Полный текст (87 стр.). Показаны 71–87 · переход к 76.
стр. 71
وَتُفِيدُ - أَيْضاً -: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكْفُرْ فَإِنَّهُ يُغَلَّظُ عَلَيْهِ الكَلَامُ تَغْلِيظاً شَدِيداً؛ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
***
стр. 72
[الشُّبْهَةُ العَاشِرَةُ: أَنَّ مَنْ قَالَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) لَا يُكَفَّرُ وَلَايُقْتَلُ وَلَوْ فَعَلَ مَا فَعَلَ]
وَلِلْمُشْرِكِينَ شُبْهَةٌ أُخْرَى؛ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَنْكَرَ عَلَى أُسَامَةَ ﵁ قَتْلَ مَنْ قَالَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)، وَقَالَ: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟»، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، وَأَحَادِيثُ أُخَرُ فِي الكَفِّ عَمَّنْ قَالَهَا.
وَمُرَادُ هَؤُلَاءِ الجَهَلَةِ: أَنَّ مَنْ قَالَهَا؛ لَا يُكَفَّرُ، وَلَا يُقْتَلُ - وَلَوْ فَعَلَ مَا فَعَلَ! -.
فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ الجُهَّالِ: مَعْلُومٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاتَلَ اليَهُودَ وَسَبَاهُمْ؛ وَهُمْ يَقُولُونَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».
стр. 73
وَأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَاتَلُوا بَنِي حَنِيفَةَ؛ وَهُمْ يَشْهَدُونَ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَيُصَلُّونَ، وَيَدَّعُونَ الإِسْلَامَ.
وَكَذَلِكَ الَّذِينَ حَرَّقَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بِالنَّارِ.
وَهَؤُلَاءِ الجَهَلَةُ مُقِرُّونَ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ البَعْثَ: كُفِّرَ، وَقُتِلَ - وَلَوْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ -.
وَأَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئاً مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ: كُفِّرَ، وَقُتِلَ - وَلَوْ قَالَهَا -.
فَكَيْفَ لَا تَنْفَعُهُ إِذَا جَحَدَ شَيْئاً مِنَ الفُرُوعِ، وَتَنْفَعُهُ إِذَا جَحَدَ التَّوْحِيدَ - الَّذِي هُوَ أَسَاسُ دِينِ الرُّسُلِ وَرَأْسُهُ -؟!
стр. 74
وَلَكِنَّ أَعْدَاءَ اللَّهِ مَا فَهِمُوا مَعْنَى الأَحَادِيثِ:
فَأَمَّا حَدِيثُ أُسَامَةَ ﵁: فَإِنَّهُ قَتَلَ رَجُلاً ادَّعَى الإِسْلَامَ بِسَبَبِ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ مَا ادَّعَاهُ إِلَّا خَوْفاً عَلَى دَمِهِ وَمَالِهِ.
وَالرَّجُلُ إِذَا أَظْهَرَ الإِسْلَامَ؛ وَجَبَ الكَفُّ عَنْهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾.
فَالآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الكَفُّ عَنْهُ وَالتَّثَبُّتُ، فَإِنْ تَبَيَّنَ مِنْهُ - بَعْدَ ذَلِكَ - مَا يُخَالِفُ الإِسْلَامَ: قُتِلَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾،
стр. 75
وَلَوْ كَانَ لَا يُقْتَلُ إِذَا قَالَهَا: لَمْ يَكُنْ لِلتَّثَبُّتِ مَعْنًى.
وَكَذَلِكَ الحَدِيثُ الآخَرُ وَأَمْثَالُهُ: مَعْنَاهُ: مَا ذَكَرْنَا؛ أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ الإِسْلَامَ وَالتَّوْحِيدَ: وَجَبَ الكَفُّ عَنْهُ؛ إِلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ مِنْهُ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الَّذِي قَالَ: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟»، وَقَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»؛ هُوَ الَّذِي قَالَ فِي الخَوَارِجِ: «أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ»، «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ»؛ مَعَ كَوْنِهِمْ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ عِبَادَةً وَتَهْلِيلاً - حَتَّى إِنَّ الصَّحَابَةَ يَحْقِرُونَ أَنْفُسَهُمْ عِنْدَهُمْ، وَهُمْ تَعَلَّمُوا العِلْمَ
стр. 76
مِنَ الصَّحَابَةِ -، فَلَمْ تَنْفَعْهُمْ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، وَلَا كَثْرَةُ العِبَادَةِ، وَلَا ادِّعَاءُ الإِسْلَامِ؛ لَمَّا ظَهَرَ مِنْهُمْ مُخَالَفَةُ الشَّرِيعَةِ.
وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قِتَالِ اليَهُودِ، وَقِتَالِ الصَّحَابَةِ بَنِي حَنِيفَةَ.
وَكَذَلِكَ أَرَادَ ﷺ أَنْ يَغْزُوَ بَنِي المُصْطَلِقِ؛ لَمَّا أَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَنَّهُمْ مَنَعُوا الزَّكَاةَ؛ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، وَكَانَ الرَّجُلُ كَاذِباً عَلَيْهِمْ.
فَكُلُّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الأَحَادِيثِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا: مَا ذَكَرْنَا.
***
стр. 77
[الشُّبْهَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِغَيْرِ اللَّهِ لَيْسَتْ شِرْكاً؛ لِجَوَازِ الِاسْتِغَاثَةِ بِالأَنْبِيَاءِ فِي الآخِرَةِ]
وَلَهُمْ شُبْهَةٌ أُخْرَى؛ وَهِيَ: مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ يَسْتَغِيثُونَ بِآدَمَ، ثُمَّ بِنُوحٍ، ثُمَّ بِإِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِعِيسَى، فَكُلُّهُمْ يَعْتَذِرُونَ، حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالُوا: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِغَيْرِ اللَّهِ لَيْسَتْ شِرْكاً.
فَالجَوَابُ أَنْ تَقُولَ: سُبْحَانَ مَنْ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِ أَعْدَائِهِ!
فَإِنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِالمَخْلُوقِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ
стр. 78
لَا نُنْكِرُهَا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى - فِي قِصَّةِ مُوسَى ﵇: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾.
وَكَمَا يَسْتَغِيثُ الإِنْسَانُ بِأَصْحَابِهِ فِي الحَرْبِ وَغَيْرِهِ فِي أَشْيَاءَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا المَخْلُوقُ.
وَنَحْنُ أَنْكَرْنَا اسْتِغَاثَةَ العِبَادَةِ الَّتِي يَفْعَلُونَهَا عِنْدَ قُبُورِ الأَوْلِيَاءِ، أَوْ فِي غَيْبَتِهِمْ فِي الأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا اللَّهُ.
إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ: فَالِاسْتِغَاثَةُ بِالأَنْبِيَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ يُرِيدُونَ مِنْهُمْ أَنْ يَدْعُوا اللَّهَ أَنْ يُحَاسِبَ النَّاسَ؛ حَتَّى يَسْتَرِيحَ أَهْلُ الجَنَّةِ مِنْ كَرْبِ المَوْقِفِ.
стр. 79
وَهَذَا جَائِزٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ أَنْ تَأْتِيَ عِنْدَ رَجُلٍ صَالِحٍ حَيٍّ يُجَالِسُكَ وَيَسْمَعُ كَلَامَكَ، تَقُولُ لَهُ: ادْعُ اللَّهَ لِي، كَمَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ فِي حَيَاتِهِ.
وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ: فَحَاشَا وَكَلَّا أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ ذَلِكَ عِنْدَ قَبْرِهِ! بَلْ أَنْكَرَ السَّلَفُ عَلَى مَنْ قَصَدَ دُعَاءَ اللَّهِ عِنْدَ قَبْرِهِ، فَكَيْفِ بِدُعَائِهِ نَفْسِهِ؟
***
стр. 80
[الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: لَوْ كَانَتِ الِاسْتِغَاثَةُ بِجِبْرِيلَ شِرْكاً لَمْ يَعْرِضْهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ]
وَلَهُمْ شُبْهَةٌ أُخْرَى؛ وَهِيَ: قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ، اعْتَرَضَ لَهُ جِبْرِيلُ فِي الهَوَاءِ، فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا!
قَالُوا: فَلَوْ كَانَتِ الِاسْتِغَاثَةُ بِجِبْرِيلَ شِرْكاً لَمْ يَعْرِضْهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ.
فَالجَوَابُ: إِنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ الشُّبْهَةِ الأُولَى؛ فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْفَعَهُ بِأَمْرٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾، فَلَوْ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نَارَ إِبْرَاهِيمَ وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الأَرْضِ وَالجِبَالِ وَيُلْقِيَهَا فِي
стр. 81
المَشْرِقِ أَوِ المَغْرِبِ؛ لَفَعَلَ، وَلَوَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَضَعَ إِبْرَاهِيمَ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ عَنْهُمْ؛ لَفَعَلَ، وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ؛ لَفَعَلَ.
وَهَذَا كَرَجُلٍ غَنِيٍّ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ يَرَى رَجُلاً مُحْتَاجاً، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ أَنْ يُقْرِضَهُ أَوْ يَهَبَهُ شَيْئاً يَقْضِي بِهِ حَاجَتَهُ، فَيَأْبَى ذَلِكَ الرَّجُلُ المُحْتَاجُ أَنْ يَأْخُذَ، وَيَصْبِرُ حَتَّى يَأْتِيَهُ اللَّهُ بِرِزْقٍ لَا مِنَّةَ فِيهِ لِأَحَدٍ.
فَأَيْنَ هَذَا مِنِ اسْتِغَاثَةِ العِبَادَةِ وَالشِّرْكِ لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ؟!
стр. 82
[خَاتِمَةٌ: التَّوْحِيدُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِالقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالعَمَلِ]
وَلْنَخْتِمِ الكَلَامَ بِمَسْأَلَةٍ عَظِيمَةٍ مُهِمَّةٍ تُفْهَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ، لَكِنْ نُفْرِدُ لَهَا الكَلَامَ لِعِظَمِ شَأْنِهَا، وَلِكَثْرَةِ الغَلَطِ فِيهَا؛ فَنَقُولُ:
لَا خِلَافَ أَنَّ التَّوْحِيدَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِالقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالعَمَلِ، فَإِنِ اخْتَلَّ شَيْءٌ مِنْ هَذَا؛ لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ مُسْلِماً.
فَإِنْ عَرَفَ التَّوْحِيدَ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ مُعَانِدٌ - كَفِرْعَوْنَ، وَإِبْلِيسَ، وَأَمْثَالِهِمَا -.
وَهَذَا يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ يَقُولُونَ: هَذَا حَقٌّ، وَنَحْنُ نَفْهَمُ هَذَا، وَنَشْهَدُ أَنَّهُ
стр. 83
الحَقُّ، وَلَكِنْ لَا نَقْدِرُ أَنْ نَفْعَلَهُ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَهْلِ بَلَدِنَا إِلَّا مَنْ وَافَقَهُمْ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأَعْذَارِ.
وَلَمْ يَدْرِ المِسْكِينُ أَنَّ غَالِبَ أَئِمَّةِ الكُفْرِ يَعْرِفُونَ الحَقَّ، وَلَمْ يَتْرُكُوهُ إِلَّا لِشَيْءٍ مِنَ الأَعْذَارِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.
فَإِنْ عَمِلَ بِالتَّوْحِيدِ عَمَلاً ظَاهِراً وَهُوَ لَا يَفْهَمُهُ وَلَا يَعْتَقِدُهُ بِقَلْبِهِ؛ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَهُوَ شَرٌّ مِنَ الكَافِرِ الخَالِصِ ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.
وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ مَسْأَلَةٌ طَوِيلَةٌ، تَبِينُ لَكَ إِذَا
стр. 84
تَأَمَّلْتَهَا فِي أَلْسِنَةِ النَّاسِ.
تَرَى مَنْ يَعْرِفُ الحَقَّ وَيَتْرُكُ العَمَلَ بِهِ؛ لِخَوْفِ نَقْصِ دُنْيَا أَوْ جَاهٍ، أَوْ مُدَارَاةً.
وَتَرَى مَنْ يَعْمَلُ بِهِ ظَاهِراً لَا بَاطِناً، فَإِذَا سَأَلْتَهُ عَمَّا يَعْتَقِدُ بِقَلْبِهِ: إِذَا هُوَ لَا يَعْرِفُهُ.
стр. 85
وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِفَهْمِ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ:
أُولَاهُمَا: مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
فَإِذَا تَحَقَّقْتَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ غَزَوُا الرُّومَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَفَرُوا بِسَبَبِ كَلِمَةٍ قَالُوهَا عَلَى وَجْهِ المَزْحِ وَاللَّعِبِ.
تَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِالكُفْرِ أَوْ يَعْمَلُ بِهِ خَوْفاً مِنْ نَقْصِ مَالٍ أَوْ جَاهٍ، أَوْ مُدَارَاةً لِأَحَدٍ؛ أَعْظَمُ مِمَّنْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ يَمْزَحُ بِهَا.
وَالآيَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *
стр. 86
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾.
فَلَمْ يَعْذُرِ اللَّهُ مِنْ هَؤُلَاءِ؛ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ مَعَ كَوْنِ قَلْبِهِ مُطْمَئِنّاً بِالإِيمَانِ.
وَأَمَّا غَيْرُ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ - سَوَاءٌ فَعَلَهُ خَوْفاً، أَوْ مَدَارَاةً، أَوْ مَشَحَّةً بِوَطَنِهِ، أَوْ أَهْلِهِ، أَوْ عَشِيرَتِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ المَزْحِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَغْرَاضِ -؛ إِلَّا المُكْرَهُ.
وَالآيَةُ تَدُلُّ عَلَى هَذَا مِنْ جِهَتَيْنِ:
стр. 87
الأُولَى: قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾؛ فَلَمْ يَسْتَثْنِ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا المُكْرَهَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يُكْرَهُ إِلَّا عَلَى الكَلَامِ أَوِ الفِعْلِ، وَأَمَّا عَقِيدَةُ القَلْبِ فَلَا يُكْرَهُ أَحَدٌ عَلَيْهَا.
وَالثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾؛ فَصَرَّحَ أَنَّ هَذَا الكُفْرَ وَالعَذَابَ لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ الِاعْتِقَادِ، أَوِ الجَهْلِ، أَوِ البُغْضِ لِلدِّينِ، أَوْ مَحَبَّةِ الكُفْرِ، وَإِنَّمَا سَبَبُهُ أَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ حَظّاً مِنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا فَآثَرَهُ عَلَى الدِّينِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ