد من غير صورة تحدث فيه، كذلك النفس إنما تستمد من العقل الصور وهي على حالها، وكذلك الطبيعة تستمد من النفس وتقوي بها، ولكن إشراقها عليها يبقي قواها، ولولا ذلك لضعفت وانتقصت. وقال: لنا علمان، أحدهما علم محض، كعلمنا بالأشياء الأوائل بلا روية ولا فكر، كما نعلم أن عدد كل زوج أو فرد، فإنه لا يمكن أن يكون الشيء الواحد في حالين مختلفين، كالإنسان لا يمكن أن يكون قائماً قاعداً معاً، وكعلمنا أن كل متحرك من ذاته دائم الحركة، وكقولنا كل دائم الحركة بجوهره دائم الحياة، ولنا علم فكري مثل علم القياس الذي يستنبط منه الشيء من شيء آخر، كقولنا: الإنسان حي والجوهر حي، فالإنسان إذاً جوهر. وقال قائل: إذا قويت الهيولى علينا لم نقو على وجدان الذي فينا إلا بطلب وبحرص وبسبح وغوص، فإذا استولينا نحن نعقل العقل الأول وكانت الأشياء فيه وهي هو فكيف يمكن أن نتذكر الأشياء والأشياء فيها، والتذكر إنما يكون في أثناء الأوقات لأنا ننسى في وقت ونذكر في وقت آخر، وهناك الدهر لا الوقت. وقال الفيلسوف: الذكر إنما هو حركات الفكر على الوهم الحاري حتى يرد ما في خزانته على ما كانت الفكرة تحركت به. وقال قائل: الفكرة إنما تقع على الشيء المفقود، والعلم يقع على الشيء الموجود، والأشياء في العقل الأول حاضرة أبداً. قال: إذا أردنا أن نحس بأنفسنا فإن نعلم العلوم الشريفة حرصنا على

стр. 214

تعارف أنفسنا الهيولانية فنكون كأنا نصير خالصة بتردداتنا، فإذا رأينا ذاتنا استفدنا منها علوماً شريفة، وكنا نحن الناظر والمنظور إليه، والعالم والمعلوم، وقد قيل لأرسطو: لم لا نذكر العالم العلوي، ومنه هبطنا إلى هذا العالم؟ فقال: إنما صرنا لا نذكر العالم العلوي لأنا صرنا في هذا العالم الحسي واختلطنا بالأشياء الهيولانية وفارقنا ذلك العالم لأنا لا نقدر على أن نكون هناك وفينا لطخ من الأشياء الهيولانية، فصرنا كأنا لم نصر هناك لاستيلاء الهيولى علينا، وصرنا كأنا إنما بدئنا من هذا العالم لشدة ميلنا إليه وإلى الآثار التي كانت منه، فإن هذه الأشياء الهيولانية إنما هي آثارنا، وذلك إن كانت النفس هي التي أثرت الآثار الحسية بمعرفة العقل وتسديده إياها، وكنا نحن العقل فلا محالة أن هذه الآثار إنما هي آثارنا واختلطنا بها كنا ذاتا مكنونين وكأننا آثار من آثارنا، وإنما هي آثارنا لا نحن من آثارها، وقال: إنما صرنا لا نذكر ذلك العالم لأنا قبل أن نصير في هذا العالم لم نكن أصحاب ذكر، وذلك أن الأشياء هناك حاضرة ظاهرة، وليس هناك مستقبل ولا ماض، بل كلها حاضرة بحضورها الآن عندنا، فلذلك لم نكن نحتاج إلى الذكر لأنا لم نكن من أبناء الزمان بل الزمان من أبنائنا، لأنا كنافي حيز الدهر، فحيث الدهر فليس هناك تذكر البتة، وإنما نحتاج إلى التذكر في الأشياء الزمانية التي تكون مرة وقد لا تكون مرة، فحيث التمني هناك التذكر، فأما الموضع الذي ليس للتمني فيه مساغ فليس هناك تذكر. وقال أيضاً: الأشياء التي علمناها لم نعلمها في وقت من الأوقات فنحتاج إلى أن نذكرها، بل قد علمناها بنوع الدهر لا بنوع الزمان. وقال أيضاً: إنا قبل أن نتلطخ بأوساخ الهيولى ونحن في العالم الأعلى كنا علماء ولم نكن أصحاب ذكر، ولم نكن نحتاج إلى أن نذكر ما قد علمنا، لأن الأشياء قد علمناها حاضرة تحت أيدينا لا يغيب منها شيء ولا يستتر، وقال: كل أثر لزمنا في هذا العالم الحسي فإنه لا يلزمنا في ذلك العالم العقلي مثل التمني والحس والوهم والقياس والتذكر، وما أشبه هذه

стр. 215

القوى. وقال: الأشياء التي لزمتنا في هذا العالم فإن خلافها يلزمنا في ذلك العالم، وذلك أن الذي يلزمنا ها هنا التمني والحس والروية، ونحن هناك لا نتمنى ولا نحس ولا نروي، فلذلك لا نقدر على أن نذكر ذلك العالم لا تحت التذكر، وكل شيء هناك إنما يعلم ولا يذكر، لأن الأشياء هناك حاضرة بحال واحدة ولم تكن بم كانت، لأن كان ويكون من باب الزمان، والزمان أثر من آثار هذا العالم. والأشياء التي في العالم العقلي دائمة لا تتغير ولا تستحيل عن حالها، وهي أفضل وأكرم من الدوام لأن الدوام بها كائن دواماً، ولم تكن هي دائمة الدوام، وليس الدوام غيرها بل هي الدوام، وذلك أن الصفة والموصوف هناك شيء واحد. قيل: فما حاجة النفس والعقل إلى العلة الأولى؟ قال: حاجة المعلوم إلى العلة، فإنه ليس من معلول طبيعي ولا صناعي تنقطع عنه علته إلا فسد وباد، كالحي فإنه إذا فارقته حياته باد وفسد، وكالنامي إذا فارقه النماء باد وفسد، وكذلك الصناعات والتجارات والبناء. وقال: العقل الأول يدرك الأشياء بغتة، والعقل الثاني أيضاً يدركها بغتة، إذا كان متحداً بالعقل الأول، ولا تعوقه عنه الأشياء الهيولانية، فإذا عاقته احتاج أن يتوصل بالمقاييس ويدرك بشيء بعد شيء، وأيضاً العقل الثاني بالوهم هو الذي عليه الأقدار والمسافات الجسمية، وإنما كان الوهم كذلك لأنه يقبل آثار الجسم فيجسم الأشياء وينكر الصورة المجردة، وأما إذا مال إلى العقل الأول اتحد به، فإذا أدى إليه الوهم الإثار التي قبلها من الحس علمها علماً عقلياً، وألقى عنها الأقدار والمسافات، وذلك أنه يعلمها علماً صورياً. وقال: للعقل النفساني طرفان، أحدهما طرف الوهم، والآخر طرف العقل الأول، فأما إذا مال إلى الوهم كان فكراً وروية لا يلتبس عليه الوهم فيريد أن يتخلص، وأما إذا مال إلى العقل الأول كان عقلاً مدركاً بلا روية ولا فكر ولا زمان، فالفكر إنما هو العقل الوهمي والعقل النفساني المدرك بلا وهم ولا فكر، ولا يقدر الوهم على أن يتوهم شيئاً بلا شكل ولا قدر جرى.

стр. 216

وقال الفيلسوف: العقل وحده لا يموت. أراد بذلك أن يميزه من قوى النفس النامية والحسية، لان الحس والنماء يضمحلان، ولأن النفس استفادتهما من العالم الهيولاني، وأما العقل فلم يستفد من هذا العالم، فلذلك بقي. قال فرفوريوس، وهو المفسر: إن هذا المرء الفاضل قال في كتاب النفس: إن العقل النفساني إذا اتصل بالعقل الأول الخالص كان عاقلاً دائماً، ولم يكن عاقلاً مرة، ومرة غير عاقل، فإذا فارق البدن كان أحرى أن تلزمه هذه الصفة ولا تفارقه، وأما لآخر من الحس والنماء والتوه والفكر فإنها كلها تبطل مع بطلان الجسم، وذلك أنها أثر النفس في الجسم، فإذا بطل الجسم وفارقته النفس بطلت هذه. وأما العقل فليس من قبل الجرم كان، ولا من قبل النفس، بل النفس كانت من أجله وصورتها. وقال آخر: الرسم من حيز الحلو من حيز المر، فأما الحريف والمر والعفص والحامض ما بينهما يعني بين الحلو والمر. قال: ويكاد يكون عدد صور الطعوم مثل عدد صور الألوان، هذه سبعة وتلك سبعة، فالطعم حلاوة ومرارة وملوحة ومزوزة وحرافة وعفوصة وحموضة، والألوان بياض وسواد وقتمة وخضرة واسما جوين وشقرة ولون السماء، وأنكر أن تكون

стр. 217

الصفرة منفردة فجعلها بين الشقرة والخضرة، وقيل: ما بال الطعم منبعث من الشكل ضد، وكذلك في الألوان وليس كذلك في الأشكال لأنه لا ضد لها؟ فقال: إن الشكل واحد منه منبعث كل شيء، وهو المدور، والأشكال كلها مأخوذة منه لكثرة زواياه. وقيل: ما بال الشيء ذي الرائحة إذا لم يكن من حيز الغذاء؟ فيقال: إن الدهن وما أشبهه لا ينقسم إلى حنس إنما الجنس واحد والشهوة كلها تكون في ذلك الجنس، فلا يجذبه به جنس آخر إليه مثل التفاح، فإنه لا يجذبه إليه حسن الطعم مع حسن الرائحة، والشهوة لطعمه مما ينقص رائحته عنج الشم، وإذا كان الطعم وحده لا يجاذب حاسة أخرى كان أقوى له. قال: فأما أهل دهرنا فإنهم يخلطون قوة الطعم والرائحة يريدون بذلك اجتماع اللذتين، فإما إذا كان ذلك كذلك لم يكن الشام الذائق يجد ما يجده الذائق وحده، ولا الشام وحده. وقال: الرائحة الطيبة تصحح الأعضاء، كما أن الغذاء ينميها. وقال: زعم بعض الأولين أن الجسد يكون مواتاً وهو بهيئة من الهيئات ومقدار من مقادير المزاج، ثم يكون حيواناً إذا تغيرت هيئته ومزاجه إلى بعض ضروب التغيير، وضرب مثلاً فقال: لم نر آلة قط من آلات الصناعات بعمل الآلهية سوى هيئة غيرها من الآلات، ورأينا هيأتها إذا فارقتها استحالت إلى غير ما كانت عليه، كقدوم النجارة ينحت قدوماً فإذا قلبت هيئتها إلى المنشار بطل النحت بها وحدث النشر بها، لأن ما في الحديدة المصنوعة قدوماً أو منشاراً أمر يبس أو لان، إذا زاد على مزاجها أو نقص لم تكن الحديدة بالحال التي تقطع بها، فلو أن يبسها أسرف لنقصت، وكذلك لو أسرف لينها لما مضت فيما تحمل عليه من الأبدان، فالمزاج الذي مزج بها طبيعة الحديدة كانت الحديدة ماهية، فإجتماع قدر المزاج والهيئة تكون الأعمال للعمل. وزعم أن الطبائع الأربع لما كانت بمقادير معتدلة في بدن الحيوان المهيأ بهذه الهيئة القابل للحس كان

стр. 218

البدن حياً، وإذا تغير المزاج وانقلبت الهيئة كان مواتاً. ومنهم من زعم أن البدن يكون على قدر المزاج، وبهيئة من الهيئات ليحدث في ذلك البدن عرض يكون حياة ونفساً، وضرب مثلاً فقال: إنا لم نر شيئاً مفرداً من العالم يفعل بوحدته، فإذا زاوجه غيره نتجا فعلاً، وذلك إنا لم نر برد الحجر يهبطه ولا حره ولا لونه ولا عرفه ولا طعمة ولا صوته، فلما ازدوجت كان الهبوط لها فعلاً، قال: فلم آثر الإنفراد بفعل! ورأينا الحيوان ركب من أشياء مفردة قلنا إن الحياة ثمرة أفراد ازدوجت وهي عرض في البدن لأن العرض واقع عليها لأنه لا يكون ولا يفسد، بل الإفساد للموضوع، فلما رأينا الحياة تكون وتبطل بلا فساد البدن جعلناها عرضا حادثاً في البدن. وضربوا مثلاً وقالوا: إنما مثلها في حدوثها بين الاثنين كمثل الصوت الحادث بين الندين المتضادين، أو كاللون الحادث بين لونين، كالسواد الحادث من بين العفص والزاج، وكغير ذلك من الأشياء، الألوان والطعوم والأعراض الحادثة من بين الألوان المختلفة، ويضاف هذا القول إلى زينون وهذا ظن زائف ورأى مضعوف. وقد سبق في صدر هذا الكتاب ما يستبان معه تأوه النفس من البدن واستقلالها بجوهرها وغناها بحقيقتها وأنها محتاجة إلى البدن إلا إذا أخذت البدن واستعملته وصرفته عن لوازمه وأعراضه اللائقة به، وأما النفس ذات النطق والعلم والحكمة والبيان والفكر والإستنباط والعقل والنظر فهي أعلى وأشرف من أن يكون لها الوصف بمعونة البدن وارفاده، والأسباب الحادثة بالبدن العارضة له معروفة محصاة، وليست تلك من حقيقة النفس

стр. 219

بسبب، وإن كان مجموعاً. هذا كله يوجد في الإنسان وبالإنسان، ونعوذ بالله من الخبط في القول والعمل. وقال آخر: إن البدن يستحيل من حال إلى حال فيكون مرة مواتاً ومرة حيواناً، وضرب مثلاً فقال: لما رأينا الأجسام تستحيل عن طبائعها وتستحدث أفعالاً لم تكن لها كالماء يستحيل بخاراً صاعداً بعد أن بدأ هابطاً، وكالماء يغذو ثمر الأزهار ويستحيل دهناً ثم يعود الدهن ناراً عند قلب إناه واغتذائها به، فلم لم يكن في طبعه من استحالته ألا يستحدث فعلاً وانسلخ من فعل غيره قضينا على أبدان الحيوان بالاستحالة والتكفؤ بين الموت والحياة، والحركة والسكون فقلت: الحي هو الميت مستحيلاً، ولاميت هو الحي مستحيلاً، وضرب مثلاً فقال: مثال ذلك عصير العنب يكون عذباً حلواً غير مسكر، ثم يستحيل خمراً مراً مسكراً، ثم يعود خلاً حامضاً مخدراً، والعنبة واحدة لم تبرح إلا أنها استحالت فتغيرت أفاعيلها لتغير حالاتها، وكذلك البلحة تكون بسرة، ثم رطب، ثم تمرة فهذه جملة أقاويلهم في أن النفس ليست بعين. وأما من زعم أن النفس عين فإنهم اختلفوا في كيفيتها وموضعها وزمانها وحركتها وسكونها وجمع أفعالها، فزعم منهم زاعم أنها عين سوى البدن ذات موضع يعلم بمفارقتها البدن. وزعم آخر أنها في جميع أجزاء البدن النامية. زعم آخر أنها ليست تكون إلا في مواضع الحس. واحتج آخر أنها لا تعلم إلا بمفارقة الجسد. وقال: لم نر النفس تعلم إلا صوتاً او عرفاً أو طمعاً أو لوناً أو لمساً، وهذه الأشياء الخمسة لا تقع إلا في هذه الأجزاء الخمسة البقية من البدن، وهي: العين والأنف والأذن واللسان وسائر البدن للحس، فلما رأينا النفس محتاجة إلى هذه الحواس الخمس قضينا عليها بالجهل إذا كانت مفردة

стр. 220

وحدها، وقضينا لها بالعلم إذا قارنت البدن. وضربوا مثلاً فقالوا: إنما مثل النفس في حاجتها إلى ذكرنا كمثل النور الذي لا يرى إلا على بدن لا يرى ذلك البدن إلا به. وكالنافخ في المزمار لا يسمع لنفخته صوت إلا بالمزمار، ولا يسمع للمزمار صوت إلا بالنفخ. وأما الذين قالوا إنها في جميع البدن فإنهم قالوا: لما رأينا النفس إذا فارقت البدن لا ينمى علمنا أن النفس حيث الأجزاء النامية، لذهاب النمو عند مفارقتها. وأما الذين قالوا أنها في جميع البدن فإنهم قالوا: لما رأينا النفس إذا فارقت البدن لا ينمي علمنا أن النفس حيث الأجزاء النامية، لذهاب النمو عند مفارقتها. وضربوا مثلاً فقالوا: مثل ذلك مثل النار التي لا تكون إلا حيث تجد غذاءها، فإذا فارقها غذاؤها بطلت. فالنار كالبدن، والغذاء كالنفس. وأما الذين قالوا لا تكون إلا في الأعضاء المحسة فقالوا: لما رأينا النفس لا تفارق البدن إلا علمت ولم نرها علمت إلا في بعض البدن، علمنا أنها ليست في جميع البدن. وضربوا مثلاً فقالوا: إنما مثل أعضاء الحس للنفس مثل المغناطيس الجرار للحديد، فهو أفق بين الحديد والحجر، وكمثل البخار الذي لا يحتاج آلة الحس لذلك. ومنهم من زعم أنها غير ذات موضع تغتذي من البدن بما يشاكلها، وأنها تعلم بالحدقة والصماخ والخياشيم، وما أشبه ذلك، مما لا يقال له ظاهر ولا باطن. وزعموا أنها تفعل بالمعدة والرئة والطحال والدماغ والدم والمرتين والبلغم من الفواعل التي لا حس لها. وزعموا أنها تعمل وتفعل بالكبد والقلب المصطفى من دم الكبد المستخلص من تصفيح الغذاء. وزعموا أن هذه الروح تنبعث من القلب في عرق أجوف ذي طرفين حتى تصل إلى الدماغ منتشرا في عصب الحس والحركة. واحتجوا بقول أسندوه إلى بعض سلفهم وأظنه أفلاطون حيث يقول: إن في البدن ثلاثة ينابيع، ولكل ينبوع جداول تفيض ما حملت إلى أقطار البدن، فأحد الينابيع الثلاثة الكبد وهو ينبوع الغذاء، وجداوله عروق الدم الساقية لجميع الأعضاء

стр. 221

والأجرام، والآخر القلب وهو ينبوع روح الحياة، وجداوله عروق الأوراد الضوارب الناشرة لروح الحياة في جميع الأعضاء، والآخر الدماغ وهو ينبوع الحس، وجداوله العصب المحس الشامل لجميع الأعضاء المحسة. وقالوا أيضاً: لما رأينا الطبيعة تحكم أفعالها وتفصلها لعلة، ورأينا العلة غاية الفعال، ورأينا غاية أفعالها استيلالها روح الحياة، لأن الحياة أفضل أفعال الطبيعة التي إياها عمدت وإليها صمدت، وأول فعلة فعلتها من هضمها الغذاء في المعدة. واحتجوا على ذلك بأن قالوا: لما رأينا أفضل الأفعال وأكثرها وأقواها للحرارة ورأينا ذلك في جملة العالم في الجنس المستحيل منه الجنس النامي والجنس الحي فلما قضينا للحرارة بشرف الفعال، ورأينا الفعال أشرف أفعال الطبيعة شهدنا أن روح الحياة جزءاً من الحرارة. وضربوا مثلاً فقالوا: إنما مثل النفس في البدن كالشمس في العالم المسخنة بنفسها الفائضة بخيرها على جميع العالم. وزعم آخر أنها ذات موضع وتغتذي بما يشاكلها من غذاء البدن، وأنها عين سوى البدن تكون في البدن، وأنها علامة بنفسها متحركة، ووصفوها بصفتها فقالوا: النفس نور مفرد لا حر فيه ولا برد ولا طعم ولا عرف ولا صوت، وضربوا مثلاً فقالوا: لما لم نر الأبصار تدرك إلا الألوان والآثار بالنور علمنا أن الأبصار عاجزة عن العلم بالألوان إلا بإفادة النور إياها ذلك العلم، ولما لم يكن للشيء أن يفيد ما ليس من جوهره علمنا أن العلم من جوهر النور، فلما رأينا العلم من جوهر النور علمنا أنه معلول واحد، والمعلول الواحد لا يكون من علتين متضادتين، كالحر لا يكون من النار والثلج، فلما صح هذا عندنا علمنا أن النفس ليست بمخالفة للنور، فقضينا على النفس والنور بالموافقة وأنهما من جنس واحد. قلنا: ورأينا الآذان لا تدرك الأصوات إلا بالهواء الموصول للأصوات إلى الأصمخة، ولم نر الهواء أوصل ذلك إلا برقته وصفائه المشتبهين بالنور وصفائه، قالوا: وكذلك رأينا الخياشيم لا تدرك الأعراف إلا بالهواء، ورأينا

стр. 222

اللسان المدرك للطعوم لا يدركها إلا بالرطوبة واللين المشبهين لرطوبة الهواء ولينه، قالوا: ثم رأينا المحسة تدرك الحر والبرد في الهواء والماء ورقيق الأبدان، وأن غليظ الأبدان مستغلق على ما فيه محسوس لا يظهر منه إلا الأرق من الأبدان يمازحه فيظهر منه كرامته فتوصله إلى الحس قالوا: فلما رأينا الأشياء الموصلة متفقة على صفة واحدة من الرقة واللين التي في صفة النور قضينا للنور بجميع وجوه إيصال المحسوس إلى الحواس، وجعلناه سنخ العلم ومفيده ومستفيده فقلنا النفس النور. وضربوا مثلاً فقالوا: مثلها مثل السراج المنير عن نفسه المنير عن غيره المفيد للعلم لغيره. وكذلك النفس حيث كانت علمت وأفادت العلم. قد حوت أبقاك الله هذه المقابسة ضروباً من الكلام في النفس مختلفة ومؤتلفة، وأنت إذا عنيت بما سبق في الكتاب وبما يتلوه أيضاً في الثاني غنيت عن الإكثار الذي ربما صد عن تحقيق المراد، والكلام كله بين زيادة ربما جلبت الفساد وفتحت باباً إلى الشك، وبين نقصان ربما جلب الأشكال وصار طريقاً إلى اللبس. وهذا إذا كان المتكلم عليه من باب الجلي ومن فن الواضح، فكيف إذا كان في الغامض الخفي اللطيف المحتجب؟ وهذا اقتصاد مني وتحفظ واستدعاء للمراقبة والتيقظ، فقل من استرسل وخطب مطنباً وأعجب بما يأتي به مستحسناً إلا دخل على صوابه ما يثلمه ويكسره، وغلب على خطله ما يتأدى به ويشهره. وخير الكلام في الواضح الجلي أن يكون لطيفاً يستجمع إلى السامع ما يربط مراده، وفي الغامض الخفي أن يكون مكشوفاً ليلحق السامع منه ما نحاه ببحثه وطلابه. فأما إذا تهافتت المعاني تارة بسوء التأليف، وتارة بالإكثار، وتارة بالتعريض، دخلها الخلل ولم يبلغ المحصل لها على ما قد ثبت رأيه وساق نظره وسعيه إليه، على أني أعذر كل خطيب مصقع، وكل بليغ وكل باحث متوغل، وكل طالب مترفق، إذا تكلم في النفس وبحث عن شأنها أن يعيا ويحصر ويقصر، فإن المطلوب في هذا الأمر صعب، والغاية بعيدة، والشوط بطيء، والعجز شامل، والناصر

стр. 223

مفقود، والتعاضد مرتفع، والقوة محدودة، والقدم زلالة، والمنتهى حيرة. وإذا كان النظر في النفس على ماأصف مع روادف لا أفي بتسطيرها في هذا المكان، فكيف الكلام في العقل وهو البحر العميق، والمعنى الذي هو في ذلك أنيق! فكيف الكلام في العلة الأولى وهو الذي كان إليه القصد، وعليه وقف العمد، ومن أجله يحمل عبء هذا الأمر! واشتعل بارق هذه الحال وصبر على آثار الكون والفساد، وترقى في سلاليم الغرر والخطر، وتجرع كل كأس هي أمر من الصاب والصبر، وفقد شرف الإتصال بالباري، ودق البحث، ولطف النظر؟ وبقدر رتبة العقل التذ الكلام عليه وطرب على الخبر عنه، وبقدر محاسن النفس عرض العشق وبذل الصوت وجرد السعي، ويتلي عن كل إلف، وكيف لا يكون الكلام في هذه المعاني صعباً والبحث شديداً والقوة عاجزة، وأنت لو أردت آثار الطبيعة في عرصة الكون والفساد من هذه الرتبة المكلة للأبصار بعد استنفاد قواها، والمسددة للآذان بقدر استيفاء ما فيها، لم تستطع ذلك ولم تقدر عليه، نعم ولو كان كل من هو في مسكك ظهيراً لك ونظيراً معك؟ وكان أبو سليمان إذا رأى بعض أصحابه يتشدد في هذه الوجوه قال له: يا هذا أرفق فالإستقصاء فرقة إكتف من هذا المطلوب بما يجاد به عليك ويساق بزمامه إليك، ولا تعنف فالعنف محرمة. وعليك بالرفق فإنه سحر النفس، والشاعر يقول: والدر يقطعه جفاء المحالب وقد والله صدق وقال الحق، إن طلب ما لا ينقاد لك لتبر به مثل ما لا تنقاد له بحسرك عنه شقاء ومذلة وتضييع زمان وإمارة بسعي واحتمال خسف واختراع أسف. النفس حاطك الله قوة شريفة آلهية بهية، واصلت أبناء الطبيعة على قدر قوابلهم

стр. 224

بجود العقل الذي له الرتبة الأولى بقدر ما له من الفيض من العلة الأولى. ومراتب أبناء الطبيعة مختلفة اختلافاً لا نهاية له، وكل قد نال شيئاً فلا ما ناله به عرفه وطلبه ولا ما حرمه حرمه لإبائه إياه وكرهه، ولكن هكذا كان وعلى هذا بان، فليكن الرضى واقعاً بحسب الموجود ذلك المجود به عليك. واعلم أن الصورة التي هي محيطة من الأول إلى الآخر شائعة بين الطرفين لا بينونة هناك ولا فضل، ولا حيلولة ولا نقص، فكيف يكون على هذا النهج شيء عن شيء، أو شيء سوى شيء، أو شيء في شيء؟ وإنما ثبتت هذه الأسماء بالنظر الثاني لما لحظت مواصلة لآثارها ومواصلة لقوابل آثارها، وعلى الحالين كان الإختلاف والإئتلاف، والتباين والتواصل، والتفرق والتجمع، والجيئة والذهاب، والورد والصدر، والعظم واللطف، والكبير والصغير، وجميع ما يتجوز إلى هذا الجانب ويبرز بهذا المثال في بلاد القوابل، لا في بلاد الفواعل، فسدد نحو هذين النجدين طرفك وسرب إليها رفقك ولطفك، فإنك تجد المواد التي من شأنها أن تفعل على مراتب الإنفعال، وتجد الصور التي من شأنها أن تفعل على مراتب الفعل، وتعلم أن الاعتبار تارة ينفرد بالصورة، وتارة بالمواد، وأن ما تركب منهما وبينهما واستبد بهما واستند إليهما هو في عرض ذلك الاعتبار وفي حومة ذلك النظر، وأن الشك إن قدح، والغلط إن سنح، فإنما هو من إضافة شيء إلى غير شكله، أو تحليته بغير ما هو لائق به وقد طال الغناء والحداء في هذه المواضع، فإن كان لك سمع فاطرب وترنح وخذ وجد واعدل واعقل واسلم وأقدم وانعم وارق وابق، وإن كان بك صمم فاعطف على دائك وسل عن دوائك فليس يحسن بالأخشم أن يفتري على من يشم، والسلام.

стр. 225

المقابسة الثامنة والتسعون في المعاد وهل هو حق أو تواطؤ من الأقدمين ؟! حضرت القومسي أبا بكر المتفلسف، وكتب لنصر الدولة عامين، وكان كثير الفضل فقيل له: هل يجوز أن يكون إثبات الناس للمعاد والمنقلب اصطلاحاً منهم ومن أكابرهم وعقلائهم في بدء الناس وسالف الزمان، ثم ألف الناس ذلك وهتفوا بنشرة ولهجوا بذكره، مع تأكيد الشرائع وتأييد الكتب الناطقة به؟ فقال: المعاد أثبت في أنفس الناس وأرسخ في عقولهم وأعلق بأذهانهم من أن يكون أصله راجعاً إلى التواطؤ والتشاعر، ومردوداً إلى الإصطلاح والتناد! وهذا ظن بهرج، ورأي فائل، وعقل مغرور، وقول رذل من خلط فاسد ومزاج مؤف. وهلا وقع الاصطلاح على دفعه وإبطاله وأنه لا حقيقة له ولا دليل عليه؟ ولم لم ترد الكتب باحالته وبنفيه وصرف الظنون عنه ومنع الخلق اعتقاد صحته؟ ولم لم يعرض في إبطاله وترك الإيمان به أرب ومراد وبغية وسبب والناس من جهة الحواس والشهوات وحب العاجلة ونيل اللذة أكثر نظراً وأقوى وأنفذ عزماً وأشد انقياداً وأسرع ارتكاباً وأثقل احتقاباً وأبين سماعاً وأقرب نزاعاً؟ ولكن العقول أبت ذلك إباء ظاهراً ودعت إلى إثبات الثواب والعقاب في الثاني دعوة مشهورة متصلة على اختلاف لغات أربابها وتباين إشارات المخبرين بها، ولم تكن هذه الدعوة عن قسر وتمويه، ولا حيلة ولا مكر، بل دعوة وتحقيق وإيضاح وبينة وإفصاح! وكيف يسع عاقل يظن أن الناس على ماهم عليه في أديانهم

стр. 226

ونحلهم وعاداتهم ومصارمتهم وتعاديهم وتظالمهم مع الإستطاعة الحاضرة، والتكليف العام، ومعرفة الأصلح والأفسد والأحسن والأقبح، يفنونن ويتبددون ويهلكون عن حال باقية بها يحسن المحسن ويثاب الخير فيعرف المتعني؟ هذا ما لا يجوز بجوازه عقل وإن قسر، ولا يلين له قياد وإن استميل، ولا يدنس به وهم وإن استكره، وإنما يتحرك عند هذا الظن من ضاق مجمه، وقل علمه، ونبا سماعه وفهمه، وفسد حسه ومزاجه، وجعل نفسه مصباً لكل ريح، ومغيضاً لكل سخف، ومجازاً لكل حافر فأما الناظر في أثناء الأمور، الواعي أحاديث الزمان، الفاحص عن السرائر، الطالب لظاهر الأحوال وباطنها، فإنه يربأ بنفسه عن هجنة هذا الرأي، وانحلال هذا العقد، ويشتمل على ما نطقت به الكتب القديمة، وتضمنت الأسفار الصحيحة، وأتت به الشرائع الصادقة، وبنيت عليه الأذهان الحديدة، وشهدت له الفطرة السليمة، ودعت إليه العقول الراجحة،؟ وهذا وإن تمادت في الأحداث الأغمار، وغلب على من لا خبرة له بما يأتي به الليل والنهار، فأما من له رغبة في حياطة دينه، وهمة في معرفة التغمض والواضح من نفسه وعالمه، وبحث عن الراشد والمصالح في الظاهر والباطن، ونظر في السياسة الآلهية والإنسية وخبر بالمورد والمصدر ليصير ذلك المتولد عليه، فقد حماه الله غائلة هذا الرأي، وكفاه مؤنة هذا الخطر، وجعله في الأعلين في حظيرة القدس وحضرة الأنس، حيث لا عبء ولا ثقل، ولا فراغ ولا شغل، ولا هجر ولا وصل، ولا ذنب ولا عذر.

стр. 227

المقابسة التاسعة والتسعون في أن العالم من حيث هو كائن فاسد ومن حيث هو فاسد كائن سمعت بعض مشايخنا ببغداد، وغالب ظني أنه نظيف الرومي يقول: العالم من حيث هو كائن فاسد، ومن حيث هو فاسد كائن، فلذلك نظمه بدد، وبدده نظم، ومتصله مفصول، ومفصوله متصل، وغفله موسوم، وموسومه غفل، يقظته رقاد، ورقاده يقظة، وغناه فقر، وفقره غنى، وحياته موت، وموته حياة؛ قال: فلا أطيل، ها هنا مثل ينزع إلى الحس ضرورة ويعترف به العقل اضطراراً: أنظر إلى السماء نظراً شافياً، وتأملها تأملاً بليغاً، وجل في آفاقها ببحثك ونظرك ملياً، واستقر صورها استقراء تاماً، فإنك تجد نجومها منتثرة متساقطة كأن سلكها قد وهى، ونظمها قد انخرط. على هذا إدراك الحس، وسابق العيان، وشهادة النظر، وظاهر الخبر والأثر، ثم إنك لا تستثبت بعد إمعان النظر وإنعام الفحص ومواصلة

стр. 228

البحث أن تجدها متسقة إتساقاً، ومتفقة اتفاقاً، وموزونة وزناً، ومعدلة تعديلاً، ومنظومة نظماً، ومعبأة تعبئة، ومزينة بكل زينة، ومحلاة بكل حيلة، حتى يقضي اختياراً واضطراراً وانتهاراً واقتداراً أنها زالت عن حالتها المعروفة، أو حالت عن صورتها المألوفة، بأقل من مثقال ذرة أو هباءة تربة، تهافت أصله، وبطل بعضه وكله، واضمحل خفيفه وثقيله، وبار كثيفه ولطيفه، واضطرب أوله وآخره، واختل محيطه ومركزه؟ وهذا لأن الحس حس قضى في الأول قضاء بما في الطبيعة من الخل والنقص والتلون، وقديماً قيل الحس حاكم مؤنس، وساع مفسد، ومتوسط عياب، وقاض خصم، ودليل سوء، ومشاطة مشوطة؟ وموضح لابس، وناقد مدلس وخاطر ملفق، وصديق متملق، ومعلم مضل، ومقوم مزل، وناصح مزور، ومرشد مغرر، وجار مخاتل، وشريك سروق، ووافد كذاب. لا مقنع به ولا مفزع إليه، ولا خير فيه ولا معول عليه. فأما العقل فإنه يقضي بانتظامه ودوامه وسلامته وصحته وثباته واتصاله والتئامه، وذلك لأن العقل رفيق عفيف، وقاض عدل، وصديق مشفق، ووالد حدب، وجار محسن، وشريك ناصح، وهاد صدوق، وصاحب مؤنس، وخطيب محقق، وزاد مبلغ، ومداح مفهم، ومحدث مطرب، وجليس فكه، ونور شائع، وضياء ساطع، وقول فصل، وركن وثيق، وجوهر شريف، وطود منيف، ونقطة متصلة، وذات مقدسة، وخير محض، وجود بحت. من ذا يقدر على مدحه وتقريظه ونشر خصائصه وتحصيل فضائله؟ له الوجود الحق من الموجود الحق وله الحكم الفصل من الحكيم العدل. وإنما أومأ هذا الشيخ إلى المعنى إيماء خفياً اتسع عنه هذا الذي تراه وتقرؤه، والعلم ظاهر لنا، فلهذا يزكو على البذل، ويزيد على الإنفاق، وثمرته حلوة، وعوده ناضر، وسلطانه قوي، وعزه أقعس، وذروته عالية. من تحلى به ظهرت عليه جدته، واستقامت له عادته، ومن تعرى عنه بخست قيمته، وبدت عورته.

стр. 229

المقابسة المائة في معنى قولهم فلان ملء العين والنفس سأل أبو سليمان يوماً الطبيب المعروف بفيروز: فلان ملء العين والنفس، ما معناه؟ فقال فيروز: لا أدري فإن شئت أن تصدق علينا بفائدة؟ فإن زكاة العلم أوجب على ربه من زكاة المال على صاحبه. فقال أبو سليمان: هذا سهل جداً، وما أحب أن يقال هذا، فإنه يدل منك على عجز قد محاه الله عنك، وعلى ملق قد رفع الله منه قدرك. فقال فيروز: ما أحوجني إلى أن أملك رضاك باتباع أمرك، وأبلغ إرادتك فيما يشرفني بالطاعة لك، وما أنضاءل العلم إلا للعلم، لا أتملق إلا لأهله وليس بعد هذه المراجعة المحمودة إلا إسعاف بما في طي المسألة؟ فقال: معنى قولهم: فلان ملء العين والنفس أي يجمع بين المنظر المقبول بالعين إذا نظر إليه، وبين المخبر الممدوح باللسان إذا أشرف عليه. وكان هذا كالزجر من الناس بالفرق بين الشخص والنفس، فإن أحدهما إذا لابسه الآخر كمل الإنسان بهما، وإذا أخطأه أحدهما كان نقصه من جهته، وإذا لم يكن من النقص بد فلأن يكون من قبل ما للعين أولى، أعني أن يكون الإنسان ملء النفس إذا لم يكن ملء العين، لأنه إذا كان ملء النفس غير ملء العين كان روحاً كله لطيفاً وديعة، وإذا كان ملء العين غير ملء النفس كان بدناً كله كثافة وغلظاً، وكان أحدهما نصيبه من الهيولى أكثر، والآخر قسمه من الصورة أوفر، فإذا ائتلفا كان الكمال المطلوب. وإنما قيل في اللغة العربية هذا ملء هذا أي ملاؤه، ومنه الملاوة ومنه الملأ والملا والملا، والإشتقاق

стр. 230

معروف لا يدفعه إلا ضعيف. فقال فيروز: عين الله عليك أيها السيد فوالله ما نجد شفاء لداء الجهل إلا عندك، ولا نظفر بقوت النفس إلا على لسانك، ولا نعلم يقيناً إلا بحسن تعريفك إذا فاتحناك، ولا يجمل ظننا بأنفسنا إلا إذا أبعدنا عن مجلسك، ولو كانت هذه الفائدة عندنا بعينها أنى لنا أن نأتي بها على هذه الطراوة والحسن؟ أمتع الله الأرواح برؤيتك، والعقول بهدايتك. فقال أبو سليمان: سمع الله منك، وأجاب مثله فيك، فما أعلقني بمودتك وما أوثقني بمروءتك، جزاك الله خيراً. المقابسة الأولى بعد المائة في أنه ليس في الدنيا خصلة يحسن الإنسان فيها إلى نفسه ويحمد عليها إلا العلم قال أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى: ليس في الدنيا خصلة يحسن الإنسان فيها إلى نفسه ويحمد عليها إلا العلم وما يدخل معه كالصبر والكظم والتغافل والاغضاء، فأما الخصال البواقي فإن الإنسان يحمد بها إذا أحسن إلى غيره، أو شكره في ذلك الإحسان غيره. أكرمك الله وأبقاك إنما يبعثني على رواية كل ما سمعته من هؤلاء الجلة الأفاضل عشقي لهم وحمدي لله تعالى على ما أتاح منهم، فلا تقرأن هذا الفصل ثم تقول وما في هذا من الفائدة؟ فإن درجات الحكمة مختلفة، ولك كلمة قائل، ولك قول داع، ولك عمل عامل، ولكل عامل راع. وهذا الشيخ ممن قد أعلى الله كعبه في علم الأوائل، ووفر حظه من الحكمة المبثوثة في هذا العالم، وفيما قال حث على حسن معرفة فضل

стр. 231

الحكمة، وفي معرفة فضل الإنبعاث على اكتسابه والاستكثار منه، فإن الحكمة سكينة آلهية، وحلية ملكية، وقنية عقلية، وقد أطلقه الناموس الحق على الله ، فما ظنك بما يبعث رب العالمين به وخالق الخلائق أجمعين ثم يبحث به بشر خلق من الماء والطين، وأبرز لعيون الناظرين، تبارك الله رب العالمين. المقابسة الثانية بعد المائة في أن كل شيء في اليقظة يجوز في المنام إلا التركيبات قال بعض أصحابنا: كل شيء أجوزه من آثار النفس فإني أجوزه في اليقظة، وكل شيء أجوزه في اليقظة أجوزه في المنام، إلا التركيبات، لأن النفس تخترع بها أموراً لا تستجيب المواد لها. قال: وإنما أعني بما أجوزه الإنذارات والإطلاعات وقوة الكهانة وما أشبه ذلك. وهذا الذي قاله هذا الشيخ يحتاج إلى شرح، ولعمري للنفس هذه القوة، وهي لها بالحق والواجب، ولكن البيان عن كون ذلك على التحقيق بالفعل عزيز، ولعل الزمان يتسهل فيمكن التخلف عليه بما يزيده شرحاً ووضوحاً إن شاء الله ، وعلى ذلك فإني أقول في هذه الحال ما تعين من الحق الذي إياه نقصد، وفي طلبه نسعى ونحفد، وأرجو أن لا يكون هذا الاعتزام والتجرؤ يعتاقني بعد ذلك الأستعفاء والتلافي، وليس ينبغي لنا أن نجترء على العلم منخدعين في طلبه فندعي ما لا نفي به، ولا يحسن بنا أن نتحل بما وهبه الله تعالى لنا وفتحه علينا فتوهمت أنا مقصرون فيه، وكما أن إظهار التشحح مع إخفاء الجود قبيح، فكذلك إظهار التفاخر مع كتمان القدرة قبيح، الخير أبداً بين الطرفين والوسط مطلوب كل ذي عقل وعين، فإذاً

стр. 232

لا بأس أن يكون ذلك العطف على ما سبق من قول هذا الفيلسوف في هذه المقابسة في موضعنا هذا فيكون هذا قد أفدنا بمبلغ علمنا ووكلنا المستفيد منا في الزيادة منها إلى غيرنا، ممن قد رفع الله درجته علينا وجعله المحسن إلينا. إعلم أن الحال التي قد وضعت الفرق بين النوم واليقظة، وهي التي يتحد الإنسان بقوة أحديهما فتشرح له أموراً قد سبقته بأعيانها وجواهرها وأعراضها، وأموراً هي مشهورة في الآن على ما هي عليه من حقائقها وزخارفها، وأموراً هي على الزماع في الثاني من أوقاتها وهذا الإنجلاء والشرح يستفادان من جهتين: إحداهما هي الهيئة الحاصلة للشخص في السنخ والأصل الذي يتفقان بالقسمة السماوية والقوى العلوية، والأخرى هي الهيئة الحاصلة للشخص في الفرع، والثاني بالروية النفسية والقوى الفكرية وهاتان الهيئتان إنما تختلفان في النظر الطبيعي، وإلا فالإتفاق واقع بالنظر العقلي والأول الآلهي، فعلى هذا لا فرق بين اليقظة والنوم ما دام الحكم يصدر من صاحبهما على اطلاع النفس وراحة الليل والفيض السابق، وهذه حال لها مناسب كثيرة إلى القوة والضعف والشدة واللين والعمود المنصوب، وبحسب ذلك يصح الإنذار ويصدق الزجر وتحق الكهانة، وإنما لم يتدافع الحال في هذا الموضع لأن النظر كان موصلاً بالأمور المجردة والمباحث الصافية والحقائق المثمرة للسكون والثقة، فأما ما اتصل بالتركيب فإن النفس تفعل قوتها وتبدع أصنافها وضروباً لا سبيل إلى رؤية شيء منها من القوة إلى الفعل لعسر الهيولى وعدم أعيانها، لأن الطبيعة لا تلهيها ولا تعطف عليها، وإنما تقف الطبيعة عنها لأن النفس لا تأذن لها في توليها ولا تلقي إليها أماثيلها ورسومها، والنفس في هذا تتشبه بالعقل فما لم تجد منه لم تحمد به وما أخذت عنه لا تحبسه عما يطلبه الجود وإن كان في الغاية والنهاية. فإن قال قائل: الجود لا يعدم طوره، ولا يجوز طوقه، ولا يتطاول إلى ما ليس له. فقد تيسر الآن ما تراه من إيضاح ما قاله هذا الشيخ في تجويزه

стр. 233

في المنام جميع ما تجوزه في اليقظة إلا التركيب، لأن التركيب ورث في الطبيعة في قابل، وفي آثار النفس أيضاً تركيب ولكن الآهي، ألا ترى التحاب في العدد والتباغض والتكعيب والتثليث إنما هو من فنون التركيب ولكن بنوع خارج من آثار الطبيعة في المواد المنقادة حتى إذا علوت من هذه الربوة إلى اللوائق بالعقل وجدت هناك أموراً يضل عنها وصف اللسان ورصف البيان، ولهذا الفعل خصوصية ليس بعدها سعي ولا دونها رضى جعلنا الله وإياك من صفوته بجوده وقدرته. المقابسة الثالثة بعد المائة في أن الأشياء التي توجد بالعقل وبالحس كلها اتبعت العلل قلت لعيسى بن زرعة أبي علي، وابن عبدان الطبيب حاضر: أنا شديد الحرص على معرفة شيء قد طال تخلجه في صدري مع مواصلة مسألتي عنه وحسن استفهامي لما فيه. فقال: ما هو؟ قلت أريد أن أعلم أن الإشياء التي نجدها بالحس والعقل كلها اتبعت العلل والعلل الأشياء؟ فقال لي: من أين ثارت عليك هذه المسألة؟ فقلت: رأيت جالينوس في منافع الأعضاء يذكر أموراً ويكشف دقائق وينثر عجائب وينشر حكماً جليلة، ولعمري إن ما خلده في ذلك الكتاب وقاله واستنبطه يكاد يكون عن وحي وإلهام فضلاً عن غير ذلك! فمما نزع إلى هذا البحث أني رأيته يصف العين ويذكر مكانها من الإنسان وأنها كالربيئة له والطليعة، وما دانا هذا وجرى معه، وذكر أيضاً الإحتياط في العين لكثرة آفات هذا العضو خاصة. فقيل له لو وجدت إحدى العينين في نقرة القفا والأخرى في وسط الجبهة لأمكن أن يقال جعلنا إحدى العينين من خلف لتكون وقاية وحراسة مما يكون هناك

стр. 234

ويحدث ويذكر الضرر الذي يعرض من تلك الجهة، فكأنك أيها الحكيم لما وجدت هذه الأمور على ما نظمت به وعنيت أثرت منها هذه الأغراض من المعاني بفضل عقلك وقوة بيانك ولطف إشارتك، فكأن الأشياء تابعة للعلل على هذا، والمتبع بمقالتك يقتضي أن العلل تابعة للأشياء، ليس الأشياء تابعة للعلل، بدليل ما ضربنا من المثل، لأنك هكذا وجدتها فعلى ما وجدتها بينتها ولو وجدتها على غير ما هي عليه لكان استنباطك على ما كنت تجدها عليه بفضل فحصك واستقرائك، فعلى هذا عللك التي شرحتها وحكمك التي استخرجتها تابعة لا موجبة؟ فقال في جواب ذلك ما أحكيه على قصوري عنه، وكان ابن عبدان الطبيب ينصر ما يقوله ويرتضيه، ولقد اضطرب على كثير مما قال. زعم في أول الجواب أن للمسألة غوصاً وأنها معروفة عند الأوائل، وقد أوسعونا فيها كلاماً كثيراً في الكتب معروفة، وأقول في هذا المكان ما يكون مقنعاً إن لم يكن كافياً: إن الأشياء التي من شأنها أن تكون معلولة هي تابعة لا محالة لعللها وإن اختلفت سبلها في اتباعها كما اختلفت أحوالها في كونها وفسادها والعلة ما دامت علة فإنها تقتضي شيئاً خاصاً، والشيء ما دام مقتضياً فإنه يتبع علته الخاصة به، وهي مع ذلك موجودة معه لا على معنى القران ولكن على معنى الوجوب، فقد قضى العقل أن مرتبة التابع دون مرتبة المتبوع، ودرجة المتبوع فوق درجة التابع. والعلل بنظر ما على ضربين: علل موضوعة، وعلل مصنوعة، والصناعة منقلبة للموضوع، لأن الوضع هو بالطبيعة في الأول، فإذا صحت هذه العبرة إنكشف أن الأشياء كلها عللها ومعلولاتها على وتيرة واحدة وسنن واحد في الوجود فمن العقل، وإن كانت موسومة بالتركيب بالعقل فالأشياء تابعة لعللها ما دامت العلل عللاً لها والعلة مستتبعة للأشياء ما دامت تابعة لها، فالإتصال بين العلل والمعلول

стр. 235

إتصال آلهي لا فضل له ولا بينونة فيه، وهذا كله إذا لحظت مبدأ الوجود بحسب حدك ونظرك واستخراجك، فأما ما عليه العلة في وجودها وما عليه المعلول في وجوده معلولاً، فأمر لا يتميز إلا بالترتيب الذي تكرر القول فيه. فجالينوس قد هجم بنظره وفحصه على علتين: إحداهما موضوعة لذلك ومطبوعة على ذلك، والأخرى يدنيها منها وضيفها إليها ويشبهها بها اقتداراً بالعقل البشري وتصرفاً بالقياس الأنسي، وإثارة للحكمة الآلهية، واستنارة بالحال التوحيدية. فالعلة الأولى طباعية، والأخرى صناعية. والقياس المشار إليه من الأولى برهاني، والقياس المدلول عليه من الأخرى بياني، وإنمايفزع في وقت بعد وقت إلى ما هو دون البرهان، لأن خفايا الأشياء وأسرارها وزواياها في أعماقها كثيرة. والعقل الهيولاني لا يفني في هذا الجسم الجزئي كل الإضاءات ولا ترى كل ذلك. فلذلك ما ترى صاحب هذا العقل يطمئن مرة ويقلق مرة، لأن النفس تمر به كالبرق إذا استنار أو كالنجم إذا هوى. قال: والكلام في هذا الباب أطول مما يظن قد تجلى بهذا القدر شيء يمكن أن يكتفي به مع التخليص فيه. وأعدت هذا بعد على أبي سليمان فقال لي: قد تجد علة في شيء من الأشياء تكون ذاتية فلا ثمرة لها عندك إلا أن تعرف أنها كذلك فقط، وقد تجد علة أخرى لشيء آخر ولا تكون ذاتية له لأن أخرى تزاحمها، إلا أن العقل يرتع فيها وينبسط في استنباط الحكمة منها. والحال الأولى من العقل شبيهة بما في العقل، وكل ما في القوة فليس للعق منه إلا الأينية والكمية والكيفية. ثم قال: فعلى هذا التأسيس الأشياء تابعة للعلل لأنها معلولاتها، والعلل مستتبعة للمعلولات لأنها علل لها. وهذا بشرح العقل لا بترتيب الحس، ولا يتجرد لحظ العقل إلا بشركة من المعلول. وإذا علوت عن هذه قليلاً لم تجد ما ينبغي أن يعطي حد العلة ولا حد المعلول. وإذا علوت عن هذه قليلاً لم تجد ما ينبغي أن يعطي حد العلة ولا حد المعلول، وإنما ترسم هذه الأسماء والألقاب ما دامت تتصفح الأمور وتقيس بعضها ببعض، وتستعمل أسماءها وتثبت صفاتها، ولو خلص النظر من هذا كله

стр. 236

لم يشهد الأوجد وإلا واحد وإلا ما اخترعته لفظي ولا بيان له قوى؟ فائتة في هذه المضايق بقوى نفسك وتهدي عقلك، ودع عنك الغامض وغامض الغامض فإن ذلك يهيضك ويكدك. المقابسة الرابعة بعد المائة في أن الأشياء كمالها محرك أول فلم لا يكون لها مسكن أول ؟ حضرت أبا سليمان يوماً فقيل له: إذا كان للأشياء محك أول فلم لا يكون لها مسكن أول؟ لأ، الأشياء تسكن تارة وتتحرك آخرى؟ فقال: الأشياء تتحرك كما قلت وتسكن، ومعنى تسكن أنها لا تتحرك فمحركها في الحقيقة هو مسكنها، لأنها إليه تتحرك إذا تحركت، وبه تسكن إذا سكنت، ولو سكنت بغيره لا حتاجت في التحريك إلى محرك، وفي التسكين إلى مسكن غيره، ولكانت إما أن تأتلف السكون من جهة المسكن، أو تأتلف الحركة من جهة المحرك، وكانت تستمر على الحركة والسكون، أو كان المسكن لا يخليها فتتحرك بالمحرك، وكان المحرك لا يدعها فتسكن. والوحدة التي تكرر الإيماء إليها، وترددت العبارة على ألطف الوجوه عنها، في هذا الكتاب، تأبي هذا الوصف وتمتنع من هذه السمة. وذلك أن المحرك هو المسكن، والمسكن هو الأول، لانقسام الأول المحرك بين الحالين المختلفتين، ولكن لانقسام الموجودات التي من شأنها الانفعال بالحركة مرة، وبالسكون مرة، ولو كانت الأشياء تحتاج في كل عرض إلى من تنسب إليه لبطل التوحيد رأساً، أعني أنها كانت إذا تضامت تحتاج إلى ضام لها، وإذا تبددت تحتاج إلى مبدد لها، وعلى هذا سائر السمات، وليس يطرد هذا البحث ولا يلزم هذا الإعتراض، بل المحرك الأول بالتحريك الأول

стр. 237

على ما يليق به. وهو الذي جمع وفرق، وحرك وسكن، وأعاج وأبدى وأفاد، كل شيء ما كان محتملاً له، غير باخس ولا ناقص. وهذا كلام من سره التوحيد، فليكن إكثارك له على قدره وقدر حظك منه. ثم قال: وعلى أن الأشياء بنظر آخر تنقسم انقاساماً آخر، وذلك أن منها ما سكونه طبيعة له، ومنها ما حركته طبيعة له، ومنها ما هو مهيأ للسكون في وقت وللتحريك في وقت، فلا يتحرك في وقت السكون ولا يسكن في وقت الحركة. فلو أن مجموع هذا الباب راجع إلى واحد متى تحرك شيء فإليه يتحرك، ومتى سكن شيء فيه يسكن، ومتى لزم شيء نهجاً واحداً فله يلزم، كان الخلل يدخل، والنظام يزول، والفساد يقع. فإن ظن من لا خبرة له ولا معقول عنده مع هذا أن الخلل والفساد قد وقعا بما تشاهد من تغير الأمور، وتصرف الدهور، وتلف الأنفس، وزوال النعم، وتنغص المرائر، واعتراض الآفات والعلل، فليعلم أن هذا ليس من قبيل ما كنا فيه. وذلك أن كل من أوجب الحركة العلوية بالفعل أوجب الحركة السفلية بالإنفعال، فبحسب ذلك تمزج هذه الأركان، ويوجد منها اختلاف الشأن. ولو كان هذا العالم السفلي ثابتاً على صورة واحدة كالعالم العلوي الذي هو على صورة واحدة، لكان لا خلاف بين العالمين، وكان لا يكون أحد العالمين أولى بتحريك الآخر من العالم الآخر بتحريكه، فحينئذ كان يسقط العلوي والسفلي فلا يبين الفاعل من المنفعل، ولا المؤثر من القابل، ولا البسيط من المركب، ولا البائد من الدائم، ولا الصافي من الكدر، ولا الطري من الداثر. وهذا كلام مرذول ليس عليه بهجة ولا نور. فالبواجب تحرك ما تحرك إلى واحد وسكن ما سكن بذلك الواحد، لأن هذه الفروع جارية على أصولها، وهذه الأواخر تابعة لتلك الأوائل، أعني أن كل هيولي مهيئة لصورتها الخاصة بها، وكل صورة مهيأة لهيولاها الخاصة لها. فلا تعادي ولا فساد ولا تظالم ولا

стр. 238

عناد في هذه العناصر والجواهر مادامت سالكة نحو غاياتها ساحبة لقوامها إلى ما لها. قال: ومن ظن في هذين العالمين غير ما هما عليه فهو في وادي الوهم وأسر الحسبان، أو به غلبة من مرة أوفساد من خلط، أو لعل تقليد من تقدمه قد أضله وأعماه وأصمه، لأن الحكمة بارزة، والأساس محكم، والقدرة ظاهرة، والعجائب منتشرة، والنظر مستخرج، والعقل مجد، والنفس بحاثة، والطبيعة متصرفة، والأمور موروثة، والأسرار مكتومة، والشواهد ناطقة، والأدلة حاضرة، والأعلام منصوبة. أنظر إلى الشمس في إشراقها، والنار في إحراقها، والنجوم في إئتلاقها، والبحور في أعماقها، والأرض في إثباتها، والجبال في انتصابها، والأودية في انسكابها، وإلى الغرائب في أضعافها وأثنائها، تعلم أن الذي هو واحد في الحقيقة هو أملك بها وأولى وأقدر عليها وأعلى عنها. وما أحسن ماقال بعض بلغاء الحكماء فإنه قال: لأمر ما ربطت الجواهر بالأعراض، ولأمر ما تحركت الكواكب والأفلاك، ولأمر ما تباينت العقول والأزمان، ولأمر ما تصرفت الليالي والأيام، ولأمر ما وضع هذا المهاد مركزاً لهذه الأوتاد، ولأمر ما لا يحجز المعاني المحرك عن تقديره أحد. صدق هذا الحكيم الفاضل، لأمر ما ترى على سنن لا حب ودليل إما شاهد وإما غائب، وإمامن جهة الحس وإما من جهة العقل. وقد بان بما تشقق القول فيه من هذه المقابسة أن المتحرك الذي سكن في الثاني إلى مسكن غير من سلبه الحركة التي سكن بعدها، وليس المحرك مجبراً على التحريك فيحرك ولا يسكن، بل هو واهب الحركة للمتحرك ونازعها من الساكن، فالمحرك هو بعينه المسكن، والمتحرك بعينه هو الساكن، ومن كان طاهر النفس صافي القريحة صائب النظرن قصد الجواب ولحظ الحق بدون ما التأم ها هنا من البيان، ولم يحوج نفسه إلى شك مود إلى وحشة، فالحق أنس كل عقل، والباطل وحشة كل نفس.

стр. 239

المقابسة الخامسة بعد المائة في أن النوم شاهد على المعاد سمعت أبا سليمان يقول: لو لم يكن في النوم من الحكمة إلا أنه شاهد على المعاد لكفى، دع مافيه من راحة الأعضاء، وسكون الجرم، واستجلاب القوة إليها بعد العياء والكد، ولو كان النوم حالاً مصمتة لا شعور لصاحبها بها من أولها إلى آخرها لكانت الوحشة داخلة، والشك قائماً، والتهمة واقعة ولكنها حلا يتزود الإنسان منها أموراً غريبة وأحوالاً عجيبة، ويتلقف منها غيباً كثيراً، ويستقبل منها عياناً ظاهراً، فهل هذا الرمز من اليقين إلا على ما سلف القول فيه من ثبات النفس على حال واحد لا تنام والنوم شبيه بالموت؟ فإذاً لا تموت، لأن الموت شبيه بالنوم؟ فالحالان جميعاً قد زالتا عنها وحطتا دونها. وفاتحة هذه المقابسة مدخولة، ولكن الشيخ كذا قال: والإعتراض عليه مع علو رتبته في الحكمة وجميل ظننا به في الإجابة والإصابة، ليس من حقه علينا ولا مما يجمل في الحال التي تجمعنا، أعني أنه كان الأولى أن يقول: لو لم يكن في النوم من الحكمة إلا أنه راحة لأبداننا، وجمام لأرواحنا وتخفيف عنا أثقال ما عملنا في اليقظة بضروةب التصرف واصاف الحركات لكفى. دع مافيه من الشاهد على المعاد الذي تعنه نبحث مجتهدين، وعليه نكون مضطرين، ومن أجله ننفث ما في صدورنا متروحين، وما أحق أكرمك الله هذه الغاية بالسعي إليها والتشمير لها، وبذل كل موجود ومذخور دونها، والإستعانة بكل صاحب وقريب فيها،

стр. 240

واستخلاص الروية في تحصيل حقيقتها، ورفض الراحة والدعة عند فرصة تلوح من ناحيتها، وبالحق وجب هذا الإجتهاد والإحتشاد، وهذا الفرق وهذا التحفظ والتيقظ، وهذا التباري والتحارس، وهذا التنادي والتنافس، وهذا الغدو والرواح، وهذا التثبت والسياح، لأن الإنسان في هذا العالم وإن بلغ المنتهى في أماني نفسه من كل علم كالهندسة والحساب والنجوم والطب وسائر أجزاء الفلسفة، وكذلك إن اشرف على غاية كل علم ويعرف منقلبه، وكذلك أيضاً إذا بلغ في الدنيا كل حال علية، وكل دولة سنية، من المال والثروة واليسار والعزة والأمر والنهي والتأييد على أصناف البرية، ونيل كل شهوة ولذة، وبلغ كل إرادة وأمنية، فإن آخر ما يقترحه أن يقف على ما يتحول إليه ويصير مرتهنا به ومفكوكاً منه، فقد صار النظر ف يهذه الخاصة والخالصة من أشرف ما في قوة الإنسان وأعلى ما في همته وأعظم فوائده، ولغبة هذا المطلوب على جميع الخلائق حاموا حوله، ورادوا مراداه، ووردوا شرائعه، وسلكوا شوارعه، وعلوا روابيه، وخاضوا سوابيه ودوابيه، حتى اتفقوا على إثبات هذه الغاية لشدة حاجتهم إليها وتوقد حسرتهم عليها. هذا مع اختلافهم في تحقيقها على ما ينبغي لها حتى هتف قوم بما ألقى على السنة الأنبياء، وهينم قوم بما رأوه من التناسخ في الأدوار، وتخافت قوم آخرون بأمور تبهرجها معوز، والإطناب في إحصائها متعب. فاستخلص أكرمك الله نيتك وعزيمتك في البحث عن هذه الغاية مع الرفق الذي كل من لابسه وصل به إلى ما طلب منه، فإن المكث تحت هذا السقف على هذا الظهر يسير، والتنقل وشيك، ولاحاجة إلى الزاد ماسة، والعائق مع هذا كله عظيم، والتناصر مرفوض ولولا لطف الله الذي به تماسكت السموات والأرض وانتظم كل ما بعد بالحس والعقل، لكان اليأس يغلب ويستولي، والقنوط يستحكم ويستعلي.

стр. 241

المقابسة السادسة بعد المائة في الصديق وحقيقة الصداقة وفلسفة العشق والحب وفي تعريفات فلسفية صالحة سمعت النوشجاني يقول! وقد جرى حديث الصديق وحكى في عرضه الحد الذي للفيلسوف وهو: الصديق آخر هو أنت. ويقال: الصديق هو أنت إلا إنه بالشخص غيرك. فقال: الحد صحيح، ولكحن المخحجوج غير موجود. فتعجبنا منه، فلما رأى ما اعترانا: قال: تأيدوا وتثبتوا فليس التسرع بالإنكار من أخلاق بغاة الخير وسجايا طالبي الحق. إن الحد الذي قلتم حاكين عن الحكيم صنع من ناحية العقل المحدود وفرض في عالم الحس فتناصفنا هناك بالدلالة عليه لم يكن أن يوجد ها هنا بالإشارة إليه، وذلك أن الوحدة التي في العقل تصور كل شيء بصورته التي لا كثرة فيها ولات اختلاف والتعاند إما ظاهرين وإما خفيين. وقد صح أن الإنسان ذو طبيعة ومزاج وشكل وأعراض متفاوتة كثيرة، فإذا ما صادف آخر وهو أيضاً ذو طبيعة أخرى وخواص أخرى، إما زائدة على ما لصاحبه، وإما ناقصة عنه، عرض حينئذ التفاوت والإختلاف بالواجب لا محالة. فمتى يكون هذا الإنسان على ما وصفنا هذا الإنسان والحال على ما وقفت عليه وبانت لك حقيقته وأيهما ينبغي أن يتبع صاحبه ويأخذ عنه ويقتدي به ويأخذ بيده

стр. 242

وينطق بلسانه ويهم بقلبه ويتصرف على إرادته وكلاهما على رتبة واحدة ف يالحد الذي وصفت في الصديق، فإن أوجبت على أحدهما طاعة الآخر والإقتداء به فهذا خلاف الصداقة التي تقدم حالها، لأن هذهالحال بالعالم والمتعلم أشبه وبالتابع والمتبوع أشكل. فقلت له: فعلى هذا فائدة هذا الحد؟ ولم قال الفيلسوف شيئاً لا حقيقة له ولا دلالة عليه ولا يوجد في الشاهد أصله؟ فقال: قد قصد بهذا الحد المبالغة في الحس على توخي الصديق لصديقه حالاً لا يكاد يفصل بينهما في إرادة وإيثار وقصد ومحبة وكراهية ومرضاة، فإن هذا الحد إذا لحظ أفقه العلي سلك إليه بالهمة الشريفة والعزيمة التامة والجد البليغ والإجتهاد المستخرج للوسع، فيكون لك داعية إلى الغاية التي كلما قرب منها كانت الحال أعني الصداقة إلى الحقيقة أقرب، وعليها أشمل، وبشرائطها أجمع، وعما يخالف هذه الصفات أبعد. ثم قال: وكيف يصح هذا الحد في الشاهد والحس، والإنسان إن كان وحده لا يلائم نفسه ولا يوافق أبداً رأيه، ولعله يترجح وينكفئ في كل يوم، بل في كل ساعة مراراً كثيرة مثل أبي براقش كل لون لونه يتخيل. وقال أيضاً: إن الإنسان وإن كان واحداً بوجه فإنه كثير بوجه آخر فالكثرة التي حالت بينه وبين صديقه في جمهور أحواله، فلولا التفرق الذي فيه والكحثرة التي تتوزعه، ما كنت تجد إنساناً إلا على هيئة واحدة وشكل واحد، أعني أنك كنت تجده أبداً إماطلق الوجه، ومبتسم الثغر سهل الخلق، ناشئ الخلق، جواداً بالمال، عسر المرام، بعيد المنال، مولعاً بالخلاف، أو فيما بين هـ١ه الأضداد بالزيادة والنقصان والإنحراف والإعتدال. فلما وجدته على أحوال مختلفة وأشكال مفترقة وأخلاق لا تتلائم ولا تتلاحم

стр. 243

علمت أنه إذا صادف من هذا بعينه وطينته، وعلى هذا ديدنه وإليه حنينه ونزوعه، وفيه غروبه وطلوعه، كان المعنى الذي انبني عليه الحد عنهما أبعد وهما عنه أنفر وأشرد، وأن ذلك الحد صدر عن فضاء العقول وعرصة الحق حيث لا نتزاحم الأشياء لا بالمشاكلة ولا بالمعتاندة، فلذلك ما كان حلواً في السمع مقبولاً، كريها عند العمل مهجوراً. وهكذا حكم ما يوضع بالعقل ويحد به إذ كان لا يكمل ذلكإلا بالمباشرة الحسية الكلف البشرية والعادة الإنسية، ولكن الزماع والصبر والاجتهاد والاعتياد والرياضة والدربة والتسبب والتعود مطايا مبلغة أو مقدمة، وأسباب محققة أو مقومة، ولولا هذه الفضائل التي يسلك إليها هذا السبيل لما وجد أحد في صدره برد اليقين ولا طمأنينة الحق، ولا ظفر بسرور النفس ولا عرف روح العقل، ولا أحس بسكون الطباع، ولا طمع في إصابة المطلوب، ولكان اليأس أغلب من الرجاءن والقنوط أرسخ من الأمل، والعدم آنس من الوجد، وليس الأمر كذلك، بل النعمة سابغة، والدواعي محركة، والإستطاعة حاضرة، والعناية معرضة، والرجاء مطمع، والمراد مزمع والنداء عال، والنجاء متوال، والله موفق. وليس يبقى حاطك الله إلا الفسولة والكسل، وحب الهوينا والضجر، ومتى تدرج في نفي هذه الرذائل المكروهة والأرادات الذميمة، بالزهد في الدنيا، ورفض الشهوات، ومخلطة أقران الخير، ومجانبة خلطاء السوء، عاد البعيد قريباً، والعسير منقاداً، والممتنع مستجيباً، والعاصي طائعاً. قيل له: إن الحد قد حوى هذا كله لأنه قيل: هو أنت إلا أ، هـ غيرك بالشخصن فبالموافقة يكون أحد الصديقين الآخر، وبالمخالفة يكون الشخص آخر. فقال: ليس بجائز أن يكون في الحد تناقض، ومتى استجيز هذا جاء

стр. 244

الفساد الذي لا يخيل على أحد إن كان المراد بأنه بالشخص غير كأنه يوجد سواك، وتوجدسواه، فهذا لا مرية فيه ولا شبهة على أحد منه، والعدو أيضاً كذلك. وإن كان المراد به يوافقك ويجري على هواك وإرادتك، فقد قلنا إن هذا الوصف يدخله ذلك التعاند الذي تسلف استشفافه واستكشافه من جهة الطباع والطباع، والعادة والعادة، والمراد والمراد، والهوى والهوى، والشكل والشكل، فإذاً الحد يصح ملحوظاً بشرح العقل في عالمه النقي البهي المشرق المؤتلق الخالص النير البحت، لا إذا قصد به وجدانه فيساحة الحس الكدر المظلم السيال المتموج المضمحل المستحيل. ولهذا المعنى كان الوصف أبداً زائداً على الموصوف، والقول فاضلاً عن المقول عليه في أمور هذه الدار، وتفصيل أحوال سكانها في جميع ما يتقلبون فيه ويتفرقون عليه. قيل له: قد حصلنا حميع ما قلته ووجدنا في أنفسنا زيادة كثيرة لمعرفته أفدنا الآن الفرق بين الصداقة والألفة؟ فقال قد يألف الإنسان ثوباً وزياً وطعاماً وهدياً ومذهباً ومكاناً، ولا يصادق شيئاً منها، والصداقة إذا أخذتها من جانب اشتاق لفظها كانت من الصدق، ولاصدق ميزان النفس وصورة العقل وكمال الجملة وزينة التفصيل، وإذا ألف إنسان إنساناً فقد أجراه مجرى جميع ما سميناه، وإذا صادقه فقد رفع شأنه وأعلى مكانه وميز قدره وأفرد حاله فيما لا يصدف إذا حدث ولا ينصف إذا عومل. قيل: فعلى هذا يتمم هذه المقابسة التي حركت منا سواكن، وأثارت علينا كوامن. فقال: إعملوا ما بدا لكم من الخير فالحكم خلس، والفوائد قرص، وليس كل وقت يوافق نشاط السائل في سؤاله رغبة المسئول في إجابته، ولا في كل حال يمكن للإنسان أن يثقف ما يقول ويقوم ما يعمل ويحقق ما ينوي قبل وبعد، وإني أحدثكم عن الصداقة شيئاً حسناً.

стр. 245

قرأت في أخبار الملك الحكيم الإسكندر أنه كتب إلى معلمه أرسطو طاليس يصف له ما رآى في مسيره إلى الهند تمن الأمور العجيبة، والأحوال الهائلة، فكان فيما كتب له: أيها الحكيم، إننا انتهينا إلى خليج من البحر من ورائه مدينة عظيمة من مدائن الهند، ورأينا في اللجة من ذلك الخيلج شيئاً ناشزاً بارزاً كهيئة الجزيرة فأردت عبوره فمنعني منه صديقي فليون وقال بل أعب أنا أولاً، فإن كان هناك مكروه وقع في دونك، فإنه إن هلك فليون وجد الإسكندر منه خلفاً، وإن فقد لاإسكندر، لا فقد، لم يكن على وجه الأرض خلف. فعبر فليون وعدة من خلاني وخلصاني، فإذا ذلك الذي رأينا في البحر دارة عظيمة من دوابه، فلما دنا أصحابي منها غاصت في البحر فاضطرب الماء وغشى الموج سفائن أصحابي فأغرقها، فلما شاهدت ذلك اشتد جزعي على صديقي فليون ومن غرق معه من خلاني، وانصرفت عن ذلك بقلب مصدوع، وطرف مولع بالدموع. فسئل عند هذه الحكاية عن مسائل من شكل حقائق الصديق فأجاب عنها غير متكلف ولا متعسف بعد تفاد ظهر واستعفاء قدم وأخر. وقال: كل مسألة من هذه المسائل تستوعب فكر النفس، وتفرق بال الإنسان، وتأخذ به في أقطار العلم، وتضله في قفار البحث؛ وما أحب أ، تسجل علي بكل ما يسمع مني، فرشائي قصير، ووردي ثمد، وحظي نزر. فقيل له على ذلك: أخبرنا ما العشق؟ فقال: تشوق إلى كمال ما بحركة دالة على صبوة ذي شكل إلى شكله. قيل له: فما المحبة؟ قال: هي منوال العشق، إلا إنها محاولة الحال إلى الإتصال، إتصالاً يرفع التميز رفعاً، ويقطع التحيز قطعاً، وتحدث الكلف، وتورث التلف. قيل: فما الكلف؟ قال: كأنه اللزوم للشيء.

стр. 246

قيل له: فما الشغف؟ قال: قريب من الكلف، وهو أشد ارتفاعاً في ملازمته من الأول على أنا إن أنصفنا لم نقل في هذه الأسماء شيئاً لأن حدودها وحقائقها لم تنته إلينا صحيحة تامة غير مخرومة ولا مثلومة، وإنما نصفها ائتناسا بها وببعض علائقها لا إطلاعاً على جميع غوامضها وخوافيها، وعلى جميع ما دخل فيها وفي غمار أخواتها. فلتكن الحال معروفة عند المعيب والعائب إذا عثر على زلة لم يعر منها أحد من البشر وإن لطف عقله ورقت حاشية كلامه وتهودى سماع لفظه بسمع كلامه وتزين في بديع خطابته، ولا غضاضة على من إذا قصر قصر من جهة يشاركه فيها بنو جنسه. قيل له: إنما الصداقة لغة، وهي أم هذه المقابسة. فقال: صحة الظاهر بالموافقة، وسلامة الباطن من المخالفة، واستقرارها على حد المواصلة بالمناصفة والمساعفة والإيثار، مع الإهتمام بكل دقيقة وجليلة، والإحتياط في كل ما حرس أسباب القوى الزلفة، واطرح كل ما أشار إلى المؤنة والكلفة. وقيل: إن رأيت زدت في المحبة كلاما؟ فقال: المحبة أريحية منتفثة من النفس نحو المحبوب لأنها تغذو الروح وتضني البدن ولأنها تنقل القوى كلها إلى المحبوب بالتحلي بهيئته، والتمني بحقيقته، بالكمال الذي يشهد فيه. فالشوق يتوفر عليه، والشوق شاغل عن كل ما عدا المشتاق إليه، وهو وقوة تسافر من هذا إلى هذا، زادها الأطراق والتفكير والوجوم والسهر والتتبع والتحير. قيل: فما المعرفة؟ قال: إن كانت ضرورة فهي نتيجة الفطرة، وإن كانت استدلالاً فهي ثمرة الفطكنة، ولا بد فيها من البحث الطويل والعريض، والسماع الواسع

стр. 247

الكبير، لأن النفس الناطقة لا تعطيك مكنون ما فيها إلا بتصفحك كل ما هو دونها من أجلها. قيل فما العلم؟ قال: قال بعض الأوائل: هو الرأي الواقع على كنة حقائق الأشياء وقوعاً ثابتاً لا ينتقل عنه. قيل له: قد استفدناه فيما يحكي، وإنما نرغب إليك فيما حاكه فضلك واستنبطه فكرك، وجاد به عقلك، وانتهى إليه فضلك؟ فقال: العلم وجدان النفس مطلوبها توحدت به واتحدت فيه لهما، وهذه صورته عندنا، وشك الإنسان بعد ذلك بالرأي الضعيف الظن السخيف من ناحية الطبيعة والعادة، لأن ما جرى مجراهما لا يتحيف بحصولها ولا يسلبها ما صار بالواجب لها. وقال: والعلم انفعال ما ولكن باستكمال يؤدي إلى النفس سرورها، وحبورها اللذان هما خاصان لهما. والمعرفة تنفذ في الأشباح المائلة والإحساس القابلة. والعلم ينفذ في الأرواح القابلة للمعقول، وقد يتعادلان عند العامة كثيراً لدقة الفرق وغموض الفصل، وذلك أن العامة تطلق كلامها تحريفاً وتخويفاً، فتزل عن كنه الحقائق لإلفها حضيض الأمور بما تراه العين وتسمعه الآذان، ومن وراء البصر والمسموع معادن الحكمة الآلهية وبحار الأسرار الملكوتية، ومصادر نفس الأنفس الزكية، وموارد طمأنينة الأرواح الطينية، ومعارج رواد العقول الصافية. قيل: فما التوحيد؟ قال: اعتراف النفس بالواحد لوجدانها إياه واحداً من حيث هو واحد لا من حيث قيل إنه واحد. وهذا هو الحد بين توحيد الجمهور بالتقليد وبين توحيد الخاصة بالتحقيق. فأما اعتراف اللسان فهو ثابت عن اعتراف النفس

стр. 248

إذا كانت هذه النيابة على حد الكمال ولم تكن تليقينا من عامة الناس. ثم قال: وليس معنى قولنا وحد فلان أنه قال هو واحد، هذا مفهوم العامة لا معقول الخاصة؛ بل معنى قولنا وحد أي عرفه واحداً، وعلمه واحداً، وأثبته واحداً، ووجده واحداً، لا لأنه نفى عنه الثاني والثالث فصاعد، وكيف ذلك، ولا ثاني له فينفي، ولكن لأنه واحد وحده، بل هو وحده واحد لا على سبيل تنسيق العبارة على عادة أصحاب اللفظ، لا على تعقيب يقتضيه إلف أكثر الخلق، بل على لحظ ذات لا شوب فيها وتجريد أنية لا نعت لها وإشارة إلى هوية لا عبارة عنها. ثم قال: وهذا موضع يزيغ عنه العقل الإنسي، ويوسوس منه الإنسان العنصري، وذلك لأن العقل يجد العلة الأولى وجداناً على أتم صورة وأشرف نعت، وأبلغ قول، فيهش إليه ويتهالك عليه، قابلاً لفيضه، ومقتبساً من ذاته، وسابحاً في جوده، ومتشبها بحقيقته، ومناسباً بنعته، يتحلى به من كان به عاقلاً ومن كان به كاملاً على ما دونه وعزوفاً عما سواه، فلذلك يظن الإنسان إذا سما عقله إلى هذه الآفاق العلية ودنا نحو هذه الغايات البعيدة أنه خولط وجن وأنه وسوس، وهذا عار يحل على بؤبؤة العين وناظر الحدقة في حيث هذه الحدائق المؤنقة، والظلال الريحة، والثمرات الحلوة والنعمة الدائمة، والسعادة الحاصلة، والأمنية الشاملة. قيل: ينزل قليلاً عن هذه الربوة فإنها قد أخذتنا عن درجاتنا ومقاماتنا إلى ما هيئنا لمعرفة هذه الدقائق والتوغل في هذه الأعماق ما الفتوة؟ قال: طهارة الحدة والطراوة في كل حال مباشرة، لأنها متى فقدت جاءت الخلوقة والرثاثة، ومن ذلك سمي الفتى فتى، والفتى فتياً لأن الكرم والمجد والجود والعفة والنجدة وكبر النفس وعلو الهمة وسائر خصال الفضل والخير غضة في كل زمان طرية في كل مكان، كان الطاهر بها والمطهر لها والمؤثر لأجكامها والمجدد لرسومها فتى وصاحب فتوة.

стр. 249

قيل له: فما المرؤة، فإنها تتبع الفتوة؟ فقال: هي القيام بخواص ما الإنسان يكون عليه محموداً وبه ممدوحاً، وهي أعني المرؤة أشد لصوقاً بباطن الإنسان، وأما الفتوة فهي أشد ظهوراً من الإنسان، فكأن الأولى أخص، والثانية أعم، أني لا فتوة لمن لا مرؤة له، وقد يكون ذو مرؤة ولا فتوة له، فإما إذااجتمعا فقد أخذ الحبل بطرفيه، وملك الأمر بجنوبه. قيل له: إن الحسن بن وهب قال: غزل الصداقة أرق من غزل العلاقة. فما وجه هذا القول؟ قال: صدق، هذه نفثة فاضل قد أحس كمال الصداقة، لأنها مؤثرة بالعقل ومجراة على أحكامه ومحمولة على رسومه، فأما العلاقة فهي من قبيل الحس، والطبيعة عليها أغلب وآثارها فيها أبين. وفي الجملة ينبغي أن يعلم أن ذا الطبيعة مشاكل لذى الطبيعة، وكذلك ذو النفس مشاكل لذي النفس، وكذلك ذو العقل مشاكل لذي العقل، وهذه التفرقة لم تقع من جهة الطبيعة الأولى لأنها واحدة سارية في الجميع، ولكنها وقعت من جهة المواد والقوابل بالزائد والناقص، وهكذا الحال في النفس والعقل، لأن شأنهما أعلى ومحلهما أسنى وأسمى، وذلك أن الطبيعة إنما تنهي الشيء اليسير مما تجده وتحصله من ناحية النفس والعقل، والطبيعة نفس في الأصل، والنفس عقل في الأول، والعقل هو المبدأ، وكل هذا واحد إذا لحظت القوة القائمة والجود المنبجس، والواحد كل إذا لحظ الجود المحض ومتى

стр. 250

خلص النظر من شوائبه، وصفا البحث من عواقبه. وارتفع الحاجز الذي قصد وانتفى العارض الذي تعرض، وجدت حقيقة هذه الحال من غير تجوز ولتا اختلاف. فالهوى من عوارض الطبيعة، والحب من علائق النفس، والعشق من محاسن العقل. وكل واجد من هؤلائ الذين سمينا هو صاحبه تفي موضعه، وحكمه بحكمه في مكانه. ومتى اقتص الفاضل الحكيم هذه الأوائل وساق إليها هذه الثواني رقي من الأدنى إلى الأشرف، وانتسب إلى الأقوى دون الأضعف، وهي كالطرق المذللة، والسلاليم الموصلة بخلانيتي وينسب بغيره؟ حتى إذا أنيل الفوز بمعانية الغاية التي هي الغرض الأول والمراد الأفضل، أدرج ما عدا ذلك كله إدراجاً، وطوى ما سواه طياً. وهذه كالرؤيا لا تأويل لها إلا رياضة الإنسان طبيعته؛ حتى لا يتم إلا ما ينبغي ولا يأتي إلا ما يحب، ولا يقول إلا ما يحق حنينه، لا يتطاول إلى ما ينحط عنه، ولا يتشرف بما يزدهيه، ولن يتم له ذلك أولاً وآخراً إلا بمواصلة العقل وصحبته والعمل برسمه والتسرع إلى قبول نصحه. والعقل وإن لم يكن بأسره عنده فمعه جزء ينزع بشرفه إلى أصله يضيء له بأنوار السيرة الفاضلة والأخلاق الحميدة، ويكف هوائج الطبيعة، ويحسم مواد العادة الرديئة، ويحث على استعدادها لا يستغني عنه في العاقبة، ويوزع العدل الذي هو صورته على الأحوال الراسخة والطارئة، ولن يتم هذا كله إلا بهذا الإنسان دون، يكون مهيئاً له بالأصل معرضاً له في الفرع. ثم قال: ولأن تمت فيك ما أحياه الله لك، ولا تزعج على نفسك ما كفه الله عنك، وخذ بآداب أهل الحكمة نفسك وغذ بها روحك، واستر عليها عادتك، واجعل الخير كله إرادتك، ولا تكترث بسيلان طينتك، وذوي عودك، وتعادي أخلاطك، وتزايل أوصالك، وارتداد نفسك، ومفارقة إلفك، واستحالة عنصرك، وفساد مزاجك، ودوام اختلاجك، وتعذر
следующие страницы →