Полный текст (87 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
[الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: نَفْيُهُمْ عِبَادَةَ الصَّالِحِينَ، مَعَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَهُمْ أَوْ يَذْبَحُونَ لَهُمْ]
فَإِنْ قَالَ: أَنَا لَا أَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ، وَهَذَا الِالْتِجَاءُ إِلَى الصَّالِحِينَ وَدُعَاؤُهُمْ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ.
[الجَوَابُ الأَوَّلُ]
فَقُلْ لَهُ: أَنْتَ تُقِرُّ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكَ إِخْلَاصَ العِبَادَةِ؟
فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ.
فَقُلْ لَهُ: بَيِّنْ لِي هَذَا الفَرْضَ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ - وَهُوَ إِخْلَاصُ العِبَادَةِ، وَهُوَ حَقُّهُ عَلَيْكَ -.
стр. 37
فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ العِبَادَةَ وَلَا أَنْوَاعَهَا؛ فَبَيِّنْهَا بِقَوْلِكَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾.
فَإِذَا أَعْلَمْتَهُ بِهَذَا؛ فَقُلْ لَهُ: هَلْ هُوَ عِبَادَةٌ لِلَّهِ؟
فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ، وَ «الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ».
فَقُلْ لَهُ: إِذَا أَقْرَرْتَ أَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَدَعَوْتَ اللَّهَ لَيْلاً وَنَهَاراً، خَوْفاً وَطَمَعاً، ثُمَّ دَعَوْتَ فِي تِلْكَ الحَاجَةِ نَبِيّاً أَوْ غَيْرَهُ؛ هَلْ أَشْرَكْتَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ غَيْرَهُ؟
فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ.
стр. 38
فَقُلْ لَهُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، فَإِذَا صَلَّيْتَ لِلَّهِ وَنَحَرْتَ لَهُ؛ هَلْ هَذَا عِبَادَةٌ؟
فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ.
فَقُلْ لَهُ: إِذَا نَحَرْتَ لِمَخْلُوقٍ - نَبِيٍّ، أَوْ جِنِّيٍّ، أَوْ غَيْرِهِمَا -؛ هَلْ أَشْرَكْتَ فِي هَذِهِ العِبَادَةِ غَيْرَ اللَّهِ؟
فَلَا بُدَّ أَنْ يُقِرَّ وَيَقُولَ: نَعَمْ.
стр. 39
[الجَوَابُ الثَّانِي]
وَقُلْ لَهُ - أَيْضاً -: المُشْرِكُونَ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ؛ هَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ المَلَائِكَةَ، وَالصَّالِحِينَ، وَاللَّاتَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ؟
فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ.
فَقُلْ لَهُ: وَهَلْ كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُمْ إِلَّا فِي الدُّعَاءِ، وَالذَّبْحِ، وَالِالْتِجَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ وَإِلَّا فَهُمْ مُقِرُّونَ أَنَّهُمْ عَبِيدُهُ وَتَحْتَ قَهْرِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ الأَمْرَ، وَلَكِنْ دَعَوْهُمْ وَالْتَجَؤُوا إِلَيْهِمْ لِلْجَاهِ وَالشَّفَاعَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدّاً.
***
стр. 40
[الشُّبْهَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الشِّرْكَ؛ فَقَدْ أَنْكَرَ شَفَاعَةَ الرَّسُولِ ﷺ ]
فَإِنْ قَالَ: أَتُنْكِرُ شَفَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَبْرَأُ مِنْهَا؟
فَقُلْ: لَا أُنْكِرُهَا، وَلَا أَتَبَرَّأُ مِنْهَا، بَلْ هُوَ ﷺ : الشَّافِعُ المُشَفَّعُ، وَأَرْجُو شَفَاعَتَهُ، وَلَكِنَّ الشَّفَاعَةَ كُلَّهَا لِلَّهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾.
وَلَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللَّهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
وَلَا يَشْفَعُ فِي أَحَدٍ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ فِيهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾.
стр. 41
وَهُوَ لَا يَرْضَى إِلَّا التَّوْحِيدَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.
فَإِذَا كَانَتِ الشَّفَاعَةُ كُلُّهَا لِلَّهِ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِهِ، وَلَا يَشْفَعُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا غَيْرُهُ فِي أَحَدٍ حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ فِيهِ، وَلَا يَأْذَنُ إِلَّا لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ؛ تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّفَاعَةَ كُلَّهَا لِلَّهِ، وَأَطْلُبُهَا مِنْهُ، فَأَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنِي شَفَاعَتَهُ! اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ! وَأَمْثَالَ هَذَا.
***
стр. 42
[الشُّبْهَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُعْطِيَ الشَّفَاعَةَ، وَأَنَّهَا تُطْلَبُ مِنْهُ]
فَإِنْ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ أُعْطِيَ الشَّفَاعَةَ، وَأَنَا أَطْلُبُهُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ!
[الجَوَابُ الأَوَّلُ]
فَالجَوَابُ: أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُ الشَّفَاعَةَ، وَنَهَاكَ أَنْ تَدْعُوَ مَعَ اللَّهِ أَحَداً؛ فَقَالَ: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾.
وَطَلَبُكَ مِنَ اللَّهِ شَفَاعَةَ نَبِيِّهِ ﷺ عِبَادَةٌ، وَاللَّهُ نَهَاكَ أَنْ تُشْرِكَ فِي هَذِهِ العِبَادَةِ أَحَداً، فَإِذَا كُنْتَ تَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُشَفِّعَهُ فِيكَ؛ فَأَطِعْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾.
стр. 43
[الجَوَابُ الثَّانِي]
وَأَيْضاً: فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ أُعْطِيَهَا غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَصَحَّ أَنَّ المَلَائِكَةَ يَشْفَعُونَ، وَالأَوْلِيَاءَ يَشْفَعُونَ، وَالأَفْرَاطَ يَشْفَعُونَ.
أَتَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُمُ الشَّفَاعَةَ، فَأَطْلُبُهَا مِنْهُمْ؟
فَإِنْ قُلْتَ هَذَا؛ رَجَعْتَ إِلَى عِبَادَةِ الصَّالِحِينَ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ.
وَإِنْ قُلْتَ: لَا؛ بَطَلَ قَوْلُكَ: (أَعْطَاهُ اللَّهُ الشَّفَاعَةَ، وَأَنَا أَطْلُبُهُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ).
***
стр. 44
[الشُّبْهَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ الِالْتِجَاءَ إِلَى الصَّالِحِينَ لَيْسَ بِشِرْكٍ]
فَإِنْ قَالَ: أَنَا لَا أُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً، حَاشَا وَكَلَّا! وَلَكِنَّ الِالْتِجَاءَ إِلَى الصَّالِحِينَ لَيْسَ بِشِرْكٍ.
فَقُلْ لَهُ: إِذَا كُنْتَ تُقِرُّ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الشِّرْكَ أَعْظَمَ مِنْ تَحْرِيمِ الزِّنَا، وَتُقِرُّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُهُ.
فَمَا هَذَا الأَمْرُ الَّذِي عَظَّمَهُ اللَّهُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُهُ؟! فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي.
فَقُلْ لَهُ: كَيْفَ تُبَرِّئُ نَفْسَكَ مِنَ الشِّرْكِ وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُهُ؟
стр. 45
كَيْفَ يُحَرِّمُ اللَّهُ عَلَيْكَ هَذَا، وَيَذْكُرُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُهُ؛ وَلَا تَسْأَلُ عَنْهُ وَلَا تَعْرِفُهُ؟
أَتَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُحَرِّمُهُ وَلَا يُبَيِّنُهُ لَنَا؟!
***
стр. 46
[الشُّبْهَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ الشِّرْكَ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ، وَنَحْنُ لَا نَعْبُدُ الأَصْنَامَ]
فَإِنْ قَالَ: الشِّرْكُ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ، وَنَحْنُ لَا نَعْبُدُ الأَصْنَامَ!
[الجَوَابُ الأَوَّلُ]
فَقُلْ لَهُ: مَا مَعْنَى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ؟
أَتَظُنُّ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ تِلْكَ الأَخْشَابَ وَالأَحْجَارَ تَخْلُقُ، وَتَرْزُقُ، وَتُدَبِّرُ أَمْرَ مَنْ دَعَاهَا؟! فَهَذَا يُكَذِّبُهُ القُرْآنُ.
وَإِنْ قَالَ: هُوَ قَصْدُ خَشَبَةٍ، أَوْ حَجَرٍ، أَوْ بِنْيَةٍ عَلَى قَبْرٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ يَدْعُونَ ذَلِكَ،
стр. 47
وَيَذْبَحُونَ لَهُ؛ يَقُولُونَ: إِنَّهُ يُقَرِّبُنَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، وَيَدْفَعُ عَنَّا بِبَرَكَتِهِ، أَوْ يُعْطِينَا بِبَرَكَتِهِ.
فَقُلْ: صَدَقْتَ، وَهَذَا هُوَ فِعْلُكُمْ عِنْدَ الأَحْجَارِ وَالبَنَايَا الَّتِي عَلَى القُبُورِ وَغَيْرِهَا.
فَهَذَا أَقَرَّ أَنَّ فِعْلَهُمْ هَذَا هُوَ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ؛ وَهُوَ المَطْلُوبُ.
стр. 48
[الجَوَابُ الثَّانِي]
وَيُقَالُ لَهُ - أَيْضاً -: قَوْلُكَ: (الشِّرْكُ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ)؛ هَلْ مُرَادُكَ أَنَّ الشِّرْكَ مَخْصُوصٌ بِهَذَا، وَأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الصَّالِحِينَ وَدُعَاءَهُمْ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ؟
فَهَذَا يَرُدُّهُ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ كُفْرِ مَنْ تَعَلَّقَ عَلَى المَلَائِكَةِ، أَوْ عِيسَى، أَوِ الصَّالِحِينَ.
فَلَا بُدَّ أَنْ يُقِرَّ لَكَ: أَنَّ مَنْ أَشْرَكَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ أَحَداً مِنَ الصَّالِحِينَ؛ فَهُوَ الشِّرْكُ المَذْكُورُ فِي القُرْآنِ؛ وَهَذَا هُوَ المَطْلُوبُ.
стр. 49
وَسِرُّ المَسْأَلَةِ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَنَا لَا أُشْرِكُ بِاللَّهِ.
فَقُلْ لَهُ: وَمَا الشِّرْكُ بِاللَّهِ؟ فَسِّرْهُ لِي!
فَإِنْ قَالَ: هُوَ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ!
فَقُلْ: وَمَا مَعْنَى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ؟ فَسِّرْهَا لِي!
فَإِنْ قَالَ: أَنَا لَا أَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ.
فَقُلْ: مَا مَعْنَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ؟ فَسِّرْهَا لِي!
فَإِنْ فَسَّرَهَا بِمَا بَيَّنَهُ القُرْآنُ؛ فَهُوَ المَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ؛ فَكَيْفَ يَدَّعِي شَيْئاً وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ؟
стр. 50
وَإِنْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِغَيْرِ مَعْنَاهُ:
بَيَّنْتَ لَهُ الآيَاتِ الوَاضِحَاتِ فِي مَعْنَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وَعِبَادَةِ الأَوْثَانِ؛ أَنَّهُ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِعَيْنِهِ.
وَأَنَّ عِبَادَةَ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ هِيَ الَّتِي يُنْكِرُونَ عَلَيْنَا، وَيَصِيحُونَ كَمَا صَاحَ إِخْوَانُهُمْ حَيْثُ قَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ هَذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ المُشْرِكُونَ فِي وَقْتِنَا: «الِاعْتِقَادَ»؛ هُوَ الشِّرْكُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ القُرْآنُ، وَقَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ عَلَيْهِ.
فَاعْلَمْ أَنَّ شِرْكَ الأَوَّلِينَ أَخَفُّ مِنْ شِرْكِ أَهْلِ زَمَانِنَا بِأَمْرَيْنِ:
стр. 51
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الأَوَّلِينَ لَا يُشْرِكُونَ وَلَا يَدْعُونَ المَلَائِكَةَ وَالأَوْلِيَاءَ وَالأَوْثَانَ مَعَ اللَّهِ؛ إِلَّا فِي الرَّخَاءِ، وَأَمَّا فِي الشِّدَّةِ فَيُخْلِصُونَ لِلَّهِ الدِّينَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً﴾.
وَقَالَ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾.
وَقَالَ: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ
стр. 52
بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾.
وَقَالَ: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
فَمَنْ فَهِمَ هَذِهِ المَسْأَلَةَ الَّتِي وَضَّحَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ - وَهِيَ:
أَنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَدْعُونَ غَيْرَهُ فِي الرَّخَاءِ.
وَأَمَّا فِي الشِّدَّةِ فَلَا يَدْعُونَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَيَنْسَوْنَ سَادَاتِهِمْ -.
تَبَيَّنَ لَهُ الفَرْقُ بَيْنَ شِرْكِ أَهْلِ زَمَانِنَا وَشِرْكِ الأَوَّلِينَ.
وَلَكِنْ أَيْنَ مَنْ يَفْهَمُ قَلْبُهُ هَذِهِ المَسْأَلَةَ فَهْماً رَاسِخاً؟! وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ.
стр. 53
وَالأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ الأَوَّلِينَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ أُنَاساً مُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ؛ إِمَّا مَلَائِكَةً، وَإِمَّا أَنْبِيَاءَ، وَإِمَّا أَوْلِيَاءَ، أَوْ يَدْعُونَ أَشْجَاراً وَأَحْجَاراً مُطِيعَةً لِلَّهِ لَيْسَتْ عَاصِيَةً.
وَأَهْلُ زَمَانِنَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ أُنَاساً مِنْ أَفْسَقِ النَّاسِ، وَالَّذِينَ يَدْعُونَهُمْ: هُمُ الَّذِينَ يَحْكُونَ عَنْهُمُ الفُجُورَ؛ مِنَ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالَّذِي يَعْتَقِدُ فِي الصَّالِحِ وَالَّذِي لَا يَعْصِي - مِثْلِ الخَشَبِ، وَالحَجَرِ -؛ أَهْوَنُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ فِيمَنْ يُشَاهِدُ فِسْقَهُ وَفَسَادَهُ وَيَشْهَدُ بِهِ.
***
стр. 54
[الشُّبْهَةُ التَّاسِعَةُ: كَيْفَ تَجْعَلُونَنَا مِثْلَ المُشْرِكِينَ الأَوَّلِينَ، وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟]
إِذَا تَحَقَّقْتَ أَنَّ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَحُّ عُقُولاً، وَأَخَفُّ شِرْكاً مِنْ هَؤُلَاءِ.
فَاعْلَمْ أَنَّ لِهَؤُلَاءِ شُبْهَةً يُورِدُونَهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ شُبَهِهِمْ، فَأَصْغِ سَمْعَكَ لِجَوَابِهَا.
وَهِيَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ لَا يَشْهَدُونَ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُكَذِّبُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَيُنْكِرُونَ البَعْثَ، وَيُكَذِّبُونَ القُرْآنَ وَيَجْعَلُونَهُ سِحْراً.
стр. 55
وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَنُصَدِّقُ القُرْآنَ، وَنُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، وَنُصَلِّي، وَنَصُومُ؛ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَنَا مِثْلَ أُولَئِكَ؟!
стр. 56
[الجَوَابُ الأَوَّلُ]
فَالجَوَابُ: أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ العُلَمَاءِ كُلِّهِمْ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَدَّقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي شَيْءٍ وَكَذَّبَهُ فِي شَيْءٍ؛ أَنَّهُ كَافِرٌ لَمْ يَدْخُلْ فِي الإِسْلَامِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا آمَنَ بِبَعْضِ القُرْآنِ وَجَحَدَ بَعْضَهُ؛ كَمَنْ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ وَجَحَدَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ.
أَوْ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ وَالصَّلَاةِ وَجَحَدَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ.
أَوْ أَقَرَّ بِهَذَا كُلِّهِ وَجَحَدَ الصَّوْمَ.
стр. 57
أَوْ أَقَرَّ بِهَذَا كُلِّهِ وَجَحَدَ الحَجَّ، وَلَمَّا لَمْ يَنْقَدْ أُنَاسٌ فِي زَمَنِ النِّبِيِّ ﷺ لِلْحَجِّ؛ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي حَقِّهِمْ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
وَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا كُلِّهِ وَجَحَدَ البَعْثَ؛ كَفَرَ بِالإِجْمَاعِ، وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾.
стр. 58
فَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي كِتَابِهِ: أَنَّ مَنْ آمَنَ بِبَعْضٍ وَكَفَرَ بِبَعْضٍ؛ فَهُوَ الكَافِرُ حَقّاً؛ زَالَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ - وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا بَعْضُ أَهْلِ الأَحْسَاءِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَرْسَلَ إِلَيْنَا -.
стр. 59
[الجَوَابُ الثَّانِي]
وَيُقَالُ - أَيْضاً -: إِذَا كُنْتَ تُقِرُّ أَنَّ مَنْ صَدَّقَ الرَّسُولَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَجَحَدَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ حَلَالُ الدَّمِ وَالمَالِ بِالإِجْمَاعِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا أَقَرَّ بِكُلِّ شَيْءٍ إِلَّا البَعْثَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ جَحَدَ وُجُوبَ صَوْمِ رَمَضَانَ وَأَقَرَّ بِذَلِكَ.
لَا يَجْحَدُ هَذَا، وَلَا تَخْتَلِفُ المَذَاهِبُ فِيهِ، وَقَدْ نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ - كَمَا قَدَّمْنَا -.
فَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ أَعْظَمُ فَرِيضَةٍ جَاءَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنَ الصَّلَاةِ،
стр. 60
وَالزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالحَجِّ، فَكَيْفَ إِذَا جَحَدَ الإِنْسَانُ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ: كَفَرَ - وَلَوْ عَمِلَ بِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ .
وَإِذَا جَحَدَ التَّوْحِيدَ - الَّذِي هُوَ دِينُ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ -: لَا يَكْفُرُ؟! سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا أَعْجَبَ هَذَا الجَهْلَ!
стр. 61
[الجَوَابُ الثَّالِثُ]
وَيُقَالُ - أَيْضاً -: هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَاتَلُوا بَنِي حَنِيفَةَ وَقَدْ أَسْلَمُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُمْ يَشْهَدُونَ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَيُصَلُّونَ وَيُؤَذِّنُونَ.
فَإِنْ قَالَ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مُسَيْلِمَةَ نَبِيٌّ.
قُلْنَا: هَذَا هُوَ المَطْلُوبُ؛ إِذَا كَانَ مَنْ رَفَعَ رَجُلاً فِي مَرْتَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ : كَفَرَ، وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ، وَلَمْ تَنْفَعْهُ الشَّهَادَتَانِ، وَلَا الصَّلَاةُ.
فَكَيْفَ بِمَنْ رَفَعَ «شَمْسَانَ»، أَوْ «يُوسُفَ»،
стр. 62
أَوْ صَحَابِيّاً، أَوْ نَبِيّاً؛ فِي مَرْتَبَةِ جَبَّارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ؟! سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا أَعْظَمَ شَأْنَهُ! ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
стр. 63
[الجَوَابُ الرَّابِعُ]
وَيُقَالُ - أَيْضاً -: الَّذِينَ حَرَّقَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بِالنَّارِ: كُلُّهُمْ يَدَّعُونَ الإِسْلَامَ، وَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ ﵁، وَتَعَلَّمُوا العِلْمَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَكِنِ اعْتَقَدُوا فِي عَلِيٍّ مِثْلَ الِاعْتِقَادِ فِي «يُوسُفَ» وَ «شَمْسَانَ» وَأَمْثَالِهِمَا.
فَكَيْفَ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَتْلِهِمْ وَكُفْرِهِمْ؟!
أَتَظُنُّونَ أَنَّ الصَّحَابَةَ يُكَفِّرُونَ المُسْلِمِينَ؟!
أَمْ تَظُنُّونَ أَنَّ الِاعْتِقَادَ فِي «تَاجٍ» وَأَمْثَالِهِ لَا يَضُرُّ، وَالِاعْتِقَادَ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يُكَفِّرُ؟!
стр. 64
[الجَوَابُ الخَامِسُ]
وَيُقَالُ - أَيْضاً -: «بَنُو عُبَيْدٍ القَدَّاحِ» الَّذِينَ مَلَكُوا المَغْرِبَ وَمِصْرَ فِي زَمَنِ بَنِي العَبَّاسِ: كُلُّهُمْ يَشْهَدُونَ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَيَدَّعُونَ الإِسْلَامَ، وَيُصَلُّونَ الجُمُعَةَ وَالجَمَاعَةَ.
فَلَمَّا أَظْهَرُوا مُخَالَفَةَ الشَّرِيعَةِ فِي أَشْيَاءَ - دُونَ مَا نَحْنُ فِيهِ -؛ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى كُفْرِهِمْ وَقِتَالِهِمْ، وَأَنَّ بِلَادَهُمْ بِلَادُ حَرْبٍ، وَغَزَاهُمُ المُسْلِمُونَ حَتَّى اسْتَنْقَذُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ بُلْدَانِ المُسْلِمِينَ.
стр. 65
[الجَوَابُ السَّادِسُ]
وَيُقَالُ - أَيْضاً -: إِذَا كَانَ الأَوَّلُونَ لَمْ يَكْفُرُوا إِلَّا أَنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ الشِّرْكِ، وَتَكْذِيبِ الرَّسُولِ، وَالقُرْآنِ، وَإِنْكَارِ البَعْثِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَمَا مَعْنَى البَابِ الَّذِي ذَكَرَ العُلَمَاءُ فِي كُلِّ مَذْهَبٍ: «بَابُ حُكْمِ المُرْتَدِّ» - وَهُوَ المُسْلِمُ الَّذِي يَكْفُرُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ -؟ ثُمَّ ذَكَرُوا أَنْوَاعاً كَثِيرَةً، كُلُّ نَوْعٍ مِنْهَا يُكَفِّرُ، وَيُحِلُّ دَمَ الرَّجُلِ وَمَالَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ ذَكَرُوا أَشْيَاءَ يَسِيرَةً - عِنْدَ مَنْ فَعَلَهَا -؛ مِثْلَ كَلِمَةٍ يَذْكُرُهَا بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ، أَوْ كَلِمَةٍ يَذْكُرُهَا عَلَى وَجْهِ المَزْحِ وَاللَّعِبِ.
стр. 66
[الجَوَابُ السَّابِعُ]
وَيُقَالُ - أَيْضاً -: الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾؛ أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ كَفَّرَهُمْ بِكَلِمَةٍ - مَعَ كَوْنِهِمْ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيُجَاهِدُونَ مَعَهُ، وَيُصَلُّونَ مَعَهُ، وَيُزَكُّونَ، وَيَحُجُّونَ، وَيُوَحِّدُونَ -؟
وَكَذَلِكَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾؛ فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ صَرَّحَ اللَّهُ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ - وَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ - قَالُوا كَلِمَةً ذَكَرُوا أَنَّهُمْ قَالُوهَا عَلَى وَجْهِ المَزْحِ.
стр. 67
فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الشُّبْهَةَ: وَهِيَ قَوْلُهُمْ: تُكَفِّرُونَ المُسْلِمِينَ! - أُنَاساً يَشْهَدُونَ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُصَلُّونَ، وَيَصُومُونَ-، ثُمَّ تَأَمَّلْ جَوَابَهَا؛ فَإِنَّهُ مِنْ أَنْفَعِ مَا فِي هَذِهِ الأَوْرَاقِ.
стр. 68
[الجَوَابُ الثَّامِنُ]
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ - أَيْضاً -: مَا حَكَى اللَّهُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ - مَعَ إِسْلَامِهِمْ، وَعِلْمِهِمْ، وَصَلَاحِهِمْ -: أَنَّهُمْ قَالُوا لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾.
وَقَوْلُ أُنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃: «يَا رَسُولَ اللَّهِ! اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ»، فَحَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ هَذَا مِثْلُ قَوْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً﴾.
стр. 69
وَلَكِنْ لِلْمُشْرِكِينَ شُبْهَةٌ يُدْلُونَ بِهَا عِنْدَ هَذِهِ القِصَّةِ، وَهِيَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ لَمْ يَكْفُرُوا بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الَّذِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ»؛ لَمْ يَكْفُرُوا.
فَالجَوَابُ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَفْعَلُوا.
وَكَذَلِكَ الَّذِينَ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلُوا.
وَلَا خِلَافَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ؛ لَكَفَرُوا.
وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ أَنَّ الَّذِينَ نَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ لَمْ يُطِيعُوهُ، وَاتَّخَذُوا ذَاتَ أَنْوَاطٍ - بَعْدَ نَهْيِهِ -؛ لَكَفَرُوا.
وَهَذَا هُوَ المَطْلُوبُ.
стр. 70
وَلَكِنَّ هَذِهِ القِصَّةَ تُفِيدُ: أَنَّ المُسْلِمَ - بَلِ العَالِمَ - قَدْ يَقَعُ فِي أَنْوَاعٍ مِنَ الشِّرْكِ لَا يَدْرِي عَنْهَا.
فَتُفِيدُ: التَّعَلُّمَ وَالتَّحَرُّزَ، وَمَعْرِفَةَ أَنَّ قَوْلَ الجَاهِلِ: «التَّوْحِيدُ فَهِمْنَاهُ»؛ أَنَّ هَذَا مِنْ أَكْبَرِ الجَهْلِ، وَمَكَائِدِ الشَّيْطَانِ.
وَتُفِيدُ - أَيْضاً -: أَنَّ المُسْلِمَ المُجْتَهِدَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ كُفْرٍ وَهُوَ لَا يَدْرِي، فَنُبِّهَ عَلَى ذَلِكَ وَتَابَ مِنْ سَاعَتِهِ؛ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ؛ كَمَا فَعَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَالَّذِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .
стр. 71
وَتُفِيدُ - أَيْضاً -: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكْفُرْ فَإِنَّهُ يُغَلَّظُ عَلَيْهِ الكَلَامُ تَغْلِيظاً شَدِيداً؛ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
***
стр. 72
[الشُّبْهَةُ العَاشِرَةُ: أَنَّ مَنْ قَالَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) لَا يُكَفَّرُ وَلَايُقْتَلُ وَلَوْ فَعَلَ مَا فَعَلَ]
وَلِلْمُشْرِكِينَ شُبْهَةٌ أُخْرَى؛ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَنْكَرَ عَلَى أُسَامَةَ ﵁ قَتْلَ مَنْ قَالَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)، وَقَالَ: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟»، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، وَأَحَادِيثُ أُخَرُ فِي الكَفِّ عَمَّنْ قَالَهَا.
وَمُرَادُ هَؤُلَاءِ الجَهَلَةِ: أَنَّ مَنْ قَالَهَا؛ لَا يُكَفَّرُ، وَلَا يُقْتَلُ - وَلَوْ فَعَلَ مَا فَعَلَ! -.
فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ الجُهَّالِ: مَعْلُومٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاتَلَ اليَهُودَ وَسَبَاهُمْ؛ وَهُمْ يَقُولُونَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».
стр. 73
وَأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَاتَلُوا بَنِي حَنِيفَةَ؛ وَهُمْ يَشْهَدُونَ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَيُصَلُّونَ، وَيَدَّعُونَ الإِسْلَامَ.
وَكَذَلِكَ الَّذِينَ حَرَّقَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بِالنَّارِ.
وَهَؤُلَاءِ الجَهَلَةُ مُقِرُّونَ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ البَعْثَ: كُفِّرَ، وَقُتِلَ - وَلَوْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ -.
وَأَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئاً مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ: كُفِّرَ، وَقُتِلَ - وَلَوْ قَالَهَا -.
فَكَيْفَ لَا تَنْفَعُهُ إِذَا جَحَدَ شَيْئاً مِنَ الفُرُوعِ، وَتَنْفَعُهُ إِذَا جَحَدَ التَّوْحِيدَ - الَّذِي هُوَ أَسَاسُ دِينِ الرُّسُلِ وَرَأْسُهُ -؟!
стр. 74
وَلَكِنَّ أَعْدَاءَ اللَّهِ مَا فَهِمُوا مَعْنَى الأَحَادِيثِ:
فَأَمَّا حَدِيثُ أُسَامَةَ ﵁: فَإِنَّهُ قَتَلَ رَجُلاً ادَّعَى الإِسْلَامَ بِسَبَبِ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ مَا ادَّعَاهُ إِلَّا خَوْفاً عَلَى دَمِهِ وَمَالِهِ.
وَالرَّجُلُ إِذَا أَظْهَرَ الإِسْلَامَ؛ وَجَبَ الكَفُّ عَنْهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾.
فَالآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الكَفُّ عَنْهُ وَالتَّثَبُّتُ، فَإِنْ تَبَيَّنَ مِنْهُ - بَعْدَ ذَلِكَ - مَا يُخَالِفُ الإِسْلَامَ: قُتِلَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾،
стр. 75
وَلَوْ كَانَ لَا يُقْتَلُ إِذَا قَالَهَا: لَمْ يَكُنْ لِلتَّثَبُّتِ مَعْنًى.
وَكَذَلِكَ الحَدِيثُ الآخَرُ وَأَمْثَالُهُ: مَعْنَاهُ: مَا ذَكَرْنَا؛ أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ الإِسْلَامَ وَالتَّوْحِيدَ: وَجَبَ الكَفُّ عَنْهُ؛ إِلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ مِنْهُ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الَّذِي قَالَ: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟»، وَقَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»؛ هُوَ الَّذِي قَالَ فِي الخَوَارِجِ: «أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ»، «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ»؛ مَعَ كَوْنِهِمْ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ عِبَادَةً وَتَهْلِيلاً - حَتَّى إِنَّ الصَّحَابَةَ يَحْقِرُونَ أَنْفُسَهُمْ عِنْدَهُمْ، وَهُمْ تَعَلَّمُوا العِلْمَ
следующие страницы →