فيتذبذب بين الكفر والإيمان والتصديق والتكذيب والإقرار والإنكار موسوسا تائهًا شاكًا لا مؤمنًا مصدقًا ولا جاحدًا مكذبًا
стр. 142
ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم
стр. 143
إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك التاويل ولزوم التسليم عليه دين المسلمين
стр. 144
ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه
стр. 145
فإن ربنا -جلا وعلا- موصوف بصفات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانية ليس في معناه أحد من البرية
стр. 146
وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات
стр. 147
والجواب أن يقال: من المعروف أن الموجود شيئ إنما ينسب إلى الوجود فإن كان موجودا هو أشرف الموجودات فواجب أن ينتسب من الموجود المحسوس إلى الحيز الأشرف وهي السماوات ولشرف هذا الحيز قال الله -تعالى-: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) ﴾ أما إذا أردتم بنفي التحيز والحيز أن الله مستغن عن خلقه بائن منهم عال على خلقه فهذا حق لكن ينبغي التعبير بألفاظ النصوص كذلك يقولون: إن الله منزه عن الحدود ما مرادكم بالحدود؟.
يقولون: بأن الله له حد أو ليس له حد بقول مجمل لا بد من استفصال الشيخ الطحاوي ﵀ أراد بلفظ الحد الرد على المشبهة كداود والجواربي وأمثالهم من القائلين بأن الله جسم وأنه جثة وله أعضاء، لكن أهل الكلام جروا الطحاوي وأدخلوا في عباراته معنى باطلا فنقول مثلا ما مرادكم بالحد إذا قلتم: الله له حد أو ليس له حد، إن أردتم بالحد العلم والقول، والمعنى أن العباد يحدون الله ويعلمون لله حدا فهذا منتف بلا منازعة، فالعباد لا يعلمون لله حدا فالله -تعالى- له حد يعلمه والعباد لا يعلمون لله حدا كما قال سهل بن عبد الله وقد سئل عن ذات الله فقال: ذات الله موصوفة بالعلم غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدينا وهي موجودة بحقائق الإيمان من غير حد ولا إحاطة ولا حلول وتراه العيون في العقبى ظاهرا في ملكه وقدرته وقد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته ودلهم عليه بآياته فالقلوب تعرفه والعيون لا تدركه ينظر إليه المؤمن بالأبصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية.
فإن أردتم بقولكم: إن لله له حدا وأن العباد قد يعلمون لله حدا فهذا باطل، وإن أردتم بنفي الحد وقلتم: إن الله ليس لله حدا يعني: أن البشر لا يعلمون حدا ولا يحدون شيئا من صفاته فهذا حق فإن السلف متفقون على أن البشر لا يعلمون لله حدا وأنهم لا يحدون شيئا من صفاته.
قال أبو داود والطياليسي: كان سفيان وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحدون ولا يشبهون ولا يمثلون يروون الحديث ولا يقولون: كيف، وإذا سئلوا قالوا: بالأثر فمراد الشيخ الطحاوي -رحمه الله تعالى-- هنا أن يتعالى عن الحدود أن يتعالى على أنه يحيط أحد بحده؛ لأن المعنى أن الله متميز عن خلقه منفصل عنهم مباين لهم سئل عبد الله بن المبارك ﵀: بم نعرف ربنا؟ قال بأنه على العرش بائن من خلقه قيل: بحد قال بحد يعني: أنه متميز عن خلقه منفصل لم يدخل في ذاته شيء من صفاته وفي خلقه ولا في خلقه شيء من ذاته، ومن نفى الحد بهذا المعنى معنى جعل الله فوق من المخلوقات.
فإذا قال: ليس لله حد يعني: أن الله إذا قال لله حد يعني: بأن الله منفصل عن مخلوقاته بائن منهم فهذا صحيح، وإذا قال: ليس لله حد أراد بذلك أن الله خلق من المخلوقات فهذا باطل، وإذا قال: لله حد يعني: لله حد يعلمه فهذا صحيح، وإذا قال: ليس لله حد يعني: العباد لا يعلمون لله حدا فهذا صحيح فلا بد من التفسير كذلك الغايات قوله: يتعالى عن الحدود والغايات اصطلح نفاة الحكمة والتعليل من الجبرية وغيرهم من المعتزلة وغيرهم على تسمية الحكم والغايات التي يفعل من أجلها أغراضا فيسمونها الغاية فيقولون: إن الله منزه عن الغايات التي يتكلم ويفعل لأجلها ويفعل لأجلها غرضا وقالوا لضعفاء العقول: اعلموا أن ربكم منزه عن الأعراض والأغراض والأبعاض والجهات والتركيب والتجسيم والتشبيه، واستقر ذلك في قلوب المبلغين عنهم فيبقى السامع إذا صرحوا بذلك يبقى السامع متحيرا بين نفي هذه الحقائق التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له جميع رسله وسلف الأمة وبين إثباتهم، فنقول لهم: أنتم قلتم إن الله منزه عن الغايات فما مرادكم بالغايات إن أردتم بالغايات هذا المعنى من أنه سبحانه لا يفعل ولا يتكلم لحكمة ومصلحة ورحمة فهذا باطل، وإن أرتم بنفي الغايات أن الله لا يحتاج إلى أحد ولا يفعل لحاجة ولا يفعل لمؤثر لمؤثر يؤثر فيه وموجب يوجب عليه فهذا حق لكن ينبغي الاعتصام بألفاظ النصوص؛ لأنها أسلم.
стр. 148
كذلك قول الطحاوي: يتعالى عن الأركان والأعضاء والأدوات والجوارح، أهل الكلام لهم مصطلحات فيسمون إثبات الصفات لله تجسيما وتشبيها وتمثيلا ويسمون العرش حيزا وجهة، ويسمون الصفات أعراض ويسمون الأفعال حوادث، ويسمون الحكم والغايات التي يفعل لأجلها أغراضا، ويسمون إثبات الوجه واليدين أبعاضا فيقولون: الله منزه عن الأعراض والأغراض والأبعاض والجهات والتركيب والتجسيم والتشبيه فيستدلون بهذه الألفاظ الأركان والأعضاء والأدوات والجوارح على نفي بعض الصفات الثابتة بالأدلة القطعية كاليد والوجه، ولكن لا يقال لهذه الصفات: إنها أعضاء أو جوارح أو أدوات أو أركان؛ لأنها تحتمل معاني باطلة؛ لأن الركن جزء ماهية فيقال: إذا سميتها أركانا، والركن جزء ماهية والله -تعالى- هو الأحد الصمد لا يتجزأ ولا يتفرق ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) ﴾ وقولكم: الأعضاء فيها معنى التفريق والتبعيض أي: التقطيع وجعل الشيء أعضاء وهذا المعنى منفي، ومن هذا المعنى قول الله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ (٩١) ﴾ والجوارح فيها معنى الاكتساب والانفتاح، والأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة ودفع المضرة فكل هذه المعاني منتفية عن الله -تعالى- فإذا أريد بذلك بها ذلك فهو بحق، ولهذا لم يرد ذكرها في صفات الله لكن ينبغي التعبير بالألفاظ الشرعية؛ لأن الألفاظ الشرعية صحيحة المعاني سالمة من الاحتمالات الفاسدة فلا يجوز العدول عنها نفيا ولا إثباتا لئلا يثبت بها معنى فاسد أو ينفى معنى صحيح, كذلك إن أريد بنفي الصفات نفي الجوارح والأعضاء نفي الصفات الثابتة، إن أريد بها نفي الصفات الثابتة كالوجه واليدين فهذا باطل فهذه ثابتة كما قال أبو حنيفة ﵀ في الفقه الأكبر: له يد ووجه ونفس كما ذكر الله -تعالى- في القرآن بذكر اليد والوجه والنفس فهو له صفة بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته ونعمته؛ لأن فيها
إبطال الصفة.
وهذا الذي قاله الإمام أبو حنيفة ثابت بالأدلة القطعية قال الله -تعالى-: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وقال -تعالى-: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ وقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ صلى الله عليه وسلمèŒ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) ﴾ وقال سبحانه: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وقال: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) ﴾ وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وقال في حديث الشفاعة: "لما يأتي الناس آدم فيقولون له: (...خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء) وقال ﷺ (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) من خلقه هذا كله ثابت كذلك الجهة نفيها مجمل فلا يجوز إطلاق نفيه ولا إثباته إلا مع البيان التفصيلي كما سبق بالأمس الرد على نفاة الرؤية.
كذلك أيضا قول الطحاوي ﵀ ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات مراده ﵀ أن الله لا يشبه المخلوقات، لكن أهل الكلام قالوا: مراده نفي العلو؛ لأن العلو من الجهات الست ولكن هذا ليس بصحيح بل مراده نفي جهة مخلوقة أن الله ليس في جهة مخلوقة بدليل أنه أثبت العلو، فيما بعد وقال: محيط بكل شيء وفوقه، لكن الطحاوي ﵀ ينتقد لماذا عبر بهذه التعبيرات هذه التعبيرات التي تشتمل على حق وباطل كان الأولى بألا يعبر بهذه التعبيرات ويكتفي ويعتصم بنصوص الكتاب والسنة.
ثم أيضا في قول الطحاوي ﵀ لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات إشكال إشكالات الإشكال الأول أن إطلاق مثل هذا اللفظ مع ما فيه من الإجمال والاحتمال كان تركه أولى وإلا تسلط عليه الخصوم وألزموه بالتناقض في إثبات الإحاطة والفوقية ونفي جهة العلو يقولون: أنت يا طحاوي متناقض كيف أنت تقول: لا تحويه الجهات الست فتنفي العلو ثم تقول: محيط بكل شيء وفوقه وتثبت العلو ألزموه بالتناقض لكن نقول: إن الطحاوي ما يقصد مقصوده أن الله منزه عن الجهات الست المخلوقة فهو يقصد معنى صحيحا، لكن مع ذلك نقول: الأولى أن يعتصم الطحاوي وغيره بالألفاظ الشرعية حتى لا تسلط عليه الخصوم.
стр. 149
الإشكال الثاني: أن قول الطحاوي كسائر المبتدعات يفهم المبتدعات المخلوقات يفهم منه أنه ما من مخلوق إلا وهو محوي وهذا فيه نظر فإنه إن أراد أنه محوي بأمر وجوده فممنوع فإن العالم ليس في عالم آخر وإلا لزم التسلسل ليس كل شيء مخلوق محوي بمخلوق آخر فإننا نرى العالم ليس محويا بعالم آخر، وإن أراد أمرا عدميا فليس كل مبتدع في العدم بل منها ما هو داخل في غيره كالسماوات والأرض في الكرسي ونحو ذلك، ومنها ما هو منتهى المخلوقات كالعرش فسطح العالم ليس في غيره من المخلوقات قطعا للتسلسل.
ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال بأن قول الطحاوي: كسائر المبتدعات بمعنى البقية لا بمعنى الجميع، ويؤيد هذا أن هذا أصل معناها أصل معناها البقية، ومنه السؤر وهو ما يلقيه الشارب في الإناء فيكون مراد الطحاوي بقول: كسائر المخلوقات كغالب المخلوقات لا جميعها إن السائر على الغالب أدل منه على الجميع فيكون المعنى أن الله -تعالى- غير محوي كما يقول أكثر المخلوقات، محويا بل هو غير محوي بشيء -تعالى- الله والخلاصة أن الطحاوي ﵀ أراد بذلك بهذه المعاني أراد بها معنى صحيحا وأن الله منزه عند الحدود والغايات والأركان والأعضاء مراده إثبات صفة الله وأن الله لا يشابه المخلوقين، وأن الله ليس فيه شيء من مخلوقاته بدليل أنه أثبت العلو فيما بعد قال: محيط بكل شيء لكن تسلط عليه الخصوم لما أطلق هذه العبارات فكان الأولى بالطحاوي أن يعتصم بألفاظ النصوص حتى لا يوصف بالتناقض وحتى لا يتسلط عليه الخصوم نعم.
стр. 150
والمعراج حق وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء ثم إلى حيث شاء الله من العلا وأكرمه الله بما شاء وأوحى إليه ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى
стр. 151
الفرق بين القول الأول والثاني الفرق بين من قال: إن الإسراء كان مناما وبين من قال: إن الإسراء كان بروحه هو أن من قال: إن الإسراء كان مناما قال: إن رسول الله ﷺ رأى في نومه أمثالا مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة من قبيل الحلم فيرى كأنه قد عرج به إلى السماء وذهب به إلى مكة وجسده باق وروحه باقية جسده باق وروحه أيضا لم تصعد ولم تذهب وإنما ملك الرؤيا ضرب له الأمثال هذا معنى الإسراء كذبا، ومن قال: إن الإسراء كان بروحه قال: إن الروح ذاتها أسري بها ففارقت الجسد ثم عادت إليه قالوا: وهذا من خصائص النبي ﷺ إذ أن غيره لا تنال روح الصعود الكامل إلى السماء إلا بعد الموت، والقدر مشترك بين القولين الذي اتفقوا فيه هو أن الجسد باق كل من القولين بقول الجسد باق لكن من قال: إن الإسراء كان مناما قال: الروح أيضا باقية والملك هو الذي ضرب له الأمثال، ومن قال: الإسراء كان بروحه قال الجسد باق والروح هي التي صعدت وأسري بها ثم رجعت.
الأدلة استدل أهل القول الأول القائلون بأن الإسراء كان مناما بدليل شرعي ودليل عقلي الدليل الشرعي استدلوا بحديث الإسراء والمعراج الذي رواه شريك بن أبي نمر فإنه قال في بعض ألفاظ حديث شريك: إنه ختم القصة بقوله: ثم استيقظت (ثم استيقظت وأنا في المسجد الحرام) لما ذكر الحديث الإسراء النبي ﷺ قال: (ثم استيقظت وأنا في المسجد الحرام) قالوا: هذا دليل على الإسراء كان مناما لكن أجاب عنها نقاد الحديث بأن هذه اللفظة غير ثابتة لما فيها هذه اللفظة غير ثابتة، والحديث الذي رواه شريك بن أبي نمر غلطه الحفاظ في ألفاظ من حديث الإسراء فهذه الألفاظ وهي قوله: (ثم استيقظت وأنا في المسجد الحرام) لم تثبت لا سيما وأن الأحاديث لم ترد بذكرها وشريك بن عبد الله بن أبي نمر له أغلاط غلطه الحفاظ في ألفاظ من حديث الإسراء ولهذا قال الإمام مسلم ﵀ بعدما روى حديث شريك بن أبي نمر: أورد مسلم منه ثم قال: فقدم وآخر وزاد ونقص هو شريك بن عبد الله بن أبي نمر.
الدليل الثاني للذين قالوا: إن الإسراء كان مناما: عقلي قالوا: إن الأجسام الأرضية من طبيعتها الثقل فلا يعقل أن تصعد إلى السماء وليست في الروحانيات كالملائكة فإنها خفيفة بخلاف الروح، فإن من طبيعتها الخفة والجواب أن نقول هذا معارضة لمقصد العقل العقل لا يعارض النقل إذا صح النقل فلا يجوز لنا أن نعارضه الواجب التسليم والخضوع لكلام الله وكلام رسوله وأن نتلقاه بقبول وتسليم ولا نعارضه بعقولنا.
وأيضا نقول لهم: لو لم يعقل صعود البشر أيضا نرد عليهم به بدليل عقلي نقارع الحجة بالحجة لو لم يعقل صعود البشر لما صح المقابل له وهو نزول الملائكة الأرض، فأنتم تقولون: الأجسام الأرضية من طبيعتها الثقل فلا يعقل أن تصعد إلى السماء نقول لكم: الملائكة من طبيعتها العلو والخفة فلا يعقل أن تنزل إلى الأرض، فلو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة، وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة والوحي وهذا كفر، وبهذا يبطل قول الذين قالوا: إن الإسراء بروحه ﵊.
دليلهم على هذا هو الدليل العقلي الذي استدل به أهل القول الأول قالوا: أن الأجسام الأرضية من طبيعتها الثقل فلا يعقل أن تصعد إلى السماء بخلاف الروح فإن من طبيعتها الخفة فلا مانع من العروج بها.
والجواب أن نقول: هذا معارضة للنصوص بالعقل والعقل لا يعارض النصوص، والواجب التسليم لله ولرسوله ثم أيضا لو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهذا كفر، ويرد على هذا القول أيضا بقول الله سبحانه:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ والعبد يطلق على الروح والجسد وأيضا من أدلتهم استدلوا بها استدلوا بقول عائشة ﵂:
стр. 152
(ما فقد جسد رسول الله ﷺ ولكن أسري بروحه) فلا ينكر ذلك من قولها، وهذا إن صح عن عائشة فهو اجتهاد منها لا تعارض به النصوص. ويرد أيضا على من قال: إن الإسراء كان مناما أو الإسراء بالروح يرد عليهم أنه لو كان الإسراء مناما، وأن جسد النبي ﷺ وروحه باق في مكة، ولو كان الإسراء بروحه وجسده باق لما بادرت كفار قريش إلى تكذيب النبي ﷺ ولا ما ارتدت جماعة ممن كان أسلم لأنه ثبت أن النبي ﷺ بعد الإسراء والمعراج لما أخبر بذلك ارتدت جماعة بسبب ذلك، وقالوا: لا يمكن أن يصعد بروحه لا يمكن كيف يسافر إلى بيت المقدس مسافة شهر في ليلة واحدة ثم يصعد إلى السماوات وبين كل سماء إلى سماء مسافة خمسمائة عام ويرجع في ليلة واحدة استبعدوا هذا -والعياذ بالله- فارتدوا، ولو كان مناما أو الإسراء كان مناما أو كان بروحه وجسده باق لما أنكروه ولما بادروا؛ لأنهم يصدقون بالرؤية يقال: جسده باق عندهم ولما كان هناك كبير شيء في النوم والله -تعالى- قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ والتسبيح إنما يكون في الأمور العظام، وهذا يدل على أن الإسراء بروحه وجسده فإذن الصواب أن الإسراء بروحه وجسده.
وأما أهل القول الثالث فإذن لو كان الإسراء بالروح أو الإسراء مناما لما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه تكذيب النبي ﷺ وما ارتدت جماعة ممن كان أسلم؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ لما حدث قريش حديث الإسراء والمعراج تهكموا به وسخروا منه، ولو كان الإسراء مناما أو بروحه دون جسده لما سخروا منه وتهكموا به؛ لأنهم يصدقون بالرؤيا ولا يستغربون صعود الروح مادام الجسد باقيا عندهم؛ ولأن الله قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ وهذا إنما يكون التسبيح عند الأمور العظام وهو الإسراء بروحه وجسده.
أما أهل القول الثالث الذين قالوا: كان الإسراء مرة مناما ومرة يقظة أو مرة قبل الروح ومرة بعده أو مرتين مرة قبل الروح ومرة بعده أو مرتين أو مرة قبل الروح ومرتين بعده دليلهم قالوا: أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك وقوله حين ختم القصة: (ثم استيقظت وأنا في المسجد الحرام) وبين سائر راويات الحديث التي لم تذكر هذه الألفاظ هذه اللفظة المستيقظة فقالوا: إن الإسراء كان مرارا مرة مناما كما يفيده حديث شريك ومرة يقظة كما يفيد سائر الروايات، وبعضهم قال: مرة قبل الوحي ومرة بعده وبعضهم قال: ثلاث مرات مرة قبل الوحي ومرتين بعده جمعا بين الأدلة في زعمهم كلما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرة للتوفيق بين الأدلة في نظرهم، وهذا يفعله ضعفاء الحديث.
والجواب عن شبهتهم أجاب عنها العلامة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد أجاب عنها بما ملخصه قال: بأنه ثبت في حديث الإسراء والمعراج أن الله فرض على نبينا محمد ﷺ الصلاة في أول الأمر خمسين صلاة في اليوم والليلة، ثم جعل النبي ﷺ يتردد بين ربه وبين موسى في السماء السادسة في كل مرة يأمره موسى ﵊ بأن يسأل ربه التخفيف لأمته فيحط الله ﵎ عنه خمسا وعشرا حتى صارت إلى خمس صلوات ثم (نادى مناد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي) فلو كان الإسراء والمعراج مناما للزم من ذلك أن يعيد الله فرضية الصلاة مرة ثانية خمسين ثم يحطها إلى خمس وهذا فاسد.
وبهذا يبطل هذا القول أما أهل القول الرابع الذين قالوا: إن الإسراء مرة واحدة بجسده وروحه يقظة لا مناما في ليلة واحدة قبل البعثة قبل الوحي وبعد البعثة وقبل الهجرة، هذا القول تؤيده النصوص من الكتاب والسنة من ذلك هذا هو الصواب أن الإسراء مرة واحدة لا مرارا بروحه وجسده لا مناما ولا بالروح فقط يقظة لا مناما في ليلة واحدة الإسراء والمعراج بعد البعثة وقبل الهجرة من أدلة هذا القول قول الله -تعالى- ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ ووجه الدلالة أن العبد إذا أطلق فهو عبارة عن مجموع الجسد والروح ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ العبد اسم للروح والجسد كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح إذا أطلق وهذا يدل على أن الإسراء بروحه وجسده.
ولهذا قال الطحاوي ﵀: وعرج بشخصه بشخصه أسري بشخصه وأسري بشخصه والشخص اسم للروح والجسد، فالطحاوي ﵀ يثبت أن الإسراء بروحه وجسده كما عليه المحققون.
стр. 153
الدليل الثاني: ما ثبت في صحيح البخاري ومسلم -رحمهما الله- بروايات متعددة أنه أسري برسول الله ﷺ وعرج بشخصه إلى السماء وأنه اجتمع بالأنبياء وصلى بهم إماما وأنه التقى بعدد من الأنبياء في كل سماء وأن الله فرض عليه الصلاة خمسين ثم خففها إلى خمس بواسطة تردده بين ربه وبين موسى وأنه رأى جبريل عند سدرة المنتهى على صورته التي خلق عليها، وكل هذه الروايات ظاهرها أنه أسري بروحه وجسده ﵊.
وبهذا يتبين أن الصواب أنه أسري بروحه وجسده ﵊ وأنه لا بد للمسلم أن يؤمن بالإسراء والمعراج، ومن أنكر الإسراء كفر؛ لأنه مكذب لله ومن أنكر المعراج فلا بد من إقامة الحجة عليه، الفوائد الأصولية المستنبطة من حديث الإسراء والمعراج، هناك فوائد أصولية وهناك فوائد عامة، من الفوائد الأصولية المستنبطة من حديث الإسراء والمعراج
أولا: جواز النسخ قبل التمكن من الفعل جواز النسخ قبل التمكن من الفعل حيث فرضت الصلاة خمسين أولا ثم نسخت بأن خففت إلى خمس وهذا في السماء قبل تمكن العباد من الفعل.
ثانيا: الفائدة الثانية الأصولية: جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة حيث أعلم النبي ﷺ الأمة بفرضية الصلاة إجمالا بدون تفصيل لأركانها وشروطها وهيئاتها وأوقاتها، ثم لما جاء وقت الصلاة نزل جبريل فأخبر جبريل النبي ﷺ بذلك وجاء وحدد له الأوقات أما الفوائد الأخرى العامة المستنبطة من حديث الإسراء والمعراج ففيه أولا إثبات العلو لله من وجوه: حيث إن الرسول ﵊ عرج به إلى ربه ثم جاوز السبع الطباق ثم لما كان يتردد بين ربه وبين موسى في كل مرة يعلو به جبرائيل إلى الجبار ﵎ فيه الرد على من أنكر العلو من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم.
ثالثا: إثبات الكلام لله حيث فرض الله -سبحانه- عليه الصلاة بدون واسطة وفيه الرد على من أنكر الكلام.
رابعا: فضيلة نبينا محمد ﷺ وعظم منزلته عند الله حيث جاوز الأنبياء كلهم وجاوز السبع الطباق وصلى بالأنبياء إماما بعضهم استنبط أن رسول الله رآه بعين رأسه لكن هذا ضعيف كما سبق بالأمس.
خامسا: مشاركة نبينا محمد ﷺ لموسى ﵊ في التكليم وأن التكليم ليس خاصا بموسى كما أن الخلة ليست خاصة بإبراهيم بل يشاركه فيها نبينا أيضا، فكما أن إبراهيم خليل الله فمحمد خليل الله وكما أن موسى كليم الله فمحمد كليم الله كلمه الله بدون واسطة ليلة المعراج.
سادسا: شفقة موسى ورحمته بهذه الأمة حيث أمر نبينا محمد ﷺ أن يسأل ربه التخفيف لأمته في الصلاة.
سابعا: عظم مخلوقات الله -تعالى- وسعتها هذا يدل على عظمة الخالق.
ثامنا: معجزة الرسول ﵊ في الإٍسراء والمعراج في ليلة واحدة تاسعا استشارة أهل الفضل والصلاح حيث التفت النبي ﷺ إلى جبريل كأنه يستشيره.
مسألة: والحكمة من تقديم الإسراء إلى بيت المقدس قبل المعراج ما الحكمة من تقديم الإسراء إلى بيت المقدس قبل المعراج الحكمة والله أعلم لإظهار صدق دعوى النبي ﷺ المعراج حيث سألته قريش عن نعت بيت المقدس فنعته لهم وأخبرهم عن عيرهم التي مر عليها في طريقه، ولو كان عروجه إلى السماء من مكة لما حصل ذلك إذ لا يمكن اطلاعه ولا يمكن اطلاعهم على ما في السماء لو أخبرهم عنه، وقد اطلعوا على بيت المقدس فأخبرهم بنعته، وقيل: الحكمة أن يجمع ﷺ في تلك الليلة بين رؤية القبلتين أو؛ لأن بيت المقدس كان هجرة غالب الأنبياء قبله، وحصل له الرحيل إليه في الجملة ليجمع بين أشراف الفضائل أو؛ لأنه محل الحشد وغالب ما اتفق له في تلك الليلة يناسب الأحوال الأخروية فكان المعراج منه أليق بذلك أو للتفاعل ليحصل وللتفاعل بحصوله أنواع التقديس له حسا ومعنى، أو ليجتمع بالأنبياء جملة وذهب بعض العلماء إلى أن الحكمة هي لتحصيل العروج مستويا بغير تعويج؛ لأن كعب الأحبار روى أن باب السماء الذي يقال له: مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس لكن هذا فيه نظر لورود أن في كل سماء بيتا معمورا وأن الذي في السماء الدنيا حيال الكعبة فكان المناسب أن يصعد من الكعبة من مكة ليصعد إلى البيت المعمور بغير تعويج وهذا ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
والبراق دابة دون البغل وفوق الحمار أبيض طويل يضع خطوه عند أقصى طرفه وبهذا ننتهي من هذا البحث تعيد كلام المؤلف ﵀
قال ﵀ -تعالى-: والمعراج حق وقد أسري بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعرج به.
قوله: المعراج حق يعني: ثابت وكذلك أسري بشخصه حق ثابت لا بد من الإيمان به نعم.
وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء.
عرج بشخصه يعني: الشخص اسم للروح والجسد هذا إلى السماء عرج بروحه وجسده نعم.
стр. 154
ثم إلى حيث شاء الله من العلا وأكرمه الله بما شاء وأوحى إليه ما أوحى.
لا شك أن الله أكرمه في عروجه وصلاته بالأنبياء ورفعته فوقهم وأكرمه الله بتكليمه له وفرضه الصلاة عليه نعم
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) ﴾
نعم ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) ﴾ ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) ﴾ لم يزغ بصره ولم يكذب فؤاده ﵊ بل كل ما رآه فهو حق نعم.
فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى.
﵊ فصلاة الله على عبده أحسن ما قيل فيها: إنها ما رواه أبو العالية ما رتبه في البخاري عن أبي العالية رضي الله ورحمه الله- أنه قال: (صلاة الله على عبده ثناؤه في الملأ الأعلى) .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وكان من حديث الإسراء أنه ﷺ (أسري بجسده في اليقظة - على الصحيح - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى راكبا على البراق بصحبة جبرائيل ﵊ فنزل هناك، وصلى بالأنبياء إماما، وربط البراق بحلقة باب المسجد، وقد قيل: إنه نزل ببيت لحم فصلى فيه ولا يصح عنه ذلك البتة، ثم عرج به من بيت المقدس في تلك الليلة إلى السماء الدنيا فاستفتح له جبريل ففتح له فرأى هناك آدم أبا البشر فسلم عليه فرحب به ورد ﵇ وأقر بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الثانية فاستفتح له فرأى فيها يحيي بن زكريا وعيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام- فلقيهما فسلم عليهما فردا ﵇ ورحبا به وأقرا بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الثالثة فرأى فيها يوسف ﵊ فسلم عليه فرد ﵇ ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الرابعة فرأى فيها إدريس فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الخامسة فرأى فيها هارون ابن عمران فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج إلى السماء السادسة فلقي فيها موسى فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته فلما جاوزه بكى موسى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي؛ لأنه غلام بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، ثم عرج به إلى السماء السابعة فلقي فيها إبراهيم فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم رفع إلى سدرة المنتهى ثم رفع له البيت المعمور، ثم عرج به إلى الجبار ﷻ وتقدست أسماؤه فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى وفرض عليه خمسين صلاة فرجع حتى مر على موسى فقال: بم أمرت؟ قال: بخمسين صلاة قال: إن أمتك لا تطيق ذلك ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فالتفت إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار أن نعم. إن شئت فعلا به جبريل حتى أتى به الجبار -تبارك
وتعالى- وهو في مكانه) هذا نص البخاري في صحيحه.
وفي بعض الطرق (فوضع عنه عشرا ثم نزل حتى مر بموسى فأخبره فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله ﵎ حتى جعلها خمسا فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف فقال: قد استحييت من ربي ولكن أرضى وأسلم، فلما نفذ نادى مناد قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي) .
стр. 155
والحوض الذي أكرمه الله -تعالى- به غياثا لأمته حق
стр. 156
ومنها حديث أبي سعيد ﵁ (إن لي حوضا طوله ما بين الكعبة إلى بيت المقدس أشد بياضا من اللبن آنيته عدد نجوم السماء وكل نبي يدعو أمته ولكل نبي حوض، فمنهم من يأتيه الفئام، ومنهم من يأتيه العصبة، ومنهم من يأتيه النفر، ومنهم من يأتيه الرجلان والرجل، ومنهم من لا يأتيه أحد فيقال: لقد بلغت وإني لأكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة) .
مسألة: الحوض قبل الصراط أو بعد الصراط في هذه المسألة قولان للسلف في هذه المسألة قولان: أحدهما أن الحوض يورد بعد الصراط يعني: يكون المرور على الصراط أولا ثم بعد المرور على الصراط يورد الحوض واختار هذا الحافظ ابن حجر ﵀ والسيوطي -رحمهما ال-له واحتج هؤلاء بحديث النضر بن أنس، فإن ظاهره يقتضي ذلك وذلك أن النضر قال: (سألت رسول الله ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة قال: أنا فاعل قال: وأين أطلبك يا نبي الله؟ قال: اطلبني أول ما تطلبني عند الصراط قال: قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: فأنا عند الميزان قال: قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: فأنا عند الحوض لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن يوم القيامة) .
وكذلك أيضا من أدلتهم حديث لقيط واقد بني المنتفق فإن فيه أنه قال في آخر الحديث: (فتطلعون على الحوض) يعني: بعد المرور على الصراط القول الثاني: أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط وهذا هو الصواب هذا هو الصحيح لما يأتي من الأدلة من الشرع والعقل، منها من أدلة هذه القول الأحاديث التي تدل على منع المرتدين على أعقابهم وأنهم يذادون عن الحوض كحديث أنس ﵁ (ليردن علي ناس من أصحابي حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول: أصحابي، فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك) ومنها حديث سهل بن سعد الأنصاري ﵁ (إني فرطكم على الحوض من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم - وزاد أبو سعيد الخدري ﵁ فأقول: إنهم من أمتي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: سحقا سحقا لمن غير بعدي) .
فهذه الأحاديث تدل على أن الحوض يورد قبل الصراط من وجهين الأول: لو كان الورود على الصراط قبل الحوض لكان مثل هؤلاء المذادين الذين يذادون عن الحوض ويطردون لا يجاوزون الصراط؛ لأنهم إن كانوا كفارا فالكافر لا يجاوز الصراط بل يكب على وجهه في النار قبل أن يجاوزه وإن كانوا عصاة وهم من المسلمين، فهؤلاء وإن كانوا عصاة وهم من المسلمين فجازوا الصراط لم يشفع لهم في دخول النار أو عفا الله عنهم بدون شفاعة، وإن لم يكن شفاعة ولا عفو دخلوا النار ولبثوا فيها بقدر عصيانهم وحينئذ يلزم حجبهم عن الحوض مع أنهم من المسلمين وهذا بعيد حجبهم عن الحوض لا سيما وعليهم سيما الوضوء وقد قال النبي ﷺ (أعرفهم غرا محجلين من أثر الوضوء) .
الثاني: لو كان الورود على الصراط قبل الحوض للزم ألا يحجب عن الحوض أحد؛ لأن من جاوز الصراط لا يكون إلا ناج مسلم ومثل هذا لا يحجب عن الحوض، ومن الأدلة من العقل أن الناس يردون الموقف عطاشا فمن المناسب ورود المؤمنين الحوض قبل مرورهم على الصراط، وأما حديث النضر بن أنس الذي استدل به أهل القول الأول على أن الصراط يكون قبل الحوض يجاب عنه بأجوبة: منها: أن المراد بالحوض فيه حوض آخر يكون بعد الجواز على الصراط لا يذاد عنه أحد كما جاء في بعض الأحاديث كحديث لقيط بن عامر وفيه: (ثم ينصرف نبيكم وينصرف على أثره الصالحون فيسلكون جسرا من النار فيطأ أحدكم الجمر فيقول: حس يقول ربك أو أنه ألا فتطلعون على حوض نبيكم على أظمأ -والله- ناهلة عليها قط ما رأيتها، فلعمر إلهك ما يبسط أحد منكم يده إلا وضع عليها قدح يطهره من الطوف والبول والأذى) .
ثانيا: أن الحوض نفسه يمتد إلى ما وراء الجسر كما يفيده حديث ليقط هذا وأن المؤمنين إذا جاوزوا الصراط وقطعوه دنا لهم الحوض فشربوه منه فإنه ورد أن طوله شهر وعرضه شهر، فإذا كان بهذا الطول والسعة فما الذي يحيل امتداده إلى ما وراء الجسر، وعلى هذا فيرده المؤمنون مرتين مرة قبل الصراط ومرة بعده جمعا بين الأدلة وهذا في حيز الإمكان ووقوعه موقوف على خبر الصادق.
وهذا كلام العلامة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد يقول: إذا كان الحوض بهذه السعة طوله شهر مسافته شهر فهذا يدل على أنه يمتد وأنه طويل وأنه يكون ما وراء الجسر وأن الناس يردونه مرة قبل الصراط ومرة بعد المرور على الصراط، وجمع بعض أهل العلم فقال: إن للنبي ﷺ حوضين: أحدهما في الموقف قبل الصراط والآخر داخل الجنة وهو الكوثر وكل منهما يسمى كوثرا، ولكن هذا لا يصلح جوابا عن حديث النضر؛ لأنه صرح أنه يوم القيامة وأجاب الحافظ ابن حجر ﵀ عن هذا الجواب قال: وفيه نظر؛ لأن الكوثر نهر داخل الجنة وماؤه يصب في الحوض ويطلق على الحوض كوثرا لكونه يمد من نهر الكوثر.
стр. 157
وقال الحافظ أيضا: ظاهر الأحاديث أن الحوض بجانب الجنة لينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها وهذا يدل على أن الحوض بعد الصراط؛ إذ لو كان قبل الصراط لحالت النار بينه وبين الماء الذي يصب من الكوثر فيه.
وأجاب الحافظ عن الأحاديث التي تدل على منع المرتدين على أعقابهم قال: وأما ما أورد عليه من أن جماعة يدفعون من الحوض بعد أن يروه ويذهب بهم إلى النار، فجوابه أنهم يقربون من الحوض بحيث يرونه ويرون الجنة فيدفعون في النار قبل أن يخلصوا من بقية الصراط، ولكن هذا تأويل بعيد.
وأجاب السيوطي عن إشكال يرد على القول أن الحوض يورد بعد الصراط قال: فإذا قيل: إذا خلصوا من الموقف دخلوا الجنة فلا يحتاجون إلى الشرب من الحوض، فالجواب بل هم محتاجون إلى ذلك؛ لأنهم محبوسون هناك لأجل المظالم فكان الشرب في موقف القصاص يعني: يكون الشرب على ما ذكر السيوطي بعد المرور على الصراط؛ لأنه ثبت أن المؤمنين إذا تجاوزوا الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار قيل: إنها طرف الصراط وقيل: إن الصراط خاص بالمؤمنين حتى يقتص بعضهم من البعض من الآخر المظالم التي بينهم، فإذا هذبوا ونقوا دخلوا الجنة.
قال السيوطي ﵀: يكون في هذا المكان يكون هو الحوض في هذا المكان، ولكن هذا أيضا بعيد؛ لأن هذا التأويل يرده الأحاديث الكثيرة التي صرحت بأنه يزاد عن الحوض أقوام قد ارتدوا على أعقابهم، وهذا يدل على أن الحوض في موقف الحساب لا في موقف قصاص المؤمنين بعضهم من بعض، وجمع بعض العلماء بين الأحاديث بجمع آخر وهو أنه يقع الشرب من الحوض قبل الصراط لقوم ويتأخر الشرب بعد الصراط لآخرين بحسب ما عليهم من الذنوب والأوزار حتى يهذبوا منها على الصراط، قال بعض أهل العلم: وهو جمع حسن القول، وعلى هذا الجمع يكون هناك حوضان حوض قبل الصراط وحوض بعده أو أن الحوض نفسه يمتد إلى ما وراء الجسر كما سبق هذا في الجواب عن حديث النضر.
هذه أقوال العلماء في الحوض هل قبل الصراط أو بعد الصراط ولكن يعني: الحافظ ابن حجر يقول: إنه الصراط وابن القيم ﵀ يقول: لا مانع إذا صح الحديث يكون من وراء الجسر وبعض العلماء يقول: الناس محتاجون إلى أن يشربوا أيضا بعد الجسر.
لكن سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز -غفر الله له ورحمه وجمعنا به في الفردوس الأعلى- تنبه لأمر لم يتنبه له هؤلاء العلماء الذين قالوا إن الحوض قبل الصراط قال سماحة شيخنا ﵀: إن صحت الأخبار أنهم يردون بعد الصراط فهذا نهر يردونه في الجنة؛ لأن الصراط ممدود على متن جهنم يصعد الناس عليه إلى الجنة، فمن جاوز الصراط وصل إلى الجنة، والحوض في الأرض فلا يرجعون إلى الأرض مرة ثانية بعد صعودهم إلى الجنة يعني: كيف يكون الحوض بعد الصراط؟ الصراط ممدود على متن جهنم صعود يصعد الناس فيه من الأرض إلى السماء فإذا انتهوا وصلوا إلى الجنة ما فيه حوض هناك كيف وأين يكون الحوض؟ الحوض في موقف القيامة قبل الصراط قبل المرور على الصراط وهذا هو الذي تدل عليه الأحاديث وتدل على أنه، ويدل على ذلك أنه يذاد أقوام قد غيروا وبدلوا هذا يكون في موقف القيامة أما بعد المرور على الصراط انتهى الأمر، من سقط في النار سقط في النار، ومن تجاوز الصراط وصل إلى الجنة.
لكن السيوطي يقول: يكون في مكان قبل دخولهم الجنة لكن هذا بعيد والصواب الذي تدل عليه النصوص أن الحوض يكون قبل الصراط هذا هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة.
وهل الحوض قبل الميزان أو بعد الميزان؟ أيضا في المسألة قولان لأهل العلم: أحدهما: أن الميزان أسبق من الحوض حجة هذا القول ظاهر حديث النضر بن أنس فإنه قدم الميزان على الحوض الثاني: أن الحوض قبل الميزان، وهذا هو الراجح حجة هذا القول الأحاديث التي تدل على أنه يزاد عن الحوض أقوام قد ارتدوا على أعقابهم، فلو كان ورود الحوض بعد الميزان لما حجب عنه أقوام؛ لأن هؤلاء الذي خفت موازينهم يعرفون أنه لا سبيل لهم إلى الشرب من الحوض فلا يردونه إطلاقا.
ويدل على ذلك أيضا من العقل أن المعنى يقتضيه فإن الناس يخرجون من قبورهم عطاشا، فمن المناسب أن يكون الورود على الحوض قبل الميزان للحاجة الشديدة إلى الشرب فيقدم قبل الميزان.
صفة الحوض: صفة الحوض كما وردت في الأحاديث الذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الحوض أنه حوض عظيم ومورد كريم يمد من شراب الجنة من نهر الكوثر الذي هو أشد بياضا من اللبن وأبرد من الثلج وأحلى من العسل وأطيب ريحا من المسك، وأنه في غاية الاتساع وأن عرضه وطوله سواء وأن كل زاوية من زواياه مسيرة شهر، وكلما شرب منه فهو في زيادة واتساع وأنه ينبت في خلاله من المسك والرفراف من اللؤلو وقضبان الذهب ويثمر ألوان الجواهر، -فسبحان الخالق الذي لا يعجزه شيء-.
стр. 158
مكان الحوض: بين القرطبي ﵀ في التذكرة أن مكان الحوض لا يكون على هذه الأرض وإنما يكون في الأرض المبدلة ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ يكون في الأرض المبدلة التي تظهر لنزول الجبار -تعالى- فقال القرطبي ﵀ ولا يخطر ببالك أنه في هذه الأرض بل في الأرض المبدلة أرض بيضاء كالفضة لم يسفك فيها دم ولم يظلم على ظهرها أحد ولم يظلم على ظهرها أحد، قط تظهر لنزول الجبار ﷻ لفصل القضاء.
شبه المنكرين للحوض: قال القرطبي ﵀ تبعا للقاضي عياض: مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به أن الله قد خص نبيه محمد ﷺ بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي؛ إذ قد روي ذلك عن النبي ﷺ من الصحابة ينيف على الثلاثين منهم في الصحيحين ما ينيف على العشرين وفي غيرها بقية ذلك مما صح نقله، واشتهرت رواته، ثم رواه كلا من التابعين أمثالهم ومن بعدهم أضعاف أضعافهم، وهلم جرا وأجمع إلى إثباته السلف وأهل السنة من الخلف وأنكر ذلك طائفة من المبتدعة وأحالوه على ظاهره وغلوا في تأويله من غير استحالة عقلية ولا عادية تلزم من حمله على ظاهره وحقيقته ولا حاجة إلى تأويله من غير استحالة عقلية ولا عادية تلزم من حمله على ظاهره وحقيقته لا حاجة تدعو إلى تأويله، فحرفه من حرف إجماع السلف وفارق مذهب أئمة الخلف، والذي أنكره الخوارج وبعض المعتزلة، وممن كان ينكر الحوض عبيد الله بن زياد أحد أمراء العراق لمعاوية وولده الذي يطرد من الحوض ويذاد عنه دلت الأحاديث على أن الذين ارتدوا كالأعراب الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ يطردون ويذادون، ولهذا أخبرنا هذه الحديث أنه (يذاد أقوام فيقول النبي أصحابي أصحابي) وفي لفظ (أصحابي أصحابي فيقال للنبي ﷺ إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) قال بعد السفاريني ﵀: إنه يطرد عن الحوض أقوام، أنواع جنس المفترين على الله وعلى رسوله من المحدثين في الدين كالخوارج وسائر أهل الأهواء والبدع المضلة، وثانيا: كل من يرتد عن دين الله أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله ولم يأذن به، وأشدهم من خالف جماعة المسلمين كالخوارج والروافض والمعتزلة، وثالثا: الظلمة المسرفون في الظلم في الظلم والجور وطمس معالم الحق وإذلال أهله، ورابعا: المتهتكون
في ارتكاب المناهي والمعلنون في اقتراف المعاصي المستخفون بها.
هذا قول السفاريني ﵀ يرى أن هذه الأنواع كل هؤلاء يطردون عن الحوض، لكن ظاهر الأحاديث الصحيحة أن الذين يزادون إنما هم الكفرة المرتدون على أعقابهم المرتدون عن الديانة هذه هو ظاهر الأحاديث، أما هذه الأنواع التي ذكرها المفترون على الله الكذب وعلى رسوله الكفرة لا بأس، أما كون العصاة يذادون، فهذا محل نظر ويحتاج إلى دليل والله أعلم. نعم.
стр. 159
والشفاعة التي ادخرها لهم حق كما روي في الأخبار
стр. 160
النوع الخامس: الشفاعة في قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم ليدخلوا الجنة ودليلها ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال (السابق يدخل الجنة بغير حساب) والمتصل برحمة الله والظالم نفسه وأصحاب الأعراف يدخلونها بشفاعة النبي ﷺ . السادس: الشفاعة في قوم قد أمر بهم إلى النار لا يدخلونها ودليلها حديث حذيفة عند مسلم وفيه: (ونبيكم على الصراط يقول: رب سلم)
السابع: الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه وهي خاصة بأبي طالب عم النبي ﷺ وخاصة بالنبي ﷺ ودليلها ما ورد في طرق متعددة أن النبي ﷺ قيل له: (إن أبا طالب يحميك ويذود عنك ويؤويك فهل نفعته؟ قال نعم وجدته في غمرات من نار فأخرجته منها إلى ضحضاح من نار يغلي منها دماغه) أسأل الله السلامة والعافية.
الثامنة: الشفاعة في أهل الكبائر من أمة محمد ﷺ ممن دخلوا النار ليخرجوا منها وهذا أدلته متواترة تواتر بهذا النوع الأحاديث من ذلك حديث أنس ﵁ (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وهذه شفاعة تتكرر من النبي ﷺ أربع مرات كما ثبت في حديث أنس وأنه في المرة الأولى يقال: (أخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، وفي الثانية يقال له: أخرج من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان، وفي الثالثة يقال له: أخرج من كان في قلبه أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان، وفي الرابعة يقال له: يقول لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله أو أخرج منها من قال: لا إله إلا الله)
فالمتفق عليه من الأمة الأربعة الأولى، وهذه الأربعة الأخيرة مختلف فيها خالف فيها الخوارج والمعتزلة وأنكروها جهلا منهم بصحة الأحاديث وعنادا ممن علم ذلك واستمر على بدعته الوعيدية، يعني: الخوارج والمعتزلة زعموا أن الشفاعة إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع بعض الدرجات، والفائدة والحكمة من الشفاعة هي إكرام الشفيع في قبول شفاعته كما في الحديث: (اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء) وحكمة إلهام الناس التردد إلى غير النبي ﷺ في موقف القيامة يسألون الأنبياء أن يشفعوا لهم، ولم يلهموا لمجيء النبي ﷺ من أول وهلة لإظهار فضله وشرفه ﷺ .
أقسام الناس في الشفاعة ثلاثة:
قسم غلوا في إثباتها فأثبتوها مطلقة وهم المشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وبعض الصوفية فأثبتوا شفاعة الأصنام والأوثان ويجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا.
وقسم غلوا في نفيها فنفوا شفاعة نبينا محمد ﷺ وغيره في أهل الكبائر، وهم الخوارج والمعتزلة.
وقسم توسطوا وهم أهل السنة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر وشفاعة غيره ويشترطون لها شرطين أخذوهما من النصوص:
أحدهما: إذن الله للشافع أن يشفع ودليله قول الله -تعالى -: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾
والثاني: والثاني رضى الله عن المشفوع له، ودليله قول الله -تعالى-: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وينفون الشفاعة التي تكون للمشرك عملا بقول الله -تعالى-: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ويوفون الشفاعة التي تكون للمشرك عملا بقول الله --تعالى-: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) ﴾
مسألة: الأعمال الموعود عليها الشفاعة قال السفاريني ﵀ إن الأعمال الموعود عليها الشفاعة خمسة:
الأول: إخلاص التوحيد من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه ودليله حديث أبي هريرة أنه سأل النبي ﷺ فقال: (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله. قال: من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه)
الثاني: الدعاء بما ورد بعد سماع النداء يعني: إجابة المؤذن والدعاء بما ورد ودليله حديث جابر: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة)
الثالث: الصبر على لأواء المدينة وجدبها، ودليله حديث سعد بن أبي وقاص: (لا يصبر أحد على لأواء المدينة وجدبها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة)
الرابع: الموت في أحد الحرمين، ودليله حديث سلمان (من مات في أحد الحرمين استوجب شفاعتي وكان يوم القيامة من الآمنين)
الخامس: الصلاة على الرسول ﷺ عشرا في الصباح وعشرا في المساء، ودليله حديث أبي الدرداء: (من صلى علي حين يصبح عشرا وحين يمسي عشرا أدركته شفاعتي يوم القيامة) هذا الذي ذكره السفاريني ﵀ لكن هذه الأنواع فيها نظر.
стр. 161
أما النوع الأول: وهو إخلاص التوحيد فهذا لا شك فيه أن من أخلص التوحيد لله فهو من أهل الشفاعة وهذا في الحديث في الصحيحين قال: (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله قال: من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه) كذلك الثاني إجابة نداء المؤذن إذا أجاب المؤذن وقال هذا الدعاء لكنه مقيد بإخلاص التوحيد يعني: إخلاص التوحيد هذا قيد، وأما الثالث الصبر على لأواء المدينة وجدبها فالحديث إن صح فهو محمول على الموحد الذي اجتنب الكبائر جمعا بين الأحاديث؛ لأن النبي ﷺ قال: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) لا بد من اجتناب الكبائر قال --تعالى-: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) ﴾
أما الموت في أحد الحرمين وهو في حديث سلمان (من مات في أحد الحرمين استوجب شفاعتي وكان يوم القيامة من الآمنين) فلا أظن الحديث يصح ما أظن الحديث يصح، والموت في أحد الحرمين ليس باختيار الإنسان وهذا ليس من عمل الإنسان ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ما أظن الحديث يصح، ولكن لو صح فهو محمول على المؤمن الموحد والمؤمن الموحد لا شك أنه من أهل الشفاعة أنه من أهل الشفاعة، وكذلك الصلاة على الرسول عشرا في الصباح وعشرا في المساء إن صح الحديث فهو محمول على من قال، على من فعل ذلك وكان من المؤمنين الموحدين.
شبه المنكرين للشفاعة:
وهم المعتزلة والخوارج أنكروا الشفاعة وأنكروا أن يخرج أحد من النار بعد دخولها استدلوا أولا بقول الله -تعالى-: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ وقول الله --تعالى-: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ وقول الله --تعالى-: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ دلت هذه الآيات على أن من دخل جهنم من أهل الكبائر يخلد فيها ولا تقبل فيه الشفاعة هكذا قالوا، الرد عليهم أن هذه الآيات مخصوصة بالكفار، ويؤيد هذا سياق الخطاب في الآية الأولى والثالثة، فإن الآية نزلت ردا على اليهود في زعمهم أن آباءهم يشفعون لهم.
الدليل الثاني: استدلوا بقول الله --تعالى-: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) ﴾ ووجه الدلالة أنها دلت على أن صاحب الكبيرة لا تنفعه الشفاعة الرد عليهم من قبل أهل السنة أن الآية في الكفار بدليل وصفهم في الآيات السابقة لها في قوله -تعالى-: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) ﴾
الدليل الثالث: استدلوا بقول الله -تعالى-: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) ﴾ ووجه الدلالة أن الآية دلت على أن الظالم ليس له شفيع يطاع، والعاصي ظالم، الرد أن المراد بالظالمين الكفار؛ لأن الظلم إذا أطلق انصرف إلى الكفر إذا الكفر أعظم الظلم بدليل قول الله -تعالى-: ﴿إِن الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) ﴾
الدليل الرابع: قول الله -تعالى-: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ ووجه الدلالة أن الآية دلت على أن من دخل النار فهو هالك لا تنفعه الشفاعة بل هو مبعد ممقوت غير مرضي عنه فلا يدخل في قول الله -تعالى-: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ لأن من أخزاه الله لا يرتضي الرد أن المراد بقوله: تدخل النار يعني: تخلد المراد إنك من تدخل النار يعني: تخلد والمخلد في النار هالك لا تنفعه الشفاعة؛ إذ الخلود في النار خاص بمن مات على الكفر.
ويجاب عن الشبه الثلاث الأولى بجواب آخر وهو أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة المعروفة عند الناس على الإطلاق وهي أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء بدون إذن فيقبل شفاعته، فأما إذا أذن له في أن يشفع فشفع لم يكن مستقلا بالشفاعة بل يكون مطيعا له تابعا له في الشفاعة وتكون شفاعته مقبولة ويكون الأمر كله للآمر المسئول كما قال الله --تعالى-: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ والذي يبين أن هذه هي الشفاعة المنفية قول الله -تعالى-: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ وقوله -سبحانه-: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾
стр. 162
والخلاصة أن المنفي الشفاعة التي يثبتها أهل الشرك ومن شابههم من أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه كما يشفع الناس بعضهم عند بعض فيقبل المشفوع إليه شفاعة شافع لحاجته إليه رغبة ورهبة، وكما يعامل المخلوق المخلوق بالمعاوضة الكفار لا تنفعهم شفاعة الشافعين في الآخرة، ولكن قد يخف العذاب عن بعض الكفار بسبب نصرته ومعونته فإنه تنفعه الشفاعة في تخفيف العذاب لا في إسقاط العذاب بالكلية، وهذا خاص بأبي طالب وخاص بالنبي ﷺ وبهذا يتبين أن أدلة الخوارج والمعتزلة إنما هي الأدلة التي يستدل بها كلها في الكفرة.
التوسل طلب الشفاعة والاستشفاع طلب الشفاعة وهي الانضمام وانضمام الأدنى إلى الأعلى ليستعين به على ما يطلبه ويروجه، الاستشفاع بالنبي ﷺ وغيره في الدنيا إلى الله في الدعاء بمعنى التوسل به إذا قال إنسان: أنا أتوسل بالنبي ﷺ أو أنا أستشفع بالنبي ﷺ في الدنيا فما المراد بالتوسل والاستشفاع؟ وهل هو جائز أو غير جائز؟.
الجواب: أن هذا مجمل فيه تفصيل؛ لأن التوسل والاستشفاع بالنبي ﷺ يراد به ثلاثة أمور أمران متفق عليهما بين المسلمين والثالث مختلف فيه، أما الأمران المتفق عليهما التوسل بالرسول ﷺ بمعنى التوسل بالإيمان به وطاعته فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به وهو أصل الإيمان والإسلام.
الثاني: التوسل بالنبي ﷺ بمعنى التوسل بدعائه وشفاعته وهذا أيضا جائز ونافع يتوسل به من دعا له وشفع وهذا كان في حياة النبي ﷺ ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته، ومن أنكر التوسل بالرسول ﷺ بأحد هذين المعنيين فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتدا، وإن كان الثاني أخفى من الأول التوسل بالنبي بمعنى التوسل بالإيمان به وطاعته هذا فرض أو التوسل بدعائه بمعنى أنه يدعو وأنت تؤمن كما في حياته وكما يكون يوم القيامة.
الثالث: التوسل بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه لا في حياته ولا بعد مماته لا عند قبره ولا غير قبره ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية.
فالصواب: أن هذا ممنوع فإذا التوسل بالنبي ﷺ التوسل بالإيمان به هذا فرض التوسل بدعائه في حياته ويوم القيامة هذا أيضا جائز التوسل بذاته هذا ممنوع، وأما حديث الأعمى الذي فيه قل: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة يا محمد إني أتشفع بك في رد بصري اللهم شفعه في) فالصواب أن الأعمى توسل بدعاء النبي ﷺ يدعو النبي ﷺ وهو يؤمن فإذا التوسل بالذات هذا ممنوع وكذلك التوسل بالجاه كأن يقول: أتوسل بجاه فلان أو بحق فلان أو بحرمة فلان هذا ممنوع وهذا مبتدع.
ولكن التوسل الشرعي إما بدعاء الحي الحاضر كأن يدعو وأنت تؤمن أو تتوسل بالإيمان والتوحيد -إيمانك بالله ورسوله وتوحيده- أو تتوسل بعملك الصالح كالثلاثة كما توسل الثلاثة الذين دخلوا الغار فانطبقت عليهم الصخرة توسل أحدهم ببره لوالديه، والثاني توسل بعفته عن الزنا، والثالث توسل بأمانته هذا بعملك الصالح تتوسل بفقرك وحاجتك إلى الله لا بأس كقول موسى: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) ﴾ هذا لا بأس تتوسل بدعاء شخص حاضر تتوسل بالتوحيد والإيمان تتوسل بأعمالك الصالحة تتوسل بفقرك وحاجتك إلى الله تتوسل بأسماء الله وصفاته لا بأس، أما أن تتوسل بذاته فلان هذا ممنوع تتوسل بجاه فلان هذا ممنوع تتوسل بحرمة فلان هذا ممنوع تتوسل بحق فلان هذا ممنوع. وفي الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة ﵃ في حديث الشفاعة.
منهما عن أبي هريرة ﵁ قال: (أتي رسول الله ﷺ بلحم فدفع إليه منها الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي.
стр. 163
اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسماك الله عبدا شكورا فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: نوح إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وذكر كذباته نفسي نفسي نفسي.
اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون أنت رسول الله اصطفاك الله برسالاته وبتكليمه على الناس اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها نفسي نفسي نفسي.
اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه قال: هكذا هو وكلمت الناس في المهد فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا.
اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد ﷺ فيأتونني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأقوم فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء ما لم يفتحه على أحد قبلي فيقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأقول: يا رب أمتي أمتي يا رب أمتي أمتي يا رب أمتي أمتي فيقال: أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سواه من الأبواب ثم قال: والذي نفسي بيده لما بين مصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبُصرى) أخرجاه في الصحيحين بمعناه واللفظ للإمام أحمد.
وقد جاء في حديث الصور التصريح بالشفاعة العظمى ومن مضمونه أنهم يأتون آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم يأتون رسول الله محمد ﷺ فيذهب فيسجد تحت العرش في مكان يقال له: الفحص فيقول الله ما شأنك وهو أعلم قال رسول الله ﷺ فأقول: (يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم فيقول : شفعتك، أنا آتيكم فأقضي بينكم قال: فأرجع فأقف مع الناس) ثم ذكر انشقاق السماوات وتنزل الملائكة في الغمام ثم يجيء الرب لفصل القضاء والكروبيون والملائكة المقربون يسبحونه بأنواع التسبيح قال: (فيضع الله كرسيه حيث شاء من أرضه ثم يقول: إني أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا أسمع أقوالكم وأرى أعمالكم فأنصتوا لي فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) .
إلى أن قال: (فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة قالوا: من يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم؟ إنه خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا فيأتون آدم فيطلب ذلك إليه وذكر نوحا، ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمدا ﷺ إلى أن قال: قال رسول الله ﷺ فآتي الجنة فآخذ بحلقة الباب ثم أستفتح فيفتح لي فأُحيا ويرحب بي، فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي فخررت له ساجدا فيأذن لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه ثم يقول الله -تعالى- لي: ارفع رأسك يا محمد واشفع تشفع وسل تعطه، فإذا رفعت رأسي قال الله وهو أعلم: ما شأنك؟ فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في أهل الجنة يدخلون الجنة فيقول الله قد شفعتك وأذنت لهم في دخول الجنة) الحديث رواه الأئمة ابن جرير في تفسيره والطبراني وأبو يعلى الموصلي والبيقهي وغيرهما والله أعلم.
стр. 164
والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق.
стр. 165
هكذا جاء في الحديث والذي فيه الإشهاد على الصفة التي قالها أهل هذا القول، وردت في أحاديث عن ابن عباس رواه ابن عباس وابن عمر وتكلم فيها بعضهم، ومن الأدلة حديث ابن عباس الذي رواه الإمام أحمد عن النبي ﷺ قال: (إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ﵊ بنعمان وهو واد إلي جنب عرفة - يوم عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ثم كلمهم قبلا قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ ) إلى آخر الآية وحديث عبد الله بن عمرو الذي يرويه مجاهد عنه قال: قال رسول الله ﷺ ( ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال: أخذوا من ظهره كما يؤخذ المشط من الرأس فقال لهم: ألست بربكم قالوا: بلى قالت الملائكة: شهدنا ﴿أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) ﴾ )
وأقوى ما يشهد لصحة هذا القول حديث أنس المخرج في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا؟ قال: فيقول: نعم قال: فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم ألا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي شيئا) وقد روي من طريق أخرى (قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل) فيرد إلى النار وليس فيه في ظهر آدم.
أدلة القول الثاني الذين يقولون: إن الله -تعالى- نصب الأدلة وأن الإشهاد بلسان الحال قالوا: الآية تدل على هذا القول من وجوه:
أحدها: أنه قال في الآية: من بني آدم ولم يقل: من آدم.
الثاني: أنه قال: من ظهورهم ولم يقل: من ظهره وهو بدل بعض أو بدل اشتمال وهو أحسن.
الثالث: أنه قال: ذريتهم ولم يقل: ذريته.
الرابع: أنه قال: وأشهدهم على أنفسهم ولا بد أن يكون الشاهد ذاكرا لما شهد به وهو لا يذكر شهادته إلا بعد خروجه إلى هذه الدار لا يذكر شهادته قبله.
الخامس: أنه سبحانه أخبر أن حكمته بهذا الإشهاد إقامة للحجة عليهم لئلا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها بدليل قول الله -تعالى-: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾
سادسا: تذكرهم بذلك لئلا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين ولا شك أنهم غافلون عن الإخراج لهم من صلب آدم كلهم وإشهادهم جميعا ذلك الوقت هذا لا يذكره أحد منهم.
سابعا: أن هناك حكمتين في هذا الإشهاد لئلا يدعوا الغفلة أو يدعوا التقليد في قوله: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إذ الغافل لا شعور له، والمقلد متبع في تقليده لغيره، ولا تترتب هاتان الحكمتان إلا على ما قامت به الحجة من الرسل والفطرة.
الثامن: أن الله توعدهم بجحودهم وشركهم في ادعائهم التقليد في قوله: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) ﴾ والله -سبحانه- إنما يهلكهم بمخالفة رسلهم وتكذيبهم بعد الإعذار والإنذار بإرسال الرسل إذا أخبر أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون.
التاسع: أنه سبحانه أخبر أنه أشهد كل واحد على نفسه واحتج عليه بهذا في غير موضع من كتابه كقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وإنما ذلك بالفطرة وهي الحجة التي أشهدهم على أنفسهم بمضمونها وذكرتهم بها رسله بقولهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
العاشر: أنه جعل الإشهاد آية وهي الدلالة الواضحة المبينة المستلزمة لمدلولها وإنما يتضح ذلك بالفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، وهذا شأن آيات الرب تكون واضحة بينة مستلزمة لمدلولها قال -تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) ﴾ ويؤيد ما قالوا ويؤيد هذا القول أحاديث منها رواية الحسن عن الأسود بن سريع من بني سعد قال: (غزوت مع رسول الله ﷺ أربع غزوات قال: فتناول القوم ذرية بعدما قتلوا المقاتلة فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فاشتد عليهم مما قال، وقال: ما بال أقوام يتناولون الذرية فقال رجل يا رسول الله أليسوا أبناء المشركين؟ فقال: إن خياركم أبناء المشركين ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها فأبواها يهودانها وينصرانها)
قال الحسن: ولقد قال الله في كتابه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية ومنها حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين قال: قال رسول الله ﷺ (كل مولود يولد على الفطرة) وفي رواية: (على هذه الملة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تولد بهيمة جماء هل تحسون فيها من جدعاء)
стр. 166
ومنها حديث عياض بن حمار في صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ (إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم)
قالوا: والقول الأول يضعفه أمران إذ هو متضمن لها أحدهما كون الناس تكلموا حينئذ وأقروا بالإيمان وأنه بهذا تقوم عليهم الحجة يوم القيامة الثاني: أن الآية دلت على هذا، والآية لا تدل عليه بالوجوه العشرة السابقة.
أما الآثار التي استدل بها أهل القول الأول، فأجاب عنها أهل القول الثاني بأنها تدل على أن الله -سبحانه- صور النسمة وقدر خلقها وأجلها وعملها واستخرج تلك الصور من مادتها ثم أعادها إليها وقدر خروج كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له ولا تدل على أنها خلقت خلقا مستقرا واستمرت موجودة ناطقة كلها في موضع واحد ثم يوصل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة كما قال ابن حزم: هذا لا تدل الآثار عليه كما أنها لا تدل على سبق الأرواح الأجساد سبقا مستقرا ثابتا، كما قال من قال: إن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد بل الرب يخلق منها جملة بعد جملة على الوجه الذي سبق به التقدير أولا فيجيء الخلق الخارجي مطابقا للتقدير السابق كشأنه -سبحانه- في جميع مخلوقاته فإنه قدر لها أقدارا وآجالا وصفات وهيئات ثم أخرجها إلى الوجود مطابقة لذلك التقدير السابق.
فالآثار المروية إنما تدل على هذا المقدار وبعضها يدل على أن الله استخرج أمثالهم وصورهم وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة عليهم هناك، وأما الآثار التي في بعضها الأخذ والقضاء بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار كما في حديث عمر، وفي بعضها الأخذ وإبراء آدم إياهم من غير قضاء ولا إشهاد كما في حديث أبي هريرة السابق، والذي فيه الإشهاد على الصفة التي قالها أهل الأول قالوا: إنه موقوف على ابن عباس وابن عمر، وتكلم فيه أهل الحديث، ولم يخرجه أحد من أهل الصحيح غير الحاكم في المستدرك على الصحيحين وهو معروف بتساهله ﵀ لكن قال المحقق الشيخ أحمد محمد شاكر: حديث ابن عباس وعمر صحيحان مرفوعان وتعليلهما بالوقف على ابن عباس وعمر غير سديد كما بين ذلك في شرحهما في المسند.
بعد هذا هل بين هذين القولين تناف؟ أو هل يمكن الجمع بين هذين القولين؟ قال شيخنا سماحة الشيخ عبد العزيز ﵀: لا تنافي بين القولين فإن الأخذ للذرية من ظهر آدم والإشهاد عليهم كان تقدمة لبعثة الرسل، والحجة إنما قامت ببعثة الرسل فهم الذين ذكروهم بتلك الشهادة فقامت للرسل الحجة على الناس كما لو كان عند الإنسان شهادة ثم نسيها ثم ذكره أحد إياها وقال له: يا فلان اذكر أن عندك شهادة في وقت كذا على كذا وأيضا فإن الأخذ من ظهور بني آدم أخذ من ظهر آدم فإن ظهورهم ظهر له وعلى هذا فلا منافاة بين الأقوال وظاهر هذه الأحاديث، وهذه الأحاديث ظاهرة في أن الله -تعالى- استخرج ذرية آدم أمثال الذر الأرواح وأشهدهم ثم أعادهم وكون الإنسان لا يذكر الشهادة لا يستلزم أن يكون ذلك وقع، جاءت الرسل بعد ذلك وذكرتهم بالشهادة، والحجة إنما قامت ببعثة الرسل، وعلى ذلك فلا منافاة بين القولين نعم
стр. 167
وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة فلا يزداد في ذلك العدد ولا ينقص منه
стр. 168
الأولى: مرتبة العلم، وصفة العلم من الصفات الذاتية وهي تتناول الموجود والمعدوم والواجب والممكن والمبتدع، وذلك أن علم الله محيط بالأشياء على ما هي عليه لا محو فيه ولا تغيير ولا زيادة ولا نقص فإن الله يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون لو كان كيف يكون؛ إذا علم الله يتناول الموجود ويتناول المعدوم ويتناول الواجب ويتناول الممكن ويتناول المبتدع أيضا، والأدلة على إثباتها من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصى واتفق عليه الصحابة والتابعون ولم يخالف فيها إلا مجوس هذه الأمة.
المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة وهي أن الله كتب مقادير الخلائق وما هو كائن إلى يوم القيامة في اللوح المحفوظ والأدلة على إثباتها قول الله -تعالى- ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ وفي الحديث (أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب قال: وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) ومن الأدلة على المرتبتين الأوليين قول الله -تعالى- ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾
المرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة وهي إثبات مشيئة الله النافذة الماضية إثبات نفوذ قدرته ومشيئته وشمول قدرته ومن الأدلة على إثباتها قول الله -تعالى-: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ وقول الله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾
الرابعة: مرتبة الخلق والإيجاد وهي إثبات خلق الله وإيجاده لكل شيء ومن الأدلة على إثباتها قول الله -تعالى-: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ هذه مراتب القدر العلم والكتاب والإرادة والخلق وقد نظمها بعضهم فقال:
علم كتابة مولانا مشيئته
وخلقه وهو إيجاد وتقدير
وخلقه وهو إيجاد وتقدير مذاهب الناس في القدر ثلاثة:
المذهب الأول: مذهب أهل السنة أن كل شيء بقضاء الله وقدره حتى العجز والكيس حتى العجز والكيس يعني: حتى العجز والجد والنشاط كله بقدر كل شيء بقضاء الله وقدره، مذهبهم أن كل شيء بقضاء الله وقدره حتى العجز والكيس وأن الله -تعالى- خلق أفعال العباد كما قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) ﴾ وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) ﴾ وأن الله -تعالى- يريد الكفر من الكافر ويشاؤه ولا يرضاه ولا يحبه فيشاؤه كونا ولا يرضاه دينا وأنه لا حادث إلا، وقد قدره الله أزلا أي: سبق به علمه، ويعتقد أهل السنة أن الإرادة قسمان: كونية قدرية خلقية ترادف المشيئة ودينية شرعية أمرية ترادف المحبة، ويثبتون أن العبد فاعل حقيقة ولكنه مخلوق لله ومفعول له ولا يقولون: هو نفس فعل الله فيفرقون بين الخالق والمخلوق والفعل والمفعول ويعتقدون العبد تابعة لمشيئة الله في كل شيء مما يوافق ما شرعه وما يخالفه من أفعال العبد وأقواله، فالكل بمشيئة الله، فما وافق ما شرعه رضيه وأحبه، وما خالفه كرهه كما قال الله -تعالى-: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِن اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾
المذهب الثاني: مذهب القدرية مذهب القدرية، ومن أصولهم نفي خلق الفعل مطلقا نفي خلق الفعل يقولون: أفعال العباد ليست مخلوقة لله أفعالهم من خير وشر وطاعة ومعصية لم يقدرها الله ولم يشأها ولم يخلقها، وغلاة القدرية والرافضة أنكروا أن الله عالم بالأزل، فالقدرية قسمان غلاة ومتوسطون، فالغلاة أنكروا المرتبتين الأوليين علم الله وكتابته، والمتوسطون أنكروا عموم المرتبتين الأخريين آمنوا بالعلم والكتابة اعترفوا صدقوا بالمرتبتين الأوليين ولكن جحدوا عموم المرتبتين الأخريين كما سيأتي، فغلاة القدرية القدامى -وهم قدامى- كمعبد الجهني الذي سأل ابن عمر عن مقالته وكعمرو بن عبيد، فإنهم ينكرون علم الله المتقدم وكتابته السابقة ويزعمون أن الله أمر ونهى وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه بل الأمر أنف أي: مستأنف، وهذا القول أول ما حدث في الإسلام بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين، وكان أول من أظهر ذلك بالبصرة معبد الجهني وأخذ عنه هذا المذهب غيلان الدمشقي فرد عليه بقية الصحابة كعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وواثلة بن الأسقع وغيرهم.
فالقدرية ينقسمون إلى فرقتين:
الأولى: تنكر أن الله سبق علمه بالأشياء مطلقا وتزعم أن الله لم يقدر الأمور أزلا ولم يتقدم علمه بها وإنما يعلمها إذا وقعت، وهؤلاء هم الغلاة قال العلماء: والمنكرون لهذا وهؤلاء الطائفة انقرضوا وهم الذين كفرهم الأئمة، مالك والشافعي وأحمد، وهم الذين قال فيهم الإمام الشافعي ﵀: ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصبوا وإن أنكروه كفروا.
стр. 169
الفرقة الثانية: المتوسطون أو عامة القدرية الذين أقروا بالعلم والكتاب المقرون بالعلم، وإنما خالفوا السلف في زعمهم أن أفعال العباد مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال يعني: يقولون: أفعال الله أفعال العباد ما شاءها الله ولا خلقها فيقولون: إن مشيئة الله عامة إلا أفعال العباد وخلق الله لكل شيء عام إلا أفعال العباد، وهذا المذهب مع كونه مذهبا باطلا أخف من المذهب الأول.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهؤلاء مبتدعة ضالون لكنهم ليسوا بمنزلة أولئك وفي هؤلاء خلق كثير من العلماء والعباد يعني: يوجد من العلماء من اعتنق هذا المذهب ومنهم من أخرج له البخاري ومسلم في صحيحهما لكن من كان داعية إلى بدعته لم يخرجوا له، وهذا مذهب فقهاء الحديث كأحمد وغيره ومن كان داعية إلى بدعته فإنه يستحق التعزير لدفع ضرره عن الناس وإن كان في الباطن مجتهدا فأقل عقوبته أن يهجر فلا يكون له مرتبة في الدين فلا يستقضى ولا تقبل شهادته. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀.
فالقدرية والمعتزلة نفاة القدر يثبتون للعبد مشيئة تخالف مشيئة الله أي: تخالف ما أراده الله من العبد وشاءه ويزعمون أن العبد يخلق فعل نفسه استقلالا بدون مشيئة الله وإرادته شبهتهم قالوا: لئلا يلزم على ذلك أن يخلق المعاصي ويعذب عليها فشبهتهم قالوا: فالقدرية على أصل وهو أنه يجب على الله فعل الأصلح للعبد، فلو قلنا: وفعل الأصلح للعبد وهو أن يقدر لهم الطاعة لا المعصية فلو قدر المعصية وعذب عليها للزم عليه أن يخلق المعاصي ويعذب عليها.
الرد عليهم نقول: أنتم في قولكم هذا كالمستجير من الرمضاء بالنار فإنهم هربوا من شيء فوقعوا في شر منه، فإنه يلزم على قولهم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله، فإن الله قد شاء الإيمان منه على قولهم، والكافر شاء الكفر فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله وهذا من أقبح الاعتقاد وهو قول لا دليل عليه بل هو مخالف للدليل النقلي والعقلي، وهل أضل ممن يزعم أن الله شاء الإيمان من الكافر والكافر شاء الكفر فغلبت مشيئة الكافر مشيئة الله؟.
ثانيا: أنه يلزم على قولهم أنه يقع في ملك الله ما لا يريد.
ثالثا: يلزم على قولهم على الإشراك في الربوبية وأن الله ليس ربا لأفعال الحيوانات أن الله ليس ربا لأفعال العباد ومذهبهم أن الله سبحانه ليس على كل شيء قدير وأن العباد يقدرون على ما لا يقدر عليه وأن الله -سبحانه- لا يقدر أن يهدي ضالا ولا يضل مهتديا، وهذا كما قال بعض العلماء: شرك في الربوبية مختصر؛ ولهذا ورد أن القدرية مجوس هذه الأمة لمشابهة قولهم لقول المجوس، فهم يثبتون مع الله خالقين للأفعال ليست أفعالهم مقدورة لله بل هي قادرة بغير مشيئة الله وإرادته ولا قدرة له عليها بل العباد خالقون لأفعالهم بدون مشيئة الله، والله لم يخلق أفعالهم وأنها واقعة بمشيئتهم وقدرتهم دون مشيئة الله، وأن الله لم يقدر ذلك عليهم ولم يكتبه ولا شاءه فشابهوا المجوس في كونهم أثبتوا خالقا مع الله؛ ولهذا سموا مجوس هذه الأمة وسموا قدرية لإنكارهم القدر.
والرد عليهم: يرد عليهم بأن ربوبية الله سبحانه الكاملة المطلقة تبطل قول هؤلاء؛ لأن مقتضى ربوبية الله لجميع ما في هذا الكون من الذوات والصفات والحركات والأفعال، وحقيقة قول هؤلاء أن الله ليس ربا لأفعال الحيوانات ولا تناولتها ربوبيته وكيف تتناول ما لا يدخل تحت قدرة الله ومشيئة وخلقه؟ وهذا قول عامتهم ومتصوفتهم، وهذا القول هو قول شائع في القدرية يعني: هذا القول هذا المذهب إنما هو مذهب عامة القدرية.
المذهب الثالث: مذهب الجبرية أن العبد ليس بفاعل أصلا بل هو مجبور على أفعاله وأفعاله واقعة باختياره وأن الفاعل منه سواه والمحرك له غيره فهو آلة محضة وحركاته بمنزلة هبوب الرياح وحركات المرتعش هذا قول عامة الجبرية، وأما متصوفتهم ممن يزعمون الترقي في مقام الشهود للحقيقة الكونية والربوبية الشاملة فيرون أن كل ما يصدر من العبد من ظلم وكفر وفسوق هو طاعة محضة؛ لأنها إنما تجري وفق ما قضاه الله وقدره فهو محبوب لديه مرضي عنه، فإنه إن خالف أمر الشرع فقد أطاع إرادته ونفذ مشيئته، وهؤلاء شر من القدرية النفاة وأشد عداوة لله ومناقضة لكتابه ورسله ودينه، وتسمى الجبرية قدرية لاحتجاجهم بالقدر وخوضهم فيه والتسمية على الطائفة الأولى أغلب والجبرية والقدرية في طرفي نقيض
فالقدرية غلوا في نفي القدر حتى أخرجوا أفعال العباد عن خلق الله ومشيئته والجبرية غلوا في الإثبات حتى سلبوا العباد قدرتهم واختيارهم وزعموا أنهم لا يفعلون شيئا البتة، وإنما الله هو فاعل تلك الأفعال حقيقة فهي نفس فعله لأفعالهم والعبيد ليس لهم قدرة ولا إرادة ولا فعل البتة وأن أفعالهم بمنزلة حركات الجماد لا قدرة لهم عليها وإمامهم الجهم بن صفوان.
стр. 170
الرد عليهم أن هذا المذهب باطل ضرورة؛ لأننا نفرق بالضرورة بين حركة البطش وحركة المرتعش ونعلم أن الأول باختياره بالاختيار دون الثاني.
ثانيا: ولأنه لو لم يكن العبد فعل أصلا لما صح التكليف ولا ترتب استحقاق الثواب والعقاب على أفعاله ولا إسناد الأفعال التي تقضي سابقة قصد إليه على سبيل الحقيقة، مثل صلى وصام وكتب بخلاف مثل طال واسود لونه وجرى النهر وذهبت الريح.
ثالثا: النصوص القطعية تنفي ذلك وتنسب الأفعال إلى العباد قال الله -تعالى-: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) ﴾ وقال -سبحانه-: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ وقال -سبحانه-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وقال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فالعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم حقيقة ولا يصح وصف الله بأفعال عباده، فالعبد هو الفاعل حقيقة بجعل الله له فاعلا، منشأ الضلال من شبه الجبرية أنهم يقولون: إننا نقول: إن العبد لا فعل له لئلا يقع في ملك الله ما لا يريد ولئلا يوجد خالق غير الله يعني: عكس شبهات القدرية.
ما هو منشأ ضلال كل منهما؟ التسوية بين المشيئة والإرادة وبين المحبة والرضا هذا هو الضلال يعني: كل من القدرية سووا بين إرادة الله ومحبته وإن كان كل من الطائفتين لم يثبت إلا إرادة القدرية ما أثبته إلا الإرادة الدينية لكن قالوا: كل ما قضاه الله وقدره فهو محبوب له مرضي وأنكروا أن يكون هناك إرادة كونية، والجبرية قالوا: ليس هناك إلا إرادة كونية وكل ما قضاه الله وقدره فهو محبوب له مرضي.
فإذا منشأ ضلال كل منهما التسوية بين المشيئة والإرادة وبين المحبة والرضا فسوى بينهما الجبرية والقدرية ثم اختلفوا، فالإرادة عند الجبرية واحدة وهي الكونية فقالوا: الكون كله بقضاء الله وقدره، فيكون محبوبا مرضيا حتى المعاصي والكفر والإرادة عند القدرية واحدة وهي الشرعية، فقالوا: ما شرعه الله فقد قدره وأمر به وأحبه وليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له فليست مقدرة ولا مقضية بل هي خارجة عن مشيئته وخلقه.
الرد عليهم أن نقول: قد دل على الفرق بين المشيئة والمحبة الكتاب والسنة والفطرة الصحيحة، أما المشيئة فمن الكتاب قول الله -تعالى-: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وقال: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ وأما نصوص المحبة والرضا فقال -سبحانه-: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) ﴾ وقال: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ وقال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ﴾ عقب ما نهى عنه الشرك والظلم والفواحش والكبر، وفي الحديث: (إن الله كره لكم ثلاثا -قيل: وقال-: وكثرة السؤال وإضاعة المال) وفي المسند (يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته)
ومذهب أهل السنة أن المشيئة والمحبة ليس مدلولهما واحدا ولا هما متلازمان بل قد يشاء الله ما لا يحبه، ويحب ما لا يشاء كونه، فالأول كمشيئته لوجود إبليس وجنوده ومشيئته العامة لجميع ما في الكون ما بغضه لبعضهم والثاني كمحبته لإيمان الكفار والفجار، ولو شاء ذلك لوجد ذلك كله فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ويرد على الطائفتين بقول الله -تعالى-: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) ﴾ أي: خلقكم والذي تعملون فدلت على أن أفعال العباد مخلوقة لله وعلى أن أفعال لهم حقيقة، ففيها الرد على الجبرية الذين يقولون: إن العبد لا فعل له وفيها الرد على القدرية الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه استقلالا ويرد عليهم بحديث حذيفة: (إن الله خالق كل صانع وصنعته) فالله سبحانه خلق الإنسان بجميع أغراضه وحركاته، وهؤلاء الجبرية والجهمية يخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها فيزعمون أن الله -تعالى- لا يفعل لعلة ولا لحكمة، وإنما هو محض مشيئة وصرف إرادة، وكان شيخهم الجهم بن صفوان يقف على الجذمة -قبحه الله- يقف على الجذمة يعني: المصاب بالجذام فيقول: أرحم الراحمين يفعل هذا! إنكارا للرحمة والحكمة.
стр. 171
ولهذا الأصل لوازم وفروع كثيرة فاسدة ذكرها ابن القيم ﵀ من تسعين وجها والذي عليه أهل السنة والجماعة هو إثبات العلة والحكمة في أفعال الله وشرعه وقدره فما خلق شيئا ولا قضاه ولا شرعه إلا لحكمة بالغة وإن قصرت عنها عقول البشر، والأدلة الدالة على إثبات هذا الأصل كثيرة وأنه سبحانه حكيم شرع الأحكام لحكمة ومصلحة فما خلق شيئا عبثا ولا خلق شيئا سدى من ذلك قول الله -تعالى-: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) ﴾ وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وقال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧) ﴾ وقال: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) ﴾ وأهل السنة توسطوا فأثبتوا أن العباد فاعلون ولهم قدرة على أعمالهم ولهم إرادة ومشيئة وأن الله خالقهم وخالق قدرتهم ومشيئتهم فأفعال العبد تضاف إليه على جهة الحقيقة والله خلقه وخلق فعله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) ﴾ فأخبر أن العباد يعملون ويصنعون ويؤمنون ويكفرون ويفسقون ويكذبون فللعبد مشيئة ولا تكون إلا بمشيئة الله ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ والله أعلم نعم اقرأ.
قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وقد علم الله -تعالى- فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة.
نعم، وهذه الإرادة هذه المرتبة الأولى من مراتب القدر أن الله علم ما يعمله العباد يعلم كل شيء سبحانه كما ثبت يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وهو يعلم أفعال عباده وحركاتهم وسكناتهم وأفعالهم وما يشاءن خلق ذلك وكتب ذلك علم ذلك وكتبه في اللوح المحفوظ قبل خلقه كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) فالله علم أفعال العباد وحركاتهم وسكناتهم وأعمالهم وخلق ذلك قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء نعم.
فلا يزداد في ذلك العدد ولا ينقص منه.
نعم، لا يزداد ولا ينقص منه مكتوب في اللوح المحفوظ قال -سبحانه-: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢) ﴾ والإمام المبين هو اللوح المحفوظ قال -سبحانه-: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ، وقال -سبحانه-: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) ﴾ وهو اللوح المحفوظ نعم.
أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه
وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه.
نعم كذلك أفعالهم وغير أفعالهم حركاتهم وسكناتهم كلها مكتوبة نعم.
كل ميسر لما خلق له
وكل ميسر لما خلق له.
نعم كل ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم الله -تعالى- يسر أهل السعادة للسعادة يسر أهل الجنة للسعادة يعملون بعمل أهل الجنة يموتون على التوحيد والإيمان ويعملون بعملهم ويسر الكفرة للكفر يعملون بعمل أهل النار فيموتون على الكفر فيدخلون النار المؤمنون يسرهم للإيمان والتوحيد والعمل الصالح ويموتون على التوحيد فيدخلون الجنة والكفار يسرهم للكفر وللمعاصي فيموتون على الكفر فيدخلون النار -نسأل الله السلامة والعافية- نعم.
الأعمال بالخواتيم
والأعمال بالخواتيم.
نعم، الأعمال بالخواتيم من ختم له بالتوحيد والإيمان صار من أهل الجنة، ومن ختم له بالكفر صار من أهل النار كما في الأحاديث الصحيحة من أحاديث عبد الله بن مسعود ﵁ وهو من أحاديث الأربعين النووية (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمة أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فوالله الذي لا إله إلا هو إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) .
стр. 172
هذا يدل على أن الأعمال بالخواتيم ولما قيل للنبي ﷺ (يا رسول الله هل ما يعمله العباد في شيء فرغ منه أو في شيء مستقبل؟ قال: بل في شيء فرغ منه كتب في اللوح المحفوظ قالوا: يا رسول الله ففيم العمل؟ أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل على الكتاب الأول؟ فقال ﵊: اعملوا فكل ميسر لما خلق له) أما أهل السعادة فسييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فسييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ قول الله -تعالى-: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) ﴾ نعم.
стр. 173
والسعيد من سعد بقضاء الله والشقي من شقي بقضاء الله
стр. 174
وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه
стр. 175
والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسلم الحرمان ودرجة الطغيان
стр. 176
فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة
стр. 177
فإن الله -تعالى- طوى علم القدر عن أنامه
стр. 178
ونهاهم عن مرامه
стр. 179
فمن سأل لما فعل فقد رد حكم الكتاب ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين
стр. 180
فهذا جملة من يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله -تعالى-