Полный текст (260 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
إلا ذو عاهة؟ ولكن قد سمعنا لغات كثيرة من أهلها، أعني من أفاضلهم وبلغائهم، فعلى ما ظهر لنا وخيل إلينا لم نجد لغة كالعربية، وذلك لأنها أوسع مناهج، وألطف مخارج، وأعلى مدارج، وحروفها أتم، وأسماؤها أعظم، ومعانيها أوغل، ومعاريضها أشمل، ولها هذا النحو الذي حصته منها حصة المنطق من العقل، وهذه خصة ما حازتها لغة على ما قرع آذاننا وصحب أذهاننا من كلام أجناس الناس، وعلى ما ترجم لنا أيضاً من ذلك؛ ولولا أن النقص من سوس هذا العالم وتوسه لكان علم المنطق بهيئة الطبيعة بالعربية، وكانت بسوق العربية إلى طبائع اليونانية، فكانت المعاني طباقاً للألفاظ والألفاظ طباقاً للمعاني، وحينئذ كان الكمال ينحط إليه عن كثب، والجمال بصادفه بلا رغب ولا رهب.
قال أيضاً: أصل الدور بعد الدور، والكور بعد الكور، ينسيان هذا الذي شمناه لقوم يكونون بعد ما فات العالم، مشتاق إلى الكمال، ومشتاق إلى الجمال، عندهما يكون الغاية، وإليهما تقف النهاية.
وقال: ومما يوضح هذا المشكل، وبين هذا المجمل، صورة العالم، فكل وقت وساعة على حال لم يكن عليها قبل ذلك بما يفض عليه ويسري إليه من الحق الأول والوسائط الأولى بالجود الأعظم والأشمل، وإذا كان للعالم ولك ما فيه صورة محدودة وشكل فاضل يصير في كل وقت ولحظة إلى هيئة لم تكن عليها من قبل، فهل ذلك إلا لأن العالم متوجه نحو الكمال والجمال ينالهما حالاً فحال؟ ثم يكون له بجود الحق الأول مبتدأ به يتحدد ويسوقه وتمتد عليه نقلته من غير انفعال بتوسط ولا نحو أمر يعرض، وهذا المبدأ مفروض، وإلا فالحال متصلة اتصال الواحد بالواحد من حيث يلحظ ما هو واحد، واتصال الوحدة بالوحدة من حيث يلحظ ما له وحدة.
وقال أيضاً: وهو الذي أشرنا إليه: العالم إنما هون من ناحية قوله وانفعاله وما هو بسبيله، وإلا فالجود الأول هو الجود الثاني، والثاني هو الأول،
стр. 177
وإلى ما لا غاية معلومة ولا نهاية موهومة، إلا أن هذا لائق بالآله الذي له ينبغي وبه يليق، فأما العالم فتجدده وحسنه وكماله وتمامه فمضاف إليه وملحوظ فيه.
ولما دق كلامه، واعتاص لفظه، وتسلسل إيماؤه، وسقط عني إتقان جل ما كنت حويته ورأيت الحظ لي ولمن يرى رأيي أن لا أخل بما أمكن من ذلك، فأثبته على ما تجده من الفتق والرتق والرقع والخرق، وأنت أبقاك الله أولى من تدارك حله، وستر خلله، وأرجو أن لا تخرج من حسن الظن بي، ولا تغلط الفراسة فيك، ولا تدخل في غمار من لا يساوي عيانه خبرك ولا يلحق كله بعضك، كان الله لك ومعك، وهو حافظنا لك ودافعنا عنك ومؤنسنا بك.
المقابسة التاسعة والثمانون
في كلمات في الزهد وترك الدنيا
نذكر في هذه المقابسة أشياء سمعناها من أبي سليمان في مجالس الأنس إن لم تكن في صدد الفلسفة فإنها لا تخرج من جملتها، ولها فائدتها التي يحتاج إليها ولا يستغنى في الأغلب عن الوقوف عليها، قلت له يوما: كيف أصبحت؟ قال: مالك الظاهر مملوك الباطن لا أفقد عدواً، ولا التذ إلا عفواً، إن حزنت حزنت طباعا، وإن فرحت فرحت خذاعاً، إن أنا خالطت ذممت الناس، وإن اعتزلت اجتلبت الوسواس، إن بحثت دهشت، وإن قدرت استوحشت، بهذا مسائي وصباحي، وعليه غدوي ورواحي، وأشوقا إلى وطء ذاك البساط،
стр. 178
واكربا من عقد هذا الرباط، يا لها سعادة لو وجدت بالجد والتشمير، وزهد من أجلها في النقير والقطمير. وهذا كما ترى.
وحدثنا يوماً قال: اجتزت بالري متوجهاً إلى سجستان سنة من السنين، وكان بها أبو جعفر الخازن فزرته فاضياً لحقه وسنه، لما انصرفت ابتعني برقعة يصحبها، يروي في الرقعة: بسم الله الرحمن الرحيم: من استحقر في قضاء حقوق الإخوان ما يبلغه عاجل الاستطاعة، فقد عرضها للتقصير والإضاعة، لأن الأيام لا تكاد تسعف بكل المراد، ولا تزول من عادتها في الفساد.
وجرى يوما بحضرة أبي سليمان حديث أحكام النجوم فقال: من طريف ما ظهر لنا منها إنه ولد في جيرتي ابن نباتة فقيل لي: لو أخذت الطالع؟ فأخذته وعرضته على علي بن يحيى فعمل وقوم فقال لنا فيما قال: هذا المولود يكون
стр. 179
كذب الناس! فتعجبنا منه! فدارت الأيام حتى ترعرع الغلام وبلغ وخرج شاعراً كما ترى، معدوداً في عصره ثم أنشدنا له مستحسناً:
وتأخذ من جوانبنا الليالي ... كما أخذ المساء من الصباح
أما في أهلها رجل لبيب ... يحس فيشتكي ألم الجراح؟
أرى التشمير فيها كالتواني ... وحرمان العطية كالنجاح
ومن لبس التراب كمن علاه ... وقد تخدعك أنفاس الرياح
وكيف يكد مهجته حريص ... يرى الأرزاق في ضرب القداح
ثم أنشدتها ابن نباته فأقر لي بها.
وقلت لأبي سليمان يوماً: أنشدنا أبو زكريا الصميري عن ابن سمكة القمي عن ابن محارب الفيلسوف لنفسه:
صدفت عن الدنيا على حبي الدنيا ... ولا بد من دنيا لمن كان في الدنيا
وأدفعها عني بكفي ملالة ... وأجذبها جذب المخادع بالأخرى
فقال: هذا كلام رقيق الحاشية، حسن الطالع، مقبول الصورة، يدل على ذهن صاف، وقريحة شريفة، واختيار محمود، وذهن ناصع، ورأي بارع. ثم انظر إلى قول شيخنا أبي زكريا يحيى بن عدي فإنه أنشد يوما لخالد الكاتب:
стр. 180
لست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتقلى
لو تفرغت لاستطالت ليلي ... ولرعى النجوم كنت مخلاً
فقال له يحيى بعد أيام: قد عارضت خالد الكاتب في قوله! ثم أنشد:
إن يكن لا دري إلا المخلا ... لست تدري إن كنت تدري أم لا
أو تكن دارياً بذاك فهلا ... كنت تدري أطال ليلك أم لا؟
قال: وانقلب أصحابنا عنه بالضحك والتعجب؟ انظر كيف يسلب الفاضل توفيقه في وقت مع البصيرة الثاقبة بالعلم! ولم ينشدنا أبو سليمان هذه ليحيى بن عدي حتى ألححنا عليه. وكذلك إنه قال: قد دل شعره على ركاكته في هذا الفن، والستر عليه أحسن بنا.
وكان أبو سليمان يستحسن للبديهي قوله:
لا تحسدن على تظاهر نعمة ... شخصاً تبيت له المنون بمرصد
أوليس بعد بلوغه آماله ... يفضي إلى عدم كان لم يوجد؟
لو كنت أحسد ما تجاوز خاطري ... حسد النجوم على بقاء سرمدي
فقال: ما أفلح البديهي قط إلا في هذه الأبيات؟ وصدق كان غسيل الشعر، سريع القول.
فأما أبو سليمان فإنه كان يقرض البيت والبيتين، وينشدنا ذلك وينهى عن بثه عنه، ويقول: من انتحل لضعفه قوة غيره قحة وجسارة، فقد استجر إلى نفسه فضيحة وخسارة، فمن قوله:
стр. 181
وإن عزوف النفوس عمن يخونني ... ومعطى قيادي للحبيب المؤالف
أشاطره روحي ومال وأتقي ... حذاراً عليه من رياح عواصف
فإن خان عهدي لم أخنه وإن أكن ... على ما أرى من غدره بمواقف
وأترك عقباه لعقبي فعاله ... ففي عقب الأيام كل التناصف
ومن قوله أيضاً:
بكيت على مفارقة الشباب ... وأيام البطانة التصابي
وأيام التغازل والدلال ... وأيام التجني والعتاب
مضت فكأنها لما تولت ... معقبة نفيساً بالعقاب
لتبلي كل ملبوس جديد ... وتمزج كل معسول بصاب
بياض الشيب أعلام المنايا ... نشرن نذيرة لك بالذهاب
هو الكفن الذي يبلى وشيكاً ... ويأتي بعده كفن التراب
ثم قال: ألا قلال من هذا الباب أولى بنا، فلسنا من أهل هذا الفن، وسمة التقصير لائحة علينا، ودالة على نقصنا، وإن خفي ذلك بنظرنا، لأن الإنسان عاشق نفسه وليس بمؤاخذها على تقصيره. ثم قال لي: أنشدنا ما سمعنا منك لبعض الآلهيين فأنشدته:
لما تجاوز حسي ... وفات مسي ولمسي
ولم أزل أتقرا ... دليل أبناء جنسي
فلم يكن ذاك يجدي ... ولا يعود بالسي
رجعت نحوى بشرط ... يغيب عني حسي
فلاح تحت ضلوعي ... ما قد من قرن شمسي
فقلت هذا طريقي ... من غير شك ولبس
وغصت حتى تجلى ... وأشرقت منه نفسي
فقال أبو سليمان: ما أحسن الأدب والحكمة إذا كان هذا من ثمرها؟
стр. 182
وسمعت أبا سليمان يقول للجرجاني الكاتب، وكان يحدث نفسه بالوزارة: أيها الرجل، إن الدنيا نار ذات دخان، فلو سلوت عن صلائها لدخانها، لكان أجدى وأسلم؟ فقال: أفلا أصبر على دخانها لا تنفع بضيائها، واستمتع بصلائها؟ فقال: ما أحسن هذه العارضة! لو كنت في الاستمتاع بضيائها على ثقة ومن الانتفاع بصلائها على يقين؟ وكنت إذا أدركت ذلك دام عليك وصفاً لك! فأما والعادة جارية بخلاف قولك وبضد اقتراحك وتوهمك، فلا. فقال الجرجاني: الله الموفق وهو حسبي.
فقال أبو سليمان: حكم الكتاب وأصحاب الخطابة مخايل، تصدق قليلاً وتكذب كثيراً، ليس لها رسوخ في القلب، ولا ثبات في العقد. فلما قتل الجرجاني قال أبو سليمان: مسكين ذلك الرجل، صبر على دخانها إلى أن اختنق، وتعرض لصلائها حتى احترق. ثم قال: اللهم لا تكلنا إلا إليك، ولا ترغبنا إلا فيما لديك، ولا تعرضنا إلا لطلب ما عندك، إنا لعجزة عن قدرة نطلبها بنا، وضعفة عن قوة ندعيها فينا، أرنا الحق حقاً ثم هيئنا لإتباعه، وأرنا الباطل باطلاً ثم وفقنا للإعراض عنه، يا من يملك العيان والخبر ويرينا بهما العجائب والعبر.
قد قوي رأيي أدام الله توفيقك أن لا تكون هذه المقابسة في هذا الموضع كأنها ناكبة عن أخواتها المواضي ولكنها على حال قد أخذت بنصيبها من الحسن، ولعها تفيد بعض الفائدة.
قيل لأبي سليمان: لماذا إذا جد السؤال جد المنع به.
فقال: لأن الحال يلتبس بشيء كالإغراء والإكداء والأرجاء، فيقع للمسؤل أنه قد ظلم، وأن السائل قد اعتدى، فإذا استقر هذا في نفسه
стр. 183
وتردد على باله لم يجد في عقابه شيئاً أقرب ولا أخصر من منعه ليكون ما أتاه من جنيته من جنس ما أتاه السائل من جنايته.
وهذا حفظك الله وإن لم يكن من سراة الفلسفة، ومن بحبوبة الحكمة، ومن غامض الفوائد، كان يجري مع إخوانه في مجالس هؤلاء الأعلام لسبب من الحفظ ولم يعرض لفائدة فكرهت أن لا يكون لها رسم في عرض ما روينا، وهذا الاعتذار مني قد تكرر، ولولا سوء ظني بالزمان وأهله لما رأيت أن إعادته تنفع وتكريره يفيد، والسلام.
المقابسة التسعون
في حكم فلسفية من كلام أبي الحسن العامري
هذه مقابسة تشتمل على كلمات شريفة من كلام أبي الحسن محمد بن يوسف العامري، علقت وسمعت أكثرها منه، وهي التي مرت في شرحه لكتابه الموسوم "بالنسك العقلي" ويصلح أن يأتي عليها هذا الكتاب فأتيت بها على وجهها قصداً لتكثير الفائدة وأخذاً بجماع الحزم.
قال: أعرفه لا بالنفس بل بغيان النفس، وأشبهه لا بالكمال بل بكمال الجمال، وأطلبه لا للاتحاد لكن لاستخلاص الاتحاد.
وقال أيضاً: لن يوثق بالصديق بل بميزان الصدق، ولن يخاف السبعية بل كلب السبعية، ولن يهجر الكذب بل آفات الكذب.
وقال: أنظر من جعلك مريداً فاجعله مرادك، وجر الانتساب إلى من هو أولك وآخرك.
وقال: وزن النفس بالنفس هو العبادة بالنفس، وردع النفس بالنفس
стр. 184
هو العلاج للنفس، وعون النفس بالنفس هو التدبير للنفس، وانتساب النفس بالنفس هو التعرف للنفس، وعشق النفس هو الممرض.
وقال: سل واهب العقل إضاءة العقل، ولاحظ الحقائق بنور الحق.
وقال: إبدأ بالأول في إيثار الأولى، واعرب الأولى بإيثار الأول.
وقال: مبدأ وصال الأحسن هجران الأقبح، ومنشور الرأي الأقوم وجدان الأصلح.
وقال: المختار الأول عاشق للأحسن، والمقدم الأول مريد الأتقن.
وقال: آمن والمؤنة أشرف القينات، وإخلاص العمل أشرف الأعمال، وعداوة الشيطان أشرف من المجاهدات، والتهيؤ لإجابة الداعي أشرف الأفعال، وتميز البقاء من الفناء أشرف من النظر.
وقال: دوام الصحة للفضلاء من السادة، يروض الطبع على الحميد من العادة، وإجالة الفكر في نظام الخليقة، يحلي النفس بجمال الفضيلة.
وقال: ليس اللطف في تزيين الشيء بل اللطف في تأنيق التزيين، وليست المهنة تأدية الصناعة بل المهنة سهولة التأدية، وليس الكمال المطلق اقتناء الفضيلة الإنسية بل بما يتبع اقتناءها من الجود المزين لها، أجل النعم هي الاستقبال بشر المنعم، وأشرف المواهب هو الفوز بالخلوص لرب المواهب، ومن لم يؤيد من نفسه بإحكام الحكمة وبأمان العقل، فقد صيرهما حجة علية لا له، ألفائز بالإشراف إما أن يوجد مستولياً على المشروف، وإما أن يوجد مستغنيا عنه، والمقتصر على المشروف أن يستمد بالاستيلاء على الإشراف أو يستعين بالاستغناء عنه. الوضيع أشر حالاً من الخسيس، فإن الوضيع مذموم في حال دون حال، والخسيس مرذول على كل حال. أشرف العبيد أخلصهم للمولى، وأشرف أفعال العبيد أرضاها عند المولى، وأشرف أغراض العبيد هو أن يصفو له المولى، وأشرف همم العبيد أن يتحد بالمولى. من خصائص المذلة سلوك النفس إلى النقص بعد الفوز بالتمام، ومن خصائص المعزة التشبه
стр. 185
بالضعاف مع وفور بالطاقة. الحكمة مقتضية لوجود العقل، والمعاني الثلثة في الأقل شيء واحد، وهو هو ذاته الحق، فأما فيمن دونه فمختلفة في حدودها وإن اتحدت في وجودها. النفس العزيزة هي التي لا تؤثر فيها النكبات، والنفس الكريمة هي التي لا تثقل عليها المؤونات. مقابل العزيز هو الذليل في التلون في أحواله بسرعة عمله، ومقابل الكريم اللئيم، والرضى من أفعاله بالخلل عامة. مراتب العبودية بحسب القوة القوة العلمية أربع: أولها مرتبة المتقين، وهي من علائق الخوف، والثانية مرتبة المحسنين، وهي من علائق الرجاء، والثالثة مرتبة الأولياء، وهي من علائق المحبة، والرابعة مرتبة الصالحين، وهي من علائق الاستقامة. صورة الكل واحدة. هجر القذورات مدرجة إلى الخيرات، والتمسك بالخيرات محصنة عن الهفوات، والأمن من الهفوات مرفعة للمقامات، ومعالي المقامات مجمعة للسرور واللذات. متى لم يجلب الموانع فقد يسير الجوهر الجسماني نحو كماله الأخص. العلم الصحيح أبلغ من صلاح العمل السديد من الاعتبار بالعكس فإن الرئاسة والتدبير إليه. فاتحة السعي في طلب المولى ترك جميع من هو دون المولى، وتمام السعي في طلب المولى الاستغناء عن جميع من هو دون المولى. متى جاوز البعض البعض فقد استغنى الجميع عن الجميع، ومتى اتكل البعض على البعض فقد اضطر الجميع إلى الجميع. بدؤ التعاون افتقار وتمامه استغناء، وبدؤ التواصل استغناء وتمامه افتقار. متى استتبت الحرفة على هذا العرض الحقيقي فقد سلم المحترف بها عن وصمة التقليد فيها. فراق العبد للمولى يكون على صور أربع، وهي: القطع، والطرد، والحسر، والحجب. انبعاث الخاطر النفساني وإن عرض منه التأدي إلى الحرص فلن يجوز أن يعد مرذولاً، فإن لكل واحد منهما مقصوداً آخر عظيم الجدوى ذاتا له وبمثله الحال من كافة ما ينبعث في النفس كما أن المتدين يفتتح تدينه من درجة التقليد ثم يترقى منها رويداً رويداً إلى معلوم التحقيق، ومهما اقتصر من تدينه على الرتبة كان مذموماً، وإن لم يجد
стр. 186
في البدأة مختصاً بالكنه. الحال في اللذة والكرامة والثروة والرئاسة، المعونة والحرمة قد تقع بحسب القرب، وقد تقع بحسب تقريب مراتب التقريب وبحسب العمل يفتقر إلى الآت، وهي الاتصال والتفويض والتوبة، ومراتب التقريب بحسب العمل تنقسم إلى ثلاث مراتب، وهي الخدمة، والطاعة والعبادة.
وقال: الحال لا يجب أن تكون حال الصبى، والوقت لا يجب أن يكون قريباً من أحوال الصبا، ولا طبيعة لا يجب أن تكون ذات أفعال أو ذات انحلال، والسبب الداعي لا يجب أن يكون إما الثروة، وإما اللذة، وإما الرئاسة، وإما المحمدة، بل يجب أن يكون إما شرف الفضيلة، أو تحصيل السعادة، والرفقاء لا يجب أن يكونوا سبعيين أو بهيميين.
وقال: النعمة الموضوعة في غير موضعها قد تحسن بالعرض لجهات ثلاث: وهي المحبة، والغيرة، والمدرجة. أفعال القلوب أربعة، أولها الزيغ، ثم الرين، ثم الغشاوة، ثم الختم، وعلاجها الإيمان، والنداء، واليقين بالأخرة، والتصديق للرسالة.
انحلال الأنفس يكون على أربعة أوجه، أولها: الكسل، ثم الغباوة، ثم القحة، ثم الانتهاك. وعلاجه استشعار التقوى، والمحافظة على العبادات والاتفاق في سبيل الأنفس. أعلى النفس همما هو أن لا يفرح بشيء من السنخ كفرحه بصحته.
مالك الملوك وهو الحال الفصلي للطبيعة الإنسانية اختصاص كل موجود بفعل له على حدة يحقق أن وجدانه ليس بعيب، وانخسار العقل عن أن يتوهم لذلك الفعل موجوداً آخر أصلح له منه تحقق له أنه ليس بناقص الذات إذ قد تفرع كل من الموجودات بفعل له على حدة، فمن أين تتعرف وبالذي يصدر من مجموعها من الفعل المختص به من
стр. 187
وجد مجموعاً أن ينتفع بسياقه الشيء إلى الكمال إذا لم يحفظ علته، ولن ينتفع بحفظ علته إذا لن يصر ذاته بنفسه مستحفظاً لطباعه على أخص كماله وما لم يصر آمنا في سربه من طغيان آلاته المغيرة إلا عنده، ولن ينتفع بالأمن عنده إلا إذا لم يكن الأمن أبدياً على الإطلاق. إن شرف الإنسان هو الفوز بالسعادة العظمى ونيل المنزلة عند ربه ومن الواجب أ، يكون عرض الصناعة المعينة بشأن الإنسان ما هو إنسان أعني النسك والزهد، هو تحصيل السعادة العظمى والمنزلة عند الله تعالى وكان الشخص الواحد من أشخاص الناس غير صالح لإستبانة صور الموجودات كلها في ذاته فيصر بذلك عالما على حدته حسب ما في أشخاص الحيوانات للآخر، لما امتنع أن يفنى فناء أبدياً ويخلفه الآخر مكانه. ازدحام الصور المتقابلة في الجوهر النفساني ليس بممتنع، وازدحام الصور الكثيرة إلى ما يتناهى ليس بمموه، فبورود التلاشي عليه إذاً ليس بواجب، وحصرها إذا تحلت بالأبديات الكلية بطباعنا الخاصية. غير بعيد أن يكون الكمال المطلق هو أن يصير جوهره بحسب السعي الاختياري حكيماً قادراً جواداً. وهو يصير العبد ربانياً بالحقيقة. لما جعل الشخص الحيواني توليد المثل لبقاء نوعه فقد أهدى بالطبع المتمم لغايته. وبالعكس لما حرم الكمال الأشراف بنفس حياته قصر طباعه عن التصور له رأساً فلو ضاهاه الإنسان في هذا الكمال لشاكله في القصور عن التصور. إذا سعد العبد بوصال مولاه على الحقيقة فقد صارت دنياه آخرته، وموته حياته، وفقره غناه، ومرضه صحته، ونومه يقظته، وضعفه قوته، وهمه فرجه. وإذا شقى بالحجب عن مولاه فقد انقلب الأمر بالضد.
مراتب العبودية في العيشة الدنياوية على الحقيقة أربع: أولها الاهتمام للسعادة، ثم السلوك إليها، ثم الحصول عليها، ثم الاستمساك بها. وفي العيشة
стр. 188
الأخروية رتبتان: وهما الاغتباط بنيلها، والاغتباط بالأمن من زوالها. كما امتنع عليه إبراز فعله المختص به فقد صار وجوده على ما هو عليه مضاهياً لعدمه. وتلك هي خساسة ذاته.
صلح الواحد ينزل منزلة الملك، وصلاح الجميع ينزل منزلة الملك، وحيث وجد الملك وجد الملك، ولا ينعكس؛ فإذاً الإنسان لن يشرف بأن يصير مالكاً بل يشرف إذا صار ملكاً. وفعل المالك حفظه القنية على صورتها، وحفظ الملك حفظ مراتب القنيات على درجاتها متى علم أن الشيء مما يجب أن يعلم وأنه ليس بعلم، فقد صار المعقول عنه محروصاً عليه، وذلك هو مفتتح السعي، وهو في الحقيقة أكثر من نصف جملته، كما أنه ليس يسكن العقل الصريح إلى معرفة المبدأ القريب من الشيء دون أن يعرف المبدأ الأول على الإطلاق، وما بين المبدئين من الوسائط، إن كان الأول المحض والآخر المحض بالذات شيئاً أحداً، وإن اختلف الوصفان عليه بالإضافة فبالأحرى أن يكون المبدأ والغرض المحض غير مختلفين بالذات، وإن اختلفا بالإضافة. التعرف للذات بحسب المنتهى أربعة، وهي: أن تعرف لماذا هو، وكيف السبيل إليه، وما الذي يحتاج إليه في التوجه نحوه وما الذي يعوقه عن بلوغه. مراتب التعرف للذات بحسب المبتدأ أربعة، وهي: أن تعرف ما هو، ومن جاء به، ومن داجى به، وكيف كان مجيئه. ومن أجل أن المستخدم قد يضطر الحال إلى استصلاحها واستحفاظها فيصير فعله فيهما عند ذلك شبيهاً بفعل الخادم لها في الظاهر، فليس بعجيب أن يعرض منه الغلط، أو يبدو من جهته الانخلاع. من سوس العقل الصريح التفرقة بين الحسن والقبيح، ومن سوسه أيضاً السكون إلى الحسن والالتفات عن القبيح، لأن الشيء متى كان مفرطاً في الحسن فإنه يبهر العقل الجريء
стр. 189
فيحتاج معه إلى التدريج إليه، والتمرين عليه. خصوصية هذه الصناعة رياضة الأنفس الناطقة على تأدية الأفعال البشرية بصور مستصلحة لاكتساب الزلفى عند خالق البرية. لن يكفي أن تكون الغاية محدودة في نفسها موجودة بذاتها، بل يجب مع ذلك أن تكون متصورة عند القاصد لها على ما هي عليه، وأن تكون أيضاً متشوقة محبوبة عنده. يجب أن تتعرف من درك الغاية أهو من جملة النعم أم ليس هو من جملة النعم، وأنه إن كان من جملة النعم، أهو مما ينال بحسب الاتصال أم بحسب التعويض أم بحسب المثوبة.
هذا آخر التعليق عنه نضر الله وجهه، وقد كان قادراً على هذا الجنس من الكلام لطول ارتياضه به وكثرة فكره فيه؛ مع سيرة جميلة. ولقد ورد بغداد سنة أربع وستين وثلثمائة في صحبة ذي الكفايتين فلقى من أصحابنا البغداديين عنتاً شديداً ومناكدة، وذلك أن طباع أصحابنا معروفة بالحدة والتوقد على فاضل يرى من غير بلدهم، وذلك كله جالب للتنافس، مانع من التناصف، وهو خلق تابع لهواهم، وتراهم قد احتاجوا من أجل ذلك إلى علاج شديد ومقاومة طويلة، وقل من يتخلص إلى غاية هذا الباب لغلبة الطباع، وسوء العادة، وشرارة النفس. والحكمة على ألسنتهم أظهر منها على أفعالهم، ومطالبتهم بالواجب لهم أكثر من بذلهم الواجب عليهم، وهذا باب وإن كان فاشياً في جميع الناس فكأنه في أصحابنا أفشا وهو من جهتهم أعدى، وهو على ذلك لا يعشر واحداً منهم إذا برز في فن عشرة من غيرهم، وإذا كان الكمال عزيزاً في النوع كيف لا يكون عزيزاً في الواحد؟ نسأل الله خلقاً طاهراً، وعملاً صالحاً، وعلماً نافعاً.
стр. 190
المقابسة الواحدة والتسعون
في كلمات بليغة وحكم رائعة وتعاريف فلسفية
قد مر في هذه المقابسة التي تقدمت فنون من الحكمة وأنواع من القول ليس لي في جميعها إلا حظ النفس الراوية عن هؤلاء الشيوخ، وإن كنت قد استنفدت الطاقة في تنقيتها وتوخي الحق فيها، بزيادات يسيرة لا تصح إلا بها، أو نقص خفي لا يبالي به، وأنا أسألك أن تأخذ منها ما وافقك وتدع على ما بار عليك، ولأجل ما سلف من القول في المسائل ما أحببت أن أحكي لك حدوداً حصناها على مر الزمان، بعضها أخذ من أقوال العلماء وبعضها لقط من بطون الكتب، بعد أن عرض الجميع من يوثق بصناعته، ويرجع إلى نقد واختياره، فاشركني في فوائدها وهب لي من بعضي استحسانك لها، وتغمدني بكرمك وفضلك اللذين لا يستغني مثلي عنهما، واستقر أني نقلت هذا الكتاب والدنيا في عيني مسودة، وأبواب الخير دوني منسدة، بثقل المؤنة وقلة المعونة، وفقد المؤنس بعد المؤنس، واشتعال الشيب، وخمود النار، وأفول شمس الحياة، وسقوط نجم العمر، وقلة حصول الزاد، وقرب الرحيل، وإلى الله التوجه، وعليه التوكل، وبه المستعان، ولا موفق غيره، ولا معين سواه. وفي الجملة أسألك بالملح الذي يتقاسم به الفتيان ظرفاً أن تعذرني في تقصير تعثر عليه، فوالله ما شرعت في تحبير هذا الكلام، وإيراد هذه الوجوه، إلا شغفاً بالعلم لا ثقة ببلوغ الغاية، وأنت أولى من عذر، كما أني أحق من اعتذر. وهذا كله يجري في مجالس مختلفة بين مشايخ الوقت بمدينة السلام.
стр. 191
ورأيت أن إخلالي بتحصيل على أي وجه كان، أشد من إخلالي بتقصير يمر في جملة ذلك، فتعرضت له على علم مني بقلة السلامة، على أن من أنحا علي بحده، وكشر لي عن نابه، وجعل صوابي خطأ، وخطأي فيه عارا، احتملت وصبرت وتغافلت وعذرت، وإذا كنت في جميع ذلك راوية عن أعلام عصري وسادة زماني، فأنا أفدى أعراضهم بعرضي، وأقي أنفسهم بنفسي، وأناضل دونهم بلساني وقلمي، ونظمي ونثري، وأرجو أن لا أخرج عند التصميم وضيق العطن عند الخصام إلى مفارقة الأدب، وإلى ما يقبح الأحدوثة، فأقول قولاً يورث الندامة، وأبرز بروزاً يجلب الملامة، ولست أنافس أحداً على هذا الحديث إلا بعد أن يرسم بقلمه في هذا الفن عشر أوراق يسلم فيها كل السلامة، ويتبرأ فيها من كل قالة، وهذا ما لا يتطاول له كل أحد، ولا يعثر به كل إنسان، والطعن بالقول سهل من بعيد، والعنف خفيف على لسان كل غائب، والتعقب مركز في كل وقت، ولكن الستر أجمل، والإبقاء أحمد، ولأن يطلب التأويل في سهو يعرض أحسن من أن يستبان الخلل فيما لعله يتسبب، على أن الحسناء لا تعدم ذاماً، كما أن المحسنة لا تعدم ملاما، والسلام.
والمقابسة التي من قول العامري قد جعلناها مقصورة على حدود حصلناها، وفي نثرها فوائد جمة، ولو كان الوقت يتسع لوصلنا جميع ذلك بما يكون شرحاً له وشاهداً معه، وإذا عاق ما لا خفاء به من المكروه والعلم في النفس، والحال في الإخوان، فلا بد من الرضى بالممكن والنزول عند التسهيل والقناعة.
قال: ما حد الكلام؟ الجواب: أنه مؤلف من صوت وحرف ومعان. يقال: كيف يحصل؟ الجواب: بجذب الإنسان الهواء بالحركة الطبيعية وحصره في قصبة الرئة ودفعه
стр. 192
ومصاكته بالحركة الإرادية للهواء الخارج بحروف تجذبها آلة اللهوات. وهذه مركبة دالة بحروف اتفاق واتساق مع معاني فكر النفس بالمنطقية، بقدر الهواجس الطارئة، والخواطر السانحة، والصواب المؤيد من العقل، والأثر الحاصل في القلب.
يقال: ما الشعر؟ الجواب: كلام مركب من حروف ساكنة ومتحركة، بقواف متواترة، ومعاني معادة، ومقاطع موزونة، ومتون معروفة.
يقال: ما الغناء؟ الجواب: شعر ملحن داخل في الإيقاع والنغم الوترية منعطفة على طبيعة واحدة ترجع مشاكلة إليها.
يقال: ما الإيقاع؟ الجواب: فعل يكيل زمان الصوت بفواصل متناسبة متشابهة متعادلة.
يقال: ما اللحن؟ الجواب: صوت بترجيع خارج من غلظ إلى حدة ومن حدة إلى غلظ، بفصول بينة للسمع واضحة للطبع.
يقال: ما النغم الوترية؟ الجواب: استحالة الصوت من نسبة شريفة إلى نسبة غير شريفة المقاطع، ومواضع استراحات الأنفاس، مع تمام دور من أدوار الإيقاع.
يقال: ما الطنين؟ الجواب: هو رجوع الهواء من جرم المقروع إلى جزء منه، وذلك أن الجرم العميق الأملس إذا قرعه شيء نبا عنه ثم عاد إليه كالكرة إذا ضرب بها الأرض. وكذلك الصدى من المتكلم.
يقال: ما الجدل؟ الجواب: مباحث مقصود بها إيجاب الحجة على الخصم من حيث ألا يقوى، ومن حيث لا يقدر أن يدفع.
يقال: ما المحال؟ الجواب: الجمع بين المتباينين في شيء ما في زمان واحد وجزء واحد، وإضافة واحدة. وسمعت أبا سليمان يقول: المحال لا صورة له في النفس. فقيل له: الباري في هذا ما يقول فيه أمحال هو؟ فقال: لا،
стр. 193
لأن عليه شهادة من العقل، فبشهادته ثبتت أنيته، وبارتفاع صورته اتفقت كيفيته، وهذا غير التوحيد.
وقد مر كلام في التوحيد عن هذا الشيخ وعن غيره على سعة أطرافه وضيق عباراته، فلا وجه للإطالة في هذا الموضع. ولولا أن هذا القدر كالبيضاء ما اقترن به واشتمل عليه، لكان تركه أولى، وعلى كل حال ففيه تحديد لهذا الباب وبعث على ما تنزع النفس إليه من هذه الحقائق، وليس من فصل في هذه الرسالة ألا وهو متحل بضروب من البيان وأصناف من القول، ولكن الاقتصار أليق بالحال، وأحسم لمادة الشغب والجدال.
يقال: ما الكون؟ الجواب: خروج الشيء من القوة إلى الفعل.
يقال: ما الفساد؟ الجواب: خروج الشيء من الفعل إلى القوة.
يقال: ما الجمع؟ الجواب: انضمام المادة إلى نفسها وتلاقي أجزائها.
يقال: ما الانفراد؟ الجواب: انفصال المادة بأقسام لطيفة صغيرة القدر.
يقال: ما الباطل؟ الجواب: هو ما به نافي الموجود هو ما هو.
يقال: ما الخير بالحقيقة؟ الجواب: هو ما يراد بالاستعارة لذاته.
يقال: ما الشر؟ الجواب: هو ما يهرب منه لأجل ذاته، وأيضاً الشر هو ما يهرب منه لأجل أنه يؤدي إلى الاستعارة وإلى ما يهرب منه لأجل ذاته.
يقال: ما الذكر؟ الجواب: إحضار الذهن ما تقدم وجوده في النفس.
يقال: ما الذهن؟ الجواب: جودة التمييز بين الأشياء.
يقال: ما الذكاء؟ الجواب: سرعة الإنقداح نحو المعارف.
يقال: ما التواني؟ الجواب: هو نهاية الفكر.
يقال: ما الشك؟ الجواب: هو تردد النفس بين الإثبات والنفي.
يقال: ما الإرتياء؟ الجواب: هو تجارب.
يقال: ما اليقين؟ الجواب: هو مطابقة العقل معقوله.
стр. 194
يقال: ما العلم؟ الجواب: هو وجدان النفس المنطقية الأشياء بحقائقها.
يقال: ما الحكمة؟ الجواب: هي حقيقة العلم بالأشياء القائمة ووضع كل شيء في موضعه الذي يجب أن يكون فيه الوضع فقط.
يقال: ما التمييز؟ الجواب: هو جمع القضايا واستخراج النتائج.
يقال: ما العزم؟ الجواب: الرأي على العقل.
يقال: ما اليقين؟ الجواب: سكون الفهم مع ثبوت القضية ببرهان. وأيضاً هو وضوح حقيقة الشيء في النفس.
يقال: ما المعرفة؟ الجواب: هي رأي غير زائل. والرأي هو الظن مع ثبات القضية عند التأدي فهو إذاً سكون الظن.
يقال: ما الجزم؟ الجواب: هو قوة تحدثها قوة الثقة بأوائل الأمور مع سكون الظن بعواقبها.
يقال: ما الوهم؟ الجواب: هو الوقوف بين الطرفين لا تدري في أيهما القضية الصادقة.
يقال: ما التوهم؟ الجواب: هو موافقة الظن العقل من غير إثبات حكم.
يقال: ما التصور؟ الجواب: هو حصول صورة الموجودات العقلية في النفس.
يقال: ما الذكر؟ الجواب: هو سلوك النفس الناطقة إلى تلخيص المعاني ومعرفة ما هياتها.
يقال: ما الحفظ؟ الجواب: هو ثبات صور المعقولات والمحسوسات في النفس.
يقال: ما الحس؟ الجواب: هو قبول صور الحسوسات دون حواملها.
يقال: ما التخيل؟ الجواب: هو حصول صور المحسوسات بعد مفارقتها وزوالها عن الحس.
يقال: ما الإدراك؟ الجواب: هو تصور نفس المدرك بصورة المدرك.
стр. 195
يقال: ما المعرفة؟ الجواب: هي إدراك صور الموجودات مما يتميز عن غيرها، وهي بالمحسوسات أليق لأنها تحصل بالوسم، والوسوم مأخوذة من الأعراض والخواص، والعلم بالمقبولات أليق لأنه يخصك بالحدود والمعاني الثابتة للشيء.
يقال: ما الإستقصى؟ الجواب: هو ما يكون فيه الشيء ويرجع إليه منحلاً منه، الكائن بالقوة.
يقال: ما الصورة؟ الجواب: هي التي بها الشيء هو ما هو.
يقال: ما المكان؟ الجواب: هو حيث التقى الأفقان، المحيط والمحاط به. وأيضاً هو ما بين سطح الجسم الحاوي وانطباقه على الجسم المحوي.
يقال: ما الزمان؟ الجواب: هو مدة تعدها الحركة ثابتة الأجزاء.
يقال: ما الجرم؟ الجواب: هو ماله ثلثة أبعاد: طول وعرض وعمق.
يقال: ما الكثرة؟ الجواب: هي انفصال الهيولى بأقسام كثيرة عظيمة القدر.
يقال: ما الملازمة؟ الجواب: هي إِمساك نهايات الجسمين بجسم ثالث بينهما.
يقال: ما الاجتماع؟ الجواب: هو حال تقارب الأجسام بعضها من بعض. والافتراق تباعدها.
يقال: ما الحال؟ الجواب: هو كيفية سريعة الزوال.
يقال: ما الاتصال؟ الجواب: هو اتحاد النهايات، والانفصال تباين المتصلات.
يقال: ما الرطوبة؟ الجواب: هي علة سهولة انحصار الشيء بذات غيره وغير انحصاره بذاته، وأيضاً هي الكيفية التي لا تحيط بشكل الجسم الذي هي فيه على شكل محدود ولا تمنعه أن يتشكل بشكل ما يحيط به بسهولة.
يقال: ما اليبس؟ الجواب: هو علة انحصار الشيء بذاته وعسر انحصاره بغيره، وأيضاً هو الكيفية التي تحفظ شكل الجسم الذي هي فيه حتى لا يتشكل بشكل ما يحيط به بسهولة.
стр. 196
يقال: ما البرودة؟ الجواب: هي جمع الأشياء من جواهر مختلفة، والتفريق بين التي هي من جواهر واحدة.
يقال: ما الحرارة؟ الجواب: هي علة جمع الأشياء التي هي من جوهر واحد، وتفريق الأشياء التي هي من جواهر مختلفة.
يقال: ما المؤلف؟ الجواب: هو المركب من أشياء متفقة بالحس مختلفة بالحد.
يقال: ما الروية؟ الجواب: هي التمثيل بين خواطر النفس.
يقال: ما العقل؟ الجواب: هو تأثير في مؤثر يأتي للتأثير، وأيضاً هو الحركة التي تكون من نفس المحرك، والقابل عنه.
يقال: ما الاختيار؟ الجواب: هو إرادة تقدمتها رؤية مع تمييز.
يقال: ما التحديد؟ الجواب: هو جمع ذوات مختلفة إلى ذات واحدة.
يقال: ما النفع؟ الجواب: هو الشيء المشوق من الكل.
يقال: ما النسمة؟ الجواب: هي لفظة تجمل ما يفصله الكتاب.
يقال: ما المدخل؟ الجواب: هو قول يفصل من المعاني ما تحتاج إليه في معرفة ما هو مدخل إليه.
يقال: ما المنطق؟ الجواب: هو صناعة أدوية تميز بها بين الصدق والكذب في الأقوال، والحق والباطل في الاعتقادات، والخير والشر في الأحوال.
يقال: ما الصناعة؟ الجواب: بالإطلاق هي قوة للنفس فاعلة بإمعان مع تفكر وروية في موضوع من الموضوعات، نحو عرض من الأعراض.
يقال: ما الصدق؟ الجواب: هو قوة مركبة من الحق يقصد بها العدل والحق.
يقال: ما اليقظة؟ الجواب: هي استعمال النفس المنطقية لاستعمال آلات البدن من غير مرض عارض والإنسان على طباعه.
يقال: ما الحياة؟ الجواب: هي رباط الحركة، وحس، وعقل، ونماء، وتربية. والموت ضد ذلك.
стр. 197
يقال: ما الشجاعة؟ الجواب: هي قوة مركبة من العز والغضب تدعو إلى شهوة الانتقام. الجبن ضده.
يقال: ما الفرح؟ الجواب: هو انبساط النفس من داخل إلى خارج على المجرى الطبيعي. والخوف ضد ذلك.
يقال: ما العجول؟ الجواب: هو الذي لا يقنع ما يتخيل في وهمه تخيلاً ضعيفاً من غير نظر ولا فحص. والغيظ هو ابتداء الغضب.
يقال: ما الركيز؟ الجواب: هو الذي تكون العزيمة منه مع تميز وتفكر.
يقال: ما الحسود؟ الجواب: هو الذي لا يحب لأحد خيراً، ويجتهد في الإضرار بهم وبنفسه كي يلحقهم بذلك مكروه.
يقال: ما الذحل؟ الجواب: هو حقد يقع معه رصد الفرصة والانتقام.
يقال: ما الحقد؟ الجواب: هو غضب يبقي في النفس على وجه الدهر.
يقال: ما الغضب؟ الجواب: هو غليان دم القلب لشهوة الانتقام، وهو الحركة لقهر ما أضر بالبدن.
يقال: ما العجب؟ الجواب: هو ظن الإنسان بنفسه أنه على الحال التي يجب ِأن يكون عليها من غير أن يكون عليها.
يقال: ما الرضى؟ الجواب: هو قناعة النفس بما كانت غير قانعة به.
يقال: ما الحياء؟ الجواب: هو خوف الإنسان من تقصير يقع من هذا فضل منه في شيء ما أوفى كل شيء.
يقال: ما الاستطاعة؟ الجواب: هو التهيؤ لتنفيذ الفعل بإدارة المختار من غير مانع ولا عائق.
يقال: ما الشهوة؟ الجواب: هي التشوق على طريق الانفعال إلى استرداد ما نقص بما في البدن، وإلى نقص ما زاد فيه. قال: نريد بالانفعال أنه شيء يجري على خلاف ما يجري به الأمر الذي هو بالتمييز والفكر.
стр. 198
يقال: ما المحبوب؟ الجواب: هو مطلوب النفس، ومتممه القوة التي هي علة اتحاد ما من شأنه أن يتحد.
يقال: ما الوقت؟ الجواب: هو بقاء الزمان المفروض للعمل.
يقال: ما الحد؟ الجواب: هو قول دال على طبيعة الشيء الموضوع بمنزلة ما هو سواه.
يقال: ما الرسم؟ الجواب: هو قول مميز للموضوع من غيره مركب عن صفات عرضية أكثر من واحد.
يقال: ما الخاصة؟ الجواب: هي كالرسم إلا إنها من صفة واحدة عرضية.
يقال: ما الإنسان؟ الجواب: هو حي ناطق مائت، فالحي دلالة على الحس والنطق والحركة، والناطق دلالة على العقل والروية، والمائت دلالة على السيلان والاستحالة.
يقال: ما الممكن؟ الجواب: هو الذي بالقوة تارة، وبالفعل فيما يوصف تارة.
يقال: ما الممتنع؟ الجواب: هو الذي ليس بالفعل ولا بالقوة فيما وصف به أبداً.
يقال: ما القول المطلق؟ الجواب: هو مالا يثبت بثباته آخر.
يقال: ما الكيفية؟ الجواب: ما هو شبيه وغير شبيه.
يقال: ما الكمية؟ الجواب: ما احتمل المساواة وغير المساواة.
يقال: ما الصدق؟ الجواب: هو مطابقة القول لما عليه الأمر، ويقال أيضاً: الإخبار عن الشيء بما هو عليه.
يقال: ما الكذب؟ الجواب: هو ما لا مطابقة للقول لما عليه الأمر، وأيضاً الإخبار عن الشيء بخلافه.
стр. 199
يقال: ما الحق؟ الجواب: هو ما وافق الموجود وهو ما هو.
يقال: ما العنصر؟ الجواب: هو طبيعة كل ذي طبيعة.
يقال: ما الهيولى؟ الجواب: هي قوة موضوعة تحمل الصور منفعلة.
يقال: ما الجوهر؟ الجواب: هو القائم بنفسه الحامل للأعراض لا يتغير ذاته، موصوف لا واصف.
يقال: ما النفس؟ الجواب: هي تمام جوهر ذي آلة قابلة للحياة، وأيضاً هي جوهر عقلي متحرك من ذاته بعدد مؤتلف، وأيضاً هي جوهر علامة مؤلفة بالفعل.
يقال: ما العقل؟ الجواب: هو جوهر بسيط يدرك الأشياء بحقيقتها لا بتوسط زمان دفعة واحدة، وأيضاً هو الذي من شأن الجزء منه أن يصير كلا، وفي معنى هذا القول: من شأن عقل زيد مثلاً، وهو عقل جزئي، أن يعقل كل المعقولات التي من شأنها أن تعقل، أن يقصر به الزمان أو يعترضه عائق، وليس شيء من الموجودات له هذا المعنى سواه.
يقال: ما الفعال للخير؟ الجواب: هو الذي لا يبخل على أحد في شيء من الأشياء.
يقال: ما الأزلي؟ الجواب: هو الذي لم يكن ليس، وما لم يكن ليس، لا يحتاج في قوامه إلى غيره، والذي لا يحتاج في قوامه إلى غيره لا علة له.
يقال: ما القائم بذاته؟ الجواب: هو الذي حده داخل فيه، وما ليس هو قائماً بذاته هو الذي حده خارج منه.
يقال: ما العلة الأولى؟ الجواب: هو مبدع الكل، متمم الكل،
стр. 200
غير متحرك، وأيضاَ أنية فقط، وأيضاً غير محض، يشتافه كل شيء سواه، ولا يشتاق إلى شيء سواه، وأيضاً هو وجود مطلق لكل وجود عقلي وحسي، وأيضاً هو الواحد بالقول المطلق، لا كالجنس الواحد، ولا كالشخص الواحد.
يقال: ما النفس أيضاً؟ الجواب: هو روح الله منبجسة بتوسط العقل.
يقال: ما الحس؟ الجواب: هو قوة روحانية تفعل فعلها من خارج.
يقال: ما الحركة؟ الجواب: هي على ثلثة أوجه: مستوية، ومستديرة، ومنفرجة.
يقال: ما الطبيعة؟ الجواب: هي صورة عنصرية ذات قوى متوسطة بين النفس والجرم لها مد وحركة وسكون عن حركة.
يقال: ما السماء؟ الجواب: هي جوهر مستدير مركب متحرك حركة شوق دائمة.
يقال: ما الفرح أيضاً؟ الجواب: هو انبساط الطبيعة من داخل إلى خارج، والطبيعة هنا الحرارة الغريزية. والحزن انقباض الطبيعة من خارج إلى داخل.
يقال: ما النوم أيضاً؟ الجواب: الجواب هو غوص القوى في عمق النفس.
يقال: ما الإرادة؟ الجواب: هي بدو حركة قوة بسيطة نفسانية عن فهم يعمه الشوق.
يقال: ما اللذة؟ الجواب: هو انطباق الشهوة الطبيعية من النفس بلا مانع.
يقال: ما الكل؟ الجواب: هو جوهر محيط بالأجزاء لا شخص له.
هذا آخر المقابسة التي أتت على حدود هذه الأشياء، وهي وإن كانت تحتمل التخفيف فبعض المطالبة والاعتراض ببعض الإستقصات قد حوت معاني غريبة وطرقاً واضحة، وقد كنت عرضت أكثر هذا على أبي سليمان وعلى غيره فما أصبت عند أحد منهم ما يحكى إلا ما قاله جماعة
стр. 201
من النحويين فإنهم بهرجوا كلمة بعد كلمة منها من ناحية الإعراب والصوغ، فأعدت على أبي سليمان ذلك فقال: إذا استقام لك عمود المعنى في النفس بصورته الخاصية فلا تكترث ببعض التقصير في اللفظ؟ قال: وليس هذا مني في تصحيح اللفظ واختلاف التزويق وتخير البيان، ولكن أقول: متى جمح اللفظ ولم يوات، واعتاص ولم يسمح، فلا تفت نفسك خصائص المطلوبات وغايات المقصودات، فلأن تخسر صحة اللفظ الذي يرجع إلى الإصلاح أولى من أن تعدم حقيقة الغرض الذي يرتقي إلى الإيضاح. ولولا هذا الذي قاله هذا الشيخ لما اخترت نثر هذه الحدود على ما عرفتك من أعلامها واطراد القول عليها، ومن بحر الحكمة تدفقة فقد أوتى فضلاً كثيراً وفاز فوزاً عظيماً وأحرز ملكاً كبيراً.
المقابسة الثانية والتسعون
في أن شرف العلم والمعرفة والفضائل هو سبب قلتها
في هذا العالم
قال أبو سليمان: إنما صار العلم والمعرفة واليقين والفضائل بأسرها قليلة في هذا العالم لشرفها في أنفسها واتصالها بعالمها، وهكذا أعزه كل شيء شريف في نفسه وعزيز في جوهره، أنظر إلى المعادن في الأرض وإلى قلتها إذا تدبرت سائر الأجسام، ثم انظر إلى قلة الأشرف منها، وهو معدن الذهب، ثم انظر إلى بخل المعدن بما فيه إلا لمستحقه بالطلب والجهد والمعاناة والكدح، وهكذا المعارف والفضائل تعرف في هذا الجناب لأنها تنبو عنه فلا تقر فيه ولا تأنس به، فعلى هذا كلما اشتهر وفشا وكثر، فإما ذلك بمعونة الطبيعة وكثرة
стр. 202
المادة وغلبة الهيولى، ولاختلاف النفوس بأصناف المزاج والتربية، وإما كيفية النفس وارتضاء العقل وإنارة الفكر، وكان من باب الحقائق واليقين والطمأنينة والسكون وروح البال وطيب النفس قائماً ذلك بمعونة العقل واتصال بحوره وغزارة فيضه وغلبة سنخه، وتعهد الباري الذي إليه ينتهي القول والوهم، وعنده يقف النثر والنظم، وعليه يشتد اللهف، والذي هو الكل المستولي على الكل.
المقابسة الثالثة والتسعون
في القول في قدم العالم وحدوثه
قال أبو سليمان: إنما عرض الاختلاف من الناظرين في العالم: أقديم هو أم محدث، لأمر لطيف. وذلك أن الناظر إلى المركز وجد الشيء الكائن ثم وجد الشيء الفاسد، فحكم أن الحدوث والقدم قد تعاقبا عليه، قدم بالزمان وحدوث أيضاً بالزمان فجاء الحكم بأنه محدث واجب، والناظر إلى هذه الأجرام العلوية وجد ما لا يكون ولا يفسد ولا يعتريه دثور، فحكم بأنه قديم، وكان النظر أن صحيحين من الجهتين المختلفتين، والشرف على الحقائق وهو الذي يقضي بالواجب لأنه ينسى السفلي إلى العلوي، أو يبتدئ النظر من العلوي إلى السفلي، فعند هذا التصفح والإستبانة يحكم بالحق ويقول: قديم بالسوس حديث بالتخطيط، وكيف لا يكون كذلك وآثار الصورة فيه ظاهرة، وآثار الهيولى فيه حاضرة، فآثار الهيولى هي التي درست وعفوت وبادت وانتشرت، وآثار الصورة هي التي ثبتت واستمرت وبقيت وشرفت وحسنت ولطفت، وظاهر هذا عند من لا دربة له بهذا البحث متناقض، وأنه قد جمع في هذا الحكم بين السلب والإيجاب.
стр. 203
المقابسة الرابعة والتسعون
في حقيقة النفس وبين بعض حقائق الأشياء
قال أبو زكريا الصيمري عند أبي سليمان في مذاكرة طويلة: إن كانت النفس واعتبار حالها بمنزلة الدرة في الحقة، والجوهرة في عمق البحر، وما أشبه ذلك فليست النفس في حكم البدن، ولا حالها اللائقة بها حال الكائن الفاسد، لأن الدرة ليست في الحقة التي فيها والغشاء الذي هو عليها في شيء، وإن كنت كالبصل وقشوره فهي بائدة لا بقاء لها ولا خير فيها، وفي المنكر أن تكون مع خواصها الشريفة وعجائبها الغريبة في حكم البائد الذي دثر والدارس العافي.
وقد أتت المقابسات الأول على فقر بليغة في تحقيق شأن النفس وإثبات أمرها وما خصت به دون البدن والمزاج وتوابعها ولواحقها، ولا وجه للولوع بالإكثار، فإن ذلك ربما جر إلى التقصير وحمل على الاعتذار. وهذا علم كلما قلت الحروف فيه كان المعنى بها أتم وأخلص، وكلما كثر اللفظ كان ما يراد به ويعني فيه أنقص، وليس كذلك باقي العلم. والسبب في ضيق هذا العلم أنه بحث عن حقائق الموجودات، وقصد أعيان المعقولات والخصائص، عرية من العلل والشبهات، بعيدة من الشكوك والمعارضات غنية عن التأويلات والاحتمالات، لأنها تصون أغراضها عن زخارف القول، وترتفع عن مواقع الاستعارة والغلط وألتجوز والأتساع، ولهذا ما انساق نظرهم إلى حصر الموجودات في دائرة العشرة حتى لحظوا الجوهر والكم والكيف والمضاف والأين، وكذلك متى، والواحد له، ويفعل وينفعل، وفصلوا خواصها، وحققوا حدودها، وأوضحوا علاماتها، واستوفوا جميع
стр. 204
أحكامها المفصلة بين المعاني اللفظية، والحقائق الآلهية، والخواص الطبيعية، والمناسبات الكلية والجزئية. وفي ضمن هذه الكلمات الشريفة الحاوية لكل ما علا وسفل معنى هو الجنس الأعلى، ومعنى هو النوع الأقصى، ومعان بينهما إذا أضيفت إلى ما علا منها كانت أنواعاً، وإذا أضيفت إلى ما سفل عنها كانت أجناساً. ولما فات سائر العلماء هذا البحث تاهوا واضطربوا وحاروا واحتربوا، وصار ذلك ثقوباً للعداوة وسبباً للاختلاف. وبهذا النظر أيضاً عرفوا القوى الأول من النفس، ألا تراهم إذا سموا شيئاً بالباقي كيف يعنون به الجسم المتنفس، أي الذي له جملة القوى النفسانية: القوة المولدة وبها تكون المثل، والقوة المربية وبها يكون البقاء، ولا قوة الغادية وبها تكون الزيادة؟ وبهذا النظر استملوا من العقل ما لاشيء الذاتي، وما ذلك الذي ليس بذاتي، وما الأعيان والذوات والمواد، وما المعاني المنطقية التي إنما تضيف الإضافة؛ وكيف حصل معنى به عم الحيوان الذي هو جنس للثور والفرس والإنسان، وكيف حصل الناطق الذي هو فصل بين الإنسان والفرس حتى تميزت الأشياء بالجنس والنوع والخاصة والعرض ما هو بالموضوع، وما هو بالطبع، وما له مبدأ وما له من المبدأ، وما علته فيه، وما علته في سواه، وما علة له علة لما هو أو ل في العقل، وما هو علة في النفس، وما هو أول بالطبيعة، وما هو أول بالزمان، وما هو أول بالدهر، وما هو أول بلا سبب، أعني بالإطلاق، وما هو بسيط، وما هو ممزوج، وما هو حق، وما هو باطل. وهذه تلاع لا يرقاها إلا الأقوياء الأصفياء، وبحور لا يركبها إلا السعداء الفضلاء. وأنا أعتذر من انشقاق الكلام في هذا الموضع وتصرف الحديث به، مع تباعدي عن كثير مما هو أولى بي وأنفع لي، ولكن الكلام صوب لا يملك إذا هطل،
стр. 205
وجمان لا يحصر إذا انتثر، ووسمي يتبعه الولي، وخيره ما كان عفواً، وشره ما كان تكلفاً، ولست أعني بهذا بلاغة البلغاء ولا خطابة الخطباء، ذلك شأن عن غير هذا المحكم، لأنه ملحوظ بالهذر، وربما يستغني عنه في الأكثر، وإنما أعني ما يطبق الفصل ويحقها، ويحثها بالمعنى ويأتي على المراد، ويشفي غليل النفس، ويهدي لليقين. فذاك كالعرض لا ثبات له ولا سكون معه، وقد يعرض أيضاً في تحقيق المعاني وتحصيل الأغراض بعض التجوز والسعة، ولا يكون ذلك معتمداً بالقصد الأول، ولكنه يكون كالشيء الذي لا يعري عن مجاورة الأمر الذي لا يخلو من ضده. وكيف يصدر عن الإنسان المركب الممزوج شأن لا عيب فيه؟ أو كيف يصح له فعل لا عتب عليه به؟ وإنما يصدر من المركب مركب مثله، ومن الممزوج ممزوج شبيهه، ولكن بين المركب والمركب بسيط، وبين الممزوج والممزوج صاف، وبين المعقول والمعقول صلات، وبين المظنون والمظنون فنون تشير إلى اليقين. فما أحرى من فتح الله بصره وأيقظ نفسه، أن يعترف بنعمته عليه، وينشر ما قد وهب له. وقد رويت في هذا المكان عهداً وجدته لبعض أصحابنا كتبه بيده، وكان تذكرة نفسه، ومتخير لسانه، ومشهد طرفه، وهو:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عاهد عليه الله فلان ابن
стр. 206
فلان وهو يومئذ آمن في سربه، معافى في جسمه، عنده قوت يومه لا تدعوه إلى هذه المعاهدة ضرورة نفس ولا بدن، فلا يوالي مخلوقاً ولا يستجلب منفعة من الناس، ولا يستدفع مضرتهم عاهده على أن يجاهد نفسه ويتفقد أمره ما استطاع، فيعف، ويشجع، ويحكم وعلامة عفته أن يقتصد في مآرب بدنه حتى لا يحمله السرف على ما يضر جسمه أو يهتك مروءته. وعلامة شجاعته أن يحارب دواعي نفسه الذميمة حتى لا تقهره شهوة قبيحة، ولا غضب في غير موضعه. وعلامة حكمته أن يستبصر في اعتقاداته حتى لا يفوته بقدر طاقته شيء من العلوم والمعارف الصالحة ليصلح أولاً نفسه ويهذبها ويحصل له من هذه المجاهدة ثمرتها التي هي العدالة. وعلى أن يتمسك بهذه التذكرة، ويجتهد في القيام بها والعمل بموجبها. وهي خمسة عشر باباً هي:
стр. 207
إيثار الخير على الشر في الأفعال، والحق على الباطل في الاعتقادات والصدق على الكذب في الأقوال وذكر السعادة وأن تحصيلها يكون باختيار دائماً وكثرة الجهاد الدائم لأجل الحرب الدائمة بين المرء ونفسه والتمسك بالشريعة ولزوم وظائفها وحفظ المواعيد حتى أنجزها وأول ذلك ما بيني وبين الله وقلة الثقة بالناس بترك الاسترسال ومحبة الجميل لأنه جميل لا لغير ذلك والصمت في أوقات حركات النفس للكلام حتى يستشار فيه العقل وحفظ الحال التي تحصل بشيء شيء حتى تصير ملكة ولا تفسد بالاسترسال والإقدام على كل ما كان صواباً والإشفاق على الزمان الذي هو العمر ليستعمل في المهم دون غيره وترك الخوف من الموت والفقر بعمل ما ينبغي، وترك الدنية وارك الاكتراث لأقوال أهل الشر والحسد لئلا يشتغل بمقابلتهم، والانفعال لهم وحسن احتمال الغنى والفقر والكرامة والهوان بجهة وجهة وذكر المرض وقت الصحة، والهم وقت السرور والرضى عند الغضب ليقل الطغي والبغي وقوة الأمل، وحسن الرجاء، والثقة بالله تعالى وصرف جميع البال إليه فإذا يسر الله تعالى أصلح نفسه بما جاهد عليه تفرغ بعد ذلك إلى إصلاح غيره. وعلامة ذلك أنه لا يبخل على أحد بنصيحة، ولا يمنع أحداً رتبة يستحقها، ولا يستبد دون الإخيار بما يتسع له، فإذا أكمل الله له ذلك ورفع عنه العوائق والموانع، وبلغه ما في نفسه من هذه الفضائل ليصير بها من أوليائه الفائزين، وأنصاره الغالبين، وعباده الآمنين، الذين
стр. 208
لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فقد استجاب له بحمده إلى كل ما دعاه به ووثق بعد ذلك من جانبه إلى كل ما وكله إلى جوده من إعطائه ما لا يحسن أن يرغب فيه، وإعاذته مما لا يحسن أن يستعيذ منه. وهو حسبه وعليه توكله ولا قوة إلا به.
وهذا آخر العهد، وهو غني عن تقريظي ودلالتي على حسنه لظهور الحق عليه، فمن جعل هذه نبيلة صدره، وعقيدة سره، ووسيلة بينه وبين ربه، فهو الفيلسوف الحق المبرز المحقق.
المقابسة الخامسة والتسعون
في كلام لبعض الصوفية
لم يرق أبا سليمان فجاء بخير منه
رويت لأبي سليمان كلاماً لبعض الصوفية فلم يفكه ولم يهش عنده، وقال: لو قلت أنا في هذه الطريقة شيئاً لقلت: الحواس مهالك، والأوهام مسالك، والعقول ممالك، فمن خاص نفسه من المهالك قوى على المسالك، ومن قوى على المسالك أشرف على الممالك شرفا يوصله إلى المالك.
قال أبو الخطاب الكاتب: أيها الشيخ، هذا والله أحسن من كل ما سمع منهم، فلو زدتنا منه؟ فقال: الحواس مضلة، والأوهام مزلة، والعقل مدلة، فمن اهتدى في الأول وثبت في الثاني أدرك في الثالث، ومن أدرك في الثالث فقد أفلح. ومن ضل في الأول وزل في الثاني خاف ومن خاف في الثالث فهو من الهمج.
واستزاده مظهر الكاتب البغدادي فاستعفى وقال: هذا حديث قوم أباعد منا على بعض المشاكهة وما قلناه كاف فيما قصدنا، فإن استتب خفت العار واستحليت الغار، ولكل أفق يدورون عليه، ومركز يطمئنون إليه، وجو يتنفسون فيه، وفنن يقطفون منه.
стр. 209
ولولا هذه اللطائف التي هي مشغلة النفوس الوافرة والناقصة، لكانت الصدور تتقرح بأسا، والعقول تتحير يأساً، والأرواح تزهق كمداً، والأكباد تتفتت صمداً، فسبحان من له هذه القدرة وهذه الخليقة، وهذه الأسرار في هذه الطريقة.
المقابسة السادسة والتسعون
في كلمات في الحكمة منقولة عن المشايخ
هذه مقابسة رسمنا فيها كلمات نافعة كانت متفرقة في ديوان الحفظ ولم ننسبها إلى شيخ واحد لأنها كانت تجري في مجالس مختلفة، وهذا موضع يقتضى حصولها فيه لتكون مجاورة لأخواتها، وداخلة في جملة ما لاق بها. وفي النفس بعد هذا جمع النوادر للفلاسفة مع التصفح والإيضاح، إن أخر الله ما لابد منه، وأعان على إظهار ما تتحدث النفس به يكون شرفاً لجامعه، وفائدة للظافر به، وغنيمة للطالب له. وبيده تسهيل ما عسر، وهو ولي الحمد في الأول والآخر. ولكل طائر صائد، وما كل تربية تصلح للعقبان، وما كل طبيعة محتاجة إلى برهان.
وقال: الحق بين منهاجه، ومنير سراجه، ومعقول بيانه، ومعلوم برهانه، منه استضاء به أفلح، ومن سلك سبيله نجح.
قال قائل: أنواع الاختلاف ستة: الإضافة، والتضاد، والقنية، والعدم والإيجاب، والسلب. والمضاف مثل الضعف، والمنصف والتضاد مثل الصالح والطالح، والقنية والعدم مثل البصر والعمى، والموجب والسالب مثل فلان جالس، فلان ليس بجالس.
قال قائل: لكل صانع صناعة، ولكل طابع طبيعة، ولكل مدبر
стр. 210
تدبير، وما كل صانع حكيم، وما كل طابع كريم، وما كل مدبر مصيب ولكل إنسان لسان، ولكل لسان سنان، وليس لكل لسان سنان، ولا لكل بيان برهان، وما كل ذي قلب بلبيب، وكل إنسان ذو نطق، وما كل ذي نطق بلبيب، وكل إنسان ذو نفس، وما كل ذي نفس بأريب، وكل إنسان ذو حس، وما كل ذي حس بلطيف، وكل إنسان ذو عقل، وما كل ذي عقل بعاقل.
وقال آخر: ما ترى هذا الرباط المعقود، والسرج المشدود، والأفق الممدود، والمركز الممهود، والحد المحدود؟ وقال آخر: التعليم الهندسي صناعة من الصناعات العقلية والأنسية ويقع بحثا على المقادير والأبعاد والأشكال والزوايا، وما يقع تحت كل مقدار وبعد من الزوايا الخطية والسطحية الجسمية. وقال: الهندسة صناعة معروفة المقادير وطبائعها وحدودها وخواصها وما يقع تحتها من أجزائها وأشخاصها، والمقادير هي الأشياء ذوات الأبعاد، وهي ثلاثة: طول، وعرض، وعمق. والمقدار الخطي بعد واحد، وهو الطول، والمقدار السطحي بعدان، وهما الطول والعرض. والمقدار الجسمي ثلاثة أبعاد، وهي: الطول والعرض والعمق، فالجسم المقدار التام.
وقال قائل: إذا غاص الإنسان في البحر واستخرج درة فيها غناه فقد حاز سعادته وملك إرادته، لأنه ليس من شرط الغنى أن يستخرج جميع ما في قعر البحر من الدر والجوهر، فإن طالب هذا مغرور، وعقله مختل، ولكن إذا حصل له الغنى بدرة واحدة، وخاصة إذا كانت ثمينة، فقد كفى وغني. وهذا معناه على ما سبق إلى الفهم، أي لا يلهج بالاستكثار بالعلم وبالتوغل في فنونه، وكذلك في السير المختلفة الأحوال المتباينة، فإن الرشد إذا أصيب، والغبطة إذا أنلت، والخير إذا وجد، فقد سعد المرء ونجا من
стр. 211
العطب، وإن فاته وراء ذلك جميع ما هو داخل في باب الخير وموجود في ناحية الزيادة. ولعمري إن الاجتهاد حسن، وطلب الأقصى شجاعة. ولكن الغاية المتوخاة موهومة ولا سبيل إلى بلوغها، والذي يجب بذل الاستطاعة وقلة الرضى بالفتور ومصارفة الزمان بكل حال. وما أحسن ما يعمر بهذا المعنى بعض الموفقين حين قال: إنا نحرص على بلوغ الغاية لبعد السفر لأنه لا راحة دونها، ونشح على ساعات العمر لقصر المدة لأنه لا عمل بعدها. وهذا كلام عال، وينبغي أن يكون الحرص نقياً من الكد والاجتهاد، برياً من التعب المؤدي إلى العطب.
وقال آخر: إنما أنت لب في قشرة، فاحفظ لبك بصيانة قشرك، ولا تصن قشرك بإضاعة لبك، واعلم أنك ذو لب واحد وذو قشور كثيرة، وتنقيتك من قشورك صعب، وقيامك بلبك أصعب. والأمر الأمم الذي يجب أن يتمم هو أن تنقيتك قشراً بعد قشر حتى إذا وصلت إلى القشر الحافظ للب أشفقت عليه وسسته ليبقى لبك مصونا في قشرك، فإن من إيلتك لهذا القشر باب إلى التواء وجالب للفساد، وستنقشر عن ذلك في الثاني على حسب ما يهيئه من هو أولى بك وأقدر عليك وأنفذ حكماً فيك، وهو الذي نظمك وأنت بدد، وجمعك وأنت مفرق، ونظر لك وأنت مغيب، وأوجدك وأنت عدم، وأقدرك وأنت عاجز، وأهمك وأنت ساه، وأنبهك وأنت راقد، ولاطفك وأنت جاف، وألفك وأنت متناف، وقادك إلى حظك وأنت كاره، وأتاح لك الخير وأنت يائس. وأعلى يا هذا حظك وأنت كاره وعلى هذا نظائر لا تحصى، ولطائف لا تستقصى، فهل يبقى لك بعد هذا حجة أو متعلق؟!
стр. 212
المقابسة السابعة والتسعون
في عيون من كلام الأوائل المنقولة بالترجمة
هذه مقابسة استفدتها من مواضع مختلفة هي أعيان كلام الأوائل بالترجمة المنقولة إلينا، وهي وإن كانت محتاجة في بعض حروفها إلى تفصيل وشرح، فإنها صالحة الفوائد كثيرة العوائد، ولعلها تتعلق ببعض ما يكون إيضاحاً لها عند الرواية، إن نظائرها قد مرت شافية بالبيان، مستوفاة بالبرهان والقليل من هذا الفن كثير، والصغير كبير: فأول ذلك: قال بعض الأوائل: الكرم والنبات المشتبه به إذا أخذ منه الجزء نبت من القضيب الكرمة والتفاحة والرمانة، فإن هذا منه ما ينبت ومنه ما لا ينبت إلا في أصله، وعلة ذلك أن صورة الكرمة وما أشبهها، غالبة على صورتها، فلا تنمى ولا تنبت إلا بالأصل الذي تجتمع فيه القوى الطبيعية، وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة.
وقال أيضاً: النفس والعقل صورتان يحتملهما أو أحدهما، فإذا أتممت تلك الصورة وأمكنتها أعطتها النفس تمام ما تهيأت له، فتكون أول طبقات الأنفس وهي النامية، وتكون في الحيوانية ولا تكون في الإنسانية، فتمام الشيء الذي انبعث منه على قدر احتماله فتصير له مثال حقا، وصنم مشبهاً لطيفاً من الأنفس العاقلة منها وغير العاقلة.
وقال قائل: لم كان للعقل ثلاث جهات: جهة إلى ربه، وجهة إلى معقولاته، وجهة إلى ذاته؟ فقيل له: إن جهته إلى الباري هي التي جعلته
стр. 213
عقلاً أولاً، ثم نظره إليه إنما هو استمداده من الصورة التي صورت فيه بدياً، لأنه وقع فيه جميع الصور، فاستمداده ليس بزيادة صور لم تكن وكانت. ولكنه ليبقى ويقوى كما يستمد الهواء من نور الشمس، فهو يزداد من غير صورة تحدث فيه، كذلك النفس إنما تستمد من العقل الصور وهي على حالها، وكذلك الطبيعة تستمد من النفس وتقوي بها، ولكن إشراقها عليها يبقي قواها، ولولا ذلك لضعفت وانتقصت.
وقال: لنا علمان، أحدهما علم محض، كعلمنا بالأشياء الأوائل بلا روية ولا فكر، كما نعلم أن عدد كل زوج أو فرد، فإنه لا يمكن أن يكون الشيء الواحد في حالين مختلفين، كالإنسان لا يمكن أن يكون قائماً قاعداً معاً، وكعلمنا أن كل متحرك من ذاته دائم الحركة، وكقولنا كل دائم الحركة بجوهره دائم الحياة، ولنا علم فكري مثل علم القياس الذي يستنبط منه الشيء من شيء آخر، كقولنا: الإنسان حي والجوهر حي، فالإنسان إذاً جوهر.
وقال قائل: إذا قويت الهيولى علينا لم نقو على وجدان الذي فينا إلا بطلب وبحرص وبسبح وغوص، فإذا استولينا نحن نعقل العقل الأول وكانت الأشياء فيه وهي هو فكيف يمكن أن نتذكر الأشياء والأشياء فيها، والتذكر إنما يكون في أثناء الأوقات لأنا ننسى في وقت ونذكر في وقت آخر، وهناك الدهر لا الوقت.
وقال الفيلسوف: الذكر إنما هو حركات الفكر على الوهم الحاري حتى يرد ما في خزانته على ما كانت الفكرة تحركت به.
وقال قائل: الفكرة إنما تقع على الشيء المفقود، والعلم يقع على الشيء الموجود، والأشياء في العقل الأول حاضرة أبداً.
قال: إذا أردنا أن نحس بأنفسنا فإن نعلم العلوم الشريفة حرصنا على
стр. 214
تعارف أنفسنا الهيولانية فنكون كأنا نصير خالصة بتردداتنا، فإذا رأينا ذاتنا استفدنا منها علوماً شريفة، وكنا نحن الناظر والمنظور إليه، والعالم والمعلوم، وقد قيل لأرسطو: لم لا نذكر العالم العلوي، ومنه هبطنا إلى هذا العالم؟ فقال: إنما صرنا لا نذكر العالم العلوي لأنا صرنا في هذا العالم الحسي واختلطنا بالأشياء الهيولانية وفارقنا ذلك العالم لأنا لا نقدر على أن نكون هناك وفينا لطخ من الأشياء الهيولانية، فصرنا كأنا لم نصر هناك لاستيلاء الهيولى علينا، وصرنا كأنا إنما بدئنا من هذا العالم لشدة ميلنا إليه وإلى الآثار التي كانت منه، فإن هذه الأشياء الهيولانية إنما هي آثارنا، وذلك إن كانت النفس هي التي أثرت الآثار الحسية بمعرفة العقل وتسديده إياها، وكنا نحن العقل فلا محالة أن هذه الآثار إنما هي آثارنا واختلطنا بها كنا ذاتا مكنونين وكأننا آثار من آثارنا، وإنما هي آثارنا لا نحن من آثارها، وقال: إنما صرنا لا نذكر ذلك العالم لأنا قبل أن نصير في هذا العالم لم نكن أصحاب ذكر، وذلك أن الأشياء هناك حاضرة ظاهرة، وليس هناك مستقبل ولا ماض، بل كلها حاضرة بحضورها الآن عندنا، فلذلك لم نكن نحتاج إلى الذكر لأنا لم نكن من أبناء الزمان بل الزمان من أبنائنا، لأنا كنافي حيز الدهر، فحيث الدهر فليس هناك تذكر البتة، وإنما نحتاج إلى التذكر في الأشياء الزمانية التي تكون مرة وقد لا تكون مرة، فحيث التمني هناك التذكر، فأما الموضع الذي ليس للتمني فيه مساغ فليس هناك تذكر. وقال أيضاً: الأشياء التي علمناها لم نعلمها في وقت من الأوقات فنحتاج إلى أن نذكرها، بل قد علمناها بنوع الدهر لا بنوع الزمان. وقال أيضاً: إنا قبل أن نتلطخ بأوساخ الهيولى ونحن في العالم الأعلى كنا علماء ولم نكن أصحاب ذكر، ولم نكن نحتاج إلى أن نذكر ما قد علمنا، لأن الأشياء قد علمناها حاضرة تحت أيدينا لا يغيب منها شيء ولا يستتر، وقال: كل أثر لزمنا في هذا العالم الحسي فإنه لا يلزمنا في ذلك العالم العقلي مثل التمني والحس والوهم والقياس والتذكر، وما أشبه هذه
стр. 215
القوى. وقال: الأشياء التي لزمتنا في هذا العالم فإن خلافها يلزمنا في ذلك العالم، وذلك أن الذي يلزمنا ها هنا التمني والحس والروية، ونحن هناك لا نتمنى ولا نحس ولا نروي، فلذلك لا نقدر على أن نذكر ذلك العالم لا تحت التذكر، وكل شيء هناك إنما يعلم ولا يذكر، لأن الأشياء هناك حاضرة بحال واحدة ولم تكن بم كانت، لأن كان ويكون من باب الزمان، والزمان أثر من آثار هذا العالم. والأشياء التي في العالم العقلي دائمة لا تتغير ولا تستحيل عن حالها، وهي أفضل وأكرم من الدوام لأن الدوام بها كائن دواماً، ولم تكن هي دائمة الدوام، وليس الدوام غيرها بل هي الدوام، وذلك أن الصفة والموصوف هناك شيء واحد. قيل: فما حاجة النفس والعقل إلى العلة الأولى؟ قال: حاجة المعلوم إلى العلة، فإنه ليس من معلول طبيعي ولا صناعي تنقطع عنه علته إلا فسد وباد، كالحي فإنه إذا فارقته حياته باد وفسد، وكالنامي إذا فارقه النماء باد وفسد، وكذلك الصناعات والتجارات والبناء. وقال: العقل الأول يدرك الأشياء بغتة، والعقل الثاني أيضاً يدركها بغتة، إذا كان متحداً بالعقل الأول، ولا تعوقه عنه الأشياء الهيولانية، فإذا عاقته احتاج أن يتوصل بالمقاييس ويدرك بشيء بعد شيء، وأيضاً العقل الثاني بالوهم هو الذي عليه الأقدار والمسافات الجسمية، وإنما كان الوهم كذلك لأنه يقبل آثار الجسم فيجسم الأشياء وينكر الصورة المجردة، وأما إذا مال إلى العقل الأول اتحد به، فإذا أدى إليه الوهم الإثار التي قبلها من الحس علمها علماً عقلياً، وألقى عنها الأقدار والمسافات، وذلك أنه يعلمها علماً صورياً. وقال: للعقل النفساني طرفان، أحدهما طرف الوهم، والآخر طرف العقل الأول، فأما إذا مال إلى الوهم كان فكراً وروية لا يلتبس عليه الوهم فيريد أن يتخلص، وأما إذا مال إلى العقل الأول كان عقلاً مدركاً بلا روية ولا فكر ولا زمان، فالفكر إنما هو العقل الوهمي والعقل النفساني المدرك بلا وهم ولا فكر، ولا يقدر الوهم على أن يتوهم شيئاً بلا شكل ولا قدر جرى.
следующие страницы →