← Акыда

Акыда · id 1094

شرح العقيدة الطحاوية - عبد العزيز الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (416 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن العلم الذي سندرسه معكم -إن شاء الله- هو في العقائد، وشرح متن العقيدة الطحاوية في كل ليلة -إن شاء الله- من ليالي هذه الدورة المباركة، وستكون المدة (مدة الدرس) في الغالب ساعة قد تزيد أحيانا وقد تنقص أحيانا، في الغالب ستنتهي في الساعة العاشرة -إن شاء الله-. لكن قد تزيد المدة أحيانا؛ نظرا لكون البحث يحتاج إلى استكمال، وقد تنقص، ثم تكون بعدها الأسئلة -إن شاء الله- وقد مضى على وفاة سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمة الله عليه- نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجمعنا به في دار كرامته، قد مضى على وفاته شهر نسأل الله أن يغفر له، وأن يتغمده برحمته، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. وأسأل الله وسوف يكون الشرح شرح العقيدة الطحاوية -إن شاء الله- سوف يكون شرحا متوسطا، أسأل الله أن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم، وأن يجعل هذا العمل نافعا لعباد الله، وأسأله أن ينفع به الغائب والحاضر، وأن يجعله من العمل الذي لا ينقطع إنه جواد كريم. هذا العلم الذي ندرسه وهو علم العقائد ودراسة العقيدة الطحاوية يتعلق بعلم الأصول هو علم الأصول، وعلم الأصول بالنسبة (علم أصول الدين) بالنسبة إلى غيره هو أشرف العلوم، فهو أشرف العلوم، علم أصول الدين أشرف العلوم؛ لأن شرف العلم بشرف المعلوم، والمعلوم هو الله ، والعلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فالعلم يشرف بشرف المعلوم، والمعلوم هو الله سبحانه، العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله. فتبين بهذا أن علم أصول الدين أشرف العلوم؛ لأن شرف العلم إنما يكون بشرف المعلوم، والمعلوم هو الله ، فعلم أصول الدين يتعلق بالعلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا هو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروض؛ ولهذا لما كتب الإمام أبو حنيفة النعمان ﵀ أوراقا جمعها في أصول الدين سماها الفقه الأكبر، وأما فقه فروع الدين فهو الفقه الأصغر، فيكون العلم علمين: علم أصول الدين وهذا هو الفقه الأكبر، وعلم فروع الدين وهذا هو الفقه الأصغر. علم أصول الدين هو علم العقائد، العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله هذا العلم الأكبر، وهذا هو الفقه الأكبر، والثاني فقه الفروض، وهو العلم بالأوامر والنواهي والحلال والحرام. فيكون العلم علمين: علم أصول الدين وهذا هو الفقه الأكبر، وعلم فروع الدين وهذا هو الفقه الأصغر، وإن كان لشيخ الإسلام -رحمة الله عليه- ابن تيمية، شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- له كلام فيه تقسيمه إلى أصول وفروع. وعلم أصول الدين وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته الحاجة إليه فوق كل حاجة، حاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة، وحاجتهم إليه أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب، بل أشد من حاجتهم إلى النفس الذي يتردد بين جنبي الإنسان؛ لأن الإنسان إذا فقد الطعام والشراب وفقد النفس مات الجسد، والموت لا بد منه، ولا يضر موت الجسد إذا صلح القلب، أما إذا فقد العلم بالله وأسمائه وصفاته والعلم بشرعه ودينه مات قلبه وروحه. وبهذا يتبين أن حاجة العباد إلى علم أصول الدين والعلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ وذلك لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة ولا سعادة إلا بأن تعرف ربها وخالقها، وفاطرها، ومعبودها بأسمائه وصفاته وأفعاله. ويكون مع ذلك أحب إليها من كل شيء، ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه. هذا هو نعيم القلوب وروحها وطمأنينتها وسعادتها أن تعرف ربها وخالقها وفاطرها ومعبودها بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون مع ذلك أحب إليها من كل شيء، ويكون مع ذلك سعيها وعملها فيما يقربها إليه . ولما كانت العقول عقول البشر لا تستقل بمعرفة هذا الأمر وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، لا تستقل بمعرفة ذلك على التفصيل اقتضت حكمة الله ورحمته بعباده أن أرسل الرسل يعرّفون بالله، ويدعون إلى الله، ويبشرون من أجابهم، وينذرون من عصاهم وخالفهم، وجعل مفتاح دعوة الرسل وزبدة رسالتهم معرفة المعبود بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعلى هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها، وعلى هذه المعرفة تبنى مطالب هذه الرسالة كلها من أولها إلى آخرها، على معرفة المعبود بأسمائه وصفاته وأفعاله تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها، هذا هو الأصل العظيم أصل الدين، أصل الدين أن تعلم ربك، أن تعلم الله، أن تعرف ربك بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان:

стр. 2

الأصل الأول: معرفة شريعة الله المتضمنة معرفة الطريق الموصل إلى الله، معرفة الطريق الموصل إلى الله، وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه تعرف الطريق الموصل، وذلك بأن تعرف الطريقة الموصلة إلى الله، ما هو الطريق الموصل إلى الله؟ هي شريعة الله المتضمنة لأمره ونهيه. والأصل الثاني: معرفة حال السالكين والسائرين إلى الله ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم المقيم. هذه هي الأصول الثلاثة العظيمة، وأصلها وأساسها معرفة الله، والعلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، والثاني: معرفة الطريق الموصل إلى الله وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه، والثالث: معرفة حال الناس وجزائهم في الآخرة، وهذه هي أقسام العلم النافع، هذه الثلاثة هي أقسام العلم النافع، وليس هناك قسم رابع. أقسام العلم النافع ثلاثة: القسم الأول: معرفة الله والعلم بالله ومعرفته بأسمائه وصفاته وأفعاله. الثاني: معرفة دين الله وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه. الثالثة: معرفة جزاء الناس وحالهم بعد الموت، ماذا يكون جزاء المتقين المؤمنين الموحدين؟ الجنة، وجزاء الكفار والعصاة النار، ويتبع ذلك معرفة ما يكون في أمور البرزخ من سؤال منكر ونكير، ومن عذاب القبر ونعيمه. ومعرفة العلم بأحكام البعث والنشور، والوقوف بين يدي الله وتطاير الصحف، ووزن الأعمال والأشخاص والورود على الحوض، والمرور على الصراط، ثم الاستقرار في الجنة أو في النار. هذه هي أقسام العلم النافع الثلاثة وليس هناك قسم رابع كما قال العلامة ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية: والعلم أقسام ثلاث ما لها *** من رابع والحق ذو تبيان علم بأوصاف الإله وفعله *** وكذلك الأسماء للرحمن والأمر والنهي الذي هو دينه *** وجزاؤه يوم الميعاد الثاني هذه أقسام العلم ثلاثة: "علم بأوصاف الإله وفعله" هذا الأول. "والأمر والنهي الذي هو دينه" هذا الثاني "وجزاؤه يوم الميعاد الثاني" هذا الثالث. وأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصل إليه، والطريق الموصل إلى الله كما سبق هي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه. فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصل إليه الذي يمتثل الأوامر، ويجتنب النواهي، ويعمل بشرع الله ودينه، هذا هو أقوم الناس، وأتبعهم أتبع الناس للصراط المستقيم؛ ولهذا سمى الله كتابه المنزل على رسوله ﷺ وهو القرآن العظيم روحا؛ لتوقف الحياة الحقيقية عليه، وسماه نورا؛ لتوقف الهداية عليه قال سبحانه: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣) ﴾ . سماه الله شفاء قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ والله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وقد بلغ النبي ﷺ البلاغ المبين، وأوضح الحجة للمستغفرين، ومضى على طريقه ﷺ الصحابة، السلف الصالح الصحابة والتابعون والأئمة من بعدهم، فاهتدوا بهديه ﷺ وترسموا خطاه، وآمنوا بالله وبملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر والقدر خيره وشره، وامتثلوا أوامر الله، واجتنبوا نواهيه، واستناروا بنور الله، فكانوا على الهدى المستقيم. وهم أهل السنة والجماعة والصحابة والتابعون وتابعوهم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين هم أهل السنة والجماعة، وهم أهل الحق، وهم الطائفة المنصورة، ثم لما بَعُدَ العهد، خلف من بعدهم خلوف، غيروا وبدلوا وتفرقوا في دينهم شيعا وأحزابا، ولكن الله حفظ على هذه الأمة أصول دينها، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم) وفي لفظ آخر: (لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎ . فتصدى العلماء والأئمة لإيضاح أصول الدين وفروعه، والرد على أهل البدع بدعهم وإيضاح الحق، فنصر الله بهم الحق وألفوا المؤلفات، وكتبوا الردود، ألفوا المؤلفات في عقائد ... في عقيدة السلف الصالح. ومن هؤلاء الأئمة الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأسدي الطحاوي نسبة إلى قرية طحا من صعيد مصر المولود سنة تسع وثلاثين ومائتين، والمتوفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ألف هذه الرسالة في العقيدة المعروفة بالعقيدة الطحاوية مؤلفها أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأسدي الطحاوي.

стр. 3

ألف هذه الرسالة في عقيدة السلف الصالح، وتلقتها الأمة بالقبول، وتلقاها العلماء بالقبول سلفا وخلفا، وفي هذه الرسالة بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، وإن كان قد يلاحظ على هذه الرسالة ملحوظات يسيرة قد تتمشى مع معتقد المرجئة، نبه عليها العلماء، وسيأتي التنبيه عليها -إن شاء الله-، وهناك أيضا عبارات مشتبهة وفيها إيهام، لكن القاعدة في هذا أن العبارات المشتبهة تفسر بالعبارات الواضحة؛ لأن القاعدة عند أهل العلم أن النصوص المشتبهة من كتاب الله تفسر بالنصوص الواضحة المحكمة وترد إليها. هذه هي طريقة أهل العلم الراسخين في العلم يردون المتشابه إلى المحكم، ويفسرون النصوص المتشابهة من النصوص المحكمة فيتضح الأمر، وكذلك أيضا النصوص المتشابهة في سنة رسول الله ﷺ تفسر بالنصوص الواضحة المحكمة فيزول الاشتباه، وكذلك أيضا النصوص المشتبهة في كلام أهل العلم تفسر بالنصوص الواضحة من كلامهم، ولا يتعلق بالنصوص المتشابهة لا يتعلق بالنصوص المتشابهة ويترك النصوص المحكمة الواضحة إلا أهل الزيغ والظلام، كما قال الله في كتابه العظيم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) ﴾ . قد ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: " (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) "، ثم قرأت هذه الآية، فأهل الزيغ يتعلقون بمتشابهه ويتركون المحكم، فمثلا إذا تعلق النصراني بقول الله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) ﴾ وقال: نحن ضمير الجمع، وهذا يدل على أن الآلهة ثلاثة، يقول أهل الحق: أنت من أهل الزيغ هذه من النصوص المشتبهة، الواجب عليك أن تردها إلى النصوص الواضحة المحكمة، كقول الله ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) ﴾ ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ . عليك أن ترجع هذا النص المشتبه إلى النص المحكم، "نحن" يقولها في لغة العرب يقولها الواحد المعظم لنفسه، وهكذا هذا مثال. ومثال ذلك أيضا من السنة النبوية قد يتعلق بعض دعاة السفور (سفور النساء) ببعض النصوص المشتبهة ويقولون: إن مثلا حديث الخثعمية في صحيح البخاري في حجة الوداع (جاءت إلى النبي ﷺ تسأله وكان رديفه الفضل، فجعل ينظر إليها، وتنظر إليه فجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الطرف الآخر) . قالوا: هذا يدل على أن المرأة سافرة كاشفة الوجه، وهذا يدل على أن المرأة يجوز لها كشف الوجه، وأن كشف الوجه ليس بواجب، ويستدلون أيضا بحديث أسماء أنها جاءت إلى النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض النبي ﷺ عنها بوجهه، وقال: (يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه) . قالوا: هذا يدل على أيش؟ يدل على كشف الوجه، نقول لهم: أنتم من أهل الزيغ، أنتم تعلقتم بالنصوص المتشابهة، لماذا تركتم النصوص المحكمة الواضحة تركتم قول الله ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ والحجاب ما يحجب المرأة عن الرجل، الحجاب يكون جدارا، ويكون بابا، ويكون غطاء على الوجه ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ . وكذلك ثبت في صحيح البخاري في قصة الإفك لما سار الجيش، وترك عائشة ﵂ قالت: (جلست في مكان الجيش لعلهم يفقدونها ثم يرجعون، وكان صفوان بن المعطل السلمي قد جاء متأخرا فلما رأى سواد إنسان عرفها، وجعل يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون -استرجع- وكانت نائمة حيث قالت: فاستيقظت باسترجاع صفوان، فخمرت وجهي بجلبابي، وكان يعرفني قبل الحجاب) وهذا في صحيح البخاري قولها: " (فخمرت وجهي بجلبابي) " صريح في تغطية الوجه وكان يعرفني قبل الحجاب" دليل على أن النساء قبل الحجاب يكشفن الوجوه، وأما بعد الحجاب فكن يسترن الوجوه.

стр. 4

وفي سنن أبي داود عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حازونا أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه) فنقول لهم: كيف تتعلق بحديث أسماء وحديث الخثعمية وتتركون هذه النصوص المحكمة، عليك أن تفسر حديث الخثعمية بما يتناسب مع هذه النصوص، ثم حديث أسماء هذا ضعيف، وفيه علل كثيرة؛ فهو منقطع؛ لأنه من رواية خالد بن دريك عن عائشة، وخالد بن دريك لم يسمع عن عائشة، ثم هو منكر.. المتن منكر لا يمكن أن تكون أسماء بنت أبي بكر وهي أخت عائشة وامرأة الزبير وامرأة عاقلة دينة تدخل على النبي ﷺ في ثياب رقاق، هذا لا يمكن تصف البشرة فهو فيه علل متعددة كثيرة. ومن رواية أيضا سعيد بن بشير وهو ضعيف أيضا، ولو صح جدلا لكان محمولا على ما قبل الحجاب، فالمقصود من هذا أن أهل الزيغ يتعلقون بالنصوص المتشابهة، ويتركون النصوص المحكمة، وأما الراسخون في العلم فإنهم يأخذون بالنصوص المحكمة، ويرجعون إليها النصوص المتشابهة. ومن ذلك أيضا في القرآن الكريم؛ لأهمية هذا المثال أن نصوص العلو محكمة يأتي أهل الزيغ، ويتعلقون بنصوص المعية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ﴿لَا تَحْزَنْ إِن اللَّهَ مَعَنَا﴾ ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) ﴾ . يأتي أهل البدع وأهل الزيغ ونفاة الصفات فيقولوا: هذا دليل على أن الله مختلط بالمخلوقات، وأن الله معهم، نقول لهم: أنتم أهل الزيغ لماذا تركتم النصوص المحكمة نصوص العلو والمعية ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في سبعة مواضع ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ﴿إِن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ . حتى إن نصوص العلو تزيد على ثلاث آلاف أفراد، وعلى ثلاث آلاف دليل كلها صريحة في أن الله فوق السماوات، فوق عرشه، مستو على عرشه، بائن من خلقه، ثم تتعلق بنصوص المعية، المعية لا تفيد الاختلاط في لغة العرب أقول: لا تزال العرب تقول: ما زلنا نسير والقمر معنا، هذا معروف في لغة العرب، والقمر فوقك، وتقول: فلان معه كذا، وقد يكون فوق رأسه. فالمقصود أن طريقة أهل الزيغ يتعلقون بالنصوص المتشابهة، ويتركون النصوص المحكمة، أما طريقة الراسخين في العلم فإنهم يفسرون يأخذون بالنصوص المحكمة ويرجعون إليها النصوص المتشابهة ويفسرونها بها، فيزول الإشكال، وهكذا كلام أهل العلم فإذا رأيت كلاما لعالم اشتبه عليك مشتبه ترجع إلى كلامه الواضح تفسر به كما سيأتي في بعض كلام أبي جعفر الطحاوي، وهذه العقيدة الطحاوية كما سبق تلقاها العلماء بالقبول، وشرحت بشروح متعددة، لكن هذه الشروح لا تتمشى مع معتقد أهل السنة والجماعة. وأحسن شروح لها هو شرح العقيدة المعروفة الآن التي منتشر المطبوع الذي ألفه علي بن علي بن أبي العز الحنفي المولود سنة سبعمائة وواحد وثلاثين، والمتوفى سنة سبعمائة واثنين وتسعين، هذا أفضل الشروح وأحسنها، قد ذكر ﵀ في مقدمتها: أن العقيدة الطحاوية شرحت شروحا متعددة إلا أنها لا تتمشى مع معتقد أهل السنة والجماعة، فأراد أن يشرحها شرحا يتمشى مع معتقد أهل السنة والجماعة. وطريقتنا -إن شاء الله- أننا لا نقرأ الشرح، وإنما نشرح المتن شرحا يكون متوسطا، أو أقل من المتوسط يحصل به الفائدة، والمقصود -إن شاء الله- وإلا لو أراد الإنسان أن يتوسع يحتاج إلى وقت طويل، لكن سيكون -إن شاء الله- الشرح شرحاً مناسبا، يكون فيه بيان معتقد أهل السنة والجماعة، وبيان ما يخالفه من أهل البدع، ليس طويلا فيمل وليس قصيرا مخلا، وإنما يكون -إن شاء الله- متوسطا، ونقرأ جملة جملة، ثم نشرح.

стр. 5

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. قَالَ الْعَلَّامَةُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ أَبُو جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ الطَّحَاوِيُّ -بِمِصْرَ- ﵀: هَذَا ذِكْرُ بَيَانِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، عَلَى مَذْهَبِ فُقَهَاءِ الْمِلَّةِ: أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ الْكُوفِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ -رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ- وَمَا يَعْتَقِدُونَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَيَدِينُونَ بِهِ رَبَّ الْعَالَمِينَ.

стр. 6

كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) ﴾ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) ﴾ ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) ﴾ فالعقيدة الصحيحة السليمة تصحح جميع الأعمال، وتعصم الدم والمال، والعقيدة الفاسدة المنحرفة تهدر الدم والمال، وتفسد جميع الأعمال. ومن ثم اتجهت جهود الأنبياء والمصلحين إلى إصلاح عقائد المجتمعات قبل كل شيء، كل نبي أرسله الله يدعو قومه إلى إصلاح العقيدة ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كما أخبر الله عن نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم، ونبينا محمد ﷺ مكث في مكة ثلاثة عشر عاما يدعو الناس إلى إصلاح العقيدة ويقول لقومه: (قولوا لا إله إلا الله) ولم يصنع شيئا، ولم يجد شيئا من التشريعات إلا الصلاة؛ لعظم شأنها فإنها فرضت قبل الهجرة بسنة أو بسنتين أو بثلاث، كل هذه المدة يدعو قومه إلى إصلاح العقيدة، ويقول: (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) . ثم لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وثبتت العقيدة نزلت بقية التشريعات، شرع الأذان، شرعت صلاة الجماعة، فرض الزكاة، فرض الصوم، فرض الحج، فرض الجهاد، شرع الله إقامة الحدود، حد الزنا، حد السرقة، حد شرب الخمر... وهكذا. وتبين بهذا أن العقيدة هي الأساس الذي تبنى عليه الأعمال، وهي التي تعصم الدم والمال، والعقيدة الصحيحة تصحح جميع الأعمال نعم.

стр. 7

نَقُولُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ مُعْتَقِدِينَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ: أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا شَيْءَ مِثْلُهُ.

стр. 8

ثانيا: الإيمان بربوبية الله واعتقاد أن الله هو الرب وغيره مربوب، فهو الرب هو رب العباد وغيره مربوب كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ ربِّ الْعَالَمِينَ (٢) ﴾ هو رب العالمين، وكل ما سوى الله عالم، والله تعالى رب هؤلاء العالم، وغيره مربوب. ثالثا: إثبات أن الله هو الخالق وغيره مخلوق، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) ﴾ . رابعا: اعتقاد أو إثبات أن الله هو المالك وغيره مملوك، فهو مالك كل شيء وغيره مملوك. خامسا: اعتقاد وإثبات أن الله هو المدبر وغيره مدبَّر، فهو مدبر الخلق وهو المحيي وهو المميت وهو الرازق وهو الرزاق، وهو منزل المطر، مسبب الأسباب، يحيي ويميت، ويعز ويذل، ويخفض ويرفع، ويقبض ويبسط، فهو مدبر سبحانه وغيره مدبَّر. بهذا يكون الإنسان وحد الله في ربوبيته، أثبت وجود الله واعتقد أن الله واجب الوجود لذاته، وأثبت ربوبية الله واعتقد أنه هو الرب وغيره مربوب، وأثبت أن الله هو الخالق وغيره المخلوق، وأثبت أن الله هو المالك وغيره المملوك، وأثبت أن الله هو المدبِّر وغيره المدبر، ومع ذلك لا يكفي هذا التوحيد في الإيمان والنجاة من النار، ولا يكون الإنسان مسلما بهذا التوحيد. هذا النوع من التوحيد أقر به الكفار، مشركو قريش. قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ يقول سبحانه: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) ﴾ ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) ﴾ ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) ﴾ ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) ﴾ . إذن هذا النوع من التوحيد أقر به كفار قريش، ومع ذلك لم يدخلوا في الإسلام، بل قاتلهم رسول الله ﷺ واستحل دماءهم وأموالهم؛ لأنهم لم يأتوا بلازمه وهو توحيد الألوهية والعبادة. الثاني: توحيد الأسماء والصفات، وهو الإيمان والإقرار بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا التي ثبتت بالكتاب والسنة، والإيمان بها وإثباتها لله على ما يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. والأسماء والصفات توقيفية ليس لأحد أن يخترع لله أسماء وصفات من عند نفسه، بل الأسماء والصفات توقيفية، ما ثبت بالكتاب والسنة أنه اسم لله أو وصف أثبتناه له، وما لم يثبت بالكتاب والسنة نتوقف لا نثبته، فلا بد من الإيمان والإقرار والعلم بما لله من الأسماء والصفات على الوجه اللائق بالله من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل. وهذا النوع أيضا من التوحيد أقر به كفار قريش، كانوا يقرون، كان المشركون يقرون بجنس هذا النوع، ولم يوجد عندهم منهم إنكار لشيء من الأسماء والصفات إلا في اسم الرحمن خاصة، فأنزل الله ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ . ولما أمر النبي ﷺ أن يكتب الكتاب في صلح الحديبية وقال للكاتب: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. قال سهيل الذي صالح النبي ﷺ بالمشركين: اكتب باسمك اللهم، فإننا لا نعرف الرحمن ولا الرحيم) . قال الحافظ ابن كثير ﵀: والظاهر أن إنكارهم لاسم الرحمن إنما هو من باب التعنت والعناد، وإلا فقد وجد في أشعار الجاهلية ما يثبت اسم الرحمن لله كما قال الشاعر: وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق فإنكارهم للرحمن من باب التعنت والعناد، ولم يعرف عنهم إنكار شيء منها من الأسماء إلا في اسم الرحمن خاصة، وهذا النوع من التوحيد وهو توحيد الأسماء والصفات لا يكفي بالإيمان والإسلام، ولا يدخل الإنسان في الإسلام حتى يقر بلازمه، وهو توحيد الألوهية والعبادة. يعني هذا النوع من التوحيد وهو توحيد الأسماء والصفات كالنوع السابق كتوحيد الربوبية لا يكفي في كون الإنسان مسلما مؤمنا موحدا، ولكن في نجاته من النار ودخول الجنة حتى يوحد الله في ألوهيته. النوع الثالث: توحيد الألوهية والعبادة، وهو توحيد الله بأفعال العباد.

стр. 9

النوع الأول: وهو توحيد الربوبية توحيد الله بأفعال الرب، الخلق والرزق والإماتة والإحياء هذه أفعال الله، فأنت توحد الله بأفعاله هو، توحيد الله بأفعاله، توحيد الربوبية توحيد الله بأفعاله. أما توحيد الألوهية فهو توحيد الله بأفعال العباد بأفعالك أنت أيها الإنسان من صلاة وزكاة وصوم وحج وبر للوالدين وصلة للرحم، هذه أفعالك أنت وأمر بمعروف ونهي عن منكر وكف نفسك عن المحرمات تتقرب بها إلى الله، توحد الله بها بأن تتقرب إلى الله، وتخلصها لله، وتريد بها وجه الله والدار الآخرة، هذا هو توحيد العبادة. وتوحيد العبادة هو أول دعوة الرسل وآخرها، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله، وهو أول دعوة الرسل وآخرها كما أخبر الله تعالى عن الأنبياء. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) ﴾ . هذا التوحيد توحيد الألوهية هو أول الدين وآخره، وظاهره وباطنه، وأول دعوة الرسل وآخرها، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله، وأول ما يدخل به المسلم في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) . وهذا التوحيد لأجله خلق الله الخليقة، ولأجله أرسل الله الرسل، ولأجله أنزل الله الكتب، ولأجله قام سوق الجهاد، ولأجله حقت الحاقة، ولأجله وقعت الواقعة، ولأجله انقسم الناس إلى شقي وسعيد، إلى كفار ومؤمنين، وهذا التوحيد هو الغاية المحبوبة لله والمرضية له، هو الغاية المحبوبة لله، والغاية التي ترضي الله هذا التوحيد. وهذا التوحيد هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الأنبياء والرسل في قديم الدهر وحديثه، الأنبياء والرسل إنما نازعهم وخاصمهم مخاصمة منهم في هذا التوحيد، بخلاف توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات فهما توحيدان فطريان قد أقر بهما جميع الخلق إلا من شذ، إلا بعض الطوائف التي شذت وانتكست فطرتها، وعميت بصيرتها. وإلا فجميع الخلائق يقرون بتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، والنزاع والخصومة بين الأنبياء والرسل في هذا التوحيد، وهو توحيد الألوهية والعبادة، والتوحيد توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات هما الوسيلة والغاية تفيد العبادة والألوهية توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات أن تعرف ربك، وتعلم ربك بأسمائه وصفاته وأفعاله فإذا عرفت ربك عبدته، وتقربت إليه، وأخلصت العبادة له، فتوحيد الربوبية والأسماء والصفات أن تعلم ربك بأسمائه، وتعرف ربك بأسمائه وصفاته وأفعاله، تعرف معبودك ثم تعبده وتخلص له العبادة. ومن العلماء من قسم التوحيد إلى قسمين، كشيخ الإسلام وابن القيم قالوا: التوحيد ينقسم إلى قسمين، وهذا التقسيم بالنسبة إلى الخبر والإنشاء، بالنسبة إلى الخبر والإنشاء قالوا: ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: توحيد في المعرفة والإثبات. والقسم الثاني: توحيد في الطلب والقصد، توحيد في المعرفة والإثبات وهذا يشمل توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، يقال له توحيد في المعرفة والإثبات، ويقال له التوحيد القولي، ويقال له التوحيد الاعتقادي، ويقال له التوحيد العلمي الخبري. والثاني: توحيد الإرادة والطلب وهو توحيد العبادة. قال العلماء: إن التوحيد الأول وهو التوحيد في المعرفة والإثبات كما ذكر العلامة ابن القيم ﵀ وغيره هو إثبات حقيقة ذات الرب وأسمائه وصفاته وأفعاله، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمته، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح، كما في أول سورة الحديد، وسورة طه، وآخر سورة الحشر، وأول سورة الم تنزيل السجدة، وسورة الإخلاص بكمالها. وكما في قوله : ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) ﴾ .

стр. 10

أول سورة الحديد فيها: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) ﴾ أول سورة طه فيها: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨) ﴾ . أول سورة الم تنزيل السجدة كذلك: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وهكذا سورة الإخلاص بكمالها. والنوع الثاني: التوحيد الإرادي الطلبي مثل ما تضمنت سورة قل يا أيها الكافرون ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) ﴾ ومثل ما تضمنته الآية الكريمة آية آل عمران: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) ﴾ . وكذلك أيضا ما تضمنت سورة يونس أولها وأوسطها وآخرها ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِن هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣) ﴾ . في آخرها: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) ﴾ . جملة سورة الأنعام أنكر الله تعالى على المشركين شركهم: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذرأ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ﴾ قال بعد ذلك: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) ﴾ ثم قال: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ . وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد، بل كل سورة في القرآن متضمنة، فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وهذا هو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى توحيده، ونهي عن الشرك وعبادة غيره، وهذا هو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته وذلك من حقوق التوحيد ومكملاته. وإما خبر عن أهل التوحيد وما حصل لهم في الدنيا من النصر والعز، وما يكرمهم به في الآخرة من الثواب فهذا جزاء من حقق التوحيد، وإما خبر عن أهل الشرك وما أصابهم في الدنيا من النكسة والهزيمة، وما يكون في الآخرة وما تكون عاقبتهم وما يحصل لهم في الآخرة من العذاب والنكال، وهذا جزاء من خرج عن التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وجزاء أهله، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم.

стр. 11

والفاتحة (سورة الفاتحة) كذلك كلها توحيد: ﴿الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) ﴾ توحيد ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ توحيد ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) ﴾ توحيد ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) ﴾ توحيد ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ توحيد متضمن للهداية لطريق المنعم عليهم وهم أهل التوحيد ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) ﴾ هم الذين فارقوا التوحيد، فهذا التوحيد. فالقرآن كله من أوله إلى آخره على هذا بهذا التفصيل كله في التوحيد وحقوقه وجزاء أهله، وفي شأن الشرك وأهله وجزائه، والتوحيد توحيد الربوبية نفاة الصفات أدخلوا فيه أدخلوا في هذا التوحيد نفي الصفات، المعطلة للجميع وغيرهم وقالوا: إن معنى التوحيد نفي الصفات، وقالوا: إن إثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب، والواجب عندهم يسمون الله الواجب، ويسمون المخلوق الممكن. قالوا: إن إثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب. ففرارا من ذلك قالوا: نفي الصفات حتى لا يكون واجب إلا واحد، إنما له سمع وبصر وعلم وقدرة صار الواجب متعددا، وهذا من أبطل الباطل، هذا من الفساد؛ فإن إثبات ذات مجردة عن جميع الصفات والأسماء لا توجد في الخارج، لا يوجد شيء في الخارج إلا له اسم وصفة، فإذا نفيت الأسماء والصفات عن شخص فلا يمكن أن يوجد. فإذا قلت: هناك شيء موجود لكن ليس له طول ولا عرض ولا عمق وليس فوق ولا تحت ولا خلف ولا يمين ولا شمال لا وجود له إلا في الذهن، وهؤلاء سلبوا الأسماء والصفات عن الرب، معنى ذلك أنهم لم يثبتوا ربا ولا خالقا إنما كل شيء في الذهن والعياذ بالله، وقد أفضى هذا التوحيد ببعضهم إلى أن وصلوا إلى الحلول والاتحاد -نعوذ بالله- حتى قالوا: إن الوجود واحد، وقالوا بالحلول والاتحاد، ووقعوا في شر من مذهب النصارى؛ فإن النصارى خصوا حلول الرب بالمسيح عيسى ابن مريم، وهؤلاء الجهمية الغلاة قالوا: إن الله حال في كل مكان تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. فلما وصلوا إلى القول بالحلول والاتحاد، وقالوا: إن الوجود واحد تفرع عن هذا التوحيد -اللي يسمونه توحيدا وهو من أعظم الشرك- تفرع عن ذلك القول بأن الوجود واحد، وقالوا: وتفرع عن هذا القول بأن فرعون على الصواب وأنه مصيب حينما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) ﴾ وقالوا: إن عُبّاد الأصنام على الحق والصواب، وأنهم إنما عبدوا الله ولم يعبدوا غيره، وقالوا: لا فرق في التحريم بين الأم والأخت والأجنبية، ولا بين الزنا والخمر، ولا بين الماء والخمر، ولا بين الزنا والنكاح. وقالوا: الكل من عين واحد، بل هو العين الواحد، ومن فروع الاتحادية قالوا: إن الأنبياء ضيقوا على الناس، وبعّدوا عليهم المقصود، والأمر وراء ذلك كله، فهذا -والعياذ بالله- سببه أن هؤلاء أعرضوا عن كتاب الله وسنة رسوله، وتركوا كتاب الله وراءهم ظهريا فتولتهم الشياطين، فقالوا هذه المقالات التي سودوا بها الأوراق، وأضلوا بها الناس، وتكلموا بالكفر الصراح -نسأل الله السلامة والعافية-.

стр. 12

وَلَا شَيْءَ مِثْلُهُ.

стр. 13

وَلَا شَيْءَ يُعْجِزُهُ.

стр. 14

فالأسماء والصفات إثبات الأسماء والصفات تأتي مفصلة، وهذه أسماء لله وهي متضمنة للصفات ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤) ﴾ . هذا من الإثبات المفصل، الأسماء والصفات تأتي مفصلة، أما النفي فيأتي مجملا، أما أهل الكلام وأهل البدع فعكسوا، فإنهم يأتون بإثبات مجمل ونفي مفصل، فإنهم يأتون بنفي مفصل وإثبات مجمل، فإذا أرادوا أن يصفوا الله إذا أرادوا أن ينفوا النقائص عن الله يأتوا بالتفصيل، النفي المفصل والإثبات المجمل، فيقول ليس بذي جثة، وليس بذي أعضاء، وليس بذي لون ولا رائحة ولا طعم ولا مجثة ولا كذا ولا كذا ولا لحم ولا دم ولا عرق... إلى آخره تفصيلات بنفي النقائص والعيوب. أما الإثبات فإنهم يأتون بإثبات مجمل، عكسوا ما دل عليه الكتاب والسنة، وهذا النفي في نفي النقائص والعيوب مع كونه مخالفا للكتاب والسنة ففيه إساءة أدب مع الله فإن الأدب والكمال أن تنفي النقائص إجمالا ولا تعددها ولله المثل الأعلى، لو أراد إنسان أن يمدح أميرا، أو ملكا، أو رئيسا فيقول له: أنت لست بزبال، ولست بحجام، ولست بكساح، ولست بكذا هذا يؤدب إذن، يؤدب ويعزر وإن كان صادقا، فهو صادق فالملك والأمير ليس بزبال ولا حجام ولا بكساح ولا جزار ولا كذا لكن هذا فيه إساءة أدب. وإنما الكمال أن تأتي بالنفي المجمل فتقول: أنت لست مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأجل وأكمل، فهذا يكون مدحا، إذا كان هذا في حق المخلوق ففي حق الخالق أولى، فإذن منهج الكتاب والسنة في الإثبات والنفي أن يكون النفي مجملا، نفي النقائص والعيوب يكون مجملا، والإثبات يكون مفصلا، إثبات السمع والبصر والعلم والقدرة والحياة، وقد يأتي النفي مفصلا للرد على أهل البدع. لقوله : ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) ﴾ للرد على الكفرة الذين نسبوا الولد إلى الله ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) ﴾ هذا لأجل الرد عليهم، أما أهل البدع فإنهم ينفون نفيا مفصلا ويثبتون إثباتا مجملا، فينبغي للمسلم أن يعلم ما دل عليه الكتاب والسنة، وأن يحذر طريقة أهل البدع. نعم.

стр. 15

وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ

стр. 16

ولا بد من الإخلاص المنافي للشرك. إذا قال هذه الكلمة لا إله إلا الله، ولم يخلص أعماله لله، فإن وقع في عمله شرك بطلت هذه الكلمة وانتقضت فالشرك ينقضها ويحبط جميع الأعمال. قال سبحانه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) ﴾ . لا بد من الإخلاص. إذا وقع الشرك في عمل العبد بطل توحيده وإيمانه وانتقض كما لو توضأ وأحسن الوضوء وتطهر وأحسن الطهارة ثم أحدث، خرج منه بول أو غائط أو ريح بطلت الطهارة، كذلك كلمة التوحيد إذا قالها عن غير إخلاص في عمله شرك فإن شركه ينقض التوحيد. لا بد من علِمْ ٍمناف للجهل، ويقين مناف للشك والريب، وصدق مانع من النفاق وإخلاص مناف للشرك، ولا بد من المحبة لهذه الكلمة ولأهلها والسرور بذلك، ولا بد من الانقياد بحقوقها، وهى الأعمال الواجبة بفعل الواجبات، وترك المحرمات. المنقاد يكون منقادًا ضد حقوقها، ولا بد من القبول المنافي للترك فقد يقولها بعض الناس لكن لا يقبلها ممن يدعون إليها تعصبا وتكبرا إذا وجدت هذه الشروط، فإن هذه الكلمة تكون صحيحة، ويكون قالها عن تحقيق.لا بد من إخلاص التعلق بالله . أما مَن قالها بلسانه ولكنه ينقضها بأفعاله، أو قالها وقلبه مكذب فإنها لا تنفع، ولا بد أيضا أن يوحد الله في ربوبيته وفى أسمائه وصفاته كما سبق في البارحة.أنواع التوحيد الثلاثة متلازمة. توحيد الربوبية، وتوحيد الله بأفعاله هو، وتوحيد الألوهية، توحيد الله بأفعالك أنت أيها العبد، وتوحيد الأسماء والصفات كذلك. هذه الأنواع الثلاثة متلازمة، كلها مطلوبة، لا بد أن توحد الله في ربوبيته، وتوحد الله في أسمائه، وصفاته، وتوحد الله في عبادته وألوهيته. مَن لم يأت بنوع من هذه الأنواع فلا يصح التوحيد من لم يوحد الله في ربوبيته فهو كافر ولو زعم أنه يعبد الله، ولا يمكن أن يعبد الله وهو لا يوحد الله في ربوبيته، كذلك من زعم أنه يوحد الله في أسمائه وصفاته، ولكنه لم يوحد الله في عبادته لم يكن موحدًا. هذه الأنواع الثلاثة متلازمة، توحيد الألوهية متضمن بتوحيد الربوبية بمعنى أن مَن عَبَدَ الله وأخلص التعلق بالله فلا بد أن يكون قد وحَّد الله في ربوبيته في ظل ذلك لا بد يوحّد الله في ربوبيته إنما عبد الله لاعتقاده أن الله هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت الذي بيده النفع والضر. فإِذًا توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، أما توحيد الربوبية فإنه مستلزم لتوحيد الألوهية، بمعنى أن مَن وحَّد الله في ربوبيته، واعتقد أن الله هو الخالق، والرازق، المدبر، المحيي، المميت، فإن هذا الاعتقاد، وهذا التوحيد يوجب له أن يوحد الله في ألوهيته ولكن ليس واحد يلتزم بما يلزمه يلزم مَن يوحِّد الله في ربوبيته أن يوحد الله في ألوهيته. لكن ليس كل واحد يلتزم بما لزمه. والدلالات عند العلماء من أهل الأصول ثلاث دلالات: ١- دلالة التضمن. ٢- دلالة المطابقة. ٣- دلالة الالتزام. قلنا: إن توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، فما معنى الاستلزام؟ وما معنى التضمن؟ وما معنى المطابقة؟. دلالة التضمن: هو دلالة الشيء على جزء معناه أو على بعض معناه. ودلالة الالتزام: دلالة الشيء على خارج معناه. ودلالة المطابقة: دلالة الشيء على جميع معناه. فمثلا مَن عَبَد الله فإنه وحد الله في ربوبيته ووحد الله في ألوهيته، فتكون دلالة توحيد العبادة دلالة مطابقة، لأنه دل على جميع ما نهى؛ لأن توحيد العبادة يشمل أمرين: يشمل توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، فدلالة العبادة على توحيد الربوبية، والألوهية دلالة مطابقة، ودلالة توحيد العبادة على توحيد الربوبية دلالة تضمن؛ لأنه يدل على جزء معناه، فتوحيد الربوبية جزء من معنى توحيد الألوهية، ودلالة العبادة والألوهية على الربوبية والألوهية دلالة مطابقة هي دلالة الشيء على جميع معناه. أما دلالة توحيد الربوبية على توحيد الألوهية فهي دلالة التزام؛ لأنه خارج عن معناه مثل دلالة التوبة على التائب فالتوبة غير التائب دلالة الوالد على الولد، فالولد غير الوالد شيء خارج عنه، فتوحيد الربوبية غير توحيد الألوهية. فدلالة توحيد الربوبية على دلالة توحيد الألوهية دلالة التزام هو شيء خارج عن معناه. أما دلالة الألوهية على الربوبية فهي دلالة تضمن لأنه في ظل الألوهية توحيد الربوبية، هذه الثلاث دلالات تسمى دلالة التضمن، ودلالة الالتزام، ودلالة المطابقة.

стр. 17

فدلالة الالتزام دلالة الشيء على خارج معناه كدلالة توحيد الربوبية على توحيد الألوهية، ودلالة التضمن هي دلالة الشيء على جزء من معناه كدلالة توحيد الألوهية على توحيد الربوبية، ودلالة المطابقة: دلالة الشيء على جميع معناه كدلالة الألوهية على الربوبية والألوهية. ومعنى الإله كما سبق هو المعبود، وبعض أهل الكلام كالأشاعرة وغيرهم أخطئوا في تفسير الإله، فقالوا: الإله فيه تقدير الخبر، قالوا: لا إله موجود إلا الله، وفسروا الإله بالخالق، وهذا خطأ، لو كان المعنى لا خالق إلا الله لما حصل نزاع بين النبي ﷺ وكفار قريش، ولما حصل نزاع بين الرسل وأممهم، لأن الأمم يقرون بأنه لا خالق إلا الله. وبعض أهل الكلام كالأشاعرة وغيرهم يقولون: معنى لا إله إلا الله: لا خالق إلا الله، أو لا قادر على الاختراع إلا الله، وهذا غلط كبير؛ لأنه لو كان معنى لا خالق إلا الله لما حصل نزاع وقتال وجهاد من الرسل للكفرة؛ لأن الكفرة يقرون بأنه لا خالق إلا الله، لا خالق إلا الله، هذا لا إشكال فيه عندي. ولا يتبين عظمة هذه الكلمة "لا إله إلا الله" وأنها كلمة التوحيد التي تنفي الشرك إلا بتفسير الإله بالمعبود، وتقدير الخبر بحق لا إله بحق إلا الله. لا معبود بحق إلا الله، وبهذا يتبين عظمة هذه الكلمة لأن الآلهة موجودة، ولكنها آلهة باطلة، قال سبحانه: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ إذًا لهم آلهة، وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) ﴾ . إذًا فيه معبودات؛ اليهود، الكافرون لهم معبود يعبدون الأصنام، والأوثان، لهم إله، وجميع الكفرة كل إنسان له معبود، لكن، وكل إنسان له دين، لكن المعبود بحق هو الله. ما سواه إلا باطل، قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ . وكل إنسان له دين. الكفار لهم دين لكن دين باطل؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) ﴾ وقال الله عن أهل الكتاب إنهم قالوا: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ فلهم دين لكن دين باطل، والدين الحق هو دين الإسلام ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ . فتفسير الإله بالخالق تفسير باطل. الذين فسروا هذا الكلام كالأشاعرة وغيرهم؛ لأنه لو كان الإله هو الخالق لما حَصَلَ خلاف بين الأنبياء وبين أممهم، ولما حصل قتال. ولا يتبين عظمة هذه الكلمة، وأن كلمة التوحيد التي تنفي الشرك إلا بتفسير الإله هو المعبود، وهذا معناها في اللغة العربية الإله هو المعبود، وإله اسم لا النافية للجنس من أخوات إن تنصب الاسم، وترفع الخبر، وإله اسمها. والخبر محذوف تقديره لا إله حق، لا معبود حق إلا الله.

стр. 18

قَدِيمٌ بِلَا ابْتِدَاءٍ، دَائِمٌ بِلَا انْتِهَاءٍ

стр. 19

وقال : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) ﴾ "والأقدمون" مبالغة في القديم وقال سبحانه: ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) ﴾ ومنه سُمِّيت القَدَم قدم الإنسان؛ لأنها تتقدم بدن الإنسان والفعل يأتي متعديا ولازما. أخذني ما قدم وما حدث.ويقال: قدم هذا يَقْدُمُه يعنى تقدمه، وقال سبحانه في فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعنى يتقدمهم في النار. ومنه: قول القديم والجديد في الشافعي، فالقول القديم ما أخذ به في العراق، والقول الجديد ما أخذ به في مصر فسمى القديم بالنسبة للقول الجديد، فالمقصود أن كلمة القديم ما تريد التقدم على كل شيء مع أنها لم ترد في الكتاب والسنة اسم القديم فهو لا يفيد التقدم على كل شيء، وإنما يفيد التقدم النسبي إذا نَسَبْته إلى ما بعده صار قديما، وإذا نسبته إلى ما بعده صار جديدا بخلاف الأول والآخر. فإن الأول يفيد أن الله هو الأول الذي ليس لأوليته بداية كما فسرها النبي ﷺ (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء) والآخر هو الذي ليس لآخريته نهاية، كما فسرها النبي ﷺ بقوله: (وأنت الآخر فليس بعدك شيء) . ولا يرد على هذا كون الجنة والنار باقيتان، وكون الناس إذا بُعِثوا يبقون؛ لأن وجودهم إنما بإيجاد الله لهم؛ لأن بقائهم بإبقاء الله لهم نعم.

стр. 20

لَا يَفْنَى وَلَا يَبِيدُ

стр. 21

وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَا يُرِيدُ

стр. 22

الإرادة الكونية مرادفة للمشيئة: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وأمَّا الإرادة الدينية الشرعية فهي مذكورة في قول الناس: هذا يفعل ما لا يريده الله يعني يفعل ما لا يحبه الله؛ ولهذا لو قال الإنسان: والله لأفعلن كذا -إن شاء الله- ثم لا يفعل لا يحل، حتى ولو كان الذي لم يفعله واجبا أو مستحبا. لو قال: والله لأصلين الضحى -إن شاء الله- ثم لم يصل لا يحل يتعلق بالمشيئة لم يشأ الله أن يصلى. لكن لو قال والله لأصلين الضحى إن أحب الله ثم لم يصل فعليه كفارة يمين؛ لأن الله يحب أن تصلى الضحى. ففرق بين الإرادتين الكونية والقَدَرية، والله هدى أهل السنة والجماعة إلى ذلك.أما المعتزلة والقَدَرية ما عندهم إلا إرادة واحدة، وهى الإرادة الدينية الشرعية وعموا عن الإرادة الكونية فضلوا سواء السبيل. ما عندهم إلا إرادة كونية، إرادة دينية شرعية. والجبرية ما عندهم إلا إرادة واحدة، وهى الإرادة الكونية. وأنكروا الإرادة الدينية الشرعية فضلوا، وأهل السنة والجماعة أخذوا نوعي الإرادة. القدرية والمعتزلة قالوا: ما عندنا إلا إرادة دينية شرعية واستدلوا بالنصوص التي أثبتت الإرادة الإرادة الشرعية، وأغمضوا أعينهم عن النصوص التي تثبت الإرادة الكونية والجبرية من الجهمية والأشاعرة أثبتوا الإرادة الكونية واستدلوا بالنصوص، وأغمضوا أعينهم عن الأدلة التي تثبت الإرادة الدينية الشرعية. وأهل السنة والجماعة -هداهم الله- أخذوا أدلة القدرية والمعتزلة التي يثبتوا فيها الإرادة الدينية الشرعية وقالوا: هذه حق، وأخذوا الأدلة التي أثبتها الجبرية في الإرادة الكونية وقالوا: هذه حق. وكتاب الله وسنة رسوله ﷺ لا يتنافوا؛ يصدق بعضه بعضا، هذه حق، وهذه حق. فالإرادة نوعان، -فهداهم الله-. فالإرادة الدينية والشرعية تتضمن المحبة والرضا، والإرادة الكونية القدرية هي المشيئة الشاملة؛ ولأن من قال: إنه ليس هناك إلا إرادة دينية وشرعية يلزموا ملازم، وقال لهم شبه، المعتزلة يقولون له قلنا: إن الله قدَّر المعاصي، وعذَّب عليها فصار غالبا ففرارا من ذلك أنكروا أن يكون الله أراد المعاصي فألزمهم أهل السنة بأنكم فررتم من شيء ووقعتم في شر مما فررتم منه، وقعتم في كونه يقع في ملك الله ما لا يريده تقع المعاصي والله لا يريدها، هذا شرط المذهب وأيضا يلزمكم على ذلك أن تكون إرادة العاصي والكافر تغلب إرادة الله، الله أراد من العاصي عند القدرية الإيمان وهو أراد الكفر، فوقعت إرادة العبد، ولم تقع إرادة الله، هذا من أباطيلهم. أما أهل السنة فقالوا كل شيء في هذا الوجود أراده الله كونا وقَدَرا الكفر والمعاصي وغيرها، ولكن له حكمة. لله الحكمة البالغة في ذلك، لكنه لا يريد الكفر والمعاصي دينا وشرعا، ولا يحبها بل يبغضها وينهى عن ذلك، فالله تعالى له الحكمة البالغة، ومن حكمه وأسراره من إيجاد الكفر والمعاصي ظهور قدرة الله على إيجاد المتقابلات والمتضادات، فالكفر يقابل الإيمان، والمعصية تقابل الطاعة، كما أن الليل يقابل النهار. ومنها ظهور العبوديات المتنوعة التي لولا تقدير الله للكفر والمعاصي لما حصلت المعاصي منها: انقسام الناس إلى شقي وسعيد، والى مؤمن وكافر؛ ولأن الله تعالى خلق للجنة أهلها، وخلق للنار أهلها، ووعد الجنة بأهل، ووعد النار بأهل. وفى الحديث أن الله قال للجنة: (أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، وأنت النار عذابي أعذب بك من أشاء، ولكليكما علَيَّ ملؤها) . ومنها ظهور العبوديات التي يحبها الله كعبودية الجهاد في سبيل الله، وعبودية الولاء والبراء وعبودية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لو لم يكن هناك كفر ولا كفار ولا عصاة أين هذه العبودية؟ أين عبودية الجهاد في سبيل الله؟ أين عبودية الجهاد والصبر؟ أين عبودية الولاء والبراء؟ أين عبودية الحب في الله والبغض في الله؟ وهكذا. هذه حِكَم وأسرار، الله تعالى قدرها لا لذاتها بل لما يترتب عليها من الحِكَم، وكون الكفر والمعاصي يحصلوا ضررا على الأشخاص الذين قدر عليهم هذا ضرر نسبي، ضرر نسبي لا يضاف إلى الله، والذي يضاف إلى الله إنما هو الخَلْق، والإيجاد، والتقديم. وهذا الخلق والإيجاد مبني على الحكمة فلا يسمى شرا بالنسبة إلى الله، ولكن يسمى شرا بالنسبة إلى العبد الذي أضره وأساء إليه، أما بالنسبة إلى الله فلا يضاف إليه الذي يضاف إلى الخلق والإيجاد والتقدير، وهو مبني على الحكمة كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (والشر ليس إليك) . فالمقصود أن قول المصنف ﵀: ولا يكون إلا ما يُرِيد يبين معتقدات أهل السنة والجماعة في إثبات الإرادة الكونية الشاملة والرَّد على المعتزلة الذين أنكروا الإرادة الكونية القدرية، وأنهم ضلوا كما أن الجبرية أنكروا الإرادة الشرعية، وضلوا في عدم إثباتهم للإرادة الدينية الشرعية.

стр. 23

وهدى الله أهل السنة والجماعة فأثبتوا الإرادة بنوعيها، وعملوا بالنصوص من الجانبين ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) ﴾ أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم نعم.

стр. 24

لَا تَبْلُغُهُ الْأَوْهَامُ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَفْهَامُ

стр. 25

وَلَا يُشْبِهُ الْأَنَامَ

стр. 26

الأسئلة:

стр. 27

س: -أحسن الله إليكم- يقول السائل: لو تخلف شرط من شروط لا إله إلا الله وتحقق الباقي فهل تنفع صاحبها؟ . ج: لا بد من اجتماعها. من لم يحب، تخلف العلم صار جاهلا ما نفع، تخلف الإخلاص صار مشركا ما نفع، تخلف اليقين صار شاكا ما نفع، تخلف الصدق صار منافقا ما ينفع، تخلفت المحبة صار يكره أهل الإيمان وأهل التوحيد ما نفعه، خالف القبول ما قبل هذه الكلمة ما نفعه. خالف الانقياد؛ ما انقاد بحقوقها قال لا إله إلا الله لكن ما قبلها، ما انقاد بحقوقها لا بد من الشروط هذه. س: -أحسن الله إليكم-، ما جاء في دعاء الدخول إلى المسجد " وسلطانه القديم " ألا يدل على صفة القديم؟. ج: هذا وصف السلطان، وصف السلطان. نعم. س: يقول السائل: هل الدائم من أسماء الله ؟. ج: ما أذكر هذا، يحتاج إلى ثبوت. نعم. س: وهل يصح إطلاق اسم الأول بدون تقيده بالآخر، وكذا الظاهر والباطن، وهل يجوز أن يتسمى الإنسان بعبد الباطن أو عبد الظاهر؟. ج: نعم يجوز. لكن هذه الأسماء متقابلة، اسمان متقابلان، الذي لا يطلق منه، مثل الخافض الرافع، النافع الضار، ما يطلق النافع فقط، النافع الضار، الخافض الرافع، المعطي المانع. أما الأول نعم وحده، الأول والآخر، عبد الأول، عبد الآخر لا بأس. نعم. س: -أحسن الله إليكم-، يقول السائل: عند دعوة إنسان إلى الدين الحنيف فما الرد عليه إذا قال: إن الله أراد لي ما أنا فيه من ضلال، كيف نرد عليه من الشرع؟. ج: هذه مسألة القدر سيأتي البحث فيها، نقول: إن الله تعالى ... أنت مكلف بالشريعة إن الله، تعالى أمرك بالإيمان والتوحيد والطاعة، وأرسل الرسل وأنزل الكتب لعباده، فأنت مخلوق لعبادة الله، أما القدر فهو سر الله في خلقه هذا من شئون الله ليس من شئونك. أنت عبد مأمور بالإيمان، والتوحيد والطاعة والالتزام بالشريعة، وأنت عندك عقل، وعندك سمع وبصر تستطيع ... لست ... ولا ممنوع ولا مسلوب العقل. أما تحتج بالقدر ليس حجة لك، لو كان القدر حجة لك لكان حجة للكفرة؛ قوم نوح، وقوم شعيب وقوم صالح، وكان حجة للكافر والسارق والزاني. ليس حجة. نعم. س: أحسن الله إليكم، يقول السائل: كيف يجمع بين نفي تشبيه الله بخلقه مع ورود الحديث وفيه: (أن الله خلق آدم على صورته؟) . ج: ما فيه تشبيه هذا خلق الله آدم على صورته كما ثبت في الصحيح، هذا إثبات الصورة لله، وهذا يقتضي نوعا من المشابهة، كما حقق الشيخ ابن تيمية، نوع من المشابهة، وهي مشابهة في مطلق الصورة لا في الجنس والمقدار، نوع من المشابهة. والمشابهة في مطلق الصورة، لكنه ليس، لا يقصد مشابهة مماثلة في الجِنس ولا في المقدار، وشيخ الإسلام له كتاب عظيم في هذا بيان تلبيس الجهمية، وحفظ في رسالة كاملة "دكتوراه" وهو الآن تحت الطبع، أو انتهى من الطبع، على وشك الخروج -إن شاء الله- كتابه العظيم (بيان تلبيس الجهمية) نعم. السؤال الأخير: يقول السائل: أنتم أشرتم بإصبعكم حفظكم الله أن الله يجعل الجبال على إصبع، وأشرتم بهذا، فهل هذا جائز؟. ج: نعم من باب تحقيق الصفة كما ثبت أن النبي قال: إن الله كان سميعا بصيرا أشار إلى أذنه وعينه من باب تحقيق الصفة، ليس المراد التشبيه. نعم.

стр. 28

حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لَا يَنَامُ

стр. 29

خَالِقٌ بِلَا حَاجَةٍ، رَازِقٌ بِلَا مُؤْنَةٍ.

стр. 30

مُمِيتٌ بِلَا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بِلَا مَشَقَّةٍ.

стр. 31

مَا زَالَ بِصِفَاتِهِ قَدِيمًا قَبْلَ خَلْقِهِ، لَمْ يَزْدَدْ بِكَوْنِهِمْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُمْ مِنْ صِفَتِهِ، وَكَمَا كَانَ بِصِفَاتِهِ أَزَلِيًّا كَذَلِكَ لَا يَزَالُ عَلَيْهَا أَبَدِيًّا.

стр. 32

ثالثا: أن قولكم: إن الكلام والفعل كان ممتنعا على الرب ثم انتقل فجأة فصار ممكنا، ما الذي جعله ينقلب من الامتناع إلى الإمكان إذا كان الرب فعَّالا وكان الرب كاملا وكان له الكمال ولم يتجدد له شيء فما الذي جعل الكلام والفعل ممتنعا ثم جعله ممكنا؛ ولأنه ما من وقت يقدر، الإمكان، ما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت قبله إلى ما لا نهاية. فلا تستطيعون أن تحددوا وقتا يكون بدءا للفعل والإمكان، وثالثا أنه يلزمكم على هذا أن العالَم ليس حادثا، والعالَم حادث، والحادث ممكن، والمعنى ممكن أنه يجوز أن يوجد، ويجوز ألا يوجد إذا أراد الله إيجاده أوجده، وإذا لم يرد فلا إذا أراد الله شيئا من خلقه وُجدوا إذا لم يرد لا يوجد. وقولكم: إن الرب هو الأول، نعم إن الرب هو الأول الذي ليس قبله شيء، وكون الحوادث متسلسلة في المستقبل لا يمنع أن يكون الله هو الأول؛ لأننا نقول: كل فرد من أفراد الحوادث مسبوق بالعدم موجود بإيجاد الله له كل فرد من أفراد الحوادث والمخلوقات مسبوق بالعدم، والله تعالى أوجده بعد أن كان معدوما. وإذا وصفنا بهذا الوصف لا يلزم هذه الفترة. فنقول: الحوادث متسلسلة في الأزل في الماضي إلى ما لا نهاية. وأيضا من الردود أنكم خالفتم النصوص فإن النصوص فيها أن الرب فعَّال ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣) ﴾ ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) ﴾ ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) ﴾ . ولأنكم بهذا تنقصتم الرب حيث نفيتم عنه صفة الكمال، وهو الفعل والكلام، وهذه تسمى مسألة تسلسل الحوادث. الحوادث: المخلوقات، النبات، الحيوان، الأشجار، والطيور والحيوانات والسماوات والأرضين ... إلى غيرها تسمى حوادث هذه هي الحوادث المتسلسلة. قال أهل السنة: الحوادث متسلسلة في الماضي بمعنى أن الرب لم يزل يفعل ويخلق خلقا بعد خلق إلى ما لا نهاية في الأزل، ولكن كل فرد من أفراد هذه المخلوقات مسبوق بالعدم، موجود بإيجاد الله له، ليس له من نفسه وجود ولا عدم، الله أوجده بعد أن كان معدوما. كل فرد من أفراد ... أما نوع الحوادث فهو متسلسل إلى ما لا نهاية، كما أن الحوادث متسلسلة في المستقبل إلى ما لا نهاية، فكما أن تسلسل الحوادث في المستقبل لا يمنع أن يكون الله هو الآخر فكذلك تسلسلها في الماضي لا يمنع أن يكون الله هو الأول؛ لأن الحوادث متسلسلة في المستقبل بالاتفاق حتى أهل البدع وافقوا على أن الحوادث متسلسلة في المستقبل؛ لأن الله لا يزال يُحْدِث لأهل الجنة نعيما بعد نعيم إلى ما لا نهاية. والمقصود أن معنى الحوادث متسلسلة، الحوادث: يعني المخلوقات، متسلسلة يعني مستمرة. الصور العقلية التي يتصورها العقل أربع صور: الصورة الأولى: الحوادث متسلسلة في الماضي وفي المستقبل. الصورة الثانية: الحوادث غير متسلسلة لا في الماضي ولا في المستقبل. والصورة الثالثة: الحوادث متسلسلة في المستقبل لا في الماضي. الصورة الرابعة: الحوادث متسلسلة في الماضي لا في المستقبل. هذه صور عقلية، ثلاث صور قال بها الناس، وصورة لم يقل بها أحد، الحوادث متسلسلة في الماضي وفي المستقبل هذا قول أهل السنة والجماعة، وهذا هو الصواب والذي تدل عنه النصوص. الحوادث غير متسلسلة لا في الماضي ولا في المستقبل هذا قول جهم بن صفوان والحذير بن علاف، وأنكر عليه ذلك أهل السنة وبَدَّعُوه وصاحوا به. الحوادث متسلسلة في المستقبل دون الماضي هذا قول كثير من أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من الشيعة. الحوادث متسلسلة في الماضي لا في المستقبل ما قال به أحد، صورة عقلية ما قال بها أحد. تكون الصور أربع. ثلاث صور قال بها أحد وصورة لم يقل بها أحد. يقول الشيخ الطحاوي ﵀: "مازال من صفاته القديم قبل خلقه" أراد بذلك الرد على أهل الكلام وأهل البدع الذين يقولون: إن الحوادث غير متسلسلة في الماضي، وإن هناك فترة عطلوا فيها الرب عن الكلام والفعل. ولهذا قال لهم أهل السنة: ما الفرق بين تسلسل الحوادث في الماضي وفى المستقبل أنتم وافقتم على أن الحوادث متسلسلة في المستقبل، وأن الرب لا يزال يزيد أهل الجنة نعيما إلى نعيم، إلى ما لا نهاية، وهذا لا يمنع أن يكون سبحانه هو الآخر الذي ليس بعده شيء، وكذلك تسلسل الحوادث في الماضي لا يمنع أن يكون الله هو الأول الذي ليس قبله شيء؛ لأننا نقول كل فرد من أفراد الحوادث مسبوق بالعدم مخلوق بعد أن لم يكن أوجده الله بعد أن كان معدوما، ويكفينا ما نذكر فترة ... ونقول: نوع الحوادث متسلسل ومستمر في الماضي كما أن نوع الحوادث متسلسل ومستمر في المستقبل. والصفات -كما سبق- الذاتية والفعلية ثابتة للرب بخلاف أهل البدع، فإنهم أنكروا الصفات الذاتية والفعلية كالجهمية والمعتزلة، وأما الكُلابية فإنهم أثبتوا الصفات الذاتية وأنكروا الصفات الفعلية فتكون المذاهب ثلاثة:

стр. 33

أهل السنة أثبتوا الصفات الذاتية والفعلية. أهل البدع من الجهمية والمعتزلة نفوا الصفات الذاتية والفعلية، عبد الله بن سعيد كلاب زعيم الكلابية أثبت الصفات الذاتية، ونفى الصفات الفعلية وشبهته في ذلك يقول: لئلا تحل الحوادث بذات الرب يسمونها مسألة حلول الحوادث. يقولون: (الكلابية والأشاعرة) : لو أثبتنا الصفة الفعلية من الغضب والرضا والكراهة والسخط والقبض والبسط والإحياء والإماتة والخفض والرفع والطي والاستواء والنزول لَلَزِمَ من ذلك حلول الحوادث بذات الرب، والله منزه عن حلول الحوادث. قال أهل السنة: ما مرادكم بحلول الحوادث؟ هذا القول وهو حلول الحوادث قول مُجْمَل لا بد فيه من التفصيل، إن أردتم بحلول الحوادث أن الله يحل في بذاته شيء من مخلوقاته هذا ما حصل فالله لا يحل في ذاته شيء من مخلوقاته. وإن أردتم بأن الله تجدد له صفات لم يكن متصفا بها خلقها لنفسه أو سماه بها الناس فهذا باطل، وإن أردتم بحلول الحادث نفي أن يكون الله يغضب ويرضى ويكره ويسخط، ويستوي، ينزل كما يشاء، ويكون متصفا بالاستواء، بالنزول، بالطي، بالقبض والبسط والخفض والرفع، هذا باطل هذه المعاني. وهذه الصفات ثابتة لله ولا ننفيها عن الله بتسميتكم إياها بأنها حلول الحوادث، بل نقول: هذه الصفة ثابتة لله وقولكم: إن تسميتكم لها بحلول الحوادث هذا باطل. ويتبع هذا البحث مسائل: المسألة الأولى الصفة، هل هي زائدة على الموصوف أو غير زائدة، وهل الصفة غير الموصوف أو الصفة هي الموصوف؟ هل الصفة زائدة على الموصوف أو غير زائدة؟ وهل الصفة غير الموصوف أو ليست غيرها؟ والجواب أن هذا مفهوم مجمل لا بد فيه من التفصيل فلا يقال: إن الصفة غير الموصوف، ولا يقال: إنها هي الموصوف، ولا يقال: الصفة زائدة على الموصوف، ولا يقال غير زائدة بل لا بد من التفصيل، بل يقال: إن أردتم بذلك أن الرب له ذات منفصلة عن الصفة فهذا قول باطل. قول الصفة غير الموصوف، وأن ذات الرب غير متصفة بالصفات، وأن هناك ذات مجردة منفصلة عن الصفات فهذا باطل. وإن أردتم أن الصفات لها معنى يفهم منها غير ما يفهم من الصفات فهذا صحيح، لكن ليس هناك ذات منفصلة عن الصفات، بل الذات لا بد أن توصف بالصفات، فليس هناك ذات مجردة إلا في الذهن. فإن أردتم أن هناك ذاتا مجردة منقطعة عن الصفات فهذا باطل فلا يقال: إن الصفات غير ذلك، وإن أردتم أن الذات متصلة بالصفات فهذا معنى صحيح. وهناك فرق بين أن يقال: الصفات غير الذات وبين أن يقال: الصفات غير الله، فالقول بأن الصفات غير الله باطل؛ لأن الله -تعالى- لأن اسم الله اسم له متصف بصفاته اسم للذات المقدسة لأسمائه وصفاته، أما الصفات غير الرب نعم الصفات لها معان غير معنى الذات. أما الرب، فلا يقال إن الله، إن صفات الله غير الله، ما يقال: إن صفات الله غير الله؛ لأن الله -تعالى- اسم الرب اسم الله، اسم لذاته متصفا بالصفات؛ ولهذا استعان النبي ﷺ بالصفات: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) ولا يعوذ بمخلوق ﵊ (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك) (وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي) استعان بالعظمة (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات) هذا استعانة بالله، فالصفات لا تنفصل عن الذات. فالله -تعالى- هو الذات المقدسة المتصفة بالصفات، فالله -تعالى- بذاته وصفاته وأسمائه هو الخالق وغيره مخلوق، فإن أريد أن هناك ذات منفصلة مجردة عن الصفات فهذا باطل، وأن أريد أن الذات متصلة بصفاتها، نعم فهذا صحيح. وكذلك أيضا من المسائل: المسألة الثانية: قولهم: الاسم. هل الاسم غير المسمى أو عين المسمى؟ هل الاسم هو المسمى أو غير المسمى؟ يقولون: اسم الله هل هو المسمى أو غير المسمى؟ أيضا فيه تفصيل، فلا يقال: إنه هو المسمى، ولا يقال غير المسمى بل فيه تفصيل، فإن أريد الاسم هو المسمى تارة يراد بالاسم المسمى، كما تقول: قال الله كذا كما تقول: سمع الله لمن حمده. فالاسم يراد به المسمى، وتارة يراد به اللفظ الدال على المسمى، كما تقول الله اسم عربي والرحمن اسم عربي، الرحمن اسم من أسماء الله، هذا مراد اللفظ الدال على المسمى، أما إذا قال الله، سمع الله لمن حمده فالاسم يراد به المسمى فلا بد من التفصيل في هذه المسائل. وكذلك قولهم: الصفة لا هي غير الموصوف، ولا هي عين الموصوف. أيضا له معنى الصفة لا هي غير الموصوف ولا عين الموصوف. ليست غير الموصوف؛ لأنه لا يوجد في الخارج ذات إلا متصل بالصفات، ولا هي عين الموصوف؛ لأن الصفة لها معنى غير معنى الذات.

стр. 34

وعلى كل حال فهذه المباحث مباحث عظيمة، ولولا أن أهل الكلام وأهل البدع تكلموا بالكلام الباطل لما تكلم أهل العلم بذلك، ولكن إن كان السلف والسابقون كانوا في عهدهم ذلك، لكن لما تكلم أهل البدع بالكلام الباطل وملئوا بها الأوراق والكتب، اضطر أهل العلم إلى رد الكلام الباطل. ومن ذلك قول الطحاوي ﵀: "إنه لم يزل متصفا بصفاته قبل خلقه، وكما كان في صفاته أزليا كذلك لم يزل بصفاته أبديا". المعنى أن الله -تعالى- متصف بصفاته بالأزل إلى ما لا نهاية في القدم فهو الأول بذاته وصفاته ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء. ما زال في صفاته قديما قبل خلقه. قلنا: إن مذهب أهل السنة والجماعة أن الرب لم يزل متصفا بصفاته الذاتية والفعلية، وأن الرب لم يزل فعالا؛ لأن الفعل من كمال ذاته المقدسة، والرب لم يزل يفعل، ويخلق الخلق من بعد خلق، إلى ما لا نهاية في الأزل. ولا ينفي أن يكون هو الأول الذي ليس قبله شيء، فهو الأول ليس قبله شيء، ولكنه متصف بصفات الكمال، والفعل صفة الكمال ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) ﴾ . فلم يزل يفعل، ويخلق بعد خلقه؛ لأن نوع الحوادث دائمة في الماضي، كما أنها دائمة في المستقبل، وهذا ما يسمى بتسلسل الحوادث في الماضي، ولكن كل فرد من أفراد هذه الحوادث والمخلوقات مسبوق بالعدم، كائن بعد أن لم يكن، وليس لها من نفسها وجود أو عدم، بل الله يوجدها بعد أن كانت معدومة. والله هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهي موجودة باختياره وإرادته، وليس هناك فترة يعطل فيها الرب، هذا هو قول أهل السنة والجماعة الذي تشهد له النصوص. أما أهل الكلام كالجهمية والمعتزلة وغيرهم فأثبتوا فترة عطلوا فيها الرب عن الفعل والكلام، وزعموا بذلك أنهم يريدون أن يثبتوا أن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، وأنه إذا قيل: إن الحوادث متسلسلة ودائمة في الماضي يذهب بذلك أن لا يكون الله هو الأول. وهذا باطل؛ فإن أهل الكلام يثبتون فترة يعطلون فيها الرب، وأهل السنة لا يثبتون فترة، ويقولون إن الحوادث متسلسلة ودائمة، لكنها مخلوقة بعد أن لم تكن، خلقها الله بإرادته واختياره. أما مذهب الفلاسفة كأرسطو والفارابي وابن سينا وغيرهم من الفلاسفة المتأخرين، وهم الذين يسمون الفلاسفة الإلهيين، فإنهم قالوا: إن المخلوقات والحوادث مقارنة للرب، ملازمة له في الأزل وفي الأبد. قالوا: إنها مقارِنة للرب، فلم يثبتوا أن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، بل قالوا: إنها مقارنة له في الزمان، فهذه المخلوقات مقارنة له في الزمان، هذا أزلا وأبدا، وهي لازمة له، لا يستطيع الانفكاك عنها، ليست مخلوقة باختياره وإرادته، بل هي لازمة له أزلا وأبدا؛ لأنه علتها، وهي المعلولة، وتقدمه عليها إنما هو كتقدم العلة للمعلول، وهي لازمة له كلزوم النور للسراج والمصباح، لا يستطيع الفكاك عنها، فهي لازمة له أزلا وأبدا. ولم يثبت أرسطو وجودا لله إلا من جهة كونه مبدأ للكثرة، وعلة غائية لحركة الفلك، بل هذه الكثرة وهذه المخلوقات مبدؤها الله، أي كأنه جزء منها -أعوذ بالله-، وهو العلة لها، محرك لها. كفرهم العلماء، كفرهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقال: أنتم أنكرتم أن يكون الله متقدما في الزمان، وأنكرتم أن يكون الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، حينما قلتم: إن الحوادث والمخلوقات مقارنة للرب في الزمان، أنكرتم أن يكون الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، ولم تثبتوا أن هذه الحوادث مخلوقة لله بقدرته ومشيئته، وقلتم: إنها لازمة له أزلا وأبدا، فأنكرتم تقدمه في الزمان، فكانوا بذلك كفارا. ثم ناقش العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، ناقشوا أهل البدع -أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة- قالوا: أنتم خالفتم الفلاسفة، فأثبتم فترة حتى تثبتوا أن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، ولم تقولوا كقول الفلاسفة: إن المخلوقات مقارِنة لله في الزمان. لكنكم حينما أنكرتم العلو -علو الرب على خلقه واستواءه على العرش- وقلتم: إن الله مختلط بالمخلوقات، على قول بعض الجهمية، أنكروا العلو والاستواء، وقالوا: إنه مختلط بالمخلوقات -تعالى الله عما يقولون-. وقال بعضهم، ونفى بعضهم عنه الوصفين المتقابلين فقالوا: لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا مباين له، ولا محايز له، ولا متصل به، ولا منفصل عنه. فالجهمية الأولى قالوا بالحلول -بحلول الرب-، والجهمية المتأخرون قالوا بنفي النقيضين: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايز له، ولا متصل به ولا منفصل عنه. ماذا يكون؟ عدم، بل ممتنع، فالطائفتان -الجهمية الأولى والثانية- كلاهما لم يثبت أن الله فوق المخلوقات، وأنه مستو على العرش، بائن من خلقه.

стр. 35

قال شيخ الإسلام: أنكرتم أن يكون الله متقدما في المكان، فلم تثبتوا أن الله هو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، كما أن الفلاسفة أنكروا تقدم الله في الزمان، وأن يكون هو الأول الذي ليس قبله شيء، فأنتم أنكرتم تقدم الله في المكان، فلم تثبتوا أن الله فوق المخلوقات، فصرتم بهذا مماثلين للفلاسفة. الفلاسفة أنكروا تقدم الله في الزمان، فلم يثبتوا أن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، وأنتم أنكرتم تقدم الله في المكان، فلم تثبتوا أن الله هو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، والله تعالى وصف نفسه بهذه الصفات الأربع، وبهذه الأسماء الأربعة متقابلة: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) ﴾ . ففسرها النبي ﷺ فسر الأولية بنفي تقدم شيء عليه، وفسر الآخِر بنفي أن يكون بعده شيء، وفسر الظاهر بنفي أن يكون فوقه شيء، فقال ﵊ في الحديث الصحيح: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء) . فما الفرق بين كفركم وكفر الفلاسفة؟ الفلاسفة كفروا لأنهم أنكروا تقدم الله في الزمان، وأنتم كفرتم لأنكم أنكرتم تقدم الله في المكان. فهذه فائدة مهمة في بيان ما عليه أهل البدع من الجهمية والمعتزلة، في إنكراهم علو الله على عرشه، وأنه مماثل لإنكار الفلاسفة، فالفلاسفة أنكروا تقدم الله في الزمان، وهؤلاء أنكروا تقدم الله في المكان. المسألة الثانية: سبق في مسألة "هل الصفات زائدة على الذات أو ليست زائدة؟ " وقلنا: إنه يفرق بين صفات الله وصفات غيره، فغير الله يقال إن الصفة زائدة على الذات، بمعنى أن لها معنى غير معنى الذات، وإن كان لا يتصور أن هناك ذاتا منفصلة عن الصفات، لكن يفهم من معاني الصفات ما لا يفهم من الذات، فإن أريد أن هناك ذاتا مجردة فهذا ليس بصحيح، وإن أريد أن الصفات لها معنى غير معنى الذات فهذا صحيح. أما الله فلا يقال: إن صفاته غير ذاته، بل الله بذاته وصفاته هو الله، الله بذاته وصفاته، مسمى الله يدخل فيه الذات والصفات، فلا يقال: إن الصفات غير الذات، فلا يقال: الله وعلمه الله وقدرته. ولهذا أنكر الإمام أحمد ﵀ في الرد على الجهمية -كتاب الرد على الزنادقة- على أهل البدع لما قالوا: الله وقدرته، الله وعلمه، الله ونوره. قال: لا نقول هذا، لا نقول الله وعلمه، الله وقدرته، الله ونوره. بل نقول: الله بعلمه وقدرته ونوره، هو الحي الذي لا إله إلا هو، هو الله لا إله إلا هو بعلمه وقدرته. ولا نقول: الله وعلمه، الله وقدرته، الله ونوره؛ لأن الواو تفيد المغايرة، بل نقول: الله بعلمه وقدرته ونوره، هو الله الذي لا إله إلا هو.

стр. 36

لَيْسَ بَعْدَ خَلْقِ الْخَلْقِ اسْتَفَادَ اسْمَ "الْخَالِقِ"، وَلَا بِإِحْدَاثِ الْبَرِيَّةِ اسْتَفَادَ اسْمَ "الْبَارِي.

стр. 37

له معنى الربوبية ولا مربوب ومعنى الخالق ولا مخلوق

стр. 38

وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم

стр. 39

ذلك بأنه على كل شيء قدير

стр. 40

ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير
следующие страницы →