Полный текст (260 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فقال: وقع ما وهي يحتاج إلى تدبير قد فات أوله من جهة صاحبه الأول، ومن كان أولى به، وكان كالأب له، وذلك شبيه بعلم الغيب، وقل من ينفذ في حجب الغيب مع العوائق التي دونه، وليس كذلك إذا افترع هو كلاماً، وابتدأ فعلاً، واقتضب حالاً، يستقل حينئذ بنفسه ولا يحتاج فيه إلى شيء كان من غيره، أو يكون تعلقه بيقظته يعطيه تمام ما قد فتح عليه سده، وقدح عليه زنده، ولم يكن هكذا حاله في كلام معروض عليه لم يهجس قط في نفسه، ولا أعدله شيئاً من فكره، فقد يعجزه ما لم يتأهب له ولم يرض نفسه عليه؛ نوفي الجملة: كل مبتدئ شيئاً فقوة البدء فيه تفضي به إلى غاية ذلك الشيء، وكل متعقب أمراً قد بدأ به غيره فإنه بتعقيبه يفضي إلى حد ما بدأ به في تعقيبه ويصير ذلك مبداله، ثم تنقطع المشاكلة بن المبتدئ وبين المتعقب.
المقابسة الثالثة عشرة
في قول القائل العلة قبل المعلول
لا مدخل للزمان فيه
قال يحيى بن عدي: قول القائل: العلة قبل المعلول لا مدخل للزمان فيه، وكذلك قول النحويين: الاسم قبل الفعل لا يتضمن معنى الزمان، وكأنه جار في فضايا الدهر؛ والفرق بين الزمان والدهر بين.
ولعله سيمر في موضع من هذا الكتاب.
قال له البديهي: فقولنا: الأب قبل الابن، أين هو من الزمان؟
стр. 37
قال: من جهة لا مدخل للزمان بينهما، وذلك أن الغرض فيهما أن هذا علة هذا؛ ومن جهة يدخل، لأنه يصير مؤذناً بأن هذا كان في الزمان قبل هذا في الزمان. وأما قول النحويين إن الاسم قبل الفعل، فمعقول إن ترتيبه مقدم عليه، وإلا فمتى وجد الاسم وجد الفعل، ومتى وجد الفعل وجد الحرف، فمرتبة الوجود واحدة في الجميع، ومراتب الأعيان مختلفة في الجميع.
ثم قال: وينبغي أن يصفوا اللحظ الذي تجرد في نحو الأشياء الأول التي هي كثيرة بالأسماء والنعوت عند الاستعمال، وواحدة بالحقائق والذوات، فإن هذا النظر إذا صفي وتم، كفى مؤنة عظيمة، وحاز أمراً عزيزاً.
стр. 38
المقابسة الرابعة عشرة
في أن بدأ الجوهر الصورة والمادة
ومبدأ الحكم النقطة والوحدة، ومبدأ الكيف السكون والحركة
قال يحيى بن عدي في درس البديهي عليه سنة إحدى وستين وثلثمائة، وأنا حاضر: مبدأ الجوهر الصورة والمادة، ومبدأ الحكم النقطة والوحدة، ومبدأ الكيف السكون والحركة. قال:
وهذه المبادئ هي أوائل العالم العلوي والسفلي والعقلي والحسي، وصار إيضاحه بهذا التخليص ببحث العقل، واستنباط النفسي، وشهادة الحال، وحقيقة المطلوب؛ إن حاول محاول زيادة على هذا لم يستطع، وإن رام رائم نقصا منه لم يقدر، لأن انتظامه بالعلة الأولى، وتمامه من أجلها، ودوامه بدوامها. والحركة والسكون والنقطة والوحدة والمادة والصورة لم تختلف في أعيانها، بل القوابل التي هي بها، وبحسبها انقسمت النعوت عليها، واشتركت العبارات فيها، ومتى أمكن تسديد اللحظ إلى الغاية وإلى النهاية المتناهية لم يوجد إلا الحق الذي هو هولاً لشيء هو به، بل كل شيء هو به، وهو له، وهو من أجله، ثم قال: النقطة في الجوهر صورة، والصورة هي في الكم نقطة، والوحدة في جميعها مستولية شاملة، محتوية غالبة؛ فإليها يجب أن يرمى الرامي، وعنها يجب أن يحمى الحامي، فليس فوقها مذهب ولا دونها مبتغى.
قال العروضي: إذا كانت الوحدة مستولية كما بان من القول، فما بال الكثرة أدنى ألينا، وأسبق إلى نواظرنا، وأغنى عن طلب الدليل فيها؟
стр. 39
فقال: لأنا بها وهي بنا، فمن هذه الجهة وجب أن تشتد العناية في تحصيلها وتقليبها حتى تظهر الوحدة في الثاني كما ظهرت الكثرة في الأول، وهو الذي يسمى سعادة، وإليها وقع التوجه، وعليها قصر السعي.
ودخل أبو العلا صاعد فانقطع الكلام وفات أن يبلغ أقصى ما عنده.
المقابسة الخامسة عشرة
في قولهم لم صارت الكيفية تسري في المكيف
إلى الأول والثاني
قلت لوهب بن يعيش الرقي: لم صارت الكيفية تسري من المكيف إلى الأول والثاني؟ مثال ذلك: الرائحة التي للتفاح، فإنها تسري إلى الدماغ، وليس كذلك الكمية من ذي الكم، مثال ذلك: تفاحتان وثلاث عند زيد لا تسري كميتها إلى عمرو؟ فقال:
стр. 40
الكمية أقرب إلى الجوهر وأشد توحداً به وأدل على المواصلة والتشبث والوحدة، وليس كذلك الكيفية بحسب الكثرة، مخالفاً لمقتضى الكيفية بحسب الوحدة، ألا ترى أن الكيفية تابعة لما ترى، أي الحس وأسبق عن الطبيعة؟ ألا ترى أن الكمية تابعة لما ترى، أي العقل ومتصل بالنفس؟
المقابسة السادسة عشر
في قولهم لم صار الإنسان إذا صور كلاماً
يريد تأييده بطبعه جبراً عليه ؟
لم صار الإنسان إذا زور كلاماً لمجلس يحضره، وخصم يناظره، وصاحب يعاتبه، لا يمكنه أداؤه في حال ما يباشر المراد، وينحى على الغرض، ويتوخى غاية ما في النفس.
فقال: لأنه في الحال الثانية يصير أسيراً في يد ما قدمه وقومه، فهو يحتاج في تلك الحال إلى قوة حافظة، وقوة مؤدية، وربما خانتاه أو خانته إحداهما، وليس كذلك إذا ارتجل كلاماً، وافترع معنى، فإنه يكون مطلق العنان في ضروب التصرف، وأفانين التزويق، غير موقوف على شيء متقدم، ولا متق شيئاً متوقعاً يخاف فجأته، على خلاف تقديره في وهمه ووضعه في نفسه، بخلوص الحال وسلامة البال، يفضيان به إلى آخر ما في نفسه، لأن الواسطة الحائلة ساقطة، والحجب مخروقة، والأولية مغيبة، والوحدة مساعدة.
لا تسرع أيدك الله إلى الطعن والعيب في هذه المواضع التي نزل قليلاً، ولا يبلغ ظنك بها، فإن الجميع أخذ عن هؤلاء الجلة الأعلام
стр. 41
حسب ما كانت المذكرة والمقابسة تمتدان بهم ويقرءان عليهم، وكان الغرض كله أن يستفاد كل ما تنفسوا به وتنافسوا فيه، فإن شاركتني على ذلك فالحكمة فوضى بيننا، والحق مشاع عندنا، والفائدة حاصلة لنا؟ فإن أنجبت نجدتك وفطنتك لم تخرج من جميع وجوه العدل إلى الظلم، لكن تبعد عن الخلق الجميل، وعما يليق بالرجل الأصيل، وأساس التلافي والاجتماع، والتصافي والاستمتاع، والمفاوضة بين الناس بكل ما ينطق بالتودد والإيناس على الكرم والتفضيل، والرعاية والحياء والإبقاء والإغضاء، لا على الشراسة والعناد، ولا على ما لا يجمل بذوي الحكمة والفضل والحفاظ، والله يبلغ بك ويحسن على اقتباس الحمة عونك، ويقر أعيننا بمكانك، ويهدينا جميعاً للزلفى عنده، والمكانة فيه، بمنه وإحسانه؛ على أنك إذا استشففت هذا الكتاب كله، وقبلته وعرفت غرائبه وعجائبه، وعلمت أنك ظالم إذا عتبت، وأني مظلوم في يدك إذا استزريت، ووالله لقد تعبت في تحصيل ما قالوه، وخاطرت الآن برواية ما تقابسوه، ولو قمت مقامي لما أخطأ بك حالي، ولا خلوت في عبري من بعض ما تتجنى به علي، كان الله لك، وأخذ بيدك، وأدام الصنع الجميل لك.
стр. 42
المقابسة السابعة عشرة
في هل ما عليه الناس من السيرة والاعتقاد حق كله
أو أكثره حق أو باطل كله أو أكثره باطل ؟
سئل بن سوار وكان ابن السمح بباب الطاق: هل فيه الناس من السيرة، وما هم عليه من الاعتقاد، حق كله أو أكثره حق، أو كله باطل أو أكثره! فقال: المسألة هائلة، والجواب هين.
قيل: أفدنا أفادك الله فإن ركية العلم لا تنزح وإن اختلفت عليها الدلاء وكثر على حافاتها الواردة؟
стр. 43
فقال: صدقتم، واعلموا أنه إذا لحظ استيلاء الطبيعة عليهم، وغلبة آثارها فيهم، في الرأي المعتقد، والسيرة المؤثرة، فأكثر ذلك باطل، لأن سلطان العقل في بلاد الطبيعة غريب، والغريب ذليل، وإن لحظ حكم العقل ما يجب به، ويليق بجوهره، ويحسن مضافاً إليه، فأكثر ذلك حق، كان الملحوظ رأياً وسيرة وعادة أو خليقة، وعلى حسب هاتين القبيلتين يكون القضاء، ويقع الحكم، والحق لا يصير حقاً بكثرة معتقديه، ولا يستحيل باطلاً بقلة من تحليه، وكذلك الباطل، ولكن قد يظن بالرأي الذي قد سبق إليه الاتفاق من جلة الناس وأفاضلهم أنه أولى بالتقديم والإيثار، وأحق بالتعظيم والاختيار، لأنه يكون مقوماً بالبحث، وجبوراً بالفكر، مصقولاً على الزمان، تلمسه كل يد، وتجتليه كل عين، ويصير ثباته على صورته الواحدة، دليلاً قوياً وشاهداً زكياً على حقيقته، لأنه يبرأ حينئذ من هوى منتحله ويعرى من تعصب ناصره، ويبقى بصورته الخاصة، ويحرى مجرى السكينة التي لا تحتاج إلى علاج المعالج، وتمويه المموه، وانتقاد المنتقد، وتنفيق المنفق، وحيلة المحتال.
المقابسة الثامنة عشر
في قول الإنسان حدثتني نفسي بكذا وكذا
سألت أبا زكريا الصيمري عن الإنسان يقول: حدثتني نفسي بكذا وكذا، وحدثت نفسي بكذا وكذا، هذا، فإني أجد الإنسان ونفسه كجارين متلاصقين يتلاقيان فيتحدثان؛ ويجتمعان فيتحاضران، وهذا يدل على بينونة بين الإنسان ونفسه؟
стр. 44
فقال: الإنسان إنما هو إنسان بالنفس، والنفس ما هو إنسان، والإنسان له صورة بحسب قبوله من النفس، والنفس نفس بحسب ملابستها للبدن وتصريفها له وتدبيرها فيه؟ فإذا قال الإنسان: حدثتني نفسي أو حدثت نفسي، فإنما ذلك لشعوره بشرف نفسه، بقد ما استفاد من صورتها الخاصة به واستنارة العقل عليه، هذا إن كان الحديث مواتياً للحق، آخذاً بقسطه منه، وإن تكن الأخرى دخل الفساد من ناحية المادة والخلط والمزاج والقابل، ألا ترى أنك لا تقول: حدثني عقلي بكذا وكذا، ولا حدثت عقلي بكذا وكذا؟ لأن أفق العقل أعلى، وعالمه أرفع، وأثره ألطف وأنقى، ونسبه أشرف وأسنى، والإنسان متقوم بالنفس حتى إذا لحظها بعينه التي له منها ساغ له أن يحدثها ويحدث عنها ويحقق بناءها وحالها! وهي العقل بوجه آخر، والعقل هي بوجه آخر، ولكن العبارة عن هذه الخفيات قاصرة، وإن كانت النفس بها مستنيرة، فعلى هذا الإنسان يحدث نفسه بما يغلب منها، وتحدثه نفسه بما يغلب عليها منه، وهو هي وهي هو، ولكن بنوع ونوع، وحال وحال، واسم واسم، وملخوص وملخوص، وتقريب وتقريب.
وهذه معان اختلست من مذاكرات هؤلاء المشايخ فلم يمكن أن تورد تامة مستقصاة، لأن الكتب التي توضح هذه الحقائق موجودة، ومن يشرح مشكلها ويفتح مستغلقها حاضر، فليكن التعويل في بلوغ غايات هذه الواضع على العلماء والكتب والقرائح.
стр. 45
المقابسة التاسعة عشرة
في السماع والغناء وأثرهما في النفس
وحاجة الطبيعة إلى الصناعة
خرج أبو سليمان يوماًً ببغداد إلى الصحراء، بعض أيام الربيع، قصداً للتفرج والمؤانسة، وصحبته، وكان معنا أيضاً صبي دون البلوغ جهم الوجه بغيض المحياشتيم المنظر، ولكنه كان مع هذه العورة يترنم ترنماً ندياً عن جرم ترف، وصوت شج، ونغمة رخيمة، وإطراق حلو، وكان معنا جماعة من طراق المحلة، فلما تنفس الوقت أخذ الصبي في فنه، وبلغ أقصى ما عنده، فترنح أصحابنا وتهادوا وطربوا. فقلت لصاحب لي ذكي: أما ترى ما يعمل بنا شجن هذا الصوت، وندى هذا الحلق، وطيبة هذا اللحن، وتفنن هذه النغمة؟! فقال: لو كان لهذا من يخرجه ويعني به، ويأخذه بالطرائق المؤلفة والألحان المختلفة، لكان يظهر أنه آية، ويصير فتنة، فإنه عجيب الطبع، بديع الفن، غالب الدين والشرف.
فقال أبو سليمان، فلتة: حدثوني بما كنتم فيه عن الطبيعة، لم احتاجت إلى الصناعة؟ وقد علمنا أن الصناعة تحكي الطبيعة وتروم اللحاق بها والقرب منها، على سقوطها دونها؟ وهذا رأي صحيح وقول مشروح، وإنما حكتها وتبعت رسمها وقصت أثرها لانحطاط رتبتها عنها، وقد زعمت أن هذا الحدث لم تكفه الطبيعة ولم تغنه، وأنها تعنيه وأنها قد احتاجت إلى الصناعة حتى يكون الكمال مستفاداً ومأخوذاً من جهتها، والغاية مبلوغة بمعونتها وإصدارها؟ فقلنا له: ما ندري! وإنها المسألة؟
стр. 46
فقال: فكروا؟ قعدنا له وقلنا: إنا قد ثلجنا، ولو مننت بالبيان ونشطت لنشر الفائدة كان ذلك محسوباً في بيض أياديك وغرر فضائلك؟ فقال: إن الطبيعة إنما احتاجت إلى الصناعة في هذا المكان، لأن الصناعة ها هنا تستملى من النفس والعقل، وتملى على الطبيعة؟ وقد صح أن الطبيعة مرتبتها دون مرتبة النفس، تقبل أثارها وتمتثل أمرها، وتكمل بكمالها، وتعمل على استعمالها، وتكتب بإملائها، وترسم بإلقائها، والموسيقى حاصل للنفس وموجود فيها، على نوع لطيف وصنف شريف، فالموسيقار إذا صادف طبيعة قابلة، ومادة مستجيبه، وقريحة مواتية، وآلة منقادة، أفرغ عليها بتأييد العقل والنفس لبوساً مؤنقاً، وتأليفاً معجباً، وأعطاها صورة معشوقة، وحلية مرموقه، وقوته في ذلك تكون مواصلة النفس الناطقة. فمن ها هنا احتاجت الطبيعة إلى الصناعة، لأنها وصلت إلى كمالها من ناحية النفس الناطقة بواسطة الصناعة الحادثة التي من شأنها استملاء ما ليس لها وإملاء ما يحصل فيها، استكمالاً بما تأخذ وكمالاً لما تعطي.
فقال له البخاري، وكان من تلامذته: ما أشكرنا على هذه الصلات السنية، وما أحمدنا لله على ما يهب لنا منك من هذه الفوائد الدائمة؟!
فقال: هذا بكم اقتبست، وبحجركم قدحت، وإلى ضوء ناركم عشوت وإذا صفي ضمير الصديق للصديق، أضاء الحق بينهما، واشتمل الخير عليهما، وصار كل واحد منهما ردءاً لصاحبه، وعوناً على قصده، وسبباً قوياً في نيل إرادته ودرك بغيته. ولا عجب من هذا، فالنفوس تتقادح، والعقول تتلاقح والألسنة تتفاتح، وأسرار هذا الإنسان الذي هو العالم الصغير في هذا العالم الكبير، كثيرة جمة، واسعة منبثة، وإنما يحتاج الناظر في هذا النمط إلى عنايته بنفسه في طلب سعادته، ورعايته لحاله في السلوك إلى غايته، غير عائج على زهرة العين ونضرة الحس ولذة الوقت، فإنه بهذه المقدمات يصل إلى تلك
стр. 47
الغايات، ويجني تلك الثمرات، ويجد تلك السكاين مرتفعاً عن هذه الأقذاء والقاذورات، وأول هذا الأمر وآخره بالله ومن الله. اللهم طهر قلوبنا من ضروب الفساد، وحبب إلى أنفسنا طرائق الرشاد، وكن لنا دليلاً، وبنجاتنا كفيلاً، بمنك وجودك الذين ما خلا منهما شيء من خلقك العلوي والسفلي، ولا فاتنا شيء من صنعك الجلي والخفي، يا من الكل به واحد، وهو في الكل موجود.
هذا ما خلص ن هذا الاجتماع، وهو ظاهر الشرف، أتيت به على ما لقيته، فاشركني في استحسانه وقبوله، وكن معيناً على طلب نظيره، والتعاقب على الخير، والتناصر على البر، سيرة الفاضلين، وعادة أهل التقى والدين.
المقابسة العشرون
في أن النظر في حال النفس بعد الموت مبني على الظن والوهم
قال ماني المجوسي وكان ذا حظ وافر من الحكمة لأبي الحسن محمد بن يوسف العامري وكان من أعلام عصره: أيها الشيخ، إني أجد النظر في حال النفس بعد الموت مبنياً على الظن والتوهم، وذلك أن الإنسان كما يستحيل منه أن يعلم حاله قبل كونه ووجوده كذلك يستحيل منه أن يعلم حاله بعد كونه، لأنه يصير مشفى علمه ومستنبط مراده عدماً، والعدم لا يقتبس منه علم شيء بوجه، ولا يستفاد منه معرفة حال، لا فيما يتعلق بالحق، ولا فيما يتعلق بالباطل؟ فقال في الجواب: ليس النظر في حال النفس بعد الموت مبنياً على الظن وإن كان شبيهاً به، ولن يجب أن يثبت القضاء في هذا المعنى بالظن للمشابهة بينه وبين غيره، لأن الفصل حاضر، والفرق ظاهر، وذلك أن الإنسان لم يجهل
стр. 48
حاله قط فيما سلف، لأن الطريق إلى تبيين ذلك وتحصيله مسلوك، والشاهد على ثمرة المطلوب قايم، والتقريب يدل على ذلك في هذا الوقت، وإن كان البرهان في الصناعة موجوداً إذا أخذت على ترتيبها الخاص لها في معرفة المنطق، الذي هو آلة في استقراء الطبيعة، التي هي مراق، وفي معرفة النفس التي هي طلبة كل ناظر في علم ومتحقق بنحلة، كان الإنسان لآخر سيرته في هذا العالم، فلما صمدت النفس لها حركت الطبيعة على تأليفها وتوزيع الحالات المختلفة فيها، وأعطتها النفس بواساطة الطبيعة صورة خصتها بها ودبرت أخلاطها وهيأت مزاجها، فظهر الإنسان في الثاني بشكل غير الشكل الذي كان لأجزائه التي مردها في آخر البحث إلى الهيولى بالقول المجمل. والكلام في هذا ذو شعب وذوائب، ثم إن الإنسان في معارفه التي يترقى في درجاتها يجد لنفسه قنية ليست كسائر القنيات، وهيئة ليست لجميع الهيئات، أعني الحكمة التي هي علم الحق والعمل بالحق، فيجول طالباً لبقائها، ناظراً وباحثاً عن حقيقة ذلك، حائراً إلى أن يبلغ بفرط العناية وجودة الفحص وحسن مشاورة العقل، إلى الحد الذي يفصح له بأن النفس ليست تابعة للمزاج، ولا حادثة بالأخلاط؛ بل هي مستتبعة للمزاج ومقومة للأخلاط بوكالة الطبيعة التي هي ظل من ظلالها، وقوة من قواها، وأن النفس ليس لها استعانة بالبدن ولا بشيء منه، وأنها خالصة لا شوب فيها، وقائمة بجوهرها غنية النفس عما يفسدها ويحللها ويتخونها ويؤثر فيها، وكيف يكون ذلك وهي لا تنفعل البتة، ولا رداءة فيها البتة؟ فبهذا وأشباهه ينفتح للإنسان أن النفس يمكن أن تطلب علم حالها بعد مفارقة البدن بالأمر الطبيعي، والسبب الضروري، فقد تجلى وانكشف أن البحث عن ذلك ليس بحثاً عن عدم مطلق، بل هو بحث عن أحوال منزلة مشهودة، مرتبة محدودة، بل هو بحث عما يتصور غايته ويطمأن إليه، تارة بالبرهان المنطقي، وتارة بالدليل العقلي، وتارة بالإيماء الحسي، والأمر الإلهي.
стр. 49
وقال أيضاً في مثل هذا الموضع ما يجب إيراده وإن طال الفصل وأسام ذكره إن الحسيات معابر إلى العقليات، ولا بد لنا ما دمنا باحثين عن حقائق العقل ولا نقدر أن نخلص إلى عالمه دفعة واحدة من سبيل نسلكها، ومثل نستصحبها، وشواهد نستنبطها ونثق بها، ولو أمكننا الوصول إلى عرصات القول وبلاده كان التفاتنا إلى الحواس فضلاً، لا لأننا متى أخذنا الأمثلة من الحواس فليس يجب أن نتسبب بها كل التسبب، ونطالب بها المعقولات كل المطالب، بل الذي يحكم به الحق ويقتضيه الحزم، أن نأخذ الأمثلة من الحس، فإذا وصلنا إلى العقل حينئذ فارقناها اعتناء عنها مستريحين منها، ومن حرجها واضطرابها، ولما كنا بالحس في أصل الطبيعة لم ننفك منه، ولما كنا بالعقل في أول الجوهر لم نجهل فصله، فلهذا ما اشتغلنا بالحس ولم نقض به، ووصلنا إلى العقل ولم نميز عليه.
وهذا اقتضاه قول عرض في جملة كلامه، وذلك أنه في كل محسوس ظل من المعقول، وليس في كل معقول ظل من الحسن ومتى وجدنا شيئاً في الحس فله أثر عند العقل، به وقع التشبيه، وإليه كان التشوق، وبه حدث المقدار، والإنسان متى لم يخلع آثار الحس خلعاً، لم يتحل لبوس العقل تحلياً، وإنما شق الإقرار بمعرفة حال النفس بعد الموت لأن الحس لم يساعد في تسليم ذلك بشهادة يسكن إليها، وإن كان العقل قد استوضح ذلك بالأمثلة المضروبة في إقامة البينة عليها.
وفي الجملة هذه المسئلة عذراء ضيقة، وعجماء مشكلة، ولكن العقل الذي هو خليفة الله في هذا العالم يجول في هذه المضايق، ويدفع هذه الموانع والعوائق، ولولا هذه العناية المرموقة، والحالة المعشوقة، بهذه الأوائل المشروحة، والأبواب المفتوحة، لكان اليأس يزهق الأرواح ويتلف الأنفس، ولكان العالم بكل ما فيه من العجائب والآثار والشواهد لشيء لا حقيقة له، ولا حكمة فيه، وأنه شبيه بالعبث واللعب، وليس له محصول ولا
стр. 50
فيه شيء معقول. ولاحاجة بعد هذا البيان الذي غر دحاديه، وطرب سامعه في هذا المكان، إلا قلة الصبر على النظر، وسوء العناية في طلب الحق، وإيثار الراحة بالراحة، وقطع أيام العمر بالتمني، وتوجيه التهمة إلى الحق، وتسليط الجدل على الاستنصار، والاعتماد على البهت والوقاحة، وإلا فإن الحق معرض لك، بل بارك عليك، بل نازل عندك، بل حاضر معك، بل متجلل بك موجود فيك، وإنما تؤتى من جفائك في الطلب وسوء العناية في التحري، لا من توارى الحق عنك، ولا من اشتباهه عليك، وليس مع الجفاء والعنف وصول إلى الحق، ولا مع الرفق يأس من الحق، ألحق أسبق إليك منك إليه وأعطف عليك منك عليه وأرأف بك منك به وأظهر فيك منك فيه وكان وفياً بهذا الباب قيماً عليه، وسقط عني شيء كثير مع هذا كله، وفيما حصل تعلل؛ وعلى الله التمام.
المقابسة الواحدة والعشرون
في أن فضيحة حسيب لا أدب له أفظع وأشنع
من فضيحة أديب لا حسب له
سمعت أبا سليمان يقول: فضيحة حسيب لا أدب له، أفظع وأشنع من فضيحة أديب لا حسب له.
فقال: ابن الوراق النحوي: ولم ذاك؟ فقال: لأن هذا عدم ما يقوم نفسه ويكمل ذاته، وذاك فقد ما يقوم أصله ويستر قديمه، والنفس أرفع من الأصل، لأن الأصل راجع إلى الولادة، والنفس دالة على النقص والزيادة، نعم، وعلى الشقاء والسعادة،
стр. 51
وقد يحس الإنسان بنفسه الجيدة سقوط أبويه فيتلافى ذلك في تكسب الخير وإيثار الجميل، وشدو الأدب، وقصد العلم، كل ذلك سلف له، كما يحس الإنسان بشرف أبويه فيتكل على ما سبق لأوليته، ولا يشغل زمانه العزيز في تحلية نفسه بحلى آبائه وأجداده أخواله وأعمامه، ليكون ذلك زينة له في حياته، وذكراً لعقبه من بعده، فلا جرم أنه أحرى من صاحبه كثيراً ثم قال: سمعت بباب الطاق في هذه الأيام، وإنسان من أنكاد السوقة يقول لأخر من ضربائه: شرفك ميت وشرفي حي، وشرفك أخرس وشرفي ناطق، وشرفك أعمى وشرفي بصير؛ قيل له: ماذا أراد بهذا؟ قال: أراد: إني بنفسي على هذه الفضائل الشريفة والحال المتمناة، وأنت بنفسك على أضدادها، لا تحيي ولا تنطق ولا تبصر، لم تنفعك أرومتك البضاء، ولم تضرني جرثومتي السوداء، ومتى نابك أمر فتحدث بشرف غيرك، فكنت بمنزلة الخصي المدل بهن غيره، وهذا ما لا يجدي عليه عند البضاع.
المقابسة الثانية والعشرون
في ما بين المنطق والنحو من المناسبة
قلت لأبي سليمان: إني أجد بين المنطق والنحو مناسبة غالبة ومشابهة قريبة، وعلى ذلك فما الفرق بينهما، وهل يتعاونان بالمناسبة، وهل يتفاوتان بالقرب به؟ فقال: النحو منطق عربي، والمنطق نحو عقلي، وجل نظر المنطقي في المعاني، وإن كان لا يجوز له الإخلال بالألفاظ التي هي لها كالحلل والمعارض،
стр. 52
وجل نظر النحوي في الألفاظ، وإن كان لا يسوغ له الإخلال بالمعاني التي هي لها كالحقائق والجواهر؛ ألا ترى أن المنطقي يقول بخبر وهو ينفعل، والنحوي فيما خلاه اللفظ؟ ونظائر هذا المثال شوائع ذوائع في عرض الفنين والنظرين، أعني المنطق والنحو، وكما أن التقصير في تحبير اللفظ ضار ونقص وانحطاط، فكذلك التقصير في تحرير المعنى ضار ونقص وانحطاط، وحد الإفهام والتفهم معروف، وحد البلاغة والخطابة موصوف، والحاجة إلى الإفهام والتفهم على عادة أهل اللغة، أشد من الحاجة إلى الخطابة والبلاغة، لأنها متقدمة بالطبع، والطبع أقرب إلينا، والعقل أبعد عنا، والبديهة منوطة بالحس، وإن كانت معانة من وجهة الحس، وليس ينبغي أن يكتفي بالإفهام كيف كان، وعلى أي وجه وقع، فإن الدينار قد يكون رديء ذهب، وقد يكون رديء طبع، وقد يكون فاسد السكة، وقد يكون جيد الذهب عجيب الطبع حسن السكة، فالناقد الذي عليه المدار، وإليه العيار، يبهرجه مرة برداءة هذا، ومرة برداءة هذا، ويقبله مرة بحسن هذا، ومرة بحسن هذا، والإفهام إفهامان: رديء وجيد، فالأول لسفلة الناس، لأن ذلك غايتهم وشبيه برتبتهم في نقصهم، والثاني لسائر الناس، لأن ذلك جامع للمصالح والمنافع، فأما البلاغة فإنها زائدة على الإفهام الجيدة بالوزن والبناء، والسجع والتقفية، والحلية الرائعة، وتخير اللفظ، واختصار الزينة، بالرقة والجزالة والمتانة، وهذا الفن لخاصة النفس، لأن القصد فيه الإطراب بعد الإفهام والتواصل إلى غاية ما في القلوب لذوي الفضل بتقويم البيان.
قلت له: فما النحو؟ فقال: على ما يحضرني الساعة من رسمه على غير تصفية حده وتنقيحه: إنه نظر في كلام العرب يعود بتحصيل ما تألفه وتعتاده، أو تفرقه وتعلل منه، أو تفرقه وتخليه، أو تأباه وتذهب عنه، وتستغني بغيره.
стр. 53
قلت: فما المنطق؟ قال: آلة بها يقع الفصل والتمييز بين ما يقال: هو حق أو باطل، فيما يعتقد، وبين ما يقال: هو خير أو شر، فيما يفعل، وبين ما يقال: هو صدق أو كذب، فيما يطلق باللسان، وبين ما يقال: هو حسن أو قبيح بالفعل.
قلت: فهل يعين أحدهما صاحبه؟ قال: نعم، وأي معونة إذا اجتمع المنطق الحسي؟ فهو الغاية والكمال! قال: ويجب أن تعلم أن فوائد النحو مقصورة على عادة العرب بالقصد الأول، قاصرة عن عادة غيرهم بالقصد الثاني. والمنطق مقصور على عادة جميع أهل العقل من أي جيل كانوا وبأي جيل كانوا وبأي لغة أبانوا، إلا أن يتعذر وجود أسماء عند قوم وتوجد عند قوم، فحينئذ الحال في التقصير يتورك على تعذر الأسماء أو على وضعها على الخلاف، إما بالتواطؤ والاصطلاح، وإما بالطبع والأسماع.
قال: وبالجملة، النحو يرتب اللفظ ترتيباً يؤدي إلى الحق المعروف أو إلى العادة الجارية، والمنطق يرتب المعنى ترتيباً يؤدي إلى الحق المعترف به من غير عادة سابقة. والشهادة في المنطق مأخوذة من العقل، والشهادة في النحو مأخوذة من العرف، ودليل النحو طباعي، ودليل المنطق عقلي. والنحو مقصور، والمنطق مبسوط. والنحو يتبع ما في طباع العرب، وقد يعتريه الاختلاف، والمنطق يتبع ما في غرائز النفوس. وهو مستمر على الائتلاف. والحاجة إلى النحو أكثر من الحاجة إلى المنطق، كما أن الحاجة إلى الكلام في الجملة أكثر من الحاجة إلى البلاغة، لأن ذلك أول، وهذا ثان. والنحو أول مباحث الإنسان، والمنطق آخر مطالبه. وكل إنسان منطقي بالطبع الأول، ولكن يذهب عن استنباط ما عنده بالإهمال، وليس
стр. 54
كل إنسان نحوياً في الأصل. والخطأ في النحو يسمى لحنا، والخطأ في المنطق يسمى إحالة. والنحو تحقيق المعنى باللفظ، والمنطق تحقيق المعنى بالعقل. وقد يزول اللفظ إلى اللفظ، والمعنى بحاله لا يزول ولا يحول؛ فأما المعنى فإنه متى زال إلى معنى آخر تغير المعقول ورجع إلى غير ما عهد في الأول. والنحو يدخل المنطق، ولكن مرتباً له. والمنطق يدخل النحو، ولكن محققاً له. وقد يفهم بعض الأغراض وإن عرى لفظه من النحو، ولا يفهم شيء منها إذا عرى من العقل. فالعقل أشد انتظاماً للمنطق، والنحو، ولا يفهم شيء منها إذا عرى من العقل. فالعقل أشد انتظاماً للمنطق، والنحو أشد التحاماً بالطبع. والنحو شكل سمعي، والمنطق شكل عقلي. وشهادة النحو طباعية، وشهادة المنطق عقلية. وما يستعار للنحو من المنطق حتى يتقوم، أكثر مما يستعار من النحو للمنطق حتى يصح ويستحكم. فالمنطق وزن لعيار العقل، والنحو كيل بصاع اللفظ؛ ولهذا قيل في النحو الشذوذ والنادر، ورديء المنطق ما جرى مجراهما.
فهذا ما استدف من قوله، وهو باب مفتوح يمكن أن يقال فيه من هذا الجنس ما يكون شاهداً لما قال والسلام.
المقابسة الثالثة والعشرون
في ظرف الزمان وظرف المكان
قلت لأبي سليمان: كنا أمس في مجلس أبي علي القومسي فجرى كلام في الظرف فقال له الأندلسي: أيها الشيخ، لم صار الظرف المخصوص بالزمان أطثر من الظرف المخصوص بالمكان
стр. 55
فسكت هنية ثم قال: لا أدري. وليس هذا من النحو، وإنما النحو في هذا أن تعرف أن الظرف ظرفان، ظرف زمان وظرف مكان، وتحصي أسماء هذا وتميزها من أسماء هذا، وتقف على المواضع المخصوصة بهما والأعراب اللازم لهم أوبهما.
فقال أبو سليمان: صدق أبو علي، فلقد ظلمه الأندلسي! من أين يعلم ذلك وليس عليه في صناعته أن يبحث عنه؟ لأن مبادئ كل صناعة مأخوذة من ناس آخرين قوامين عالمين؟ قلت: فلو أقدتنا فيه شيئاً؟ فقال: الظرف الزماني ألطف من ظرف المكان، والمكاني أكثف من ظرف الزمان، وكأن المكان من قبيل الحس، والزمان من قبيل النفس، وكأن الزمان من حد المحيط، والمكان من حد المركز، فوفر لهذا أن يكون تصرف الألطف اكثر من تصرف الأكثف، وبحسب تصرفه تكون أسماء أحواله في تصرفه أكثر، والزمان منسوب إلى حركات الفلك، فجوهره شريف. والمكان من جوهر المحيط، فجوهره محطوط. والفلك أقرب من الأمور العالية، فكذلك مرسومه الذي هو الزمان.
قال: ومما يشهد أن الزمان ألطف، أنك تقول: زمان حاضر، وزمان ماضي، وزمان مستقبل. هذا بالنظر الأول، وقد أحس به كل الناس، وهو يزيد بالمنطق على هذه القسمة زيادة بينة، ومن أجل تصرف الزمان في الوجوه الكثيرة، استخرج يحيى بن عدي المنطقي من قول القائل: القائم غير القاعد، وجوها تزيد على عشرين ألف وجه بآلاف، ورسالته في ذلك حاضرة.
ثم قال: ومما يزيد لطافة الزمان وضوحاً أن الزمان الواحد يجر إلى أكثر من واحد، إلى مالا آخر لهما، والمكان الواحد متى شغل بالواحد عجز عن الثاني.
стр. 56
ثم قال: وأي نظر أشرف من نظر الفيلسوف الذي يرتقي من السفل فيجول في الوسائط، ويبلغ إلى العلو، وربما انحدر من العلو فخرق بمدة الحجب كلها، مبيناً عنها وعن جملتها وتفصيلها، بمعرفة موزونة من العقل، وروية مؤيدة بالبصيرة، وحقائق بالعدل موزونة، وتصفح بالغ إلى الحد الأقصى، بلا ظرف ولا ترقب ولا شك ولا مرية، بل علم ثابت ومعرفة راسخة، وبيان جلي، وشاهد قائم، وبرهان موجود، وللمشغوف بالحكمة في هذه المواضع مراد ومسرح، ومرمي ومفتح، وذلك لأن الآلهية عالية، وعلائقها متشاكلة متناسبة، ومواهبها متقاربة متواصلة، ومتى كشف الغطاء بالنظر والفحص بأن منها ما يبهر كشعاع الشمس.
وكان نضر الله وجهه إذا سلك هذا الوادي سال عرقاه، ولم يدرك طرفاه، وكان يخرج من باب إلى باب، ومن صنف إلى صنف، استراحة من طول جمامه، وإنسا بمن يفهم عنه بعض مرامه، وذلك أنه كان مهجوراً مطرحاً، فيطول سكوته ويتضاعف أربه، فإذا حرك أدنى تحريك انفتح وانفرج وترك التقية الموحشة، والمداراة الثقيلة، وكان ربما أنشد بعد هذا الشوط الطويل، والنفس المديد، قول الشاعر:
لو كنت أقدر أن أقولا ... لشفيت من قلبي غليلاً
لكن لساني صارم ... ملئت مضاربه فلولاً
المقابسة الرابعة والعشرون
في الطبيعة وكيف هي عند أهل النحو واللغة
سألني أبو سليمان يوماً عن الطبيعة وقال: كيف هي عند أهل النحو واللغة؟ أهي فعلية بمعنى فاعلة، أو بمعنى مفعولة؟
стр. 57
قلت له: أكره أن أرتجل الجواب عنها، لعلي أدفع فيه إلى الاعتذار منه، وأنا أسأل شيخنا أبا سعيد السيرافي غداً إن شاء الله، وهو اليوم عالم العالم، وشيخ الدنيا، ومقنع أهل الأرض.
فقال: إنه كذلك، اجعله منك على بال، وتلطف في تحصيل ما عنده أجمع في هذه المسئلة.
فسألت أبا سعيد عنها فقال: هذا من قبيل الأسماء المحضة، لا من قبيل الأسماء المشوبة، فلا يقال لذلك إنه فعيل بمعنى فاعل، كقدير بمعنى قادر، ولا يقال إنه فعيل بمعنى مفعول، كذبيح بمعنى مذبوح ولكن يقال هو فعل في أصله كجبير وأثير، ومع هذا فمعنى الفعل به أقرب من معنى الفعل منه، ولفعيل أسرار ووجوه، وقد كان بعض الناس زل فيه عند بعض الأمراء، وإذا لم يكن بد من اعتباره على طريقة هذا السائل، فلأن يكون بمعنى مفعول أولى، وذلك أنا نقول: طباعه كذا وكذا، وطبيعته، أي ما طبع عليه، وبمعنى فعل، والمفعول فيه أبين، وأخواته يدللن على ذلك، أعني الضريبة، والسليقة، والسجية، والغريزة، والنحيزة.
قال: وهذا كلام كاف في الحرف.
فاستزدته فاندفع فأتى بأشياء لك نشرها ههنا كالحواجب، وإن لم تكن محتاجاً إليها من كل وجه، ولكن الكلام له صورة لا تملك، وغاية لا تدرك، وإذا أعادها زدته بفائدة لعلها تشاكل نفس ما نحن فيه، وتسهل له، وتحدث عنه، فقد برئنا من العنف واللوم والإفراط في التوبيخ، إن شاء الله تعالى.
قال: واعلم أن للأفعال مراتب مختلفة، ومواضع متباينة، فالظاهر منها مرتبة ضرب، وما ماثله فإنه نافر، أي مبعد، ولست أعني بما مائله ما كان ملاشياً، بل ما زاد عليه أيضاً، ولكن بعد أن يكون له أثر منفصل من فاعله، ثم ما عدا هذا أيضاً مراتب أعلى ما يلزم كقولك خلا، وعدا، وكرم وظرف، وعلم، وسلم، وثبت، ورتب،
стр. 58
ثم قال: ما زاد أيضاً مثاله، هذا حكمه، كقولك: تدحرج، واحر نجم: والإنسان له في كل شيء من هذه الأشياء شكل يباين شكله الآخر ضرباً منه المباينة، يشعر به مرة ويسهى عنه أخرى، ومجموع الأفعال فعل يحدث بك من غيرك، مثل ما يحدث لغيرك منه، مثاله: ضرب، وضرب يحدث بك منك، مثاله: حسن وسمع، وضرب يحدث فيك، مثاله: خجل ووجل، ونسي، وفي نوع ما يحدث بك ما يجوز أن يؤمر به وأن ينهى عنه، مثاله: إشجع ولا تحببن، وأعلم لا تجهل، وها هنا ضرب تحدث أنت فيه أو تحدث به، مثاله: كن وجد واعدم، وإذا حققت النظر كنت للمطاوعة أغلب على جميع هذه الضروب إلا ما تميز عنها، ولم يلتبس بها.
إلى ها هنا حصل ما اتصل بما كنا فيه، وكرهت اختزاله عنه، وأعود فأتمم صدراً بدات به في هذه المقابسة بعجزه، نعم فبادرت بالجواب إلى أبي سليمان وقصصته قراءة عليه.
فقال: هذا حسن مقبول، ويدل على أن ما سمعته من هذا الشيخ، غيض من فيض، وشرارة من حريق.
ثم قال: وإنما يصح قوله هذا إذا لخص المعنى الذي خصت الطبيعة به من قبولها من النفس، وانقيادها لتصريفها وانفعالها بتفعيلها، فإن الطبيعة كالهدف لما عنى النفس، وكالشيء الشاحي فاه المنتظر لما يلقى إليه ويرسم له، لا يتعدى حكمه، ولا يعصي أمره، ولا يخالف نهجه، وهذا شأن النفس مع العقل، ولكن أعلى من هذا، لأن الفيض الأول والجود الأول لا واسطة له ولا شوب ولا عارض عليه، ولا كره فيه ولا اختلاف، ولا تزاحم ولا اختلاط، ولا تدافع ولا اعتراض، بل على نوع الخلوص وما يزيد على ما يقع في النفوس، ثم التنزيل والتدريج والتوشيح يفيض ذلك كله في الطبيعة بصباباتها وسفافاتها، وبقوافيها ومعاينها وتظهر عند
стр. 59
ذلك الأشكال المختلفة في الأشخاص، وتبدو قواه بوسائط المسانح والإحساس، فأما إذا وفى حقها فيما يقبل منها ما دونها، وينقاد لها ويأتمر لأمرها، ويجري على رسمها، ويظهر تشكلها في الأجزاء المتشابهة المختلفة العناصر، المختلطة والمتميزة، والمواد المستعدة والأبية، والأشتات المتلائمة والمتباينة، فإنها في حد الفاعلة التي تطبع وتنقش، وتصلح وتجمع، وتؤلف وتنقض، وتحظر وتبيح، وتندر وتستخرج. وهذه الرتبة حصلت لها من تقبلها للنفس لأنها أعطتها صورتها وكانت فاعلة بها، ولأنها قبلت منها فكانت منفعلة لها، فلها المرتبتان والحدان، بنظر ونظر، ووجه ووجه.
قال: وإذا وقف على هاتين الحالتين، الأولى بموجب اللسان العربي، والثانية بقضية الاعتبار النظري، لم يبق في الطبيعة من هذا النسق ما يفتقر إلى إيضاحه والإبانة عنه، لأن التصفح قد أتى على كل ما كان في القوة من هذين الوجهين. فأما حدها الذي هو لها بالتحقيق وهو ما قال أرسطو طاليس إنه مبدأ الحركة والسكون. وإيضاح هذا بين في الكتب الموضوعة فيه وفي أشكاله، وإنما قويت العناية في شرح هذا القول على قدر ما بدا من المسئلة والجواب.
تابعت حاطك الله من هذه المقابسات الثلاث لأنها متواخية في بابها، أعني أنها في حديث النحو واللغة والمنطق والنظر، وبهذا تبين لك أن البحث عن المنطق قد يرمى بك إلى جانب النحو، والبحث عن النحو يرمي بك إلى جانب المنطق، ولولا أن الكمال غير مستطاع لكان يجب أن يكون المنطقي نحوياً، والنحوي منطقياً، خاصة والنحو واللغة عربية، والمنطق مترجم بها ومفهوم عنها. والخلل على قدر ذلك قد دخل فيها بنقل بعد نقل، وشرح بعد شرح.
стр. 60
المقابسة الخامسة والعشرون
في معارف الناس وأقسامها بالقول المجمل على التقريب
قال: سمعت شيخنا أبا سليمان يقول: معارف الناس بالقول المجمل على التقريب تنقسم أصولها إلى الظن والوهم، والحدس والعقل، واليقين والشك، والغالب والسابق، ولا إيهام والايجاس والخاطر والسائح واللائح، ثم إن هذه كلها تتخالف مرة وتتلابس مرة، وتراآي مرة وتتوارى، ولن يخلص مطلب من المطالب، ولا مذهب من المذاهب، من شوب مثلها، على قدر القلة والكثرة، والضعف والقوة، واللين والشدة، وعلى حسب المزاج والهيئة، والخلط والطبيعة، والمنشأ والعادة، وعلى ما يعجب الإنسان من استبداده أو تقليده؛ ولو خلص مظنونه من موهومه، وتميز محسوسه من معقوله، وانفصل معلومه من مجهوله، وبان ملتمسه من هواه، لكان لا يدخل الظنة في العلم، ولا يدب الحس في العقل، ولا يتفشى العقل في الحس، ولا يكدر الحق بالباطل، ولا يصفو الباطل بالحق، ولتوضحت الأشباء بأعيانها، ونقيت من أدرانها، وزال شك الناظر في أثنائها، ووقع على حقائقها وأنبائها، وعاد ثلج الصدر باليقين، معمور النفس بالسكون، غنيا عن تأليف القياس والبرهان، وتصنيف فنون القول والبيان؛ ولكن الإنسان مضروب بالظن والحدس، ومصنوع بالعقل والحس، ومردد بين النقص والزيادة، ومعرض في كل وقت للشقاوة والسعادة، لا فكاك له من جميع ذلك ما دام في مسكه الطبيعي، وعقله الجزئي، وجهله الكلى. اللهم إلا أن يلبسه الله لباس الرحمة، وينشيه غشاء العصمة، فحينئذ إن قال قال الصواب، وإن فعل الواجب، وإن اعتقد اعتقد
стр. 61
الحق، وإن هم هم بالخير، وإن نوى نوى الجميل، وإن حث حث على الصلاح وإن زجر زجر عن الفساد، وإن لحظ لحظ العلو، وإن غض غض عن السفل. فقال له بعض الحاضرين: فكأنه يفارق الطبيعة البشرية، وينسلخ من العوائق العنصرية؟
فقال: يفارقها من وجه ولا يفارقها من وجه يفارقها بأن يميت هواجسها إماتة، ويسكن سونحها تسكيناً، ويخمد لواهبها إخماداً، ويقتدر على بلوغ هذه الغاية اقتدارا. ولا يفارقها بأن يبقى إنساناً لا طبيعة له ولا مزاج ولا بشرية! هذا ما لا يجب ولا يكون وقدر ما أمكن من ذلك قدراً يجاوز كل أمنية، ويشرف على حال سنية؛ وهذه هي حال الفلاسفة الكبار، وحال البررة الأخيار، وحال من قد خصه بالزلفى، وأناف به على الذروة العليا واندفع في هذا وما شاكله يقوى بدر وتبر وتمر. وكان كاملاً بهذا الفن لا يؤتي فيه من عي ومس، ولا من نقص ولبس، وقام جلساؤه عنه في هذه العشية وكأنما قد نهلوا من الخمرة الصرف والشراب العتيق، وكان كلامه أكثر من هذا ولكن إلى ها هنا بلغ حفظي وتتبعي، وسيمر عنه ما يشفي القرم، ولا يورث السأم، إن شاء الله تعالى.
المقابسة السادسة والعشرون
في أن اليقظة التي لنا بالحس هي النوم
والحلم الذي لنا بالفعل هو اليقظة
سمعت أبا إسحق الصابي الكاتب يقول: رأيت ثابت بن قرة الحراني في المنام قاعداً على سرير في وسط دجلتنا هذه، وحوله ناس كثير، كأن
стр. 62
كل واحد منهم من قطر، وهم على خلق مختلفة، وهو يعظهم وينسبهم في خلال وعظه وكلامه، وحصلت عنه نكتة شريفة ذهبت مني في اليقظة وساءني ذلك. هذا وكنت أسرح تفكري كثيراً في الظفر بها والوقوع عليها، فلا يعود بطائل، فلما كان بعد دهر، وبعد اختلاف أحوال، ذكرت أنه قال: خذ يا إبراهيم ثمرة الفلسفة من هذه الكلمات الشافية التي هي خير لك من أهلك وولدك ومالك ورتبتك: اعلم أن اليقظة التي هي لنا بالحس هي النوم، والحلم الذي لنا بالفعل هو اليقظة، ولغلبة الحس علينا قد اتفقنا أن الأمر بخلاف هذا، وإلا فغلب العقل مكان الحس يتصدع لك الحق في هذا الحلم، فإذا وضح هذا فبالواجب أن ينبغي أن ينقص من الحس، وإن ظننا أن اليقظة من ناحيته، ويلتبس بالعقل وإن ظننا أن الحلم من ناحيته.
وكان أبو اسحق يقول: وهذه النكتة مقر وشيها، ولكن بقي أن تفهم منتفعاً بها، وتسمع على وجه التقبل لها، لا على معنى الاعتراض لها: الفلسفة هي لطائف العقل، فكل من لطف وصل إليها، ولطف الإنسان في طلبها هو تأتيه عند التفهم، وصبره عند الطلب، وشأنه على السيرة التي ندب إليها المشفقون الناصحون، فإن النفس تزكو عند ذلك، والصدر ينشرح، والخاطر يتوالى، فلا يبقى حينئذ باب إلا انفتح، ولا مشكل إلا وضح.
стр. 63
المقابسة السابعة والعشرون
في هل يقال الإنسان ذو نفس
كما يقال هو ذو ثوب ؟
سئل أبو سليمان: هل يجوز أن يقال: الإنسان ذو نفس، كما يقال هو ذو ثوب وذو مال؟ قال: أما على التحقيق فلا، وذلك أن الإنسان قد يكون ذا ثوب وذا مال، وقد لا يكون، ويستحيل أن يكون الإنسان إنساناً إلا وهو ذو نفس، إلا على السعة والمجاز.
قيل له: فهل تقول: إن النفس ذات إنسان؟ قال: لا، لأنها غنية عن الإضافة، ألا ترى أنه لا يقال إن الثوب ذو إنسان، وإن اليد ذات إنسان، كما يقال الإنسان ذو ثوب؟ وذويد؟ لأنه لا حاجة بالثوب إلى الإنسان، وإنما الحاجة بالإنسان إلى الثوب واليد.
ثم قال: واعلم أنه ينبغي أن يفهم من قولنا: الإنسان ذو نفس، أنه بالنفس إنسان، لأن الإنسان عرف بالنفس أنه إنسان. ومما يزيدك بياناً أنك إذا قلت: ذو نفس، فقد أضمرت في الإنسان نفساً في الأول، ثم ميزته بعد بقولك: ذو نفس. وهذا رجوع فيما أعطيت، ألا ترى أنك إذا قلت: الإنسان ذو ثوب، لم يتضمن الثوب في الإنسان، بل تميزه منه حتى تكون إشارتك إلى هذا غير إشارتك إلى هذا؟ فقد انكشف أن الإنسان لا يقال هو ذو نفس إلا على سعة وتجوز؛ ومما يزيدك أيضاً استبانة أن معنى الملك يستحيل في هذا الكلام، وقولك: الإنسان ذو ثوب، إيضاح للملك والملك غير المملوك، وليس الإنسان مع النفس، فإنه لا يملك النفس، بل النفس تملكه، ألا ترى أنها تصرفه وتكلفه وتستعمله وتستكمله؟ فأين معنى الملك الذي يقتضيه اللفظ في جميع نظائر هذا القول؟ والسلام.
стр. 64
المقابسة الثامنة والعشرون
في هل هنا غير المعقول والمحسوس ؟
قيل لأبي سليمان: هل ها هنا غير المعقول المحسوس؟
فقال: الترتيب في القسمة الصحيحة يضاعف هذا ويزيد عليه، وذلك أن لنا أشياء كثيرة في هذا الباب، أولها محسوس، ثم محسوس معقول، ثم معقول بحت، ثم معقول محسوس.
فأما المحسوس البحت، فما للبهيمة وما يجري في حكمها.
وأما المعقول المحض، فما للفلك بأسره.
وأما المحسوس المعقول، فما يتخيله الإنسان الذي لم يصف بعد.
وأما المعقول المحسوس، فما يدركه النظر بالبحث. وكلما أمعن في هذا بلغ إلى عالم الأجرام الناطقة الحية التي قد غنيت عن الحس بفضل ما لها من الفيض الدائم.
قيل له: فماذا يبلغ؟ قال: قد قلنا مراراً بأن تستنير نفسه بالمعارف الصحيحة، وتعتدل سيرته على الطريقة العقلية، وتطهر أخلاقه من الأوساخ الطينية، وتنفذ قوته في الأمور العالية.
قيل له: فلم استغنى في نهاية المعقول عن الحس، ولم يستغن في نهاية الحس عن العقل؟ فقال: لأن المعقول في نهايته حس، والحس يحتاج إلى ما ارتفع إليه، ولا بد من حس يبين به الخلق في العموم، ولا بد من عقل يوصل به إلى الباري على الخصوص. والحس رائد، ولكنه يرود لمن هو أعلى منه، والعقل
стр. 65
مستريد، لكنه يستريد ممن هو دونه، فوردت العلة في الأصل والفرع، اصل الوجود وفرع العدم مزاجه، انتهت الحال تامة إلى مالا يعرفه الجاهل عمى، ولا يدركه استحساراً، ولا يناله المترف كسلاً، والسلام.
المقابسة التاسعة والعشرين
في أن الفاعل الأول هو علة المحسوسات والمعقولات
سمعت النوشجاني يقول: قد وضح بالعبرة الصحيحة، والتصفح الشافي، والنظر البليغ، أن الفاعل الأول هو علة كل ما يرى ويوجد ويعقل ويحس لا قصد له في أفعاله، ولا غرض، ولا مراد، ولا اختيار، ولا روية، ولا توجه، ولاعزيمة، ولا معالجة، ولا مباشرة، ولا مزاولة، ولا محاولة فقال له بعض الحاضرين: لو أيدت هذا القول ببرهان ساطع، أو بدليل مقنع، كنت قد شيدت ما أسست، وقويت ما بنيت؟ فقال: إن هذه كلها دخلت أفعالنا لعجزنا وفسولتنا، وانحطاطنا وضعفنا وتهافتنا وتحولنا، وتبدلنا وسيلاننا، وجبرت مكاسر نابها، وتمت نواقصنا بمواصلتها، وانسدت مفاقرنا باستعمالها، فأما الباري الحق الذي هو واهب كل كامل كماله، وجابر كل ناقص نقصه، فهو علي عن الأغراض والعلل والمسالك.
قال له السائل: فكيف اتفقنا على أنه منعوت بالحكمة، وأفعاله على ما زعمت؟ وكيف يبان عن هذا ويتحقق حتى يخلص من خوائن اللحظ والقلوب، وسرائر اللفظ من الألسنة؟
стр. 66
فقال: لعمري إن في إيضاحه لصعوبة وعسراً، وإن كان العقل قد قضى بما قدمته، وعلى صعوبة ذلك فإني اولف على التقريب قولاً عسى أن يكون للسامع فيه رضى ومقنع، إن لم يكن فيه مرآى ومسمع.
ثم ابتدأ فقال: قد وجدنا في أفعالنا ما يبدر في بعض الزمان من غير قصد مفروض، ولا مراد متوجه، ويشتمل مع ذلك على النظم والإتقان والصواب، والإحكام، والمواءمة والسلامة، حتى نتعجب من أنفسنا غاية التعجب ونتهادى الحديث به، وليس منا أحد إلا وهو يجد هذا لنفسه من فعله، أعني البادر والخارج عن قصد متقدم، وعزم مستحكم، ورأى مثبت، ومقدمة مرتبة، وحتى يظن كثير منا أن ذلك انقلب بلا مؤامرة وانبجس بلا فكرة، وانبعث بلا روية، وتم بلا قصد، وحدث بلا تقدمة وعرض بلاعلة، وكأنه كالشيء الباين بنفسه، القائم بذاته، وعند اتفاق الأمر على التئامه وانتظامه، يكثر شكرنا لله وحمدنا إياه، فترى أنه كان صنعاً منه لنا، ولطفاً منه بنا، ويداً سبقت بالحسنى إلينا، ونعمة من الله تعالى توالت علينا، وقد تتصل ببعض أفعالنا وأعمالنا أيضاً بالقصد والغريزة والرأي والهمة والروية، وسائر مقدمات العقل وأوائله، ودواعيه وتوابعه، ومع ذلك تزل عن شرح النظام، وتعدل عن طريق التمام، وتحيد عن سنن الغاية، ونزول عن بلوغ الحد والنهاية؛ فالأول البادر منها منهاج لنا أن نعلم أن الفاعل الأول أحكم فعله ذلك الإحكام بل أجل منه أيضاً كثيراً وإنما ضربنا هذا المثل تمثيلاً، وأن الذي كان منا في الفينة بعد الفينة، والفرط بعد الفرط، هو الذي يكون منه على الديمومة والسرمدية على هيئة أشرف مما يعتاد ويستأنف، والثاني البادر منه أيضاً طريق لنا إلى أن نعلم نقصنا في كمالنا، وعجزنا في قدرتنا، لأن القدرة تخص، والرؤية تتقدم، والغرض ينتصب، والفعل يمكن، والتحليل يقع، ومع ذلك لا يتم الفعل ولا يصح المقصود. وفي البادر الأول يتم ذلك كله، وليس هناك داع قوي ولا ضعيف، ولا شيء
стр. 67
من مواجباته واه ولا حصيف؛ وبين هذين من البادرين محجة الأفعال بالاستطاعة والقدرة والقوة والتمكين والدواعي، لا يد فيها دافع، ولا يمتنع من الاعتراف بذلك ممتنع. فقد شهد العقل في مراتب هذه الأفعال بين ما بدر في الطرفين، ولين ما استمر بينهما، بأن الفاعل الأول يفعل ما يفعل بغير قصد ولا روية ولا اختيار ولا غرض، بشهادة ما بدر من الإنسان في وقت دون وقت، ولو تمت أفعال الإنسان أبداً بلا قصد ولا رؤية ولا غرض ولا إرادة وصار هذا البادر منه مألوفاً، كانت هذه القوى فيه فضلاً أو غبثاً؛ ولو كانت أيضاً تتم أبداً بها ومعها وعندها ومن أجلها، كان مضافاً إليها ومحمولاً عليها، غير موقظ في عرضها على أسراراها، ولا مدعو إلى البحث عنها، ولا منبه على اعتبارها واستتارها، فأعار الله هذا الإنسان هذه القوى إعارة وألبسه هذه الجلابيب إلباساً، وصرفه فيها تصريفاً، فإن يمر بها شيء فلأن المعوق حاش هذا الإنسان إلى الإذعان والطاعة.
قلت له، وقد بلغ بهذا الموضع بعد انبهار وجهد: ولم بدر من الإنسان ما بدر في الأول؟ قال: لأن فيه جنية آلهية، وجزءاً ربانياً، يتسق به ما يتسق، ومن أجله يتفق ما يتفق.
قلت: فلم بدر منه البادر الثاني؟ قال: لأن هيولاه عالية، وطينته سافلة، وصورته التي هو بها ما هو ممتزجة، ولا بد للهيولى من الانفعال الذي هو من شأنها، كما لا بد للصورة من الفعل الذي هو من شأنها، وكل متقدم منها فله أثر منها ظاهر إلى أن يغلب سلطان الصورة فيبطل حكم الانفعال، أو يغلب سلطان الهيولى فيبطل حكم الكمال. والترجح بين هذين هو الذي يسلك إلى الغاية التي يسعد بها وإلى النهاية التي يشقى بها. ونحن نسأل الله عصمة تقي ونعمة تزيد وتنمى
стр. 68
قد زال أبقاك الله عن سمعي وبصري وصدري كثير مما كان صلة لهذه الجملة والبقية كما تراها، ويصالحها العقل بالتحية والرحب، فيتلقاها إبالبشاشة والبشر، وليس يوصل إلى أعماق الفلسفة وعويص الحكمة الآلهية لا بالإشارة والإيماء، والرمز والإيماض.
المقابسة الثلاثون
في هل يقال أن الباري تعالى لا شيء ؟
قيل لأبي زكريا الصيمري بباب الطاق في الوراقين وأبو سليمان حاضر: بلغنا أنك لا تقول إن الباري شيء؟ وهذا مذهب كالشنع إن لم يكن كالمحال، والمعروف غيره عند كافة الناس؟
فقال: قولنا شيء، ليس باسم، ولا فعل ولا حرف، ولا نعت، ولا مصدر، ولا ظرف، ولا حال! ولست واجداً نصاباً يقر فيه، ولا منزعاً ينزع إليه، وإنما صار له مفهوم بحسب اتصاله بغيره، وانضمامه إلى ما يتم به، كقولك، هذا شيء إذا أضفت إلى نفسك. وهذا شيئك، إذا أضفت إلى مخاطبك. وهذا شيء فلان، على هذه الوتيرة المعترف بها. وأما قولك شيء على نكرته وأصله وتجرده، فليس يجلب فائدة ولا يحدث ثمرة ولا يوجب علماً. والنفس لا تأخذ منه معنى، والفهم لا يحلو منه بجملة، والحس ينفي عنه ضربة واحدة، فأما إن عرفتة بالألف واللام فقلت الشيء، فإنه لا يكون له أيضاً ثمرة حتى تتصل المعرفة المجتلبة إليه بغيره وتنكشف، اللهم إلا أن يكون بينك وبين صاحبك عهد بشيء من الأشياء، فحينئذ ذلك العهد يشير إلى غير ذلك الشيء الذي في نفسك، ويذكر عهدك به وعهده بك
стр. 69
ثم قال: فان قلت مستزيداً: لم لا يكون للأسماء؟ قيل: لأنه لا ينبغي أن يوجد شيء من الأشياء ثم يولى اسماً بأنه زيد أو نعتاً بأنه يسيل؛ أو حالاً بأنه قائم، وخاصة بأنه ضاحك، وسائر ما يتبع هذه الأوائل مما لا يحصى كثرة، وهو مشهور عند كل أحد. فإن سميت ما لم يوجد فذلك لأنك أعرته اسم آخر موجوداً. فإن قلت: فلم لا يكون نعتاً؟ قيل لك: لأنه قبل أن ينعت يكون شيئاً. وإنما النعت يقرره ويميزه ويحليه ويوضح عنه. فإن قلت: ومن أين كان هذا هكذا؟ قيل: لاشتمال قولك الشيء واحتوائه. ألا ترى أنك تطلقه على المعدوم، على تفاوت درجاته؛ كما تطلقه على الموجود، على تباين طبقاته؟ وتعين به ما في الحس تعيينا، كما تشير به إلى ما في العقل إشارة؟ وتستعمله فيما يفرضه فرضاً من غير حقيقة، كما تستعمله في ما هو موجود وله حقيقة؟ فلوقوعه على كل ما عدم ووجد، ويعدم ويوجد، ما وجب أن لا يطلق على من كان يعلو على كل شيء، وهو منبعث بكل شيء، ومعطي كل شيء ما على ما هو به من جسم وجوهر، ومحسوس ومعقول، ومفروض ومعلوم، ومشهود وموهوم، وبائد وثابت؟ وكنت سمعت الشيخ علي بن عيسى الرماني النحوي الصالح يقول: الشيء مصدر شاء يشاء شيئاً، كقولك جاء جيئاً، والمشية كالمجية، وإنما أعمل على ما ترى لتعلق ما نجد حساً وعقلاً وظناً ووهما. فالمشيئة ولاشيء بهذا المعنى بعض خصائص الاسم، وخرج به عن أصل المصدر. ولهذا أشباه.
وقال أبو سليمان في هذا المجلس، زائداً في هذه الفائدة: لا ينبغي أن يطلق على الباري موجود! قلنا: ولم؟ قال: لأن الموجود مقتض للواجد لا محالة، والواجد في صيغته مقتض
стр. 70
للموجود لا محالة، فالرباط قائم، والتعلق بين، والله تعالى يجل عن هذه الرتبة لأنه لا واجد له، ولو كان له واجد لكانت مرتبة الواجد فوق مرتبة الموجود بدلالة سائر الأسماء والصفات.
قلنا له: قد قيل: معبود ومحمود وموجود، وما ضارع ذلك؟ فقال: أما إذا تجوزت في الكلام، وتفسحت في العبارة، فكل هذا على باج واحد. وإنما الخصوصية للذين دققوا في التوحيد من هذه الجهات الغامضة والإشارات اللطيفة. على أن الذين أباحوا هذه الأسماء أعاروه إياها لأنهم نقلوها عن غيرها ونعتوه بها؛ وذلك غاية طاقتهم، ومبلغ علمهم، ونهاية جهدهم.
ثم قال: إن أطلق الموجود على أنه اسم فقط جاز؛ لأن الموجود في الأول إنما اقتضى الواجد وصار مضمناً به، لأنه التبس بالصفة. فأما إذا جرد اللفظ من معنى النعت واستعمل على مدرجة الأسماء لم يكن كبير تقصير إلا من وجه واحد، وهو أن هذا الاسم بعينه هو صفة في مكان آخر. فالشركة حاصلة ضرورة، والتوحيد مباين للشركة، كانت الشركة مجازاً أو إشارة أو تثبيتاً وحقيقة. وهذا كما تسمع. وما أزيدك استبصاراً وتعجباً منه واستغراباً له، وهو نمط ما سمعته من صنف من أصناف الناس، فإن سرك فاستفده. وإن سقط عليك فدعه لأهله فلست الغيار على هذا الخلق.
المقابسة الواحدة والثلاثون
في أنه لو اقتضت إرادة الباري عدم البعث والنشر
لما قدح ذلك في ألوهيته
سمعت مقداداً يقول: لو انتهى غرض من تقدس وعلا في الإنسان مع هيئته المعروفة وحليته المألوفة، إلى أن يموت ثم لا يكون له بعث ولا نشور،
стр. 71
ولا معاد ولا منقلب، لما كان ذلك قادحاً في آلهيته، ولا متحيفاً لطرف من أطراف حكمته، ولا معاند لما يليق بربوبيته؛ فكيف وقد نصب العلامات، وأحكم الشواهد والبينات، وأقام البرهان والآيات، على تحقيق المعد وحصول السعادة والشقاء، بحسب الصور الموجودة لواحد واحد؟ ثم قال: لو سألنا العقلاء بأسرهم، وسألنا أعقلهم فقلنا: ما تقول في بدنك إذا بطل بأسره ولم يبق منه شيء إلا العين التي من شأنها أن تبصر الأشياء؟ فإن جوابه لا يعدو أن يكون: إذا لم يكن بد من فناء جميع البدن بأجزائه فلأن تبقى العين وهي أشرف ما فيه، أو السمع وهو في الشرف بمكان خير من أن لا يبقى شيء ويبيد كله ويضمحل جميعه؟ قال: فيقال له: فكذلك النفس في بقائها بعد أن يصرخ عنها قشورها وتفارق مختارة لبوسها؟ قال: وإنما ضربت هذا المثل، وعرضت هذا التشبيه، لأنه قال لي قائل: ألإنسان لا يبقى فإذا لم يبق الإنسان فأية فائدة فيما يبقى منه أوله أو آخره؟ قال: وهذا لو ضرب المثل بمن له ولد، أعني لو قيل لا سبيل إلى بقائك بذاتك لأنك لا تحتمل ذلك بعنصرك ولكن يبقى بعدك ولدك الذي هو بضعة منك وفاضل عنك، لآثر بقاء ولده من بعده إيثاراً حسنا طيب النفس به، فإنه يرى أن ولده منه أو هو هو، لأنه يرى مصاصته وخلاصته وبصاصته وسلالته، ولا يكاد يفصل بينه وبين نفسه إلا بالشخص، والشخص فقط.
ثم قال موضحاً لما اتصل بصدد كلامه: إعلم أن الإنسان لا يبقى إنساناً لأن الإنسان إنما هو إنسان بحده المنطقي فإذا صفا مما كان به كدراً، وانبسط إلى ما كان عنه مركباً، وانتهى عما كان به محدوداً، وارتقى مما كان به هابطاً محظوظاً، وخلع الصورة الملابسة للحس، والغشاء اللاصق به من ظاهره، فإنه حينئذ يكون الباقي الذي كان مرة إنساناً، لأن الإنسان اسم للحد المعروف، أعني الحي الناطق المائت. فإذا ارتفع الحد ارتفع الاسم وحقت الحقيقة التي كانت النفس موجودة بها حاصلة. ألا ترى أن الإنسان إذا قدم فكره في
стр. 72
حالة خالية الأيام الماضية، قبل أن حوى حده، وملك صورته واقتنى به خاصته. ونوعه وفصله وجنسه وعرضه، ثم إنه كان على حال أخرى ولم يكن يحب من ذلك أن لا يكون في الثاني على هذه الجملة؛ فكذلك إن كان الآن على ما هو عليه، ثم تحول عنه إلى ما ليس الآن عليه، ليس ينبغي أن يكون منكراً مردوداً، متعجباً منه مجحوداً، لأن الذات باقية كما كانت في الأول، وإنما تخللت حجباً، وقطعت طرقاً، واستعملت أشكالاً، وأظهرت أحوالاً، واستكملت استكمالاً، ونالت شرفاً وعلوا وجلالاً.
المقابسة الثانية والثلاثون
في علة امتناع الرؤيا في المنام
سمعت عبيدة الكاتب يقول لأبي محمد العروضي وكان أبو محمد يتفلسف ولزم يحيى بن عدي دهراً أنا قليل الرؤيا، وقد ساءني هذا، وقد خلت أن ذا من عمى القلب؟ فقال أبو محمد: هذا يكون من أمرين مختلفي المرتبتين: أحد الأمرين كدر النفس بالجهل، وظلمتها بالغباوة، وامحاء صورتها بصدأ الدهر، وقلة اقتناء المعارف، وشدة انجرادها من الغير، وهذه حال دهماء العوام. وأما الآخر فهو أن تعلو النفس في مراتب المعارف وترتعي رياض العلم، فيصير حالها في الحلم قسيمة حالها في اليقظة، إلى الكهانة، حتى إذا حدس قرطس، وإذا ظن ظن، وإذا وهم هجم، وإذا اعتبر عبر، وربما تحولت إلى ما يرفد العقل فقط باستخراج الدقائق، وتأليف المقدمات، واستنباط النتائج والوصول إلى سواد الحق وبحبوحة الصواب؛ وربما صارت الحال مصارفة للحقائق بزوال الوسائط، أي من غير إعمال أداة وإحضار آلة.
стр. 73
قال: وهذه كبها من درجات النفس، تارة من ناحيتها بالبحث والتنقير والنظر والتقليب، وتارة بالوحي والإلهام، والإلقاء والسنوح، والموافقة والمصارفة، وما جرى في نظائر هذه المعاني، والتبس بما يكون شطراً لها، وهذه حال تقع أولاً في مزاج مهياً، وترتيب معدل، وطنية حرة. ثم يظهر ثانياً بتهذيب النفس، وتطهير الأخلاق، وتصفية الأعمال، وقمع الشهوات. وكل من كان قسطه من الحال الفلكية أوفر كان مصاره في الحال البشرية اظهر.
وهذا باب طويل الذيل مياس، وفيما وقع النص عليه، ووصلت الإشارة إليه، بلاغ لمن آثر رشده، وقصد حظه، وبذل سعيه، وأم غايته. وفقنا الله لما يجب واستعملنا فيما يرضى، أنه قريب مجيب.
المقابسة الثالثة والثلاثون
في الحركة والسكون وأيهما أقدم ؟
سئل أبو محمد العروضي مرة عن الحركة والسكون أيهما أقدم؟ فقال: أما عند الحس فالحركة أقدم، وأما عند العقل فالسكون أقدم. وبعد فالسكون عدم الحركة، وكل حس فقوامه بالحركة، وكل عقل فصورته بالسكون، ونظامه بالهدوء، وخاصته بالطمأنينة، وأثره بالقرار، وقوته بالنفس؛ وكأن من فيض العلة الأولى وجوده، لأن هذا النعت لكل ما دونه، فالاستعارة له بالواجب والحقيقة، والسكون عند العقل عدم الحس، والحركة عند الحس تأثير العقل.
وأطال إطالة شذ بها عني أكثر قوله.
وسمعت أبا سليمان يقول ما هو رفد لهذا القول وجار معه: فإن سكون العقل في نوع الحركة، وحركة الحس في نوع السكون، لأن حركة الحس
стр. 74
إلى الاضمحلال والنكول، وسكون العقل إلى الكمال والمحصول. وقال: إنما الحركة التي نعتقد لها ضداً، أعني السكون، هي الحركة التي للقفار وبلاد الحس، فأما الحركة لنوع السكون فلا ضد لها بوجه، لأن العقل كل بمعنى واحد، وواحد بمعنة كل. وله هذا باشتمال العلة الأولى عليه واقتباسه منها، وقد وضح أن السكون عدمها، فكيف يكون ههنا وجود؟ قيل له في هذا المكان: فالعالم ساكن أو متحرك؟ فقال: لو كان متحركاً الحركة المعروفة لقلق وارجح، ومال وتهافت، ولو كان ساكنا لبقي ذلك على حال، ولكنه متحرك حركة استداره، فلذلك ما يظن به السكون. وساكن لسكون قابل للفيض، فلذلك ما يظن به الحركة. فالتشوق حركة، ولكن عقلية. والدوام على التشوق سكون ما، ولكن عقلي، فكل ما قد فاض من العلة الأولى ويقبله المعلول الثاني، وهو موجود على مراتبه المتباينة ودرجاته المختلقة، بين الطرف الأدنى إلى الطرف الأقصى ومع ذلك فقد وقف الجميع تجاه كل متصفح، وقبالة كل باحث، فليس بذهب من جميع ذلك بشيء إلا بسوء الاختيار، وقلة الإقتداء بالأفضل الأخيار حفظك الله، ولو انتفعنا ببعض هذه الفقر الكريمة سعدنا ونلنا منيتنا، فسل ربك ذلك بالتضرع إليه، والخضوع بين يديه، مع العبادة الدائمة، والبحث اللطيف، والتؤدة المعتادة، والإحسان إلى البرية، فإنك تعطي بغيتك، وتبلغ غايتك، وتنول سعادتك، إن شاء الله تعالى.
المقابسة الرابعة والثلاثون
في أن الموجود على ضربين موجود بالحس وموجود بالعقل
سمعت البديهي يقول وكان صحب يحيى بن عدي دهراً، وهو حملني
стр. 75
بدعوته اللطيفة إلى مجلسه: من البين أن الموجود على ضربين: موجود بالحس وموجود بالعقل. ولكل واحد من هذين الموجودين وجود بحسب ما هو به موجود، إما حسي، وإما عقلي. فعلى هذا ألنفس لها عدم في أحد الموجودين، وهو الحسي. ولها وجود في القسم الآخر، وهو العقلي. وقد كان الدليل على هذه الحال حاضر في هذا العالم، وذلك أنها كانت تنقله وتستنبطه وتعقل وتستبطئ وتنظم المقدمات، وتدل على ينابيع المعلومات، وتعلو إلى غاية الغايات. وليس للحس معها شركة، ولا له عندها معونة ومادة، فكيف لا تكون النفس التي هي عنوان كتابتها، وصريح كنايتها، وفاضل عنايتها، بعد مفارقة القشور والحواجز، والحيطان والحواجب، والغواشي والملابس، عن الحس أغنى، وبجوهرها أعلى، وبخاصتها أسنى؟ وهذه الاشياء عنها أبعد، وعن شرفها أهبط؟ وهل هذه الشهادة إلا عادلة، وهذه البينة إلا مقبولة، وهذا الحكم إلا مرضي، وهذا المثال إلا بين؟ ثم قال: ولطائف الحكمة لا يصل إليها الحس الجافي، والغليظ الفدم، والجلف العبام، والهلباجة العلفوف، وإنما هي تعرض لمن صح ذهنه، واتسع فكره، ودق بحثه، ورق تصفحه، واستقامت عادته، واستنار عقله، وعلت همته، وخمد شره، وغلب خيره، وأصل رأيه، وجاد تميزه، وعذب بيانه، وقرب إتقانه. قيل له: هذا عزيز جداً الآن؟! واتباع في هذا الفن وتمطي، وحاز كل غاية وتخطى. ومحصولي من ذلك ما سمعته الآن، فسر نفعنا الله به، وحلانا بأزينه، وأسعدنا بقبوله.
следующие страницы →