← Джавами‘

Джавами‘ · id 1097

متون طالب العلم - الإضافية - 4

عبد المحسن القاسم

Полный текст (87 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مُتُونُ طالِبِ العِلِم مُحَقَّقَةٌ عَلى (٢٣٠) مَخطوُطَة المُتُونُ الإِضَافِيَّةُ (٤) كَشَفُ الشُبُهَاتِ مُحَقَّقٌ عَلَى نُسَخٍ نَفِيسَةٍ عَتِيقَةٍ لِإمَامِ الدَّعوَةِ الشَّيخ مُحَمَّدِ بِنْ عَبْدِ الوَهَّابِ بِنْ سُلَيمَانَ التَّمِيميّ ﵀ (١١١٥ هـ - ١٢٠٦ هـ) تحقيق د. عَبد المُحْسِن بن مُحَمَّدَ القَاسم إمَامِ وَخَطِيبِ المَسجِدِ النَّبَوي الشَريف

стр. 2

بسم اللَّه الرحمن الرحيم المُقَدِّمَةُ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى الدِّينَ، وَأَقَامَ لَهُ الحُجَجَ وَالبَرَاهِينَ، وَجَلَّاهُ لِلْخَلْقِ، ثُمَّ زَاغَ أَقْوَامٌ عَنْ دِينِ اللَّهِ وَأَلْقَوْا شُبُهَاتٍ عَلَيْهِ، وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ حُجَجَ أَهْلِ البَاطِلِ دَاحِضَةٌ، وَأَنَّ كُلَّ مَا يُلْقُونَهُ مِنْ شُبَهٍ فَإِنَّ الحَقَّ سَيَدْمَغُهُ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ولا يأتونك بمثلٍ إلا

стр. 3

جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: «﴿ولا يأتونك بمثلٍ﴾ أَيْ: بِحُجَّةٍ وَشُبْهَةٍ ﴿إِلا جِئْنَاكَ بِالحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أَيْ: وَلَا يَقُولُونَ قَوْلاً يُعَارِضُونَ بِهِ الحَقَّ، إِلَّا أَجَبْنَاهُمْ بِمَا هُوَ الحَقُّ فِي نَفْسِ الأَمْرِ، وَأَبْيَنُ وَأَوْضَحُ وَأَفْصَحُ مِنْ مَقَالَتِهِمْ» (١). وَقَدْ تَنَوَّعَتْ شُبَهُ المُبْطِلِينَ؛ مِنْ طَعْنٍ فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَفِي دِينِهِ، وَفِي نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَمِمَّا جَادَلُوا فِيهِ تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ، فَأَثَارُوا الشُّبَهَ عَلَى أَهْلِ الحَقِّ، وَأَلْبَسُوا شِرْكَهُمْ وَتَنْدِيدَهُمْ ثَوْبَ التَّوْحِيدِ زُوراً. _________ (١) تفسير القرآن العظيم (٦/ ٣٣٧).

стр. 4

وَانْبَرَى لِرَدِّ هَذِهِ الشُّبَهِ جَهَابِذَةُ العُلَمَاءِ عَلَى مَرِّ العُصُورِ، وَمِنْ أُولَئِكَ الأَفْذَاذِ إِمَامُ الدَّعْوَةِ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀، فَقَدْ دَعَا إِلَى تَوْحِيدِ العِبَادَةِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ عَاماً، وَعَارَضَهُ أَهْلُ البَاطِلِ، وَأَثَارُوا شُبَهاً وَاهِيَةً عَلَى تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ، فَحَصَرَهَا؛ ثُمَّ أَجَابَ عَنْ كُلِّ شُبْهَةٍ بِمَا يُجَلِّي ظَلَامَهَا، فِي مُصَنَّفٍ سَمَّاهُ: «كَشْفُ الشُّبُهَاتِ». وَلَا تَكَادُ تَجِدُ شُبْهَةً عَلَى مَرِّ الأَزْمَانِ فِي تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ إِلَّا وَالجَوَابُ عَنْهَا مَسْطُورٌ فِي هَذَا الكِتَابِ، فَكَانَ كِتَاباً فَرِيداً فِي بَابِهِ، مُجَلِّياً لِلْحَقِّ، مُدْحِضاً لِكُلِّ شُبْهَةٍ بِالرَّدِّ عَلَيْهَا مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

стр. 5

وَلِأَهَمِّيَّتِهِ حَقَّقْتُهُ ضِمْنَ سِلْسِلَةِ تَحْقِيقِ المُتُونِ الإِضَافِيَّةِ مِنْ «مُتُونُ طَالِبِ العِلْمِ»، مُعْتَمِداً عَلَى نُسَخٍ خَطِّيَّةٍ نَفِيسَةٍ؛ لِيَكُونَ مُعِيناً عَلَى ثَبَاتِ أَهْلِ الحَقِّ، وَتَمَسُّكِهِمْ بِدِينِهِمْ، وَزِيَادَةِ يَقِينِهِمْ بِصِحَّةِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ المُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ؛ وَلِيَكُونَ دَعْوَةً لِأَهْلِ الضَّلَالَةِ إِلَى سُلُوكِ سَبِيلِ الهِدَايَةِ. وَقَدْ جَرَّدْتُ هَذِهِ النُّسْخَةَ مِنْ حَوَاشِي الفُرُوقِ بَيْنَ نُسَخِ المَخْطُوطَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِيَسْهُلَ عَلَى الطَّالِبِ الحِفْظُ، وَأَثْبَتُّ جَمِيعَ ذَلِكَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى. أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَمَلَنَا فِيهِ خَالِصاً لِوَجْهِهِ الكَرِيمِ.

стр. 6

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ، وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. فَرَغْتُ مِنْهُ فِي ١٦/ ١١/ ١٤٤١ هـ

стр. 7

كَشَفُ الشُبُهَاتِ لِإمَامِ الدَّعوَةِ الشَّيخ مُحَمَّدِ بِنْ عَبْدِ الوَهَّابِ بِنْ سُلَيمَانَ التَّمِيميّ ﵀ (١١١٥ هـ - ١٢٠٦ هـ)

стр. 8

* النُّسَخُ المُعْتَمَدَةِ فِي تَحْقِيقِ هَذَا المَتْنِ: - نُسْخَةٌ خَطِّيَّةٌ بِجَامِعَةِ المَلِكِ سُعودٍ - السُّعُودِيَّة -، برَقْمِ (١٠٦٣)، تَارِيخُ نَسْخِهَا: (١٢١٣ هـ). - نُسْخَةٌ خَطِّيَّةٌ بِدَارَةِ المَلِكِ عَبْدِ العَزِيزِ - السُّعُودِيَّة -، بِرَقْمِ (٦٣٣٨ - مَجْمُوعَةُ مُحِبِّ الدِّينِ الخَطِيبِ ٥٧٨ - ١)، تَارِيخُ نَسْخِهَا: (١٢١٦ هـ). - نُسْخَةٌ خَطِّيَّةٌ بِمَكْتَبَةِ المَلِكِ عَبْدِ العَزِيزِ بالمدينةِ النَّبَوِيَّةِ (مَجْمُوعَةُ المَكْتَبَةِ المَحْمُودِيَّةِ) - السُّعُودِيَّة -، بِرَقْمِ (١٩٢٠)، تَارِيخُ نَسْخِهَا: (١٢١٦ هـ). - نُسْخَةٌ خَطِّيَّةٌ بِدَارَةِ المَلِكِ عَبْدِ العَزِيزِ - السُّعُودِيَّة -، بِرَقْمِ (١٥٠٤ - مَجْمُوعَةُ آلِ عَبْدِ اللَّطِيفِ ٧ - ٢)، تَارِيخُ نَسْخِهَا: (١٢١٧ هـ). - نُسْخَةٌ خَطِّيَّةٌ بِدَارَةِ المَلِكِ عبدِ العزيزِ - السُّعُودِيَّة -، بِرَقْمِ (١٠٨١ - مَجْمُوعَةُ عَبْدِ العَزِيزِ المَنِيع ٣٠ - ٤)، تَارِيخُ نَسْخِهَا: (١٢١٨ هـ).

стр. 9

- نُسْخَةٌ خَطِّيَّةٌ بِمَرْكَزِ المَلِكِ فَيْصَلٍ - السُّعوديَّة -، بِرَقْمِ (٢٧٢٧)، تَارِيخُ نَسْخِهَا: (١٢٢٣ هـ). - نُسْخَةٌ خَطِّيَّةٌ بِمَكْتَبَةِ الحَرَمِ المَكِّيِّ - السُّعوديَّة -، بِرَقْمِ (١٣٤١)، تَارِيخُ نَسْخِهَا: (١٢٢٨ هـ). - نُسْخَةٌ خَطِّيَّةٌ بِدَارَةِ المَلِكِ عَبْدِ العَزِيزِ - السُّعوديَّة -، بِرَقْمِ (٥٤٠٧ - مَجْمُوعَةُ المُهَنَّا ١٧)، تَارِيخُ نَسْخِهَا: (١٢٢٨ هـ). - نُسْخَةٌ خَطِّيَّةٌ بِدَارَةِ المَلِكِ عَبْدِ العَزِيزِ - السُّعوديَّة -، بِرَقْمِ (٢٣٩٦/ ٥٨ - ٥)، تَارِيخُ نَسْخِهَا: لَمْ يُذْكَرْ؛ لَكِنْ وَرَدَ عَلَى النُّسْخَةِ حَاشِيَةٌ مُؤَرَّخَةٌ بِسَنَةِ (١٢٣٧ هـ)، فَتَارِيخُ نَسْخِهَا فِي السَّنَةِ المَذْكُورَةِ أَوْ قَبْلَهَا. - نُسْخَةٌ خَطِّيَّةٌ بِمَكْتَبَةِ المَلِكِ عَبْدِ العَزِيزِ العَامَّة بِالرِّيَاضِ، بِرَقْمِ (٣٦٨٧/ ٣)، تَارِيخُ نَسْخِهَا: لَمْ يُذْكَر، لَكِنَّهَا ضِمْنَ مَجْمُوعٍ أُرِّخَ بَعْضُ رَسَائِلِهِ سنةَ (١٢٨١ هـ).

стр. 10

- نُسْخَةٌ خَطِّيَّةٌ بِمَرْكَزِ المَلِك فَيْصَلٍ - السُّعوديَّة -، بِرَقْمِ (١٣٤٦٧)، تَارِيخُ نَسْخِهَا: (١٢٨٢ هـ). - نُسْخَةٌ خَطِّيَّةٌ بِالجَامِعِ الكَبِيرِ بِعُنَيْزَةَ - السُّعوديَّة -، بِرَقْمِ (٣٨٩)، تَارِيخُ نَسْخِهَا: (١٣٠٧ هـ). - نُسْخَةٌ خَطِّيَّةٌ بِجَامِعَةِ المَلِكِ سُعُودٍ (قِسْمُ المَخْطُوطَاتِ) - السُّعوديَّة -، بِرَقْمِ (١٠٧٢)، تَارِيخُ نَسْخِهَا: (١٣٠٧ هـ).

стр. 11

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [مُقَدِّمَةٌ فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ دِينِ المُرْسَلِينَ وَمَا دَعَوْا إِلَيْهِ، وَحَقِيقَةِ دِينِ المُشْرِكِينَ وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ] اعْلَمْ - رَحِمَكَ اللَّهُ -: أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ: إِفْرَادُ اللَّهِ بِالعِبَادَةِ، وَهُوَ دِينُ الرُّسُلِ الَّذِي أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ إِلَى عِبَادِهِ. فَأَوَّلُهُمْ نُوحٌ ﵇، أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى قَوْمِهِ لَمَّا غَلَوْا فِي الصَّالِحِينَ - وَدٍّ، وَسُوَاعٍ، وَيَغُوثَ، وَيَعُوقَ، وَنَسْرٍ -. وَآخِرُ الرُّسُلِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَهُوَ الَّذِي كَسَّرَ صُوَرَ هَؤُلَاءِ الصَّالِحِينَ.

стр. 12

أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى أُنَاسٍ يَتَعَبَّدُونَ، وَيَحُجُّونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ كَثِيراً، وَلَكِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ بَعْضَ المَخْلُوقَاتِ وَسَائِطَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ - يَقُولُونَ: نُرِيدُ مِنْهُمُ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ، وَنُرِيدُ شَفَاعَتَهُمْ عِنْدَهُ - مِثْلَ المَلَائِكَةِ، وَعِيسَى، وَمَرْيَمَ، وَأُنَاسٍ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً ﷺ يُجَدِّدُ لَهُمْ دِينَ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ هَذَا التَّقَرُّبَ وَالِاعْتِقَادَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ، لَا يَصْلُحُ مِنْهُ شَيْءٌ لَا لِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَلَا لِنَبِيٍّ مُرْسَلٍ؛ فَضْلاً عَنْ غَيْرِهِمَا.

стр. 13

وَإِلَّا فَهَؤُلَاءِ المُشْرِكُونَ - الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الخَالِقُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَرْزُقُ إِلَّا هُوَ، وَلَا يُحْيِي وَلَا يُمِيتُ إِلَّا هُوَ، وَلَا يُدَبِّرُ الأَمْرَ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّ جَمِيعَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَالأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَنْ فِيهِنَّ، كُلُّهُمْ عَبِيدُهُ وَتَحْتَ تَصَرُّفِهِ وَقَهْرِهِ.

стр. 14

فَإِذَا أَرَدْتَ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ - الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْهَدُونَ بِهَذَا؛ فَاقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. وَقَوْلَهُ: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾. وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ.

стр. 15

فَإِذَا تَحَقَّقْتَ أَنَّهُمْ مُقِرُّونَ بِهَذَا وَأَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْهُمْ فِي التَّوْحِيدِ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَعَرَفْتَ أَنَّ التَّوْحِيدَ الَّذِي جَحَدُوهُ؛ هُوَ تَوْحِيدُ العِبَادَةِ - الَّذِي يُسَمِّيهِ المُشْرِكُونَ فِي زَمَانِنَا «الِاعْتِقَادَ» -، كَمَا كَانُوا يَدْعُونَ اللَّهَ لَيْلاً وَنَهَاراً، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَدْعُو المَلَائِكَةَ لِأَجْلِ صَلَاحِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ لِيَشْفَعُوا لَهُ، أَوْ يَدْعُو رَجُلاً صَالِحاً - مِثْلَ اللَّاتِ -، أَوْ نَبِيّاً - مِثْلَ عِيسَى -. وَعَرَفْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاتَلَهُمْ عَلَى هَذَا الشِّرْكِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى إِخْلَاصِ العِبَادَةِ لِلَّهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ

стр. 16

أَحَدًا﴾، وَقَالَ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾.

стр. 17

وَتَحَقَّقْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاتَلَهُمْ؛ لِيَكُونَ الدُّعَاءُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَالذَّبْحُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَالنَّذْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَالِاسْتِغَاثَةُ كُلُّهَا بِاللَّهِ، وَجَمِيعُ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ كُلُّهَا لِلَّهِ. وَعَرَفْتَ أَنَّ إِقْرَارَهُمْ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ لَمْ يُدْخِلْهُمْ فِي الإِسْلَامِ، وَأَنَّ قَصْدَهُمُ المَلَائِكَةَ وَالأَنْبِيَاءَ وَالأَوْلِيَاءَ - يُرِيدُونَ شَفَاعَتَهُمْ وَالتَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ بِذَلِكَ - هُوَ الَّذِي أَحَلَّ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ. عَرَفْتَ حِينَئِذٍ التَّوْحِيدَ الَّذِي دَعَتْ إِلَيْهِ الرُّسُلُ، وَأَبَى عَنِ الإِقْرَارِ بِهِ المُشْرِكُونَ.

стр. 18

وَهَذَا التَّوْحِيدُ هُوَ مَعْنَى قَوْلِكَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»؛ فَإِنَّ «الإِلَهَ» عِنْدَهُمْ هُوَ الَّذِي يُقْصَدُ لِأَجْلِ هَذِهِ الأُمُورِ؛ سَوَاءٌ كَانَ مَلَكاً، أَوْ نَبِيّاً، أَوْ وَلِيّاً، أَوْ شَجَرَةً، أَوْ قَبْراً، أَوْ جِنِّيّاً. لَمْ يُرِيدُوا أَنَّ «الإِلَهَ» هُوَ الخَالِقُ الرَّازِقُ المُدَبِّرُ، فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ وَحْدَهُ - كَمَا قَدَّمْتُ لَكَ -. وَإِنَّمَا يَعْنُونَ بِـ «الإِلَهِ»: مَا يَعْنِي المُشْرِكُونَ فِي زَمَانِنَا بِلَفْظِ «السَّيِّدِ». فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُوهُمْ إِلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَهِيَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». وَالمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ: مَعْنَاهَا؛ لَا مُجَرَّدُ لَفْظِهَا.

стр. 19

وَالكُفَّارُ الجُهَّالُ يَعْلَمُونَ أَنَّ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ: هُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ بِالتَّعَلُّقِ، وَالكُفْرُ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ وَالبَرَاءَةُ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُمْ: «قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ قَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾». فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ جُهَّالَ الكُفَّارِ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ؛ فَالعَجَبُ مِمَّنْ يَدَّعِي الإِسْلَامَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مِنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ مَا عَرَفَ جُهَّالُ الكُفَّارِ! بَلْ يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ التَّلَفُّظُ بِحُرُوفِهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ القَلْبِ لِشَيْءٍ مِنَ المَعَانِي. وَالحَاذِقُ مِنْهُمْ يَظُنُّ أَنَّ مَعْنَاهَا: «لَا يَخْلُقُ وَلَا يَرْزُقُ وَلَا يُدَبِّرُ الأَمْرَ إِلَّا اللَّهُ». فَلَا خَيْرَ فِي رَجُلٍ جُهَّالُ الكُفَّارِ أَعْلَمُ مِنْهُ بِمَعْنَى «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».

стр. 20

إِذَا عَرَفْتَ مَا قُلْتُ لَكَ مَعْرِفَةَ قَلْبٍ، وَعَرَفْتَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾. وَعَرَفْتَ دِينَ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الرُّسُلَ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمُ - الَّذِي لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ سِوَاهُ -. وَعَرَفْتَ مَا أَصْبَحَ غَالِبُ النَّاسِ فِيهِ مِنَ الجَهْلِ بِهَذَا؛ أَفَادَكَ فَائِدَتَيْنِ: الأُولَى: الفَرَحُ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. وَأَفَادَكَ - أَيْضاً -: الخَوْفَ العَظِيمَ؛ فَإِنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ أَنَّ الإِنْسَانَ يَكْفُرُ بِكَلِمَةٍ يُخْرِجُهَا مِنْ لِسَانِهِ،

стр. 21

وَقَدْ يَقُولُهَا وَهُوَ جَاهِلٌ؛ فَلَا يُعْذَرُ بِالجَهْلِ، وَقَدْ يَقُولُهَا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهَا تُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ - كَمَا ظَنَّ الكُفَّارُ -. خُصُوصاً إِنْ أَلْهَمَكَ اللَّهُ مَا قَصَّ عَنْ قَوْمِ مُوسَى - مَعَ صَلَاحِهِمْ وَعِلْمِهِمْ - أَنَّهُمْ أَتَوْهُ قَائِلِينَ: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. فَحِينَئِذٍ يَعْظُمُ خَوْفُكَ وَحِرْصُكَ عَلَى مَا يُخَلِّصُكَ مِنْ هَذَا وَأَمْثَالِهِ.

стр. 22

وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مِنْ حِكْمَتِهِ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً بِهَذَا التَّوْحِيدِ إِلَّا جَعَلَ لَهُ أَعْدَاءً؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. وَقَدْ يَكُونُ لِأَعْدَاءِ التَّوْحِيدِ عُلُومٌ كَثِيرَةٌ، وَكُتُبٌ، وَحُجَجٌ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾.

стр. 23

إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ، وَعَرَفْتَ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى اللَّهِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَعْدَاءٍ قَاعِدِينَ عَلَيْهِ - أَهْلِ فَصَاحَةٍ وَعِلْمٍ وَحُجَجٍ -؛ فَالوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَعَلَّمَ مِنْ دِينِ اللَّهِ مَا يَصِيرُ سِلَاحاً لَكَ تُقَاتِلُ بِهِ هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينَ، الَّذِينَ قَالَ إِمَامُهُمْ وَمُقَدَّمُهُمْ لِرَبِّكَ : ﴿قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. وَلَكِنْ إِنْ أَقْبَلْتَ عَلَى اللَّهِ، وَأَصْغَيْتَ إِلَى حُجَجِ اللَّهِ وَبَيِّنَاتِهِ؛ فَلَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. وَالعَامِّيُّ مِنَ المُوَحِّدِينَ يَغْلِبُ أَلْفاً مِنْ عُلَمَاءِ هَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾؛ فَجُنْدُ اللَّهِ هُمُ

стр. 24

الغَالِبُونَ بِالحُجَّةِ وَاللِّسَانِ، كَمَا أَنَّهُمُ الغَالِبُونَ بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ، وَإِنَّمَا الخَوْفُ عَلَى المُوَحِّدِ الَّذِي يَسْلُكُ الطَّرِيقَ وَلَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ. وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بِكِتَابِهِ الَّذِي جَعَلَهُ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ، وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَأْتِي صَاحِبُ بَاطِلٍ بِحُجَّةٍ إِلَّا وَفِي القُرْآنِ مَا يَنْقُضُهَا وَيُبَيِّنُ بُطْلَانَهَا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، قَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: «هَذِهِ الآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ حُجَّةٍ يَأْتِي بِهَا أَهْلُ البَاطِلِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».

стр. 25

[جَوَابٌ مُجْمَلٌ عَنِ احْتِجَاجِ المُشْرِكِينَ بِالمُتَشَابِهِ] وَأَنَا أَذْكُرُ لَكَ أَشْيَاءَ - مِمَّا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ - جَوَاباً لِكَلَامٍ احْتَجَّ بِهِ المُشْرِكُونَ فِي زَمَانِنَا عَلَيْنَا؛ فَنَقُولُ: جَوَابُ أَهْلِ البَاطِلِ مِنْ طَرِيقَيْنِ: مُجْمَلٍ، وَمُفَصَّلٍ. أَمَّا المُجْمَلُ: فَهُوَ الأَمْرُ العَظِيمُ، وَالفَائِدَةُ الكَبِيرَةُ لِمَنْ عَقَلَهَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾.

стр. 26

وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؛ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ». مِثَالُ ذَلِكَ: إِذَا قَالَ لَكَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. أَوْ: إِنَّ الشَّفَاعَةَ حَقٌّ. أَوْ: إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَهُمْ جَاهٌ عِنْدَ اللَّهِ. أَوْ: ذَكَرَ كَلَاماً لِلنَّبِيِّ ﷺ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ بَاطِلِهِ، وَأَنْتَ لَا تَفْهَمُ مَعْنَى الكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ.

стр. 27

فَجَاوِبْهُ بِقَوْلِكَ: إِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أَنَّ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ يَتْرُكُونَ المُحْكَمَ وَيَتَّبِعُونَ المُتَشَابِهَ. وَمَا ذَكَرْتُهُ لَكَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أَنَّ المُشْرِكِينَ يُقِرُّونَ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَأَنَّهُ كَفَّرَهُمْ بِتَعَلُّقِهِمْ عَلَى المَلَائِكَةِ، وَالأَنْبِيَاءِ، وَالأَوْلِيَاءِ - مَعَ قَوْلِهِمْ: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ -؛ هَذَا أَمْرٌ مُحْكَمٌ بَيِّنٌ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُغَيِّرَ مَعْنَاهُ. وَمَا ذَكَرْتَ لِي - أَيُّهَا المُشْرِكُ! - مِنَ القُرْآنِ، أَوْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لَا أَعْرِفُ مَعْنَاهُ، وَلَكِنْ أَقْطَعُ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَا يَتَنَاقَضُ، وَأَنَّ كَلَامَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُخَالِفُ كَلَامَ اللَّهِ.

стр. 28

وَهَذَا جَوَابٌ جَيِّدٌ سَدِيدٌ، وَلَكِنْ لَا يَفْهَمُهُ إِلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا تَسْتَهِنْ بِهِ؛ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. ***

стр. 29

[جَوَابٌ مُفَصَّلٌ عَنِ الشُّبَهِ] [الشُّبْهَةُ الأُولَى: أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَمْ يَقْصِدْ مِنَ الصَّالِحِينَ إِلَّا الجَاهَ وَالشَّفَاعَةَ؛ فَلَيْسَ بِمُشْرِكٍ] وَأَمَّا الجَوَابُ المُفَصَّلُ: فَإِنَّ أَعْدَاءَ اللَّهِ لَهُمُ اعْتِرَاضَاتٌ كَثِيرَةٌ عَلَى دِينِ الرُّسُلِ يَصُدُّونَ بِهَا النَّاسَ عَنْهُ. مِنْهَا: قَوْلُهُمْ: نَحْنُ لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ، بَلْ نَشْهَدُ أَنَّهُ لَا يَخْلُقُ، وَلَا يَرْزُقُ، وَلَا يَنْفَعُ، وَلَا يَضُرُّ، إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً ﷺ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً، فَضْلاً عَنْ عَبْدِ القَادِرِ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَكِنْ أَنَا مُذْنِبٌ، وَالصَّالِحُونَ لَهُمْ جَاهٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ بِهِمْ!

стр. 30

فَجَاوِبْهُ بِمَا تَقَدَّمَ؛ وَهُوَ: أَنَّ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقِرُّونَ بِمَا ذَكَرْتَ، وَمُقِرُّونَ أَنَّ أَوْثَانَهُمْ لَا تُدَبِّرُ شَيْئاً، وَإِنَّمَا أَرَادُوا الجَاهَ وَالشَّفَاعَةَ، وَاقْرَأْ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَوَضَّحَهُ. ***

стр. 31

[الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: حَصْرُهُمْ عِبَادَةَ غَيْرِ اللَّهِ فِي الأَصْنَامِ دُونَ الصَّالِحِينَ] فَإِنْ قَالَ: هَؤُلَاءِ الآيَاتُ نَزَلَتْ فِيمَنْ يَعْبُدُ الأَصْنَامَ؛ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ الصَّالِحِينَ مِثْلَ الأَصْنَامِ؟! أَمْ كَيْفَ تَجْعَلُونَ الأَنْبِيَاءَ أَصْنَاماً؟! فَجَاوِبْهُ بِمَا تَقَدَّمَ. فَإِنَّهُ إِذَا أَقَرَّ أَنَّ الكُفَّارَ يَشْهَدُونَ بِالرُّبُوبِيَّةِ كُلِّهَا لِلَّهِ، وَأَنَّهُمْ مَا أَرَادُوا مِمَّنْ قَصَدُوا إِلَّا الشَّفَاعَةَ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ فِعْلِهِمْ وَفِعْلِهِ بِمَا ذَكَرَ. فَاذْكُرْ لَهُ أَنَّ الكُفَّارَ مِنْهُمْ مَنْ يَدْعُو الأَصْنَامَ،

стр. 32

وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْعُو الأَوْلِيَاءَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾، وَيَدْعُونَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وَاذْكُرْ لَهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.

стр. 33

فَقُلْ لَهُ: عَرَفْتَ أَنَّ اللَّهَ كَفَّرَ مَنْ قَصَدَ الأَصْنَامَ، وَكَفَّرَ - أَيْضاً - مَنْ قَصَدَ الصَّالِحِينَ، وَقَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ***

стр. 34

[الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ طَلَبَ الشَّفَاعَةِ مِنْهُمْ لَيْسَ بِشِرْكٍ] فَإِنْ قَالَ: الكُفَّارُ يُرِيدُونَ مِنْهُمْ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ النَّافِعُ، الضَّارُّ، المُدَبِّرُ، لَا أُرِيدُ إِلَّا مِنْهُ، وَالصَّالِحُونَ لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ، وَلَكِنْ أَقْصِدُهُمْ أَرْجُو مِنَ اللَّهِ شَفَاعَتَهُمْ. فَالجَوَابُ: إِنَّ هَذَا قَوْلُ الكُفَّارِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَاقْرَأْ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وَقَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾.

стр. 35

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الشُّبَهَ الثَّلَاثَ هِيَ أَكْبَرُ مَا عِنْدَهُمْ، فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ اللَّهَ وَضَّحَهَا فِي كِتَابِهِ، وَفَهِمْتَهَا فَهْماً جَيِّداً؛ فَمَا بَعْدَهَا أَيْسَرُ مِنْهَا. ***

стр. 36

[الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: نَفْيُهُمْ عِبَادَةَ الصَّالِحِينَ، مَعَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَهُمْ أَوْ يَذْبَحُونَ لَهُمْ] فَإِنْ قَالَ: أَنَا لَا أَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ، وَهَذَا الِالْتِجَاءُ إِلَى الصَّالِحِينَ وَدُعَاؤُهُمْ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ. [الجَوَابُ الأَوَّلُ] فَقُلْ لَهُ: أَنْتَ تُقِرُّ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكَ إِخْلَاصَ العِبَادَةِ؟ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ. فَقُلْ لَهُ: بَيِّنْ لِي هَذَا الفَرْضَ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ - وَهُوَ إِخْلَاصُ العِبَادَةِ، وَهُوَ حَقُّهُ عَلَيْكَ -.

стр. 37

فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ العِبَادَةَ وَلَا أَنْوَاعَهَا؛ فَبَيِّنْهَا بِقَوْلِكَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾. فَإِذَا أَعْلَمْتَهُ بِهَذَا؛ فَقُلْ لَهُ: هَلْ هُوَ عِبَادَةٌ لِلَّهِ؟ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ، وَ «الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ». فَقُلْ لَهُ: إِذَا أَقْرَرْتَ أَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَدَعَوْتَ اللَّهَ لَيْلاً وَنَهَاراً، خَوْفاً وَطَمَعاً، ثُمَّ دَعَوْتَ فِي تِلْكَ الحَاجَةِ نَبِيّاً أَوْ غَيْرَهُ؛ هَلْ أَشْرَكْتَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ غَيْرَهُ؟ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ.

стр. 38

فَقُلْ لَهُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، فَإِذَا صَلَّيْتَ لِلَّهِ وَنَحَرْتَ لَهُ؛ هَلْ هَذَا عِبَادَةٌ؟ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ. فَقُلْ لَهُ: إِذَا نَحَرْتَ لِمَخْلُوقٍ - نَبِيٍّ، أَوْ جِنِّيٍّ، أَوْ غَيْرِهِمَا -؛ هَلْ أَشْرَكْتَ فِي هَذِهِ العِبَادَةِ غَيْرَ اللَّهِ؟ فَلَا بُدَّ أَنْ يُقِرَّ وَيَقُولَ: نَعَمْ.

стр. 39

[الجَوَابُ الثَّانِي] وَقُلْ لَهُ - أَيْضاً -: المُشْرِكُونَ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ؛ هَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ المَلَائِكَةَ، وَالصَّالِحِينَ، وَاللَّاتَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ؟ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ. فَقُلْ لَهُ: وَهَلْ كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُمْ إِلَّا فِي الدُّعَاءِ، وَالذَّبْحِ، وَالِالْتِجَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ وَإِلَّا فَهُمْ مُقِرُّونَ أَنَّهُمْ عَبِيدُهُ وَتَحْتَ قَهْرِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ الأَمْرَ، وَلَكِنْ دَعَوْهُمْ وَالْتَجَؤُوا إِلَيْهِمْ لِلْجَاهِ وَالشَّفَاعَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدّاً. ***

стр. 40

[الشُّبْهَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الشِّرْكَ؛ فَقَدْ أَنْكَرَ شَفَاعَةَ الرَّسُولِ ﷺ ] فَإِنْ قَالَ: أَتُنْكِرُ شَفَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَبْرَأُ مِنْهَا؟ فَقُلْ: لَا أُنْكِرُهَا، وَلَا أَتَبَرَّأُ مِنْهَا، بَلْ هُوَ ﷺ : الشَّافِعُ المُشَفَّعُ، وَأَرْجُو شَفَاعَتَهُ، وَلَكِنَّ الشَّفَاعَةَ كُلَّهَا لِلَّهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. وَلَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللَّهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. وَلَا يَشْفَعُ فِي أَحَدٍ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ فِيهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾.
следующие страницы →