فمن سأل لما فعل فقد رد حكم الكتاب ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين
стр. 180
فهذا جملة من يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله -تعالى-
стр. 181
وهي درجة الراسخين في العلم
стр. 182
لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود وعلم في الخلق مفقود
стр. 183
فإنكار العلم الموجود كفر وادعاء العلم المفقود كفر
стр. 184
ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود وترك طلب العلم المفقود
стр. 185
ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رقم
стр. 186
القلم الثالث: حين يرسل القلم إلى الجنين في بطن أمه فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد كما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة.
القلم الرابع: الموضوع على العبد عند بلوغه الذي بأيدي الكرام الكاتبين الذين يكتبون ما يفعله بنو آدم كما ورد ذلك في الكتاب والسنة أعد.
ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رقم.
وهذا لا بد منه الإيمان لأن اللوح مذكور في الكتاب العظيم اللوح المحفوظ والقلم كذلك قال بعض العلماء إنه هو القلم الذي أقسم الله به في قوله -سبحانه-: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) ﴾ فيجب على المسلم أن يؤمن باللوح المحفوظ، وأن الله كتب فيه مقادير كل شيء ولا يختلف شيء عما كتب في اللوح المحفوظ، اللوح المحفوظ شامل عام لا يخرج عنه أي شيء، كل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ والمقادير الأخرى كلها مأخوذة منه راجعة إليه، ولهذا قال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢) ﴾ وكل من صيغ العموم والإمام المبين هو اللوح المحفوظ ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢) ﴾
وهذا من الأدلة على إثباته أن نؤمن باللوح المكتوب الذي كتب فيه المقادير ونؤمن بالقلم الذي يكتب المقادير وبجميع ما فيه رقم رقم يعني: كتب يعني: نؤمن بجميع ما قد كتب به القلم، والقلم كتب في اللوح المحفوظ كل شيء كل شيء مكتوب فيه كل شيء مكتوب فيه كما قال -سبحانه-: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢) ﴾ ومعنى رقم يعني: كتب يعني: نؤمن باللوح ونؤمن بالقلم ونؤمن بجميع ما كتب به القلم في اللوح نعم.
стр. 187
فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله -تعالى- فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله -تعالى- فيه ليجعلوه كائنا لم يقدروا عليه
стр. 188
جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة
стр. 189
وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه
стр. 190
وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه
стр. 191
ليس فيه ناقض ولا معقب
стр. 192
ولا مزيل ولا مغير
стр. 193
وذلك من عُقَد الإيمان وأصول المعرفة
стр. 194
والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته
стр. 195
كما قال تعالى في كتابه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) ﴾
стр. 196
وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) ﴾
стр. 197
فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيما
стр. 198
لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرا كتيما
стр. 199
وعاد بما قال فيه أفاكا أثيما
стр. 200
والعرش والكرسي حق، وهو مستغن عن العرش وما دونه محيط بكل شيء وفوقه وقد أعجز عن الإحاطة خلقه
стр. 201
كما في قوله سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) ﴾ ووصفه بأنه كريم، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) ﴾ وكما تمدح -سبحانه- بأنه ذو العرش كما في قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) ﴾ وقال سبحانه: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ صلى الله عليه وسلمèŒ الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ كما أخبر -سبحانه- أن للعرش حملة، فقال: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ وقال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) ﴾ فأخبر أن للعرش حملة اليوم ويوم القيامة، وأن حملته ومن حوله يسبحون بحمد ربهم، ويستغفرون للمؤمنين كما أخبر -سبحانه- أن عرشه كان على الماء قبل أن يخلق السماوات والأرض، فقال -سبحانه-: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ كما أخبر النبي ﷺ أن للعرش قوائم، ففي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جزي بصعقة يوم الطور) كما أخبر النبي ﷺ أن العرش فوق الفردوس، الذي هو أوسط الجنة وأعلاها، وأن الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها، وفوقه عرش الرحمن، ففي الحديث: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة) كما أخبر النبي ﷺ أن العرش مقبب
على هذا العالم مقبب كما في حديث الأعرابي (أتدري ما الله؟ إن عرشه فوق سماواته هكذا وأشار بيده مثل القبة) كما أخبر النبي ﷺ أن التقدير بعد وجود العرش وقبل خلق السماوات والأرض.
ففي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) .
فتلخص من مجموع هذه النصوص في أوصاف العرش ما يأتي:
أولا: أن الله مدح نفسه بأنه رب العرش وذو العرش مما يدل على أهمية العرش وميزته على المخلوقات.
ثانيا: وصف العرش بأنه عظيم، وأنه كريم، وأنه مجيد.
ثالثا: وصف العرش بأن له حملة، وأن الملائكة تحف به من حوله.
رابعا: أن العرش هو أعلى المخلوقات وسقفها، فهو فوق الفردوس الذي هو وسط الجنة وأعلى الجنة.
خامسا: أن للعرش قوائم.
سادسا: أن العرش مقبب على العالم.
سابعا: أن العرش سابق وجوده على تقدير المقادير، وأن تقدير المقادير سابق خلق السماوات والأرض، هذا هو الصواب، وذهب بعض أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه، محيط بالعالم من كل جهة، وربما سموه الفلك التاسع والفلك الأطلس.
يقول بعض أهل الكلام: إن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط بالعالم من كل جهة، يعني أن العرش مغلف لجميع العالم، فالعالم كله السموات والأرض كلها في جوف العرش هذا قاله بعض أهل الكلام، لكن هدا ليس بصحيح لأنه قد ثبت في الشرع أن له قوائم كما سبق في حديث الصحيحين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: العرش مقبب ولم يثبت أنه مستدير مطلقا بل ثبت أنه فوق الأفلاك وأن له قوائم وفي علوه قوله ﷺ (إذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلاها، وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة) وعلى كل تقدير، فالعرش فوق المخلوقات سواء كان محيطا بالأفلاك أو غير ذلك، وهو فوق الكرسي، والكرسي فوق الأفلاك كلها، ونسبة الأفلاك وما فيها إلى الكرسي كحلقة في فلاة، قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إذن العرش أعظم المخلوقات، ثم يليه في العظم الكرسي، وهو مخلوق عظيم، وقد نقل بعضهم أن الكرسي هو علم الله، لكن هذا قول ضعيف، ونسبته إلى ابن عباس لم تثبت، فإن علم الله وسع كل شيء كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ والله يعلم نفسه، ويعلم ما كان وما لم يكن، ولو فسر الكرسي بالعرش، ولو فسر الكرسي بالعلم في الآية لقيل وسع علمه السماوات والأرض، وهذا المعنى لا يكون مناسبا لا سيما، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي: لا يثقله ولا يترفه، وهذا يناسب القدرة لا العلم، وقال بعضهم: إن الكرسي هو العرش، لكن الأكثرون أنهما شيئان، إذن الأقوال ثلاثة، قيل: العرش مخلوق، قيل: إن الكرسي هو العرش، وقيل: إن الكرسي مخلوق آخر غير العرش، وقيل: إن الكرسي هو العلم.
стр. 202
والصواب أن الكرسي مخلوق آخر غير العرش، والصحيح أن الكرسي غير العرش، وهو موضع قدمي الرحمن ﷻ .
قال الإمام عثمان بن سعيد الدرامي ﵀: هذا الذي عرفناه عن ابن عباس صحيحا مشهورا، فالكرسي مخلوق عظيم، وهو موضع القدمين لله -سبحانه- كما روى ابن أبي شيبة والحاكم، وقال: على شرط الشيخين، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أنه قال: "الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله"، وذكر ابن جرير عن أبي ذر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت في ظهر سلاسل من الأرض) .
والله استوى على العرش استواء يليق بجلاله وعظمته، وجاء ذكر استواء الله -سبحانه- على عرشه في سبعة مواضع من القرآن.
الموضع الأول في سورة الأعراف قال تعالى: ﴿إِن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ .
الموضع الثاني: في سورة يونس قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ .
الموضع الثالث: في سورة الرعد، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ .
الموضع الرابع: في سورة طه قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) ﴾ .
الموضع الخامس: في سورة الفرقان قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ .
الموضع السادس: في سورة الم السجدة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ .
الموضع السابع: في سورة الحديد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ .
والعلو صفة من صفات الله، والاستواء صفة من صفات الله، لكن هل هناك فرق بين العلو والاستواء، العلو صفة من صفات الله، والاستواء صفة من صفات الله، فما الفرق بينهما بين الصفتين؟ يتبين الفرق واضحا بين هاتين الصفتين من وجهين:
الوجه الأول: أن العلو من صفات الذات، فهو ملازم للرب الرب لا يكون قط إلا عاليا، والاستواء من صفات الأفعال، وكان بعد خلق السماوات والأرض كما أخبر الله بذلك في كتابه، فدل على أنه -سبحانه- تارة كان مستويا على العرش وتارة لم يكن مستويا عليه، فاستواؤه على العرش كان بعد خلق السماوات والأرض العرش مخلوق قديم، ولكن استواء الله على العرش كان بعد خلق السماوات والأرض، فالاستواء علو خاص، فكل مستو على شيء عال عليه، وليس كل عال على شيء مستويا عليه.
فالأصل أن علوه سبحانه على المخلوقات وصف لازم له، كما أن عظمته وكبرياءه وقدرته كذلك، وأما الاستواء فهو فعل يفعله سبحانه بمشيئته وقدرته، ولهذا قال: ثم استوى.
الثاني: أن العلو من الصفات المعلومة بالسمع والعقل هذا الفارق الثاني، العلو من الصفات المعلومة بالسمع والعقل، وأما الاستواء على العرش فهو من الصفات المعلومة بالسمع لا بالعقل، يعني أن العلو صفة العلو ثابتة بالعقل والشرع كل الناس يثبتون ويدركون أن الله في العلو حتى البهائم أما الاستواء على العرش هذا ما عرف إلا من الشرع، والعلو من الصفات الذاتية من الصفات التي اشتد فيها النزاع صفة العلو من الصفات التي اشتد فيها النزاع بين أهل السنة وبين المخالفين من أهل البدع، فهي من الصفات العظيمة.
وقلت لكم إن هناك ثلاث صفات من أثبتها فهو من أهل السنة، ومن نفاها فهو من أهل البدعة، ما هي؟ الكلام صفة الكلام، صفة الرؤية، وصفة العلو هذه الصفات هي العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدعة من أثبتها، فهو من أهل السنة، ومن نفاها فهو من أهل البدعة، ولهذا الأشاعرة والجهمية والمعتزلة نفوا العلو، ونفوا الكلام، الأشاعرة أثبتوا الكلام معنى قائم بالنفس، وأثبتوا الرؤية لكن ما أثبتوا الفوقية، ما أثبتوا الجهة، قالوا: يرى لا في مكان.
والعلو في اللغة العربية معناه الارتفاع، والمراد به شرعا: هو وصف ذاتي لله -سبحانه- وصف ذاتي لله -سبحانه-، وهو ثلاثة أنواع، علو الله ثلاثة أنواع: النوع الأول علو الذات ذاته -سبحانه- عالية، النوع الثاني علو القدر، قدره وشأنه عال، النوع الثالث علو القهر والغلبة والسلطان، فله -سبحانه- العلو المطلق بأنواعه الثلاثة علو ذاته فوق مخلوقاته، وعلو قدره وعظمته، وشأنه وعلو قهره وسلطانه، كما قال العلامة ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية:
والفوق أنواع ثلاث كلها
لله ثابتة بلا نكران
стр. 203
مذاهب الناس في العلو مذاهب الناس في العلو للناس في العلو أربعة مذاهب.
المذهب الأول: افترق الناس في علو الله في العلو على أربعة أقوال:
القول الأول: مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين والأئمة والعلماء، مذهبهم أن الله فوق سمواته، مستوى على عرشه، بائن من خلقه أن الله فوق سمواته مستو على عرشه بائن من خلقه.
المذهب الثاني مذهب معطلة الجهمية ونفاتهم، مذهب معطلة الجهمية ونفاتهم أن الله ليس هو داخل العالم ولا خارجه، ولا هو مباين له ولا محايد له ولا فوقه ولا تحته، فينفون عنه الوصفين المتقابلين الذين لا يخلو موجود عن أحدهما، وهذا يقوله أكثر المعتزلة ومن وافقهم من متأخري الأشاعرة، إذا ماذا يكون، يقولون: الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ولا محايد له، يعني: لا منفصل ولا منقطع ولا فوقه ولا تحته، ماذا يكون أشد من العدم يكون ممتنعا أعوذ بالله.
المذهب الثالث: مذهب حلولية الجهمية الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان كما يقوله النجاري، فعلى هذا الجهمية لهم مذهبان: مذهب النفاة ومذهب الحلولية، النفاة ينفون الوصفين، والحلولية يقولون: حال في كل مكان.
المذهب الرابع مذهب طوائف من أهل الكلام والتصوف، أن الله فوق العرش، وهو في كل مكان، فهم يقولون: هو بذاته فوق العرش، وهو بذاته في كل مكان، وهذا موجود في كلام طائفة من السالمية والصوفية.
أدلة السلف والأئمة وأهل السنة على علو الله على خلقه بذاته أولا عرفنا أن العلو ثلاثة أقسام أو ثلاثة أنواع:
النوع الأول: علو الله بالذات، والنوع الثاني: علو القدر والشأن، والنوع الثالث: علو القهر والسلطان، نوعان وافق فيهما أهل البدع، ونوع أنكروه ما هما النوعان اللذان وافقوا؟ علو القدر وعلو القهر، قالوا: نحن نوافق أن الله علو شأنه عال وقهره عال، أما كونه هو بذاته فوق، فهذا نخالفه، ولهذا أهل السنة إنما يستدلون على هذا النوع، فالسلف يستدلون أهل السنة والأئمة على أن علو الله على خلقه بذاته، استدلوا بالنقل الصحيح والعقل الصريح والفطرة السليمة.
أما النقل الصحيح: فمن وجوه كثيرة الأدلة النقلية، يقول العلماء: أدلة العلو تزيد على ثلاثة آلاف دليل تزيد على ثلاثة آلاف دليل، لكن الآن نريد أن نأتي بقواعد يندرج تحتها أفراد كثيرة، نحن نأتي بنوع نوع من الأدلة أنواع أنواع الأدلة، ولكن كل نوع تحته أفراد:
النوع الأول: التصريح والإخبار بأن الله استوى على العرش في سبعة مواضع من كتابه، كلها جاءت بلفظ على، وهي تدل على العلو والارتفاع، وهذا نص لا يقبل الاحتمال ولا الاشتباه في المعنى، هذا نوع كم تحته من أفراد سبعة أدلة سبعة، كلها ثم استوى على العرش، نحن الآن نأتي بقواعد أنواع ما نستطيع أن نحصر الأدلة، أكثر من ثلاثة آلاف، لكن نستطيع أن نأتي بالنوع الذي يدخل تحته أفراد.
النوع الثاني: التصريح بلفظ العلو، وقد تكرر في الكتاب وصف الله بالعلي والأعلى، كقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) ﴾ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) ﴾ وهذا يدل على ثبوت العلو لله بجميع أنواعه علو الذات وعلو القهر وعلو القدر علوالذات وعلو القدر وعلو القهر.
الثالث: التصريح بالفوقية لله تعالى تارة مقرونة بمن، كقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ وتارة غير مقرونة، كقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ فالمقرون بمن نص في معناه لا يقبل التأويل وغير المقرون ظاهر في المراد، ولا يقبل تأويله ممن ادعاه؛ لأن الأصل الحقيقة ودعوى المجاز لا تقبل بغير دليل، ولا دليل هنا.
هذه كلها أنواع ليس الأصل الحقيقة، ودعوى المجاز لا تقبل بغير دليل ولا دليل هنا.
الرابع: هذه كلها أنواع ليس أفراد، التصريح بالعروج إليه، كقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ والعروج معناه الصعود إلى أعلى.
الخامس: التصريح بالصعود إليه، كقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ والصعود إنما يكون إلى أعلى. السادس: التصريح برفع بعض المخلوقات إليه، كقوله في المسيح ﵊: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقوله في العمل الصالح: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وثبت في الأحاديث والآثار ارتفاع دعوات المضطرين والمظلومين إلى الله، وذلك كله صريح في علو الله وفوقيته.
السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) ﴾ ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ والنزول إنما يكون ممن هو فوق، وممن هو عال، وهذا يدل على علو الله وارتفاعه.
стр. 204
الثامن: التصريح بأنه في السماء، كقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) ﴾ وقول النبي ﷺ في دعاه: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمه) الحديث، و"في" إذا فسرت "السماء" بمعنى العلو، فهي للظرفية، وإذا فسرت السماء بالطباق المبنية فهي بمعنى على، كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ لأن الله سبحانه لا يحصره ولا يحيط به شيء من خلقه.
التاسع: الإخبار عن رفعته وعظمته بأنه رفيع الدرجات، كقوله: تعالى في سورة غافر: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ فقوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ فعيل بمعنى مفعول، أي مرفوعة درجاته برفعته وارتفاعه وعلو شأنه، وليس رفيع هنا بمعنى رافع درجات المؤمنين، فيكون فعيل بمعنى فاعل، كما يقوله المعطلة؛ لأن السياق يأبى هذا القول.
وذلك أن الله -سبحانه- وصف نفسه قبل هذا بالعلو في قوله: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) ﴾ ثم وصف نفسه بأنه رفيع الدرجات ذو العرش، فالأوصاف كلها راجعة إلى رفعته هو وارتفاعه على الخلق، لا إلى رفعه بعض خلقه، ونظير هذا قول الله -تعالى- في سورة المعارج: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) ﴾ أي المصاعد التي تصعد فيها الملائكة إليه جل سلطانه، وهي الدرجات الرفيعة، والقرآن يفسر بعضه بعضا.
العاشر: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) (٢٠٦) ﴾ وقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) (٣٨) ﴾ وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ
(لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي) واختصاص هذه المخلوقات بأنها عنده دليل على علو الله على خلقه، وإلا لم يكن لتخصيص هذه الأشياء بأنها عنده فائدة، ولكان أشرف المخلوقات وأدناها في القرب عنه والعندية سواء.
الحادي عشر: الإخبار بأن من أسمائه الظاهر، وتفسير أعلم الخلق به له بنفي فوقية شيء عليه كقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ مع قوله ﷺ في دعائه واستفتاحه:
(اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء..) فتفسير الصادق المصدوق ﷺ للظاهر بنفي ضده تقرير لإثبات العلو، إذ الظهور والعلو متلازمان، فكل ما علا الشيء ظهر، وبان كما أنه كلما سفل الشيء خفي واستتر.
الثاني عشر: إشارة النبي ﷺ بأصبعه إلى السماء حين خطب الناس يوم عرفة مخاطب ربه بقوله: (اللهم اشهد ثلاث مرات) وذلك يدل على علو الله على خلقه، وإلا لم يكن لتخصيص السماء بالإشارة فائدة.
الثالث عشر: ما ثبت في القرآن والسنة المتواترة من رؤية أهل الجنة لربهم كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) ﴾ وقوله ﷺ (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر لا تضامون في رؤيته) فالرؤية قطعية الثبوت بالأدلة المتواترة، والرؤية المعقولة عند جميع بني آدم تقتضي مقابلة الرائي للمرئى ومواجهته له.
الرابع عشر: سؤال النبي ﷺ عن الله بأين، كقوله ﷺ للجارية: (أين الله قالت: في السماء قال: أعتقها فإنها مؤمنة) .
стр. 205
والسؤال عن الله بأين وإقرار الجارية على أن الله في السماء يدل دلالة قطعية على إثبات علو الله على خلقه، والرسول ﷺ منزه عن أن يسأل سؤالا فاسدا، ومنزه -أيضا- عن أن يقر الجارية أيضا على جواب فاسد، ويلزم من يقول: إن الرسول ﷺ خاطب الجارية بما تعرف، وإن كان على خلاف الحقيقة أن يكون النبي ﷺ لم يبين الحق وأن يكون قد أقر على الخطأ وما شاه ﷺ من ذلك يعني المعطلة هذا الحديث في صحيح مسلم قال النبي ﷺ للجارية: (أين الله قالت: في السماء قال: اعتقها فإنها مؤمنة) ماذا يجيب أهل البدع أهل البدع أهل البدع يقولون: لو رفعت إصبعك إلى السماء عند الجهمي والمعتزلي قطع أصبعك، يقول: لا تشير إليه هو في كل مكان، فاحذر أن ترفع أصبعك عند جهمي أو معتزلي، وليس عندك أحد يقطع أصعبك يقول: هذا تنزيه لله، هذا قذف الله جعلته محصور في مكان، فقيل لهم الرسول قال: أين الله؟ وأين يسأل عنها في المكان، قالوا: هذا الرسول ﷺ سأل سؤالا فاسدا، هذا يخاطبها بقدر عقلها، هذه جارية جاهلة ما تفهم أعجمية، فهو يخاطبها على مقدار فهمها، وإلا مقصود الرسول أن يقول: من الله؟ مقصوده أن يقول: من الله؟ لكن قال: أين لأن من غير من يسأل بها عن الشيء، أما أين يسأل بها عن المكان، فقالوا: أين الله؟ مقصود الرسول أن يقول: من الله، لكن الجارية ما تفهم خاطبها بمقدار عقلها أعجمية، الرسول أفصح الخلق ما يقدر أن يقول: من الله طيب، ولما قالت: في السماء، قال الرسول: (أعتقها فإنها مؤمنة) قالوا: أقرها على جواب فاسد موافقة لعقلها.
هذه أربعة عشر نوع من أيش؟ أربعة عشر نوع من الأدلة، وكل نوع تحته من تحته أفراد، هذه تعتبر قواعد المبتدعة، هل سكتوا اعترضوا على هذه الأدلة، وأجاب أهل السنة على اعتراضهم، وهناك أدلة عقلية لأهل السنة واعتراض وجواب عليه، وهناك أيضا أدلة من الفطرة واعتراض من النفاة وجواب عليه، وهناك أدلة أيضا عقلية لأهل البدع للنفاة وجواب عليهم.
في مبحث العلو اعترض النفاة على الأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على علو الله على خلقه، وهي كما سبق أربعة عشر نوعا من الأدلة اعترض نفاة العلو على الأدلة العقلية التي تثبت علو الله على خلقه بذاته، وتأولوها بأن المراد بها علو وفوقية القدر والعظمة والشأن وعلو وفوقية القهر والغلبة والسلطان، تأولوها بأنها بأن المراد بها علو وفوقية القهر، علو وفوقية القدر والعظمة والشأن والخيرية والأفضلية وفوقية القهر والغلبة والسلطان لأن النفاة يثبتون هذين النوعين من العلو، وهو علو القهر وعلو القدر، والخلاف بينهم وبين أهل السنة في علو الذات قالوا: فمعنى قوله سبحانه: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ خير من عباده وأفضل، ومعنى كونه فوق العرش، خير من العرش وأفضل، قالوا: ونظير ذلك قول العرب: الأمير فوق الوزير، والدينار فوق الدرهم، والذهب فوق الفضة، قالوا: هذا يدل على أن المراد بالفوقية الخيرية الأمير فوق الوزير، يعني في الرتبة، والدينار فوق الدرهم، والذهب فوق الفضة في الرتبة، وليس المراد أن ذاك فوق ذاك.
أجاب أهل الحق أن هذا الاعتراض بأجوبة:
الجواب الأول: أن صرف الفوقية إلى فوقية الرتبة، أو إلى فوقية القهر، حمل حمل على المجاز حمل للفظ على مجازه، وهذا خلاف الأصل، إذ الأصل الحقيقة وحقيقة الفوقية علو ذات الشيء على غيره، والمجاز على خلاف الأصل؛ لأنه خلاف الظاهر، فلا يقبل إلا بدليل يخرجه عن حقيقته، كما في قوله تعالى حكاية عن فرعون أنه قال: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) ﴾ فهذه فوقية قهر وغلبة؛ لأنه قد علم أنهم جميعا مستقرون على الأرض، ولا يلزم مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ إذ قد علم بالضرورة أنه وعباده ليسوا مستوين في مكان واحد، حتى تكون فوقية قهر وغلبة.
الجواب الثاني: أن تفضيل الله -سبحانه- على أحد من خلقه لم يذكر في القرآن ابتداء، وإنما ورد ذلك في سياق الرد على من اتخذ ذلك الشيء ندا لله -تعالى-، وعبده معه، وأشركه في إلهيته، فبين الله -سبحانه- أنه خير من تلك الآلهة، وذلك الند كقوله -تعالى-: ﴿آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) ﴾ وقوله سبحانه: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ﴾ وقوله حكاية عن سحرة فرعون: ﴿إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) ﴾ وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) ﴾ وذلك لأنه يحسن في الاحتجاج على المنكر وإلزامه من الخطاب الداحض لحجته ما لا يحسن في سياق غيره، وهذا أمر واضح لا ينكره إلا غبي.
стр. 206
الجواب الثالث: أن تأويل الفوقية بالخيرية والأفضلية تأويل باطل، إن تأويل الفوقية والخيرية والأفضلية بهذه النصوص تأويل باطل تنفر منه العقول السليمة، وتشمئز منه القلوب الصحيحة، إذ ليس في ذلك تمجيد، ولا تعظيم ولا مدح، والرب -سبحانه- لم يتمدح في كتابه وعلى لسان رسوله ولا على لسان رسوله بأنه أفضل من العرش، وأن رتبته فوق رتبة العرش، وأنه خير من السماوات والعرش والكرسي، ولو تكلم أحد بمثل هذا الكلام في حق المخلوق لكان مستهجنا جدا، فلو قال شخص: الشمس أضوء من السراج، والسماء أكبر من الرغيف، أو أعلى من سقف الدار، والجبل أثقل من الحصى، ورسول الله أفضل من اليهود لعد ذلك من ساقط القول، بل هو من أرذل الكلام وأسمجه وأهجنه لما فيه من التنقص، كما قيل في المثل السائر
ألم تر أن السيف ينقص قدره *** إذا قيل يوما هو أمضى من العصا
وإنما يصح أن يقال هذا المعنى في حق المتقاربين في المنزلة، وأحدهما أفضل من الآخر، وإذا كان يقبح كل القبح أن تقول: الجوهر فوق قشر البصل، ويضحك من ذلك العقلاء للتفاوت العظيم الذي بينهما فالتفاوت بين الخالق والمخلوق أعظم وأعظم.
الجواب الثالث: أن الله أثبت لنفسه الفوقية المطلقة، وهي تشمل فوقية الذات وفوقية القدر وفوقية القهر، فمن أثبت البعض ونفى البعض، فقد جحد ما أثبته الله لنفسه، وتنقصه ولا يلزم من إثبات فوقية الله بذاته على كل شيء على السماء وعلى العرش، أن يكون هناك شيء يحويه أو يحصره أو يكون محلا له أو وعاء أو ظرفا، تعالى الله عن ذلك، بل هو -سبحانه - فوق كل شيء، وهو عال على كل شيء، وهو غني عن العرش وعن كل مخلوق، وكل شيء مفتقر إليه، وهو الحامل بقوته وقدرته للعرش ولحملة العرش، وهو ﴿اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١) ﴾ .
أما أدلة السلف والأئمة وأهل السنة على إثبات العلو من العقل الدليل الأول دليل العقل بطريقة السبر والتقسيم وطريقة السبر والتقسيم عند المناطقة وأهل الأصول، هو أن يحصر المستدل الأقسام التي يتصورها العقل، ثم يبطلها واحدا بعد واحد، ويبقي ما قام عليه الدليل. وصياغة الدليل هكذا: أن يقال: إن الله لما خلق الخلق لا يخلو إما أن يكون خلقهم داخل ذاته، أو خلقهم خارج ذاته، أو خلقهم لا داخلها ولا خارجها، هذه هي الأقسام التي يتصورها العقل.
أما الأو ل وهو كونه خلقهم داخل ذاته، فباطل بالاتفاق بيننا وبين خصومنا، لأنه يلزم عليه أن يكون الرب محلا للحوادث والخسائس والقاذورات، تعالى الله عن ذلك، وهذا قول الحلولية وهو الكفر.
وأما الثالث وهو كونه خلقهم لا داخل ذاته ولا خارجه، فهو ممتنع عقلا؛ لأنه يلزم عليه نفيه تعالى وعدم وجوده بالكلية؛ لأنه وصف له بارتفاع النقيضين، وهو وصف له بالعدم، وهو قول معطلة الجهمية ونفاتهم وهو كفر، فتعين الثاني، وهو كونه خلقهم خارج ذاته الكريمة، فلزمت المباينة، ويلزم حينئذ أن يكون عليا على خلقه مستويا على عرشه؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون مباينا لهم من فوقهم أو من تحتهم أو أمامهم أو خلفهم أو عن إيمانهم أو عن شمائلهم وأليقها بالله صفة العلو؛ لأنها من صفات المدح والكمال اعترض نفاة العلو اعترض نفاة العلو المعطلة على هذا الدليل، قالوا: نحن ننكر بداهته، لأنه أنكره جمهور العقلاء، فلو كان بديهيا لما كان مختلفا فيه بين العقلاء، بل هو قضية وهمية خيالية، وأجيب عن هذا الاعتراض أن يقال: إن العقل إن قبل قولكم فهو لقول الله أعظم قبولا، وإن رد العقل قولنا فلقولكم أعظم ردا، فإن كان قولنا باطلا في العقل، فقولكم أشد بطلانا، وإن كان قولكم حقا مقبولا في العقل، فقولنا أولى بأن يكون مقبولا في العقل، فإن دعوى الضرورة مشتركة، فإنا نقول: نعلم بالضرورة بطلان قولكم، وأنتم تقولون كذلك، فإذا قلتم تلك الضرورة التي تحكم ببطلان قولنا: هي من حكم الوهم لا من حكم العقل، قابلناكم بنظير قولكم وعامة فطر الناس ليسوا منا ولا منكم موافقون لنا على هذا.
فإن كان حكم فطر بني آدم مقبولا ترجحنا عليكم، وإن كان مردودا غير مقبول بطل قولكم بالكلية، فإنكم إنما بنيتم قولكم على ما تدعون أنه مقدمات معلومة بالفطرة الآدمية، وبطلت عقلياتنا أيضا وكان السمع الذي جاءت به الأنبياء معنا لا معكم، فنحن مختصون بالسمع دونكم، فنحن مختصون بالسمع دونكم، والعقل مشترك بيننا وبينكم، والمراد بالسمع الأدلة الشرعية الكتاب والسنة، وقولكم إن أكثر العقلاء يقولون بقولنا وينكرون بداهة دليلكم، يقال: ليس الأمر كذلك، فإن الذين يصرحون بأن صانع العالم شيء موجود ليس هو فوق العالم، وأنه لا مباين له ولا حال في العالم طائفة من النظار، وهم قلة وأول من عرف عنه ذلك في الإسلام الجهم بن صفوان واتباعه.
стр. 207
الدليل الثاني من الأدلة العقلية لأهل السنة على علو الله على خلقه دليل بطريق الملازمة والاستثنائية، وهذا يسمى دليل بطريق الملازمة والاستثنائية، لو كان كذا لكان كذا، لكنه لا يكون كذا فيكون كذا صياغة الدليل هكذا لو لم يتصف الرب بفوقية الذات مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم، لو لم يتصف الرب بفوقية الذات مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم، لكان متصفا بضدها؛ لأن القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده وضد الفوقية السفول، وهو مذموم على الإطلاق، وهو مستقر إبليس وجنوده، يعني يقال: لو لم يكن الرب متصفا بفوقية الذات لكان متصفا بضدها، وهو السفول، لكنه لا يتصف بالسفول، فدل على أنه متصف بالفوقية، اعترض نفاة العلو على هذا الدليل العقلي، فقالوا: لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها، لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها، وأجيب على هذا الاعتراض بجوابين، الجواب الأول لو لم يكن قابلا للفوقية والعلو لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها، فمتى أقررتم بأنه ذات قائم بنفسه غير مخالط للعالم، وأنه موجود في الخارج ليس وجوده ذهنيا فقط لزم إثبات علوه وفوقيته.
الجواب الثاني: لو لم يقبل العلو والفوقية، لو كان الرب لا يقبل العلو والفوقية، لكان كل عال على غيره أسفل منه، فإنما يقبل العلو فإن ما يقبل العلو أكمل مما لا يقبله، والعلو والفوقية صفة كمال لا نقص فيه، ولا يستلزم نقصا، ولا يوجب محذورا، ولا يخالف كتابا ولا سنة ولا إجماعا، فنفي حقيقته عين الباطل.
أدلة السلف والأئمة وأهل السنة على إثبات العلو من الفطرة استدلوا بالفطرة الدليل الفطري أن يقال: هو أن الخلق جميعا بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء إلى السماء، ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله تعالى، وهذا أمر فطر الله عليه عباده من غير أن يتلقوه من الرسل يجدون في قلوبهم طلبا ضروريا يتوجه إلى الله، ويطلبه في العلو، فالجارية الأعجمية التي قال لها النبي ﷺ (أين الله قالت: في السماء) إنما أخبرت عن الفطرة التي فطرها الله عليها، وأقرها النبي ﷺ على ذلك وشهد لها بالإيمان.
اعترض نفاة العلو على هذا الدليل باعتراضين.
الاعتراض الأول: قالوا: إن رفع الإنسان يديه عند الدعاء إنما كان لكون السماء قبلة للدعاء كما أن الكعبة قبلة للصلاة، لا لأن الله في العلو، وأجيب عنه بأجوبة، الجواب الأول أن ادعاءكم أن السماء قبلة للدعاء، لم يرد بذلك كتاب ولا سنة، ولم يقله أحد من سلف الأمة، وهذا من الأمور الشرعية الدينية، فلا يجوز أن يخفى على سلف الأمة وعلمائها.
ثانيا: أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة بدليل أن النبي ﷺ كان يستقبل القبلة في دعائه في مواطن كثيرة فمن ادعى أن للدعاء قبلة فمن ادعى أن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة فهو مبتدع في الدين ومخالف لجماعة المسلمين.
ثالثها: أن القبلة هي ما يستقبلها العابد بوجهه كما تستقبل الكعبة في الصلاة والدعاء والذكر والذبح، أما الموضع الذي ترفع الأيدي إليه فلا يسمى قبلة لا حقيقة ولا مجازا.
رابعها: لو كانت السماء قبلة للدعاء لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه إليها، وهذا لم يشرع.
خامسا: أن أمر القبلة مما يقبل النسخ والتحويل، كما تحولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وأمر التوحيد في الدعاء إلى الجهة العلوية مركوز في الفطر، لا يقبل التحويل.
سادسها: أن المستقبل للكعبة يعلم أن الله تعالى ليس هناك بخلاف الداعي فإنه يتوجه إلى ربه وخالقه ويرجو الرحمة أن تنزل من عنده.
الاعتراض الثاني للنفاة: قالوا: إن دليلكم منقوض بوضع المصلي جبهته على الأرض مع أن الله ليس في جهة الأرض، فكما أن المصلي يضع جبهته على الأرض، والله ليس في جهة الأرض، فكدلك يرفع يديه في الدعاء، والله ليس في العلو، وأجيب عنه بأن واضع الجبهة إنما قصده الخضوع لمن فوقه بالذل له والخشوع، وليس قصده بأن يميل إليه؛ لأنه تحته، هذا لا يخطر في قلب ساجد إلا ما حكي عن بشر المريسي -قبحه الله- أنه سمع وهو يقول في سجوده: سبحان ربي الأسفل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
شبهة نفاة العلو، شبه نفاة العلو نفاة العلو، لهم شبه لهم شبه عقلية، وليس عندهم أدلة شرعية.
стр. 208
الشبهة الأولى: قالوا: إن إثبات العلو يلزم منه أن يكون الله في جهة، وإذا كان في جهة كان محتاجا إلى تلك الجهة، وكان محدودا ومتحيزا، والله منزه عن ذلك منزه عن الجهة، ومنزه عن أن يحتاج إلى شيء، ومنزه عن كونه محدودا متحيزا، أجاب أهل الحق عن هذه الشبه بجوابين بجوابين، جواب إجمالي وجواب تفصيلي، الجواب الإجمالي: أن يقال: تنزيهكم الله عن الجهة إن أردتم أنه منزه عن جهة وجودية تحيط به وتحويه وتحصره إحاطة الظرف بالمظروف، فنعم هو أعظم من ذلك وأكبر وأعلى، فليس هو داخل المخلوقات، وإن أردتم بالجهة ما وراء العالم، فلا ريب أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات.
الجواب التفصيلي أولا: إن لفظ الجهة يراد به أمر موجود، ويراد به أمر معدوم، فإن أريد بالجهة، فإن أريد بالجهة أمر موجود جهة وجودية، وأن الله داخل السماوات، أو داخل العرش، فهذا باطل فإن الله لا يدخل في ذاته شيء من مخلوقاته، ولم يدخل في مخلوقاته شيء من ذاته، بل هو مباين للمخلوقات منفصل عنها، يعني إن أردتم بالجهة أمرا وجوديا العرش السماوات أو العرش، وأنه داخل فيها هذا باطل، وإن أردتم بالجهة أمرا عدميا، وأردتم بالعرش، ويراد بكونه فيها أنه عليها، كما قيل في قوله: إنه في السماء، أي: على السماء، وعلى هذا التقدير، فهو فوق الموجودات كلها، وهو غني عنها لم يكن عنده جهة وجودية يكون فيها، فضلا عن أن يحتاج إليها.
فالخلاصة: أنه إن أريد بالجهة أمر وجودي، فالله ليس فيه شيء من مخلوقاته، وإن أريد بالجهة أمر عدمي، وهو ما فوق العالم، فذاك ليس بشيء، ولا هو أمر وجودي حتى يقال: إنه محتاج إليه، أو غير محتاج إليه.
ثانيا: إنما يكون محتاجا إلى الجهة، أن يقال: إنما يكون محتاجا إلى الجهة لو كان في جهة مخلوقة تحويه وتحصره وتحيط به، أما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم لم يلزم ذلك، بل لا يلزم من كون المخلوق فوق مخلوق آخر أن يكون محتاجا إليه، فإن الله خلق هذا العالم بعضه فوق بعضه، ولم يجعل عاليه محتاجا إلى سافله، فالهواء فوق الأرض، وليس محتاجا إليها، والسحاب فوقها، وليس محتاجا إليها، والسماوات فوق السحاب، والهواء والأرض، وليست محتاجة إلى ذلك، والعرش فوق السماوات والأرض وليس محتاجا إليها، فكيف يكون العلي الأعلى خالق كل شيء محتاجا إلى مخلوقاته، لكونه فوقها عاليا عليها.
وثالثا: أن لفظ الجهة أن لفظ الجهة والحيز والحد والجسم والجوهر والعرض ألفاظ اصطلاحية فيها إجمال وإبهام، قد يراد بها معان متعددة، ولم ترد هذه الألفاظ في الكتاب والسنة بنفي ولا إثبات، ولا جاء عن أحد من سلف الأمة وأئمتها فيها نفي ولا إثبات، فالمعارضة بها ليست معارضة بدلالة شرعية، بل الأئمة الكبار أنكروا على المتكلمين وجعلوهم من أهل الكلام الباطل المبتدع، ومعروف موقف الإمام الشافعي ﵀ وحكمه على أهل الكلام موقفه من أهل الكلام، وحكمه عليهم أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام، وصح عن إمام الأئمة في زمانه محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه قال: من لم يؤمن بأن الله فوق سمواته، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وطرح على مذبلة.
الشبهة الثانية لنفاة العلو: هذه الشبهة جاءت على لسان الرازي أبو عبد الله الرازي، يقول أبو عبد الله الرازي في صياغة هذا الدليل مكون من مقدمتين ونتيجة يقول: لو كان الله تعالى في جهة فوق لكان سماء ولو كان سماء لكان مخلوقا لنفسه وذلك محال فكونه في جهة فوق محال.
المقدمة الأولى: لو كان الله في لو كان الله تعالى في جهة فوق لكان سماء أثبت هذه المقدمة بدليلين أو بأمرين:
الأمر الأول أن الاشتقاق اللغوي للسماء من السمو وكل شيء سماك فهو سماء، وعرف القرآن متقدم عليه.
الثاني: لو كان الأمر الثاني الذي يثبت في هذه المقدمة يقول أبو عبد الله الرازي: لو كان الله فوق العرش؛ لكان من جلس في العرش ونظر إلى فوق لم يرى إلا نهاية ذات الله تعالى، فكان نسبة نهاية السطح الأخير من ذات الله إلى سكان العرش كنسبة السطح الأخير من السماوات إلى سكان الأرض، فثبت أنه لو كان فوق لكان سماء، أما المقدمة الثانية: ولو كان سماء لكان مخلوقا لنفسه، دليلها أن السماء مخلوقة بنص القرآن قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ وقال ﴿إِن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فلو كان سماء لكان مخلوقا لنفسه، وذلك محال، فكونه في جهة فوق محال. أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذه الشبهة بقوله لما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى، وأنه فوق كل شيء
стр. 209
كان مفهوما من قوله: إنه في السماء، أنه في العلو، وأنه فوق كل شيء، وكذلك الجارية لما قال لها: (أين الله؟ قالت: في السماء) إنما أرادت العلو مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها، وإذا قيل العلو، فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به؛ إذ ليس فوق العالم شيء موجود إلا الله كما لو قيل: العرش في السماء فإنه لا يقتضي أن يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق، وإن قدر أن السماء المراد بها الأفلاك كان المراد أنه عليها، كما قال تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ وكما قال: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وكما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ويقال: فلان في الجبل وفي السطح، وإن كان على أعلى شيء منه.
ثانيا: ثم من توهم أن كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به، فهو كاذب إن نقله عن غيره، وضال إن اعتقده في ربه، وما سمعنا أحدا يفهمه من اللفظ، ولا رأينا أحدا نقله عن واحد، ولو سئل سائر المسلمين: هل يفهمون من قوله سبحانه ورسوله: إن الله في السماء أن السماء تحويه؟ لبادر كل أحد منهم أن يقول: هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا وإذا كان الأمر هكذا، فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ، أن يجعل أحد ظاهر اللفظ شيئا محالا لا يفهمه الناس منه، ثم يريد أن يتأوله، بل عند المسلمين إن الله في السماء، وهو على العرش واحد، إذ السماء إنما يراد به العلو بمعنى أن الله في العلو لا في السفل، وقد علم المسلمون أن كرسيه سبحانه وسع السماوات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات الله لا نسبة له إلى قدرة الله وعظمته، فكيف يتوهم بعد هذا أن خلقا يحصره ويحويه.
ثالثا: وما في الكتاب والسنة كقوله سبحانه: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ونحو ذلك قد يفهم منه بعضهم أن السماء هي نفس المخلوق العالي العرش، العرش فما دونه، فيقولون: قوله: في السماء، يعني على السماء، كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي على جذوع النخل، وكما قال: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي على وجه الأرض ولا حاجة إلى هذا، بل السماء اسم جنس للعالي، لا يخص شيئا، فقوله: في السماء، أي في العلو دون السفل، وهو العلي الأعلى، فله أعلى العلو، وهو ما فوق العرش، وليس هناك غيره العلي الأعلى .
стр. 210
ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم الله موسى تكليما إيمانا وتصديقا وتسليما
стр. 211
ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين
стр. 212
أما أعداء الله من الفلاسفة وغيرهم، فلهم تفصيلات في هذه الأصول الستة، وحقيقتهم أنهم لم يؤمنوا بالله ولا بالملائكة ولا بالكتب ولا بالرسل ولا باليوم الآخر ولا بالقدر خيره وشره، ومعتقدهم في ذلك وتفصيلاته يؤجل إن شاء الله.فيما بعد.
أصول الإيمان عند الفلاسفة سبق الكلام على أصول الإيمان عند أهل السنة، وأن أهل الحق يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وأن هذه الأصول أصول الدين جاءت بها الرسل والكتب المنزلة، وأجمع عليها المسلمون، ومن أنكر شيئا منها فهو خارج عن ملة الإسلام، وليس في عداد المسلمين بإجماع المسلمين، لكن الفلاسفة المتأخرين أرسطو واتباعه وابن سينا ملاحدة زنادقة ينتسبون إلى الإسلام، وهم براء منه، وتأثر بهم كثير من أهل الكلام من المبتدعة وغيرهم، حتى إن ابن سينا يقدسه يعظمه كثير من الناس، ويسمونه الفيلسوف الإسلامي، وهو كما قال.. كما نقل عنه ابن القيم ﵀ في غزل الأحوال أنه قال: أنا وأبي من دعوة الحاكم العبيدي، والحاكم العبيدي رافضي خبيث، لا يؤمن بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا اليوم الآخر ولا القدر.
فالفلاسفة ينتسبون إلى الإسلام، والإسلام بريء منهم، ولم يجرءوا على على إنكار أصول الدين صراحة؛ لأنهم لو أنكروا أصول الإيمان لعرف الناس كفرهم ووضح كفرهم، لكنهم لبسوا لأنهم منافقون ذنادقة يتسترون بالإسلام، فهم يثبتون هذه الأصول في اللفظ، يقولون: أصول الدين خمسة الإيمان بالله ويدخل فيها الإيمان بالقدر والإيمان بالملائكة والإيمان بالكتب المنزلة والإيمان بالرسل والإيمان باليوم الآخر في اللفظ، لكن في الحقيقة لا يثبتون هذه الأصول، فهم لم يؤمنوا في الحقيقة بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا باليوم الآخر.
أما إيمانهم بالله وهو أصل الدين، فمذهبهم أن الله -سبحانه- موجود وجودا مطلقا يعني موجود في الذهن لا ماهية له ولا حقيقة، فلا يعلم جزيئات بأعيانها إذ لو علم جزيئات للحقه الكلل والتعب من تصور تلك المعلومات، ولكان كاملا بنفسه لا بغيره، بل يعلم الكليات، والكليات أمر ذهني ولا يسأل عندهم بقدرته ومشيئته، وليس له صفة البتة لا يثبتون له السمع ولا البصر ولا العلم ولا القدرة، وليس العالم مخلوقا لله بمشيئته وقدرته، بل العالم عندهم لازم لله أزلا وأبدا، لا يستطيع انفكاكا عنه، فليس العالم مخلوقا بقدرته ومشيئته، بل العالم مقارن لله ليس متقدما عليه ينكرون أن يكون متقدما عليه في الزمان، بل هو مقارن له، وهو العلة المحرك لهذا العالم، وهو أول هذا العالم، والعالم ملازم لله أزلا وأبدا، فهو لازم له كلزوم النور للسراج هذا مذهبهم في الإيمان بالله، وحقيقة مذهبهم الإيمان بالله أنهم لم يثبتوا وجودا الله إلا في اللفظ، وفي الذهن فقط، لم يثبتوا ربا هذا رب الفلاسفة، ربهم معدوم لا وجود له؛ لأن الموجود لا بد أن يتصف بصفة ولا بد أن يكون له اسم وهؤلاء يسلبون جميع الأسماء والصفات، فتبين بهذا أنه لا وجود له إلا في الذهن، وفي اللفظ وأما الملائكة، فإنهم لا يثبتون الملائكة على أنهم أشخاص محسوسة، تنزل وتذهب وترى وتجيء، وتخاطب الرسول وتصفه عند ربها، وتكتب أعمال العباد ولها وظائف كما جاء في الكتاب والسنة، بل يقولون: إنها هي العقول، وهي مجردات ليست داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، ولا هي أشخاص تتحرك وتصعد وتنزل، وتدبر وتكلم وتكتب أعمال العبد، وتجيء وترى وتخاطب الرسول، وإنما ذلك عندهم أمور ذهنية لا وجود لها في الأعيان، وإذا تقربوا إلى أهل الإسلام، وإذا تقرب بعضهم إلى أهل الإسلام قالوا: الملائكة هي القوى الخيرة الفاضلة التي في العبد والشياطين، هي القوى الشريرة الرديئة هذا إذا تقربوا إلى أهل الإسلام، وإلا فإنهم
يقررون أن الملائكة عبارة عن أشكال نورانية، يتصورها النبي في نفسها أشباح وأشكال نورانية، وإذا تقربوا إلى أهل الإسلام قالوا: هي أمور عقلية، فالأمور العقلية تبعث على الخير وعلى الإحسان وعلى الشجاعة وعلى الإيثار.
والشياطين هي القوى الشريرة الرديئة التي تبعث على الإيذاء وعلى الظلم وعلى الطغيان وعلى العدوان أمور عقلية ليست معنوية، هذا إذا تقربوا إلى أهل الإسلام وإلا فهم يقررون أنها أشخاص وأشباح وأشكال نورانية يتصورها النبي في ذاته، وأما الإيمان بالكتب فإنهم لا يثبتون الكلام لله ولا يثبتون أن الله تكلم بكلام أنزله على أنبيائه ورسله، ولم يكن لله كلام لا يثبتون لله كلاما ولا كتبا أنزلها، ولا يصفون الله بالكلام فلا يكلم ولا يتكلم ولا قال ولا يقول والقرآن عندهم فيض فاض من العقل الفعال على قلب بشر، يعني أمورا معاني تفيض معاني، ليس بحرف ولا صوت معاني تفيض من العقل الفعال على قلب بشر ذاك النفس طاهر متميز عن النوع الإنساني متميز عن النوع الإنساني بخصائص.
стр. 213
وهذا هو الرسول، وهو الإيمان بالرسل، فلا يؤمنون بأن الله تعالى اصطفى أنبياءه ورسله، بل يقولون: إن الرسالة ليست هبة من الله وليست محنة، بل هي صنعة من الصناعات وكسب يكسبه الإنسان وسياسة من السياسات، ولها ثلاث خصائص ثلاث خصائص من توافرت فيه فهو نبي، فالنبي رجل عبقري متميز عن غيره بهذه الخصائص.
الخصيصة الأولى قوة الإدراك وسرعته؛ لينال من العلم أعظم مما يناله غيره رجل ليس عاديا، بل هو رجل عبقري ذكي عنده سرعة الإدراك والحفظ لينال من العلم أكثر مما يناله غيره.
الثاني الصفة الثانية: قوة النفس أو قوة التأثير، ليؤثر بها في سيول العلم بقلب صورة إلى صورة، يعني يكون عنده قوة تأثير يشبه الساحر بحيث يقلب ما ارتسم في ذهنك من صورة إلى صورة، وأنت لا تشعر من قوة تأثيره من قوة نفسه، فإذا ارتسم في ذهنك صورة كذا وكذا، نوعها كذا وكذا استطاع أن يقلبها من صورة إلى صورة بقوة تأثيره وقوة نفسه.
الصفة الثالثة: قوة التخيل وقوة التخيل قوة التخيل، حتى يتخيل الملائكة الذين هم العقول، يتخيلهم في صورة شيء محسوس أمامه، كأن أمامه رجل يخاطبه، فيتخيل أن الملائكة أشخاص، وقد يقوى الوهم فيسمع أصواتا تخاطبه.
جزى الله فضيلة الشيخ خيرا على ما قدم، وجعله في ميزان حسناته.
وأما الإيمان بالكتب فإنهم لا يثبتون الكلام لله ولا يثبتون أن الله تكلم بكلام أنزله على أنبيائه ورسله، ولم يكن لله كلام، لا يثبتون لله كلاما ولا كتبا أنزلها، ولا يصفون الله بالكلام، فلا يكلم ولا يتكلم، ولا قال ولا يقول، والقرآن عندهم فيض فاض من العقل الفعال على قلب بشر، يعني أمورا، معاني تفيض، معاني ليس بحرف ولا صوت، معاني تفيض من العقل الفعال على قلب بشر زاكي النفس طاهر متميز عن النوع الإنساني، متميز عن النوع الإنساني بخصائص، وهذا هو الرسول وهو الإيمان بالرسل، فلا يؤمنون بأن الله -تعالى- اصطفى أنبياءه ورسله، بل يقولون: إن الرسالة ليست هبة من الله، وليست محنة، بل هي صنعة من الصناعات، وكسب يكسبه الإنسان، وسياسة من السياسات، ولها ثلاث خصائص، ثلاث خصائص من توافرت فيه، فهو نبي، فالنبي رجل عبقري متميز عن غيره بهذه الخصائص.
الخصيصة الأولى قوة الإدراك وسرعته؛ لينال من العلم أعظم مما يناله غيره، رجل ليس عاديا، بل هو رجل عبقري ذكي، عنده سرعة الإدراك والحفظ؛ لينال من العلم أكثر مما يناله غيره.
الثاني... الخصيصة الثانية: قوة النفس أو قوة التأثير؛ ليؤثر بها في سيول العلم بقلب صورته إلى صورة، يعني يكون عنده قوة تأثير، يشبه الساحر بحيث يقلب ما ارتسم في ذهنك من صورة إلى صورة، وأنت لا تشعر من قوة تأثيره، من قوة نفسه، فإذا ارتسم في ذهنك صورة كذا وكذا، نوعها كذا وكذا، استطاع أن يقلبها من صورة إلى صورة بقوة تأثيره وقوة نفسه.
الصفة الثالثة: قوة التخيل، وقوة التخييل قوة التخيل حتى يتخيل الملائكة الذين هم العقول، يتخيلهم في صورة شيء محسوس أمامه، كأن أمامه رجل يخاطبه، فيتخيل أن الملائكة أشخاص، وقد يقوى الوهم فيسمع أصواتا تخاطبه، وليس لذلك حقيقة، وقوة التخييل، يعني يستطيع أن يخيلها للآخرين، حتى يرونها ويسمعون خطابها، فإذا وجدت هذه الخصائص، فهو نبي، وقالوا: إن النبوة لا كل أحد يستطيع أن يدركها بالمراس والكسب والخبرة، وقالوا: إن النبوة ليست بالدرجة العالية، بل هناك ما هو أعلى منها؛ لأن النبوة سياسة العامة، ولكن الفلسفة أعلى منها لأنها سياسة الخاصة، ولهذا فإن بعض الفلاسفة لا يرضون بها بالنبوة، ويقولون هي مرتبة ليست عالية، وإنما أعلى منها الفلسفة، ولهذا طلب النبوة من تصوف على مذهب ابن هود وابن سبعين وغيرهما، هذا إيمانهم بالرسل، فالرسول أو النبي رجل عبقري، توفرت فيه هذه الخصائص، أما وهذه الخصائص أي تحصل بالاكتساب، ولهذا طلب النبوة من تصوف على مذهب هؤلاء كابن سبعين وابن هود وأضرابهما، قالوا والنبوة صنعة من الصنائع، بل من أشرف الصنائع كالسياسة، بل هي سياسة العامة عندهم، وكثير منهم لا يرضى بها، ويقول الفلسفة نبوة الخاصة، والنبوة فلسفة العامة.
وأما الإيمان باليوم الآخر، فهم من أشد الناس تكذيبا وإنكارا له في الأعيان وفي الخارج، فعندهم أن هذا العالم لا يخرج، ولا تنشق السماوات، ولا تنفطر، ولا تنكدر النجوم، ولا تكور الشمس والقمر، ولا يقوم الناس من قبورهم، ويبعثون إلى جنة ونار، وكل هذا عندهم لا حقيقة له، بل هي أمثال مضروبة لتفهيم العوام، لا حقيقة لها في الخارج كما يفهم منها أتباع الرسل، يقول هذه من تخييلات هذا العبقري من سياسته، فيسوس الناس ويخبر أن هناك بعث وجزاء وجنة ونار حتى يتعايش الناس بسلام، وحتى لا يعتدي أحد على أحد، هذا من سياسته، وهو يكذب، لكن يكذب لهم ولا يكذب عليهم، قالوا: لا بأس هو يكذب لهم، ولا يكذب عليهم.
стр. 214
فرق بين من يكذب لك، ومن يكذب عليك، فهو يكذب للناس لأجل مصلحة الناس، وإلا فليس هناك بعث ولا جزاء ولا نشور ولا جنة ولا نار، هذا مذهب الفلاسفة في أصول الإيمان، وبهذا يتبين أنهم ملاحدة زنادقة، ينتسبون إلى الإسلام نفاقا، فيكون من المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار، ونعوذ بالله إذا ماتوا على ذلك، نسأل الله السلامة والعافية.
الإيمان بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة الإيمان بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة
ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين.
يعني هذه الأصول هي أصول الدين أصول الإيمان وأركان الإيمان، من لم يؤمن بها فهو كافر خارج من ملة الإسلام، الإيمان بالله والإيمان بالملائكة، الإيمان بالكتب، والإيمان بالرسل، الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالقدر خيره وشره. نعم.
стр. 215
ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين