القاعدةُ الحاديةَ عشرةَ
الوجوب قد يتعلق بمعيَّن؛ كالصلاة والحج وغيرهما، ويسمى واجباً معيناً.
وقد يتعلق بأحد أمور معينة؛ كخصال كفارة اليمين، وكفارة الأذى، وكفارة الصيد.
وقال بعض المعتزلة: الواجب مبهم عندنا، معيَّن عند الله تعالى، إما بعد اختياره، وإما قبله بأن يلهمه الله تعالى إلى اختياره.
• فرع: هل هذا النزاع في اللفظ أم في المعنى؟
قال أبو الحسن البصري وغيره: الخلاف في اللفظ دون المعنى، فأما في اللفظ، فالمعتزلة يقولون: وجوب الجميع على التخيير، والفقهاء يقولون: وجوب واحد من حيث هو أحدها، وأما المعنى فهو واحد.
وقيل: الخلاف معنوي، فمن المعتزلة من يقول: يثاب ويعاقب على كل واحد، ولو أتى بواحد يسقط عنه الباقي، وعند الفقهاء: لا يثاب ولا يعاقب إلا على فعل واجب واحد
стр. 37
أو ترك واجب واحد، وإن كان المعتبرون من المعتزلة يوافقون الفقهاء في المسألة.
• ومما ينبني على القاعدة: إذا أوصى في الكفارة المخيرة بخصلة معينة، وكانت قيمتها تزيد على قيمة الخصلتين الباقيتين، فهل يعتبر الجميع من رأس المال، أم الزائد من الثُّلث؟
وحاصلها يرجع إلى أن الواجب المخيَّر هل هو كالواجب المعيَّن أم لا؟
والذي يظهر فيها: أن الجميع معتبر من رأس المال.
стр. 38
القاعدةُ الثانيةَ عشرةَ
يجوز تحريم واحدٍ لا بعينه عند أصحابنا والشافعية.
كقوله: لا تُكلِّم زيداً أو بكراً، فهو منع من أحدهما لا بعينه.
والكلام فيه كالكلام في الواجب المخير (١).
• فروع القاعدة:
الأولى: إذا كان له أمتان وهما أختان، فهل يجوز له الجمع بينهما في الوطء مع الكراهة أم يحرم؟ قولان (٢).
فإذا قلنا بالتحريم: فله وطء أيتهما شاء، فإذا وطئ إحداهما لم تبح له الأخرى حتى يحرِّم الموطوءة على نفسه
стр. 39
بتزويجها أو إزالة مِلكه عنها.
وحيث أبحنا له إحداهما بتحريم الأخرى، فهو جارٍ على القاعدة، إذ هو تحريم واحد لا بعينه.
الثانية: إذا أسلم الكافر وتحته أكثر من أربع نسوة، فأسلمْنَ معه أو كن كتابيات؛ أمسك منهن أربعاً وفارق سائرهن، وهو جارٍ على القاعدة، إذ هو تحريمُ بعضٍ غير معين.
стр. 40
القاعدةُ الثالثةَ عشرةَ
وقت الواجب: إما بقدر فعله، وهو الواجب المضيَّق، أو أقلُّ منه، والتكليف به خارج على تكليف المحال، أو أكثرُ منه، وهو الواجب الموسَّع.
والوجوب يتعلق بجميع الوقت وجوباً موسعاً عند أصحابنا (١).
وقال بعض الحنفية: بل يتعلق بآخر الوقت، واختلفوا فيما إذا فعله في أوله (٢).
وقيل: متعلق بجزء من الوقت غير معين، كما تعلق في الكفارة بواحد غير معين (٣).
стр. 41
القاعدةُ الرابعةَ عشرةَ
يستقر الوجوب في العبادة الموسَّعة بمجرد دخول الوقت، ولا يشترط إمكان الأداء على الصحيح من المذهب.
ونعني بالاستقرار: وجوب القضاء، إذ الفعل أداءً غير ممكن، ولا مأثوم على تركه.
• فروع القاعدة:
الأولى: إذا دخل وقت الصلاة على المكلَّف بها، ثم جُنَّ، أو حاضت المرأة قبل أن يمضيَ زمن يسع الصلاة؛ فإن القضاء يجب عندنا في أصح الروايتين.
الثانية: إذا أيسر من لم يحج، ثم مات من تلك السنة قبل التمكن من الحج، فهل يجب قضاء الحج عنه؟ روايتان، أظهرهما: الوجوب.
الثالثة: إن تلف النصاب بعد الحول وقبل التمكن من الأداء، فالمذهب المشهور: أنه يجب عليه ضمان الزكاة ولا تسقط بذلك إلا زكاة الزرع والثمار إذا تلف بجائحة قبل القطع، فتسقط زكاتها اتفاقاً.
стр. 42
وعن أحمد رواية ثانية: بالسقوط.
فمن الأصحاب من قال: هي عامة في جميع الأموال، ومنهم: من خصها بالمال الباطن دون الظاهر، ومنهم: من عكس ذلك، ومنهم: من خصها بالمواشي.
أما لو أمكنه الأداء فلم يُزَكِّ: لم تسقط عنه؛ كزكاة الفطر والحج.
الرابعة: الصيام، فإذا بلغ الصبي مفطراً، أو أفاق مجنون في أثناء يوم من رمضان، أو أسلم فيه كافر؛ لزمهم القضاء في أصح الروايتين.
الخامسة: إذا وصل عادم الماء إلى الماء، وقد ضاق الوقت؛ فعليه أن يتطهر ويصلي بعد الوقت.
وقيل: يصلي بالتيمم.
• … فرع: قضاء العبادات: اعتبر الأصحاب له إمكان الأداء، فقالوا فيمن أخَّر قضاء رمضان لعذر ثم مات قبل زواله: إنه لا يطعم عنه، وإن مات بعد زواله والتمكن من القضاء؛ أطعم عنه.
• فرع: المنذورات: ففي اشتراط التمكن لها من الأداء، وجهان.
стр. 43
فلو نذر صياماً أو حجًّا ثم مات قبل التمكن منه، فهل يقضى عنه؟ على الوجهين (١).
• فرع: قريب من هذه القاعدة مسألتان، والصحيح فيهما أنه يشترط إمكان الفعل:
إحداهما: إذا أحرم الإنسان وفي يده صيد؛ فإنه يجب عليه إرساله.
فإن مات الصيد قبل التمكن من إرساله فلا ضمان.
وقال بعض الأصحاب: يضمن (٢).
الثانية: إذا نذر أضحيَّة أو الصدقة بدراهم معينة، فتلفت، فهل يضمن أم لا؟ روايتان (٣).
• قريب من القاعدة أيضاً: إذا وجب عليه حق، فلم يؤدِّه حتى وُجِد ما لو كان موجوداً حالة الوجوب لمنع الوجوب، هل يمنع الوجوب أم لا؟
стр. 44
وفي ذلك مسائل:
الأولى: إذا جامع في رمضان ثم مرض؛ لم تسقط عنه الكفارة.
وكذلك إذا جامع في رمضان ثم مات، أو حاضت المرأة أو نفست.
وقيل: إنها تسقط بالحيض والنفاس والموت.
الثانية: إذا سافر بعد دخول وقت الصلاة، فهل يجوز له قصر الصلاة أم لا؟ روايتان (١).
الثالثة: لو سافر في أثناء يوم في رمضان، هل له الفطر أم لا؟ روايتان (٢).
الرابعة: إذا قتل ذميٌّ أو عبدٌ ذميًّا أو عبداً، ثم أسلم القاتل، أو عَتَق قبل استيفاء القصاص منه؛ لم يسقط عنه القصاص في المنصوص عن الإمام أحمد (٣).
стр. 45
وفي قول: عدمُ قتلِ مَن أسلم.
الخامسة: لو قَتَل وهو بالغ عاقل، فلم يُستوف منه حتى جُنَّ، فإنه يُستوفى منه حال جنونه.
السادسة: إذا زنى بامرأة، ثم تزوجها أو ملكها قبل إقامة الحد؛ لم يسقط عنه الحد.
السابعة: لو سرق نصاباً فلم يقطع حتى نَقَصَت قيمته؛ لم يسقط عنه القطع.
وكذا لو ملَّكه سارقه.
стр. 46
القاعدةُ الخامسةَ عشْرةَ
الأمر الذي أُريد به جواز التراخي، إذا مات المأمور به بعد تمكنه منه وقبل الفعل؛ لم يمت عاصياً عند الأكثرين.
وقال قوم: يموت عاصياً.
وحاصل ذلك يرجع إلى من أُبيح له فعل شيء أو تركُه؛ فإنه لا يترتب عليه شيء.
• فروع القاعدة (١):
الأولى: إذا مات من أبيح له التأخير في أثناء وقت الصلاة قبل الفعل وقبل ضيق الوقت، وتمكن من الأداء، فهل يموت عاصياً أم لا؟ وجهان، أصحهما: العصيان. (٢)
الثانية: إذا ضرب المستأجر الدابة، أو الرائضُ، بقدر العادة، أو كبحها، فتلفت؛ لم يضمنها.
وكذلك المعلمُ إذا ضرب الصبيَّ، أو الزوجُ امرأتَه في النشوز؛ لإباحة ذلك له.
стр. 47
الثالثة: لو ذُكرت امرأة عند السلطان بسوء، فأرسل ليحضرها، فماتت فزعاً، فهل يضمنها أم لا؟ وجهان (١).
وكذلك الوجهان، فيما لو استعدى عليها رجل بالشرطى في دعوى له، فماتت فزعاً فهل يضمنها المستعدي أم لا (٢)؟
الرابعة: لو أوقفت دابة في طريق واسع، فأتلفت شيئاً، فهل يضمن مالكها أم لا؟ روايتان (٣).
الخامسة: لو فعل بالمسجد ما تعم مصلحته؛ كبسط حصير وتعليق قنديل أو نصب عمد أو باب؛ فلا ضمان لما تلف به، أذن الإمام أو متولي المسجد أو جيرانه أم لا.
وقيل: إن لم يأذن الإمام فإنه يضمن.
السادسة: إخراج الأجنحة (٤) والساباطات (٥) والخشب
стр. 48
والحجارة من الجُدُر إلى الطريق إذا لم يضر به، هل يجوز أم لا؟ نص أحمد في رواية: أنه لا يجوز ويضمن، ولم يعتبر إذن الإمام في ذلك.
والأكثرون من الأصحاب: يجوزون ذلك بإذن الإمام مع انتفاء الضرر، وحينئذ لا ضمان (١).
السابعة: أن سراية القود غير مضمونة، فلو قطع اليد قصاصاً فسرى إلى النفس؛ فلا ضمان.
الثامنة: لو أريدت نفسه أو ماله أو حُرْمَتُه؛ دفع عن ذلك بأسهل ما يعلم أنه يندفع به (٢).
التاسعة: لو عض إنسان إنساناً، فانتزع يده من فيه فسقطت ثناياه، ذهبت هدراً، هذا هو المذهب.
وقال جماعة من الأصحاب: يدفعه بالأسهل فالأسهل كالصائل.
стр. 49
العاشرة: لو نظر إنسان في بيت إنسان، فحذف عينه ففقأها، فلا شيء عليه (١).
• مسألة: قضاء رمضان على التراخي، فإذا أمكنه القضاء فلم يقض؛ فإنه يلزمه الإطعام لكل مسكين يوماً.
ومقتضى ما تقرر من قاعدة المذهب: أنه لا يلزمه شيء، لكن روي الإطعام عن ابن عباس (٢) و أبي هريرة ﵄ (٣).
стр. 50
القاعدةُ السادسةَ عشْرةَ
إذا ظن المكلف أنه لا يعيش إلى آخر وقت العبادة الموسَّعة: تضيَّقت العبادة عليه، ولا يجوز تأخيرها عن الوقت الذي غلب على ظنه أنه لا يبقى بعده؛ لأن الظن مناط التعبد.
والضابط في ذلك: هو ظن الإخراج عن وقته بأي سبب كان) (١).
• فرع: إذا فعل المكلف العبادة مع ظن المانع، فلا كلام.
وأما إذا لم يبادر وبان له خطأ ظنه - بأن عاش - ففعل بعد الوقت الذي ظنه، فهل يكون قضاء؟ قولان (٢).
стр. 51
• فروع القاعدة: (١)
الأولى: إذا باع مال أبيه يظن حياته، ثم بان ميتاً، فهل يصح البيع أم لا؟ قولان (٢).
الثانية: إذا طلق امرأةً يظنها أجنبية، فبانت زوجته، هل تطلق؟ روايتان. (٣)
الثالثة: لو رمى شيئاً يظنه حجراً، فإذا هو صيد، فهل يحل أم لا؟ المذهب: أنه لا يحل.
وقيل: يحل، واختاره ابن قدامة.
الرابعة: لو أكل يظن أو يعتقد أنه ليل، فبان نهاراً في أوله أو آخره، فهل يجب القضاء أم لا؟ المذهب: وجوب القضاء.
واختار أبو العباس ابن تيمية: عدم القضاء (٤).
الخامسة: لو حلف على شيء يظنه، فبان بخلافه، فهل
стр. 52
يحنث أم لا؟ روايتان (١).
السادسة: لو قال لزوجته: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق، ثم أذن لها، فخرجت ظنًّا أنه لم يأذن، فهل تطلق؟ وجهان، المذهب المنصوص: أنها تطلق.
السابعة: لو وكَّل شخصاً في التصرف في شيء ثم عزله، ولم يعلم الوكيل بالعزل، أو مات الموكِّل، ثم تصرف الوكيل بعد ذلك بناء على الوكالة المتقدمة، هل يصح تصرفه أم لا؟ روايتان، المذهب: أنه لا يصح.
وذكر أبو العباس وجهاً بالفرق بين موت الموكل وعزله، فينعزل بالموت لا بالعزل (٢).
الثامنة: لو لم يُعلم وجود الأقرب في أولياء النكاح حتى زوَّج الأبعدُ، فهل يصح النكاح أم لا (٣)؟
على الروايتين في انعزال الوكيل قبل علمه بالعزل، ورجَّح أبو العباس وابن رجب الصحة هنا.
стр. 53
التاسعة: لو دفع الزكاة إلى من يظنه مستحقًّا لها، فبان غنيًّا هل يجزيه؟ روايتان، المذهب: الإجزاء.
العاشرة: لو صلى من اشتبهت عليه القبلة من غير اجتهاد ولا تقليد، ثم بان مصيباً، فهل تلزمه الإعادة؟ قولان، المذهب: لزوم الإعادة.
стр. 54
القاعدةُ السابعةَ عشْرةَ
ما لا يتم الواجب إلا به ، للناس في ضبطه طريقان:
الطريقة الأولى: أنه ينقسم إلى قسمين:
الأول: غير مقدور للمكلف؛ كحضور الإمام والعدد للجمعة: فلا يكون واجباً.
الثاني: ما يكون مقدوراً له؛ كالطهارة، وقطع المسافة إلى الجمعة والمشاعر: فيكون واجباً.
الطريقة الثانية: أن ما لا يتم الوجوب إلا به، فليس بواجب؛ كالقسم الأول، وكالمال في الحج والكفارات.
وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مطلقاً، وهذه طريقة الأكثرين من أصحابنا وغيرهم. (١)
стр. 55
• فروع القاعدة (١):
الأولى: هل يجب على الصائم إمساك جزء من الليل أم لا؟ قولان (٢).
الثانية: إذا اشتبهت زوجته بأجنبية، فيجب عليه الكف عن الجميع (٣).
الثالثة: إذا اشتبهت الثياب الطاهرة بالنجسة، فإنه يلزمه أن يصلي بعدد النجس ويزيد صلاة، ولا يتحرى.
وقيل: يتحرى إذا كثرت الثياب النجسة للمشقة.
وقيل: يتحرى مطلقاً.
الرابعة: الأكل مِن مالِ مَنْ في ماله حرام، هل يجوز أم
стр. 56
لا؟ في المسألة أربعة أقوال:
أحدها: التحريم مطلقاً.
والثاني: إن زاد الحرام على الثُّلث حَرُم الكل، وإلا فلا؛ لأن الثُّلث ضابط في مواضع.
والثالث: إن كان الأكثر الحرام حَرُم وإلا فلا؛ إقامة للأكثر مقام الكل.
والرابع: عدم التحريم مطلقاً، قلَّ الحرام أو كثر، لكن يكره، وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام (١).
الخامسة: الذبيحة في بلدة فيها مجوس أو عبدة أوثان يذبحون، فلا يجوز أكلها، وإن جاز أن تكون ذبيحة مسلم.
وكذلك إن كان فيه أخلاط من المسلمين والمجوس.
فأما إن كان ذلك في بلد الإسلام؛ فالظاهر إباحتها. قاله في المغني (٢).
السادسة: لو نسي صلاة من خمس، فهل يلزمه قضاء الخمس أم لا؟
стр. 57
المذهب: لزوم قضاء الخمس، وينوي بكل واحدة الفرض.
وعنه: يلزمه مغرب وفجر ورباعية؛ بناء على أن نية التعيين لا تشترط.
السابعة: لو خَفي عليه موضع النجاسة؛ لزمه غسل ما يتيقن به إزالتها.
الثامنة: الحائض أو النفساء إذا ظنت نسيان القرآن؛ وجب عليها درسه، ذكره أبو العباس ابن تيمية (١)، فعلى قوله: هو من القاعدة.
والمذهب: تحريم القراءة عليها.
التاسعة: لو غصب شيئاً؛ فإنه يلزمه رده، ولو غرم عليه أضعاف قيمته.
العاشر: لو غصب آجُرًّا ولوحاً وبنى فوقه، فهل يلزمه رده وإن أفضى إلى هدم البناء أم لا؟ قولان:
الأول: لزوم الرد، بناء على القاعدة (٢).
والثاني: لا يلزمه الرد، بل يغرم القيمة.
стр. 58
القاعدةُ الثامنةَ عشْرةَ
الزيادة على الواجب:
- إن تميزت؛ كصلاة التطوع بالنسبة إلى المكتوبات: فهي ندب بالاتفاق.
- وإن لم تتميز، فهل هي واجبة أم لا؟ قولان (١).
• فروع القاعدة:
الأولى: إذا وجب عليه شاة، فذبح بدلها بدنة، فهل كلها واجبة أو سُبُعها؟ وجهان (٢).
وينبني على الوجهين: هل يجوز له أكل ما عدا السُّبُعَ أم لا؟
وينبني على ذلك أيضاً: زيادة الثواب، فإن ثواب الواجب أعظم من ثواب التطوع.
стр. 59
الثانية: لو أدى عن خَمْسٍ من الإبل بعيراً، فهل كله واجب أو خُمُسُه؟ فيه وجهان (١)، ينبني عليهما مسائل:
١ - هل يجزئ عن عشرين بعيراً أيضاً أم لا؟ إن قلنا: خُمُسُه الواجب، أجزأ عن عشرين بعيراً، وإن قلنا: الكل واجب، لا يجزئ.
٢ - لو اقتضى الحال الرجوع، فهل يرجع بكلِّه أو خُمُسِه؟ فإن قلنا: الجميع واجب رجع بكلِّه، وإن قلنا: الواجب الخُمُس والزائد تطوع، فيرجع بالواجب لا بالتطوع.
٣ - النية، فإن كان الجميع فرضاً فلا بد أن ينوي الجميع أنه الزكاة.
٤ - إذا أخرج في الزكاة سنًّا أعلى من الواجب، فهل كله فرض أو بعضه تطوع؟ قولان (٢).
стр. 60
الثالثة: إذا مسح رأسه كله دفعة واحدة، وقلنا: الفرض منه قدر الناصية؛ فالواجب هو الفرض، والزائد نفل (١).
الرابعة: إذا أدرك الإمام في الركوع بعد فوات قدر الإجزاء منه، هل يكون مدركاً له في الفريضة أم لا؟ (٢)
يخرَّج على الوجهين، إذا قلنا: لا يصح اقتداء المفترض بالمتنفل.
وقيل: تجري الزيادة مجرى الواجب في باب الإتباع خاصة، إذ الإتباع قد يسقط الواجب كما في المسبوق.
الخامسة: إذا أوصى ببدنةٍ من وجب عليه سُبُعها، أو من وجب عليه شاة:
إن قلنا: إن الزائد يكون نفلاً؛ حُسب من الثلث.
وإن جعلناه واجباً؛ فيكون كما لو أوصى بالعتق في كفارة مخيرة، هل تحسب من رأس المال أو من الثلث؟ وجهان (٣).
стр. 61
القاعدةُ التاسعةَ عشْرةَ
الأمر المطلق لا يتناول المكروه عند أصحابنا.
وقيل: يتناوله.
فعلى الأول: لا يستدل لصحة طواف الحائض بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، ولا بآية الوضوء على أن الترتيب لا يجب، إذا قدَّرنا أنه لا دلالة فيها؛ للتنافي، إذ المأمور به مطلوب إيجاده، والمنهي عنه مطلوب إعدامه.
وكلام الأصحاب صريح بأن المراد بالمكروه هنا كراهة التنزيه، فيكون التحريم أولى بأن لا يتناوله الأمر المطلق.
وإذا كان المراد كراهة التنزيه، فيبقى ذلك مشكلاً في الصلاة وغيرها، فإن مقتضى هذه القاعدة: أن كل عبادة مكروهة لا تصح؛ كالصلاة إلى المتحدث والنائم، واستقباله صورة أو وجه إنسان، وكصلاة الحاقن، وكالصلاة المشتملة على التخصر والسدل ورفع البصر إلى السماء واشتمال الصماء والالتفات، ونحو ذلك من المكروهات في الصلاة وغيرها من العبادات.
стр. 62
والمذهب: الصحة في الجميع، وإن كان في بعض الصور خلاف في المذهب. (١)
стр. 63
القاعدة العشرون
الأعيان المنتفع بها قبل الشرع ، مباحة عند الجمهور.
وقيل: محرمة. وقيل: لا حكم لها.
فعلى القول بأنه على التحريم: يباح ما يحتاج إليه، كالنَّفس وسد الرمق.
• إذا تقرر هذا: فقد قال بعض من تكلم في هذه المسألة: إن الكلام فيها تكلف وعناء.
فعلى هذا، لا يتصور الخلاف إلا في تقدير أن الأشياء لو لم يرد بها شرع، ما حكمه؟
وقال بعض أصحابنا: إن هذه المسألة تتصور في شخص خلقه الله تعالى في بريَّة لا يَعرف شيئاً من الشرعيات، وهناك فواكه وأطعمة؛ هي على الحظر حتى يرد الشرع أو على الإباحة?
وذكر بعض الأصحاب: يفيد في الفقه أن من حَرَّم شيئاً أو أباحه، يبقى على حكم أصله من حظر أو إباحة عند عدم الأدلة، وفي هذا الكلام بحث ونظر ظاهر.
стр. 64
القاعدة الحادية والعشرون
البطلان والفساد مترادفان عندنا وعند الشافعية.
وقال أبو حنيفة: إنهما متباينان.
فالباطل عنده: ما لم يشرع بالكلية؛ كبيع المضامين والملاقيح.
والفاسد: ما شرع أصله، ولكن امتنع لاشتماله على وصف محرم؛ كالربا.
• إذا تقرر هذا: فذكر أصحابنا مسائل فرَّقوا فيها بين الفاسد والباطل، ظن بعض المتأخرين أنها مخالفة للقاعدة.
والذي يظهر والله أعلم: أن ذلك ليس بمخالفة للقاعدة؛ لأن البطلان والفساد مترادفان في مقابلة قول أبي حنيفة السابق.
• وإنما فرقوا بين الفاسد والباطل في مسائل لدليل:
الأولى: إذا أحرم الواطئ حال وطئه، هل ينعقد إحرامه أم لا؟
стр. 65
قيل: ينعقد (١)، وقيل: لا ينعقد، فيكون باطلاً.
ولو جامع قبل التحلل الأول؛ فسد حجه.
وحكم الباطل: لا يجب المضي فيه، والفاسد: يجب المضي فيه.
الثانية: الكتابة، فإنه إذا كاتب من لا يصح العقد منه، فإنها تكون كتابة باطلة، ولا يترتب عليها العقد.
وكذا لو كاتبه على عوض غير منجَّم، فالعقد باطل.
وأما إذا كاتبه بعوض مجهول فهي فاسدة، لكل واحد منهما فسخها، ويجعل العتق فيها بالأداء دون الإبراء.
الثالثة: إذا قبض العين في العقد الباطل، فإنها تكون مضمونة عليه على كل حال، سواء كانت صحيحةُ العين مضمونة فيه أو غير مضمونة.
وإن قبضها في الفاسد وكانت صحيحةُ العين فيه غير مضمونة، ففاسد كذلك، ذكره صاحب المغني (٢).
стр. 66
الرابعة: المخالفة من الوكيل تقتضي فساد الوكالة لا بطلانها، فيفسد عقد الوكالة، ويصير الوكيل متصرِّفاً بمجرد الإذن.
وفي وجه: أن الوكالة تبطل بذلك؛ كالوديعة.
الخامسة: الفاسد من النكاح: ما كان يسوغ فيه الاجتهاد، والباطل: ما كان مجمعاً على بطلانه.
فالباطل: لا يترتب عليه شيء من أحكام الصحيح، إلا في الطلاق إذا تزوجها في عدةٍ من غيره، هل يقع؟ فيه روايتان (١).
وأما الفاسد: فيثبت فيه أحكام الصحيح، منها:
١ - اللعان: فيصح في النكاح الفاسد لإسقاط الحد ونفي النسب.
٢ - الخلوة في الفاسد: فإنها تكمل الصداق كالصحيح.
وفي رواية: لا شيء بها.
٣ - عدة الوفاة: فإنها تجب في النكاح الفاسد.
وقيل: لا عدة عليها.
стр. 67
٤ - في المطلقة في النكاح الفاسد: فإنها تجتنب ما تجتنبه المطلقة في النكاح الصحيح.
٥ - الميراث: فلا يتوارث الزوجان في النكاح الفاسد.
٦ - الإحصان: هل يحصل به أم لا؟ المجزوم به عند الأصحاب: لا يحصل.
٧ - الطلاق في النكاح الفاسد: يقع.
وقيل: لا يقع حتى يعتقد صحته.
стр. 68
القاعدةُ الثانيةُ والعشرون
العزيمة لغة: القصد المؤكد.
وشرعاً: الحكم الثابت بدليل شرعي خلا عن معارض.
وقولنا (بدليل شرعي) يتناول: الواجب، وتحريم الحرام، وكراهة المكروه.
والرخصة: لغة: السهولة.
وشرعاً: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح (١).
• مسائل تتعلق بالرخصة والعزيمة:
الأولى: التيمم وأكل الميتة عند الضرورة، هل يسمَّيان رخصة أم لا؟
стр. 69
قيل: لا يسميان رخصة؛ لأن كلًّا منهما عزيمة يتعين فعله في موضعه، ولا يجوز الإخلال به.
وقيل: أكل الميتة له جهتان، فمن حيثُ إن المضطر لم يكلَّف بإهلاك جسمه بالجوع، بل أبيح له دفعه ضرورةً بالمحرَّم وأُسقِط عنه العتاب، هو رخصة، ومن حيثُ إنه يجب عليه الأكل، ويُعاقب على تركه، هو عزيمة.
وأما التيمم، فإن كان لعدم الماء فليس برخصة بل عزيمة، وإن كان التيمم مع وجود الماء، لعذرٍ من مرض أو غيره فهو رخصة.
ومن العلماء من قال: التيمم رخصة بكل حال.
وهذا على قول من يقول: إن التيمم لا يرفع الحدث. (١)
الثانية: المسح على الخفين، قال أكثر أصحابنا: هو رخصة، وقيل: بأنه عزيمة. (٢)
стр. 70
• فرع: الرخصة تنقسم إلى أقسام:
القسم الأول: ما هو واجب:
١ - كأكل الميتة عند الضرورة.
٢ - من خاف التلف بصومه، فإنه يجب عليه الفطر. (١)
القسم الثاني: ما فعله مستحب: كقصر الصلاة، والفطر في الصوم في السفر.
وفيه وجه: الإتمام والصوم أفضل.
القسم الثالث: ما الأفضل عدم فعله: كالإكراه على التلفظ بكلمة الكفر.
• فرع: اختلف في مسائل من الرُّخص، هل الأفضل فعلها أم تركها؟
الأولى: الجمع بين الصلاتين، فهل الأفضل فعله أو تركه؟ روايتان، أظهرهما: الثاني.
الثانية: المسح على الخفين، فعن أحمد: المسح
стр. 71
أفضل (١)، وعنه: الغسل أفضل، وعنه: هما سواء.
قال أبو العباس ابن تيمية: الأفضل في حق كل واحد ما هو الموافق لحال قدمه.
الثالثة: تقديم الكفارة بعد اليمين وقبل الحنث، فهل الأفضل التقديم، أو التأخير إلى بعد الحنث، أو هما سواء؟ ثلاث روايات، المذهب: أنهما سواء.
الرابعة: هل الأفضل تعجيل الزكاة إذا كمل النصاب أم لا؟ المنصوص عن أحمد: لا بأس بالتعجيل.
وقيل: هما على حد واحد.
وظاهر كلام الأصحاب: أن ترك التعجيل أفضل (٢).
وقال بعض المتأخرين (٣): يتوجه أن تعتبر المصلحة.
الخامسة: المتخلي، هل الأفضل له استعمال الحجر أو استعمال الماء؟ روايتان، المذهب: الثاني.
стр. 72
القسم الرابع: ما هو مكروه: كالسفر للترخص (١).
القسم الخامس: ما هو مباح: كالعرايا والمساقاة والمزارعة والكتابة والشفعة وغير ذلك من العقود الثابتة على خلاف القياس (٢).
стр. 73
القاعدة الثالثة والعشرون
تثبت اللغة قياساً عند أكثر أصحابنا، ونفاه بعضهم (١).
• تحرير محل النزاع:
- الإجماع منعقد على منعه في الأعلام والألقاب؛ لوضعها لغير معنًى جامع.
- والإجماع منعقد على منعه في الصفات؛ لأن العالم من قام به العلم، فيجب طرده، فإطلاقه بوضع اللغة.
- ومحل الخلاف: في الاسم الموضوع لمسمًّى مستلزِمٍ لمعنًى في محله وجوداً وعدماً.
• ذكر طائفة من الأصوليين أن ما ينبني على هذه القاعدة من الفروع:
الأولى: اللائط يحدُّ؛ قياساً على الزاني، بجامع الإيلاج المحرم.
стр. 74
الثانية: شارب النبيذ يحدُّ؛ قياساً على شارب الخمر، بجامع السكر والتخمير.
الثالثة: نباش القبور يُقطع؛ قياساً على سارق أموال الأحياء، بجامع أخذ الأموال خفية.
وهذا البناء ليس بناءً جيداً، بل هو واضح البطلان، والله أعلم.
стр. 75
القاعدة الرابعة والعشرون
من أنواع المجاز: إطلاق اسم البعض على الكل، وعكسه.
• فروع القاعدة:
الأولى: إذا قال لزوجته: أنت طالق نصف طلقة؛ فإنها تطلق طلقة كاملة.
الثانية: لو نذر صوم نصف يوم؛ فإنه يلزمه يوم كامل.
الثالثة: إذا حلف لا يشرب له الماء من العطش، والنية أو السبب قطع منَّتِه؛ حنث بكل ما فيه مِنَّة؛ لأن فيه جهة صحيحة، وهي إطلاق اسم البعض وإرادة الكل.