Полный текст (260 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ولا معاد ولا منقلب، لما كان ذلك قادحاً في آلهيته، ولا متحيفاً لطرف من أطراف حكمته، ولا معاند لما يليق بربوبيته؛ فكيف وقد نصب العلامات، وأحكم الشواهد والبينات، وأقام البرهان والآيات، على تحقيق المعد وحصول السعادة والشقاء، بحسب الصور الموجودة لواحد واحد؟ ثم قال: لو سألنا العقلاء بأسرهم، وسألنا أعقلهم فقلنا: ما تقول في بدنك إذا بطل بأسره ولم يبق منه شيء إلا العين التي من شأنها أن تبصر الأشياء؟ فإن جوابه لا يعدو أن يكون: إذا لم يكن بد من فناء جميع البدن بأجزائه فلأن تبقى العين وهي أشرف ما فيه، أو السمع وهو في الشرف بمكان خير من أن لا يبقى شيء ويبيد كله ويضمحل جميعه؟ قال: فيقال له: فكذلك النفس في بقائها بعد أن يصرخ عنها قشورها وتفارق مختارة لبوسها؟ قال: وإنما ضربت هذا المثل، وعرضت هذا التشبيه، لأنه قال لي قائل: ألإنسان لا يبقى فإذا لم يبق الإنسان فأية فائدة فيما يبقى منه أوله أو آخره؟ قال: وهذا لو ضرب المثل بمن له ولد، أعني لو قيل لا سبيل إلى بقائك بذاتك لأنك لا تحتمل ذلك بعنصرك ولكن يبقى بعدك ولدك الذي هو بضعة منك وفاضل عنك، لآثر بقاء ولده من بعده إيثاراً حسنا طيب النفس به، فإنه يرى أن ولده منه أو هو هو، لأنه يرى مصاصته وخلاصته وبصاصته وسلالته، ولا يكاد يفصل بينه وبين نفسه إلا بالشخص، والشخص فقط.
ثم قال موضحاً لما اتصل بصدد كلامه: إعلم أن الإنسان لا يبقى إنساناً لأن الإنسان إنما هو إنسان بحده المنطقي فإذا صفا مما كان به كدراً، وانبسط إلى ما كان عنه مركباً، وانتهى عما كان به محدوداً، وارتقى مما كان به هابطاً محظوظاً، وخلع الصورة الملابسة للحس، والغشاء اللاصق به من ظاهره، فإنه حينئذ يكون الباقي الذي كان مرة إنساناً، لأن الإنسان اسم للحد المعروف، أعني الحي الناطق المائت. فإذا ارتفع الحد ارتفع الاسم وحقت الحقيقة التي كانت النفس موجودة بها حاصلة. ألا ترى أن الإنسان إذا قدم فكره في
стр. 72
حالة خالية الأيام الماضية، قبل أن حوى حده، وملك صورته واقتنى به خاصته. ونوعه وفصله وجنسه وعرضه، ثم إنه كان على حال أخرى ولم يكن يحب من ذلك أن لا يكون في الثاني على هذه الجملة؛ فكذلك إن كان الآن على ما هو عليه، ثم تحول عنه إلى ما ليس الآن عليه، ليس ينبغي أن يكون منكراً مردوداً، متعجباً منه مجحوداً، لأن الذات باقية كما كانت في الأول، وإنما تخللت حجباً، وقطعت طرقاً، واستعملت أشكالاً، وأظهرت أحوالاً، واستكملت استكمالاً، ونالت شرفاً وعلوا وجلالاً.
المقابسة الثانية والثلاثون
في علة امتناع الرؤيا في المنام
سمعت عبيدة الكاتب يقول لأبي محمد العروضي وكان أبو محمد يتفلسف ولزم يحيى بن عدي دهراً أنا قليل الرؤيا، وقد ساءني هذا، وقد خلت أن ذا من عمى القلب؟ فقال أبو محمد: هذا يكون من أمرين مختلفي المرتبتين: أحد الأمرين كدر النفس بالجهل، وظلمتها بالغباوة، وامحاء صورتها بصدأ الدهر، وقلة اقتناء المعارف، وشدة انجرادها من الغير، وهذه حال دهماء العوام. وأما الآخر فهو أن تعلو النفس في مراتب المعارف وترتعي رياض العلم، فيصير حالها في الحلم قسيمة حالها في اليقظة، إلى الكهانة، حتى إذا حدس قرطس، وإذا ظن ظن، وإذا وهم هجم، وإذا اعتبر عبر، وربما تحولت إلى ما يرفد العقل فقط باستخراج الدقائق، وتأليف المقدمات، واستنباط النتائج والوصول إلى سواد الحق وبحبوحة الصواب؛ وربما صارت الحال مصارفة للحقائق بزوال الوسائط، أي من غير إعمال أداة وإحضار آلة.
стр. 73
قال: وهذه كبها من درجات النفس، تارة من ناحيتها بالبحث والتنقير والنظر والتقليب، وتارة بالوحي والإلهام، والإلقاء والسنوح، والموافقة والمصارفة، وما جرى في نظائر هذه المعاني، والتبس بما يكون شطراً لها، وهذه حال تقع أولاً في مزاج مهياً، وترتيب معدل، وطنية حرة. ثم يظهر ثانياً بتهذيب النفس، وتطهير الأخلاق، وتصفية الأعمال، وقمع الشهوات. وكل من كان قسطه من الحال الفلكية أوفر كان مصاره في الحال البشرية اظهر.
وهذا باب طويل الذيل مياس، وفيما وقع النص عليه، ووصلت الإشارة إليه، بلاغ لمن آثر رشده، وقصد حظه، وبذل سعيه، وأم غايته. وفقنا الله لما يجب واستعملنا فيما يرضى، أنه قريب مجيب.
المقابسة الثالثة والثلاثون
في الحركة والسكون وأيهما أقدم ؟
سئل أبو محمد العروضي مرة عن الحركة والسكون أيهما أقدم؟ فقال: أما عند الحس فالحركة أقدم، وأما عند العقل فالسكون أقدم. وبعد فالسكون عدم الحركة، وكل حس فقوامه بالحركة، وكل عقل فصورته بالسكون، ونظامه بالهدوء، وخاصته بالطمأنينة، وأثره بالقرار، وقوته بالنفس؛ وكأن من فيض العلة الأولى وجوده، لأن هذا النعت لكل ما دونه، فالاستعارة له بالواجب والحقيقة، والسكون عند العقل عدم الحس، والحركة عند الحس تأثير العقل.
وأطال إطالة شذ بها عني أكثر قوله.
وسمعت أبا سليمان يقول ما هو رفد لهذا القول وجار معه: فإن سكون العقل في نوع الحركة، وحركة الحس في نوع السكون، لأن حركة الحس
стр. 74
إلى الاضمحلال والنكول، وسكون العقل إلى الكمال والمحصول. وقال: إنما الحركة التي نعتقد لها ضداً، أعني السكون، هي الحركة التي للقفار وبلاد الحس، فأما الحركة لنوع السكون فلا ضد لها بوجه، لأن العقل كل بمعنى واحد، وواحد بمعنة كل. وله هذا باشتمال العلة الأولى عليه واقتباسه منها، وقد وضح أن السكون عدمها، فكيف يكون ههنا وجود؟ قيل له في هذا المكان: فالعالم ساكن أو متحرك؟ فقال: لو كان متحركاً الحركة المعروفة لقلق وارجح، ومال وتهافت، ولو كان ساكنا لبقي ذلك على حال، ولكنه متحرك حركة استداره، فلذلك ما يظن به السكون. وساكن لسكون قابل للفيض، فلذلك ما يظن به الحركة. فالتشوق حركة، ولكن عقلية. والدوام على التشوق سكون ما، ولكن عقلي، فكل ما قد فاض من العلة الأولى ويقبله المعلول الثاني، وهو موجود على مراتبه المتباينة ودرجاته المختلقة، بين الطرف الأدنى إلى الطرف الأقصى ومع ذلك فقد وقف الجميع تجاه كل متصفح، وقبالة كل باحث، فليس بذهب من جميع ذلك بشيء إلا بسوء الاختيار، وقلة الإقتداء بالأفضل الأخيار حفظك الله، ولو انتفعنا ببعض هذه الفقر الكريمة سعدنا ونلنا منيتنا، فسل ربك ذلك بالتضرع إليه، والخضوع بين يديه، مع العبادة الدائمة، والبحث اللطيف، والتؤدة المعتادة، والإحسان إلى البرية، فإنك تعطي بغيتك، وتبلغ غايتك، وتنول سعادتك، إن شاء الله تعالى.
المقابسة الرابعة والثلاثون
في أن الموجود على ضربين موجود بالحس وموجود بالعقل
سمعت البديهي يقول وكان صحب يحيى بن عدي دهراً، وهو حملني
стр. 75
بدعوته اللطيفة إلى مجلسه: من البين أن الموجود على ضربين: موجود بالحس وموجود بالعقل. ولكل واحد من هذين الموجودين وجود بحسب ما هو به موجود، إما حسي، وإما عقلي. فعلى هذا ألنفس لها عدم في أحد الموجودين، وهو الحسي. ولها وجود في القسم الآخر، وهو العقلي. وقد كان الدليل على هذه الحال حاضر في هذا العالم، وذلك أنها كانت تنقله وتستنبطه وتعقل وتستبطئ وتنظم المقدمات، وتدل على ينابيع المعلومات، وتعلو إلى غاية الغايات. وليس للحس معها شركة، ولا له عندها معونة ومادة، فكيف لا تكون النفس التي هي عنوان كتابتها، وصريح كنايتها، وفاضل عنايتها، بعد مفارقة القشور والحواجز، والحيطان والحواجب، والغواشي والملابس، عن الحس أغنى، وبجوهرها أعلى، وبخاصتها أسنى؟ وهذه الاشياء عنها أبعد، وعن شرفها أهبط؟ وهل هذه الشهادة إلا عادلة، وهذه البينة إلا مقبولة، وهذا الحكم إلا مرضي، وهذا المثال إلا بين؟ ثم قال: ولطائف الحكمة لا يصل إليها الحس الجافي، والغليظ الفدم، والجلف العبام، والهلباجة العلفوف، وإنما هي تعرض لمن صح ذهنه، واتسع فكره، ودق بحثه، ورق تصفحه، واستقامت عادته، واستنار عقله، وعلت همته، وخمد شره، وغلب خيره، وأصل رأيه، وجاد تميزه، وعذب بيانه، وقرب إتقانه. قيل له: هذا عزيز جداً الآن؟! واتباع في هذا الفن وتمطي، وحاز كل غاية وتخطى. ومحصولي من ذلك ما سمعته الآن، فسر نفعنا الله به، وحلانا بأزينه، وأسعدنا بقبوله.
стр. 76
المقابسة الخامسة والثلاثون
في عجيب شأن أهل الجنة
وكيف لا يملون النعيم والأكل الخ
سمعت أبا إسحق النصيبي المتكلم وكان من غلمان جعل يقول: ما أعجب أمر أهل الجنة؟ قيل: وكيف؟ قال: لأنهم يبقون أبداً هناك لا عمل لهم إلا الأكل والشرب والنكاح؟! أما تضيق صدورهم؟! أما يكلون؟! أما يربؤن بأنفسهم عن هذه الحال الخسيسة التي هي مشاكلة لحال البهيمة؟! أما يربؤن بأنفسهم عن هذه الحال الخسيسة التي هي مشاكلة لحال البهيمة؟! أما يأنفون؟! أما يضجرون؟! وأخذ في هذا وشبهه يبوح مستعظماً؟! وكان يقول بتكافؤ الأدلة، ويجيب عن أكثر الناس ويفاتح فيه ابن الخليل ويناقله عليه، ولعمري إن من طلب طمأنينة النفس، ويقين القلب، ونعمة البال، بطريقة أصحاب الجدل وأهل البلاء، حل به هذا البلاء، وأحاط به هذا الشقاء. والكلام كله جدل ودفاع، وحيلة وإيهام، وتشبيه وتمويه، وترقيق وتزويق، ومخاتلة وتورية، وقشر بلا لب، وأرض بلا ريع، وطريق بلا منار، وإسناد بلا متن، وورق بلا ثمر، والمبتدئ فيه سفيه، والمتوسط شاك، والحاذق فيهم متهم؛ وفي الجملة آفته عظيمة، وفائدته قليلة. نعم، فا عدت على أبي سليمان قوله بنصه، وحكيت له شمائله فيه، فقال في الجواب: إنما غلب عليه هذا التعجب من جهة الحس لا من جهة شيء آخر، وهكذا كل ما فرض بالحس أو لحظ بالحس. لأنه قد صح أن شان الحس أن يورث الملال والكلال، ويحمل على الضجر والانقطاع، وعلى السآمة
стр. 77
والارتداع. وهذا منه في ذوي الإحساس ظاهر معروف، وقائم موجود وليس كذلك الأمر في امعاد إذا فرض من جهة العقل، لأن العقل، لا يعتريه الملل، ولا تصيبه الكلفة، ولا يمسه اللغوب، ولا يناله الصمت، ولا يتحيفه الضجر. وهكذا حكمه في الشاهد الحاضر، والعيان القاهر، لولا عقل النصيبي ونظرائه! ألم يعلم أنه كان في هذه الدار على شوبها وفسادها وكدرها وثبورها كان العقل لا يكل معقوله أبداً، ولا ينقضي منه أبد البتة، ولا يطلب الراحة عنه بوجه، بل كان العقل إذا وجد معقوله وتوحد به، صار هذا قد أحيي، لا يوجد بينهما بين بحال، فكيف إذا كان المنقلب إلى عالمه الصرف الذي لا حيلولة ولا تعير له، وهو الوجود الوجود المحض، والأمر الصرف، والشيء الذي كلما عرفته بالصفة بعد الصفة، كان عنها أعلى، وكلما أوضحته بالعبارة بعد العبارة كان عنها أخفى.
وأطال هذا الفصل وعلقت من جميعه قدر ما قررته في هذا المكان، ولعلك تجد به ما أكون منصوراً فيه عندك، غير ملوم على إساءتك، وفي الجملة القول في حصول النفس بعد خلع الحد الذي خص به الإنسان صعب، ولولا أمثلة توضح إيضاحاً يثق به الإنسان مرة بعد مرة لكان باب معرفة حالها قد أرتج، والطريق قد سد، وقد بين هذا كله بالبرهان المنطقي في مواضعه المعروفة، إن كانت الثقة تقع كذلك، فأما هذا المقدار فإنه جرى في عرض مقابسة هؤلاء المشايخ بينهم بالحديث والاسترسال، فليكن العذر فيه مقبولاً عندك بحسب الحال التي قلبت ظهرها لبطنها لك، مرة بعد أخرى، فهذا الولوع من بالاعتذار إحساس بالتقصير، أما من جهتي فلسوء الرواية، وأما من جهتك فلقلة الدراية، فأنا أسأل الله رب العالمين أن يفرغني لبلوغ غاية هذا الأمر بقية عمري، فإنها فيما إخال قليلة، وما يرجو المرء بعد الالتفات إلى خمسين حجة قد أضاع أكثرها، وقصر في باقيها؟ إذ أراد الله نجاة عبد تولاه بلطف من عنده.
стр. 78
المقابسة السادسة والثلاثون
في أن الحق الأول منبجس الأشياء ومنبعها
سمعت النوشجاني يقول: البارئ الحق الأول والأحد منبجس الأشياء كلها ومنبعها، عنه تفيض فيضاً، وفيه تغيض غيضاً، لا على حد اللفظ الذي يرسم في عن فصلاً، وفي في وصلاً، بل على حد العقل الذي بالشيء على الشيء من غير إثبات بينونة، ولا تأسيس كينونة، فإن الأشكال والحدود من الأقوال والأغراض منفية في ساحة الألهية، لكنها رسوم محركة للنفوس تحريكاً، وكلمات مقربات من الحق تقريباً، تبلغ بالسامع إلى ما وراء ذلك كله تبليغاً، وكلما كانت هذه الرسوم أتم وأحسن، والكلمات أبهى وأبين، كان التحريك ألطف، والإدراك أشرف. ولهذا ما يضرب عن بيان إلى بيان، ويؤثر كلام على كلام، ومثال هذا التحريك حاضر من الأشكال والخطوط والصور والنقوش.
ثم قال: الوحدة شائعة في جميعها، ومحيطة بها كلها، ومشتملة عليها بأسرها، فصارت على هذه الأشياء بالوحدة تتشاكل وتتكامل، وبالكثرة تتخالف وتتفاضل، فالمعنى بالتصفح المولع بالتعرف، قد يلوح له تارة كالمركز من المحيط، وتارة كالمحيط من المركز، وتارة كالدرة في النحر، أعني بهذه الفقر ملائماً بينهما، فافطن له. فإذا لحظ الأول فكأنه صادر مع الصوادر، وإذا الحظ الثاني فكأنه وارد مع الموارد، وإذا لحظ الحشو بين الطرفين فكأنه كل هذا وكل ذاك، ومن أجل الإحاطة الشائعة والاشتمال الأول ما انقسم المطلوب عند الطالب بين المحيط والمركز انقساماً مفروضاً
стр. 79
لا محقوقاً، فالنسبة على هذا واحدة، والوصلة ثابتة، ولكن القوابل مختلفة، والوجوه والأمكنة متباينة النواحي والأزمنة، فعلى هذا تختلف الفروع، والراجعة إلى الأصل المبدئ للفرع.
وهذا كلام غامض من وجه، ومن رجع إلى فطنة ربانية، وقريحة صافية، لحظ من هذا أكثر مما ضمنت العبارة، وأتت عليه الإشارة.
المقابسة السابعة والثلاثون
في أن الإنسانية أفق والإنسان متحرك إلى أفقه بالطبع
قال أر سطو طاليس فيما ترجم من كلامه عيسى بن زرعة المنطقي البغدادي أبو علي: الإنسانية أفق، والإنسان متحرك إلى أفقه بالطبع، ودائر على مركزه إلا إنه مرموق بطبيعته، ملحوظ بأخلاق بهيمية، ومن رفع عصاه عن نفسه وألقى حبله وسيب هواه في مرعاه ولم يضبط نفسه عما تدعو إليه بطبعه، وكان لبن العريكة لاتباع الشهوات الردية، فقد خرج عن أفقه وصار إلى أرذل من البهيمية لسوء إيثاره.
стр. 80
هذا آخر ما ترجمه من هذا الفصل، وهو كما ترى وعظ بحكمة، وإيقاظ برأفة، وتعليم بنصيحة، وإرشاد ببيان. لو روى هذا الحسن البصري ومنصور بن عمار وضرباؤهما ما زادا على ذلك، وقد اتفقت آراء الأوائل كلها على إصلاح السيرة، وتصحيح الاعتقاد، والسعي فيما أثمر وأجدى، والإعراض عن كل ما شغل البال وأثار الشهوة، لتبلغ النفس غايتها وتسعد في عاقبتها، ولا يكون لها عكس في هذا العالم، ولا تردد على ما قد خوف من ذلك كثير منهم، والسلام.
المقابسة الثامنة والثلاثون
في معنى قولهم العقل يحرم كذا ونطق بكذا
قلت لأبي علي هذا ما معنى قول القائل: العقل يحرم كيت وكيت، العقل نطق بكيت وكيت؟ فقال: معنى ذلك استحسانه الحسن واستقباحه القبيح، والاستحسان تحسين لك، والاستقباح تقبيح عليك، والتحسين إطلاق، والتقبيح حظر، وإنما كان هذا من العقل هداية لذي الطبيعة، لأنه يمر مع الأول، والطبيعة هي معنا من لدن خلقنا، فإذا استحكم سوء أدب ذي الطبيعة وطال انفسد حتى يصير كأنه بعض هذه البهائم في الجهل، أو بعض هذه السباع في التنزي والوثوب، وكان في الأصل محدوداً بالنطق، ويسر أمره، وأظهر مكنونه، وذلك كله تنبيه العقل وتحريكه، وتحسينه وتقبيحه، فمن
стр. 81
استجاب كف عرام طبيعته، وأمات هائج شهوته بالتدريج والترتيب، ليكونه ممن إصغاؤه إلى نصح العقل وهدايته أتم، ويكون استضاءته بنوره أشمل وأعم، فلهذا كان للعقل تحريم وتحليل، وحظر وإباحة، ومنع وإجازة، وكف وحث، وإطلاق وقيد، وحبس وبعث، لا على ما يظنه من لا خبرة له بالحقائق، ولا استجابة له عند داعي الرشد.
المقابسة التاسعة والثلاثون
في كيف يفعل العاقل اللبيب ما يندم عليه ؟
قيل لأبي سليمان: كيف يفعل العاقل اللبيب والحازم الأريب، ما يندم عليه؟ وكيف يقدم على ما يعقبه تبعة، ويأتي ما يأباه بعقله، ويكرهه بدينه، ويعافه بمروءته، وينكره بعادته، ويمنع منه غيره بنصيحته؟ هذا مع اختياره الذي هو إليه، واستطاعته التي هي حاصلة لديه، ومع عقله الذي هو كاللجام والزمام، والقاضي والإمام؟
فقال: الاختيار والاستطاعة، القوة والقدرة، والحزامة والعزيمة، والرأي والروية، والشهامة والصريمة، والتحصيل واليقظة، وكلما كان في قبيلها، وجارياً في حلبتها، ومشاكلاً لها، ونازعاً إليها، وداخلاً في حرمتها، ليست هي للإنسان على طريق الملك يصرفها كيف يشاء، ويقلبها كيف يريد، بل هي له من جهة التمليك، فلو كانت على جهة الملك ما زل زلة ولا ضل ضلة، ولا ندم ندامة لاذعة، ولا التزم مؤلمة موجعة، ولا زحم زحمة موحشة، ولا نكص على عقبيه متحيراً، ولا بقي منكساً مبهوراً، متى كانت عنده على وجه التمليك من مالكها، بقيت منها بقايا عند مالكها متى شاء تمام فعله أمده منها بما يتم له فعله، لئلا يظن ظان أن ذلك لاستقلاله
стр. 82
بنفسه، وكماله بقدرته، واستغنائه عن مملكته، بل يتم له شيء ليرتاح له ويشكر مقيضه لينيله بلاغه أم بانقطاع شيء آخر ليفزع إلى ربه ويلوذ به بمسألته، ويتبرأ من حوله وقوته، ومن علمه وبصيرته، ومن جلده ونجدته ومن أنفته وشيمته، ويلوذ بمن هو أولى به، ويستمد ممن هو أملك له، ويستأمر إلى من هو اقدر عليه، ويلقي مقاليده كلها إليه، ويطرح كله بين يديه؛ وهذا بيان في موجب الربوبية ومقتضى العبودية، لا ينكره إلا من لا يبالي الله به في أي واد هلك، وبأي ريح انتثر، وفي أي بحر غرق، وفي أي غثاء طاح.
قلت له: هذا كلام على الصالحين وأهل الديانة من أصحاب الشرائع.
قال: يا بني لا تعجب من هذا، فالأنبياء والأصفياء ومن دونهم يدندنون حول خلوص النفس في العاجلة، وخلاصها في الآجلة، والقول وإن اشتبه والإشارة وإن غمضت، فالمراد بين والمطلوب متيقن، وهل الحكمة إلا مولدة الديانة؟ وهل الديانة إلا متممة للحكمة؟ وهل الفلسفة إلا صورة النفس؟ وهل الديانة إلا سيرة النفس؟ وكنت قد حدثتني عن شيخكم الحضرمي الصوفي أنه قال: النقب كثيرة، والعروس واحدة. فقد ارتفع التناقض وسقط التنافي! وإنما قطعت هذا الأمر في طلب الحياة الدائمة التي لا شوب فيها من ألم، ولا عارض من أذى، ولا خوف من انقطاع.
стр. 83
المقابسة الأربعون
في أن العلم حياة الحي في حياته
والجهل موت الحي في حياته
قال أبو بكر الصيمري، لجماعة عنده ونحن في طاق الخواني في الوراقين وقد ذهب به القول في كل عروض، وجذبه إلى كل باب: العلم حياة الحي في حياته، والجهل موت الحي في حياته، فإذا كان الجاهل ميتاً في حياته فماذا ترى يكون بعد مماته؟ وإذا كان العلم حياة الحي في حياته فلا شك أنه يكون حياة له بعد وفاته.
ثم قال: العلوم الآلهية في السر لأنه بساط العمل الصالح، والحق المعتقد، والخلق الطاهر، والطاعة الحسنة، والراحة في المعاقبة، ومن عري من العلم ولزم العمل، كان كخابط عشواء، ما يفوته أكثر مما يجده، وما يفسده أكثر مما يصلحه؛ ومن لزم العلم وخلا من العمل، كان كلابس ثوبي زور. والعلم فنون، وأشرفه معرفة الحق الأول، والعلم قوام المعقول، والعمل قوام المحسوس، ولولا المحس لا ستغنى عن العمل، لأن العمل إنما هو رياضة النفسين اللتين تعاندان النفس الناطقة، أعني الشهوية والغاضبة، فأما العلم فهو كله في تقديس المعقول بالعقل والتشوق إليه، وطلب الاتصال به، والفرق في بحره، والوصول إلى وحدته، والعمل مقوم للقوى التي تريع كثيراً بالزيادة والنقصان، وبالخمود والهيجان؛ والعلم مبلغ إلى الغاية التي لا مطلوب ورائها، والعمل مهيئ لك نحو المسلك إلى سعادتك، والعلم مشرف بك على سعادتك، والعمل يوصل، والعلم وصول، والعمل حق عليك لا بد من أدائه، والعلم حق لك لا بد لك من اقتضائه والعلم كله نور
стр. 84
وأنواره ما أضاءك وسطع عليك وأسفر بك وجلاً عن حقيقتك، وتحلى بعقيدتك ونحي قشورك عنك، وأبرز لبك منك، وصقلك وصفاك وزينك، وأبهجك ونورك، واهلك لدرك حدك، وأحلك دار كرامتك وقرارك، وصار ألصق بك من شعارك ودثارك، هناك تبقى ولا تبلى، وتغنى ولا تضنى، هناك الواصل والموصول، والعالم والمعلوم، والعاقل والمعقول، في فضاء الوحدة، ومغاني القدس، وخطة الراحة، ومراد الطمأنينة، والجدة والثقة والسكينة، وعرصة آلهية لا تفرقه ولا تمييز، ولا كثرة ولا اختلاط، ولا تمازج ولا اختلاف؛ حال تجل عن إمارات الحال، وأمر يلطف عن رسوم الأمر، على هذا سكبت العبرات، وطالت الزفرات، أتظن أن الرقي في سلاليم المعرفة، والتناهي في غايات التوحيد، هين سهل، وقريب ممكن؟ هيهات أن يكون ذلك كذلك، ولكن لواحد بعد واحد، يخص به الواحد، في عالم بعد عالم، وفي دور بعد دور.
وكان كلامه أطول من هذا وأشفى، وهذا حاصل منه، والله أسأل تقبله والوفاء به والقيام عليه.
المقابسة الواحدة والأربعون
في أن المغمض من الحكماء يدرك ما لا يدركه المحدق من الدهماء
قال أبو الحسن العامري: إن المغمض من أرباب الحكمة يدرك بفكره
стр. 85
ما لا يدركه المحدق ببصره من غيرهم. وذلك أن الحس محطوط عن سماء العقل، والعقل مرفوع عن أرض الحس، فمجال الحس في كل ما ظهر بجسمه وعرضه، ومجال العقل في كل ما بطن بذاته وجوهره. والحس ضيق الفضاء قلق الجوهر، سيال العينن مستحيل الصورة، متبدل الاسم، متحول النعت. والعقل فسيح الجو، واسع الأرجاء، هادئ الجوهر، قار العين، واحد الصورة، ثابت الجسم، متناسب الحلية، صحيح الصفة. والفكر من خصائص النفس الناطقة. والنطق في النفس بتصفح العقل بنور ذاته، والحس رائد النفس بالوقوع على خصائصه. وكما قد صح أن الحس كثير الإحالة والاستحالة، فكذلك قد وضح أن العقل ثابت على ما له في كل حالة. والحس يفيدك ما يفيد في عرض الآلة التي أصلها المادة؛ والعقل يفيدك ما يفيد على هيئة محضة، لأنه نور.
قيل: لم! ألسنا نرى عاقلاً يتحول من معقول إلى معقول، وينتقل من رأي إلى رأي، وينصرف من معتقد إلى معتقد؟ فهل هذا إلا لأن السيلان الذي ادعى في الحس تدرب إليه وعمل فيه؟ وما هكذا يرى من اعتقد معتقداً بشهادة الحس! فإنه أثبت رأياً، وأرسخ يقيناً، وأظهر سكوناً، وعلى هذا: ألحس يفيد العلم الذي تسكن معه النفس. والعقل يفيد العلم الذي كأنه مظنون؟
فقال: هذا كلام من لم يرتض بحكمة القدماء، ولم يرتق عما عليه العامة والضعفاء؛ والأحساس حفظك أو من إليه من جهة النفس لا من العقل ولا من جهته، وليس لها حكم على شيء من أحواله إلا من جهة النطق النفسي، والذي يوضح هذا أن البهائم كلها ذوات إحساس قوية، وليس لها قضايا منها ولا نتائج بها، لأنها خادمة للقوة القاضية بالحق، الدالة على الصحة، المفضية إلى المقدمات، المستخرجة للثمرات، وإنما وقع لك هذا القول لأنك ظننت أن ما يعتقده كثير من الناس الذين يظنون بأنفسهم
стр. 86
أنهم خاصة من ناحية الحق؟ بل ليس الأمر كذلك؟ لأنهم يعتقدون أشياء ممزوجة مشوبة مختلطة كدرة يحكمون فيها أحلام العقل وسماء دره ومحايله، يأخذونها من أشباح الأمور وصفحات الأحوال وظواهر الأشياء، ولذلك ما يزولون عنها بشرعة، ويستوحشون منها عند كل شبهة، وليس كذلك الفلسفة، فإنها علم العلوم، وصناعة الصناعات، لا تعطيك في موضح الشك اليقين، ولا موضح الظن العلم، ولكها تعطيك في كل شيء ما هو خاصته وحقيقته، إن شكا فشكا، وإن يقيناً فيقيناً.
وسنصل بهذه المقابسة في الكتاب ما يكون بياناً وشاهداً بصحته، ولو أن هذه الأوراق اشتملت على نكتة ما فيها فقط، وكان ذلك لا ينكر أنه كاف في معناه، موف على أقصاه، لأن بحر هذا العلم عميق، وقيمته غالية، ولكنا وصلنا نكتة بنكتة، ومقابسة بمقابسة، تذكيراً للعالم، وتفريجاً للنفس، واستدعاء للنشاط، ودلالة علة مواضع السعة والغزارة، ولا تصل منها إلا وهو يوفي على كتاب ضخم إذا حويت على كل ما فيه وكل ما يتعلق به ويصرف فيه وشبهه، فإذا عتبت علي أبقاك الله في بعض التقصير فقارب وأقصد، فلم أضمن لك خلوص ما أقوله عن بعض الشوائب، وإنما عزوت ذلك كله إلى هؤلاء الأعلام الذين كانوا مذكورين في الوقت من غير أن استبددت بشيء عليهم، إلا بما لا بال به، ليحسن ظنك ويقل تعبك بها في تهجينهم، والله يعينك بلطفه، ويواصلك بتوفيقه، إنه قريب مجيب.
стр. 87
المقابسة الثانية والأربعون
في معرفة الله تعالى أضرورية هي أم استدلالية ؟
قيل لأبي الخير حدثنا عن معرفة الله تقدس وعلا، ضرورة هي أم استدلال؟ فإن المتكلمين في هذا اختلفوا اختلافاً شديداً، وتنابذوا عليه تنابذاً بعيداً، ونحب أن يحصل لنا جواب فيفسر على حد الاختصار مع البيان؟ فقال: هي ضرورة من ناحية العقل، واستدلال من ناحية الحس، ولما كان كل مطلوب من العلم إما أن يطلب بالعقل في المعقول، أو بالحس في المحسوس، قال: وهذا هو الشاهد والغائب. وساغ أن يظن مرة أن معرفة الله اكتساب واستدلال، لأن الحس يتصفح ويستقوي بموازرة العقل ومظاهرته وتحصيله، وأن يظن تارة أخرى أنها ضرورة. إن العقل السليم من الأفة، البريء من العاهة، يحث على الاعتراف بالله تقدس اسمه، ويحظر على صاحبه بجحده وإنكاره والتشكك فيه، لكن ضرورة لائقة بالعقل، لأن ضرورة العقل ليست كضرورة الحس، وذلك أن ضرورة الحس فيها جذب واختيار، وحمل وإكراه، فأما ضرورة العقل فهي لطيفة جداً لأنه يعظ ويلاطف وينصح ويحقق.
وكان بعض أصحابنا في الوراقين ببغداد يضرب في هذا مثلاً: زعم أن مثال الحس في هذا كامرأة حسناء متبرجة، ذات وقاحة وخلاعة، قد جلست إلى شاب طرير، له شطر جمالها، وعليه مسحة من حسنها، تخدعه بحديثها، وتراوده عن نفسه لنفسها، وتبدي له محاسنها، وتطمعه في تمكينه منها،
стр. 88
وتستعجله في حاجتها، وتحثه على قضاء اللذة والوطر منها؟ فأما مثال العقل فكأنه شيخ هم قاعد على بعد، ليس به نهضة للزحوف إليه والحيلولة بينه وبين ما نزل به من صاحبته الوقحة الفاضحة، إلا إنه مع ذلك يصيح ويتأوه وينادي بصوت يحرك رأسه ويبسط يده، ويعظ ويلطف، ويعد ويخوف، ويضمن ويرفق، ويشفق ويحنو، فأين تأثير هذا الشيخ الهم المحطم من تأثير هذه الخالبة الغالبة المحتالة المغتالة؟ هذا مع قلة إصغاء الشاب إلى الشيخ وسيلانه مع هذه.
وأراد بهذا المثل، الفرق بين العقل فيما يدعوك إليه لتسعد، والحس فيما يكلمك عليه لتشقى، هذا في جميع ما يزاوله ويحاوله ويهم به ويتوجه نحوه، فعلى هذا فإن الله تعالى وتقدس معروف عند العقل بالاضطرار، لا ريب عنده في وجوده، ومستدل عليه عند الحس، لأنه يستحيل كثيراً ولا يثبت أصلاً، فمن استدل ترقى من الجزئيات، ومن دعى الاضطرار إنحدر من الكليات، وكلا الطرفين قد وضح بهذا الاعتبار، وكفى مؤنة الخبط والإكثار، وهكذا كل شيء يطلب أصله وفصله بالنظر الفلسفي، والبحث المنطقي، والاقتراء الإلهي، فأما ما ينظر منه في الجدال فلا يرث الإنسان منه إلا الشك والمرية، والحسبان والظنة، والاختلاف والفرقة، والحمية والعصبية، وهناك للهوى ولادة وحضانة، وللباطل استلاء وجولة، وللحيرة ركود وإقامة، أخذ الله بأيدينا وكفانا الهوى الذي يؤذينا، وصنع لنا بالذي هو أولى به منا والسلام.
стр. 89
المقابسة الثالثة والأربعون
في أن الطبيب أخو المنجم وشبيهه
قال العامري: الطبيب أخو المنجم، ونظير له وشبيه الحال به، وذاك أن الطبيب قد يرسم بأنه حفظ الصحة بالتدبير المحمود، وأزال العلة بالرأي الصحيح. وكمال علم الطب أشرف من موضوعه، وموضوع علم النجوم أشرف من كماله. أو الصناعة محتملة للحيلة والزرق. كما أنها راجعة إلى الصحة والحذق، وقد يتفق في زرق الزارق صواب كبير، كما يعرض في حذق الحاذق خطأ يسير؛ وللحيرة بين هذين الإتفاقين مجال، وللمعترض عليها مقال، وفصل الحال بين الرجلين صعب، والخطب مشكل. وليس للمصيب بالزرق أن يجعل ذلك قاعدة وأساساً؛ ولا للمخطئ أن يقطع منه يأساً.
قال: وقفت هذه الصناعة هذا الموقف، وتدرجت هذا التدرج، لأن الله تقدس كما أراد بالعافية والبرء والسلامة والنجاة إنعاماً وامتناناً، كذلك أراد بالعلة والمرض واليأس اختباراً وامتحاناً، ثم أشاع الله العلم بالطب تعليلاً للطبيب بسبب رزقه منه، وتعليلاً للمريض بسبب تخفيفه عنه، فكلا الرجلين، أعني المعافى والعليل إلى غاية مضروبة، على أسباب محسوبة وغير محسوبة، ولو عافى الله ﵎ بالطب أبداً لا تخذ الناس الطبيب رباً، ولو لم ينفع بالطب أحداً لهجر الناس الطب هجراً، بل جعله علالة مرة مع إحصاء أيام العافية، وسبب العافية مرة مع التنبيه على موقع النعمة ولذع البلية.
قال: وما هذا مرده ومرجعه إلى أمر الدار وما أسست عليه. ودبر أهلها به، وصرف سكانها فيه، فمن لم يفتح بصره لم ير ما فوقه ولا ما تحته،
стр. 90
ولا ما عن يمينه، ولا ما عن يساره، كذلك للغيب سبحاً لم يطلع على سر هذا الشاهد، ومكنون هذا الجلي، وباطن هذا الظاهر، ومعقول هذا الذي تم عليه الحس، وخفي هذا الذي وقع عليه الحدس.
قال: والمرض والعافية في الأبدان بمنزلة الغنى والفقر في الأحوال، والغنى والفقر في الأحوال بمنزلة العلم والجهل في القلوب، والعلم والجهل في القلوب بمنزلة العمى والبصر في العيون، والعمى والبصر في العيون بمنزلة الشك واليقين في الصدور، والشك واليقين في الصدور بمنزلة الغش والنصح في المعاملات، والغش والنصح في المعاملات بمنزلة الطاعة والمعصية في الأعمال، والطاعة والمعصية في الأعمال بمنزلة الحق والباطل في المذاهب، والحق والباطل في المذاهب بمنزلة الخير والشر في الأفعال، والخير والشر في الأفعال بمنزلة الكراهة والمحبة في الطباع، والكراهة والمحبة في الطباع بمنزلة الهجر والوصل في العشرة، والهجر والوصل في العشرة بمنزلة الرداءة والجودة في الأشياء، والرداءة والجودة في الأشياء بمنزلة الصلاح والفساد في الأمور، والصلاح والفساد في الأمور بمنزلة الضعة والرفعة في المراتب، والضعة والرفعة في المراتب بمنزلة القبح والحسن في الصورة، والقبح الحسن في الصورة بمنزلة العي والفصاحة في الألسنة، والعي والفصاحة في الألسنة بمنزلة الأعوجاج والاستقامة في الأعضاء، والاعوجاج والاستقامة في الأعضاء بمنزلة الحياة والموت في الأجساد، والحياة والموت في الأجساد بمنزلة الشقاء والسعادة في العواقب. فما أحوج هذا الإنسان بعد قيام هذه الأمور إذاعته ومحله وصرفه إلى يقظة بها يكيس في معاشه، ومنها يقتبس لمعاده، ويقتنى ما يحمد ريعه وجدواه، ويجتنب ما يصير سبباً لشقائه في عقباه؟ فباب الخير مفتوح، وداعي الرشاد ملح، وخاطر الحزم معترض، ووصايا الأولين والآخرين قائمة، ومزاحمتهم موجودة، والخوف عارض،
стр. 91
والأمن مظنون، والسلامة متمناة. فماذا ينتظر المرء اللبيب بنفسه بعد هذه الآيات المتلوة، والأعلام المنصوبة، والحالات المنقلبة، والنعم المتقلبة، والأعمار القصيرة، والآمال الكاذبة؟ أما يتعظ! أما يعلم أنه من جنسه ومحمول على تدبيره، وأنه لا فكاك له مما لا بد من حلوله به، من انحلال تركيبه، واستحالة عنصره، وانتقاله إلى حال بسيطة إن خيراً فخير، وإن شراً فشر؟ بلى يعلم، ولكن علماً مدخولاً، ويعقل، ولكن عقلاً كليلاً، ويحس ولكن حساً عليلاً، كما قال الأول:
أشكو إلى الله جهلاً قد منيت به ... بل ليس جهلاً ولكن علم مفتون
واعلم أن الغرض كله من هذا الكتاب، وجميع ما اثبت عن هؤلاء الشيوخ، إنما هو في إيقاظ النفس، وتأييد ألعقل، وإصلاح السيرة، واعتياد الحسنة، ومجانبة السيئة. فاستصحب الغرض بالنية الجميلة فلعلك تؤهل للفلاحة والسعادة عند توزيع هذه الجملة المشتبكة، وانحلال هذه الحبائل المنعقدة.
المقابسة الربعة والأربعون
في معنى الإمكان وما قيل فيه
رأيت فضلاء من الفلاسفة، وهم الذين قد نوهت بأسمائهم مراراً يكثرون الخوض في معنى الإمكان، ويتداولون المسئلة والجواب فيه، وقد اقتبست منهم ما رسمته في هذا الكتاب، على طريقة قريبة وألفاظ معهودة، فأشركني في تقبل الفائدة إن كنت طالب فائدة، ولا تسبق إلى الاستحسان والاستقباح، والتخطئة والتصويب، قبل التفهم والتصفح، والتقليب والتنقير، فإنها مسئلة صعبة.
стр. 92
فمن ذلك قول القائل: زعم أن لا طبيعة للمكن وإنما هو موقوف على فرض الفارض، ووهم الواهم، ووضع الواضع، وظن الظان، وليس كالواجب الذي هو ثابت على وتيرة واحدة، وجديلة محدودة معلومة، والحد قائم الطبيعة، كالممتنع الذي هو أيضاً على هيئة واحدة، لا يرتقي صعداً ولا يتمايل سفلاً. والبرهان على ذلك أن الواجب لا يستحيل ممتنعاً البتة، لا بزمان ولا في مكان، بل لا ينحط الواجب إلى الإمكان، لا معقولاً ولا موهوماً ولا مفروضاً ولا مظنوناً، وكذلك لا يسمو الممتنع إلى الإمكان في حال من حالاته على ما سلف البيان عنه.
وقال آخر من هؤلاء الجلة: ما يؤيد هذه المضادة ويحققها ويوضح مشكلاً إن كان عرض منها، أنك إذا قلبت هذه الألفاظ الثلاثة وفحصت عن عناصرها، ورتبت معنى كل اسم منها، من جهة وزنه وترتيبه وصفته وخلقته، وجدت وجوهها المختلفة دالة على معانيها المختلفة، وذلك أنك إذا قلت: هذا واجب، وهذا الوزن وزن فاعل من جهة اللفظ؛ وإنما قلت من جهة اللفظ.
قال: لأن الفاعل من جهة المعنى مقتضى لمفعول، والواجب مثبت لنفسه عما يكون هو به مفعولاً، وعما يكون هو له فاعلاً، والفاعل من المضاف، وكذلك المفعول، ليس الكلام فيهما. وإذا اعترض من ناحية وزن الاسم وتبرأ من كل صفة موهومة هذا التبرؤ، ولقيامه بنفسه واستغنائه بجوهره وكماله بذاته، أعطى المؤنة الأولى والحد الأعلى. والممتنع إذا قلبت معناه من ناحية وزنه وجدت فيه معنى من معاني الانفعال ونظائره، فالبينة تشهد بذلك. وهذا نظر يستهلك نظر النحوي ويوفي عليه، لا بل فوقه في الشرف وإن كانت قوة النحو مقتصرة وشهادته مستعارة له، فكأنه قد استضاف فعلاً ما إلى نفسه، كما استضاف محتمل ومشتبه وملتبس ومقتصد، وتقرين
стр. 93
هذا لطيف إلى التقريب دوه ما طال وامتد، وكما استوفى الواجب الصورة بالكمال استيفاء وجود، انتفى الممتنع من الصورة في كل حال انتفاء عدم، فليس في الواجب من أجزاء العدم شيء، ولا في الممتنع من أجزاء الموجود شيء، وبالاضطرار لفظنا بآخر الممتنع. ثم إن الإمكان بعد هذا كله استعارة من الواجب شبها، واقتطع منه ظلاً، السعار أيضاً من الممتنع شبهاً، واسترق منه ظلاً. وذلك هو عدم ما. فصار من أجل الاستعارة والاستراق ينقسم إلى مراتب ثلاث: إلى الأكثر، والأقل، والأوسط.
فقال بعض من حضر هذه المقابسة: العجب أنه أخذ الشبه من اثنين وانقسم إلى ثلاثة؟! فقال له قائل في الجواب: إنه قد أخذ الشبه من الواجب في الأغلب، لقوة الواجب في صحة نفسه وثبات جوهره وصفاء عينه، وفي الأقل أخذ من الممتنع، وقوة الممتنع بإزاء قوة الواجب وضعاً وتمثيلاً، وقد تقاسمت القوتان الطرفين على تغايرهما، ألا ترى أن الكثرة من الموجود، والقلة من العدم؟ أعني أن صورة الوجود في الكثرة أظهر منها في العدم، والوجود بأسره في الوجود، والعدم في الامتناع، ونفي ما هو بهما أعني ما ائتلف من الشبه المأخوذ من الواجب، والشبه المأخوذ من الممتنع، لأنه إذا وفى ما قد استعاره من الشبه من الطرفين، وفي أيضاً ما له بالتوسط. واختلاف أبنية هذه الكلمات دليل بين وحجة واضحة على تفاوت ما بينها من الحقائق. فإذاً ألأمكان قد خلا من طبيعة يستقل بها، وعرى من صورة ينسب إليها، وعاد وحكمه حكم المركبات في الحس، والمفروضات بالوهم.
قال: ومما يزيد ما يمضي من القول وضوحاً أن الواجب لا يقف على إيجاب موجب في وجوبه، والممتنع لا يقف على منع مانع في امتناعه. فإن عرض في نفسك الواجب فاعلم أنه قد اقتضى شيئاً ولكنه الموجب، واستوفاه
стр. 94
ولم يفضل منه ما يقتضي شيئاً آخر، ولا بقي لضامنه ما يقتضيه شيء آخر. وهكذا المانع في قياد ذلك قد اقتضى الممنوع واستوفاه ولم يفضل منه ما يقتضي شيئاً آخر، ولا بقي منه أيضاً ما يقتضيه شيء آخر. وخرج حكم الممكن من الحكم الذي للواجب، والحكم الذي للممتنع، لأن الممكن كأنه الطالب لكانه والداعي لنفسه، فيكون مكاناً. وهذا كله لتقلقه في قضائة وقلة استقراره في بابه، لأنه عادم لحده وطبيعته، وإنما يغلب عليه تارة ما يغيره الواجب من نفسه وصورته، فيصير الإمكان القريب من الوجوب في الوسط، لا يظن به رفع إلى جانب، ولا انحراف لمكان الواجب عن الحقيقة، عن الكثرة والقلة والانقسام والعلة، وعن استعارة صورة عن ذي صورة. فصار الممكن المنقسم إلى الكثرة والقلة والوسط. لأن الكثرة والقلة قدران، وإذا بطل ما يكون ذا قدر بطل القدر.
ومما جرى بين هؤلاء الأفاضل في هذا الفصل ما يدخل في حاشية هذا الكلام الذي قد أعجزني عن أدائه على وجهه بالقسطاس المستقيم سوء التأتي فيما يحقق المراد ويحط ثقل الهم. وقول آخر: إن الواجب واجب أن يكون واجباً،، والممكن واجب أن يكون ممكنا، الممتنع واجب أن يكون ممتنعاً. فالوجب صورة الجميع، لأنه نعت للعلة الأولى. وأما الإمكان والامتناع فإنه يشار إليهما بعد الاعتراف بالوجوب الذي قد نفذ سلطانه فيهما وملكت سمته جملتهما واحتوت صفته عليهما. والواجب لطبيعته لم ينقسم، لأن الوحدة إلى الكثرة وتشعبت عما هي عليه في الحقيقة، وكذلك الممتنع، لأنه يكون في الطرف الآخر يعطي صورة الانتفاء من نفسه توقيراً لحد الواجب. ولا ضير أن يختصر لهذه الجملة مثال يكون كالوحي إلى الحق لئلا يطيح ما طال القول فيه وتتابع البحث عنه، وواجب ا، يكون الفاعل
стр. 95
قبل المفعول، وممتنع أن يكون المفعول قبل الفاعل، ويمكن أن فاعلان معاً في مكان، أو منفعلان معاً في زمان، وممكن أن لا يكون فاعلان معاً ولا منفعلان، بل يكون كل واحد منهما منفرداً عن فاعل آخر، وكل منفعل منفصلاً عن منفعل آخر. فهذا كما ترى. مثال آخر: واجب أن يكون الفلك محيطاً بالأرض، وممتنع أن يكون المركز محيطاً بالفلك، ومكن أن يركب الأمير غداً. فلو كان الإمكان حد غير معترف مما تقدم القول فيه، لكان لا يقف على الوضع والفرض والرسم والوهم والظن التخيل، ألا ترى أنك لو نسبت هذا الإمكان إلى الفلك لم يصح! أعني أنه يستحيل أن يقال ممكن عند الفلك وعند الله أن يركب زيد غداً، وفي الأول جاز عندنا ذلك لأنا قلناه تقديراً وتظنيناً ووضعاً وتوهماً! ولا فرض عند الفلك، ولا ظن ولا تقدير ولا توهم أيضاً عند الله، تقدس اسمه وتعالى جده.
وقال آخر من جلة القوم: ليس لشيء وجود ولا وجوب إلا الباري الحق، ولا حقيقة إذاً لشيء إلاله، لأنه هو الواجب، وكل ما عداه فإنما هو واجب به وممتنع به وممكن به، والودود الحق له. فكل وجود يرسم للممكن أو للممتنع فإنما هو بالاستعارة والتقريب والتحلية والتشبيه، فإذاً انسلخ كما عدى العلة الأولى من الوجوب ومن الوجود، إلا على قدر ما يبلغه الفيض ويصل إليه الجود، ويخلص ما هو بالحقيقة وبالتحقيق هو فيه.
هذا مبلغ حاصلي من قول هؤلاء المشايخ، وهم الذين نشرت لك حديثهم وذكرت أسماءهم، وذكرت على مقاماتهم مراراً في هذا الكتاب، وجل النظر في هذه المسئلة على ما انفرشت من الفلسفة الداخلة، أعني الآليهة المحضة. فلهذا ما أتفادى من زيادة لعلها تحط قدر المغزى الذي سلف القول فيه، وسقت المعنى عليه، والسلام.
стр. 96
المقابسة الخامسة والأربعون
في شيء من مذكرات المؤلف مع بعض الأطباء
ذاكرت طبيباً شاهدته بجند يسابور بشيء من العلم، فما أذكر تلك المذاكرة، وتلك المسئلة، وتلك الفائدة إلا سنح شخص ذلك الشخص وكان يكني أبا الطيب لعيني، وتمثل في وهمي وحتى كأني أراه قريباً معي، وحاضراً عندي! وطال عجبي من ذلك؟ فرأيت أبا سليمان في المنام فسألته عن الحالة التي قد شغلتني بالتعجب منها، والأمر الذي توالى على من أجلها؟ فقال لي في الجواب قولاً ميقظاً تما التأم من جملته في اليقظة ما أثار اسمه وحاكيه في هذا الموضع.
قال: أما تعلم أن المبدأ الأول والأصل والعلة مفتقر إليه بالطبع والضرورة، ومعترف به بالوجوب الذي ليس فيه مرية ولا شبهة؟! قلت: بلى.
قال: فالثاني مشعر أبداً بالأول، والأول مشعر بنفسه، والثاني مشعور به أيضاً، ولكن الأول، والأول مع هذا هو الثاني، والثاني هو الأول. ولكن اختلفت الرسوم ولم تختلف الحقائق. إلى ههنا يخلص لي ما تبينته، وهو ظاهر كما به قال: لما كان من صدور المذاكرة من جهته وتمت بمطاولته، وحصلت الفائدة بوساطته، إشتاقت النفس وتلبست بصورته، وجداناً منها للمبدأ، ونزاعاً نحو الأول، واستشعاراً للسكون معه، لأنها تعشق بالذات أبداً الأول، ويعشق كل أول للشبه القائمة فيه والشبه الموجودة به من الأول بالإطلاق، فكل مريد من كل ضرب طبيعي وإرادي وفكري وخلقي
стр. 97
صناعي وآلهي يحييها ويؤنسها وينفي وحشتها ويعللها، ويستعمل بذلك فوقها، إلى الأول الحق الذي هو أول بالإطلاق، واستكمالها ذلك الشوق هو استدامتها لحالها. وثباتها في صورتها، وطربها على ما حصل لها.
والكلام في الأول والمبدأ في كل ما ضرب فيه بسهم وانتهى إليه بوجه لا يمل ولا يمل ولا يشبع منه. ولولا أن بضاعتي في هذا الفن مزجاة، وعبارتي عنه منقطعة، لكان ما يعقل من ذلك ويستبان أبين مرأى وأحلى مسمعاً، وعلى كل حال فقد كتبت ما أمكن التصرف فيه والشغل به، والزيادة على ذلك تقتضي بجزيل القول على تقدير السؤال والجواب والتمثيل والإيضاح، فإن نفس الله الخناق قيلاً وأزاح هماً لازماً، وجمع شملاً منقطعاً، أتيت على ذلك متوسعاً أو أطمت عليه متلافياً، إن شاء الله تعالى.
المقابسة السادسة والأربعون
في أقسام الموجود
قال النوشجاني يوماً في جملة كلام اقتضبه في أقسام الموجود: إن كل صنف من أصناف الموجود في حكم المعدوم لخساسته ونقصه وتهافته وفساد طبيعته، وطموس ضيائه، وقبح صورته، وإمحاء بهجته، وخمود شعاعه، وفقد تمامه، وتقطع نظامه، واستيلاء رذيلته، وبطلان فضيلته، فلا ينكر أن يكون في مقابلة صنف آخر من المعدوم في حكم الموجود بصحة صورته، ونفاسة جوهره، وكمال فضيلته، وظاهر عفته ونجدته، وبهاء همته، وغلبة عدالته، ونقاء سنخه، وصفاء سوسه، وطهارة عينه، وظاهر زينته، دوام نضرته، وتناسب جملته وتفصيله، وسائر ما لا يحيط القول به.
стр. 98
قال: والإشارة في هذين الفصلين بينة مكشوفة، ومتى لم تقف عليها من تلقاء نفسك بضياء عقلك وذكاء قريحتك، فصل إليها من جهة أرباب الحمة وأعلام الفلسفة، فإنك متى جربت هذه الأعراض، وتخللت هذه المعارف، وثبت على سمة العدل، تكنفتك الخيرات عاجلاً، والسعادات آجلاً، فتكون حينئذ موجوداً وإن عدمت، وباقياً وإن فنيت، وحاصلاً وإن فقدت، وثابتاً وإن نفيت، ومغبوطاً وإن رجمت، وحياً وإن مت، وظاهراً وإن بطنت، وجليلاً وإن خفيت، وواضحاً وإن أشكلت، وشاهداً وإن غبت، وقادراً وإن عجزت، ومعروفاً وإن أنكرت، وعالماً وإن جهلت؛ هناك تصل إلى غنى بلا قنية، وتنطق بلا عبارة، وتفعل بلا آلة، وتصيب بلا مشورة، وتعقل بلا مقدمة، وتبقى بلا آفة، وتلتذ بلا استحالة، وتنال بلا كدح، وتحيا بلا أذية، وتسعد بلا شؤم؛ آلهية ورثتها من البشرية، وربوبية وصلت إليها من العبودية، ومملكة استوليت عليها بالإنسية، وحال جلت عن رقم قلم وتزويق حبر، واستقصاء بيان، وتخيل وهم.
ثم قال: وقد مر الكلام فيما تقدم عن حال الإنسان في وجوده الثاني عن السعادة التي حصلت له، والحبور الذي ظفر به.
قال: وإنما تلطف هذا القول عليك لأنك تنظر إلى هذا الإنسان من قبل وهو في أستار الحس، وحد الجسم، وقشور البدن، وتحلل التركيب، وتصرف الطبيعة، وسيلان الطين، وذوبان العنصر. هذا مع سوء الاختيار، وفساد العقيدة، وقلة إيثار العفة والنجدة، والأخذ بالرخصة بعد الرخصة في مساعدة الشهوة، وتسلط الإرادات المردية المهلكة! ومتى يكون لهذا مرجوع وثمرة وفايدة؟ ولعمري لو قدس نفسه، وباين هواه، واختار الحق معتقداً، وآثر الخير مجتهداً، ونال من ضرورات الطبيعة مقتصداً، لانتعشت روحه، واستنار عقله، وذكت بصيرته، وصفت قريحته،
стр. 99
وصدق ظنه، ووضح حدسه، وأصابت فراسته، وكان التوفيق قائده، والسعادة غانيته، والغبطة حليته، والبقاء حليفه، والأبد نعته. وما أسهل هذا الوصف؟ على ما أقول، وعليك بالسماع، وما أصعبه علينا جميعاً بالعقل! وكيف لا يكون ذلك صعباً، والإنسان منوط بالطبيعة من طرف، ومضاف إلى العقل من طرف؟ فبالطبيعة يفزع إلى ما هو فساده وهلاكه، وبالعقل يختار ما هو صلاحه وكماله، لكن اختياره ضعيف فيه، لأنه عال في أفق العقل الذي هو موجب الواجب ومحسن الحسن، وإرادته الطبيعة قوية فيه، لأنها ناشئة منه، وكامنة فيه، ومترددة عليه، والنقص على الجمهور في كل حال وأمر. وأن العجب كل العجب ممن يكمل في دار النقص، أو يصح في عرصة العلل، أو يسلم في خطة البلوى، أو يلذ الصاب والعلقم، ويغفل عن غائلتهما وينعم؟!
وكان بعض الألهيين يقول: الإحسان من الإنسان زلة، والجميل منه فلتة، والعدل منه غريب، والعفة فيه عرض ضعيف. ومما يزيدك ثقة بما يصرف من القول به نقص هذا الإنسان الذي قد اكتنفه الفساد من كل جهة، وملكه الجهل بكل حال، أنا وجدنا في هذه الأيام من نظر إلى واد أغن بالكلأ قد استحلست الأرض به خضرة وندى وحسناً، فخف حين خالف عينه في أطرافه وبلغ به العجب إلى أن قال: ليتني كنت بقرة فكنت آكل من هذا كله أكلاً ذريعاً، وهكذا من أعلاه إلى أسفله، ومن أسفله إلى أعلاه. وكان يقول هذا وهو على شكل ظريف، لا سبيل للعلم إلى تقريره وإلى أدائه على وجهه وحقيقته، واللسان أيضاً لا يأتي على خواصه ومعانيه، وهو متحسر في قوله، على هيئة المجنون، لغلبة الإرادة الطبيعية، وقوة الحركة الحيوانية، وموت العقل الإنساني، وبطلان الشرف الجوهري فلما فشا عنه هذا الحديث وكثر، قال له بعض الفقهاء معنفاً ولائماً ومنبهاً له على خساسته: يا هذا، هل رأيت قط من تمنى وهو إنسان أن يكون بقرة
стр. 100
بسبب مكان معشب وكلأ كثير؟! فقال له مجيباً، وهو وادع النفس رخي البال، حاضر الفكر ساكن الطباع: أيها الشيخ، لو رأيت بعينك ما رأيته لتمنيت أن تكون كما تمنيت. وهذا يدل على أن الذي أثار شهوته في ذلك المكان لم يكن جوعاً قد توالى، ولا نهمة قد غلبت، بل كان نذالة النفس ولؤم الطباع، وسقوط الجوهر، وغباوة الروح، وقلة العقل.
فهل تظن حفظك الله بعد هذا بمن هذا حديثه وجملته وتفصيله، أن ينتعش من صرعته، أو يستبصر في شأنه، أو يهتدي لسعادته، أو يلتفت إلى معاده؟ وهل بين هذا وبين الحمار الذي هو حيوان نهاق فرق؟ بل قد سمعت بمن قال إن الحمار خير من هذا بكثير، لأن الحمار لازم لحده غير منحرف إلى ما ليس في قوته، وهذا قد بطل حده بإدارته، وجمع النقص كله لنفسه بقبح شهوته وفساد أمنيته. على أني شاهدت قبل هذا إنساناً متماسكاً وكان له حظ من التجربة بالسنن العالية والسفر البعيد، وكان متميزاً بمذاهب الصوفية، يقول يوماً، وقد أبصر حماراً يمشي: ليتني كنت هذا الحمار! فعجبت منه فضل عجب، وانكشف لي أنه إنما تمنى ذلك ليكون ناجياً من قلائده ومؤنة ما هو بعرضه وصدده عاجلاً، وما هو مأخوذ به، ومخوف منه ومعد له آجلاً، فكان عذر هذا عندي أخرج من كل الجهل، وأدخل في بعض الوهم. وإنما هجس هذا في ضميره وجاش على لسانه وافصح بذكره والتشدد فيه، لأنه كان جاهلاً بالجوهر الذي هو أشرف من الإنسان بحده الخالص من كل شوب، فنزل عن تلك الربوة العالية والذروة الشماء، أعني الجواهر العلوية الأبدية، وتمنى أن يكون حيواناً هو أخس من الإنسان عند كل إنسان، إلا إنه يحتاج في تسليم هذا ومعرفته إلى مقدمتين ونتيجة، بل العلم به أول والتسليم له ضرورة، لا لشيء إلا ليتخلص من عوارض الدنيا وكلف الحياة وضروات الطبيعة ومطالب الحواس، ولو أدرك بقوته شيئاً وعقله وحكم به، لصمد نحوه، وطلب الانتساب إليه، والإشراف
стр. 101
عليه، والنظام فيه، والتمام به، والبقاء معه. ولم يعد ناكصاً على عقبيه متمنياً لأن يكون على هيئة شيء هو الآن بنفسه أشرف نفساً وأكمل وزناً وأبقى شخصاً وأكرم جوهراً.
وأواصل هذا الفصل بحديث آخر دفعنا إليه في هذه الأيام لتكون هذه المقابسة مستوفاة، ولعلك لا تخلو فيه أيضاً من فائدة تكون رفداً لما سبق وإيقاظاً لنفسك في المستقبل، ترى الإنسان يبصر فيها، بل هي عيونه التي يرى فيها، بل هي حقوله التي يستثمرها، ونواضحه التي إذا نيل منها عرف كيف المعرس والمسرى وكيف الصبح إذا بدا وانجلى، وأبصر بين يديه كلما دب ودرج ونشأ.
شاهدنا في هذه الأيام شيخاً من أهل العلم ساءت حاله، وضاق رزقه واشتد نفور الناس عنه، ومقت معارفه له، فلما توالى هذا عليه دخل يوماً منزله ومد حبلاً إلى سقف البيت واختنق به، وكانت نفسه في ذلك. فلما عرفنا حاله جزعنا وتوجعنا وتناقلنا حديثه وتصرفنا فيه كل متصرف فقال بعض الحاضرين: لله دره! لقد عمل عمل الرجال! نعم ما أتاه واختاره! هذا يدل على عزازة النفس وكبر الهمة! لقد خلص نفسه من شقاء كان طال به، وحال كان ممقوتاً فيه مهجوراً من أجله، مع فاقة شديدة، وإضاقة متصلة، ووجه كلما أمه أعرض عنه، وباب كلما قصده أغلق دونه، وصديق إذا سأله اعتل عليه؟! فقيل لهذا العاذر: إن كان قد تخلص من هذا الذي وصفت على أنه لم يوقع نفسه في شقاء أخر، أعظم مما كان فيه وأهول، وأدوم وأبقى، فلعمري نعم ما عمل؟ لله أبوه ما أحسن ما اهتدى إليه وقوي عليه؟! وينبغي لكل عاقل أن يدفع إلى ما دفع إليه، ويقتدي به ويصير إلى رأيه واختياره؟ وإن كان قد سمع بلسان الشريعة أي شريعة شئت، القديمة والحديثة - النهى عن هذا وأشباهه، فقد أتى بما عجل الله به العقوبة والعار، وأجرى عليه عذاب النار. سبحان الله! أما كان يسمع من كل عاقل ولبيب، وعالم وأديب، ومن كل من يرجع إلى
стр. 102
مسكه، ويعرف أدنى فضيلة دع من يرجع إلى قوله وينتهي إلى صواب أمره، ويتهادى فنون سيرته وحاله النهي عن مثله والزجر عن ركوب ما هو دونه بكثير؟! فكيف لم يتهم نفسه، ولم يتعقب رأيه، ولم يشاور نصيحاً له! أهذا كله بسبب حال لو أنها كانت تنكشف عنه بما يتمنى بعد انحسارها إلى كثير مما ينسى معه القاسي؟ وقد علم أن أدنى ما في هذا الفعل المكروه بالعقل، الفاحش بالسماع، المقشعر منه بالطبع، ما يجب عليه التوقي بسبب ما قد انتشر بالشرائع وأجمع عليه الأول والآخر من كل جيل وطرف، في النهي عنه واستسقاط ما أقدم عليه؟ لأنه أمر متى ركب بالظن والتوهم للذين لم يؤيدا ببصيرة من عقل ولا عرضاً على عاقل، ثم استبان له في الثاني عوار ما آثره وخطأ ما عمل به، فاته التلافي ولم يمكنه الاستدراك ولا الرجوع! فلو لم يكن في هذه إلا ما يوجب عليه الشغل والاستبصار من أجل ما قاله العقل أو ورد به الإنباء بالعقل والوحي، لوجب أن لا يلقي بيده إلى التهلكة، ولا يختار ما يهجنه عليه أهل الروية والبديهة وأصحاب الديانة والمروءة، ولا ينقض العادة القائمة، ولا يخالف الآراء الحصيفة، ولا يستبدل برأي الطبيعة؟ فكيف وقد قضى العقل قضاء جزماً، وأوجب النظر إيجاباً حتماً، أنه لا يجب أن يفرق الإنسان بين هذه الأجزاء الملتحمة والأعضاء الملتئمة، وليس هو رابطها ولا هو على الحقيقة مالكها، بل هو ساكن في هذا الهيكل لمن أسكنه فيه وجعل عليه أجرة السكنى بعمارة المسكن وحفظه وتنقيته وإصلاحه وتصريفه على ما يعينه على طلب السعادة في العاجل والآجل؟! وكان سعيه مقصوراً على التزود إلى مبوأ صدق، ولا بد له من المصير إليه والمقام فيه، على أمر شامل، وخير غامر، وراحة متصلة، وغبطة دائمة، وحبور مستصحب. يث لا آفة ولا حاجة، ولا أذى ولا حسرة ولا أسف، ولا كمد، ولا فوت ولا تعذر. وهذا مع السيرة المرضية
стр. 103
وإيثار الأخلاق السنية، ومع اعتقاد الحق، وبث الصدق والإحسان إلى جميع الخلق. فأما إذا كانت الحال على خلاف هذا، فالشقاء الذي يتردد فيه وينعقد به، ويدفع إليه، يكون في وزن ذلك ومقابله.
نسأل الله الذي بيده ملكوت كل شيء أن يهدينا للتي هي أرشد في العاجلة وأسعد في العاقبة، فإنا إن خلونا من صنعه اللطيف، وبره المألوف، هلكنا وخسرنا أنفسنا، وعدنا في الثاني شر معاد، مع طول حسرة وشدة أسف.
اللهم فارحم ضعفنا واشملنا بإحسانك وتوفيقك حتى نتوجه إليك قاصدين، ونفوض أمرنا إلى تدبيرك راضين، ونتوكل عليك منيبين، ونصير إلى جوارك مشتاقين مخلصين يا رب العالمين.
قد تضمنت هذه المقابسة فنوناً من القول، وما أظن أني أسلم فيها عليك لشدة نظرك وتقليبك، ومع ذلك فهي غير خالية من بعض الفائدة وأنا أسألك أن تقبلها على تخيلها، وتهب بعضها بعضاً لتكون آخذاً بحكم المروة جارياً على هدى ذوي الفضل في حسن الإغماض عن شيء لعله يختل منه بعض الاختلال، ولا ينال من الصواب كل المنال، وأنت تفعل ذلك إيجاباً لحق أخيك، وذهاباً مع أحسن أخلاقك التي هي فيك.
стр. 104
المقابسة السابعة والأربعون
في أن العقل مع شرفه وعلو مكانه لا يخلو من انفعال
قيل لأبي سليمان بأي شيء تعرف أن في العقل مع شرفه وعلو مكانه انفعالاً؟ فقال: باستحسانه واسقباحه. لأن هذين انفعالين، ولكنهما انفعالان على طريق الاستحاله؛ وكأنه يدور على نفسه أو يقتبس من الذي هو أعلى منه، ويثب عما دونه ويشنع عليه، فهذا يوهم بالانفعال على جهة التقريب، لأن مرتبة هذا الانفعال فوق مرتبة كل فعل مما هو دون العقل. ومما يزيدك استبانة لهذا المعنى واستقامة إليه، أن هذا الانفعال هو الانفعال الأول الذي ليس فوقه انفعال البتة فالحق أن الأولية نسبة إلى الفاعل الأول الذي لا فاعل فوقه البتة. وكما هبط الانفعال في المنفعل بعد بعد المنفعل حسن وبعد عن ذلك الشرف الذي كان بالنسبة الأولى كالفعل الذي كلما هبط أيضاً في الفاعل بعد الفاعل يحسن ويبعد من شرف الفاعل الأول بالإطلاق الذي هو علة كل ما هو علة له. فأنت إذا اعتبرت فاعلاً بعد تفاعل حتى تنتهي من عندك إلى الدرجة القصوى، مررت بأقسام الفاعلين ومراتبهم أيضاً، كذلك إذا اعتبرت أيضاً منفعلاً بعد منفعل حتى تنتهي من هناك إلى ناحيتك الدنيا، مررت بأقسام المنفعلين. وهذه أمور بينة أتم بيان وثابتة على أكمل بهجة وأفضل رابة، لا يتخللها خلل بوجه ولا سبب إلا ما يخيل منها الحس الكذوب الذي لا يوثق بقضائه، ولا يسكن إلى حكمه فأما التصفح العقلي فقد أتى على هذه كلها بما أهدى إلى النفس من السكون ونفى عن حقائقها الظنون، والسلام.
стр. 105
المقابسة الثامنة والأربعون
في الفرق بين طريقة المتكلمين وطريقة الفلاسفة
قلت لأبي سليمان: ما الفرق بين طريقة المتكلمين وبين طريقة الفلاسفة؟ فقال: ما هو ظاهر لكل ذي تمييز وعقل وفهم، طريقتهم يعني المتكلمين مؤسسة على مكايل اللفظ باللفظ، وموازنة الشيء إما بشهادة من العقل مدخولة، وإما بغير شهادة منه البتة. والاعتماد على الجدل، وعلى ما يسبق إلى الحس أو يحكم به العيان، أو على ما يسنح به الخاطر المركب من الحس والوهم والتخليل مع الإلف والعادة والمنشأ وسائر الأعراض التي يطول إحصاؤها ويشق الإتيان عليها، وكل ذلك يتعلق بالمغالطة والتدافع وإسكات الخصم بما اتفق، وإتمام القول الذي لا محصول فيه ولا مرجوع له، مع بوادر لا تليق بالعلم، ومع سوء أدب كثير؛ نعم ومع قلة تأله، وسوء ديانة، وفساد دخلة، ورفض الورع بجملته. والفلسفة أدام الله توفيقك، محدودة بحدود ستة، كلها تدلك على أنها بحث عن جميع ما في العالم مما ظهر للعين، وبطن للعقل، ومركب بينهما، ومائل إلى حد طرفيهما، على ما هو عليه. واستفادة اعتبار الحق من جملته وتفصيله، ومسموعه ومرئيه، وموجوده ومعدومه، من غير هوى يمال به على العقل، ولا إلف يفتقر معه إلى جناية التقليد. مع إحكام العقل الاختياري، وترتيب العقل الطبيعي، وتحصيل ما ند وانقلب من غير أن يكون أوائل ذلك موجودة حسا وعياناً، وكانت محققة عقلاً وبياناً، ومع أخلاق آلهية، واختيارات علوية، وسياسات عقلية. ومع أشياء كثير ذكرها وتعدادها، ولا يبلغ أقصى ما لها من حقها في شرفها.
стр. 106
ثم قال: وكان شيخنا يحيى بن عدي يقول: إني لأعجب كثيراً من قول أصحابنا إذا ضمنا وإياهم مجلس: نحن المتكلمون، ونحن أرباب الكلام، والكلام لنا، بنا كثر وانتشر وصح وظهر! كأن سائر الناس لا يتكلمون أو ليسوا أهل الكلام؟ لعلهم عند المتكلمين خرس أو سكوت! أما يتكلم يا قوم الفقيه، والنحوي، والطبيب، والمهندس، والمنطقي، والمنجم، والطبيعي، والآلهي، والحديثي، والصوفي؟ قال: وكان يلهج بهذا، وكان يعلم أن القوم قد أحدثوا لأنفسهم أصولاً وجعلوا ما يدعونه محمولاً عليها ومتناولاً من عرضها، وإن كانت المغالطات تجري عليهم ومن جهتهم بقصدهم مرة وبغير قصدهم أخرى.
قال: وكان يصل هذا كثيراً بقوله: والدليل على أن النحو، والشعر، واللغة ليس بعلم، أنك لو لقيت في البادية شيخاً بدوياً قحا محرما، لم ير حضرياً ولا جاور أعجمياً، ولم يفارق رعيه الإبل وانبثاث المناهل وهو مع قبح هيئته التي لا يشق غباره فيها أحد منا وإن كلف، فقلت له: هل عندك علم؟ لقال: لا. هذا، وهو يسير المثل، ويقرض الشعر، ويسجع السجع البديع، ويأتي بما إذا سمعه واحد من الحاضرة وعاه، واتخذه أدباً ورواه، وجعله حجة.
وكان يقول: هذه الآداب والعلوم هي قشور الحكمة وما انتثر منها على فائت الزمان، لأن القياس المقصود في هذه المواضع والدليل المدعى في هذه لأبواب معها ظل يسير من البرهان المنطقي والرمز الآلهي والإقناع الفلسفي! قد بين هذا الباب أرسطو طاليس في الكتاب الخامس، وهو الجدل، كل ما في الإمكان من التعليق به والاحتجاج منه، مع التمويه والمغالطة، بل كثير من المتكلمين لا يصلون إلى غايات ما كشفه ورسمه وحذر منه وأبان عنه، وإن أنضوا مطيهم، وأبلوا جهدهم، سوى ما أتى عليه قبل هذا الكتاب وبعده مما هو شفاء الصدور وقرة الأعين وبصيرة الألباب؟ والكلام في هذا طويل.
стр. 107
المقابسة التاسعة والأربعون
في أن صورة الحركة واحدة وإن وجدت في مواد كثيرة
قال يحيى بن عدي: الحركة صورة واحدة لكنها توجد في مواد كثيرة ومحال مختلفة، وبحسب ذلك تولى أسماء مختلفة، وقد يظن من أجلها أنها في نفسها ليست واحدة، وأن لها أخوات ونظائر. والبحث الفلسفي قد قرن واحدة بواحدة على ما دل الاسم عليه في الأصل، وذلك أنه يقال: الحكة كون وفساد، ونمو ونقصان، واستحالة وإمكان؛ وإنما تباينت هذه الأسماء لمعان تحققت في النفس بالاعتبار الصحيح. فالحركة في النار لهب، وفي الهواء ريح، وفي الماء موج، وفي الأرض زلزلة. هذا باب كما ترى قد حصل في الاستقصات ولم يغادر منه شيء. ثم إن الحركة بعد ذلك في العين طرف، وفي الحاجب اختلاج، وفي اللسان منطق، وفي النفس بحث، وفي القلب فكر، وفي الإنسان استحالة، وفي الروح تشوف، وفي العقل إضاءة واستضاءة، وفي الطبيعة كون وفساد، وفي العالم بأسرة شوق إلى الذي به نظامه، وبوجوده قوامه، وإليه توجهه، وبه تشبهه، ونحوه تولهه وتدلهه.
ثم قال: وهذا بين الحجة، وكل شاد من الفلسفة شيئاً يسلم بهذه الإشارة ويتوصل بها إلى ما هو من جنسها اقتداء بما يتراءى منها ويشيع عنها. والكلام في الحركة في غاية الشرف لأنه دال على كل ما قد اشتمل العالم عليه من العلويات والسفليات، ولا مانع من تقصيه إلا العجز عن جله، والكسل عن بعضه، وبين هذين ذهاب العلم وضلال الفهم. وهكذا حكم من قلت دواعيه إلى الشيء، وكثرت صوارفه عنه.
стр. 108
إلى الله نلتجئ فيما دهمنا وفيما نزل بنا من غيرنا، فما خسر من لاذ به في السراء، ولا خاب من عاذبه في الضراء، إنه نعم الرب والكافي، والمعين والكالئ، والمرشد والناصر، به يوجد كل مطلوب، ويملك كل محبوب، وينجي من كل أذية، ويتعرى عن كل رزية، لطيف التدبير، عجيب التقدير، خبير بجميع الأمور، لا تنكر ذاته، ولا يدرك كنهه، جل معبوداً وعز موجوداً مشهوداً.
المقابسة الخمسون
في الكهانة وما يلحق بها من أمور الغيب
سئل أبو سليمان عن الكهانة وما يلحق بها من أمور الغيب، وعن التنجيم وما يقدر به على أحكام المستقبل، وعن النبوة التي هي في محلها الأعلى ومكانها الأشراف؟ فتصرف في الجواب أحسن تصرف، على سعة من اللفظ والمعنى. ولكن لو نقلت كثيراً منه لنسبوه للكفر وقلة العناية. ومقدار الحاصل منه قد أثبته في هذا الموضع خوفاً من أن يذهب نسياً. فإن وافتني فيه معاندة حاصلة، أو حصلت لي محالة محتملة، فما على إلا الجهد وبذل المطاق، وإذا عذرني المتكلم المنصف، لم أحفل بالمتعنت المسرف، والله يعين أهل الحق بلطفه.
قال: الكهانة قوة إلهية توجد في شخص بعد شخص بسهام سماوية، وأسباب فلكية، وأقسام علوية، فإذا توسطت صارت في منصف البشرية والربوبية، فحينئذ يكون ما يبدو بها مشيراً إلى غيب أمور الدنيا وإلى غيب أمور الآخرة على حد يكون على سواء. والغلب مع ذلك لأمور الدنيا، لأن الإنسان بالطبيعة أكثر منه بغيرها، في الأعم الأغلب والشائع الأشمل، فإن تحدرت هذه القوة قليلاً كانت الإشارة إلى أمور عالية شريفة. ومحل النبوة بين أبناء هذه القوة بالترقي والتحدر، وكلما كان
стр. 109
التباس النفس بالمزاج الموافق، وكان النور المقتبس من هذه القوة أسطع وأعلى، فعلى هذه تتبع قوة المنجم لآثار الكواكب تتبعاً ضعيفاً، لأن الآلة لا تساعده والصبر لا يوافيه، وذلك أنه يتلقى هذه الأمور المنتشرة من تلقاء نفسه ومن ناحية اختياره وقصده وبحثه وليست قوى الكاهن كذلك، أعني ليست تتبع بل هي كالإلقاء والوحي والسانح والطارئ فإن اجتمعت القوتان، أعني قوة التتبع بالصناعة وقوة الاقتباس بالكهانة، ظهر له كل أمر عجيب، وسمع كل قول غريب.
ثم قال: وعلى ما تبين فإن الكهانة أقوى إذا كان صاحبها لا يشوبها بشيء من الحس، وألقاها على صفائها ونقائها، لأن قوتها تنسكب من المحل الأعلى بنسبتها بالعلة الأولى تامة قوية وصحيحة واضحة.
قلت له: فهل يخطئ الكاهن كما يخطئ المنجم؟ فقال: نعم، وليس الخطأ محالاً منه، لأن قوته لا تبلغ الغاية في الخلاص أبداً بسبب تركيبه الذي هو سبب استحالة ما يحاوره بنفسه.
قال له أبو العباس البخاري: فهل يخطئ صاحب النبوة؟ قال: لا، ولكن يسهو، كما في حديث ذي اليدين وسهوه وخطاؤه لا يقدحان في الحال التي رشح لها، ووشح بها، جعل سفيراً إلى الخلق من أجلها! بل يحرس حراسة إن لم تنف عنه كل الظنة لم تعلقه كل قرفة.
قلت له في هذا الموضع: فهل يخطئ بقوة النبوة من غير أن يستقرها ويعرض للخلق من أحلها؟
стр. 110
فقال: لا ولكن يعرض له خيال كما في حديث تأبير نخل الأنصار ثم رجع عن رأيه، وقال لهم: أنتم أعلم بأمور دنياكم. ولا مانع من ذلك. ولولا هذه القوة التي على حدودها ومائيتها في أشخاص العلماء والبررة ما كان يصح حدس، ولا تصدق نفس، ولا تتحقق ظن، ولا يتوضح وهم. بل هذا أمر في غاية الغلبة والظهور، حتى في كثير من أنفس العوام.
ثم حكى هذا الفاضل، أن رجلاً كان له خدام، وكان مكارياً صاحب حمير، ويخدمه عليها غلمان ويثق به في عمله تجار كبار، وأنه في بعض طرقه وأسفاره سيب الحمير وطرح الأثقال وقال: ليأخذ من شاء ما شاء! وعاد إلى بيته على وله شديد لا ينطق بحرف، ولا يتعلق بأمر، ولا يستوضح خياله شيء، فساء أهله ذلك ومعارفه فعاتبوه وأطالوا عليه، فلما كان في بعض الأيام وقد احتوشوه بكل قول، ورموه عن كل قوس، توجه نحو الحائط وقال: يا قوم مالكم ومالي! وما هذا التعجب والإكثار؟ أما رأيتم من كان قاعداً على مزبلة فنبعت من بين يديه عين صافية بماء كالزلال عذب حلو فشرب منها وتبجح بها وعاشت نفسه بمجاورتها وكانت سبب ريه الذي لا ظمأ بعده وطهره الذي لا دنس معه؟! هذا تمام الحكاية.
قال قائل عند هذا الفصل لأبي سليمان: حدثنا عن قلبه في هذا الموضع، فإنه قد جرى ما لا مزيد عليه ولا تقصير معه، ولا بد من انتهاز كل فرصة يحتملها هذا الباب؟ فقال: الكلام الذي يأتي به صاحب هذه القوة يظهر محتملاً للطعن وهدفاً للتهمة، وطريقاً إلى الغاية الشنيعة.
فقال: هذا بالواجب إن صاحب هذه القوة يرسل الكلام إرسالاً بحدة قوته مرة، وبتوسطها أخرى، ولها في نفسها شأن بالإضافة إلى مزاج صاحبها، بل بالإضافة إلى كل حال عارضة، وإلى كل سبب واقع. والسنة عاملة عملها، والبشرية جارية على خاصتها، فحينئذ يخرج
следующие страницы →