ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين
стр. 354
والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى
стр. 355
شبهتهم قالوا: لو تعلقت صفات الأفعال بمشيئة الله لكان محلا للحوادث وبعبارة أخرى يقولون: لو كانت حادثة في وقت دون وقت واتصف بها لكان محلا للحوادث وبعبارة أخرى يقولون: إن صفات الأفعال حادثة والصفات القائمة بالذات قديمة، والقديم ليس محلا للحوادث؟ الرد عليهم: أن نقول بل هي صفات أفعال ولا تسمى حوادث فكما سميتم الصفات الذاتية صفات فسموا الصفات العليا صفات ولا تسموها حوادث.
تأويل النفاة من الجهمية والكلابية والأشعرية وغيرهم لصفة الرضى الغضب ونحوها، وشبهتهم والرد عليهم أوَّلوا الرضى أوَّلوا صفة الرضى في إرادة الإحسان وأولوا صفة الغضب في إرادة الانتقام شبهتهم قالوا: إن الرضى الميل والشهوة والغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، وذلك لا يليق بالله تعالى لأنها من صفات المخلوقين الذين هم محل الأعراض والحوادث.
الرد عليهم ومناقشتهم من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن هذا نفي للصفة، وقد اتفق أهل السنة على أن الله يأمر بما يحبه ويرضاه، وإن كان لا يريده ولا يشاءه وينهى عما يسخطه ويكرهه ويبغضه ويغضب على فاعله وإن كان قد شاءه وأراده فقد يحب عندهم ويرضى ما لا يريده، ويكره ويسخط ويغضب لما أراده. الوجه الثاني: أن غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب وليس هو الغضب، والميل والشهوة في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الرضى وليس هو الرضا. الوجه الثالث أن يقال: وكذلك الإرادة والمشيئة فينا هي ميل الحي إلى الشيء أو إلى ما يلائمه ويناسبه، فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ أيها النافي وهو الإرادة كالمعنى الذي صرفت عنه اللفظ وهو الرضى والغضب سواء، فإن جاز وصفه بالإرادة جاز وصفه بالرضى والغضب، وإن امتنع وصفه بالغضب والرضى امتنع وصفه بالإرادة.
فإن قالوا الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة، الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد، وإن كان كل منهما حقيقة. قيل لهم: إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف للرضى والغضب الذي يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة.
وهذا الكلام يقال لكل من نفى صفة من صفات الله لامتناع مسمى ذلك في المخلوق فإنه لا بد أن يثبت شيئا لله تعالى على خلاف ما يعهده حتى في صفة الوجود فإن وجود العبد كما يليق به لا يستحيل عليه العجب، ووجود الباري كما يليق به يستحيل عليه العجب، ويقال أيضا للمؤول والنافي يلزمك في تأويلك للصفات ونفيها ثلاثة محاذير: المحذور الأول: صرف اللفظ عن ظاهره. المحذور الثاني: تعطيل الرب عن صفاته. المحذور الثالث: يلزمك من المحذور فيما فررت إليه مثل ما ادعيته فيما فررت عنه.
وبهذا التلخيص يتضح معنى هذا الموضوع وهو صفات الذات وصفات الأفعال نعم.
стр. 356
ونحب أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولا نُفْرِط في حب أحد منهم
стр. 357
ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم ولا نذكرهم إلا بخير
стр. 358
أولا: قول الله تعالى ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ فدلت الآية على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد كما دلت الآية والحديث على التفضيل بالمبايعة تحت الشجرة وهي قول الله تعالى: ﴿* لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ وحديث جابر في صحيح مسلم (لا يلج النارَ أحدٌ بايع تحت الشجرة)
الثاني: أن الصلاة إلى القبلة منسوخة ليس بمجرده فضيلة، الصلاة إلى القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس ليس بمجرده فضيلة لأمرين:
أحدهما: أن النسخ ليس من فعلهم.
وثانيهما: أنه لم يدل على التفضيل به دليل شرعي، وحب الصحابة حب الصحابة من الدين: من الدين ومن الإيمان حب الصحابة. دين وإيمان لأمرين:
أولا:: لامتثالهم بل لثلاثة أمور: لامتثالهم لأمر الله.
وثانيها: ولحث الرسول ﷺ عليه فهو من الحب في الله، وهو أيضا طاعة لله ولرسوله، ويذكر في هذا الحديث حديث أصحابي (كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) .
هذا يذكره أهل الأصول يستدلون به، والحديث باطل ليس بصحيح سندا ومتنا أما من جهة السند فليس في شيء من دواوين السنة فهو حديث ضعيف، قال البزار: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ وليس هو في كتب الحديث المعتمدة فلا يحتج به أصلا، وأما معناه فمعناه فاسد (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) وذلك أن الصحابة إذا اختلفوا في قولين، فقال بعض الصحابة: هذا حلال وقال آخرون: هذا حرام يعني هذا الذي يقتدي بالصحابي الذي يقول هو حرام مهتدي هذا فاسد فدل على بطلان هذا الحديث سندا ومتنا.
شارح الطحاوية ابن أبي العز انتقد الطحاوي حينما قال هنا الطحاوي: وحبهم دين وإيمان.
حب الصحابة من الإيمان وبغضهم كفر ونفاق
وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.
هكذا يقول الطحاوي حبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر وطغيان ونفاق هذا كلام صحيح، لكن الشارح الطحاوية ألزم الطحاوي بالتناقض؛ لأنه قال فيما سبق الطحاوي: والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، الإيمان كم هو؟ مركب من شيئين إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل القلب وعمل الجوارح ما يدخل في الإيمان عند الطحاوي، والحب أليس عملا قلبيا الحب هنا عمل قلبي جعله من الإيمان، هذا صحيح يوافق ما ذهب إليه جمهور أهل السنة.
لكن الشارح ألزم الطحاوي بالتناقض قال: أنت قلت في الأول الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان ولم تدخل أعمال القلوب، ولا أعمال الجوارح من الإيمان، وهنا قلت: حب الصحابة إيمان، والحب عمل قلبي، وليس هو التصديق فيكون العمل داخلا في مسمى الإيمان معناه وافقت جمهور أهل السنة، وهذا هو الحق هذا حق لكن ينبغي لك يعني أيها الطحاوي ينبغي لك أن تضيف هذا في التعريف، فتقول: الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالقلب وعمل بالجوارح حتى يتناسب مع قولك هذا فتوافق جمهور أهل السنة وهو الحق.
ولكن شارح الطحاوية اعتذر عنه قال: لعله أراد أن هذه التسمية مجاز كما سميت الصلاة إيمان مجازا عند الطحاوي والأحناف في قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم إلى بيت المقدس فسميت إيمانا سميت إيمانا مجازا، والصواب أن التسمية حقيقية؛ لأن العمل من الإيمان سواء كان عملا قلبيا أو عملا من أعمال الجوارح.
والأدلة من الكتاب والسنة لمذهب أهل السنة في الصحابة وفضلهم والترضي عنهم أدلة كثيرة منها قول الله تعالى: ﴿* لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، ومنها قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) ﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ .
стр. 359
ومن السنة أحاديث كحديث: (لا تسبوا أصحابي فالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) وحديث مسلم (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) وحديث (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) والحديث وإن كان فيه ضعف لكن له شواهد.
من ذلك ما ثبت عن عائشة ﵂ أنها قيل لها: إن ناسا يتناولون يعني بالسب أصحاب رسول الله حتى أبا بكر وعمر قالت: (وما تعجبون انقطع عملهم في الدنيا فأحب الله ألا يقطع عنهم الأجر) .
وكذلك أيضا ما ثبت عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (لا تسبوا أصحاب محمد فلمقام أحدهم مع رسول الله ساعة خير من عمل أحدكم أربعين سنة) وفي رواية: (هي خير من عمل أحدكم عمره) في رواية وكيع قول ابن مسعود ﵁ (إن الله سبحانه اختار نبيه واصطفاه وابتعثه بالرسالة فنظر في قلوب الناس فرأى قلب محمد ﷺ واختصه فرآه أصفى القلوب وأبرها فاختاره الله واصطفاه لنبوته.
ثم نظر في القلوب بعد قلب محمد ﷺ فرأى قلوب أصحابه أبرها فاختارهم لصحبة نبيه) أو كما قال ﵁ والنصوص في هذا كثيرة، والنصوص في فضل الصحابة وفضلهم ومكانتهم وأدلتها كثيرة من الكتاب ومن السنة. نعم.
стр. 360
ونثبت الخلافة بعد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أولا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة ثم لعمر بن الخطاب ﵁ ثم لعثمان ﵁ ثم لعلي بن أبي طالب ﵁ وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون
стр. 361
كذلك علي ﵁ ثبتت له الخلافة بالاختيار والانتخاب من أكثر أهل الحل والعقد بايعه أكثر أهل الحل والعقد سوى معاوية وأهل الشام، هذا واحد. إذن تثبت الولاية والخلافة بأي شيء؟ بالاختيار والانتخاب من أهل الحل والعقد. الثاني: الأمر الثاني تثبت الخلافة بولاية العهد من الولي السابق أن يعهد ولي الأمر بالخلافة لمن بعده، ومثال ذلك ثبوت الخلافة لعمر بن الخطاب فإنها ثبتت له بولاية العهد من أبي بكر الصديق ﵁ تثبت له الخلافة، ثبتت له الخلافة بولاية العهد. الأمر الثالث: تثبت الخلافة بالقوة والغلبة إذا غلب الناس بسيفه وسلطانه واستتب له الأمر، وجب السمع له والطاعة وصار إماما يجب السمع له والطاعة والدليل على هذا ما جاء في الحديث حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قال: (اسمع وأطع وإن كان عبدا حبشيا مُجَدَّع الأطراف) إذا غلبنا بسيفه ولو كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف يعني مقطوع اليد والرجل والأذن والأنف نسمع له ونطيع.
لكن لو كان الاختيار والانتخاب نختار هذا العبد المقطع ولّا ما نختاره؟ ما نختاره.
ولكن إذا غلب بالقوة والسيف وجب السمع له والطاعة.
وعلى هذا جميع خلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس ومن بعدهم إلى يومنا هذا، كلها خلافة ثبتت بالغلبة والقوة، ما ثبتت خلافته بالاختيار والانتخاب إلا للخلفاء الراشدين فقط، ومن عاداهم كلها ثبتت بالقوة والغلبة واضح هذا ـ يجب على طالب العلم أن يكون على إلمام بهذا.
الخلافة والولاية تثبت لولي الأمر بواحد من ثلاثة أمور:
الأمر الأول: الاختيار والانتخاب من أهل الحل والعقد.
الأمر الثاني: بولاية العهد من الخليفة السابق.
الأمر الثالث: بالقوة والغلبة إذا غلب الناس بسيفه وقوته وسلطانه حتى استتب له الأمر صار إماما يجب السمع له والطاعة، فإن جاء آخر ينازع الأول يقتل الثاني؛ لأن الثاني جاء يفرق أمر المسلمين بعد اجتماعهم على الأول كما جاء في حديث أبي سعيد في صحيح مسلم (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهم) الآخر لماذا جاء؟ جاء بعد أن استتب الأمر للأول، واجتمع الناس على الأول، فجاء الثاني يُفَرِّق جماعة المسلمين يُقْتَل الثاني؛ لأن الولاية ثبتت للأول واضح هذا.
هذه مسائل مهمة ينبغي على طالب العلم أن يكون على إلمام بها ثبوت الخلافة لأبي بكر الصديق ﵁ بماذا ثبتت؟ اختلف العلماء في ثبوت الخلافة لأبي بكر الصديق على قولين: القول الأول: أنها ثبتت بالاختيار والانتخاب من أهل الحل والعقد، وهذا هو الصواب يعني ثبتت باختيار المسلمين، وهذا هو قول جمهور العلماء والفقهاء، وأهل الحديث والمتكلمين كالمعتزلة والأشعرية وغيرهم، وهذا هو الراجح. القول الثاني: أنها ثبتت بالنص من النبي ﷺ لا بالاختيار والذين قالوا بالنص بعضهم قال: إنها ثبتت بالنص الجَلِيِّ، وقال بعضهم: إنها ثبتت بالنص الخفي.
الذين قالوا: إنها ثبتت بالاختيار والانتخاب وهم الجمهور استدلوا بدليلين: الدليل الأول: الحديث الخبر المأثور عن عبد الله بن عمر ﵁-ما عن عمر ﵁ أنه لما طعن قيل له: (اسْتَخْلِفْ يا أمير المؤمنين فقال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبا بكر، وإن لا أستخلف لم يستخلف من هو خير مني يعني النبي ﷺ .
ووجه الدلالة: أن عمر لم ينكر عليه الصحابة مقالته، ولو كانت الخلافة ثبتت لأبي بكر بالنص لأنكر الصحابة عليه، وقالوا لا يا عمر ثبتت الخلافة لأبي بكر استخلف الرسول ﵊ استخلفه، ونص عليه ﵊ ولا نتهم الصحابة بتواطئهم معه، ولا نتهم عمر في قوله؛ لأنهم عدول فدل على أن خلافة أبي بكر ثبتت بالانتخاب لا بالنص. الدليل الثاني: ما في الصحيحين عن عائشة ﵂ حين اجتمع الأنصار في ثقيفة بني ساعدة إلى سعد بن عبادة وجاءهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وأن أبا بكر تكلم فقال في كلامه: (نحن الأمراء وأنتم الوزراء هم أوسط العرب وأعربهم أحسابا فبايعوا عمر أو أبا عبيدة فقال عمر: بل نبايعك بل نبايعك فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ فبايعوه.
وجه الاستدلال: لو كان هناك نص عن النبي ﷺ أن الخليفة بعده أبو بكر لذكره أبو بكر في الوقت الحَرِج ولذكره عمر في الوقت الحرج ولم يعلل بالسيادة والوزارة والاستدلال بفضائله على صلاحيته للولاية فدل على أنه ما فيه نص، لو في نص كان الرسول نص على خلافة أبي بكر، الصحابة أرادوا أن يجعلوا منهم، الأنصار أرادوا أن يجعلوا منهم أمير، فقال بعض الصحابة: منا أمير ومنكم أمير من الأنصار أمير ومن قريش أمير.
قال أبو بكر: لا، لا تصلح الولاية إلا لهذا الحي. لو كان في نص عن النبي ﷺ لقال أبو بكر هذا النص عندنا وقال عمر: هذا النص، والنص يسكت الجميع فدل على أنه ما في نص.
стр. 362
أما الذين قالوا: إن خلافة أبي بكر ثبتت بالنص فاستدلوا بأدلة، وهذا قول طوائف من أهل الحديث والمتكلمين. ويروى عن الحسن البصري استدلوا بأدلة بأنواع من الأدلة: النوع الأول: قصة المرأة التي وعدها أن تأتي أبا بكر إن لم تجده (جاءت امرأة للنبي ﷺ ثم لما أرادت أن تنصرف قالت: يا رسول الله إن لم أجدك؟ قال إن لم تجديني فأتي أبا بكر) قالوا: هذا دليل على أنه نص على أن أبا بكر هو الخليفة بعده.
وأجيب عن هذا بأن النبي ﷺ قد وكل أبا بكر في قضاء الحوائج وقد يُوَكَّلُ في قضاء الحوائج مَن لا يصلح للخلافة. النوع الثاني: الأمر بالاقتداء به يقول النبي ﷺ (اقتدوا بالَّذَيْنِ من بعدي: أبي بكر وعمر) قالوا: هذا دليل، نص على أنه هو الخليفة.
وأجيب بأنه قد يصلح للقدوة مَن لا يصلح للخلافة. الثالث: دخول النبي ﷺ على عائشة وهمه بما هم به دخل على عائشة وقال: (ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا -وفي لفظ- حتى لا يطمع في هذا الأمر طامع، ثم لم يكتب وقال: يأبى الله ورسوله والمسلمون إلا أبا بكر) .
وأجيب بأن الرسول ﷺ وكل الخلافة إلى قضاء الله وترك الأمر للمسلمين، والمعنى يأبى الله قضاء وقدرا والمسلمون اختيارا وانتخابا إلا أبا بكر. الرابع: أحاديث تقديمه في الصلاة: النبي ﷺ فيما روي قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) قالوا: هذا نص على أنه هو الخليفة بعده. وأجيب بأنه قد يصلح للإمامة في الصلاة من لا يصلح للإمامة العظمى. الخامس: المنامات يعني رُؤَى ومنامات فيها (أن النبي ﷺ رأى كأنه نزع دلوا، أن النبي نزع دلوا ونزع بعده أبو بكر وشرب وفي شربه ضعف ثم نزع عمر فاستحالت غربا) وفي رؤيا (أنه نزل ميزان من السماء فوزن النبي ﷺ بأبي بكر فرجح النبي ﷺ ووزن أبو بكر بعمر فرجح أبو بكر بعمر .... ثم رفع الميزان) وقصص أخرى من المنامات قالوا: هذا دليل نص على أن أبا بكر هو الخليفة بعد.
وأجيب بأن هذا المنامات لو كانت نصا في خلافة أبي بكر لكانت نصا في خلافة عمر وعثمان لكن لم يذهب أحد إلى أن المنامات نص في خلافة عمر وعثمان فدل على أنها كشف للمستقبل ومبشرات.
ومن أدلتهم قالوا اختصاص أبو بكر بالخلة لو كان هناك موضع لها لقوله ﷺ (لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الرحمن) قالوا هذا نص في أنه الخليفة بعده. وأجيب بأن الخلة شيء وسياسة الأمور شيء آخر.
شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: والتحقيق في خلافة أبي بكر -وهو الذي يدل عليه كلام أحمد- أنها انعقدت باختيار الصحابة ومبايعتهم، هذا كلام من شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: والتحقيق في خلافة أبى بكر -وهو الذي يدل عليه كلام أحمد الإمام أحمد- أنها انعقدت باختيار الصحابة ومبايعتهم، وأن النبي ﷺ أخبر بوقوعها على سبيل الحمد لها والرضا بها، وأنه أمر بطاعته وتفويض الأمر إليه، وأنه دل الأمة وأرشدهم إلى بيعته.
فهذه الأوجه الثلاثة: الخبر، والأمر، والإرشاد ثابت من النبي ﷺ فالأول كالمنامات، والثاني كحديث (اقتدوا بالَّذَيْنِ من بعدي أبي بكر وعمر) والثالث تقديمه له في الصلاة، وبهذا يتبين أن الصواب في المسألة أن خلافة أبا بكر الصديق ثبتت باختيار الصحابة ومبايعتهم.
وأما قول الإمامية، وهي أقوال باطلة، من الأقوال: قول الإمامية الرافضة: إن الخلافة ثبتت بالنص الجلي على عليٍّ وكذلك قول الزيدية الجارودية ثبتت بالنص الخفي عليه، وقول الرواندية: إنها ثبتت بالنص على العباس، فهذه أقوال ظاهرة الفساد عند أهل العلم والدين.
يقول شيخ الإسلام: هذه الأقوال أقوال ظاهرة الفساد عند أهل العلم والدين وإنما يدين بها إما جاهل، وإما ظالم وكثير مما يدين بها زنديق. هذا كلام شيخ الإسلام ﵀ يعني من يقول: إن الخلافة ثبتت لعلي أو العباس أو كذا هذه أقوال الزنادقة لا يُعَوَّل عليها.
أما خلافة عمر بن الخطاب ﵁ فإنها ثبتت الخلافة بالعهد من أبي بكر، أبو بكر عَهِدَ بالخلافة إلى عمر فبايعه الناس، وثبتت له البيعة، وذلك بتفويض أبو بكر الخلافة إليه، واتفاق الأمة بعده عليه، وفضائل عمر كثيرة، والأدلة في هذا كثيرة.
ثبوت الخلافة لعثمان بن عفان ﵁ ثبتت الخلافة لعثمان ﵁ بمبايعة عبد الرحمن بن عوف له والناس معه والمهاجرون والأنصار، وأمراء الأجناد والمسلمون، وذلك بعد أن عهد عمر إلى الستة: أهل الشورى، ومعروف قصة قتل عمر، وقصة دفنه، وقصة البيعة وأهل الشورى هذه سردها الإمام البخاري في صحيحه الحديث الطويل، الحديث الطويل ذكر فيه قصة قتل عمر وقصة دفنه وقصة البيعة وأمر الشورى.
стр. 363
ثبوت الخلافة لعلي بن أبي طالب ﵁ ثبتت الخلافة لعلي بن أبي طالب بمبايعة الصحابة سوى معاوية مع أهل الشام فهي ثبتت له بمبايعة أكثر الناس ممن تنعقد بهم البيعة إذن علي ما اجتمع الناس عليه ثبتت له الخلافة بمبايعة أكثر أهل الحل والعقد، وأما معاوية وأهل الشام فامتنعوا لا؛ لأنهم يطلبون الخلافة؛ لا لأن معاوية يطلب الخلافة، بل يطالب بقتلة عثمان يطالب بدم عثمان.
ويقول: الخلاف بينه وبين علي يقول: اقتص من قتلة عثمان، وأنا أبايعك أنا أتوقف حتى ينتصر للشهيد المظلوم وهو عثمان ﵁ ويقول: إنه أقرب الناس إليه، وعلي ﵁ لا يمانع ولكنه لا يستطيع في ذلك الوقت بسبب الفتنة، وهؤلاء الذين قتلوا عثمان اندسوا في العسكر ولا يعرفون وهؤلاء لهم قبائل تنتصر لهم.
والمسألة فيها فوضى واضطراب ولا يستطيع، فعليّ ﵁ يقول: بعدما تهدأ الأحوال نستطيع نأخذ قتلة عثمان، ومعاوية قال: لا أنا أريد الآن وحصل الخلاف فامتنع معاوية وأهل الشام ثم بعد ذلك الخلاف زاد حتى حصلت الحروب المعروفة بين الصحابة عن اجتهاد كل مجتهد ومن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر.
إذن ثبتت الخلافة لعلي بمبايعته أكثر الصحابة وامتنع من مبايعته معاوية وأهل الشام فهي ثبتت بمبايعة أكثر الناس ممن تنعقد بهم البيعة، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وقال الرافضة: ثبتت الخلافة لعلي بالنص الجلي أو بالنص الخفي سبب الخلاف والقتال بين علي ومعاوية هو -كما سمعتم- الاجتهاد ومعاوية وأهل الشام يطالبون بدم عثمان ومعاوية يقول: أنا أقرب الناس إليه، وعلي ﵁ يرى أنه ثبتت له البيعة، وأنه يجب عليه أن يخضع معاوية وأهل الشام حتى يبايعوا فحصل النزاع ثم حصل القتال عن اجتهاد كل منهم متأول.
الخلفاء الراشدون من هم؟ أربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ولأبي بكر وعمر مزية على عثمان وعلي، وهي أن النبي ﷺ أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين ولم يأمرنا بالاقتداء في الأفعال إلا بأبي بكر وعمر فقال: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر) والاقتداء أخص من الاتباع إذ إن هناك فرقا بين اتباع سنتهم والاقتداء بهم.
ويروى عن أبى حنيفة تقديم عليٍّ على عثمان في الفضيلة لا في الخلافة، قول لأبى حنيفة أن تقديم عليّ في الفضيلة لا في الخلافة، ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان على عليّ، ظاهر مذهبه تقديم عثمان على عليّ، وعلى هذا عامة أهل السنة ويؤيده قول عبد الرحمن بن عوف، وقول أيوب السبختياني مَن لم يقدم عثمان على عليّ فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار يعني احتقرهم؛ لأن المهاجرين والأنصار أجمعوا على بيعة عثمان وتقديمه في الخلافة.
وثبت عن ابن عمر -وهو في الصحيحين- (قال: كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان فيبلغ النبي ﷺ فلا ينكر) نعم. أَعِدْ
ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﵌ أولا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁ ثم لعثمان ﵁ ثم لعلي بن أبي طالب ﵁ وهما الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون.
هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة كما ذكر المؤلف ﵀ الخلافة ثبتت أولا لأبي بكر ثم لعمر ثم عثمان ثم علي، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون باتفاق أهل السنة والجماعة. نعم.
стр. 364
وأن العشرة الذين سماهم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقوله الحق: وهم أبو بكر، وعمر وعثمان وعلي وطلحة، والزبير وسعد وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وهو أمين هذه الأمة ﵃ أجمعين
стр. 365
استبدال الرافضة بالعشرة اثنى عشر إماما مع بيان عددهم الرافضة توالي بدل العشرة المبشرين بالجنة اثنى عشر إماما، وهم: علي بن أبي طالب ويدعون أنه وصى النبي ﷺ دعوى عارية عن الدليل، ثم الحسن بن علي، ثم الحسين بن علي، ثم علي بن الحسين زين العابدين، ثم محمد بن علي الباقر، ثم جعفر بن محمد الصادق، ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم علي بن موسى الرضا، ثم محمد بن علي الجواد، ثم علي بن محمد الهادي، ثم الحسن بن علي العسكري، ثم محمد بن الحسن العسكري المهدي، وهو الإمام المنتظر عندهم الذي دخل سرداب سامرا بالعراق سنة ستين ومائتين ٢٦٠ ويغالون في محبتهم ويتجاوزون الحد.
الرد عليهم بالسنة وما يصدقها من الواقع يرد على الرافضة بأنه لم يأت ذكر الأئمة الاثني عشر إلا على صفة ترد قولهم هؤلاء الأئمة الاثني عشر الذين ذكروهم، ما فيه دليل يدل عليهم، والذي ورد في السنة إنما ورد على صفة ترد قولهم وتبطله، وهو ما خرَّجاه في الصحيحين عن جابر بن سمرة ﵁ قال دخلت مع أبي على النبي ﷺ فسمعته يقول: (لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنى عشر رجلا كلهم من قريش) .
وتصديق الواقع لهذا الحديث وكان الأمر كما قال النبي ﷺ والاثنى عشر من هم؟ هم الخلفاء الراشدون الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية الخامس وابنه يزيد، وعبد الملك بن مروان وأبنائه الأربعة الوليد بن عبد الملك، وسليمان بن عبد الملك، وهشام بن عبد الملك، ويزيد بن عبد الملك، وبينهم عمر بن عبد العزيز.
ولا يزال الأمر أمر الإسلام قائما، والجهاد قائما في أيام هؤلاء، ثم أخذ الأمر بعدهم في الانحلال، فالإسلام عزيز وقوي في أيام هؤلاء وإن كان فيه حصل ما حصل لكن الإسلام قوي وظاهر ومنتشر والسنة قائمة، والجهاد قائم، ثم أخذ الأمر بعدهم في الانحلال.
وعند الرافضة أن أمر الأمة لم يزل في أيام هؤلاء فاسدا، يتولى عليهم الظالمون المعتدون بل المنافقون الكافرون، وأهل الحق عندهم الذين وهم أهل البيت أذل من اليهود، هكذا يقول الرافضة، وقولهم ظاهر البطلان؛ فإن الإسلام لم يزل عزيزا في ازدياد وفي ازدياد في زمن هؤلاء. نعم.
حسن القول في الصحابة وأمهات المؤمنين فيه براءة من النفاق
ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المطهرين من كل رجس فقد برئ من النفاق.
نعم من أحسن القول في أصحاب الرسول ﵊ وأحسن القول في أزواجه وذريته فقد برئ من النفاق، ومن طعن في الصحابة وطعن في أمهات المؤمنين وفي ذرية النبي ﷺ هذا لمرض في قلبه ونفاق في قلبه، نسأل الله السلامة والعافية.
فأهل الحق يحسنون القول في الصحابة وأمهات المؤمنين وعلماء السلف والتابعين وأهل الخير وأهل الفقه، وهذا فيه براءة من النفاق، والرافضة أول من أحدث الرفض، الرفض هو تولي أهل البيت ورفض بقية الصحابة.
وأول من أحدثه منافق زنديق هو عبد الله بن سبأ اليهودي الحميري من أهل اليمن وقصده إبطال دين الإسلام وإفساده بمكره وخبثه، وطريقته التي سلكها أولا: إظهار التنسك والتعبد، ثم إظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى سعى في فتنة عثمان وقتله بطريق الأمر والنهي ثم لما قدم الكوفة أظهر الغلو في علي والنصر له ليتمكن بذلك من الرفض والرفض هو باب الزندقة.
وسبب ذلك أن أول من أحدثه منافق زنديق يظهر الخير ويُضْمِر الشر وهو عبد الله بن سبأ كما حكاه أبو بكر الباقلاني عن الباطنية، كيفية إفساد الباطنية لدين الإسلام ومقالتهم للداء، هو أنهم يظهرون غير ما يبطنون، الباطنية يظهرون غير ما يبطنون ويقولون للداعي يجب عليك إذا وجدت من تدعوه مسلما أن تجعل التشيع عنده دينك وشعارك، واجعل المدخل من جهة ظلم السلف لعلي وقتلهم الحسين والتبرى من تيم وهم قبيلة أبي بكر وعدي وهم قبيلة عمر وبني أمية قبيلة عثمان وبني العباس وأن عليا يعلم الغيب ويفوض إليه خلق العالم.
فإن وجدت منه عند الدعوة إجابة ورشدا أوقفته على مثالب علي وولده ﵃ أي طريقته، أولا يدعون إلى علي وأنه يعلم الغيب، فإذا استجاب لهم أطلعوه على عيوب علي وأهل البيت حتى يتبرأ من هؤلاء ومن هؤلاء.
стр. 366
الرد عليهم ببيان كيفية إبطالهم لدين الإسلام، وهذا من أعاجيب الشيعة فإنهم إنما ينصرفون من سب الصحابة إلى سب أهل البيت وأهل بيته من أصحابه، ثم آل رسول الله ﷺ والواجب على المسلم موالاة المسلمين جميعا والصحابة من الدرجة الأولى، الصحابة وأزواج النبي ﷺ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) ﴾ وجه الدلالة أن الله قرن المؤمنين بالله ورسوله في الوعيد على من شاقهم فدل على وجوب موالاتهم.
الأعذار في أقوال العلماء المخالفة للأحاديث الصحيحة إذا وجد لبعض العلماء قول يخالف حديثا صحيحا، فلا بد له من عذر، وجماع الأعذار في مخالفتهم له: أولا: عدم اعتقاده حديثا وأن النبي ﷺ قاله، يعني ما اعتقد أنه حديث. ثانيا: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول، ففهم أنه في غير محل النزاع. الثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ. الرابع: عدم بلوغه الحديث واطلاعه عليه.
هذه أعذار العلماء إذا خالفوا الحديث إما أنه ما اعتقده حديثا أو اعتقد أنه ما أراد تلك المسألة بذلك القول، أو اعتقد أن الحكم منسوخ أو ما بلغه الحديث، وقد ألف شيخ الإسلام ﵀ رسالة في هذا في أعذار العلماء "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" أو قريب من هذا اسم الرسالة.
فضلهم ومنتهم علينا، للسلف الفضل والمنة علينا بأمور: بالسبق وتبليغهم ما أرسل به الرسول إلينا وإيضاح ما كان يخفى علينا وشرحه وتبينه. نعم.
стр. 367
وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل
стр. 368
ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل
стр. 369
ولا نفضل أحد من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈ ونقول نبي واحد أفضل من جميع الأولياء
стр. 370
يقول ابن عربي في كتاب "فصوص الحكم" لما مثَّل النبي ﷺ النبوة بالحائط من اللبن فرآها قد كملت إلا موضع لبنة، فكان هو ﷺ تلك اللبنة يعني يشير إلى الحديث الذي سبق (مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فأنا اللبنة فكان الناس يطوفون به ويعجبون ويقولون: لولا تلك اللبنة فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين) .
ابن عربي يعارض الحديث يقول: أيش في كتابه: "ولما مثل النبي ﷺ النبوة بالحائط من اللبن فرآها قد كملت إلا موضع لبنة فكان ﷺ تلك اللبنة، وأما خاتم الأولياء -يعني نفسه- فلا بد له من هذه الرؤية فيرى ما مثله النبي ﷺ ويرى الحائط في موضع لبنتين واحدة فضة وواحدة ذهب يعني؛ لأن الحائط مكون من لبنتين: لبنة ذهب ولبنة فضة، فلبنة الذهب هذه تعني خاتم الأولياء، ولبنة الفضة تعني خاتم الأنبياء.
فجعل الرسول ﷺ لبنة فضة؛ لأنه خاتم الأنبياء وجعل نفسه لبنة الذهب؛ لأنه خاتم الأولياء، فيرى ما مثله النبي ﷺ ويرى الحائط موضع لبنتين واحدة من فضة وواحدة من ذهب، ويرى نفسه تنطبع في موضع اللبنتين فتكمل الحائط.
والسبب الموجب لكونه يراها لبنتين أن الحائط لبنة من فضة ولبنة من ذهب، واللبنة الفضة هي ظاهر البيت أو الحائط وما يتبعه ابن عربي فيه من الأحكام فهي تمثل الرسول ﷺ الذي جاء بالأحكام الظاهرة.
كما أن ابن عربي أخذ عن الله في السر ما هو في الصورة الظاهرة متبع للرسول يعني يقول: إن ابن عربي يرى أن الحائط مكون من لبنتين لبنة ذهب ولبنة فضة، فلبنة الفضة هذه ظاهر الجدار ولبنة الذهب هذه باطن الجدار، والسبب يقول: لكونه يرى ذلك أن لبنة الفضة هذه تمثل محمدا وما جاء به من الأحكام الظاهرة، ولبنة الذهب تمثل ابن عربي وما جاء به من أحكام الباطنة، فيقول: ابن عربي خاتم الأولياء تابع لخاتم الأنبياء في الظاهر، وخاتم الأنبياء تابع لخاتم الأولياء في الباطن.
هكذا يقول فهي تمثل الرسول الذي جاء بالأحكام الظاهرة، كما أن ابن عربي أخذ عن الله في السر ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه للرسول، ابن عربي أخذ عن الله في السر لكن في الظاهر هو متبع للرسول، وفي السر أخذ عن الله مباشرة، ولا يحتاج إلى أحد؛ لأنه يرى الأمر على ما هو عليه فلا بد أن يراه هكذا، وهو ابن عربي خاتم الأولياء موضع اللبنة الذهبية في الباطن فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به للرسول، فهو لا يحتاج إلى جبريل ولا غيره، فهو يأخذ من اللوح المحفوظ وعن الله مباشرة فلا يحتاج إلى جبريل.
أما خاتم الأنبياء هذا يحتاج واسطة، وهو الملك قال في كتابه: فإن فهمت ما أشرنا إليه فقد حصل لك العلم النافع.
مسألة: أصل ابن عربي: هو أن الوجود واحد، وأن الوجود الواجب هو عين الوجود الممكن، فوجود كل شيء عين وجود الحق عنده، وجود كل شيء من هذه المخلوقات هو وجود الله عنده، أيهما أشد كفرا؟ الاتحادية والحلولية، الحلولية وهم الذين يزعمون أن الله بذاته في كل مكان، وهو قول كثير من الجهمية قولهم أقل كفرا من قول الاتحادية أخف.
وجه ذلك لأن من قال: إن الله يحل في المخلوقات فقد قال: بأن المحل غير الحال، وهذا تثنية عند الاتحادية وإثبات لوجودين: أحدهما وجود الحق الحال، والثاني وجود المخلوق المحل، والاتحادية لا يقرون بإثبات وجودين ألبتة؛ ولهذا من سماهم حلولية أو قال: هم قائلون بالحلول رآه محجوبا عن معرفة قولهم خارج عن الدخول إلى باطن أمرهم ومن الأقوال المتفرعة عن مذهب ابن عربي هذا الشعر يقول:
الرب عبد والعبد رب *** يا ليت شعري من المكلف
إن قت عبد فذاك ميت *** أو قلت رب أنى يكلف
وفي بعض الروايات فذاك نفي؛ لأن العبد ليس له عندهم وجود مخلوق وكلاهما باطل، فإن العبد موجود وثابت ليس بمعدوم ومنتف، ولكن الله هو الذي جعله موجودا ثابتا.
ومن كلام ابن عربي يقول: من أسماء الله الحسنى العلي، ثم يُعَرِّف العلي على ماذا؟ وما ثم إلا هو، وعن ماذا؟ وما هو إلا هو، العلي ما في إلا هو، من أسماء الله الحسنى العلي، العلي على من؟ ما في إلا غيره على من؟ وما ثم إلا هو، وعن ماذا؟ وما هو إلا هو
ومن كلماته يقول: رب مالك وعبد هالك وأنتم ذلك، والعبد فقط والكثرة الوهم ويقول سر حيث شئت فإن الله ثَمَّ، وقل ما شئت فيه فالواسع الله، هؤلاء الملاحدة الزنادقة يعني يقولون هذا الكلام ومن تلبيسهم أنهم يقولون: إنك لا تفهم هذا الكلام حتى تخرق الحجاب أنت بينك وبين فهم هذا الكلام حجاب، ما هو الحجاب؟
стр. 371
اخرق حجاب العقل، حجاب العقل، وحجاب الشرع يعني ألغ الشرع وألغ العقل حتى تكون مجنونا، ثم تفهم كلامهم يعني حجاب الشرع وحجاب العقل وحجاب الحس أيضا، كل هذا تلغيه حتى تفهم هذا الكلام، هذا الكلام موجود وله مؤلفات وفيه ناس يدافعون عنه، مؤلفات تطبع بأوراق صقيلة وتحقق وموجودة في كل مكان في مصر، وفي الدول العربية وموجودة في المكتبات توضع عندنا في مكان خاص لأصحاب الرسائل العلمية الذين يريدون الرد أن يرد عليهم موجودة.
وهناك من يدافع ولهم أتباع وأنصار وطوائف، لكل شيخ طريقة في كل بلد مائة طريقة، ولكل طريقة شيخ هذه موجودة مؤلفات ومن يعتنق هذه المذاهب كلها موجودة.
الرد على الاتحادية والصوفية:
أولا: أن اعتقادهم في الولاية أعظم من النبوة في هذا قلب للشريعة، اعتقادهم في الولاية أنها أعظم من النبوة في هذا قلب للشريعة؛ فإن الولاية ثابتة للمؤمنين المتقين كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِن أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) ﴾ .
والنبوة أخص من الولاية عند أهل الحق والرسالة أخص من النبوة، فالرسالة أعلى شيء ثم النبوة ثم الولاية ويرد على الاتحادية أن الله بائن من خلقه مستو على عرشه، وأنه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.
ويرد عليهم بادعائهم بأن لهم من الولاية ما هو أفضل من درجة الرسالة بأن هذه الدعوة خرق لما جاء به الرسول ﷺ ومن لم يكن متبعا للأمر الذي جاء به الرسول ﷺ كان يعمل بإرادة نفسه، فيكون متبعا لهواه بغير هدى من الله، وهذا غش النفس، وهو من الكبر فإنه شبيه بقول الذين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ ﴿حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ فقال الله ردا على مقالتهم وقطعا لأطماعهم في أن ينالوا مثل ما نال الرسل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ووجه الشبه أن كلا من الطائفتين تعالت على الرسل وادعت أنها أحق منهم.
حكم ابن عربي وشيعته من أهل وحدة الوجود في الدنيا والآخرة ما حكمهم؟ حكم الاتحادية ابن عربي وأمثاله ما حكمهم في الدنيا؟ وما حكمهم في الآخرة؟ حكم ابن عربي كافر، ومن أكثر ممن ضرب لنفسه المثل بلبنة ذهب وللرسول المثل بلبنة فضة فيجعل نفسه أعلى وأفضل من الرسول.
وكيف يخفى كفر من هذا كفره كيف يخفى كفر من هذا كلامه، بل إن كفر ابن عربي وأمثاله فوق كفر الذين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ .
ويكفيك معرفة بكفرهم أن من أخف أقوالهم أن فرعون الذي ادعى الربوبية يقولون: إن فرعون مات مؤمنا بريا من الذنوب بل يجعلونه من كبار العارفين المحققين، وأنه كان مصيبا في دعواه الربوبية كما يجعلون عُبَّاد العجل مصيبين في عبادتهم للعجل بل إن السلف والأئمة كفروا الجهمية لما قالوا: إنه في كل مكان.
وكان مما أنكروه عليهم أنه كيف يكون الله تعالى، كيف يكون في البطون والحشوش والأخبية؟ تعالى الله عن ذلك فكيف بمن يجعله نفس وجود البطون والحشوش والأخبية والنجاسات والأقذار، كما يقول ابن عربي نعوذ بالله.
وأين المشبِّهة والمجسِّمة من هؤلاء فإن هؤلاء غاية كفرهم أن يجعلوه مثل المخلوقات، وهؤلاء يجعلون الوجود خالقا ومخلوقا واحدا، بل كفر كل كافر جزء من كفر الاتحادية؛ ولهذا لما قيل لرئيسهم: أنت نُصَيْرِيّ؟ فقال: نُصَيْرٌ جزء مني وقد علم المسلمون واليهود والنصارى بالاضطرار من دين المرسلين أن من قال عن أحد من البشر: إنه جزء من الله، فإنه كافر في جميع الملل.
حكم الاتحادية في الدنيا والآخرة ولكن ابن عربي وأمثاله منافقون زنادقة والاتحادية في الدرك الأسفل من النار إذا ماتوا على ذلك، ما يفعل بالاتحادية في الدنيا مع الدليل؟ يعامل الاتحادية معاملة المنافقين والمنافقون يعاملون معاملة المسلمين لإظهارهم الإسلام في الدنيا كما كان يظهر المنافقون الإسلام في حياة النبي ﷺ وهو يعاملهم معاملة المسلمين لما يظهر منهم؛ لأن الاتحادية يخفون كفرهم لهم مؤلفات يظهرون أنهم قد يصلون مع الناس؛ ولو أظهر أحد منهم ما يبطنه من الكفر لأجرى عليه حكم المرتد، وهو القتل وعدم تغسيله ودفنه مع المسلمين.
حكم قبول توبة الاتحادي والزنديق، الاتحادي زنديق فهل تقبل توبته؟ في قبول توبة الزنديق والاتحادي زنديق منافق خلاف، ولا تقبل توبة أحد منهم إذا أخذ قبل التوبة، إذا أخذ قبض عليه لا بد أن يجرى عليه حكم المرتد ولا يقبل منه.
وأما إذا أخذ بعد التوبة ففيها خلاف، بعضهم قال: تقبل توبته وهي رواية المعلى عن أبي حنيفة، وهذا في أعمال الدنيا وحكمه حكم المرتد يقتل كفرا ولا يدفن في مقابر المسلمين.
стр. 372
من العلماء من قال تقبل، ومن العلماء من قال: لا تقبل توبة المنافق وتوبة من سب الله وسب الرسول أو استهزء بالله أو بالرسول أو بدينه والساحر، كل هؤلاء يقتلون ولا تقبل توبتهم في الدنيا، أما في الآخرة فأمرهم إلى الله من صدق مع الله صدقه الله، وأما في الآخرة فإن كان مخلصا قبلت توبته، وإن لم يعلم منه إخلاصه لم تقبل توبته.
أما في الدنيا فإنه يعامل معاملة المرتد إذا أخذ قبل التوبة، أما إذا ادعى التوبة ثم سلم نفسه ففيه الخلاف هذا على حسب اجتهاد الحاكم، إما أن يقبل توبته وإما ألا يقبلها.
مذهب أهل الاستقامة وأدلتهم: أهل الاستقامة يوصون بمتابعة العلم ومتابعة الشرع عن طريق الوحي لا الوهم ويعتقدون أن النبوة أخص من الولاية والرسالة أخص من النبوة فكل رسول نبي وكل نبي ولي، ولا عكس فليس كل نبي رسولا وليس كل ولي نبيا، أدلتهم على أن الله أوجب على الخلق متابعة الرسل أولا قول الله -تعالى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) ﴾ .
وجه الدلالة: أن الله أوجب طاعة الرسول وأمر بطلب الاستغفار منه وأخبر أن من لم يُحَكِّم الرسول في النزاع فليس بمؤمن.
ثانيا: قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) ﴾ وجه الاستدلال أن الله أخبر أن محبة الله لا تحصل إلا بمتابعة الرسول.
قف على كراماتهم وإلى هنا نكتفي وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح ونأخذ المهم من الأسئلة، وغدا إن شاء الله يكون الدرس بعد المغرب وبعد العشاء، وإن شاء الله نكمل العقيدة الطحاوية، وفق الله الجميع لطاعته.
стр. 373
الأسئلة:
س: أحسن الله إليكم هل يوصف الله بالتردد كما في الحديث القدسي (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن...) الحديث؟
ج: نعم كما وصفه الرسول ﵊ لكن هذا التردد ليس كتردد المخلوق الذي يدل على الضعف، ولكنه تعارض الإرادتين كما بين في الحديث، فالله تعالى يريد ما يريده عبده المؤمن، والمؤمن يكره الموت، فالله يريد ما يريده عبده المؤمن، ولكن الله قضى وقدر أنه يموت، فهذا تعارض إرادتين إرادة الموت؛ لأن الله قدره، وإرادة ما يريده العبد وهو كراهة الموت ولا ينافي هذا التردد ترجيح إحدى الإرادتين؛ لأن الموت لا بد منه نعم.
س: أحسن الله إليكم صفتا الحياة والقيومية من أيّ أنواع الصفات؟
ج: من الصفات الذاتية الملازمة للرب لا تنفك عن الباري في الحياة نعم.
س: أحسن الله إليكم: في قول عمر: لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته" هل يدل على أن أبا عبيدة أفضل من عثمان وعلي؟
ج: لا يدل ما أدري عن صحة الحديث لكن هذا إن صح فمعناه بيان فضل أبو عبيدة وأبو عبيدة من العشرة المشهود لهم بالجنة.
س: أحسن الله إليكم: هل هناك ثمرة من الخلاف في مسألة ثبوت خلافة أبي بكر بالاختيار أو بالنص؟
ج: نعم ثمرة الخلاف معرفة ما جاء في النصوص، وكذلك أيضا معرفة الحكم الشرعي في اختيار الخليفة. نعم.
س: أحسن الله إليكم: يقول السائل ما قولكم في التفريق بين اليأس والقنوط، نعم؟ ما قولكم في التفريق بين اليأس والقنوط؟
ج: اليأس هو القنوط اليأس من رحمة الله هو القنوط، فاليائس قانط والقانط يائس متقاربان مترادفان أو متقاربان قد يكون بعضهم أشد، وإلا كل منهما فيه يأس من روح الله اليأس قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧) ﴾ وقال ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) ﴾ فاليائس كافر والقانط ضال ضلال الكفر فهو المعنى واحد مترادفان أو متقاربان، الفرق بينهما كالفرق بين الخوف والخشية نعم.
س: أحسن الله إليكم: هل قول الطحاوي: ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله فيه موافقة لقول مرجئة الفقهاء؟
ج: نعم قوله: لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب إلا أن يستحله سبق الكلام في هذا والمذاهب في المسألة، وأن قوله لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب لم يستحله، هذا قول أهل السنة بذنب ما لم يستحل الذنب، يعني بذنب دون الكفر لا بد من هذا القيد لا نكفر أحد من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، والمراد من أهل القبلة من التزم بالإسلام والتوحيد ولم يأت ناقضا من نواقض الإسلام هذا لا يكفر إلا إذا فعل ناقضا من نواقض الإسلام هذا قول أهل السنة العبارة تحتاج إلى قيد، لكن الطحاوي من أهل السنة يضم بعضه إلى بعض نعم.
يحمل على أن مقصوده ما يحتاج إلى استحلال ليس المراد أنه يعني يستحل الزنا أو يستحل السرقة أو شرب الخمر هذه المعاصي كفر، أما من لم يستحلها فلا يكفر بهذا الذنب. نعم، هذا معروف مسألة عموم السلب وسلب العموم كل ذنب لا نكفر به هذا مذهب المرجئة، لا نكفر بكل ذنب هذا مذهب أهل السنة، بل الذنوب التي يستحلها يكفر بها، والتي لا يستحلها لا يكفر بها. نعم.
س: أحسن الله إليكم: في قول الطحاوي والأمن والإياس هل هذا على إطلاقه أم لا بد من تقييده بالأمن والإياس الكفريان أيش؟ هل هذا على إطلاقه في الأمن والإياس أم لا بد من تقييده بالأمن والإياس الكفريين. الكليين؟ الكفريين؟
ج: الأمن والإياس لا يكونان إلا كفريين، ما هناك تقيد لا كما قال الطحاوي الأمن والإياس ينقلان من ملة الإسلام، وكما سمعت ارجع إلى الكلام الأول الذي قلناه قلنا: إن الآمن من مكر الله ليس خائف ما عنده خوف، وإذا ما كان عنده خوف يفعل جميع المنكرات ويترك جميع الواجبات وكونه مصدق بقلبه ما يكفي.
وكذلك اليائس المتشائم يائس من رحمة الله يرى أنه لا يفيده أي شيء فلا يفعل واجبات مطلقا؛ لأنه متشائم ولأنه عبد الله لم يعبد الله بالخوف والرجاء فلا يكون إيمان إلا بالخوف والرجاء. نعم.
س: أحسن الله إليكم: هل يكفر من قال إحدى هذه الأمور القول بخلق القرآن أو الوجودية؟
стр. 374
ج: القول بخلق القرآن نعم: من قال القرآن مخلوق كفر، قال الإمام أحمد وأهل السنة قالوا: من قال القرآن مخلوق كافر، هذا قول المعتزلة هذا على العموم، أما فلان ابن فلان إذا قال القرآن مخلوق لا نكفره حتى نقيم عليه الحجة لكن على العموم من قال القرآن مخلوق كافر، من أنكر علم الله وأن الله يعلم كل شيء كفر، لكن فلان ابن فلان قال القرآن مخلوق ما ندري حاله نقوله المقالة كفرية والشخص لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة، إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة تكفير على العموم، من قال القرآن مخلوق كافر أما فلان ابن فلان قال القرآن مخلوق نقول: المقالة كفرية والشخص لا يكفر إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع نعم.
س: من قال إن الله في كل مكان موجود؟
ج: كذلك هذا قول الحلولية كفر كفَّره العلماء من قال: إن الله في كل مكان كفر. نعم.
س: من أنكر اليد أو العين لله ؟
ج: نعم من أنكر صفة من صفات الله كفر، أما إذا أولها فهذا قد يدرأ عنه الكفر، إذا أول اليد بالقدرة أو النعمة كما أول المعتزلة وغيرهم، هذا محل كلام لأهل العلم منهم من كفر المعتزلة أو لا لكن من جحد أنكر لله قال الله تعالى ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ويقول لا ليس لله يدان هذا كافر جاحد مكذب لله نعم كذلك أنكر العين بعد بلوغ بعد أن يبلغه حديث الدجال (إن ربكم ليس بأعور) تقوم عليه الحجة فإنه يكفر نعم.
س: أحسن الله إليكم ألا يكون قول المؤلف: ولا يَخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه من المتشابه فنرده الى المحكم من قوله: ولا نكفر أحد من أهل القبلة... إلى آخره؟
ج: نرده إلى قوله هو الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان فعرف الإيمان هذا عرف الإيمان، ما دام عرف الإيمان بأنه التصديق والكفر هو الجحود قال: لا يخرج من الإيمان إلا بجحود التصديق هذا كلامه يرد بعضه إلى بعض، معروف أنه يقرر مذهب المرجئة هذا مذهب الأحناف نعم.
س: أحسن الله إليكم من عرف عنه سب الدين أو الاستهزاء به هل ينطبق عليه أحكام الكفار في عدم تغسيله والصلاة عليه؟
ج: نعم إذا عرف أنه مات على سب الله أنه يسب الله وقامت عليه الحجة، ولو لشبهة ويكون عقله معه كما أن مع المكفرات الإنسان يكون عاقل، أما إذا كان غاب عقله مجنون أو كان سكران ثم تكلم بكلمة الكفر، أو كان صغير دون التمييز، أو جاهل مثله يجهل هذا ما قامت عليه الحجة هذا لا يكفر لا بد أن يكون عالم يعلم بهذا مثله لا يجهل هذا الشيء.
أما إذا كان عاش في بلاد بعيده ثم تكلم فقال الزنا حلال أو الربا حلال في مجاهيل ما سمع عن الإسلام، هذا لا بد أن تقوم عليه الحجة، أو كان مجنون تكلم بكلمة الكفر لا يؤاخذ؛ لأنه غير مكلف أو سكران تكلم بكلمة الكفر لا يؤاخذ على الصحيح أو صغير دون التمييز هذا لا يؤاخذ؛ لأنه غير مكلف أو إنسان ما قصد قال كلمة الكفر قال سبق لسان بسبب الدهشة كالرجل الذي يقول: (اللهم أنت ربي وأنا عبدك..) هذه كلمة كفرية يخاطب ربه لكن قالها عن دهشة سبقة لسان ما قصد نعم.
س: أحسن الله إليكم يحدث أحيانا عندما تنصح شخصا بعمل واجب أو ترك محرم أن يقول الإيمان في القلب فكيف يرد على من هذا حاله وفقكم الله؟
ج: نعم نقول له: إذا كان الإيمان في القلب انعكس هذا على الجوارح ونقول أيضا الكفر في القلب والنفاق في القلب، الإيمان في القلب والكفر في القلب، فإذا صلح القلب صلحت الجوارح عندنا علاقة فإذا كان في قلبك إيمان لا بد أن تنقاد الجوارح كلها تصلي تصوم تؤدي الفرائض تنتهي عن المحرمات، فإذا لم تعمل بالمرة مطلقا فتكفر هذا كفر وردة ما يكفي الإيمان في القلب.
أما إذا كان يعمل ولكن يفعل بعض المحرمات نقول هذا إيمانه ضعيف دليل على أن الإيمان الذي في قلبك ضعيف، الدليل كونك تزني كونك تسرق كونك ترابي هذا؛ لأن إيمانك ضعيف، أما إذا كان يقول: الإيمان في القلب ولكن لا يصلي ولا يصوم ولا يعمل شيء من الأعمال. نقول: هذا غير منقاد، إيمانك كإيمان فرعون وإيمان إبليس ما في فرق بين إيمانك وإيمان إبليس وفرعون إبليس مصدق، وفرعون مصدق ما يعملوا وأنت لا تعمل، هذا دليل على أنه ليس في قلبك إيمان، لو كان في قلبك إيمان انقادت الجوارح بالعمل، أما إذا كانت الجوارح تعمل لكن يفعل بعض المحرمات ويترك بعض الواجبات نقول هذا دليل على أن إيمانك ضعيف نعم.
س: أحسن الله إليكم هل يوجد دليل يصرح بنقص الإيمان؟
стр. 375
ج: نعم هو كما سمعت الأدلة التي سقناها (لا يؤمن أحد ...) الحديث. (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) هذا لا يؤمن يعني لا يؤمن الإيمان الكامل، وإلا لو أحب يعني قدم محبتهم على محبة الرسول فهو ضعيف الإيمان كذلك أيضا (النساء ناقصات عقل ودين) والدين هو الإيمان (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله) فإذا ذهبت بعض الشعب ينقص الإيمان الشعب الواجبة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه) هذا ناقص الإيمان، لا يؤمن الإيمان الكامل الإيمان الواجب يعني الذي لا يأمن جاره بوائقه كافر وإلا ضعيف الإيمان ناقص الإيمان وهكذا نصوص كثيرة لا حصر لها، نعم.
س: يقول ثبت في حديث أسامة بن زيد أنه لما قتل أحد المشركين في معركة لما قال: لا إله إلا الله، وقال له الرسول ﷺ (أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال: ما قالها إلا خائفا من السيف. فقال الرسول: هل شققت عن قلبه) نرجو تعليقكم على هذا الحديث وفقكم الله؟
ج: نعم وذلك لأن الكافر الذي لا ينطق بالشهادتين إذا نطق بالشهادتين يجب الكف عنه، يجب الكف عنه إذا قال أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله يجب الكف عنه، ثم بعد ذلك ننظر إن التزم بالإسلام فالحمد لله، وإن لم يلتزم صار مرتدا، ثم يقتل بعد ذلك، فأسامة ﵁ لما رفع السيف عليه قال: لا إله إلا الله اجتهد أسامة ﵁ ظن أنه قال تعوذا من السيف خوفا من السيف فلما أخبر النبي ﷺ شدد عليه، وقال: (أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ قال يا رسول الله قالها: تعوذا قال: أشققت عن قلبه) .
هل شققت عن قلبه هل تدري أقالها تعوذا أو قالها صدقا قال أسامة: (حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت يومئذ) ولذلك ﵁ انتفع بذلك حتى إنه ﵁ ما شارك في قتل في القتال الذي دار بين الصحابة بين معاوية وعلي من أجل هذا الحديث من أجل أن النبي ﷺ قال له هذا.
فهذا الكافر إذا نطق بالشهادتين يُكَفُّ عنه، هذا دليل على الإيمان، ولا تقول إنه قالها ما هو صادق، ما الذي يدريك أنه غير صادق؟ انظر اصبر فإن التزم بالإسلام فالحمد لله صار مؤمنا، وإن فعل ما هو كفر قتل بعد ذلك. نعم.
س: أحسن الله إليكم جاء في الحديث: (أن الله تعالى يخرج بعد الشفاعة من قال لا إله إلا الله) فهل يدخل فيه الذي لا يصلي وجزاكم الله خير؟
ج: الصواب أن من قال لا إله إلا الله يعني قالها عن صدق وإخلاص وأتاها من قال لا إله إلا الله بشروطها؛ لأنه جاء في بعض الأحاديث (من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه) وفي بعضها (مخلصا) وفي بعضها (صادقا من قلبه) وفي بعضها (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله) يعني لم يشرك بالله والنصوص يضم بعضها إلى بعض ولا بد من الإتيان بشروطها.
والصلاة من شروط لا إله إلا الله شرط لصحة التوحيد من لم يصل ليس بموحد مشرك؛ لأن من شرطها لأن الصلاة شرط في صحة الإيمان، والتوحيد من لم يوحد من لم يصل لم يوحد ولم يؤمن ولا تنفعه قول لا إله إلا الله، قول لا إله إلا الله إنما ينفع من أتى بشروطها، ومن شروطها الصلاة هذا هو الصواب الذي عليه المحققون. وفق الله الجميع لطاعته ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 376
ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم
стр. 377
فالأول: وهو ما كان من باب العلم يسمى كشفا سواء كان عن طريق السماع بأن يسمع العبد ما لا يسمعه غيره ويسمى مخاطبة أو عن طريق الرؤية بأن يرى ما لا يراه غيره يقظة أو مناما، ويسمى مشاهدات أو عن طريق العلم بأن يعلم ما لا يعلمه غيره وحيا أو إلهاما أو فراسة صادقة ويسمى مكاشفة، ويسمى ذلك كله كشفا ومكاشفة أي كشف له عنه.
والثاني: وهو ما كان من باب القدرة إما على الفعل وهو التأثير، وإما على الترك وهو الغنى والتأثير قد يكون همة وصدقا ودعوة مجابة، وقد يكون من فعل الله الذي لا تأثير له فيه بحال مثل هلاك عدوه بغير أثر منه، ومثل تذليل النفوس له ومحبتها إياه.
وكلمات الله نوعان: كلمات دينية، كلمات كونية وكلمات دينية، فكلمات الله الكونية ضابطها هي التي استعاذ بها النبي ﷺ في قوله: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر) ؛ لأن الكلمات الدينية يتجاوزها الفاجر أما كلمات الله الكونية لا يجاوزها بر ولا فاجر ومن ذلك قول الله : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) ﴾ .
هذه من الكلمات الكونية "كن" من كلمات الله الكونية لا تتخلف إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ كلمات الله الكونية لا تتبدل والكون كله داخل تحت هذه الكلمات وسائر الخوارق الكشفية والتأثيرية داخلة تحتها.
النوع الثاني: الكلمات الدينية، وهي القرآن وشرع الله الذي بعث به رسوله، وهي أمره ونهيه وخبره وحظ العبد منها العلم بها والعمل والأمر بما أمر الله به كما أن حظ العبد عموما من الكونيات والشرعيات وخصوصا من الأول العلم بالكونيات والتأثير فيها أي بموجبها، فالأولى قدرية كونية، والثانية شرعية دينية.
كلمة الله الأولى قدرية كونية والثانية شرعية دينية، والخارق يتنوع إلى نوعين الكشف والتأثير، فإذن الكلمات نوعان قدرية كونية وشرعية، والخارق نوعان كشف وتأثير، ويتنوع الخارق باعتبار تنوع كلمات الله الكونية والدينية إلى أربعة أنواع: النوع الأول: كشف كوني. الثاني: كشف ديني. الثالث: تأثير كوني. الرابع: تأثير ديني.
فكشف الأولى العلم بالحوادث الكونية فقد يكشف له أو لغيره من حاله بعض أمور كما قال النبي ﷺ في المبشرات: (هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى له) أو كما قال النبي ﷺ وكما قال النبي ﷺ (أنتم شهداء الله في الأرض) .
وكشف الثانية: العلم بالمأمورات الشرعية مثل من يعلم بما جاء به الرسول ﷺ خبرا وأمرا ويعمل به ويأمر به الناس، وقدرة الأولى التأثير في الكونيات وتنقسم إلى تأثير في نفسه وإلى تأثير في غيره، فالأول كمشيه على الماء وطيرانه في الهواء وجلوسه على النار، وأكله السم، وهذا لا يدل على الخير بل ربما يدل على الشر إلا إن كان صالحا نجاه الله.
والثاني التأثير في غيره بإصحاح وإهلاك وإغناء وإفقار وقدرة.
الثانية التأثير في الشرعيات وتنقسم إلى قسمين: تأثيره في نفسه بطاعة الله ورسوله والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله باطنا وظاهرا، وتأثيره في غيره بأن يأمر بطاعة الله ورسوله فيطاع في ذلك طاعة شرعية بحيث تقبل النفوس ما يأمرها به من طاعة الله ورسوله في الكلمات الدينية، ومثال ذلك أن يطاع في خروج الجني من المصروع وكذلك يطيعه الإنسي.
سبب حصول الكرامات للأولياء سببه بركة اتباع رسول الله ﷺ فهي في الحقيقة الكرامة تدخل في معجزات الرسول ﷺ .
الفرق بين كرامات الأولياء وما يشبهها من الأحوال الشيطانية: بينهما فروق متعددة منها:
أن كرامات الأولياء سببها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية سببها ما نهى الله عنه ورسوله من الشرك والظلم والفواحش والقول على الله بلا علم.
ثانيا من أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية سماع الغناء والملاهي وهو سماع المشركين كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ والتصدية التصفيق، والمكاء التصفير، ومن أعظم ما يسبب الكرامة سماع القرآن وتلاوته والعمل به، وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ، والباقون يستمعون وهذا السماع هو سماع النبيين وأتباعهم. من أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية.
الثالث الشرط الثالث: - إن من أعظم من يقوي الأحوال الشيطانية تعظيم القبور والموتى، والانقطاع في المغارات والبوادي، ومن أعظم أسباب الكرامة لزوم المساجد التي هي بيوت الله وقراءة القرآن. فالانقطاع إلى المغارات والبوادي والجبال والصحاري، هذا مما يقوي الأحوال الشيطانية.
ولزوم المساجد والإكثار من ذكر الله وتلاوة القرآن، هذا مما من أسباب حصول الكرامة. أقسام الخارق من ناحية حكمه وباب كل قسم.
стр. 378
الخارق للعادة كشفا كان أو تأثيرا ثلاثة أنواع: - محمود في الدين، ومذموم ومباح، فالمحمود في الدين: ضابطه أن يحصل به الفائدة المطلوبة في الدين من إظهار حق، أو إبطال الباطل، فهذا من الأعمال الصالحة المأمور بها دينا وشرعا، إما واجب وإما مستحب كما يحصل للصحابة. والمذموم في الدين: ضابطه ما كان على وجه يتضمن ما هو منهي عنه نهي تحريم، أو نهي تنزيه فيكون سببا للعذاب، أو لجرم كالذي أوتي الآيات فانسلخ منها، بلعام بن باعوراء.
والمباح: ضابطه ما حصل به أمر مباح، فإن كان فيه منفعة كان نعمة من نعم الله الدنيوية التي تقتضي شكرا كتظليل الغمة " لأسيد بن حضير " ﵁ وإلا فهو كسائر المباحات التي لا متعة فيها.
الحكمة في إجراء الكرامة، الحكمة في إجراء الكرامة هي أن يزداد الإنسان بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة يقينا، فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا والخروج عن دواعي الهوى.
وثانيا إكرام الله لوليه بإغاثته ورفع شدته وكربه أو نصره على عدوه أو إظهار حق أو إبطال باطل.
أقسام الناس تجاه الكرامة: الناس تجاه الكرامة قسمان: الأول:
- القسم الأول: من نفوسهم تتطلع إلى شيء من الكرامات، ويحبون أن يرزقوا شيئا منها، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب متهما لنفسه في صحة عمله حيث لم يحصل له خارق، وهؤلاء كثير من المجتهدين المعتدين الذين سمعوا ما منح به سلف الأمة من الكرامات وخوارق العادات، ولو علموا بسر ذلك، وهو أن الميزان ليس هو الكرامة لهان عليهم الأمر.
القسم الثاني: الصادقون: سبيلهم يطالبون نفوسهم بالاستقامة، فهي كل الكرامة، ولا تتطلع نفوسهم إلى شيء من الكرامات، قال أبو علي الجوزجاني شيخ البخاري وشارح سنن النسائي: " كن طالبا للاستقامة لا، طالبا للكرامة، فإن نفسك متحدثة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة ".
هل يضر المسلم عدم حصول الخارق على يديه؟ اعلم أن عدم الخوارق علما وقدرة كشفا وتأثيرا لا يضر المسلم في دينه، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخر له شيء من الكائنات، لا ينقصه ذلك في مرتبته عند الله، بل قد يكون عدم ذلك، بل قد يكون عدم ذلك أنفع له في دينه، فإن الخارق إذا اقترن به الدين كان نافعا، وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة، فإن الخارق قد يكون مع الدين كالمعجزات وكرامات الصالحين، وقد يكون مع عدمه أو فساده أو نقصه كالذي يظهر على يد المسيح الدجال وعلى يد الفساق والفجار.
الخوارق النافعة والرياسات النافعة والأموال النافعة، هي ما كانت تابعة للدين، وخادمة له والرياسة النافعة، هي النافعة للدين، والمال النافع هو النافع للدين، دليل ذلك كما كان السلطان والمال النافع في يد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فمن جعل هذه الأمور الخوارق والسلطان والمال هي المقصودة، وجعل الدين تابعا لها ووسيلة إليها لا لأجل الدين في الأصل، فهو شبيه بمن يأكل الدنيا بالدين، وليس حاله كحال من تدين خوف العذاب أو رجاء الجنة، فإن ذلك مأمور به، وهو على سبيل النجاة، وهو على سبيل النجاة وشريعة صحيحة، وكثير من الصوفية ممن يزعم أن همه قد ارتفع عن أي يكون خوفا من النار أو طلبا للجنة، يجعل همه بدينه أقل من همه بأدنى خارق من خوارق الدنيا.
متى يجب خرق العادة؟ وشرط ذلك أو شروط استلزام خرق العادة، ودليل ذلك، يجب خرق العادة بأمرين:
أولا: التدين يستلزم خرق العادة بأمرين: أحدهما التدين الصحيح.
الثاني: وجود شدة وضيق وضرورة، إذا كان الإنسان مستقيما، ثم حصل عليه الشدة وضيقة، لا بد أن يفرج الله كربه، فالدين إذا صح علما وعملا، فلا بد أن يوجد خرق العادة إذا احتاج إلى ذلك صاحبه، ولو لم يدع الله، بل الحالة النفسية كافية، ولا يكله الله حينئذ إلى نفسه، دليل ذلك من الكتاب العزيز قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ هذا التدين الصحيح، يجعل له مخرجا هذا الخارق هذا الخارق من باب التأكيد، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ إن تتقوا الله: هذا التدين الصحيح، يجعل لكم فرقانا، هذا الكشف خارق.
وقال تعالى: ﴿أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) ﴾ وقال تعالى: ﴿أَلَا إِن أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عليهم وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾
стр. 379
ومن السنة حديث: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) ثم قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) ﴾ أي الذين يعرفون الشيء بسمته رواه الترمذي بسند ضعيف. وقال تعالى: فيما يروي الرسول ﷺ عن ربه أنه، قال: (من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة) ورواية البخاري: (فقد آذنته بمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به) إلى قوله: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه)
فظهر أن الاستقامة حظ الرب، وطلب الكرامة حظ النفس، هل تدل الخوارق على إكرام من ظهرت على يديه؟ .
اليسر والكرامة والنعمة والنعم والغنى والظلم والشدة والفقر ليست دليلا على الرضا، ولا على السحظ فما يبتلي الله به عباده من اليسر بخرق العادة، أو بغيرها أو بالضر ليس ذلك من أجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه، بل قد سعد بها قوم إذا أطاعوا الله، وشقي بها قوم إذا عصوا الله، دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾
ووجه الاستدلال: أن الله زجر من ظن أن الغنى دليل على الكرامة والفقر دليل الإهانة.
أقسام الناس بعد حصول الخارق:
الناس في هذه الأمور ثلاثة أقسام: قسم ترتفع درجتهم بخرق العادة، وقسم يتعرضون بها لعذاب الله، وقسم تكون في حقهم بمنزلة المباحات. وهذا التقسيم للناس مبني على التقسيم السابق للخارق إلى محمود في الدين، ومذموم في الدين ومباح.
أعظم كرامة يعطاها الولي، ما هي أعظم كرامة يعطاها الولي؟ والكرامة الحقيقية؟ الكرامة الحقيقية وأعظم كرامة يعطاها الولي هي لزوم الاستقامة. هذه أعظم كرامة. أعظم كرامة يعطاها الولي هي لزوم الاستقامة، وهي موافقة الله لما يحبه ويرضاه، وهي طاعته وطاعة رسوله ومولاه أوليائه ومعاداة أعدائه، وهؤلاء هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
الفرق بين حالتي طلب الاستقامة وطلب الكرامة؟ هو أن الاستقامةحظ الرب، والكرامة حظ النفس، فمن يسعى في طلب الاستقامة فهو يسعى في طلب حظ الرب، ومن يسعى في طلب الكرامة، فهو يسعى في طلب حظ النفس كما قال أبو علي الجوزجاني: كن طالبا للاستقامة لا طالبا للكرامة؛ فإن نفسك متحدثة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة.
المنكرون للكرامات لكرامات الأولياء وشبهتهم والرد عليهم أنكرت المعتزلة كرامات الأولياء وخوارق السحرة والكهان، وكذلك الرافضة وهي ما يقع من الخوارق على يد صالح وولي، شبهتهم لو وقعت الكرامة على يد ولي لأشبهت المعجزة، فلو صحت لأشبهت المعجزة فيؤدي إلى التباس النبي بالولي، فلا تعرف النبي من الولي أجاب الجمهور في الرد عليهم من وجهين:
أولا: أن إنكاركم للكرامات يناقض المحسوسات والمشاهدات، الثاني: منع الملازمة بين اشتباه المعجزة بالكرامة إذا وقعت، والتباس النبي بالولي، فلا ملازمة بين وقوع الكرامة وصحتها وبين الاشتباه والالتباس بمعجزة؛ لأن النبي يدعي النبوة ويتحدى، والولي لا يدعي الرسالة ولا يتحدى، فهذه الدعوة إنما تصح إذا كان الولي يأتي بالخارق، ويدعي النبوة ويتحدى بهذا الخارق، وهذا لا يقع إذ لو ادعى النبوة لم يكن وليا يكن متلفقا كذابا.
أمثلة للكرامات متنوعة في سلف هذه الأمة، وفي الأمم السابقة مما وقع لصدر هذه الأمة ما كان لأسيد بن حضير كان يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال السرج، وهي الملائكة نزلت لقراءته، ومن ذلك من أمثلة ذلك قصة الصديق في الصحيحين: لما ذهب بثلاثة أضياف معه معه إلى بيته، وجعل لا يأكل لقمة إلا ربا بأسفله أكثر منها، فشبعوا فصارت أكثر مما هي قبل ذلك، فرفعها إلى رسول الله ﷺ وجاء إليه أقوام آخرون، فأكلوا منها وشبعوا.
ومن ذلك مما حصل لخبيب بن عدي: كان أسيرا عند المشركين بمكة وكان يؤتى بعنب يأكله، وليس بمكة عنب، وعامر بن فهيرة قتل شهيدا فالتمسوا جسده، فلم يقدروا عليه، وكان لما قتل رفع، فرآه ابن طفيل، وقد رفع.
وسفينة مولى رسول ﷺ أخبر الأسد بأنه رسول رسول الله، فمشى معه الأسد حتى أوصله إلى مقصده، وخالد بن الوليد حاصر حصنا منيعا في القسطنطينية، فقالوا لا نسلم حتى تشرب السم، فشربه فلم يضره، وسعد بن أبي وقاص كان مستجاب الدعوة ما دعا قط إلا استجيب له، وهو الذي هزم جنود كسرى وفتح العراق.
стр. 380
ومن أمثلة ذلك عمر بن الخطاب ﵁ لما أرسل جيشا أمر عليهم رجلا يسمى سارية فبينما في العراق ... فبينما عمر يخطب نعس، فجعل يصيح على المنبر: يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، فقدم رسول الجيش، فسأل فقال: يا أمير المؤمنين لقينا عدونا، فهزمونا فإذا بصائح يا سارية الجبل؛ فأسندنا ظهورنا بالجبل؛ فهزمهم الله.
ومن ذلك إخبار عمر بمن يخرج من ولده؛ فيكون عادلا؛ فخرج عمر بن عبد العزيز. وأبو مسلم الخولاني ألقاه الأسود العنسي لما ادعى النبوة الذي ادعى النبوة في النار، فوجدوه قائما يصلي، وقد صارت عليه بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم.
وتغيب الحسن البصري عن الحجاج فدخلوا عليه ست مرات، فدعا الله فلم يروه. وعباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة، فأضاء لهم السوط، فلما افترقا أضاء لكل منهما سوط سراج حتى وصلا إلى بيته.
أمثلة للكرامات في الأمم السابقة، من أمثلة ذلك قصة الخضر صاحب موسى في علمه بحال الغلام، هذا على القول بأنه ولي، والصواب هو أن الخضر نبي، من باب القدرة، مثل قصة الذي عنده علم من الكتاب في الإتيان بعرش بلقيس، وقصة مريم في حملها بدون زوج، وقصة أهل الكهف في نومهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين، ولم تتغير أجسامهم.
مما ينبغي أن يعلم أن الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل، فإذا احتاج إليها ضعيف الإيمان أو المحتاج أتاه منها ما يقوي إيمانه ويسد حاجته، ويكون من هو أكثر ولاية لله منه مستغنيا عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك؛ لعلو درجته وغناه عنها، لا لنقص ولايته؛ ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة، بخلاف من يجري على يديه الخوارق لهدي الخلق ولحاجتهم، فهؤلاء أعظم درجة، ويدخل في الكشف الفراسة الفراسة نوع من الكشف، والفراسة تتنوع إلى ثلاثة أنواع عند العلماء.
ثلاثة أنواع، الفراسة خارق من خوارق العادة، ومن باب الكشف عن طريق العلم، فهي داخلة في أحد نوعي الخارق الكشف والتأثير، وهي استدلال ومعرفة وتفرس بالشيء، وأنواعها ثلاثة: الفراسة كم نوع؟ ثلاثة أنواع: فراسة إيمانية، وفراسة رياضية، وفراسة خلقية.
الأولى: الفراسة الإيمانية تعريفها وحقيقتها هي: خاطر يهجم على القلب يثب عليه كوثوب الأسد على الفريسة، ومنه اشتقاقها فاشتقاق الفراسة من الفريسة، خاطر يهجم على القلب، يثب عليه وثوب الأسد على الفريسة، فتكشف فتكشف أمرا بغير الطريق العادي.
ومنه ما كان في عمر بن الخطاب ﵁ في قول النبي ﷺ (إن يكن في أمتي محدثون -يعني: ملهمون- فعمر بن الخطاب) منهم كإخباره عمر بمن يخرج من ولده، فيكون عادلا، فكان عمر بن العزيز.
وسببها سبب هذا النوع من الفراسة نور يقذفه الله في قلب عبده، أي: نور الإيمان والعمل الصالح، وهذه الفراسة تتفاوت على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيمانا كان أحد فراسة. قال أبو سليمان الداراني ﵀ الفراسة مكاشفة النفس، ومعاينة الغيب، وهي من مقامات الإيمان، حكم هذا النوع من الفراسة، حكمها أنها من مقامات الإيمان، وهي خاصة بالمؤمن، وهي محمودة هذا النوع الفراسة الإيمانية من مقامات الإيمان، وهي خاصة بالمؤمن، وهي محمودة.
النوع الثاني: الفراسة الرياضية، تعريفها وحقيقتها هي كشف للأحداث يكسبه المرء بسبب تجوعه وتجرده عن العوائق، وسببها البعد عن الشهوات والعزلة عن الناس، فهي تحسن بالجوع والسهر والتخلي، فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها.
حكمها: هذه الفراسة مشتركة بين المؤمن والكافر، لا تدل على محمدة ولا مذمة، ولا تدل على إيمان، ولا على ولاية، ولا تكشف عن حق نافع ولا على طريق مستقيم، بل كشفها من جنس فراسة الأولياء وأصحاب تعبير الرؤيا الأظنين، وهو كثير الأوهام، وأكثر ما تكون عند الفلاسفة والصوفية.
فأحيانا يعملون الجوع والعطش للعلاج وللتخلص من كثرة الأخلاط الموجودة في البدن والبلغم، فينظم أكله ليصح بدنه مثل ما يسمى عندنا ريجيم ... ريجيم داخلة في هذا النوع، وأحيانا يستعملونه للتجرد من الهوى والعزلة عن النفس.
النوع الثالث: فراسة خلقية فراسة خلقية، وهي التي صنف فيها الأطباء ونحوهم، تعريفها وحقيقتها هي الاستدلال بالخلق الموجود على خواص هذا الخلق، فيستدلون بالخلق على الخلق كما بينهم من الارتباط التي اقتضته حكمة الله.
من أمثلة ذلك يستدلون كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل، وبكبر الرأس على كبر العقل، وبسعة الصدر على سعة الخلق وبضيقه على ضيقه، ويستدلون بطول الرقبة على الحماقة، وبقصرها على الغباوة، ويستدلون بجمود العينين من خلال نظرهما على بلادة صاحبهما، وضعف حرارة قلبه، ونحو ذلك.
سببها: سبب هذا النوع التجارب وقوة الملاحظة، التجارب وقوة الملاحظة.
стр. 381
حكمها: دائرة بين المدح والذم، وليست خاصة بالمؤمن عامة كالثانية، فالأولى الفراسة الأولى محمودة، والثانية والثالثة تدور بين المدح والذم، وعلى كل حال فالخوارق خوارق العادة يجريها الله على يد المؤمن، لكن ضابط الفرق بين الكرامة، والحالة الشيطانية، إن كان الذي جرت على يديه نبي، هذه تسمى معجزة عند المتأخرين، وإن كان الذي جرى على يديه الخارق صالحا مؤمنا تقيا تابعا للنبي تسمى كرامة، وإن كان الذي جرى على يديه منحرفا كافرا أوفاسقا، وهذه حالة شيطانية، مثل ما يجري على أيدي السحرة والكهان، وما يجري على أيدي المسيح الدجال في آخر الزمان. نعم.
стр. 382
ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعها
стр. 383
أقسام أشراط الساعة وأماراتها: - العلماء يقسمون أشراط الساعة وأماراتها إلى ثلاثة أقسام: قسم ظهر وانقضى، وهي الأمارات البعيدة، وقسم ظهر ولم ينقض، بل لا يزال في ازدياد حتى إذا بلغ الغاية ظهر وقسم ثالث: - وهي الأمارات القريبة الكبيرة التي تعقبها الساعة، فإنها تتابع كنظام خرزات انقطع سلكها، فالأولى التي ظهرت ومضت منها من أمثلة.. بعثة النبي ﷺ فإنه نبي الساعة. قال ﷺ (بعثت أنا والساعة كهاتين) وموته ﵊ وفتح بيت المقدس، وقتل أمير المؤمنين عثمان، ومنها واقعة الجمل وصفين وواقعة النهروان، وتنازل الحسن عن الخلافة، ومنها ملك بني أمية وما جرى على أهل البيت في أيامهم من أذية كقتل الحسين، وواقعة الحرة وقتل ابن الزبير، ورمي الكعبة بالمنجنيق.
ومنها ملك بني العباس، وما جرى من الأيام من المحن والشدائد، ومنها نار الحجاز التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى، ومنها ظهور الرفض واستبداد الرافضة بالملك، ومنها خروج الكذابين الدجالين كلهم يدعي أنه نبي، ومنها زوال ملك العرب، ومنها كثرة المال، ومنها كثرة الزلازل و ... والقتل.
كل هذه من أشراط الساعة التي مضت، الثانية: الأمارات الوسطى. الأمارات المتوسطة وهي التي ظهرت، ولم تنقض بل تزيد وتكثر، وهي كثيرة جدا منها: كون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع وهو (العبد الأحمق اللئيم) لقوله ﵊: (لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع) أي حتى يكون اللئام والحمقى ونحوهم رؤساء الناس، ومنها أن يرى الهلال ساعة أن يطلع، فيقال لليلتين لانتفاخ الأهلة، أي عظمها، ومنها أمانة الصلاة، ومنها إضاعة الأمانة، ومنها أكل الربا، ومنها قطع الأرحام، ومنها كثرة الطلاق، ومنها موت الفجأة، ومنها كون البطل قيظا، والولد غيظا، ومنها علو أصوات الفسقة في المساجد، ومنها اتخاذ القينات والمعازف، ومنها شرب الخمور في الطرقات، ومنها اتخاذ القرآن مزامير، ومنها كثرة الشرط وغيرها كثير.
الثالث: القسم الثالث من أشراط الساعة: العلامات العظام والأشراط الجسام التي تعقبها الساعة مباشرة، وهي مشبهة بالعقد الذي إذا انقطع تتابع الخرز:
أولها: أن يظهر الإمام محمد المهدي، وهو رجل من سلالة فاطمة بنت النبي ﷺ اسمه كاسم النبي ﷺ وكنيته كنيته، محمد بن عبد الله المهدي، وقد جاءت أحاديث المهدي أحاديث فيها أحاديث صحيحة، وأحاديث حسنة، وأحاديث ضعيفة، وأحاديث موضوعة لكن الأحاديث فيها ثابتة، وهو أنه رجل يخرج في آخر الزمان يبايع له بين الركن والباب، في وقت ليس للناس فيه إمام المهدي، ما يقاتل الناس يقاتل يلزم بالإمامة، وهو لا يريدها، ويلزمونه ويبايعونه في وقت ليس للناس فيه إمام في آخر الزمان، وفي زمانه يخرج الدجال في زمانه، يخرج الدجال في زمان المهدي، في زمانه تحصل الحروب والفتن، ويحصر الناس في الشام هذا العلامة الأولى: خروج المهدي ثم العلامة الثانية: خروج المسيح الدجال في زمنه جاء في الحديث أن خروج الدجال يكون بعد فتح القسطنطينية، كما في الحديث الصحيح في مسلم وغيره، أنه يحصل مقتلة عظيمة، ويحصل تفتح القسطنطينية، ويعلق الناس سيوفهم في الزيتون، فإذا انتهت المعركة نادى الشيطان: إن الدجال قد خلفكم في أهليكم فيخرجون فيذهبون، فيجدون الدجال قد خرج، وفي وقت مرة أخرى نادى الشيطان مرة في غزوة من الغزوات، وكان كاذبا، ثم العلامة الثالثة ينزل المسيح عيسى بن مريم في وقت الدجال، وفي وقت المهدي، هي ثلاث علامات متوالية مرتبة، فإذا نزل عيسى بن مريم مسيح الهدى، قتل مسيح الضلالة، وهو الدجال.
ثم العلامة الرابعة خروج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى هذه علامات أربع متوالية مرتبة: المهدي ثم الدجال ثم نزول عيسى ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم بعد ذلك تتوالى بقية الأشراط، وهدم الكعبة المشرفة يهدمها رجل من الحبشة، يقول النبي ﷺ (دقيق الساقين كأني أنظر إليه أصيلع أفيدع ينقضها حجرا حجرا فيلقيها في البحر) ثم أيضا آية الدجال، وهي دخان قبل قيام الساعة يدخل في أسماع الكفار والمنافقين، ويعتري ويصيبهم شدة عظيمة، ويعتري المؤمن كهيئة الزكام.
قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ﴾
وفي الحديث: إنها لن تقم حتى ترى قبلها عشرة ... فذكر منها الدخان، ومنها رفع القرآن العظيم من الصدور ومن السطور، وهي من أشد المعضلات في آخر الزمان إذا ترك الناس العمل بالقرآن نزع من صدور الرجال ومن المصاحف، فيصبح الناس ولا يجدون في صدورهم آية ولا في مصاحفهم آية، نعوذ بالله.
стр. 384
هذه غير مرتبة الله أعلم بترتيبها، فهدم الكعبة والدخان ورفع القرآن ثم طلوع الشمس من مغربها هذه من العلامات الأخيرة طلوع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس آمن الناس، ولكن ليس هناك إيمان جديد ما ينفع الإيمان أغلق باب التوبة، كل يبقى على ما كان عليه، ثم خروج دابة الأرض، تسم الناس في جباههم، فالمؤمن نقطة بيضاء في جبهته، حتى يبيض لها وجهه، والكافر نقطة سوداء حتى يسود لها وجهه، والدابة وطلوع الشمس من مغربها متقاربتان، أيهما ظهرت فالأخرى على إثرها قريبة، ثم بعد ذلك يبقى الناس مدة يعرف المؤمن من الكافر، ويتبايع الناس في أسواقهم خذ هذا يا مؤمن، بع هذا يا كافر، فالذي أبيض وجهه، فهو مؤمن والذي أسود وجهه هذا كافر، وأغلق باب التوبة إذا طلعت الشمس من مغربها، وليس هناك إيمان جديد، فيتبايع الناس خذ هذا يا مؤمن بع لي هذا يا كافر. يبيعون ويشترون معروف المؤمن من الكافر.
ثم آخرها العلامة العاشرة خروج النار التي تخرج من قرى عدن تسوق الناس إلى المحشر، وتبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا. المعنى إذا جاء وقت القيلولة وقفت حتى يقيل الناس، فإذا انتهى وقت القيلولة تسوق ومن تخلف تأكله، فإذا جاء وقت النوم المبيت تقف حتى ينام الناس، فإذا أصبح الناس تسوقهم، ومن تخلف أكلته نعم ... لها أرض فلسطين.
стр. 385
ولا نصدق كاهنا ولا عرافا ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة
стр. 386
والصواب أنه يقتل كفرا، وقد ثبت قتل الساحر عن عمر بن الخطاب ﵁ وحفصة بنت عمر وجندب بن عبد الله، وهو مأثور عن الصحابة، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في المنصوص عنه لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا ك`ّ tw فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ أي: بتعلم السحر، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ واختلف العلماء: هل يستتاب الساحر أم لا؟ ذهب مالك إلى أنه لا يستتاب، ولا تقبل توبته، يعني: في الدنيا، وهو الراجح.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، واختلف الموجبون لقتله، وهم الجمهور هل يقتل كفرا أو حدا؟ يعني: هل يكفر بالسحر، فيقتل بكفره أم يقتل لسعيه في الإرض بالفساد، فيقتل لمنع شره لا لكفره، فالجمهور على أنه كافر، يقتل كفرا لا حدا، كما سبق، وقالت طائفة: إنه لا يكفر إلا إذا تضمن سحره كفرا، في قوله أو عمله، وحينئذ فيقتل لكفره، وإن لم يتضمن سحره كفرا، فلا يخلو أن يكفر بسحره أم لا، فإن كفر بالسحر قتل حدا، وإن يكفر بالسحر عوقب بدون القتل.
وهذا منقول عن الإمام الشافعي، وهو رواية عن الإمام أحمد، واتفق العلماء على أن ما كان من جنس دعوة الكواكب السبعة أو غيرها أو خطابها، أو السجود لها أو التقرب إليها بما يناسبها من اللباس والخواتم والبخار ونحو ذلك والمناجاة للكواكب، فإنه كفر، وهو من أعظم أبواب الشرك، يخاطب -مثلا- الخطاب دعوة الكواكب السبعة، ما هي الكواكب السبعة؟ هي المشترى والمريخ زحل وعطارد وزهرة والشمس والقمر.
هذه الكواكب السبعة، فمن كان من جنس دعوة الكواكب السبعة أو خطابها إذا دعاها أو خاطبها أو نادها، فهذا كفر كذلك، وإذا تقرب إليها بما يناسبها من اللباس والخواتم والبخور، وكذلك إذا نادى الكواكب يزعم أنهم ينادون الكواكب، والواقع أنه ينادي الجن، فإن هذا كفر، وهو من أعظم أبواب الشرك، وهو من جنس فعل الصابئة قول إبراهيم ﵊؛ لهذا حكى الله عنه بقوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) ﴾ يريهم إيهاما؛ لأنه الصابئة تقول: إنها مدبرة للعالم، وإنها تأتي بالخير والشر، واتفق العلماء على أن كل رقية أو تعزيم وقسم فيه شرك لله، فإنه لا يجوز التكلم به، وإن أطاعته به الجن أو غيرهم، وكذلك كل كلام فيه كفر، لا يجوز التكلم به، وكذلك الكلام الذي لا يعرف معناه لا يتكلم به؛ لإنكار أن يكون فيه شرك لا يعرف؛ ولذلك قال النبي ﷺ (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا) ولا يجوز الاستعانة بالجن، فقد ذم الله الكافرين على ذلك، فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) ﴾ وقد أخبر الله عن الذين يزعمون أنهم يدعون الملائكة، ويخاطبونهم بهذه العزائم أنهم ضالون، وإنما تنزل عليهم الشياطين، لا الملائكة في قوله ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) ﴾ كما أخبر أن كلا من الجن والإنس يستمع بالآخرة، في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ فاستمتاع الإنس بالجن في
قضاء حوائجه وامتثال أمره وإخباره بشيء من المغيبات واستمتاع الجن بالإنس في تعظيمه إياه واستعانته به واستغاثته وخضوعه له، أي: يعني: بالشركيات التي حمله عليها حكم حوار الكاهن، وما تعاطاه المنجم والضارب بالحصى، والذي يخط بالرمل وصاحب الأزلام التي يستقسم بها، الأجرة التي يتعاطاها، ما تعاطاه هؤلاء حرام وسحت، كما في الصحيح: (ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وحلوان الكاهن خبيث) ويدخل في حلوان الكاهن ما يتعاطاه هؤلاء حلوان الكاهن يعني: أجرته على الكهانة سمي حلوانا؛ لأنه يأخذه حلوا بدون مشقة.
أما حكم فعلها فقد حكى الإجماع على تحريمه غير واحد كالبغوي والقاضي عياض وغيرهم حكم الإتيان للسحرة؟ وسؤالهم وتصديقهم؟ إن كان على وزن التصديق لهم في كل ما يخبرون به، والتعظيم للمسئول، فهو حرام الإيتان للسحرة والكهنة.
стр. 387
دليل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن معاوية بن الحكم السلمي قال: (قلت: يا رسول الله، أمورا كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان قال: فلا تأتوا الكهان) وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل صلاة أربعين يوما) وفي حديث أبي هريرة ﵁ (من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) وأما إن كان يسأل المسئول ليمتحن حاله، ويختبر باطن أمره، وعنده ما يميز به صدقه من كذبه، فهذا جائز كما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ (سأل ابن الصياد، فقال: ما يأتيك؟، قال: يأتيني صادق وكاذب، قال: ما ترى؟ قال: أرى عرشا على الماء، قال: فإني قد خبأت لك خبيئا. قال: الدخ. قال: اخسأ، فلن تعدو قدرك، فإنما أنت من إخوان الكهان)
وكذلك إذا كان يسمع ما يقولون، ويخبرون به عن الجن، كما يسمع المسلمون ما يقول الكفار والفجار؛ ليعرفوا ما عندهم، فيعتبرون به، وكما يسمع الخبر الفاسق، ويتبين، ويتثبت، فلا يجزم بصدقه ولا كذبه إلا ببينة كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وكما في الحديث: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم) فقد جاز للمسلمين سماع ما يقولونه، ولا يصدقوهم، ولا يكذبوهم.
حكم طلب السقيا بالنجم، ونسبة الأحداث إليها وحكم من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا. طلب السقيا بالنجم مايجوز، وهو من عمل أهل الجاهلية، ففي الحديث: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستقساء بالنجوم، والنياحة) ونسبة الأحداث إلى النجم وطلب الاستقساء وقوله مطرنا بنوء كذا وكذا، إن كان يعتقد أنه عند ذلك النجم يحصل المطر، فهذا كفر أصغر، وإن كان يعتقد أن له تأثيرا أن للنجم تأثيرا في إنزال المطر، فهذا كفر أكبر يخرج من الملة، دليل ذلك ما في الصحيحين عن زيد بن خالد ﵁ (خطبنا رسول الله ﷺ على إثر سماء كانت من الليل فقال: أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب)
صناعة التنجيم وحكمها مع الدليل: صناعة التنجيم التي مضمونها الإحكام والتأثير، وهي الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية كالاستدلال بها على موت عظيم، أو ولادة عظيم، أو قيام أمة، أو تولي ملك، أو عزل ملك.
حكمها صناعة محرمة بالكتاب والسنة، بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين، الدليل قول الله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) ﴾ والتنجيم من السحر، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) ﴾ قال عمر: الجبت السحر، وهذا تفسير بالبعض؛ لأن الجبت: كل ما لا خير فيه، فمنه السحر، فهو جزء منه.
الواجب على ولاة الأمور تجاه المنجمين والكهان والعرافين وأصحاب الضرب بالرمل والحصى؟ .
الواجب على ولاة الأمور من الحكام والعلماء وكل قادر السعي في إزالة هؤلاء ومنعهم من الجلوس في الحوانيت والطرقات والدخول على الناس في منازلهم؛ لذلك أما الحكام فبإبادتهم وإزالتهم، وأما العلماء فبمنعهم وإزالتهم إن قدروا، وإلا فببيان باطنهم وجدلهم للناس وتحذير الناس منهم، والجلوس عندهم والاستماع لهم، وأما غيرهم فبالنصح وتجنب فعلهم؛ لأن هذا من المنكر العظيم، فيجب إنكاره، وفي الحديث: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه)
وقد ذم الله أهل الكتاب على عدم الإنكار، فقال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) ﴾
والسحر يدخل في المنكرات في الدرجة الأولى، وعموم العقوبة بسبب الفعل والسكوت هذا بفعله وهذا بسكوته، فتعم العقوبات والنكبات.
النزاع: نزاع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه، هل للسحر حقيقة مؤثرة أم هو ضرب من الخيال؟ الصواب الذي عليه أكثر العلماء وعليه المحققون من أهل العلم أن السحر له حقيقة مؤثرة، وأنه قد يؤثر في موت المسحور ومرضه من غير وصول شيء ظاهر إليه، بسبب لطم الجن له بسبب الإقسام عليه من قبل الساحر، فالساحر يقسم على الجني، والجني يلطم المسحور، فيمرض أو يقتل.
стр. 388
دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) ﴾ ومنه التخييل، فالسحر قسم منه خيال، وقسم منه له حقيقة، دليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) ﴾ ولولا أن للسحر حقيقة لما أمر الله بالاستعاذة منه، ودليل الخيال قوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) ﴾ وقوله: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾
وذهب بعض العلماء إلى أن السحر مجرد تخييل، وأنه لا تأثير له ولا حقيقة، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة، وإليه ذهب الجصاص في كتاب الإحكام في كتاب الأحكام، وهو مذهب المعتزلة والرافضة.
دليلهم: قول الله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) ﴾ وقوله: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) ﴾
والصواب القول الأول بأن هذه الآيات تدل على أن منه خيال، ومنه ما هو له تأثير.
والصحيح أن السحر له تأثير في عين الرائي والمسحور، وهو خيال بحيث إنه لم يغير الحقائق، ففيه تأثير من جانب وتخييل من جانب، فله تأثير في المسحور بمرضه أو موته، وله خيال في عين الرأي والمسحور.
فإذا الصواب أن السحر له حقيقة، وله خيال. أما القول بأنه خيال فقط، فهذا ليس بصحيح.
والنشرة: هي حل السحر عن المسحور، وحكمها: تنقسم إلى قسمين: قسم حرام، وقسم مباح، فالنشرة حل السحر، وهي نوعان.
أولا: حل السحر بسحر مثله، فهذا لا يجوز، وهو من عمل الشيطان؛ لقوله ﷺ (ولا يحل السحر إلا ساحر) وقوله: (النشرة من عمل الشيطان)
ثانيا: حل السحر بأدوية ودعوات مباحة، فهذا جائز.
أنواع المشعوذين الذين يفعلون هذه الأفعال الخارجة عن الكتاب والسنة ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أهل تلبيس وكذب وخداع، ذلك وهم يعلمون ذلك، الذين يظهر أحدهم طاعة الجن له، أو يدعي الحال بأهل المحال من المشائخ النصابين الخداعين والفقراء الكاذبين والطرقية المكارية، هؤلاء يدعون السحر، ويأكلون أموال الناس بالباطل، ما وجد مهنة فتح محل، وقال: إنه يعالج الناس، وكل من أتاه يأتي له بأنواع من ... هذا تدهن به، وهذا تشربه، وهذا استنشقه، وهذا كذا. ويأكل أموال الناس بالباطل.
حكمهم والحد الواجب عليهم: هؤلاء دجاجلة وملبسون وخداعون يستحقون العقوبة البليغة التي تردعهم وأمثالهم عن الكذب والتلبيس، وقد يكون في هؤلاء من يستحق القتل كمن يدعي النبوة بمثل هذه الخزعبلات، أو يطلب تغيير شيء من الشريعة ونحو ذلك.
النوع الثاني: من يتكلم في هذه الأمور ويعمل الشعوذة من تحضير الجن وغيرها على سبيل الجد والحقيقة، ويعتقدون لها التأثير، حكمهم والحد الواجب عليهم- هؤلاء سحرة، وسبق بيان حكم الساحر، وأن حده القتل، وأن جمهور العلماء يوجبون قتل الساحر على خلاف بينهم، وهل القتل كفرا أو حدا؟ .
والصواب الذي عليه المحققون أنه كفر، وهو الراجح، وبعض العلماء يرى أنه يعاقب أقل من القتل، إلا إن قتل بسحره، أو تضمن سحره كفرا قولا أو فعلا، عوقب بالقتل.
النوع الثالث: من يتكلم بالأحوال الشيطانية، ويدعي الخشوع ومخاطبة رجال الغيب، يدعي مخاطبة القطب المتولي للكون، وأن له الخوارق تقتضي أنهم أولياء الله، ومن هؤلاء من يساعد المشركين، ويعين المشركين على المسلمين في أيام حرب التتار، ويقول: إن الرسول أمره بقتال المسلمين مع المشركين؛ لكون المسلمين قد عصوا.
حكم هؤلاء: هؤلاء في الحقيقة من إخوان الشياطين، والواجب أن يعاقبوا بالعقوبة البليغة التي تردعهم عن فعلهم، وقد يجب قتلهم إذا ثبت أنهم يخاطبون الجن ويستخدمونهم ويعظمونهم بالشركيات، وحينئذ فهم كفار، يقتلون كفرا، موقف المسلم من أصحاب الأحوال، وهل تسلم لهم أحوالهم؟ .
يقول بعض الناس: إن الصوفية تسلم لهم أحوالهم، يعني: أحوالهم النفسية بأن يظن أنه على الدين والاستقامة، وإن كان بخلافه يقول: اتركه على حاله، هذا كلام باطل، بل الواجب عرض أفعالهم وأحوالهم على الشريعة المحمدية، فما وافقها قبل، وما خالفها رد، وأدب صاحبه.
الدليل: ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية لمسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)
فلا طريق إلا طريقة الرسول، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا عقيدة إلا عقيدته، ولا يصل أحد من الخلق بعده إلى الله وإلى رضوانه جنته وكرامته إلا بمتابعة النبي ﷺ باطنا وظاهرا، بعض الصوفية يعتقدون في البله أنهم من أولياء الله. حكم من اعتقد في البله أنهم من الأولياء.
стр. 389
البله جمع أبله، وهو ضعيف العقل، بعضهم يقول: هذا الأبله ضعيف، هذا الأبله ولي من أولياء الله، اتركه، وبعضهم يقول: إن هذا الشخص الذي تجده أبله ضعيف العقل، ولا يعرف شيئا، تجده مخرق الثياب، طويل الشعور والأظافر، مرمي على زبالة، يقول: ما تدري لعل هذا قطب يدبر في الكون، يدبر الكون، أحد الأقطاب أحد الأقطاب، هذا قطب يدبر الكون، وهو مخرق الثياب، ولو كان أبله من اعتقد في البله، وهم المغفلون أو المولعون خرقه من كثرة العبادة والرياضة، أنهم من أولياء الله، مع تركه لمتابعة الرسول ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله، أو فضله على متبع طريقة الرسول، فهو ضال مبتدع مخطئ في اعتقاده.
والسبب في ذلك؛ لأن ذلك الأبله ضعيف العقل لا يخلو من حالات ثلاث، إما أن يكون شيطانا زنديقا، وإما أن يكون ملبسا متحيلا، وإما أن يكون مجنونا معذورا واحد من ثلاثة: إما أن يكون شيطانا زنديقا، إما أن يكون ملبسا متحيلا، وإما أن يكون مجنونا معذورا، فكيف يفضل على أولياء الله المتبعين لرسوله، أو يساوى بهم، وبعضهم يسوق حديث: (اطلعت على الجنة فرأيت أكثر أهلها البله)
جمع أبله، وهو ضعيف العقل، هذا الحديث باطل سندا ومتنا، أما سندا: فإنه لا يصح عن رسول الله ﷺ ولا ينبغي نسبته إليه، وأما متنا، فإن الجنة إنما خلقت لأولي الألباب الذين أرشدتهم عقولهم وألبابهم من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وقد ذكر الله أهل الجنة بأوصاف في كتابه، فلم يذكر في أوصافهم البله الذي هو ضعف العقل، وتصحيح الحديث، صواب الحديث: إنما قال النبي ﷺ (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء) ولا يقول: البله، وهذا يرجع إلى أن المال أشد في صرف الإنسان عن الدين وطغيانه من الفقر.
الطائفة الملامية: طائفة من الصوفية يسمون الطائفة الملامية الطائفة الملامية، والطائفة الذين يصعقون عند سماع الأنغام الحسنة، الملامية الطائفة الملامية ثلاثة أنواع، تطلق على ثلاثة أنواع: النوع الأول تطلق على الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، وهم الذين لا يبالون بلوم، اللوم في ذات الله والقيام بأمره والدعوة إليه، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ وهؤلاء ممدوحون أبرار.
ثانيا: النوع الثاني تطلق على التي إذا وقعت في سيئة لامت نفسها، وأنبتها، وهذه محمودة أيضا.
النوع الثالث: تطلق الملامية على الذين يفعلون ما يلامون عليه، ويظهرون ما لا يمدحون عليه، وهي التي تخفي فعل الخير والمحامد، وتظهر فعل الشر، ويقصدون بذلك مخالفة المرائين، وهو من يظهر الخير، ويضمر الشر، وهذه الطائفة مذمومة، وهم جماعة من الصوفية لهم طريقة معروفة تسمى طريقة أهل الملامة، يعني: تجد الواحد منهم يقول: أنا أصلح باطني ولا علي من الظاهر، فتجده يذهب يسرق حتى يلومونه الناس ويذمه الناس، يقول: أنا باطني صالح، لكن ما علينا خلي الناس يذمونه، ما علينا يسرق أمام الناس، ويفعل، يفعل أشياء، ويزعمون أنهم يحتملون ملام الناس لهم على ما يظهرونه من الأعمال السيئة؛ ليخلص لهم ما يبطنونه من الأحوال، يقول: أنا أعمل أشياء في الظاهر يذمني الناس عليها ويلوموني حتى يصلح باطني.
الرد عليهم: إن هؤلاء أذلوا أنفسهم، وفي الحديث: (لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه)
ثانيا: أن هؤلاء ردوا باطن الأمور، وهم يقولون: نريد أن نخالف المرائي، المرائي يظهر الخير، ويبطن الشر، نحن بالعكس نظهر الشر ونبطن الخير.
نقول لهم: أأنتم رددتم باطل المرائين بباطل آخر، والباطل لا يرد بالباطل، والصراط المستقيم بين ذلك، حسن في ظاهره كالمرائين، وحسن في باطنه كالملامية.
حكم الذين يصعقون عند سماع الأنغام الحسنة، وهو تصنع ومظاهرة ومخداعة للناس، أو ترنح بأن يدور، وهو يذكر، فيختل عقله، ثم يصعق، ويسقط، هؤلاء المبتدعون ضالون؛ إذ ليس للإنسان أن يستدعي ما يكون سبب زوال عقله.
ثانيا: لأنه لم يكن في الصحابة والتابعين من يفعل ذلك، ولو عند سماع القرآن، وهو خير منا، فكيف نصل إلى ما لم يصلوا إليه؟ بل كانوا، بل كان الصحابة كما وصفهم الله: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) ﴾ وكما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾
هناك بعض المجانين ذكرهم العلماء بخير، الذين ذكرهم العلماء من عقلاء المجانين بخير، هؤلاء قوم كان فيهم خير، ثم زالت عقولهم، فيبدو على ألسنتهم أيام الجنون من الكلمات الخيرية في أيام الصحوة.
стр. 390
والواقع أنهم مجانين، ومن علامة هؤلاء أنه إذا حصل في جنونهم نوع من الصحو تكلموا بما كان في قلوبهم من الإيمان، ويهتدون بذلك في حال زوال عقلهم بخلاف من كان قبل جنونه كافرا أو فاسقا، لم يكن حدوث جنونه مزيلا لما ثبت من كفره أو فسقه، وكذلك من جن من المؤمنين المتقين يكون محشورا مع المؤمنين المتقين، وما يحصل لبعضهم -لبعض الصوفية- عند سماع الأنغام المطربة من الهذيان والتكلم ببعض اللغات المخالفة للسان المعروف عنه، فذلك شيطان يتكلم على لسانه، كما يتكلم على لسان المصروع، أو هو دجال يكذب على الناس، وذلك كله من الأحوال الشيطانية، بعض الصوفية يظن أن زوال العقل سبب أو شرط يقرب إلى ولاية الله، بعض الصوفية يقول: زوال العقل سبب أو شرط يقرب إلى ولاية الله من يظن هذا الظن، فهو من أهل الضلال حتى قال قائلهم يعني: يخاطب المجانين يعني: المجانين:
هم معشر حلوا النظام وخرقوا الـ *** ـسياج فلا فرض لديهم ولا نفل
يعني: المجانين هم معشر حلوا النظام، وخرقوا السياج، فلا فرض لديهم ولا نفل، مجانين إلا أن سر جنونهم عزيز على أبوابه يسجد العقل، هذا كلام هذا الكلام كلام ضال، بل كافر يظن أن في الجنون سرا، يسجد العقل على أبوابه، يقول: يعني: العقل ما يصل إلا إلى باب المجانين، لما رآه من بعض المجانين من نوع المكاشفة، أو تصرف عجيب خارق للعادة، ويكون سبب ذلك ما اقترن به من الشياطين، كما يكون للسحرة والكهان، فيظن هذا الضال أن كل من خبل أو خرق العادة كان وليا لله.
حكم من اعتقد هذا فهو كافر، فقد قال الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) ﴾ فكل من تنزل عليه الشياطين لا بد أن يكون عنده كذب وفجور وزوال العقل بجنون أو غيره سواء سمي صاحبه مولها أو ولها، لا يوجب مزيد حال، بل حال صاحبه المجنون ما عنده زيادة، انقطع العمل، وقف العمل، بل حال صاحبه من الإيمان والتقوى يبقى على ما كان عليه من خير أو شر، لعله يزيده أو ينقصه، ولكن جنونه يحرمه من الزيادة من الخير، كما أنه يمنع عقوبته عن الشر، ولا يمحو عنه ما كان قبله، ولكن جنونه من المصائب التي تكفر بها الخطايا.
حكم الذين يتعبدون بالرياضات والخلوات، ويتركون الجمع والجماعات؟ في طائفة يسمون أنفسهم الخلوتية، وهو الذي يجلس في خلوة صغيرة في غرفة صغيرة، يتعبدون بها على قدر ما يسع الإنسان، ويجلس فيها مدة طويلة، ثم بعد ذلك يخرج هزيلا ضعيفا، وبعضهم يستدلون بعبادة النبي ﷺ في غار حراء، ولا يتم لهم ذلك؛ لأن النبي ﷺ لم يبعث قبل ذلك، كان يتعبد بغار حراء قبل البعثة.
حكم الذين يتعبدون بالرياضات والخلوات، ويتركون الجمع والجماعات؟ هؤلاء جماعة من الصوفية يسمون خلوتية، وهم هؤلاء ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، قد طبع الله على قلوبهم.
والدليل ما ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه) هناك طائفة من الصوفية يجوزون الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني ويستدلون بقصة الخضر مع موسى، بعضهم يقول: أنا أستغني عن الوحي الذي جاء به محمد ﷺ من الكتاب والسنة؛ لأني يأتيني علم لدني من الله بذهاب يأتيني وحي ملهم يأتيني، وحي بإلهام يعرفني الله مباشرة، وما أحتاج إلى محمد، ولا أحتاج إلى شريعة محمد.
ما حكم هذا؟ حكم من يجوز يقول: أنا عندي دليل، الدليل الخضر ما تبع موسى الخضر يأتيه علم من الله، ولا يتبع موسى، وخالف موسى فدل على الذي يأتيه علم وتعريف، يعرفه الله لا يحتاج إلى محمد، كما أن الخضر ما احتاج إلى موسى، فالخضر خرج عن شريعة الله ولا عمل بشريعة موسى اكتفاء بالعلم اللدني، وهو يزعم أنه لا يحتاج إلى شريعة محمد، ويكتفي بالعلم اللدني، فما حكم من يجوز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني، ويستدل بقصة موسى مع الخضر.
العلم اللدني هو الذي يحصل للعبد من غير واسطة، بل بإلهام من الله وتعريف منه لعبده، كما حصل للخضر ﵊ بغير واسطة موسى.
حكم من جوز ذلك: ملحد زنديق، ملحد زنديق مفارق لدين الإسلام بالكلية، فضلا عن أن يكون من أولياء الله، يقول: هذا ولي هذا ليس من أولياء الله، بل هو ملحد زنديق مفارق لدين الإسلام بالكلية، فضلا عن أن يكون من أولياء الله، بل هو من أولياء الشيطان، فعليه أن يجدد إسلامه، ويتشهد شهادة الحق، وإن مات على ذلك، فهو من الملاحدة الزنادقة الذين في الدرك الأسفل من النار، نعوذ بالله.