وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم
стр. 39
ذلك بأنه على كل شيء قدير
стр. 40
ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير
стр. 41
لا يحتاج إلى شيء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) ﴾ .
стр. 42
خلق الخلق بعلمه
стр. 43
وقدّر لهم أقدارا
стр. 44
وبهذا القول نكتفي. أسأل الله لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يوفقنا جميعا إلى العمل الصالح الذي يرضيه، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 45
الأسئلة:
س: يقول السائل: هل ثبت اسم القادر كونه من أسماء الله الحسنى وما الدليل عليه؟ .
ج: القادر القدير من أسماء الله ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) ﴾ أما القادر يحتاج إلى تأمل في وقت آخر إن شاء الله. نعم.
س: أحسن الله إليكم. يقول السائل: كثيرا ما يدعو الأئمة بهذا الدعاء في القنوت يا حنان يا منان فهل الحنان اسم من أسماء الله الحسنى؟ .
ج: المنان نعم ورد (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد أنت المنان بديع السموات والأرض) أما الحنان ما أذكر شيئا على هذا، لكن أظن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ذكر هذا فيحتاج إلى بحث ومراجعة أما المنان فثابت. نعم.
س: أحسن الله إليكم. يقول السائل: سبق وأن ذكرتم أنه لا يجوز الدعاء بالصفات مثل يا رحمة الله ارحميني وفي الحديث عن الرسول ﷺ قال: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) فكيف الجمع بين القولين؟ .
ج: الاستعاذة غير الدعاء الاستعاذة جائزة (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) ثابتة؛ لأن الله -تعالى- بذاته وصفاته هو المستعان به (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات) (أعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي) هذه كلها ثابتة والاستعاذة بالصفات استعاذة بالله؛ لأن الله بذاته وصفاته (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك) أدلة كثيرة بخلاف النداء والدعاء.
الدعاء هذا هو الممنوع، والذي قال شيخ الإسلام: إنه ردة؛ لأنه يشعر بفصل الصفة عن الذات؛ ولأن فيه خطاب مناداة الله باسم الأنثى، ويشعر بأن الصفة متصلة بخلاف الاستعاذة، فإنه ثابت في أدلة كثيرة كما سمعت، وهو استعاذ بالله وأسمائه وصفاته وهذا توكيد هذا، ورد في أدلة كثيرة لا حصر لها، ومنه القَسَم كذلك بالعزة وقال الله عن إبليس ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) ﴾ وبقصة الرجل الذي هو آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا فيها "وعزتك" القسم بالعزة. نعم.
س: أحسن الله إليكم. يقول السائل: كيف نقول إن الحوادث متسلسلة في الماضي ورسول الله -صلى اله عليه وسلم- يقول: (كان الله ولا شيء معه) ؟.
ج: نعم، (كان الله ولا شيء قبله ...) الحديث، كان الله ولم يكن شيء قبله وكان الله ولم يكن شيء معه ولم يكن غيره، هذا مما استدل به شيخ الإسلام ﵀ على أن الله هو الأول ليس قبله شيء ولا ينفي أن يكون فعالا هذا من صفاته هو فعال فهو الله، وليس معه شيء؛ لأن كل فرد من أفراد الحوادث مسبوق بالعدم لكن لا نثبت فترة نعطل فيها الرب ما في منافاة، كان الله وليس شيئا قبله هو الأول والآخر، هو الأول وليس قبله شيء، وكان الله وليس شيئا قبله، وهو فعال لم يزل يفعل، ولم يزل يخلق إلى ما لا نهاية.
كل فرد من أفراد المخلوقات مسبوق بالعدم أوجده الله بعد أن لم يكن فالله هو الأول، وليس قبله شيء، وهو ليس قبله شيء -نعم- فلا منافاة.
س: أحسن الله إليكم. هذا سائل يقول: أليس قوله تعالى ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ ... الآية دليلا على اسم القادر لله جل وعلا؟ .
ج: بلى، هذه الآية دليل. نعم.
س: أحسن الله إليكم. يقول السائل: في قوله تعالى ﴿* وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) ﴾ إشعار بفناء الجنة نريد كشف هذه الشبهة؟ .
ج: ما فيه إلا ما شاء ربك في الجنة هذه في النار. غلطت يا أخي في قراءة الآية ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) ﴾ هذا في النار. أما في الجنة: ﴿* وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) ﴾ قال بعدها: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) ﴾ يعني غير منقطع.
وأما قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ فهذا قال أهل العلم: إن هذا الاستثناء إنما هو يرجع إلى موتهم في الدنيا، الموت الذي كتب عليهم أو حالتهم في البرزخ ولهذا قال بعدها: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) ﴾ يعني غير منقطع. نعم.
س: أحسن الله إليكم. يقول السائل: قد تأتيني بعض التخيلات كتخيل الرب أو العرش حتى أعتقد أني أخرج من الإسلام بها فبم تنصحوني؟
أيش- أعد يا شيخ عليَّ السؤال.
يقول: قد تأتيني بعض التخيلات كتخيل الرب أو العرش حتى أعتقد أني أخرج من الإسلام بها فبم تنصحوني؟ .
стр. 46
ج: أنصحك بأن تقطع التفكير الخيالي في الله -تعالى- وتعلم أن الله فوق ما يخطر بالبال أو يدور في الخيال، والله -تعالى- لا يماثله أحد من خلقه، وعليك أن تفكر بأسماء الله وصفاته؛ لأن العباد كما تدري يعلمون الله بأسمائه وصفاته، ولا يعلمون كنهه لا يعلم كنهه وكيفيته إلا هو ، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) ﴾ أما تخيُّل العرش سهلٌ لعرش مخلوق. نعم.
س: أحسن الله إليكم، يقول السائل: ذكرتم البارحة الكلام في أنواع..؟ .
ج: لا تلق الحديث، حديث أبي هريرة: (إن الشيطان يأتي للإنسان، ويقول له من خلق كذا؟ ومن خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق الله؟، قال النبي: فإذا وجد ذلك أحدكم فلينته) يعني يقطع التفكير وليستعذ بالله من الشيطان، وجاء في حديث آخر في غير الصحيح: (وليقرأ الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) .
يقطع التفكير ويقول: آمنت بالله ورسله. الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فليقطع التفكير، ويقول: آمنت بالله ورسله. الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ويفكر في أسماء الله وصفاته. نعم.
س: أحسن الله إليكم. يقول السائل: ذكرتم البارحة الكلام في أنواع الإرادة، وبناء على ذلك فهل يجوز للشخص إذا سئل عن شيء لم يفعله من أمور العبادة أن يقول ما أراد الله ذلك؟ .
ج: لا. لا يقول: ما أراد الله ذلك إلا أراد الإرادة الكونية، وأما إذا أراد الإرادة الدينية فلا؛ لأن الله أراد ذلك وأحب أن العبد أن يفعل الواجبات والمستحبات وبالمناسبة أن الإرادتين: الإرادة الكونية والإرادة القدرية من الفروق بينهما أن الإرادة الكونية لا تتخلف، لا يتخلف المراد بخلاف الإرادة الدينية فقد تتخلف، فإذا أراد الله كونا وقدرا للعبد أن يفعل لا بد أن يفعل لا يتخلف. فلا يتخلف أحد عن الموت إن أراد الله له الموت لا يتخلف.
أما الإرادة الدينية فقد يقع مرادها، وقد لا يقع فالله -تعالى- أمر جميع الناس جميع المؤمنين قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ من الناس من صلى ومنهم من لم يصل ويجتمعان في حق المؤمن المطيع كأبي بكر فالله أراد له الإيمان كونا وقدرا، وأراد له الإيمان دينا وشرعا، وتتخلف الإرادة الدينية كما في أبي لهب فالله أراد من أبي لهب الإيمان شرعا ودينا لكنه ما أراد له كونا وقدرا فوقعت الإرادة الكونية.
إذًا الإرادة الكونية لا يتخلف مرادها، والإرادة الدينية قد يتخلف مرادها. الإرادة أيضا الإرادة الكونية تتعلق بفعل المريد وهو الله، والإرادة الدينية تتعلق بفعل العبد، الله أراد من العبد أن يصلي وأن يصوم، فإن أراده كونا وقدرا وقع وإن لم يرد لم يقع نعم.
س: أحسن الله إليكم. كيف يكون الجمع بين الآجال المضروبة، وبين حديث (وينسأ له في أجله...) وبين حديث (إن الدعاء والقدر ليعتلجان في السماء ...) ؟ .
ج: نعم هذه من المباحث الداخلة في هذا ذكرنا السائل قوله في الحديث: (إن صلة الرحم تزيد في العمر) وفي الحديث: (من أحب أن ينسأ له في أثره، من أحب أن يبسط له رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) (لا يزيد في العمر إلا الصلة) .
فصلة الرحم تزيد في العمر بمعنى أن الله قدر هذا الشيء في سببه قدر أن هذا يطول عمره بصلة الرحم قدر الأمرين صلة الرحم وطول العمر، ولأنه لا بد من وقوع صلة الرحم لكن للسبب. فالقضاء ينقسم إلى قسمين قضاء مبرم هذا لا يتخلف وقضاء معلق بالسبب كما في حديث قدسي (أن الله -تعالى- قال: وإني إذا قضيت قضاء يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد ...) يعني قضاء مبرما، أما القضاء غير المبرم المعلق بالسبب فهذا معلق بسبب يقع بسبب.
فمثلا قدر الله على هذا أن يطول عمره بصلة الرحم وقدر أن هذا ينقص عمره بقطيعة الرحم، فالأمران مقدران طول العمر والصلة هذا هو السبب، والأمران مقدران قصر العمر والسبب الذي هو القطيعة. وأما قوله-تعالى- ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ والمراد وما ينقص من عمر معمر آخر ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ .
كقوله: عندي درهم ونصفه يعني نصف درهم آخر ليس الدرهم الأول. مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ .أي: من عمر معمر آخر إلا في كتاب، وكذلك أيضا الدعاء قد يكون سببا إذ قدر الله، كتب الله أن يحصل المقدور بهذا السبب يكون الأمران مقدران. نعم.
س: أحسن الله إليكم. يقول السائل: هل يجوز الحلف بمثل هذه العبارات: وحياة الله أو وعلم الله، أو مصحف الله، أو وكلام الله؟ .
стр. 47
ج: نعم وعلم الله، وحياة الله، وكلام الله. أما مصحف الله لا، ما يقال: ومصحف الله أو تقول والمصحف؛ لأن المصحف فيه كلام الله، وفيه غيره، فيه الورق، وفيه المداد، وفيه الكتابة فهو مخلوق فلا يقل: والمصحف يقول: وكلام الله، بكلام الله، وبعلم الله، بحياة الله، بصفاته، وبعزة الله مثل قول الله -تعالى-: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ وقول الرجل الذي هو آخر أهل الجنة خروجا من النار: (لا وعزتك لا أسألك غيره ...) . نعم.
س: أحسن الله إليكم. يقول السائل: هل طبقة الموحدين في النار، تفنى بعد خروجهم منها أو لا؟ .
ج: قال بعض أهل العلم: إنه ما جاء من الآثار فهو محمول على الطبقة التي فيها العصاة، وعلى كل حال فهم يخرجون من النار، وأما نار الكفار فهي باقية مستمرة -نسأل الله السلامة والعافية- نعم أبد الآباد. نعم.
س: أحسن الله إليكم. يقول السائل: إن الله قبل كل شيء، وهذا معلوم أليس هذا فيه أن هناك فترة كان الله ولم يكن شيء موجود سواه، أليس هذا يدل على أن الحوادث لها بداية، وليس لها نهاية؟ .
ج: هذا كلام أهل البدع كما سمعتم، ولن نعيد الكلام مرة أخرى، نعيده مرة أخرى نرجع إلى الكلام السابق الآن ترجع إلى الشريط واسمع الكلام، أهل البدع يقولون فيه فترة، وأهل السنة يقولون ما فيه فترة كان الله ولم يكن شيء قبله ما يلزم يكون فيه فترة؛ لأن الرب فعال، والفعل صفة كمال، ولم يزل الرب يفعل تقول فيه فترة تجعل الرب تعطل الرب هات الدليل على هذه الفترة ما فيه دليل.
وكون الله قبل كل شيء وهو الأول لا يمنع أن يكون فعالا في كل وقت، كل فرد من أفراد الحوادث مسبوق بالعدم كائن بعد أن لم يكن. نعم.
س: أحسن الله إليكم. يقول السائل: كيف نرد على من قال: إن صفات الأفعال حادثة الآحاد يلزم عليه أن يكون الله محلا للحوادث؟ .
ج: لا يلزم؛ لأن هذا بالنسبة للمخلوق، صفات الخالق ليست كصفات المخلوق هذا يلزم بالنسبة للمخلوق، أما الله فلا يلزم؛ لأن الله ليس كمثله شيء كما أخبر عن نفسه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) ﴾ نعم.
س: أحسن الله إليكم. هذا سائل يقول: حدث اليوم مشكلة مع والدتي، وهي سريعة الغضب كثيرة الشتم واللعن، وقامت اليوم بعد غضب شديد بسب الله جل وعلا، وقالت بعبارة صريحة: الله يلعن الذي خلقك. فأنا الآن محتار ماذا أفعل معها، وما المطلوب مني بنصحها بعد هذا الذنب العظيم؟ .
ج: لا حول ولا قوة إلا بالله إن كان الغضب سيطر عليها حتى إنها فقدت عقلها وفكرها فلا تؤاخذ، وإن كان معها شعور فهذا ردة عن الإسلام نعوذ بالله، عليها التوبة والاستغفار والندم، وعليك بعد ذلك أن تتوب إلى الله إن كنت تسببت في غضبها وإغضابها، وعليك أن تبتعد عن كل ما يغضبها، وأن تخرج من البيت، ليس لك أن تتسبب في غضبها، كيف تتسبب في غضبها، مهما كان لا تتسبب في غضبها، ولو في أمور مكروهة، فالمقصود أنها إن كان غاب عنها شعورها ولا تعقل فمرفوع عنها القلم؛ لأنها لا عقل لها (رفع القلم عن ثلاث...) وإن كان معها شعورها فهذه ردة نسأل الله السلامة والعافية، فالواجب التوبة، عليها التوبة والندم على ما مضى والعزم الجازم على عدم العود، وأنت أيضا تأثم، عليك إثم عظيم إن كنت متسببا في غضبها فعليك التوبة والاستغفار والندم على ما مضى ولا تعد في إغضابها مرة أخرى. نعم.
س: أحسن الله إليكم السؤال الأخير يقول: ما هي أشهر كتب المعتزلة والأشاعرة في هذا الزمان حتى لا نقع فيها؟ .
ج: الأحسن ألا تقرأ الكتب هذه، كتب المعتزلة والأشاعرة كثيرة عبد الجبار المعتزلي له الأصول الخمسة، جوهرة التوحيد في مذهب الأشاعرة وغيرها كتب لا حصر لها ولا داعي لذكرها، إنما عليك بقراءة كتب أهل السنة والجماعة.
وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الجميع العلم النافع، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. نعم.
стр. 48
وقدر لهم أقدارا وضرب لهم آجالا
стр. 49
ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم
стр. 50
وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته
стр. 51
وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن
стр. 52
يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا
стр. 53
وهذه هي هداية ثابتة للرسل والأنبياء والمصلحين والدعاة كلهم يقدرون عليها قال الله -تعالى- للنبي ﷺ ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) ﴾ أي ترشد وتدل وتبلغ وتدعو، هذه هداية يقدر عليها الرسول ﵊ ويقدر عليها الدعاة والمصلحون يهدون الناس هداية الدلالة والإرشاد والبيان والتبليغ والدعوة هذه خاصة بالمكلفين من الإنس والجن وليست للحيوانات ولا الطيور، هذه هداية يعني بيان وإرشاد الناس إلى الأمر الذي خلقوا له بيان ما أوجب الله عليهم من توحيده وطاعته وترك معصيته.
الله -تعالى- لا يعذب أحدا حتى تقوم عليه الحجة حتى تقوم الحجة عليه وحتى يتبين له ما أوجب الله عليه، كما قال-تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ وقال -سبحانه-: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) ﴾ إذا بعث الرسول وأرشد الناس ودلهم على ما أوجب الله عليهم من التوحيد والطاعة واجتناب المعصية قامت الحجة عليهم. إذا قامت الحجة بعد ذلك استحقوا العذاب، إذا لم يعملوا، هذه هداية والبيان والدلالة والإرشاد، وهذه المرتبة ما أنكرها المعتزلة.
النوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام والتسديد وجعل الإنسان يقبل الحق ويرضاه ويختاره وخلق هداية القلب هذه خاصة بالله، لا يقدر عليها إلا الله، لا يقدر عليها أحد من الخلق لا الأنبياء ولا غيرهم وهذه هي المنفية عن النبي ﷺ نفاها الله بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فهو لا يهدي يعني لا يخلق الهداية في القلب ولا يوفق ولا يلهم ولا يجعله يقبل الحق ويختاره ويرضاه إلا الله، ولو كانت هداية الدلالة والإرشاد لكان النبي ﷺ أرشد من أحب ومن أبغض.
وقال سبحانه: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩) ﴾ فالله -تعالى- يهدي ويضل، فالهداية والإضلال، بيد الله والعبد هو الضال والمهتدي ولا بد في وقوع هذه الهداية من أمرين:
الأمر الأول: الهداية من الله، يعني يهديه الله.
والثاني: الاهتداء من العبد فإذا هداه الله واهتدى حصلت له الهداية بالتوفيق وكذلك الإضلال من الله، والعبد هو الضال إذا أضله الله فضل صار ضالا.
فالهداية والإضلال بيد الله وقد اتفقت رسل الله وكتبه المنزلة على أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وهذه المسألة مسألة الهداية والإضلال مسألة عظيمة؛ لأن أفضل ما يقدره الله على العبد وأجل ما يقسمه له هو الهداية وأعظم ما يبتلي الله به العبد وأعظم مصيبة تصيبه هو أن يقدر الله عليه الإضلال، وكل نعمة فهي دون نعمة الهداية، وكل مصيبة هي دون مصيبة الإضلال، فلذلك كانت الهداية والإضلال بيد الله .
هذه المرتبة أنكرها المعتزلة والقدرية أنكروها فأنكر عليهم أهل السنة وبدَّعُوهم وضللوهم، وهذا هو معنى قول المؤلف ﵀: "يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا ويضل من يشاء ويبتلي حكمة وعدلا ".
المعتزلة والقدرية قالوا: الهداية والإضلال بيد العبد وليس بيد الله الهداية والإضلال أنكروا هذه المرتبة. أنكر عليهم أهل السنة وقالوا: النصوص واضحة لأن الله بيده الهداية والإضلال قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ لو كانت الهداية بيد العبد لما قيدها بالمشيئة ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ولكن الله خص المؤمن بنعمة دينية دون الكافر، كما قال -سبحانه-: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) ﴾ وقال -سبحانه-: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ .
هذه النعمة اختص الله بها المؤمنين اختصهم بنعمة دينية جعلهم يقبلون الحق ويرضون به ويختارونه وألهمهم إياه وخلق الهداية في قلوبهم فصاروا مهتدين. وله الفضل والإحسان. والكافر أضله الله خذله وأضله الله وابتلاه - كل ذلك -عدلا منه حكمة بالغة .
стр. 54
فالهداية والإضلال بيد الله . فالمؤمن اختصه الله بهذه النعمة الدينية دون الكافر والكافر خذله الله. والمعتزلة والقدرية أنكروا هذه المرتبة، وقالوا: الهداية والإضلال بيد العبد، وتأولوا النصوص بقوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ قالوا معناه: يهدي أي يسميه مهتديا ويبين لهم طريق الصواب فسروها بهداية الدلالة والإرشاد. ويضل من يشاء قالوا: يسميه ضالا أو يحكم عليه بالإضلال بعد أن يخلق الضلال من نفسه، وهذا من أبطل الباطل.
القدرية يضربون مثلا في هذا، والله -تعالى- قال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ لكنهم يضربون مثلا يقولون: إن الله -تعالى- لم يهد أحدا ولم يضل أحدا، ولكن العبد هو الذي اختار الهداية بنفسه وخلق الهداية لنفسه، والكافر اختار الإضلال وخلق الإضلال لنفسه، واختار الإضلال لنفسه، والله -تعالى- لم يخص المؤمن بنعمة دينية ولم يخذل الكافر، وهذا مبني على شبهتهم السابقة.
وهو أن لو هدى هؤلاء وأضل هؤلاء لكان هذا جورا، والله عادل لا يجور، وسبق الجواب على هذه الشبهة، وأن الله له الحكمة البالغة فيما يقدره، وأن الله عاقبهم لما لم يستجيبوا للحق بعد ظهوره ووضوحه عاقبهم كما سبق في الآية ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ فلما بين لهم ما يتقون واتضح لهم الأمر فلم يقبلوه أضلهم الله عقوبة لهم، وقال -سبحانه-: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وقال -سبحانه-: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) ﴾ .
فقالوا: مِثْلُ الله في ذلك مِثْلُ رجل له ابنان أعطى كل واحد منهما سيفا، وقال لهما جاهدا به في سبيل الله فالأول أطاع والده وجاهد به في سبيل الله والثاني عصى والده وجعل يستعرض رقاب المسلمين ويقتل المسلمين. هذا اختار طريق الحق، وهذا اختار طريق الضلال من نفسه، هذا من نفسه وهذا من نفسه، والله -تعالى- ما خص الأول بهداية ولا خص الثاني بالإضلال. وهذا من أبطل الباطل فمرتبة الهداية هداية التوفيق والتسليم هذه خاصة بالله وهذه أنكرها المعتزلة والقدرية وهي خاصة بالله.
وأما الهداية الثانية -التي هي الدلالة والإرشاد- فهي حجة الله على خلقه، لا يعذب أحدا حتى يهديه هداية الدلالة والإرشاد كما سبق: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتينا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ .
والآيات والنصوص في بيانها كثيرة كقوله : ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَن اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) ﴾ .
والمرتبة الرابعة: الهداية إلى طريق الجنة والنار يوم القيامة، فالكفار يهديهم الله إلى النار، والمؤمنون يهديهم الله إلى الجنة، قال في الكفار: ﴿* احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) ﴾ الآية من سورة الصافات.
وقال سبحانه في المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) ﴾ فهذه هداية بعد قتلهم يهديهم إلى طريق الجنة، ويصلح بالهم في إلغاء خصومهم وقبول أعمالهم، فهذه مراتب الهداية.
المرتبة الأولى الهداية العامة والمرتبة الرابعة ليس فيهما إشكال، إنما البحث في المرتبة الثانية، مرتبة الهداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والتسديد، هذا محل النزاع والخلاف بينهم وبين أهل السنة.
أهل السنة يقسمون الهداية إلى قسمين: هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق وإلهام.
والقدرية والمعتزلة ليس عندهم إلا هداية واحدة: هداية الدلالة والإرشاد. وهداية التوفيق يردونها إلى هداية البيان والإرشاد، وهذا من أبطل الباطل، وهذا مبني على أصلهم الفاسد وهو قولهم بوجوب فعل الأصلح للعبد على الله قالوا: يجب على الله فعل الأصلح للعبد. وما دام يجب على الله فعل الأصلح للعبد قالوا: فلا يمكن أن يهدي الله أحدا ولا أن يضل أحدا.
وهذا أيضا مبني على أصلهم الآخر، وهو القول بأن أفعال العباد مخلوقة لهم، فالعباد هم الذين خلقوا الهداية والضلال، هم الذين يخلقون الطاعات والمعاصي، ولو خص الله أحدا بالهداية وخذل أحدا لكان ظالما، والله عدل لا يجور.
وكما سبق أن الله له حكمة بالغة -كما سبق- في بيان حكمة الله في تقدير الكفر والمعاصي وغيرها، وأن الذي ينسب إلى الله إنما هو الخلق، وهو مبني على الحكمة، والذي ينسب إلى العبد هو المباشرة والكسب.
стр. 55
ولهذا فإن الهداية والإضلال بيد الله، فالله تعالى يهدي ويضل، والعبد يباشر فيكون هو المهتدي وهو الضال، العبد هو المهتدي وهو الضال، والله يهدي ويضل ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩) ﴾ ولا بد فيها من أمرين: الهداية والإضلال، هذا من الله، والعبد من هواه، الاهتداء والضلال، المباشرة والكسب. نعم.
стр. 56
وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله
стр. 57
وهو متعال عن الأضداد والأنداد
стр. 58
لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره
стр. 59
آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلا من عنده
стр. 60
وإن محمدا عبده المصطفى ونبيه المجتبى
стр. 61
ولما كان الأنبياء أكثر الناس عبودية لله كانوا أفضل الناس وأقرب الناس إلى ربهم .
ونبينا محمد ﷺ أكمل الناس في عبوديته؛ ولهذا وصفه الله بالعبودية في المقامات الشريفة:
وصفه بالعبودية في مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ .
وصفه بالعبودية في مقام الدعوة إلى الله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) ﴾ .
وصفه بالعبودية في مقام الوحي: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) ﴾ .
وصفه بالعبودية في مقام التحدي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ .
فهذه أكمل المقامات، أشرف المقامات، وصف الله نبيه محمدا ﷺ بالعبودية، وهو أكمل الناس تحقيقا للعبودية ﵊، وهو أعبد الناس، وأتقى الناس، وأزهد الناس، وأخشع الناس، وأكرم الناس ﵊، وأكرم الناس، وأطوع الناس لربه .
والنبوة في ثبوتها كلام للناس، كثير من أهل الكلام والنظر، كثير من أهل الكلام ومن أهل النظر يثبتون النبوة بالمعجزات، فيرون أن المعجزات هي الدليل على النبوة.
والمعجزات لا شك أنها من دلائل النبوة، لكن ليست دلائل النبوة محصورة في المعجزات، بل دلائل النبوة كثيرة، دلائل تدل على نبوة النبي كثيرة، منها المعجزات، وخوارق العادات التي يجريها الله على يد النبي، مثل الإسراء والمعراج.
وكذلك من أعظم المعجزات أيضا القرآن الكريم من دلائل نبوته ﵊، ومنها نبع الماء بين أصابعه ﵊، وتكثير الطعام، إخباره عن المغيبات، ما يخبره الله من دلائل نبوته.
هذه من دلائل النبوة -المعجزات-، ولكن هناك أيضا دلائل كثيرة، حتى ألف العلماء مؤلفات كدلائل النبوة للبيهقي وغيره.
والناس يعرفون الصادق من الكاذب في أمورهم وأمور دنياهم، والنبوة يدعيها أصدق الناس، ويدعيها أكذب الناس، والناس يفرقون بين الصادق وبين الكاذب.
يعرفون الصادق من الكاذب في أخباره وأقواله وأفعاله، فلا بد أن يقول للناس كلاما، ولا بد أن يخبرهم بأخبار، ولا بد أن يفعل أشياء، فيعرف الناس الصادق من الكاذب.
بل إن الناس يعرفون الصادق من الكاذب في غير دعوى النبوة، فأنت تعرف الصادق من الكاذب في بيعه وشرائه، تعرف المهندس الصادق، تعرف الطبيب الصادق الناصح؛ ولهذا تجد بعض الناس يشترى من فلان لأنه صادق، ولا يشتري من فلان لأنه كاذب.
فإذا كان هذا في أمور الناس، يعرفون الصادق من الكاذب، فكيف لا يُعرف الصادق من الكاذب في دعوى النبوة؟!
فالنبي يعرف الناس صدقه فيما يخبر به من الأخبار، وبما يفعله من أمور كلها مشتملة على علوم وأحوال يتبين بها صدقه، فصدق النبي ووفائه ومطابقة أقواله لأفعاله دليل على نبوته.
ومن أمثلة ذلك: استدلال خديجة، استدلال خديجة بنت خويلد ﵂ زوج النبي ﷺ بما جبل الله نبيه على الصفات الحميدة على أنه الصادق، وبما جبله الله عليه من الأخلاق: الصدق والوفاء والشيم، بأن الله لا يخزيه؛ لأنه صادق.
لما جاءه جبريل في أول البعثة في صورته التي خلق عليها، وقد ملأ ما بين السماء والأرض، رعب النبي ﷺ رعبا شديدا، وجاء إلى زوجه خديجة، وقال: خفت أن يختلج عقلي.
وهدَّأت من روعه وقالت: (كلا والله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق) فاستدلت بهذه الصفات العظيمة، وأن من جبله على هذه الصفات العظيمة لا يخزيه الله أبدا.
والنبي ﷺ يعلم أنه صادق، ولكن يخشى أن يكون عرض له عارض سوء، فبينت له خديجة أنه لا يمكن أن يعرض له عارض سوء؛ لأن الله لما جبله على هذه الصفات الحميدة فلا يخزيه ، هذا من الأدلة التي يستدل بها على نبوة النبي، ادعى النبوة، وصدقته خديجة في الحال، استدلت على صدقه بهذه الأعمال.
ومن ذلك أيضا: تصديق ورقة بن نوفل ابن عم خديجة، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب من الإنجيل بالعربية، فجاءت خديجة بالنبي ﷺ إلى ابن عمها، وقالت: اسمع من ابن أخيك.
فأخبره النبي ﷺ خبره، فآمن به وصدقه في الحال، واعترف بنبوته، وقال: (هذا الناموس الذي كان يأتي موسى) الناموس هو صاحب السر، أو صاحب السر في الخير، وهو جبريل، هذا جبريل الذي ينزل على موسى، وآمن في الحال، وتمنى أن يكون جذعا، كان شيخا كبيرا قد عمي وطعن في السن، فتمنى أن يكون جذعا حين يخرجه قومه.
قال: (ليتني كنت جذعا حين يخرجك قومك. فقال النبي ﷺ أوَمُخرجيّ هم؟! قال: نعم، لم يأت أحد بمثل ما أتيت به إلا عودي) .
стр. 62
فآمن ﵁ فهو ممن آمن، جاء في حديث أن النبي ﷺ شهد له بالجنة، المقصود أن ورقة استدل بذلك على صدق النبي ﷺ .
وكذلك أيضا هرقل ملك الروم لما كتب له النبي ﷺ له الكتاب يدعوه إلى الإسلام كتب له:
(من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم أما بعد.. أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن أبيت فإن عليك إثم الأريسيين و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) ﴾ ) .
قال في أول الكتاب: (السلام على من اتبع الهدى) فاهتم هرقل بهذا الكتاب اهتماما عظيما، وسأل في بلده: هل يوجد أحد من العرب؟ -وكان أبو سفيان في ذلك الوقت في الشام في تجارة ومعه أصحابه- فقيل: نعم هاهنا. فقال: علي به.
فجيء بأبي سفيان ومعه قومه، ووضع أبا سفيان أمامه، ووضع أصحابه خلفه، وقال لترجمانه -ترجمة-: قل لهم: أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل؟ فقالوا: أبو سفيان.
تقدم أبو سفيان وجعلهم خلفه، وقال لترجمانه: نسائل هذا الرجل مسائل فإن كذبني فكذبوه، ولهذا تحاشى أبو سفيان الكذب وهو في كفره وقال: لولا أن يؤثر علي الكذب لكذبت.
فسأله أسئلة استدل بها على صدق النبي ﷺ واعترف بنبوته، قال له: كيف هذا الرجل؟ (كيف نسب هذا الرجل؟ قال: هو ذو حسب فينا) .
ثم أجاب لما سأله عشرة أسئلة أو أكثر، أكثر من عشرة أسئلة، أجاب على كل سؤال قال: (وكذلك الأنبياء تبعث في أحسابهم) .
وسأله قال: (هل في آبائه من ملك؟ قالوا: لا. فقال: لو كان في آبائه من ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه) .
وسأله (هل أتباعه ضعفاء الناس أو أشرافهم؟ فقالوا: ضعفاؤهم. فقال: وكذلك أتباع الرسل في أول الأمر) .
وسأله (أتباعه هل يزيدون أو ينقصون؟ فقال: يزيدون. فقال: وكذلك أتباع الرسل) .
وسأله فقال: (هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قالوا: لا. قال: وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب) .
وسأله (كيف الحرب بينكم وبينه؟ قالوا: سجال ندال عليه ويدالون علينا) يعني مرة ننتصر عليه، ومرة ينتصر علينا فقال: (كذلك الرسل تبتلى في أول أمرها ثم تكون لها العاقبة) .
وسأله (ماذا يأمركم؟ قال: يأمرنا بعبادة الله، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصلة والعفاف والصدق. قال: وكذلك الرسل) .
ثم قال لهم: (إن هذا هو النبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، لكن ما أظن أنه فيكم، ولو أستطيع أن أصل إليه لغسلت عن قدميه) لولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه وغسلت عن قدميه، (وإن كنت صادقا فسيملك موضع قدميَّ هاتين) .
ثم أُخرج أبو سفيان وقومه، فقال لهم أبو سفيان حين خرج: (لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني الأصفر) "أَمِرَ" يعني عظم، لقد أَمِرَ يعني عظم شأنه، "ابن أبي كبشة" نسبة إلى أحد أجداده الغامضين من جهة الرضاع، وكانت العرب إذا كانت تكره الإنسان تنسبه إلى جد غامض.
قال أبو سفيان: (فما زلت موقنا أن الإسلام سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام وأنا كاره) .
فهذا هرقل استدل على نبوة النبي ﷺ بهذه الأدلة من غير خوارق العادات، من غير المعجزات.
وكذلك النجاشي ﵀ ورضي عنه- لما جاءه الصحابة وهاجروا إليه سألهم، واستخبرهم خبر النبي ﷺ واستقرأهم القرآن فقرءوا عليه، فقال لهم: (إن هذا والذي آتى به موسى من مشكاة واحدة) .
وبهذا يتبين أن الأدلة على نبوة الأنبياء كثيرة، ليست خاصة بالمعجزات وخوارق العادات كما يزعمه بعض أهل الكلام والنظر من الأشاعرة وغيرهم، بل الأدلة -دلائل النبوة- كثيرة، منها المعجزات، ومنها خوارق العادات، ومنها معرفة حال الشخص وأخباره، يُعرف صدقه من أخباره، ومن أقواله، ومن أعماله، ومن وفائه وصدقه، ومن مطابقة أقواله لأعماله، كما سبق في هذه الأمثلة.
ولكن أهل الكلام في هذا يخصون دلائل النبوة بالمعجزات، حتى إن المعتزلة أنكروا خوارق العادات التي تجري على أيدي المؤمنين، وخوارق العادات التي تجري على أيدي السحرة، قالوا: حتى لا يلتبس النبي بغيره.
قالوا: خوارق العادات لا تجري إلا على أيدي نبي. أما خوارق السحرة أنكروها، مع أنها واقعة، وأنكروا الخوارق، كرامات الأولياء، قالوا: لو أثبتنا كرامات الأولياء وخوارق السحرة لالتبس النبي بغيره، ففرارا من ذلك أنكروا خوارق العادات، وقالوا: لا خوارق للعادة إلا على يد نبي.
وهذا من أبطل الباطل، وهذا من جهلهم، ظنوا أنه ليس هناك دليل على نبوة النبي إلا خوارق العادات والمعجزات، ودلائل النبوة كثيرة.
والأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- على مراتب ودرجات، فالرسل أفضل من الأنبياء، وهل هناك فرق بين النبي والرسول؟
стр. 63
نعم، هناك فرق بين النبي والرسول، من العلماء من قال: إن الفرق بين النبي والرسول أن كلا من النبي والرسول يوحى إليه، لكن الرسول يوحى إليه بشرع ويؤمر بتبليغه، والنبي يوحى إليه ولا يؤمر بتبليغه، فإذا أوحي إليه وأمر بتبليغه كان رسولا، وإن لم يأمر بتبليغه كان نبيا.
ولكن هذا قول مرجوح، والصواب أن الفرق بين النبي والرسول: أن الرسول هو الذي يرسل إلى أمة كافرة فيؤمن به بعضهم ويكفر به بعضهم، نوح ﵊ أرسل إلى الكفار، آمن به بعضهم وكفر به بعضهم، هود رسول، صالح رسول.
والذين أرسلوا بشرائع يرسلون إلى أمم كافرة، وينزل عليهم شرائع، أوامر ونواهٍ، يؤمن به بعضهم، ويكفر به بعضهم، مثل نوح، وهود، وصالح، وشعيب، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونبينا محمد ﷺ .
أما النبي فهو الذي يرسل إلى قوم مؤمنين -ما يرسل إلى الكفار- يرسل إلى قوم مؤمنين، ويكلف بالعمل بشريعة سابقة، فمثلا آدم ﵊ نبي، لكنه نبي إلى بنيه، ولم يقع الشرك في زمانه، وشيث نبي.
ولهذا كان نوح أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد وقوع الشرك، فنوح أول رسول بعثه الله بعد وقوع الشرك، ولأنه أرسل إلى بنيه وإلى غير بنيه، أما آدم قبله، وكذلك أيضا شيث قبله، لكن ما وقع الشرك، وقعت المعاصي كما قتل قابيل أخاه هابيل.
ولهذا قال الله سبحانه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾ ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ .
قال ابن عباس ﵄: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، ثم وقع الشرك، هذا معنى قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ .
وبالمثل داود وسليمان أنبياء؛ لأنهم كلفوا بالعمل بالتوراة جميعا إلى بني إسرائيل الذين جاءوا بعد موسى، داود وسليمان وزكريا ويحيى كلهم كلفوا بالعمل بالتوراة حتى جاء عيسى، هؤلاء هم الأنبياء، فالأنبياء على هذا.
فالصواب الذي أقره وحكمه أهل العلم: أن الرسول هو الذي يبعث إلى أمة من أهل الشرائع الكبيرة، الذين يرسلون إلى أمم، إلى أمة كافرة، يؤمن به بعضهم ويكفر بعضهم.
والأنبياء هم الذين يوحى إليهم، ويرسلون إلى المؤمنين خاصة، ويكلفون بالعمل بشريعة سابقة.
وإلى هنا نكتفي، وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصادق، وصلى الله على محمد وآله وأصحابه وسلم.
سبق بالأمس الكلام على الفروق بين النبي وبين الرسول، وقلنا: إن الصواب أن الفرق بين النبي والرسول أن الرسول هو الذي يأتي بشريعة مستقلة، وأنه يرسل إلى قوم يؤمن به بعضهم ويكفر به بعضهم، كنوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد -عليهم الصلاة والسلام-.
أما النبي فهو الذي يكلف بالعمل بشريعة سابقة، أو يرسل إلى مؤمنين، فأنبياء بني إسرائيل الذين جاءوا بعد موسى ﵊ كلهم كلفوا بالعمل بالتوراة، ويسمون أنبياء، داود وسليمان وزكريا ويحيى إلى آخره حتى جاء عيسى، وعيسى ﵇ جاء بشريعة مستقلة، وهو تابع أيضا لما جاء في التوراة، ولكنه خفف بعض الأحكام وقال: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ .
وجاء سؤال بالأمس في قصة يونس ﵊، وأنه أُرسل إلى أمة، وأنهم آمنوا، كان السؤال هل ينطبق هذا على يونس؟ نقول: نعم، ينطبق هذا على يونس؛ لأن يونس جاء بشريعة مستقلة.
وثانيا: أن يونس في الأول ردوا عليه دعوته، ردوا عليه دعوته فغاضبهم نبيهم يونس، وتركهم وذهب، وركب البحر وهو مغاضب ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) ﴾ فلما ذهب ندم قومه، وتمنوا رجوعه، لما رأوا أسباب العذاب تمنوا رجوعه، ثم أرسله الله إليهم مرة أخرى فآمنوا كما قال ﷺ (أرسله الله إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا) .
فهم في الأول صدوا، ما آمنوا أولا أنه جاء بشريعة مستقلة، ثانيا: أنهم أولا ردوا عليه دعوته، ثم آمنوا بعد ذلك، وثالثا: أن الله استثنى عليهم -هذه الأمة- لأن الله إذا جاءت أسباب العذاب وانعقدت أسباب العذاب فلا يفيد الإيمان بعد ذلك، كما قال الله : ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥) ﴾ .
стр. 64
إذا جاءت أسباب العذاب ونزل العذاب لا ينفع الإيمان، وكما حصل لفرعون فإن فرعون الذي ادعى الربوبية وقال ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) ﴾ لما نزل به العذاب آمن، لكن ما نفع، قال الله تعالى: ﴿* وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) ﴾ .
فرعون الذي يقول للناس: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) ﴾ قال: آمنت وأنا من المسلمين. لكن هل نفع؟ ما نفع قال الله: ﴿آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) ﴾ لماذا؟ ما نفع لأن العذاب إذا نزل ما ينفع، إذا نزل العذاب وانعقدت أسباب العذاب ما ينفع الإيمان، كما في الآية الكريمة: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥) ﴾ .
قوم يونس استثناهم الله، مستثنون، استثناهم الله، انعقدت أسباب العذاب وآمنوا، فصح منهم الإيمان، كما قال الله : ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ إذن قوم يونس مستثنون ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨) ﴾ .
وبهذا يتبين أن أمة يونس ليست خارجة عن القاعدة، أرسلت بشريعة مستقلة، وردوا عليه دعوته في أول الأمر، ثم بعد ذلك آمنوا لما انعقدت أسباب العذاب، واستثناهم الله.
المسألة الرابعة: هناك أيضا من دلائل النبوة -دلائل النبوة كما سبق كثيرة- من دلائل النبوة: ما أبقاه الله تعالى من الآثار، من آثار الأمم، فإن الله تعالى أبقى آثار الأمم المهلَكة، فإن الله تعالى ينصر المؤمنين، ويؤيدهم على القوم الكافرين.
والكفار يهلكهم ويعاقبهم، وبقيت آثارهم متواترة، يعرفها الناس جميعا، متواترة كتواتر الطوفان الذي أغرق الله به قوم نوح، وغرق فرعون، وكذلك أيضا آثار الأمم المهلَكة كآثار قوم لوط، وقوم هود، وقوم صالح.
ولهذا في سورة الشعراء يقول الله تعالى بعد كل قصة، لما ذكر قصة موسى، ثم قصة إبراهيم، ثم قصة نوح، ثم قصة هود، ثم قصة صالح، ثم قصة لوط، ثم قصة شعيب قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) ﴾ .
ومن دلائل النبوة: ما اشتملت عليه الشرائع التي جاء بها الأنبياء من العلوم والأعمال والأحوال العظيمة، وما اشتملت عليه من الرحمة للخلق، ودعوتهم إلى ما فيه خلاصهم ونجاتهم، ودعوتهم إلى ترك ما فيه هلاكهم، هي مشتملة على علوم وأحوال وصفات إذا تخلق بها الناس وعملوا بها حصلت لهم السعادة، وتحذر مشتملة على التحذير من أسباب الهلاك، ومن الأخلاق السيئة، والأخلاق الرذيلة، فهذه من دلائل النبوة. نعم.
стр. 65
الأسئلة:
س: أحسن الله إليكم، فضيلة الشيخ هل يلزم من كون الرسول أن يكفر به بعض أمته لأن يونس ﵊؟
- هل يلزم إيش؟
-هل يلزم من كون الرسول أو تعريفه أن يكفر به البعض، ويونس ﵇ أرسله الله إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا؟ .
ج: لكن في الأول ردوا دعوته، هذا هو المعروف الآن، لكن يصدق عليهم أنهم ردوا دعوته أول الأمر ثم آمنوا، نعم، هذا هو المعروف عند أهل العلم.
وتجد الأنبياء كلهم هكذا، موسى، وعيسى، ونبينا محمد ﷺ وإبراهيم، وهود، وصالح، وشعيب كلهم كفر بهم كثير وآمن بهم قليل.
فنبينا محمد ﷺ أكثر الناس تابعا كما قال ﷺ (إني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعا) لكن هناك من لم يؤمن من أمته؛ لأن الرسول رسول إلى الثقلين -الجن والإنس- إلى قيام الساعة، وهذه الأمة -أمة الرسول ﵊ فيها أمة الإجابة وأمة الدعوة، أمة الدعوة الكفار.. نعم.
س: أحسن الله إليكم. سائل يقول: يستدل بعض أهل السنة على منع تسلسل الحوادث في الماضي لما صح عنه ﵊ أنه قال: (أول ما خلق الله القلم) فهل يدل على أن في المخلوقات أولا؟ .
ج: أولا: مسألة التسلسل هذه من المسائل المجملة التي لم تأت في الكتاب والسنة، والمراد دوام الحوادث، المراد الدوام والاستمرار، وهذا الحديث: (أول ما خلق الله القلم قال له اكتب) قال بعضهم: إنه أول المخلوقات.
والصواب أن العرش سابق له، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
والناس مختلفون في القلم الذي *** كتب القضاء به من الديان
هل كان قبل العرش أو هو بعده *** قولان عند أبي العلا الهمذاني
والحق أن العرش قبل لأنه *** قبل الكتابة كان ذا أركان
فالصواب أن العرش مخلوق قبل القلم، أما قوله: (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب) فالأولية مقيدة بالكتابة، والمعنى أنه قال له: اكتب عند أول خلقه (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب) والمعنى: قال له: اكتب أول ما خلقه، الأولية مقيدة بالكتابة.. نعم. أحسن الله إليكم.
س: يقول السائل: في آخر كتاب "العقل والنقل" ذكر شيخ الإسلام ﵀ الخلاف في علم الله: هل يتجدد أو لا؟ ورجح ﵀ أنه يتجدد. فما المراد بتجدد علم الله سبحانه؟ .
ج: ما أعرف، هذا يحتاج إلى تأمل والنظر في العبارة وما قبلها وما بعدها. نعم.
س: أحسن الله إليكم يقول السائل: ما حكم قول "شاء القدر"، "وتدخلت عناية السماء" خاصة أن مثل هذه الألفاظ تكثر عند بعض الكتاب والمثقفين المعاصرين؟ .
ج - نعم، الأولى تركه، الأولى أن يقول: "شاء الله" ولا يقول: "شاءت الأقدار"، الأولى تركه، والأولى أن يعبر بالتعبيرات التي وردت في النصوص التي جاء فيها: "اقتضت حكمة الله"، "واقتضت حكمة الله"، "وعناية الله"، جاء التعبير بها عند بعض السلف، ابن القيم ذكر هذا.
أما قول: "شاءت الأقدار" هذا ما ورد، الأولى أن يلتزم الإنسان بألفاظ النصوص، ولا يأت بشيء من عند نفسه. نعم.
س: أحسن الله إليكم. يقول السائل: ما الفرق بين القضاء والقدر، وما المراد بالحديث: (لا يرد القضاء إلا الدعاء) ؟ .
ج: هناك فروق بينهما ذكرها العلماء، وذكروا أنه قد يجتمعان وقد يفترقان، فالقضاء يطلق على أمور، ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ قُضي الأمر: فُرغ منه، له معان عدة، ولكن قد يجتمعان ويراد بالقضاء القدر، وقد يفترقان، قد ذكر هذا الطحاوي ابن عامر في القضاء، يرجع إليه.
أما الحديث: (لا يرد القدر إلا الدعاء) معناه: أن الله تعالى يقدر، الدعاء مقدر، فالله تعالى يجعل المقدور له سبب، وسببه الدعاء.
وكما جاء في الحديث أن (القدر والدعاء والبلاء يعتلجان بين السماء والأرض فأيهما غلب) فالمعنى أن الله تعالى قد يستجيب لدعاء الشخص، ويجعل الله الدعاء سببا في حصول المقدور، ويكون هذا مقدر في الأزل، مثل صلة الرحم، ثم قدر أن يعافي الله هذا العبد من مرضه بدعائه، فالله قدر الدعاء وقدر العافية، وجعل الدعاء سببا في العافية، فيكون القدر سببا، وهو من القدر، هو من القدر الذي قدره الله. أي نعم.
س: يقول السائل: هل يجوز لعن الكافر بعينه، وهل يفرق بين الحي والميت؟ .
ج: لا ينبغي لعن الكافر الحي بعينه، بل يدعى له بالهداية، إلا من اشتد أذاه، أذية المسلمين، فلا بأس إذا اشتد أذاه كما آذى المسلمين فلا بأس.
أما الميت فلا يلعن، قال النبي: (لا تسبوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدموا) إلا إذا ترتب على ذلك مصلحة للأحياء، كأن يحذر الإنسان من كفر هذا الكافر أو من بدعته، حتى لا يضر الناس، فلا بأس، هذا مستثنى، وأما بدون مصلحة فلا يسب الميت (لا تسبوا الأموات) يقول النبي: (لا تسبوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدموا) .
стр. 66
وأما لعن الفاسق والكافر: فالفاسق لا يلعن بعينه، ولهذا لما جيء للنبي ﷺ برجل شرب الخمر لعنه بعض الصحابة فقالوا: لعنه الله -أو أخزاه- ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ (لا تلعنوه فإنه يحب الله ورسوله) .
والمشروع أن يلعن العصاة على العموم، يقول: لعن الله من شرب الخمر، لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده، لعن الله الخمر، لعن الله شارب الخمر، لعن الله آكل الربا، أما فلان بن فلان آكل الربا لا تلعنه، فلان بن فلان السارق لا تلعنه، ادع له بالهداية.
وكذلك الكافر بعينه لا تلعنه؛ لأنه قد يهديه الله، فادع له بالهداية، ويستثنى من هذا ما إذا اشتد أذاه، فلا بأس بلعنه إذا اشتد أذاه على المسلمين، فلا بأس كما دعا النبي ﷺ على بعض الكفار، فلما قيل للنبي ﷺ إن دوسا عصت فادع الله عليهم، قيل: هلكت دوس. قال النبي ﷺ (اللهم اهد دوسا وأت بهم) فهداهم الله للإسلام.
س: أحسن الله إليكم. يقول السائل: هل أسلم النجاشي، وهل يعد صحابيا؟ .
ج: نعم، أسلم النجاشي، أسلم لا شك في هذا، فالنبي ﷺ نعى النجاشي لما مات كما ذكر البخاري: أن النبي ﷺ نعى النجاشي حين مات، وصلى عليه، ذهب بالصحابة إلى الصحراء وصلى عليه وكبر عليه أربعا وقال: (مات أخوكم) نعاه الرسول ﷺ .
صحابي لا، هو ما رأى النبي ﷺ من شرط الصحابي أن يرى النبي ﷺ وهو ما رأى النبي ﷺ . نعم.
س: أحسن الله إليكم. السؤال الأخير يقول: إن من يرى واقع الكفار في هذا العصر يرى أنهم لا يسمعون عن الإسلام إلا كل أمر قبيح، ولم يتيسر لهم أن يعيشوا في مجتمعات مسلمة، وقد يقع في القلب شيء من أن ذلك ينافي عدل الله وحكمته، فهل هؤلاء الكفار الذين لم تبلغهم الدعوة بشكلها الصحيح.
-أعد السؤال..
إن من يرى واقع الكفار في هذا العصر يرى أنهم لا يسمعون عن الإسلام إلا كل أمر قبيح، ولم يتيسر لهم أن يعيشوا في مجتمعات مسلمة، وقد يقع في القلب شيء من أن ذلك ينافي عدل الله، فهل هؤلاء الكفار الذين لم تبلغهم الدعوة بشكلها الصحيح معذورون أو لا، وما رأي فضيلتكم فيمن زعم بأن هذا ظلم من الله لهم، وهل يبلغ حد الكفر بقوله هذا؟ .
ج: القول بأنه ما بلغتهم، هذا بعيد؛ لأن وسائل الإبلاغ ووسائل الإعلام كثيرة الآن، فالظاهر أن الدعوة بلغتهم، ولكن لو قدر أن هناك أحدا لم تبلغه الدعوة فهو في حكمه حكم الفترات، حكم أهل الفترات، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) ﴾ .
وأهل الفترات الذين لم تبلغهم الدعوة فيهم أقوال لأهل العلم، ذكر الحافظ ﵀ في الفتح أقوالا، وذكر أيضا العلامة ابن القيم في أواخر "طريق الهجرتين" أرجحها: أنهم يمتحنون يوم القيامة، وأنهم يجرى لهم امتحان، وأنهم يخرج لهم عنق من النار ويردونها، فمن وردها كانت عليه بردا وسلاما، ومن عصى تبين فيه علم الله.
وجاء هذا في أحاديث كثيرة لا تخلو من ضعف سرية وغيره، وأنه يؤتى بأهل الفترة وبالأصم وبالشيخ الهرم وبالمجنون، وأنهم يمتحنون، ولكن الأحاديث يشد بعضها بعضا فتكون من باب الحسن لغيره كما رجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، هذا أصح ما قيل فيه، فيكون حكمه حكم أهل الفترات.
وأما مسألة كونهم لم يتبين عدل الله فيهم: نعم الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) ﴾ فمن لم تبلغه الدعوة فإنه لا يعذب حتى تقوم عليه الحجة، وأهل الفترات يمتحنون.
أما قوله: لم يتبين فيهم عدل الله، وأن هذا يصل لدرجة الكفر. نقول: لا، الجواب هو أن من لم تبلغه الدعوة لا يعذب حتى تقوم عليه الحجة، أمره إلى الله، والله تعالى عادل، وقد قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) ﴾ من لم تبلغه الدعوة ولم يبلغه الرسول ولم يبلغه القرآن لا يعذب، وهو معذور، وله امتحان آخر.. نعم.
أحسن الله إليكم، ومتع بكم على طاعته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه وأتباعه.
وفق الله الجميع على طاعته.
стр. 67
وإنه خاتم الأنبياء
стр. 68
وإمام الأتقياء
стр. 69
وسيد المرسلين
стр. 70
هذا باطل، الله تعالى في العلو فوق العرش، ومحمد ﵊ في العلو، عرج به إلى العلو، إلى الله في العلو، ويونس في قعر البحار، فأين هذا من هذا؟ كيف يقال: إن قربهما واحد؟
وليس فيه نهي تفضيل محمد ﵊ على يونس، وكيف يقال: إنه لا يفضل عليه ومحمد ﵊ عرج الله به، عُرج به إلى السماء، فهو مقرب معظّم مبجل، ويونس ممتحن مؤدب مسجون في قعر البحار، فأين المعظم المقرب المبجل من الممتحن المؤدب؟
ولكن الحديث، صواب الحديث: (لا يقول أحدكم إني خير من يونس بن متى) وفي لفظ: (من قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب) وذلك لأنه لا ينبغي للإنسان أن يفضل نفسه على يونس، حتى لو كان فاضلا، فكيف إذا كان مفضولا؟ فكيف على نبي كريم يفضل نفسه عليه؟
وهذا لا يقوله نبي، ومن قال إنه خير من يونس بن متى حتى ولو كان فاضل التقدير لكان قوله هذا يحط من مرتبته، ويكون ناقصا، وتكون مرتبته نازلة، فلا يكون أفضل منه، هذا لو قاله أحد، من قال ذلك فهو كاذب.
وهو من باب التقدير، وإن كان لا يقوله نبي كريم، يعني من قال هذا، لو قال هذا أحد فهو كاذب، وهذا من باب الشرط المقدر كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ والنبي ﷺ معصوم من الشرك، ولكن الوعد والوعيد لبيان مقادير الأعمال.
وسبب ذلك أن يونس ﵊ لما ذهب مغاضبا والتقمه الحوت وهو مليم فسبح وقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) ﴾ يظن بعض الناس أنه لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه يونس، وأنه لا يحتاج إلى الندم؛ لأنه لم يذنب كما أذنب يونس.
وكذلك نبينا ﷺ نهاه الله عن التشبه بيونس قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ وأمره بالتشبه بأولي العزم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ .
فقد يظن بعض الناس أنه خير من يونس بن متى، وأنه لا يحتاج إلى هذا المقام، إلى مقام الاستغفار والتسبيح، وهذا باطل؛ لأن كل أحد يحتاج إلى أن يستغفر من ذنبه، وكل أحد ظالم لنفسه.
وقد أخبر الله عن الأنبياء كلهم، أولهم آدم، وآخرهم نبينا محمد ﷺ أخبر الله عن آدم أنه قال عن الأبوين: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) ﴾ موسى أخبر الله عنه ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ .
محمد ﵊ وهو أشرف الخلق كما في حديث الاستفتاح: (وجهت وجهي) وقال: (اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) .
فكل أحد يحتاج إلى ما احتاج إليه يونس فمن وقع في نفسه أنه خير من يونس بن متى فهو كاذب. نعم.
стр. 71
وحبيب رب العالمين
стр. 72
أما المحبة فيتسع قلبه لكثير يحب عائشة ويحب أبا بكر، وأسامة حِبُّه، وزيد أبوه، أسامة حِبُّه وابن حِبِّه فيتسع القلب لأكثر من واحد هذا بالنسبة للمخلوق للنبي ﷺ أما الله أما الخلة بالنسبة لله فهي صفة لجلال وعظمة الله. والله -تعالى- يوصف من هذه المراتب بالإرادة والمحبة والمودة والخلة هذه الأربع يوصف بها الله أما بقية المراتب فلا، فلم يرد، والخلة هي نهايتها وكمالها وهى أنه تتخلل القلب وتصل إلى سويدائه ويمتلئ بها القلب، ولا يتسع لأكثر من واحد فالخلة لإبراهيم ومحمد ﷺ هذا بالنسبة للنبي ﷺ امتلأ قلبه بخلة الله، أما الله فاتصافه بالخلة كسائر صفاته يليق بجلاله وعظمته لا تشبه صفاته صفات المخلوقين. نعم.
стр. 73
وكل دعوى النبوة بعده فَغَيٌّ وهوى
стр. 74
وهو المبعوث إلى عامة الجن
стр. 75
وقال سبحانه: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ جميعا عموما، وقال ﷺ في حديث صحيح: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار) هذه الأدلة تدل على عموم الرسالة.
وأما قول بعض النصارى: إن النبوة خاصة بالعرب فيقال لهم: إذا أثبتم أنه رسول إلى العرب أثبتم أنه يلزمكم أن تثبتوا أنه رسول الله إلى الناس عامة ما دام أثبتم أنه رسول، فالرسول لا يكذب، وقد أخبر أنه رسول الله إلى الناس كافة فيلزمكم تصديقه وإلا فاكفروا ما دمتم أثبتوا أنه رسول، ولو إلى العرب فنقول الرسول هل يكذب الرسول؟ نقول: لا يكذب، نقول: إن الرسول أخبر أنه رسول الله إلى الناس كافة وما دام أثبت أنه رسول للناس كافة كما في الحديث: (وأرسلت إلى الخلق كافة) (فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون) .
وكذلك الآيات، فيلزمكم أن تؤمنوا بالقرآن، فإذا لم تؤمنوا بالقرآن... ففي القرآن النصوص واضحة في عموم الرسالة، فإذا لم تؤمنوا بالقرآن ولم تصدقوه كفرتم وإن صدقتموه في أنه رسول فصدقوا في إخباره بأنه رسول الله إلى الناس كافة. إي نعم.