والصواب أنه يقتل كفرا، وقد ثبت قتل الساحر عن عمر بن الخطاب ﵁ وحفصة بنت عمر وجندب بن عبد الله، وهو مأثور عن الصحابة، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في المنصوص عنه لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا ك`ّ tw فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ أي: بتعلم السحر، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ واختلف العلماء: هل يستتاب الساحر أم لا؟ ذهب مالك إلى أنه لا يستتاب، ولا تقبل توبته، يعني: في الدنيا، وهو الراجح.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، واختلف الموجبون لقتله، وهم الجمهور هل يقتل كفرا أو حدا؟ يعني: هل يكفر بالسحر، فيقتل بكفره أم يقتل لسعيه في الإرض بالفساد، فيقتل لمنع شره لا لكفره، فالجمهور على أنه كافر، يقتل كفرا لا حدا، كما سبق، وقالت طائفة: إنه لا يكفر إلا إذا تضمن سحره كفرا، في قوله أو عمله، وحينئذ فيقتل لكفره، وإن لم يتضمن سحره كفرا، فلا يخلو أن يكفر بسحره أم لا، فإن كفر بالسحر قتل حدا، وإن يكفر بالسحر عوقب بدون القتل.
وهذا منقول عن الإمام الشافعي، وهو رواية عن الإمام أحمد، واتفق العلماء على أن ما كان من جنس دعوة الكواكب السبعة أو غيرها أو خطابها، أو السجود لها أو التقرب إليها بما يناسبها من اللباس والخواتم والبخار ونحو ذلك والمناجاة للكواكب، فإنه كفر، وهو من أعظم أبواب الشرك، يخاطب -مثلا- الخطاب دعوة الكواكب السبعة، ما هي الكواكب السبعة؟ هي المشترى والمريخ زحل وعطارد وزهرة والشمس والقمر.
هذه الكواكب السبعة، فمن كان من جنس دعوة الكواكب السبعة أو خطابها إذا دعاها أو خاطبها أو نادها، فهذا كفر كذلك، وإذا تقرب إليها بما يناسبها من اللباس والخواتم والبخور، وكذلك إذا نادى الكواكب يزعم أنهم ينادون الكواكب، والواقع أنه ينادي الجن، فإن هذا كفر، وهو من أعظم أبواب الشرك، وهو من جنس فعل الصابئة قول إبراهيم ﵊؛ لهذا حكى الله عنه بقوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) ﴾ يريهم إيهاما؛ لأنه الصابئة تقول: إنها مدبرة للعالم، وإنها تأتي بالخير والشر، واتفق العلماء على أن كل رقية أو تعزيم وقسم فيه شرك لله، فإنه لا يجوز التكلم به، وإن أطاعته به الجن أو غيرهم، وكذلك كل كلام فيه كفر، لا يجوز التكلم به، وكذلك الكلام الذي لا يعرف معناه لا يتكلم به؛ لإنكار أن يكون فيه شرك لا يعرف؛ ولذلك قال النبي ﷺ (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا) ولا يجوز الاستعانة بالجن، فقد ذم الله الكافرين على ذلك، فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) ﴾ وقد أخبر الله عن الذين يزعمون أنهم يدعون الملائكة، ويخاطبونهم بهذه العزائم أنهم ضالون، وإنما تنزل عليهم الشياطين، لا الملائكة في قوله ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) ﴾ كما أخبر أن كلا من الجن والإنس يستمع بالآخرة، في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ فاستمتاع الإنس بالجن في
قضاء حوائجه وامتثال أمره وإخباره بشيء من المغيبات واستمتاع الجن بالإنس في تعظيمه إياه واستعانته به واستغاثته وخضوعه له، أي: يعني: بالشركيات التي حمله عليها حكم حوار الكاهن، وما تعاطاه المنجم والضارب بالحصى، والذي يخط بالرمل وصاحب الأزلام التي يستقسم بها، الأجرة التي يتعاطاها، ما تعاطاه هؤلاء حرام وسحت، كما في الصحيح: (ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وحلوان الكاهن خبيث) ويدخل في حلوان الكاهن ما يتعاطاه هؤلاء حلوان الكاهن يعني: أجرته على الكهانة سمي حلوانا؛ لأنه يأخذه حلوا بدون مشقة.
أما حكم فعلها فقد حكى الإجماع على تحريمه غير واحد كالبغوي والقاضي عياض وغيرهم حكم الإتيان للسحرة؟ وسؤالهم وتصديقهم؟ إن كان على وزن التصديق لهم في كل ما يخبرون به، والتعظيم للمسئول، فهو حرام الإيتان للسحرة والكهنة.
стр. 387
دليل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن معاوية بن الحكم السلمي قال: (قلت: يا رسول الله، أمورا كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان قال: فلا تأتوا الكهان) وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل صلاة أربعين يوما) وفي حديث أبي هريرة ﵁ (من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) وأما إن كان يسأل المسئول ليمتحن حاله، ويختبر باطن أمره، وعنده ما يميز به صدقه من كذبه، فهذا جائز كما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ (سأل ابن الصياد، فقال: ما يأتيك؟، قال: يأتيني صادق وكاذب، قال: ما ترى؟ قال: أرى عرشا على الماء، قال: فإني قد خبأت لك خبيئا. قال: الدخ. قال: اخسأ، فلن تعدو قدرك، فإنما أنت من إخوان الكهان)
وكذلك إذا كان يسمع ما يقولون، ويخبرون به عن الجن، كما يسمع المسلمون ما يقول الكفار والفجار؛ ليعرفوا ما عندهم، فيعتبرون به، وكما يسمع الخبر الفاسق، ويتبين، ويتثبت، فلا يجزم بصدقه ولا كذبه إلا ببينة كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وكما في الحديث: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم) فقد جاز للمسلمين سماع ما يقولونه، ولا يصدقوهم، ولا يكذبوهم.
حكم طلب السقيا بالنجم، ونسبة الأحداث إليها وحكم من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا. طلب السقيا بالنجم مايجوز، وهو من عمل أهل الجاهلية، ففي الحديث: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستقساء بالنجوم، والنياحة) ونسبة الأحداث إلى النجم وطلب الاستقساء وقوله مطرنا بنوء كذا وكذا، إن كان يعتقد أنه عند ذلك النجم يحصل المطر، فهذا كفر أصغر، وإن كان يعتقد أن له تأثيرا أن للنجم تأثيرا في إنزال المطر، فهذا كفر أكبر يخرج من الملة، دليل ذلك ما في الصحيحين عن زيد بن خالد ﵁ (خطبنا رسول الله ﷺ على إثر سماء كانت من الليل فقال: أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب)
صناعة التنجيم وحكمها مع الدليل: صناعة التنجيم التي مضمونها الإحكام والتأثير، وهي الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية كالاستدلال بها على موت عظيم، أو ولادة عظيم، أو قيام أمة، أو تولي ملك، أو عزل ملك.
حكمها صناعة محرمة بالكتاب والسنة، بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين، الدليل قول الله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) ﴾ والتنجيم من السحر، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) ﴾ قال عمر: الجبت السحر، وهذا تفسير بالبعض؛ لأن الجبت: كل ما لا خير فيه، فمنه السحر، فهو جزء منه.
الواجب على ولاة الأمور تجاه المنجمين والكهان والعرافين وأصحاب الضرب بالرمل والحصى؟ .
الواجب على ولاة الأمور من الحكام والعلماء وكل قادر السعي في إزالة هؤلاء ومنعهم من الجلوس في الحوانيت والطرقات والدخول على الناس في منازلهم؛ لذلك أما الحكام فبإبادتهم وإزالتهم، وأما العلماء فبمنعهم وإزالتهم إن قدروا، وإلا فببيان باطنهم وجدلهم للناس وتحذير الناس منهم، والجلوس عندهم والاستماع لهم، وأما غيرهم فبالنصح وتجنب فعلهم؛ لأن هذا من المنكر العظيم، فيجب إنكاره، وفي الحديث: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه)
وقد ذم الله أهل الكتاب على عدم الإنكار، فقال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) ﴾
والسحر يدخل في المنكرات في الدرجة الأولى، وعموم العقوبة بسبب الفعل والسكوت هذا بفعله وهذا بسكوته، فتعم العقوبات والنكبات.
النزاع: نزاع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه، هل للسحر حقيقة مؤثرة أم هو ضرب من الخيال؟ الصواب الذي عليه أكثر العلماء وعليه المحققون من أهل العلم أن السحر له حقيقة مؤثرة، وأنه قد يؤثر في موت المسحور ومرضه من غير وصول شيء ظاهر إليه، بسبب لطم الجن له بسبب الإقسام عليه من قبل الساحر، فالساحر يقسم على الجني، والجني يلطم المسحور، فيمرض أو يقتل.
стр. 388
دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) ﴾ ومنه التخييل، فالسحر قسم منه خيال، وقسم منه له حقيقة، دليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) ﴾ ولولا أن للسحر حقيقة لما أمر الله بالاستعاذة منه، ودليل الخيال قوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) ﴾ وقوله: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾
وذهب بعض العلماء إلى أن السحر مجرد تخييل، وأنه لا تأثير له ولا حقيقة، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة، وإليه ذهب الجصاص في كتاب الإحكام في كتاب الأحكام، وهو مذهب المعتزلة والرافضة.
دليلهم: قول الله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) ﴾ وقوله: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) ﴾
والصواب القول الأول بأن هذه الآيات تدل على أن منه خيال، ومنه ما هو له تأثير.
والصحيح أن السحر له تأثير في عين الرائي والمسحور، وهو خيال بحيث إنه لم يغير الحقائق، ففيه تأثير من جانب وتخييل من جانب، فله تأثير في المسحور بمرضه أو موته، وله خيال في عين الرأي والمسحور.
فإذا الصواب أن السحر له حقيقة، وله خيال. أما القول بأنه خيال فقط، فهذا ليس بصحيح.
والنشرة: هي حل السحر عن المسحور، وحكمها: تنقسم إلى قسمين: قسم حرام، وقسم مباح، فالنشرة حل السحر، وهي نوعان.
أولا: حل السحر بسحر مثله، فهذا لا يجوز، وهو من عمل الشيطان؛ لقوله ﷺ (ولا يحل السحر إلا ساحر) وقوله: (النشرة من عمل الشيطان)
ثانيا: حل السحر بأدوية ودعوات مباحة، فهذا جائز.
أنواع المشعوذين الذين يفعلون هذه الأفعال الخارجة عن الكتاب والسنة ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أهل تلبيس وكذب وخداع، ذلك وهم يعلمون ذلك، الذين يظهر أحدهم طاعة الجن له، أو يدعي الحال بأهل المحال من المشائخ النصابين الخداعين والفقراء الكاذبين والطرقية المكارية، هؤلاء يدعون السحر، ويأكلون أموال الناس بالباطل، ما وجد مهنة فتح محل، وقال: إنه يعالج الناس، وكل من أتاه يأتي له بأنواع من ... هذا تدهن به، وهذا تشربه، وهذا استنشقه، وهذا كذا. ويأكل أموال الناس بالباطل.
حكمهم والحد الواجب عليهم: هؤلاء دجاجلة وملبسون وخداعون يستحقون العقوبة البليغة التي تردعهم وأمثالهم عن الكذب والتلبيس، وقد يكون في هؤلاء من يستحق القتل كمن يدعي النبوة بمثل هذه الخزعبلات، أو يطلب تغيير شيء من الشريعة ونحو ذلك.
النوع الثاني: من يتكلم في هذه الأمور ويعمل الشعوذة من تحضير الجن وغيرها على سبيل الجد والحقيقة، ويعتقدون لها التأثير، حكمهم والحد الواجب عليهم- هؤلاء سحرة، وسبق بيان حكم الساحر، وأن حده القتل، وأن جمهور العلماء يوجبون قتل الساحر على خلاف بينهم، وهل القتل كفرا أو حدا؟ .
والصواب الذي عليه المحققون أنه كفر، وهو الراجح، وبعض العلماء يرى أنه يعاقب أقل من القتل، إلا إن قتل بسحره، أو تضمن سحره كفرا قولا أو فعلا، عوقب بالقتل.
النوع الثالث: من يتكلم بالأحوال الشيطانية، ويدعي الخشوع ومخاطبة رجال الغيب، يدعي مخاطبة القطب المتولي للكون، وأن له الخوارق تقتضي أنهم أولياء الله، ومن هؤلاء من يساعد المشركين، ويعين المشركين على المسلمين في أيام حرب التتار، ويقول: إن الرسول أمره بقتال المسلمين مع المشركين؛ لكون المسلمين قد عصوا.
حكم هؤلاء: هؤلاء في الحقيقة من إخوان الشياطين، والواجب أن يعاقبوا بالعقوبة البليغة التي تردعهم عن فعلهم، وقد يجب قتلهم إذا ثبت أنهم يخاطبون الجن ويستخدمونهم ويعظمونهم بالشركيات، وحينئذ فهم كفار، يقتلون كفرا، موقف المسلم من أصحاب الأحوال، وهل تسلم لهم أحوالهم؟ .
يقول بعض الناس: إن الصوفية تسلم لهم أحوالهم، يعني: أحوالهم النفسية بأن يظن أنه على الدين والاستقامة، وإن كان بخلافه يقول: اتركه على حاله، هذا كلام باطل، بل الواجب عرض أفعالهم وأحوالهم على الشريعة المحمدية، فما وافقها قبل، وما خالفها رد، وأدب صاحبه.
الدليل: ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية لمسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)
فلا طريق إلا طريقة الرسول، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا عقيدة إلا عقيدته، ولا يصل أحد من الخلق بعده إلى الله وإلى رضوانه جنته وكرامته إلا بمتابعة النبي ﷺ باطنا وظاهرا، بعض الصوفية يعتقدون في البله أنهم من أولياء الله. حكم من اعتقد في البله أنهم من الأولياء.
стр. 389
البله جمع أبله، وهو ضعيف العقل، بعضهم يقول: هذا الأبله ضعيف، هذا الأبله ولي من أولياء الله، اتركه، وبعضهم يقول: إن هذا الشخص الذي تجده أبله ضعيف العقل، ولا يعرف شيئا، تجده مخرق الثياب، طويل الشعور والأظافر، مرمي على زبالة، يقول: ما تدري لعل هذا قطب يدبر في الكون، يدبر الكون، أحد الأقطاب أحد الأقطاب، هذا قطب يدبر الكون، وهو مخرق الثياب، ولو كان أبله من اعتقد في البله، وهم المغفلون أو المولعون خرقه من كثرة العبادة والرياضة، أنهم من أولياء الله، مع تركه لمتابعة الرسول ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله، أو فضله على متبع طريقة الرسول، فهو ضال مبتدع مخطئ في اعتقاده.
والسبب في ذلك؛ لأن ذلك الأبله ضعيف العقل لا يخلو من حالات ثلاث، إما أن يكون شيطانا زنديقا، وإما أن يكون ملبسا متحيلا، وإما أن يكون مجنونا معذورا واحد من ثلاثة: إما أن يكون شيطانا زنديقا، إما أن يكون ملبسا متحيلا، وإما أن يكون مجنونا معذورا، فكيف يفضل على أولياء الله المتبعين لرسوله، أو يساوى بهم، وبعضهم يسوق حديث: (اطلعت على الجنة فرأيت أكثر أهلها البله)
جمع أبله، وهو ضعيف العقل، هذا الحديث باطل سندا ومتنا، أما سندا: فإنه لا يصح عن رسول الله ﷺ ولا ينبغي نسبته إليه، وأما متنا، فإن الجنة إنما خلقت لأولي الألباب الذين أرشدتهم عقولهم وألبابهم من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وقد ذكر الله أهل الجنة بأوصاف في كتابه، فلم يذكر في أوصافهم البله الذي هو ضعف العقل، وتصحيح الحديث، صواب الحديث: إنما قال النبي ﷺ (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء) ولا يقول: البله، وهذا يرجع إلى أن المال أشد في صرف الإنسان عن الدين وطغيانه من الفقر.
الطائفة الملامية: طائفة من الصوفية يسمون الطائفة الملامية الطائفة الملامية، والطائفة الذين يصعقون عند سماع الأنغام الحسنة، الملامية الطائفة الملامية ثلاثة أنواع، تطلق على ثلاثة أنواع: النوع الأول تطلق على الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، وهم الذين لا يبالون بلوم، اللوم في ذات الله والقيام بأمره والدعوة إليه، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ وهؤلاء ممدوحون أبرار.
ثانيا: النوع الثاني تطلق على التي إذا وقعت في سيئة لامت نفسها، وأنبتها، وهذه محمودة أيضا.
النوع الثالث: تطلق الملامية على الذين يفعلون ما يلامون عليه، ويظهرون ما لا يمدحون عليه، وهي التي تخفي فعل الخير والمحامد، وتظهر فعل الشر، ويقصدون بذلك مخالفة المرائين، وهو من يظهر الخير، ويضمر الشر، وهذه الطائفة مذمومة، وهم جماعة من الصوفية لهم طريقة معروفة تسمى طريقة أهل الملامة، يعني: تجد الواحد منهم يقول: أنا أصلح باطني ولا علي من الظاهر، فتجده يذهب يسرق حتى يلومونه الناس ويذمه الناس، يقول: أنا باطني صالح، لكن ما علينا خلي الناس يذمونه، ما علينا يسرق أمام الناس، ويفعل، يفعل أشياء، ويزعمون أنهم يحتملون ملام الناس لهم على ما يظهرونه من الأعمال السيئة؛ ليخلص لهم ما يبطنونه من الأحوال، يقول: أنا أعمل أشياء في الظاهر يذمني الناس عليها ويلوموني حتى يصلح باطني.
الرد عليهم: إن هؤلاء أذلوا أنفسهم، وفي الحديث: (لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه)
ثانيا: أن هؤلاء ردوا باطن الأمور، وهم يقولون: نريد أن نخالف المرائي، المرائي يظهر الخير، ويبطن الشر، نحن بالعكس نظهر الشر ونبطن الخير.
نقول لهم: أأنتم رددتم باطل المرائين بباطل آخر، والباطل لا يرد بالباطل، والصراط المستقيم بين ذلك، حسن في ظاهره كالمرائين، وحسن في باطنه كالملامية.
حكم الذين يصعقون عند سماع الأنغام الحسنة، وهو تصنع ومظاهرة ومخداعة للناس، أو ترنح بأن يدور، وهو يذكر، فيختل عقله، ثم يصعق، ويسقط، هؤلاء المبتدعون ضالون؛ إذ ليس للإنسان أن يستدعي ما يكون سبب زوال عقله.
ثانيا: لأنه لم يكن في الصحابة والتابعين من يفعل ذلك، ولو عند سماع القرآن، وهو خير منا، فكيف نصل إلى ما لم يصلوا إليه؟ بل كانوا، بل كان الصحابة كما وصفهم الله: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) ﴾ وكما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾
هناك بعض المجانين ذكرهم العلماء بخير، الذين ذكرهم العلماء من عقلاء المجانين بخير، هؤلاء قوم كان فيهم خير، ثم زالت عقولهم، فيبدو على ألسنتهم أيام الجنون من الكلمات الخيرية في أيام الصحوة.
стр. 390
والواقع أنهم مجانين، ومن علامة هؤلاء أنه إذا حصل في جنونهم نوع من الصحو تكلموا بما كان في قلوبهم من الإيمان، ويهتدون بذلك في حال زوال عقلهم بخلاف من كان قبل جنونه كافرا أو فاسقا، لم يكن حدوث جنونه مزيلا لما ثبت من كفره أو فسقه، وكذلك من جن من المؤمنين المتقين يكون محشورا مع المؤمنين المتقين، وما يحصل لبعضهم -لبعض الصوفية- عند سماع الأنغام المطربة من الهذيان والتكلم ببعض اللغات المخالفة للسان المعروف عنه، فذلك شيطان يتكلم على لسانه، كما يتكلم على لسان المصروع، أو هو دجال يكذب على الناس، وذلك كله من الأحوال الشيطانية، بعض الصوفية يظن أن زوال العقل سبب أو شرط يقرب إلى ولاية الله، بعض الصوفية يقول: زوال العقل سبب أو شرط يقرب إلى ولاية الله من يظن هذا الظن، فهو من أهل الضلال حتى قال قائلهم يعني: يخاطب المجانين يعني: المجانين:
هم معشر حلوا النظام وخرقوا الـ *** ـسياج فلا فرض لديهم ولا نفل
يعني: المجانين هم معشر حلوا النظام، وخرقوا السياج، فلا فرض لديهم ولا نفل، مجانين إلا أن سر جنونهم عزيز على أبوابه يسجد العقل، هذا كلام هذا الكلام كلام ضال، بل كافر يظن أن في الجنون سرا، يسجد العقل على أبوابه، يقول: يعني: العقل ما يصل إلا إلى باب المجانين، لما رآه من بعض المجانين من نوع المكاشفة، أو تصرف عجيب خارق للعادة، ويكون سبب ذلك ما اقترن به من الشياطين، كما يكون للسحرة والكهان، فيظن هذا الضال أن كل من خبل أو خرق العادة كان وليا لله.
حكم من اعتقد هذا فهو كافر، فقد قال الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) ﴾ فكل من تنزل عليه الشياطين لا بد أن يكون عنده كذب وفجور وزوال العقل بجنون أو غيره سواء سمي صاحبه مولها أو ولها، لا يوجب مزيد حال، بل حال صاحبه المجنون ما عنده زيادة، انقطع العمل، وقف العمل، بل حال صاحبه من الإيمان والتقوى يبقى على ما كان عليه من خير أو شر، لعله يزيده أو ينقصه، ولكن جنونه يحرمه من الزيادة من الخير، كما أنه يمنع عقوبته عن الشر، ولا يمحو عنه ما كان قبله، ولكن جنونه من المصائب التي تكفر بها الخطايا.
حكم الذين يتعبدون بالرياضات والخلوات، ويتركون الجمع والجماعات؟ في طائفة يسمون أنفسهم الخلوتية، وهو الذي يجلس في خلوة صغيرة في غرفة صغيرة، يتعبدون بها على قدر ما يسع الإنسان، ويجلس فيها مدة طويلة، ثم بعد ذلك يخرج هزيلا ضعيفا، وبعضهم يستدلون بعبادة النبي ﷺ في غار حراء، ولا يتم لهم ذلك؛ لأن النبي ﷺ لم يبعث قبل ذلك، كان يتعبد بغار حراء قبل البعثة.
حكم الذين يتعبدون بالرياضات والخلوات، ويتركون الجمع والجماعات؟ هؤلاء جماعة من الصوفية يسمون خلوتية، وهم هؤلاء ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، قد طبع الله على قلوبهم.
والدليل ما ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه) هناك طائفة من الصوفية يجوزون الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني ويستدلون بقصة الخضر مع موسى، بعضهم يقول: أنا أستغني عن الوحي الذي جاء به محمد ﷺ من الكتاب والسنة؛ لأني يأتيني علم لدني من الله بذهاب يأتيني وحي ملهم يأتيني، وحي بإلهام يعرفني الله مباشرة، وما أحتاج إلى محمد، ولا أحتاج إلى شريعة محمد.
ما حكم هذا؟ حكم من يجوز يقول: أنا عندي دليل، الدليل الخضر ما تبع موسى الخضر يأتيه علم من الله، ولا يتبع موسى، وخالف موسى فدل على الذي يأتيه علم وتعريف، يعرفه الله لا يحتاج إلى محمد، كما أن الخضر ما احتاج إلى موسى، فالخضر خرج عن شريعة الله ولا عمل بشريعة موسى اكتفاء بالعلم اللدني، وهو يزعم أنه لا يحتاج إلى شريعة محمد، ويكتفي بالعلم اللدني، فما حكم من يجوز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني، ويستدل بقصة موسى مع الخضر.
العلم اللدني هو الذي يحصل للعبد من غير واسطة، بل بإلهام من الله وتعريف منه لعبده، كما حصل للخضر ﵊ بغير واسطة موسى.
حكم من جوز ذلك: ملحد زنديق، ملحد زنديق مفارق لدين الإسلام بالكلية، فضلا عن أن يكون من أولياء الله، يقول: هذا ولي هذا ليس من أولياء الله، بل هو ملحد زنديق مفارق لدين الإسلام بالكلية، فضلا عن أن يكون من أولياء الله، بل هو من أولياء الشيطان، فعليه أن يجدد إسلامه، ويتشهد شهادة الحق، وإن مات على ذلك، فهو من الملاحدة الزنادقة الذين في الدرك الأسفل من النار، نعوذ بالله.
стр. 391
شبهته: يقول: إنه يأخذ من اللوح المحفوظ، ولا يجب عليه اتباع الرسول، وأنه مع محمد ﷺ كالخضر مع موسى، وهذا يكون مثل ابن عربي رئيس الاتحادية، والرد عليهم أن نقول: هناك فرق بين موسى والخضر وبين محمد وأمته بعد البعثة، الخضر أولا: الخضر ليس من أمة موسى، ولا هو من قومه، وموسى ﵊ لم يكن مبعوثا إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأمورا بمتابعته، فلا يجب على الخضر اتباع موسى.
ولهذا لما جاء يتعلم منه قال له: أنت موسى بني إسرائيل. قال: نعم. هذا في مكان، وهذا في مكان، موسى ما أرسل إلى الثقلين، وإنما هو مرسل إلى بني إسرائيل، والخضر ليس من بني إسرائيل لم يرسل إليه، ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين، ونحن من أمته ومأمورون باتباعه، فيجب علينا اتباعه، ولو كان موسى وعيسى حيين لكانا من أتباعه ﵊.
وقد أخذ الله على كل نبي العهد والميثاق؛ لئن بعث محمد وأنت حي لتتبعنه ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) ﴾
ثانيا: فموسى وعيسى لو كانا حيين لكانا من أتباعه، وإذا نزل عيسى إلى الأرض في آخر الزمان، فيحكم فإنه يحكم بشريعة محمد ﷺ ويكون فردا من أفراد الأمة المحمدية، وهو أفضل هذه الأمة، فأفضل هذه الأمة بعد نبيها عيسى؛ لأنه نبي وفرد من أفراد الأمة، ثم يليه أبو بكر الصديق.
هذه فائدة: أفضل هذه الأمة بعد نبيها عيسى ﵊؛ لأنه ينزل في آخر الزمان، ويحكم بشريعة محمد، ويكون فردا من أفراد الأمة المحمدية، فهو نبي ومن أمة محمد، ثم يليه أبو بكر الصديق، فهو أفضل الناس بعد الأنبياء.
ثانيا: الخضر نبي يوحى إليه على الصحيح، كما قال الله -تعالى- عنه أنه قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ لما فعل الأمور الثلاثة قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ يعني: على أمر الله، وعنده من العلم ما ليس عند موسى، ولهذا لما نقر عصفور في البحر قال له الخضر: يا موسى قال الخضر لموسى: إني على علم من علم الله علمنيه ما تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه، وما ينقص علمي وعلمك في علم الله إلا كما ينقص ماء هذا العصفور بهذه النقرة من البحر.
الخضر نبي يوحى إليه، على الصحيح، الخضر نبي يوحى إليه، فإذا الرد عليهم: أولا: هناك فرق بين موسى والخضر، ثانيا: الخضر نبي يوحى إليه على الصحيح، كما قال تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ وعنده من العلم ما ليس عند موسى، أما نحن فلا يوحى إلينا، وليس عندنا من العلم ما ليس عند محمد ﷺ .
آخر فقرة في هذا المبحث هناك بعض الصوفية بعض الملاحدة يقول: إن الكعبة تتطوف برجال من أرباب الكشوف المستغنين بالعلم اللدني يقول: الخواص ما يحتاج إلى أن يذهب إلى مكة يطوف، هي الكعبة تأتي إليه، ويطوف بها، تأتي إليه في مكانه، ويطوف بها.
حكم من يقول: إن الكعبة تطوف برجال من أرباب الكشوف المستغنين بالعلم اللدني، حكمه: ملحد زنديق كافر، وله شبه بالذين وصفهم الله -تعالى- بقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) ﴾ والرد عليهم أن نقول ... ومن الرد عليهم أن نقول: نبينا محمد ﷺ محمد بن عبد الله سيد الخلق وأفضلهم أحصر عن البيت يوم الحديبية، ولم تخرج الكعبة، وتطوف به مع فضله وشرفه وكماله، ولم ير الكعبة منذ ست سنين، فهلا خرجت الكعبة إلى الحديبية، فطافت برسول الله ﷺ حين أحصر عنها، وهو يود منها نظرة، ولم يرها منذ ست سنوات، فمن قال: إن الكعبة تطوف برجال من أرباب الكشوف فهو ملحد ملحد زنديق خارج من الملة، نسأل الله السلامة والعافية، وفق الله الجميع إلى طاعته، وصلى الله على محمد وآله وسلم نعم.
стр. 392
ونرى الجماعة حقا وصوابا والفرقة زيعا وعذابا
стр. 393
الثاني: ما يكون كل من القولين هو في معنى القول الآخر، لكن العبارتان مختلفتان، مثال ذلك: الاختلاف في مرجع الضمير في قول الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ إلى قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ففيه أراء ثلاثة: مرجع الضمير، قيل: الضمير راجع إلى الله، وقيل: راجع إلى الكتاب، وقيل: راجع إلى الرسول، والمعنى واحد، أي: ليحكم الله أو الرسول بما جاء عن الله، أو ليحكم الكتاب المنزل من عند الله.
ثانيا: اختلاف كثير من الناس في ألفاظ الحدود وصوغ الأدلة، والتعبير عن المسميات. هذا أيضا مثال.
النوع الثالث من اختلاف التنوع: الاختلاف في الفروع الاجتهادية والظنية مثاله اختلاف سليمان ودواد -عليهما الصلاة والسلام- في الحكم في الحرث الذي رعته غنم، كما قال الله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ ثم أثنى عليهما، وقال: ﴿وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾
ثانيا: الاختلاف في قطع الأشجار لبني النضير لما حاصر النبي ﷺ بني النضير -وهم طائفة من اليهود- اختلف الصحابة في قطع الأشجار، فبعضهم قطع بعض النخيل، وبعضهم أبقاه، قال: نبقيها، فقطع قوم إغاظة للعدو حتى نغيظهم، وترك آخرون؛ لأنه مال سيعود إلى المسلمين، فالله تعالى أقر هؤلاء، وهؤلاء فأنزل: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ لينة يعني: النخلة ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قائمةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾
ومثال آخر: إقرار النبي ﷺ يوم بني قريظة لمن صلى العصر في وقتها، ولمن أخرها حتى وصل إلى بني قريظة إلى بني قريظة، النبي ﷺ قال: (من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة) فأدركتهم الصلاة في الطريق، فاختلفوا، فقال بعضهم: نصلي، الرسول ﷺ أراد منا الحث، وقد حضر الوقت، فصلى قوم، وقال آخرون: لا نصلي حتى نصل إلى بني قريظة، فلا نصل إلا بعد الغروب، ولم يصلوا العصر إلا بعد الغروب، فأقر النبي ﷺ هؤلاء وهؤلاء.
ومثال آخر: حديث: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) أما اختلاف التضاد، وهو أن يوجد تناف وتناقض بين الأقوال أو القولين أو بين الأفعال أو الفعلين.
فهذا نوعان: ينقسم إلى قسمين: قسم في الأصول والقطعيات، وقسم في الفروع والظنيات في الأصول كالتوحيد، وهو نوعان: أحدهما لا يعذر فيه الإنسان، وهو ما علمه الشخص، كما في قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾
الاختلاف يؤدي إلى الإيمان والكفر، وقوله سبحانه: ﴿* هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) ﴾ ثم ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
والثاني: مثال آخر مما يعذر فيه الإنسان: وهو ما لم يعلم الشخص حكمه، أو يشتبه عليه الأمر، وإن كان قطعيا كتحريم الخمر -مثلا- فهذا يلحق باختلاف التنوع.
ومثاله: الرجل الذي استحل الخمر في زمن عمر، فناقشه عمر حتى أقنعه، وهذا القسم لا يكون مذموما بالعصبية والهوى، أما النوع الثاني، وهو في الفروع كالمسائل الفقهية عند الجمهور، الذين يقولون: المصيب واحد، والخطب في هذا أشد؛ لأن القولين يتنافيان، الفرق بين اختلاف التنوع بأقسامه واختلاف التضاد بقسميه، الفرق بينهما أن اختلاف التنوع هو ما حمد فيه كل واحدة من الطائفتين، إذا لم يحصل بغي من إحداهما والذم فيه واقع على من بغى على الآخر.
وقد دل القرآن على حمد كل واحدة من الطائفتين إذا لم يحصل منهما أو أحدهما بغي على الأخرى كما في الأمثلة السابقة: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قائمةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا﴾ .
إقرار النبي ﷺ بمن صلى العصر في وقتها أو في بني قريظة.
حديث: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) .
وأما اختلاف التضاد فهو ما حمد فيه إحدى الطائفتين وذمت الأخرى، كما في الأمثلة السابقة ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ ﴿* هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾
متى يكون كل من أنواع اختلاف التنوع مذموما؟ ومتى يكون محمودا؟ .
стр. 394
يكون مذموما إذا حصل فيه بغي على الآخر ظلما بسبب العصبية والهوى، أو بسبب الجهل، إما بالقول مثل التفكير والتفسيق أو بالفعل مثل حبسه وضربه وقتله، ويكون محمودا إذا لم يحصل بغي.
فالخلاصة: أنه يذم إذا حمل الهوى والعصبية والظلم على التشاحن والقتال، فاختلاف التنوع الذم فيه واقع على من بغى على الآخر ظلما بسبب العصبية أو الجهل بالقول أو الفعل أي القسمين، الاختلاف فيه يئول إلى البدع بين الأمة، وإلى سفك الدماء واستباحة الأموال والعدواة والبغضاء، وما ... سبب ذلك القسم الأول، وهو اختلاف التنوع، وهو الذي آل بالأمة إلى سفك الدماء وإلى الاختلاف.
وسبب ذلك البغي والهوى والعصبية والظلم، وذلك أن إحدى الطائفتين لا تعترف بالأخرى فيما معها من الحق، ولا تنصفها، بل تزيد ما معها من الحق على ما معها من الحق زيادات من الباطل، والأخرى كذلك قال تعالى ... الدليل: قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ .
والبغي مجاوزة الحد، ومن السنة حديث أبي هريرة ﵁ (ذروني ما تركتم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمرا، معللا بأن سبب هلاك الأولين إنما كان بكثرة السؤال، ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية.
أنواع الاختلاف في الكتاب العزيز من الذين يقرءونه من الذين يقرون به مع التمثيل، ومن أي أنواع الاختلاف اختلاف أهل البدع واختلاف الأئمة الاختلاف في الكتاب العزيز على نوعين:
اختلاف في تنزيله واختلاف في تأويله، وكلاهما فيه إيمان ببعض دون بعض، الاختلاف في تنزيله، مثاله: اختلافهم في تكلم الله بالقرآن وتنزيله، فطائفة قالت: هذا الكلام حصل بقدرة الله ومشيئته، لكنه مخلوق في غيره، لم يقم به وهم الجهمية والمعتزلة، وطائفة قالت: بل هو صفة له قائمة بذاته، ليس بمخلوق، لكنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وهم الكلابية، وكل من الطائفتين جمعت في كلامها بين حق وباطل.
والمذهب الثالث: مذهب أهل السنة مأخوذ من الحق الذي مع كل من الطائفتين، وهو أن كلام الله صفة قائمة بذاته ليس بمخلوق، وهو حاصل بقدرته ومشيئته.
ثانيا: الاختلاف في تأويله يكون في الأصول، ويكون في المسائل الفقهية، ويكون في القدر، يكون في المسائل الفقهية، كالاختلاف في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) ﴾ هل المراد بها تطهير النفس أو زكاة المال؟ .
وكذلك والاختلاف في القدر، مثاله: اختلاف في نصوص القدر، كحديث عامر بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه ذات يوم وهم يختصمون في القدر هذا ينزع بآية وهذا ينزع بآية فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان من شدة الغضب فقال: (أبهذا أمرتهم أم بهذا بعثتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض)
أما الاختلاف بين الأئمة في المعنى كاختلافهم في الأقراء، هل هي الحيض أو الأطهار، فليس ضربا لكتاب الله، وأما اختلاف أهل البدع فهو اختلاف في تأويله موقف أهل البدع مما يوافق رأيهم من الآيات، ومما يخالفه، وما الذي يحكم به عليهم مع الاستدلال، وهل يشارك أهل البدع في ذلك من عمل بما فهم من القرآن، وتوقف فيما اشتبه عليه مع التوجيه والاستدلال، أهل البدع يقرون بما يوافق رأيهم من الآيات، وما يخالفه فلهم فيه طريقان:
أحدهما أن يتأوله تأويلا يحرفون به الكلم عن مواضعه، الثاني: أن يقولوا هذا متشابه لا يفهمه أحد، ويجحد ما أنزل الله الحكم عليهم تأويلهم للمعنى، أو جحدهم له بناء على أنه متشابه، هو في معنى الكفر به، أي: المعنى أي في معنى الكفر به، أي: المعنى، إذ الإيمان باللفظ بدون معنى هو من جنس إيمان أهل الكتاب.
الاستدلال: قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ يعني: في عدم الفهم والعمل، أو بعدم العمل فقط، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ أي إلا تلاوة من غير فهم معناه، ولا يشارك أهل البدع في هذا المؤمن الذي عمل بما فهم من القرآن، ووكل علم ما اشتبه عليه إلى الله؛ لأنه ما نفى أن يفهمه العالم، ولأنه امتثل ما أمر به النبي ﷺ بقوله: (فما عرفتم به فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه) نعم.
стр. 395
ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل وبين الجبر والقدر وبين الأمن والإياس
стр. 396
ومن السنة قوله ﵊: (إن هذا الدين يسر) وقوله ﵊: (بعثت بالحنفية السمحة) وقال ﵊: (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها) وكان الوفد الوافد إلى رسول ﷺ يتعلم الدين، ثم يولي في وقته، فالدين يتعلمه الإنسان في أقصر وقت يتشهد شهادة الحق ويشهد لله بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة فيدخل في الإسلام ويلتزم، ويدخل الإنسان في هذا الدين في أقصر وقت في لحظة كما أنه يخرج من الدين بأقصر زمان ولذلك أمثلة كثيرة منها:
إنكار كلمة من القرآن ككلمة التوحيد يخرج من الإسلام، أو تكذيب لله، أو لرسوله، أو لما جاء به الله ورسوله يخرج عن الإسلام، أو معارضة لله، أو لرسوله، أو لما جاء به الله، أو رسوله، أو ارتياب في قول الله، أو قول رسوله، أو كذب على رسوله، أو رد لما أنزل الله، أو لما جاء به رسوله، أو شك فيما نفى الله عنه الشك فيخرج من الإسلام في أقصر زمان.. يدخل فيه في أقصر زمان ويخرج منه في أقصر زمان.
والحكمة في اختلاف تعليم النبي ﷺ للناس في بعض الألفاظ مراعاة الأحوال، مراعاة حال من يتعلم، فإن كان الشخص الذي يأتي إلى النبي ﷺ بعيد الوطن كضمام بن ثعلبة النجدي ووفد عبد القيس علمهم ما لا يسعهم جهله، ويرسل إليهم من يفقهم فيما يحتاجون إليه مع علمه بأن دينه سينتشر في الآفاق.
ومن كان قريب الوطن يمكنه الإتيان كل وقت بحيث يتعلم على التدريج، أو كان قد علم منه أنه عرف ما لا بد منه أجابه بحسب حاله وحاجته على ما تدل قرينة حال السائل كقوله: (قل آمنت بالله ثم استقم) .
ويخاطبهم النبي ﷺ بحسب حالهم من كان عاقا لوالديه أوصاه ببر الوالدين؛ لأنه يحتاج إليه من كان يكذب في الحديث أجابه بصدق الحديث، الدين الذي شرع ولم يأذن الله به لا يجوز أن تكون أصوله مستلزمة له منقولة عن النبي ﷺ ولا عن أحد من المرسلين؛ لأنه باطل وملزوم الباطل باطل كما أن لازم الحق حق، ودين الإسلام وسط بين الغلو والتقصير.
стр. 397
وهو بين الغلو والتقصير
стр. 398
وبين التشبيه والتعطيل
стр. 399
وبين الجبر والقدر
стр. 400
وبين الأمن والإياس
стр. 401
فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا
стр. 402
ونحن برآء إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه
стр. 403
ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان ويختم لنا به
стр. 404
ويعصمنا من الأهواء المختلفة والآراء المتفرقة والمذاهب الردية مثل المشبهة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية وغيرهم
стр. 405
المعتزلة مشبهة في الأفعال، معطلة في الصفات فهم قاسوا أفعال الله على أفعال العباد، وجعلوا ما يحسن من العباد يحسن منه وما يقبح من العباد يقبح منه، وقالوا: يجب على الله أن يفعل كذا، ولا يجوز له أن يفعل كذا بمقتضى ذلك القياس الفاسد، فالعباد خالقون لأفعالهم إذ يقبح منه أن يخلقها، ثم يعذبهم عليها.
الرد عليهم نقول: إن السيد من بني آدم لو رأى عبيده تزني بإمائه ولا يمنعهم من ذلك لعد إما مستحسنا للقبيح وإما عاجزا فكيف يصح قياس أفعاله سبحانه على أفعال عباده، لو كان العباد خالقون لأفعالهم للزم عليه أن يكون الله مستحسنا للقبيح من أفعالهم، أو عاجزا وكلاهما محال على الله المعتزلة يقولون عندهم الأصل الأول والأصل الثاني هذه من الأصول العقلية، والثلاثة الأخيرة أصول شرعية.
فالأصل الأول والثاني وهما العدل والتوحيد يقولون من الأصول العقلية التي لا يعلم صحة الصنع إلا بعدها؛ لأنها عرفت قبل الشريعة بالعقل يقولون لا حاجة للشريعة في أصل التوحيد والعدل، ما في حاجة إلى الشريعة ولا حاجة إلى الكتاب والسنة، والشريعة جاءت مطمئنة وموضحة وموافقة لما جاء به العقل. وأما العقل فهو كافٍ في المطلوب وإذا استدلوا على ذلك بأدلة سمعية فإنما يذكرونها للاعتراض لا للاعتماد عليها، قالوا: والقرآن والحديث بمنزلة الشهود الزائدين على النصاب وبمنزلة المدد اللاحق بعسكر مستغنٍ عنه، وبمنزلة من يتبع هواه واتفقوا أن الشرع ما يهواه.
ويرد عليهم بأن الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، والعمل يتبع قصد صاحبه وإرادته، وصلاح العمل متوقف على صلاح النية وصلاح النية متوقف على العلم بالله والتصديق به، فلا يثاب الإنسان على ما وافق من الحق بدون نية إذا كان تابعا لهواه ويعاقب على ما تركه من الحق إذا كان متبعا لهواه.
أما الجهمية، الجهمية الذي أسس عقيدة نفي الصفات والأسماء هو الجعد بن درهم وقاتله خالد بن عبد الله القسري أمير العراق ومشرق بن واصل ضحى به يوم الأضحى وسبب قتله أنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما، وكان ذلك بعد استفتاء علماء زمانه وهم من السلف الصالح الذي أظهر مقالة الجعد بعده هو الجهم بن صفوان وسبب ذلك مناظرته قوما من المشركين يقال لهم السمانية من فلاسفة الهند، وهم الذين ينكرون من العلم ما سوى الحسيات وبعدها نفى الصفات.
واتصل بالجعد يعني الجهم اتصل بالسمانية وشككوه في الله، وقالوا له: إلهك هذا الذي تعبد هل تراه بعيونك؟ قال: لا، قالوا هل تسمع بإذنك؟ قال: لا، قالوا: هل تشمه بأنفك؟ قال: لا، قالوا: هل تذوقه بلسانك؟ قال: لا، قالوا: له هل تحسه بيدك؟ قال: لا، قالوا: إذن هو معدوم.
فشك في ربه وترك الصلاة أربعين يوما فجهم، ثم بعد الأربعين نقش الشيطان في ذهنه أن الله موجود وجودا ذهنيا فأثبت وجودا لله في الذهن وسلب عنه جميع الأسماء والصفات، نسأل الله السلامة والعافية فنسبت الجهمية إلى الجهم؛ لأنه هو الذي أظهر المذهب ونشره ودافع عنه والذي قتله هو سالم بن أحوذ أمير خراسان آخر ولاة بني أمية بعد أن فشت مقالته في الناس.
ثم تقلد نفي الصفات بعد الجهم المعتزلة ولكن الجهم أكثر في التعطيل منهم؛ لأنه ينكر الأسماء والصفات وهم لا ينكرون الأسماء بل الصفات فقط.
العقائد الذي اشتهر بها الجهم، الجهم اشتهر بأربع عقائد خبيثة:
العقيدة الأولى: عقيدة نفي الصفات، وورثها عنه المعتزلة.
العقيدة الثانية: عقيدة الجبر وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا الله، وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على سبيل المجاز، وورثها عنه الجبرية.
العقيدة الثالثة: عقيدة الإرجاء، عقيدة الإرجاء، وأن الإيمان هو معرفة الرب بالقلب، والكفر هو جهل الرب بالقلب وورثها عنه المرجئة.
العقيدة الرابعة: القول بفناء الجنة والنار.
اشتهرت مقالة الجهمية حين امتُحن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وغيره من علماء السنة في فتنة القول بخلق القرآن وذلك في إمارة المأمون وخلافته، فإنهم قووا وكثروا فإنه أقام بخراسان مدة واجتمع بهم، ثم كتب في المحنة من طراسوس بسبب بشر بن غياث المردي وطبقته.
سند مذهب الجهم: أصل مذهب الجهم مأخوذ عن المشركين والصابئة واليهود، إذ إن الجهم أخذ عن الجعد بن درهم، والجعد كان قد اتصل بالصابئة الفلاسفة من أهل حران، وأخذ شيئا من بعض اليهود المحرفين لدينهم المتصلين بلبيد فأخذ الجعد عن أبان بن سمعان، وأبان أخذ عن طالوس وطالوس أخذ عن خاله لبيد بن أعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ فصار سند المذهب يتصل باليهود.
стр. 406
نزاع العلماء في الجهمية: هل هم من فرق الأمة الإسلامية أم لا؟ قد تنازع العلماء في الجهمية هل هم من الثنتين والسبعين فرقة فيكونون من المبتدعة أم ليسوا منها فيكونون كفرة من فرق الكفرة؟ قيل: منهم وقيل: ليسوا منهم، وقيل غلاة الحهمية كفرة وغير الغلاة مبتدعة، وذكر العلامة ابن القيم ﵀ أنه كفَّر الجهميةَ خمسمائة عالم، خمسمائة عالم كفروا الجهمية قال في الكافية الشافية:
ولقد تقلد كفرهم خمسون في
عشر من العلماء في البلدان
خمسين في عشرة كم؟ خمسمائة، ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان
ولا لك أي الإمام حكاه عنهم
بل قد حكاه قبله الطبراني
الفرقة الرابعة الجبرية، أصل قول الجبرية ورئيسهم، أصل قول الجبرية من الجهم بن صفوان؛ إذ إنه رئيسهم فورثوه عنه، وهو نظير واصل بن عطاء في الاعتزال، مذهبهم أن فعل العبد بمنزلة طوله ولونه وهم عكس القدرية نفاة القدر، وإطلاق اسم القدرية عليهم، وإطلاق اسم القدرية عليهم؛ لأنهم غلو في إثبات القدر.
المبحث الخامس القدرية، أول من تكلم بالقدر معبد الجهني بالبصرة، وأخذ ذلك عنه غيلان الدمشقي، وكان ذلك في أواخر عهد الصحابة ومذهبهم أن الله لم يقدر أفعال العباد ولا شائها بل العباد هم الخالقون لأفعالهم والموجدون للكفر والمعاصي والطاعات والإيمان.
والأحاديث في ذمهم قد وردت أحاديث كثيرة في ذمهم منها حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم) .
والتحقيق في الأحاديث في ذم القدرية والفرق بينها وبين الأحاديث في ذم الخوارج الصحيح أن الأحاديث التي هي في ذم القدرية كلها موقوفة بخلاف الأحاديث الواردة في ذم الخوارج فإن فيهم في الصحيح وحده عشرة أحاديث، أخرج البخاري منها ثلاثة وأخرج مسلم سائرها، والقدرية يشبهون بالمجوس؛ لأن كلا من الطائفتين قالت بتعدد الخالق ولكن قول القدرية أردأ وأسوأ من قول المجوس فإن المجوس اعتقدوا وجود خالقين واحدا للشر وآخر للخير والقدرية اعتقدوا وجود خالقين على عدد من يوجد فعله باختياره.
سبب ضلال هذه الفرق ومنشأ حدوث هذه البدع، منشأ حدوث هذه البدع، هذه البدع المتقابلة حدثت من الفتن المفرقة بين الأمة كما ذكر البخاري في صحيحه عن سعيد بن المسيب قال: "وقعت الفتنة يعني مقتل عثمان فلم تُبْقِ من أصحاب بدر أحدا، ثم وقعت الفتنة الثانية فلم تُبْقِ من أصحاب الحديبية أحدا، ثم وقعت الثالثة فلم ترتفع للناس طباح، أي عقل وقوة".
فالخوارج والشيعة حدثوا في الفتنة الأولى والقدرية والمرجئة في الفتنة الثانية، والجهمية ونحوهم بعد الفتنة الثالثة، وهذه البدع، هؤلاء المبتدعة يقابلون البدعة بالبدعة، فالشيعة غلو في علي والخوارج كفروه، والمعتزلة غلو في الوعيد حتى خلدوا بعض المؤمنين في النار، والمرجئة غلو في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد، والمشبهة غلو في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه، والجهمية والمعتزلة غلو في التنزيه حتى نفوا صفات الله تعالى، أو صفاته وأسمائه.
سبب ضلال هذه الفرق عدولهم عن الصراط المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ فلما عدلوا عن الصراط المستقيم أحاطت بهم الفتن فنشئت هذه الآراء المتضاربة والعبد مضطر إلى سؤال الله الهداية، اضطراره إلى سؤال الهداية فوق كل ضرورة، ولهذا شرع الله في الصلاة قراءتهم للقرآن في كل ركعة لاحتياج العبد إلى هذا الدعاء العظيم بالقدر المشتمل على أشرف المطالب وأجلها ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) ﴾ .
تشبيه من انحرف من العلماء ومن العباد، قال طائفة من السلف: من انحرف من العلماء ففيه شبه من اليهود، ولهذا تجد أكثر المنحرفين من أهل الكلام من المعتزلة ونحوهم فيهم شبه من اليهود، حتى أن علماء اليهود يقرءون كتب شيوخ المعتزلة ويستحسنون طريقتهم ويستحسنون طريقتهم، وكذا شيوخ المعتزلة يميلون إلى اليهود ويرجحونهم على النصارى.
ومن انحرف من العباد ففيه شبه من النصارى، ولهذا تجد أكثر المنحرفين من العباد من المتصوفة ونحوهم فيه شبه من النصارى، ولهذا يميلون إلى نوع من الرهبانية والحلول والاتحاد ونحو ذلك، ولهذا نرى شيوخ الصوفية ومن انحرف من العباد عموما يذمون الكلام وأهله، وشيوخ أرباب الكلام يعيبون طريقة العباد والصوفية، ويصنفون في ذم السماع والوجد وكثير من الزهد والعبادة التي أحدثها الصوفية.
стр. 407
طريقة فرق الضلال في الوحي، هذا المبحث آخر مبحث وهو مهم وهي طريقة فرق الضلال في الوحي فرق الضلال المنحرفين لهم طريقة في الوحي، ما هو الوحي؟ ما أنزله الله على رسوله من القرآن والسنة ما هي طريقتهم في الوحي، طريقة الضلال في الوحي لهم طريقتان، انتبهوا وكل طريقة تتفرع، الطريقة الأولى طريقة فرق الضلال في الوحي وهو الكتاب والسنة ما أنزله الله على رسوله من الوحي من القرآن ومن السنة، السنة وحي ثان, أهل الضلال لهم طريقتان في هذا الوحي وهو الكتاب العزيز والسنة المطهرة، طريقتان:
الطريقة الأولى: طريقة التبديل.
والطريقة الثانية: طريقة التجهيل طريقة التبديل، والثانية طريقة التجهيل.
أهل التبديل نوعان أهل التبديل نوعان:
النوع الأول ل أهل الوهم والتخييل.
والنوع الثاني أهل التحريف والتأويل، هذا تقسيم الطريقة الأولى. والطريقة الثانية يأتي تقسيمها.
أهل الوهم والتخييل هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف ومتفقه مذهبهم في الله واليوم الآخر يقولون: إن ما ذكر الرسول ﷺ من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر، إنما هو تخيل للحقائق لينتفع الجمهور به لا أنه بيَّن به الحق ولا هدى به الخلق، ولا أوضح به الحق هذا خيال، هذا خيال الذي ذكره الرسول من الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والبعث والنشور والجنة والنار فهذا خيال قاله للناس يخيل للناس حتى ينتفعوا وحتى يتعايش الناس ولا يعتدي بعضهم على بعض دون لا حقيقة له، فالجنة والنار والبعث والجزاء هذا كله خيال يقولون: إنما تخيل للحقائق لينتفع الجمهور به لا أنه بين به الحق ولا هدى به الخلق ولا أوضح به الحقائق.
وهم طائفتان أهل التخييل: الأولى يقولون: إن الرسول، أو الرسل لم يعلموا الحقائق على ما هي عليه، ما يعلمون الحقائق التي جاءت في الكتاب والسنة قالوا: إن الرسل، أو الرسول لم يعلموا الحقائق على ما هي عليه واعتقدوا خلاف الحقائق ويقولون: إن من المتفلسفة الإلهية من علمها، وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم الأولياء من علمها، ويزعمون أن من الفلاسفة والأولياء من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين.
وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية باطنية الشيعة وباطنية الصوفية الثانية يقولون: إن الرسول علم الحقائق لكن لم يبينها وإنما تكلم بما يناقضها قالوا الرسول يعرف الحقائق لكن تكلم بضدها وإنما تكلم بما يناقضها وأراد من الخلق فهم ما يناقضها لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق فهم يقولون: إن الرسل بينوا للناس النصوص من العبادات واليوم الآخر والجنة والنار ليعملوا بها ولا واقع لها، ولكنهم قصدوا إيهام الجمهور والتخييل عليهم بأن الله شيء عظيم كبير، وأن الأبدان تعاد، وأن لهم نعيما محسوسا وعقابا محسوسا ليحملوهم على ما يصلح حالهم، وإن كان كذبا فهو كذب لمصلحة الجمهور.
يقولون: الأنبياء كذبوا للناس، كذبوا للناس ما كذبوا عليهم، كذبوا لهم ولا يكذبوا عليهم لمصلحتهم، وقد وضع ابن سينا وأمثاله قانونهم على هذا الأصل كالقانون الذي ذكره في رسالته الأضحوية خلاصة مذهبهم يقولون: إن الرسل يعرفون الحقائق لكنهم مَوَّهُوا على الناس لمصلحتهم أما الأعمال فمنهم من يقرها، ومنهم من يجريها هذا المجرى، ويقولون: إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض ويؤمر بها العامة دون الخاصة فهذه طريقة الباطنية الملاحدة الإسماعلية، ونحوهم.
النوع الثاني من أهل التبديل: أهل التحريف والتأويل، النوع الثاني من أهل التبديل يسمون أهل التحريف والتأويل مذهبهم يقولون: إن الأنبياء لم يقصدوا بنصوص المعاد واليوم الآخر، والصفات ما هو في نفس الأمر حق، وأن الحق هو ما علموه، قالوا: إن الأنبياء لم يقصدوا بنصوص المعاد واليوم الآخر وبنصوص الصفات ما هو في نفس الأمر حق، وأن الحق هو ما علموه بعقولهم، ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات، ولهذا أكثرهم لا يجزمون بالتأويل بل يقولون: يجوز أن يراد كذا، وغاية ما معهم إنكار احتمال اللفظ.
خلاصة مذهبهم يقولون: إن الأنبياء أتوا بنصوص ظاهرها باطل غير مراد والمقصود المعاني المجازية، وهي المعاني الباطلة ولم يبينوها للناس الأنبياء ما بينوها للناس بل تركوها إلي العقول فالرسول لم يقصد بها أن يعتقد الناس الباطل ولكن قصد بها معاني لم يبينها لهم ولا دلهم عليها لامتحانهم ليجتهدوا بعقولهم في صرفها عن مدلولها، وهذا القول قول المتكلمة والجهمية والمعتزلة والكلابية والسالمية والكرامية والشيعة بنصوص الصفات.
стр. 408
الطريقة الثانية طريقة التجهيل والتضليل، انتهينا من التقسيم الأول طريقة التبديل بأنواعه، الطريقة الثانية طريقة التجهيل والتضليل أهل التجهيل والتضليل سموا بذلك؛ لأنهم يُجَهِّلُون الرسل بالمعاني التي جاءوا بها من عند الله يقولون الرسل جاهلون بالمعاني التي جاءوا بها من عند الله، حقيقة مذهبهم أن الأنبياء وأتباع الأنبياء جاهلون ضالون لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه من الآيات وأقوال الأنبياء، ويقولون: يجوز أن يكون للنص تأويل لا يعلمه إلا الله لا يعلمه جبريل ولا محمد ولا غيره من الأنبياء فضلا عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان ويقولون: إن محمدا ﷺ كان يقرأ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) ﴾ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وهو لا يعرف معاني هذه الآيات بل معناها الذي دلت عليه لا يعرفه إلا الله، ويظنون أن هذه طريقة السلف. وهذا مذهب الفلاسفة والباطنية وهم أخبث ممن مضى وهم يساوون الطائفتان.
الطائفة الثانية من أهل التخييل القائلة الأنبياء اعتقدوا خلاف الحقائق ويقولون إن قوله ﵊ (لأنا أغير من سعد والله أغير مني) أن الرسول ﷺ لا يعرف معنى كلمة "أغير" وهم طائفتان: الطائفة الأولى، وهم طائفتان الطائفة الأولى يقولون: إن المراد بهذا خلاف مدلولها الظاهر المفهوم، ويقولون: نقطع بأن المعنى الحقيقي غير مراد، بل المراد خلاف مدلولها المراد، إن المراد بهذا خلاف مدلولها الظاهر المفهوم، ولا يعرفه أحد كما لا يعلم وقت الساعة.
وهؤلاء هم المفوضة الذين يفوضون معاني نصوص الصفات إلى الله. الثانية يقولون بل تجرى النصوص على ظاهرها وتحمل على ظاهرها، ومع هذا فلا يعلم تأويلها إلا الله فيتناقضون حيث أثبتوا لها تأويلا يخالف ظاهرها، وقالوا مع هذا: إنها تحمل على ظاهرها.
ما تشترك فيه الطائفتان أهل التضليل، وأهل التجهيل يشتركون في القول بأن الرسول، انتبه، الطائفتان أهل التضليل وأهل التجهيل يشتركون في القول بأن الرسول ﷺ لم يبين المراد بالنصوص التي يجعلونها مشكلة، أو متشابهة، ولهذا يجعل كل فريق المشكل من نصوصه غير ما يجعله الفريق الآخر مشكلا، فهم مشتركون في أن الرسول ﵊ لم يأت بها على ما يوافق معقولنا وأن الأنبياء وأتباعهم لا يعرفون العقليات ولا يفهمون السمعيات.
السمعيات الأدلة من النصوص فهم مشتركون في أن الرسول ﷺ لم يعلم معناها بل جهل معناها، أو جهَّلَهَا الأمة من غير أن يقصدوا، يعني يعتقدوا جهل المركب.
وأما أولئك الطائفتين من أهل التجهيل والمجهلة فيقولون بل قصد الرسول من الناس أن يعلم الجهل المركب والاعتقادات الفاسدة وهؤلاء مشهرون عند الأمة بالإلحاد والزندقة، ثم انقسموا إلى فرقتين بعد اشتراكهما في المقالة السابقة من هاتين الطائفتين أهل التضليل وأهل التجهيل من يقول: لم يعلم الرسول معانيها، ومنهم من يقول: علمها ولم يبينها بل أحال في بيانها على الأدلة العقلية، وعلى من يجتهد في العلم بتأويل تلك النصوص.
وكل ذلك ضلال وتضليل عن سواء السبيل، نسأل الله السلامة والعافية من هذه الأقوال الواهية المفضية بقائلها إلى الهاوية، ونسأله أن يثبتنا على صراطه المستقيم حتى نلقاه وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.
عندي أيضا بعض الفرق كان بودي أن نتكلم عنها من الفرق المعاصرة: عن القاديانية، وعن البهائية والبابية وعن اليزيدية لكن لعل الله أن ييسر في وقت آخر.
من الفرق المعاصرة القاديانية والبابية والبهائية واليزيدية، الحركة القاديانية أسسها تنسب الطائفة القاديانية إلى مدينة قديان بالهند وأحيانا يطلق عليهم اسم الأحمدية لانتسابهم في مذهبهم لانتسابهم في مذهبهم إلى رجل اسمه غلام أحمد عبد النبي، ولد غلام أحمد سنة ألف ومائتين واثنين وخمسين هجرية في مدينة قديان، وانكب منذ الصغر على دراسة القرآن والحديث والتعبد والتفكير في أمور الدين.
ثم بعد ذلك ادعى غلام أحمد أنه المسيح الموعود والمهدي الموعود في وقت واحد ويستند أتباعه في الإيمان به إلى ما روي في صحيح البخاري: أن المهدي يظهر في شرقي منارة دمشق، وأن المسيح يصلي خلفه مع قول النبي ﷺ (كيف بكم وبابن مريم فيكم) ويقول إن غلام أحمد وإن كان هنديا إلا أنه إيراني الأصل هاجر أباه إلى الهند منذ مئات السنين.
стр. 409
رسالته إلى علماء الهند وغيرهم في سنة ألف ثلاثمائة وأربع وأربعين، وجه غلام أحمد رسالة إلى علماء الهند وغيرها من البلاد الإسلامية جاء فيها "إن الله قد بعثني مجددا على رأس هذه المائة واختصني عبدا لمصالح العامة وأعطاني علوما ومعارف تجب لإصلاح هذه الأمة، ووهب لي من لدنه علما حيا لإتمام الحجة على الكفرة الفجرة وجعلني من المكلمين الملهمين وأكمل عليَّ نعمه، وأتم تفضله وسماني المسيح ابن مريم بالفضل والرحمة وقدر بيني وبينه تشابه الفطرة كالجوهرين من المادة الواحدة.
إلى أن قال: ومن أجل آلائه أنه استودعني سره الذي يكشف للأولياء والروح الذي لا ينفق إلا في أهل الاصطفاء، إلى أن قال ومن آلائه أنه خاطبني وقال: أنت وجيه في حضرتي اخترتك لنفسي، وقال: أنت مني بمنزلة لا يعلمها الخلق.
إلى أن قال: أيها الكرام إن الفتن اشتدت والأرض فسدت والمفاسد كثرت وعلا في الأرض الحزب المنتصر.
إلى أن قال: فكلمني وناداني وقال إني مرسلك إلى قوم مفسدون وإني جاعلك للناس إماما.
إلى أن قال: فلما أخبرت عن هذا قومي قامت علمائهم للعني ولومي وكفروني قبل أن يحيطوا بقولي ويزنوا حولي، وقالوا دجال، وقال كبيرهم الذي أفتى وأغوى الناس ما أغرى: إن هؤلاء كفرة فجرة فلا يسلم عليهم أحد ولا يتبع جنازتهم ولا يدفنون في مقابر المسلمين إلى أن قال: وبعزة ربي وجلاله نفسي لست بكافر ولا معتد من أقواله ولا مرتد ولا من الملحدين بل جاءكم الحق فلا تعرضوا عن الحق كارهين.
وقد تقوى مذهبنا بتظاهر الأحاديث والفرقان، ثم بشهادة الأئمة وأهل العرفان، ثم بالعقل الذي هو مدار التكاليف الشرعية، ثم بالإلهام المتواتر اليقيني عن حضرة العزة، فكيف ترجع إلى الظن بعد اليقين إلى أن قال: وقد تفردت بفضل الله بكشوف صادقة ورؤيا صالحة ومكالمات إلهية وكلمات إلهامية وعلوم نافعة وزادني ربي بسطة في العلم والدين وأرسلني مجددا لهذه المائة وسماني عيسى.
إلى أن قال: وجعلني ربي عيسى ابن مريم على طريق الموازاة الروحانية .... إلى أن قال: اعلموا أن فضل الله معي وأن روح الله ينطق في نفسي فلا يعلم سري ودخيلة أمري إلا ربي هو الذي أنزل علي وجعلني من المنوَّرَين هو الذي أنزل علي وجعلني من المنورين.
خلاصة الدعوى نقول: ادعى غلام أحمد أنه المسيح الموعود بمعنى أنه جاء بقوة وروح عيسى ﵊ وادعى أنه هو النبي الذي تنبأت بظهوره أغلب الديانات وأن مهمته هي إطالة العلاقة بين الإنسان وخالقه كما أنه جاء ليفسر القرآن وتعاليم الإسلام في ضوء الوحي الإلهي فيما يطابق العصر الحاضر، وليكون هو نفسه مثالا يبين الحياة الإسلامية الكاملة وادعى أنه يستغني بالعلم اللدني عن الوحي، وللقديانية رئيس ديني يلقبونه بلقب أمير المؤمنين وخليفة المسيح الموعود والمهدي المعضود.
انتشارها: انتشرت الدعوة القاديانية وصادفت نجاحا في بعض الجهات الإفريقية وأخذوا يبشرون بها في أوربا وأمريكا وآسيا وشيدوا بعض المساجد في إنجلترا ولكنهم لم يجدوا من يقبل دعوتهم في البلاد العريقة في الإسلام كشمال إفريقية ومصر والجزيرة العربية والسودان والعراق والشام فقد قل نشاطهم الآن وضعفت حماستهم.
مذهب القاديانية في الجهاد أنه كان فرضا، ثم نسخ وأنه بعث بعد محمد أحمد القدياني وقبلته قديان في الهند، ومذهب البهائية أنه بعث بعد محمد البهاء وأنه نزل عليه القرآن سماه البهاء وقبلتهم مدينة عكا، والجهاد كان فرضا، ثم نسخ وكلا من البهائية والقاديانية تزعم أن الجهاد كان فرضا، ثم نسخ، فالمحاربة بالجهاد عندهم فالجهاد عندهم خروج عن دين الإسلام وعلى المسلمين أن ينضموا إلى دولة من الدول الكبرى لتحميهم، كما أن صلاة الجمعة نسخت، وكذا الحج؛ وذلك لأن كلا منهما مواطن قوة المسلمين فقالوا بالنسخ؛ لأجل أن يخدروا أعصاب المسلمين؛ لئلا يكون فيهم القوة التي كانت في آبائهم وأجدادهم.
البابية، أو البهائية وهذه القاديانية التي تسمى البهائية فرقة كافرة كما أجمع العلماء في العصر الحاضر على أنها فرقة خارجة عن دائرة الإسلام.
البابية، أو البهائية تنسب البابية إلى مؤسس الديانة البابية الذي سمى نفسه بالباب وتسمى البهائية نسبة إلى خليفة الباب وهو علي حسن الملقب بالبهاء مؤسس الديانة البهائية هو علي بن محمد رضا الشيرازي، ولد علي بن محمد بن رضا الشيرازي بشيراز في إيران سنة ألف ومائتين وخمس وثلاثين كان أبو محمد رضا الشيرازي ينتسب إلى بيت النبوة توفي والده قبل أن يبلغ سن الفطام فكفله خاله علي الشيرازي الذي كان يشتغل بالتجارة لم يكن للغلام ميل إلي الدراسة إلا أنه تحت ضغط خاله تعلم قليلا من اللغة العربية ومن النحو الفارسي، وقد أظهر براعة مدهشة في الخط فكان أعجوبة أهل عصره في هذا الفن.
стр. 410
ثم أشركه خاله معه في التجارة وانتقلا معا إلى ميناء أبي شهب وهو إذ ذاك في السابعة عشرة من عمره وما لبث أن اظهر براعة في التجارة فاستقل عن خاله وكسب شهرة تجارية وكان إلى جانب اشتغاله بالتجارة ينفق وقتا طويلا في دراسة العلوم الدينية والرياضيات، ثم اشتغل بالروحانيات وأخذ يعمل على إذلال نفسه فكان يسهر الليل وفي النهار يقف تحت أشعة الشمس المحرقة فاعتراه بسبب ذلك وجوم وذهول وتأثرت قواه العقلية من الخلوة وما فيها من العزلة، ومن فرط السهر وإدمان الوقوف في مواجهة قرص الشمس وتحمل حرارتها التي تبلغ في مدينة أبي شهب اثنين وأربعين درجة، ولاحظ عليه خاله شذوذا في تفكيره وداخله الشك فيما يصدر منه من أقواله وأفعاله فنصحه مرة بعد أخرى إشفاقا عليه من أن تتطور الحال إلى نتيجة لا تحمد عقباها.
أشار عليه الأطباء بالسفر إلى كربلاء والنجف به حيث الهواء النقي وعسى أن ينقطع عن التفكير فيما كان بصدده فرحل وعمره عشرين سنة كانت الأفكار الباطنية منتشرة بين فريق النازلين بتلك المدينة فأخذ بعد وصوله يدرس آراء بعض علمائها ومن أشهرهم أحمد الإحسائي وتلميذه كاظم الرشدي وظل يتردد على دروس كاظم الرشدي مؤسس المنطقة الكشفية انقطع فجأة وتغيب ردحا من الزمن بعد أن اتفق مع بعض أصحابه على السفر إلى الكوفة والإقامة في مسجد الإمام علي منقطعين للرياضة مدة أربعين يوما.
بعد انقضاء المدة غادر المسجد وهو في حالة غير طبيعية وعاد لمجلس الرشدي وهو شارد الذهن وفي حالة ذهول وأخذ يتكلم بألفاظ عدها تلامذة الرشدي خارجة عن منهج الشريعة ومخالفة لقواعد السنة النبوية فلاطفوه وجاملوه أولا وجفوه وهجروه ثانيا فإذا به يدعو الناس إلى نفسه ويوصي بالزهد والتقشف مع ما أمال إليه كثيرا من بسطاء القول وضعفاء الأحلام كان يخاطب المقربين إليه بأقوال غامضة مثل فادخلوا البيوت من أبوابها، ومثل أنا مدينة العلم وعلي بابها يعني أن الطريق إلى الله مسدود إلا عن طريق الرسالة والنبوة والولاية إلا بواسطة إلا بواسطة، وأنا تلك الواسطة.
وكما أنه لا يجوز دخول البيت إلا من الباب فأنا ذلك الباب فعندئذ سمى نفسه الباب وما كان بعد ذلك يشير لنفسه ألا بلقب الباب وترك اسمه الأصلي وهذا هو سر تسميته بالباب وأتباعه بالبابية، بدء دعوته، بدأ دعوته عام ألف ومائتين وستين جهر الباب بدعوته في ليلة الخامس من جمادى الأولى عام ألف ومائتين وستين أول المؤمنين به كان أول المؤمنين به هو الملا حسين المشهوري الذي لبى دعوته في الليلة الخامسة من جمادى الأولى واعتبروا هذا العام عيدا سموه عيد المبعث إذ أظهر فيه الباب دعوته ورفع به الصوت جهارا وكان عمره إذ ذاك خمس وعشرين سنة وأربعة أشهر وأربعة أيام.
وما زال البابيون يحترمون ذلك اليوم ويقدسونه ويحرمون فيه تعاطي الأشغال.
حروف حي: استطاع الباب علي أن يجمع حوله ثمانية عشر شخصا سماهم حروف حي فحرف الحاء يعادل رقم ثمانية في الحروف الأبجدية والياء يساوي عشرة ومجموع الحرفين ثمانية عشرة، ثم ألقى على هؤلاء مبادئه وتعاليم دعوته والمشهوري أول من آمن بالباب نسبة إلى مدينة مشهورية من أعمال خراسان التفت إليه الباب وقال يا من هو أول من أمن بي حقا إنني أنا باب الله وأنت باب الباب ولا بد أن يؤمن بي ثمانية عشر نفسا بكامل رغبتهم دون ضغط، أو إكراه ويعترفون برسالتي وسينشدني كل منهم على انفراد.
ولما لم تكن هذه الحركة تناسب والمركز الديني لعلماء إيران إذ إن تعاليم الباب مخالفة لأصول الدين عندهم قامت قيامة العلماء علماء إيران في وجه هذه الدعوة فنشرت الرسائل وألفت الكتب وألقيت الخطب ونتج عن هذه المقاومة أن مال إليه الجهلة من العوام فلما رأى الباب ذلك أعلن أنه المهدي المنتظر بعد أن كان دعوته أنه واسطة، أو باب للوصول إلى الإمام المنتظر.
وقال: إن جسم المهدي اللطيف قد حل في جسمه المادي، وأنه يظهر الآن ليملأ الأرض قسطا وعدلا وهذا ما دعا الباب أن يظهر بمظهر أرقى من الدعوة السابقة، فيدعي أنه أفضل من محمد صاحب الدعوة الإسلامية الأمة ﷺ وأن تعاليمه التي جمعها في بيانه أفضل من تعاليم نبي المسلمين في قرآنه، وأن محمدا إذا كان قد تحدى الناس في الإتيان بسورة من سور الفرقان المبين فإن الباب يتحدى الجميع بالإتيان بباب من أبواب الأرض.
مقتله: دعي الباب لمناظرة علماء إيران وانتهت المناظرة بغير نتيجة، ثم ازدادت الاضطربات في جميع أنحاء إيران وانتشرت الفتنة وساعدت الدسائس الأجنبية على امتدادها فقرر الشاه ناصر الدين ضرورة القضاء على هذه الفتن فأصدر أمره بإعدام الباب ونفذ فيه حكم الإعدام في سنة ألف ومائتين وخمس وستين هجرية، وقد تبرأ منه كاتب وحيه حسين التبريزي وهال على الباب بالشتائم والسباب وأطلق سراحه وأتى الحراس بوتدين من الحديد ودقوهما في جدارين متقابلين وربطوا فيهما الباب وصاحبه محمد على الذنروزي وأطلقوا عليهما الرصاص.
стр. 411
وربط الجند جثتهما وألقوهما في خندق حتى أكلتها الطيور الجارحة وكان عمر الباب يوم إعدامه إحدى وثلاثين سنة قمرية وسبعة أشهر وسبعة وعشرين يوما من يوم ميلاد ميلاده بشيراز، ولما قتل الباب زادت تعاليمه اشتهارا وعظم الاضطهاد على أتباعه وأظهر بعض رؤسائهم دعاوى مختلفة من قبيل النبوة والوصاية والولاية والمرآتية اختلفت آرائهم وتشتت أهوائهم.
كتب الباب: من أهمها البيان العربي والبيان الفارسي وهو صورة من البيان العربي وفيه أنه يستغني بالعلم اللدني عن الوحي.
عقائد الباب تقوم الديانة البهائية والبابية على أساس الاعتقاد بوجود إله واحد أزلي نظير ما يعتقده المسلمون إلا أن البابيين يستمدون صفات الخالق من أساس العقيدة الباطنية التي ترى أن لكل شيء ظاهرا وباطنا وأن هذا الوجود مظهر من مظاهر الله، وأن الله هو النقطة الحقيقة، وكل ما في هذا الوجود مظهر له. وعلى هذا فلا يؤمنون بالله كما يؤمن به المسلمون.
ثانيا عقيدتهم في النبي والإيمان مستمدة من عين العقيدة بالخالق فالنبي، أو الإمام مظهر من مظاهر الله في الأرض وارتقاء هذه المنزلة إنما هو باستكمال صفات أخلاقية جعلته يعبر عن الأمر الواقع ويصل إلى الحقيقة دون غيره لهذا صح للباب أن يكون مظهرا من مظاهر الله في الأرض بعد النبي.
عبادات البهائيين: والبابين ومعاملاتهم وردت في كتاب البيان الذي نسخه خليفة الباب علي حسين الملقب بالبهاء في كتابه الأقدس الصوم هو الشهر التاسع الذي يلي أيام الضيافة، والسنة البهائية تسعة عشرة شهرا، كل شهر تسعة عشر يوما.
ثانيا: الصلاة، فرضت الصلاة على كل بهائي بالغ وهم يؤدونها على انفراد تسعة في تسع ركعات تسع ركعات في ثلاث أوقات حين الزوال وفي البكور والآصال متوجهين شطر مدينة عكا حيث يرقد بهاء الله.
ثالثا: الحج إلى الدار التي ولد فيها مؤسس ديانتهم علي محمد بشيراز، أو إلى الدار التي نزل بها بهاء الله حسين خلال إقامته بالعراق.
رابعا: الزكاة سئل عبد البهاء عباس عنها فأجاب: الزكاة في البهائية كالزكاة في الإسلام.
خامسا: الزواج بواحدة فقط وفي كتابهم الأقدس التصريح بزوجتين إذا عدل بينهما وهم يزوجون البهائي بغير البهائية وبالعكس بشرط تحرير عقد بهائي إلى جانب العقد الغير بهائي.
سادسا: الطلاق مكروه عندهم.
سابعا: الميراث تتساوى الابن مع البنت في الميراث وفي كافة الحقوق وسن الرشد لهما واحد.
ثامنا: أعيادهم عيد النيروز وعيد الرضوان وعيد ميلاد مؤسس الديانة وعيد ميلاد البهاء وعيد إعلان دعوة الباب.
تاسعا: الجهاد منسوخ
انقسام البهائية:
وبعد وفاة حسين علي الملقب بالبهاء انقسم البهائيون إلى فرق هي:
أولا: البهائية.
ثانيا: الإزارية نسبة إلى أحد أصحاب الباب.
ثالثا: البابية الخلاص الذين لم يرضخوا لأوامر من قام بعد الباب علي محمد.
رابعا: البابية البهائية العباسية أتباع عبد البهاء عباس وابن الحسين علي الملقب بالبهاء، وقد أطلق على نفسه عبد البهاء.
الناقرون: أتباع محمد علي العباس ويطلق المؤرخون أسم المارقين على أتباع المرزا عباس وأسم الناقرين على أتباع محمد علي وكل فريق يؤيد دعواه ويكفر من عداه فاعتزلوا المعاشرة وحرموا معاملة بعضهم بعضا، وكان عداوة كل منهم للأخر أشد من عداوتهم جميعا لمن طعن في معتقداتهم، وقال ببطلان دعوتهم.
بهذا يتبين أن البهائية والبابية فرقة خارجة من عداد المسلمين ليست من المسلمين في شيء ليست من الإسلام في شيء بل هي فرقة من فرق الكفر والضلال نسأل الله السلامة والعافية.
ثالثا اليزيدية: طائفة اليزيدية اختلف الباحثون في اليزيدية ويسمون بعبدة الشيطان، اختلف الباحثون في تعليل تسميتهم بعبدة الشيطان فبين أن بين اليزيدية أنفسهم من يعتقد أنهم دعوا بهذا الاسم، اختلف الباحثون في تعليل تسميتهم باليزيدية، فبين اليزيدية أنفسهم من يعتقد أنهم دعوا بهذا الاسم نسبة إلى الخليفة الأموي إلى الخليفة الأموي يزيد بن معاوية الذي أحيا دينهم القديم وأطلق عليهم اسمه.
ثانيا: بعض الباحثين نسبهم إلى يزيد بن أنيس الخارجي الذي قال بتولي المحكمة الأولى قبل الأزال وتبرأ من بعدهم إلى الأباضية فإنه يواليهم.
ثالثا: ويميل بعض الباحثين إلى القول بأن اليزيدية ينتسبون إلى مدينة يزد، أو يزدان الفارسية وهي بمعنى الله، أو إزد ومعناها خليق بالعباد وتطلق في دين المجوس على الملائكة التي تتوسط بين الله والبشر وتنقل مشيئته إليهم، واختلفوا في أصل دينهم في رواية لليزيدية تصريح بأنهم من نسل آدم فقط لا نتيجة لاجتماعه من حواء.
والحق اختلفوا في أصلهم يعني في رواية لليزيدية تصريح بأنهم من أصل آدم لا نتيجة لاجتماعه من حواء والحق أن اليزيدية خليط من عناصر وثنية قديمة وعناصر إيرانية ذردشتية وأخرى يهودية ونصرانية وإسلامية.
عقائد اليزيدية:
стр. 412
وعبادتهم يؤمنون بوجود إله أكبر خالق لهذا الكون إلا أنه الآن لا يعنى بشئونه بعد أن فوض أمر تدبيره وإدارته إلى مساعده ومنفذ مشيئته ملك طاووس الذي يرتفع في أذهان اليزيدية إلى مرتبة الألوهية الذي يدعى عند أهل الديانة الأخرى الشيطان.
نبي هذه الديانة:
هو الشيخ عادي الذي يروي عنه اليزيدية أخبارا وروايات عديدة ويرفعونه إلى ما فوق درجة النبوة ومن هذه الروايات ما ينطبق على أحد شيوخ المسلمين والمتصوفين وهو الشيخ عدي بن مسفر، ومن الشخصيات المقدسة عندهم منصور الحلاج وعبد القادر الكيلاني والحسن البصري، ومن عقائدهم أنهم لا يأكلون الخس زعما منهم أن الشيخ عدي طلب صاحب بستان شيئا من الخس فلم يعطه، ولا يأكلون لحم الغزال لزعمهم أن عيونه تشبه عيون الشيخ عدي.
ومن واجب كل يزيدي أن يزور ضريح الشيخ عدي مرة في كل سنة.
رابعا: يجب على كل يزيدي كل يوم وقت طلوع الشمس أن يقف في موضع شروقها بشرط أن لا يراه مسلم.
خامسا: ينبغي على اليزيدي ألا يسمع صلاة المسلم لأن فيها ما يتعارض مع العقيدة اليزيدية وهي الاستعاذة من الشيطان؛ لأن الشيطان اسم لملك طاووس.
سادسا: الصلاة بالقلب وبالسر لذلك لا يحددون مواعيد وفرائض للصلاة.
سابعا: يحللون شرب الخمر.
ثامنا: لا يصح صيام اليزيدي خارج موطنه؛ لأنه ينبغي عليه أن يذهب صباح يومه إلى شيخه ليعلن أمامه أنه صائم.
تاسعا: إذا سافر اليزيدي إلي خارج بلده وأمضى في غيابه نحو سنة، أو أزيد فأن امرأته تحرم عليه ولا يسمح للزواج من غيرها.
عاشرا: غير مرخص لليزيدي أن يلبس ثوبا كحليا فقط.
إحدى عشر: الزيدية يؤمنون بالتناسخ وبالحلول.
ولهم كتابان مقدسان: أحدهما يسمى الجلوة فيه وعد ووعيد وترهيب وترغيب. والثاني اسمه مصحف رهش أي الكتاب الأسود فيه قصة خلق العالم وعقائد اليزيدية وما حلل لهم وما حرم عليهم.
الأماكن التي يقطن فيها اليزيدية، اليزيدية طائفة ينتمي معظمها إلى الجنس الكردي ويكثر أتباعها في بعض نواحي الشرق الأدنى وخاصة في المناطق التالية: طرائف الشيحان في الشمال الشرقي من الموصل، قواسنجار الواقع في الشمال الغربي من العراق على الحدود بينه وبين سوريا وهي منطقة جبلية منيعة وموقع حصين
ثالثا: ديار بني بكر وماردين وجبل الطور.
رابعا: منطقة حلب حول كلس ومنيساب.
خامسا: البلاد الأرمينية الواقعة على الحدود بين تركيا وروسيا وخاصة في منطقتي قرص وإيران وحول تنفيس من بلاد القوقاز.
سادسا بعض اليزيدية في إيران، ورئيس اليزيدية إسماعيل جون المتوفى سنة ألف ثلاثمائة وواحد وثمانين هجرية ألف تسعمائة وثلاثين ميلادية وبهذا يتبين أن الفرقة اليزيدية فرقة وثنية تعبد الشيطان وتعبد الأوثان، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 413
(ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة والآراء المتفرقة ويعصمنا من الأهواء المختلفة والآراء المتفرقة والمذاهب الردية مثل المشبهة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية وغيرهم من الذين خالفوا السنة والجماعة وحالفوا الضلالة)
يعني هؤلاء الفرق خالفوا السنة والجماعة، وحالفوا الضلالة، خالفوا الكتاب والسنة وحالفوا يعني وافقوا الضلالة، وافقوا الهوى والضلالة، حالفوا تقابل خالفوا، خالفوا السنة والجماعة وحالفوا الضلالة.
من الذين خالفوا السنة والجماعة وحالفوا الضلالة.
يعني السنة والجماعة خالفوها والضلالة وافقوها، حالفوا بمعنى وافقوا، خالفوا السنة والجماعة ووافقوا الضلالة، حالفوا بمعنى وافقوا. نعم.