Полный текст (2 068 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
تَنْفِيذًا لِلْعِتْقِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ.
(الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) قَوْلُهُ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ «وَلَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ» وَالْوَكْسُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَإِسْكَانِ الْكَافِّ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ النَّقْصُ وَالشَّطَطُ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا طَاءٌ مُهْمَلَةٌ مُكَرَّرَةٌ الْجَوْرُ وَفِيهِ إثْبَاتُ التَّقْوِيمِ وَالْأَخْذُ بِمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْقِيمَةِ وَإِنْ كَانَ ظَنًّا وَتَخْمِينًا مَعَ أَنَّ أَصْلَ الشَّهَادَةِ أَنْ يَكُونَ بِالْيَقِينِ لَكِنْ اُغْتُفِرَ ذَلِكَ فِي التَّقْوِيمِ لِلضَّرُورَةِ.
[فَائِدَة أَتْلَفَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ أَوْ الْعُرُوضِ الَّتِي لَا تُكَالُ وَلَا تُوزَنُ] ١
(الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ أَوْ الْعُرُوضِ الَّتِي لَا تُكَالُ وَلَا تُوزَنُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لَا مِثْلُهُ قَالَ: وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ قَالَ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ وَدَاوُد إلَى أَنَّ الْقِيمَةَ لَا يُقْضَى بِهَا إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ وَمَا حَكَاهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ ضَمَانِ الْمُتْلَفِ الَّذِي لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ بِالْمِثْلِ مَرْدُودٌ فَلَمْ يَقُلْ الشَّافِعِيُّ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا ضَمَّنَهُ بِالْقِيمَةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنَّمَا أَوْجَبَ أَصْحَابُنَا الضَّمَانَ بِالْمِثْلِ، وَلَوْ صُورَةً فِي الْقَرْضِ فَأَمَّا فِي بَابِ الْإِتْلَافَاتِ فَلَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَة لِلْمُعْتِقِ النِّصْفُ وَهُوَ مُوسِرٌ بِالْبَاقِي وَلَهُ شَرِيكَانِ] ١
(الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ) قَوْلُهُ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ أَيْ إنْ كَانَ لَهُ شُرَكَاءُ فَإِنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ وَاحِدٌ أَعْطَاهُ جَمِيعَ ثَمَنِ الْبَاقِي أَوْ شَرِيكَانِ أَعْطَاهُمَا. وَالْعَطِيَّةُ هُنَا عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ بِلَا شَكٍّ فَلَوْ كَانَ لِلْمُعْتِقِ النِّصْفُ وَهُوَ مُوسِرٌ بِالْبَاقِي، وَلَهُ شَرِيكَانِ لِأَحَدِهِمَا الثُّلُثُ وَالْآخَرُ السُّدُسُ كَانَ الْمَدْفُوعُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي عَكْسِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَعْتِقَ كُلٌّ مِنْ صَاحِبِ الثُّلُثِ وَالسُّدُسِ حِصَّتَهُ وَهُمَا مُوسِرَانِ فَهَلْ يُقَوَّمُ عَلَيْهِمَا نَصِيبُ صَاحِبِ النِّصْفِ بِالسَّوِيَّةِ أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ حَتَّى يَكُونَ التَّقْوِيمُ عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ الثَّانِي وَالْخِلَافُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ الْأَوَّلُ وَهُوَ نَظِيرُ الْخِلَافِ فِي الشُّفْعَةِ إذَا كَانَتْ لِاثْنَيْنِ هَلْ يَأْخُذَانِهَا بِالسَّوِيَّةِ أَوْ عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْكُلِّ أَنَّهُ عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَة لَا فَرْقَ فِي الْعِتْق بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ]
(الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ وَلَوْ مَرَضَ الْمَوْتِ بِنَاءً عَلَى الْعُمُومِ فِي الْأَحْوَالِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ إلَّا أَنَّهُمْ خَصُّوهُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ بِمَا إذَا وَسِعَهُ الثُّلُثُ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ فِي الثُّلُثِ كَتَصَرُّفِ الصَّحِيحِ فِي جَمِيعِ الْمَالِ، وَعَنْ أَحْمَدَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ لَا تَقْوِيمَ فِي
стр. 1472
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «بَاعَ النَّبِيُّ ﷺ عَبْدًا مُدَبَّرًا فَاشْتَرَاهُ ابْنُ النَّحَّامِ
ــ
[طرح التثريب]
الْمَرَضِ.
[فَائِدَة لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتِقُ وَالشَّرِيكُ وَالْعَبْدُ مُسْلِمِينَ أَوْ كُفَّارًا] ١
(السَّادِسَةَ عَشْرَةَ) وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتِقُ وَالشَّرِيكُ وَالْعَبْدُ مُسْلِمِينَ أَوْ كُفَّارًا أَوْ بَعْضُهُمْ مُسْلِمِينَ وَبَعْضُهُمْ كُفَّارًا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَجْهَانِ فِيمَا لَوْ أَعْتَقَ الْكَافِرُ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ مُسْلِمٍ هَلْ يَسْرِي عَلَيْهِ أَمْ لَا وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ إنْ كَانُوا كُفَّارًا فَلَا سِرَايَةَ وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ كَافِرًا دُونَ شَرِيكِهِ فَهَلْ يَسْرِي عَلَيْهِ أَمْ لَا فِيمَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا دُونَ مَا إذَا كَانَ كَافِرًا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، وَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ وَالْعَبْدُ مُسْلِمًا فَرِوَايَتَانِ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُسْلِمًا سَرَى عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ.
[فَائِدَة تَعَلَّقَ الْعِتْق بِمَحَلِّ السِّرَايَةِ] ١
(السَّابِعَةَ عَشْرَةَ) وَظَاهِرُهُ أَيْضًا تَنَاوَلَ مَا إذَا تَعَلَّقَ بِمَحَلِّ السِّرَايَةِ حَقٌّ لَازِمٌ بِأَنْ يَكُونَ نَصِيبُ الشَّرِيكِ مَرْهُونًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ مُسْتَوْلَدًا بِأَنْ اسْتَوْلَدَهَا وَهُوَ مُعْسِرٌ وَفِي ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ السِّرَايَةُ فِي الْمَرْهُونِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ دُونَ الْمُسْتَوْلَدَةِ؛ لِعَدَمِ قَبُولِهَا نَقْلَ الْمِلْكِ.
[فَائِدَة لَا فَرْقَ بَيْنَ عِتْقِ مَأْذُونٍ فِيهِ وَغَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ]
(الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ) وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ عِتْقِ مَأْذُونٍ فِيهِ وَغَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَا ضَمَانَ فِي الْإِعْتَاقِ لِمَأْذُونٍ فِيهِ كَمَا لَوْ قَالَ لِشَرِيكِهِ أَعْتِقْ نَصِيبَك.
[فَائِدَة الْإِعْتَاق بِالتَّنْجِيزِ وَالتَّعْلِيقِ بِالصِّفَةِ] ١
(التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ) لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِعْتَاقِ بِالتَّنْجِيزِ وَالتَّعْلِيقِ بِالصِّفَةِ مَعَ وُجُودِهَا فَإِنَّ مَجْمُوعَهُمَا كَالتَّنْجِيزِ وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْعِتْقِ إلَى أَجَلٍ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: يُقَوَّمُ عَلَيْهِ فَيُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: إنْ شَاءَ الْمُتَمَسِّكُ قَوَّمَهُ السَّاعَةَ فَكَانَ جَمِيعُهُ حُرًّا إلَى سَنَةٍ مَثَلًا وَإِنْ شَاءَ تَمَاسَكَ وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ السَّنَةِ إلَّا مِنْ شَرِيكِهِ وَإِذَا تَمَّتْ السَّنَةُ قُوِّمَ عَلَى مُبْتَدِئِ الْعِتْقِ عِنْدَ التَّقْوِيمِ.
[فَائِدَة كَانَ مُعْسِرًا حَالَةَ الْإِعْتَاقِ ثُمَّ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ] ١
(الْعِشْرُونَ) قَوْلُهُ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَقْتَضِي اعْتِبَارُ ذَلِكَ حَالَةَ الْعِتْقِ حَتَّى لَوْ كَانَ مُعْسِرًا حَالَةَ الْإِعْتَاقِ ثُمَّ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَسِرْ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
(الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي السِّرَايَةِ فِيمَا إذَا مَلَكَ قِيمَةَ الْبَاقِي بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ ذَلِكَ أَمْ لَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ كَالْخِلَافِ فِي أَنَّ الدَّيْنَ هَلْ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ أَمْ لَا.
[فَائِدَة بَاعَ النَّبِيُّ ﷺ عَبْدًا مُدَبَّرًا فَاشْتَرَاهُ ابْنُ النَّحَّامِ]
(الْحَدِيثِ الثَّانِي) عَنْ جَابِرٍ قَالَ «بَاعَ النَّبِيُّ ﷺ عَبْدًا مُدَبَّرَا فَاشْتَرَاهُ ابْنُ النَّحَّامِ عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ
стр. 1473
عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ الْأَوَّلِ فِي إمْرَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ دَبَّرَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ» وَلِلْبُخَارِيِّ «فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ نَحَّامٍ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ» .
وَقَالَ مُسْلِمٌ «فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَدَفَعَهَا إلَيْهِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد «فَبِيعَ بِسَبْعِمِائَةٍ أَوْ بِتِسْعِمِائَةٍ» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ «أَنْتَ أَحَقُّ بِثَمَنِهِ وَاَللَّهُ أَغْنَى عَنْهُ» .
وَلِمُسْلِمٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو مَذْكُورٍ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ يُقَالُ لَهُ يَعْقُوبُ»
ــ
[طرح التثريب]
عَامَ الْأَوَّلِ فِي إمْرَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ دَبَّرَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ.» (فِيهِ) فَوَائِدُ:
(الْأُولَى) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ مُخْتَصَرٌ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ وَابْنِ مَاجَهْ بِمَعْنَى لَفْظِ الْمُصَنِّفِ وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ دَبَّرَ غُلَامًا لَهُ فَمَاتَ، وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا غَيْرَهُ» الْحَدِيثَ
وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ»
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَدَفَعَهَا إلَيْهِ»
، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ «فَبَاعَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَرْسَلَ بِثَمَنِهِ إلَيْهِ»
وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد «فَبِيعَ بِسَبْعِمِائَةٍ أَوْ تِسْعِمِائَةٍ» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ «أَنْتَ أَحَقُّ بِثَمَنِهِ وَاَللَّهُ أَغْنَى عَنْهُ»
وَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ «وَكَانَ مُحْتَاجًا وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ» وَفِيهِ «فَأَعْطَاهُ قَالَ اقْضِ دِينَك» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ «فَاحْتَاجَ الرَّجُلُ»
، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ بِلَفْظِ «إنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَرَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ فَابْتَاعَهُ مِنْهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ» .
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ بِلَفْظِ «أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ
стр. 1474
الْحَدِيثَ. وَلِمُسْلِمٍ «أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ» الْحَدِيثَ. وَزَادَ ثُمَّ قَالَ «ابْدَأْ بِنَفْسِك فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِك فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِك شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِك فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِك شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا يَقُولُ فَبَيْنَ يَدَيْك وَعَنْ يَمِينِك وَعَنْ شِمَالِك» . وَلِلنَّسَائِيِّ فِي رِوَايَةٍ «وَكَانَ مُحْتَاجًا وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ» وَفِيهِ «فَأَعْطَاهُ قَالَ اقْضِ دِينَك» .
وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَاعَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ» ..
ــ
[طرح التثريب]
عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ فَقَالَ لَا فَقَالَ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيِّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَدَفَعَهَا إلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ابْدَأْ بِنَفْسِك فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِك فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِك شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِك فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِك شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا يَقُولُ فَبَيْنَ يَدَيْك وَعَنْ يَمِينِك وَعَنْ شِمَالِك» لَفْظُ مُسْلِمٍ وَفِي لَفْظِ لِمُسْلِمٍ وَلِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو مَذْكُورٍ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ يُقَالُ لَهُ يَعْقُوبُ» وَالْبَاقِي بِمَعْنَاهُ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ «كَانَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْمَذْكُورِ وَكَانَ لَهُ عَبْدٌ قِبْطِيٌّ فَأَعْتَقَهُ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ ثُمَّ احْتَاجَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ ذَا حَاجَةٍ فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ قَالَ فَبَاعَهُ مِنْ نُعَيْمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ بِثَمَانِمِائَةٍ فَانْتَفَعَ بِهَا» خَمْسَتُهُمْ عَنْ جَابِر ﵁ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ هَذَا أَثَرٌ مَشْهُورٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ بِنَقْلِ التَّوَاتُرِ.
(الثَّانِيَةُ) الْمُدَبَّرُ الْعَبْدُ الَّذِي عَلَّقَ سَيِّدُهُ عِتْقَهُ عَلَى الْمَوْتِ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ دُبُرُ الْحَيَاةِ وَقِيلَ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ دَبَّرَ أَمْرَ دُنْيَاهُ بِاسْتِخْدَامِهِ وَاسْتِرْقَاقِهِ، وَأَمْرَ آخِرَتِهِ بِإِعْتَاقِهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ وَاخْتَلَفَ
стр. 1475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَذَاهِبَ:
(أَحَدُهَا) الْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَابْنُ حَزْمٍ وَحَكَاهُ عَنْ عَائِشَةَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَطَاوُسٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَعَنْ الشَّعْبِيِّ: يَبِيعُهُ الْجَرِيءُ وَيَدَعُهُ الْوَرِعُ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: بَلْ يَبِيعُهُ الْوَرِعُ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ مُجَاهِدٍ وَرَفَعَهَا أَهْلُ مَكَّةَ أَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ صَاحِبُهَا فِيهَا بِالْخِيَارِ مَا عَاشَ يُمْضِي مِنْهَا مَا شَاءَ وَيَرُدُّ مِنْهَا مَا شَاءَ وَحَكَاهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ عَنْ أَكْثَرِ التَّابِعِينَ، وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ.
(الثَّانِي) الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَمَنَعَ مِنْ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَالسَّلَفِ مِنْ الْحِجَازِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
(الثَّالِثُ) الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى السَّيِّدِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فَيُبَاعُ فِي حَيَاتِهِ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
(الرَّابِعُ) يَجُوزُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ وَيَمْتَنِعُ بَيْعُ الْمُدَبَّرَةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ عَنْهُ، وَقَالَ وَهَذَا تَفْرِيعٌ لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ.
(الْخَامِسُ) جَوَازُ بَيْعِهِ إذَا احْتَاجَ صَاحِبُهُ إلَيْهِ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ رَبِيعَةَ وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ طَاوُسٍ أَيْضًا.
(السَّادِسُ) لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا إذَا أَعْتَقَهُ الَّذِي ابْتَاعَهُ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ مَالِكٍ وَكَانَ الْقَائِلُ بِهَذَا رَأَى بَيْعَهُ مَوْقُوفًا كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي تَبَيَّنَ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ، وَإِلَّا فَلَا فَإِنَّهُ لَوْ بَطَلَ الْبَيْعُ مِنْ الْأَوَّلِ لَمَا صَحَّ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي مِلْكٍ، وَلَوْ صَحَّ مِنْ الْأَوَّلِ لَمْ يَنْقَلِبْ بَاطِلًا بِكَوْنِ الْمُشْتَرِي لَمْ يُعْتِقْهُ.
(السَّابِعُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَقُولُ لَا يُبَاعُ إلَّا مِنْ نَفْسِهِ. انْتَهَى.
وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا لَيْسَ قَوْلًا آخَرَ بَلْ هُوَ قَوْلُ الْمَنْعِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ مِنْ نَفْسِهِ لَيْسَ بَيْعًا وَإِنَّمَا هُوَ عِتْقٌ.
(الثَّامِنُ) مَنْعُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ تَدْبِيرًا مُطْلَقًا، وَجَوَازُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ بِقَيْدٍ كَقَوْلِهِ إنْ مِتَّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ إنْ
стр. 1476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
مِتَّ مِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ مِنْ سَفَرِي هَذَا لَيْسَ تَدْبِيرًا، وَإِنَّمَا هُوَ وَصِيَّةٌ وَالرُّجُوعُ عَنْ الْوَصِيَّةِ جَائِزٌ وَلِهَذَا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ بِجَوَازِ الْبَيْعِ فِي التَّدْبِيرِ الْمُقَيَّدِ.
[فَائِدَة بَيْعَ خِدْمَةِ الْمُدَبَّرِ] ١
(الرَّابِعَةُ) فَاحْتَجَّ مَنْ جَوَّزَ مُطْلَقًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ الْأَصْلُ عَدَمُ الِاخْتِصَاصِ بِهَذَا الرَّجُلِ وَبِمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ صِفَتِهِ وَتَأَوَّلَهُ الْمَانِعُ مُطْلَقًا بِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْعَ رَقَبَتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ بَيْعُ خِدْمَتِهِ وَهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَتَمَسَّكَ قَائِلُهُ بِمَا
رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ «إنَّمَا بَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خِدْمَةَ الْمُدَبَّرِ» وَهَذَا مُرْسَلٌ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَرُوِيَ عَنْهُ مَوْصُولًا وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ فَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ: إنَّهُ ضَعِيفٌ، ثُمَّ قَالَ، وَأَبُو جَعْفَرٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ الثِّقَاتِ فَإِنَّ حَدِيثَهُ هَذَا مُرْسَلٌ ثُمَّ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ ابْنِ فُضَيْلٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا بَأْسَ بِبَيْعِ خِدْمَةِ الْمُدَبَّرِ إذَا احْتَاجَ» وَقَالَ هَذَا خَطَأٌ مِنْ ابْنِ طَرِيفٍ وَالصَّوَابُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُرْسَلًا وَلِذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا خَطَأٌ مِنْ ابْنِ طَرِيفٍ دَخَلَ لَهُ حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ ثُمَّ أَوْضَحَ ذَلِكَ ثُمَّ رَوَى عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ فِي جَوَابِ مَنْ ذَكَرَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ مَا رَوَى هَذَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ فِيمَا عَلِمْتُ أَحَدٌ يَثْبُتُ حَدِيثُهُ، وَلَوْ رَوَاهُ مَنْ ثَبَتَ حَدِيثُهُ مَا كَانَ لَك فِيهِ الْحُجَّةُ مِنْ وُجُوهٍ. قَالَ: وَمَا هِيَ قُلْت أَنْتَ لَا تُثْبِتُ الْمُنْقَطِعَ لَوْ لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ فَكَيْفَ تُثْبِتُ الْمُنْقَطِعَ يُخَالِفُهُ الْمُتَّصِلُ الثَّابِتُ، لَوْ كَانَ يُخَالِفُهُ لَوْ ثَبَتَ كَانَ يَجُوزُ أَنْ أَقُولَ «بَاعَ النَّبِيُّ ﷺ رَقَبَةً مُدَبَّرَةً» كَمَا حَدَّثَ جَابِرٌ «وَخِدْمَةَ مُدَبَّرٍ» كَمَا حَدَّثَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ، وَمِنْهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ لِبَعْضِ مُخَالِفِيهِ أَتَقُولُ: إنَّ بَيْعَ خِدْمَةِ الْمُدَبَّرِ جَائِزٌ قَالَ لَا؛ لِأَنَّهَا غَرَرٌ قُلْت: فَقَدْ خَالَفْت مَا رَوَيْت عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . ثُمَّ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ عَبْدَ الْغَفَّارِ بْنَ الْقَاسِمِ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ يَرْمِيهِ بِالْوَضْعِ قَالَ وَوَصَلَهُ أَيْضًا أَبُو شَيْبَةَ إبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ جَابِرٍ، وَأَبُو شَيْبَةَ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِأَمْثَالِهِ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ هَذَا مُرْسَلٌ
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً عَلَى الْحَنَفِيِّينَ وَالْمَالِكِيِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ بَيْعَ خِدْمَةِ الْمُدَبَّرِ. قُلْت: وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِبَيْعِ خِدْمَتِهِ الْإِجَارَةُ، وَهِيَ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْمُخَالِفِينَ
стр. 1477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
أَيْضًا لَكِنَّ شَرْطَ الْإِجَارَةٍ التَّأْقِيتُ بِمُدَّةٍ وَعَارَضُوا مَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ الْجَوَازِ بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدَةَ بْنِ حَسَّانَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْمُدَبَّرُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَهُوَ حُرٌّ مِنْ الثُّلُثِ» وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرُ عُبَيْدَةَ بْنِ حَسَّانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يَثْبُتُ مَرْفُوعًا ثُمَّ رَوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ وَقَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مَوْقُوفًا، وَمَا قَبْلَهُ لَا يَثْبُتُ مَرْفُوعًا وَرُوَاتُهُ ضُعَفَاءُ، وَلِذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إنَّ إسْنَادَ الْمَرْفُوعِ ضَعِيفٌ وَذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ عَنْ مُوسَى بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ عَمِّهِ عُبَيْدَةَ بْنِ حَسَّانَ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا خَبَرٌ مَوْضُوعٌ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الْبَاقِي رَاوِي كُلَّ بَلِيَّةٍ، وَقَدْ تُرِكَ حَدِيثُهُ إذْ ظَهَرَ فِيهِ الْبَلَاءُ ثُمَّ سَائِرُ مَنْ رَوَاهُ إلَى أَيُّوبَ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ كُلُّهُمْ مَجْهُولُونَ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ إنْ كَانَ هُوَ السِّنْجَارِيُّ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَهُوَ مَجْهُولٌ. قُلْت لَا يَحْسُنُ تَضْعِيفُهُ بِعَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ فَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ رَوَيَاهُ مِنْ طَرِيقِ جَمَاعَةٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ. وَقَالَ وَالِدِي ﵀ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ عُبَيْدَةَ بْنِ حَسَّانَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ الْعَسْكَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ ظَبْيَانِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَالْحَدِيثُ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مُخْتَصَرٌ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ ظَبْيَانِ بِسَنَدِهِ «الْمُدَبَّرُ مِنْ الثُّلُثِ» وَقَالَ سَمِعْت عُثْمَانَ يَقُولُ هَذَا خَطَأٌ وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ. قَالَ وَالِدِي: وَقَدْ رَجَعَ عَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانِ عَنْ رَفَعَهُ كَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ رَوَاهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا فَقَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانِ كُنْت أُحَدِّثُ بِهِ مَرْفُوعًا فَقَالَ لِي أَصْحَابِي لَيْسَ بِمَرْفُوعٍ وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فَوَقَفْتُهُ قَالَ: وَالْحُفَّاظُ يَقِفُونَهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ. انْتَهَى.
وَاحْتَجَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَا بِالرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْ عِنْدِ النَّسَائِيّ وَفِيهَا «وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَفِيهَا فَأَعْطَاهُ قَالَ اقْضِ دِينَك» وَيُعَارِضُهَا الرِّوَايَةُ الَّتِي سُقْنَاهَا مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَفِيهَا
стр. 1478
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
«ابْدَأْ بِنَفْسِك فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا» وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ الثَّمَنَ لِإِنْفَاقِهِ لَا لِوَفَاءِ دَيْنٍ بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ أَوْ ظَاهِرٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ أَيْ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا بَاعَهُ لِيُنْفِقَهُ سَيِّدُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ أَوْ ظَاهِرٌ فِي هَذَا، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «ابْدَأْ بِنَفْسِك فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا» إلَى آخِرِهِ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بَعْدَ حِكَايَتِهِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ بَاعَهُ فِي دَيْنٍ، وَهَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّا قَدْ بَيَّنَّا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعُودَ بِهِ عَلَى قَرَابَتِهِ، وَعَلَيْهِ فِي مَعَاشِهِ وَدِينِهِ.
وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَبَّرِ وَالْمُدَبَّرَةِ فَظَاهِرِيَّةٌ مَحْضَةٌ وَكَانَ قَائِلُهُ تَمَسَّكَ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الْمُدَبَّرَةِ بِأَنَّهُ وُجِدَ فِي حَقِّهَا سَبَبٌ لِلْعِتْقِ لَازِمٌ وَقَالَ بِالنَّصِّ فِي مَوْرِدِهِ لَكِنَّ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ يَقْتَضِي عَدَمَ الْفَرْقِ.
وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الِاحْتِيَاجِ، وَعَدَمِهِ فَتَمَسَّكَ قَائِلُهُ بِقَوْلِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ وَبِالرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا وَكَانَ مُحْتَاجًا وَاَلَّذِينَ لَا يُفَرِّقُونَ يَرَوْنَ أَنَّ هَذَا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ تَجْوِيزُ الْبَيْعِ وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِبَيَانِ أَنَّهُ ﵊ إنَّمَا بَاشَرَ الْبَيْعَ وَقَهَرَهُ عَلَى تَبْطِيلِ التَّدْبِيرِ لِاحْتِيَاجِهِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا فَعَلَ ذَلِكَ وَلَتَرَكَهُ، وَمَا فَعَلَ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْأَشْبَهُ عِنْدِي أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ نَظَرًا لَهُ إذْ لَمْ يَتْرُكْ لِنَفْسِهِ مَالًا قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلِذَلِكَ يُرَدُّ تَصَرُّفُ كُلِّ مَنْ تَصَدَّقَ بِكُلِّ مَالِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ بِمَقَالٍ يَلْزَمُ الِانْقِيَادُ إلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنَّمَا هِيَ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ وَحِكَايَةٌ فِي حَالٍ فَلَا يُتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا إلَّا بِدَلِيلٍ هَذَا إذَا كَانَتْ مُجَرَّدَةً مِنْ الِاحْتِمَالِ، وَإِذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا التَّأْوِيلُ سَقَطَ مِنْهَا الدَّلِيلُ، وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى الِاحْتِمَالِ فِيهَا، وَأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ طَرِيقِ الِاحْتِجَاجِ قَوْلُهُ: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ لَا يَقْتَضِي بَيْعًا وَلَا يُوجِبُ عِتْقًا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الرَّاوِي قَوْلَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ مَعْنًى، وَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُ بَعْضِ الْحَدِيثِ وَالتَّعَلُّقُ بِبَعْضِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَفِيهًا فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ فِعْلَهُ وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ الْبُخَارِيُّ وَبَوَّبَ بِهِ. انْتَهَى.
وَقَدْ عَرَفْت مَعْنَى إخْبَارِ الرَّاوِي بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ.
وَأَمَّا حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى السَّفَهِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ
стр. 1479
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
مُبَذِّرًا لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ، وَلَا تَجُوزُ نِسْبَتُهُ بِذَلِكَ إلَّا بِنَقْلٍ وَعَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرْبِ الْإِمَامِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ الْمَالِكِيَّةِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا لَا يَصِيرُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ إلَّا بِضَرْبِ الْقَاضِي وَفَرَّقَ أَصْبَغُ بَيْنَ ظَاهِرِ السَّفَهِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: مَنْ مَنَعَ بَيْعَهُ مُطْلَقًا فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ الْكُلِّيَّ يُنَاقِضُهُ الْجَوَازُ الْجُزْئِيُّ، وَمَنْ أَجَازَ بَيْعَهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ يَقُولُ أَنَا أَقُولُ بِالْحَدِيثِ فِي صُورَةِ كَذَا فَالْوَاقِعَةُ وَاقِعَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا فَلَا يَقُومُ عَلَى حُجَّةٍ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ فِي غَيْرِهَا كَمَا يَقُولُ مَالِكٌ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ فِي الدَّيْنِ. انْتَهَى. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ بِكُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَمُتْ السَّيِّدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَة أَنَّهُ ﵊ بَاعَ الْمُدَبَّرَ فِي حَيَاةِ صَاحِبِهِ] ١
(الْخَامِسَةُ) الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ ﵊ بَاعَهُ فِي حَيَاةِ صَاحِبِهِ وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ قَوْلِهِ «فَمَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا غَيْرَهُ» فَهُوَ وَهْمٌ نُسِبَ فِيهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ إلَى الْخَطَأِ قَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ رِوَايَتِهِ عَنْهُ كَرِوَايَةِ الْجُمْهُورِ هَكَذَا سَمِعْته مِنْهُ عَامَّةَ دَهْرِي ثُمَّ وَجَدْت فِي كِتَابِي دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَّا غُلَامًا لَهُ فَمَاتَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَطَأً مِنْ كِتَابِي أَوْ خَطَأً مِنْ سُفْيَانَ فَإِنْ كَانَ مِنْ سُفْيَانَ فَابْنُ جُرَيْجٍ أَحْفَظُ لِحَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ مِنْ سُفْيَانَ وَمَعَ ابْنِ جُرَيْجٍ اللَّيْثُ وَغَيْرُهُ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَحُدُّ الْحَدِيثَ تَحْدِيدًا يُخْبِرُ فِيهِ حَيَاةَ الَّذِي دَبَّرَهُ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ مَعَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِ أَحْفَظُ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ مِمَّنْ وَجَدْتُهُ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى حِفْظِ الْحَدِيثِ مَنْ خَطَّأْتَهُ بِأَقَلَّ مِمَّا وَجَدْتَ فَقَدْ أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ لَقِيَ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَدِيمًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُدْخِلْ فِي حَدِيثِهِ مَاتَ وَعَجِبَ بَعْضُهُمْ حِين أَخْبَرْته أَنِّي وَجَدْت فِي كِتَابِي مَاتَ، وَقَالَ لَعَلَّ هَذَا خَطَأٌ عَنْهُ أَوْ زَلَلٌ مِنْهُ حَفِظْتهَا عَنْهُ. انْتَهَى.
وَقَالَ وَالِدِي ﵀ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَالْحُمَيْدِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُمْ فَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِيمَا عَلِمْت إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيَّ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ جَابِرٍ عَطَاءٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَمُجَاهِدٌ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ إلَّا أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ.
شَرِيكٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ
стр. 1480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
عَنْ عَطَاءٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَجُلًا مَاتَ وَتَرَكَ مُدَبَّرًا وَدَيْنًا» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى خَطَأِ شَرِيكٍ فِي ذَلِكَ قَالَ وَالِدِي ﵀: وَقَدْ رَوَاهُ الْأَعْمَشُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ كُلُّهُمْ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ لَمْ يَذْكُرُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَحُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ سُهَيْلٍ كُلُّهُمْ عَنْ عَطَاءٍ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ بَلْ صَرَّحُوا بِخِلَافِهَا فَفِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ «فَدَفَعَ ثَمَنَهُ إلَيْهِ» فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى خَطَأِ قَوْلِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِيهِ فَمَاتَ.
وَقَدْ بَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ سَبَبَ الْغَلَطِ فِي زِيَادَةِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَذَلِكَ أَنَّ مَطَرًا رَوَاهُ عَنْ عَطَاءٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ
أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُمْ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ مَمْلُوكَهُ إنْ حَدَثَ بِهِ حَادِثٌ فَمَاتَ فَدَعَا بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَبَاعَهُ مِنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَحَدُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ» هَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ وَرِوَايَةُ مَطَرٍ هَذِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهَا وَإِنَّمَا أَحَالَ بِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَقَالَ بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَوْلُهُ «إنْ حَدَثَ بِهِ حَادِثٌ فَمَاتَ» مِنْ شَرْطِ الْعِتْقِ وَلَيْسَ بِإِخْبَارٍ عَنْ مَوْتِ الْمُعْتِقِ، وَمِنْ هُنَا وَقَعَ الْغَلَطُ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ فِي ذِكْرِ وَفَاةِ الرَّجُلِ فِيهِ عِنْدَ الْبَيْعِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ وَفَاتَهُ فِي شَرْطِ الْعِتْقِ يَوْمَ التَّدْبِيرِ.
(السَّادِسَةُ) قَدْ تَبَيَّنَ
بِالرِّوَايَةِ الَّتِي سُقْنَاهَا مِنْ عِنْدِ.
مُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ «أَنَّ اسْمَ هَذَا الْعَبْدِ الْمُدَبَّرِ يَعْقُوبُ» وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ «عَبْدًا قِبْطِيًّا» صِفَةٌ لَهُ أَيْضًا، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْفَصْلُ بَيْنَ صِفَاتِهِ بِقَوْلِهِ «فَاشْتَرَاهُ ابْنُ النَّحَّامِ» ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ فَتْحُونٍ فِي ذَيْلِهِ عَلَى الِاسْتِيعَابِ يَعْقُوبُ هَذَا فِي الصَّحَابَةِ ﵃ وَذَكَرَ أَنَّهُ سَمَّاهُ فِي الْحَدِيثِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَهْمٌ وَقَوْلُهُ «فَاشْتَرَاهُ ابْنُ النَّحَّامِ» كَذَا وَقَعَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا «فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ» قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَالُوا وَهُوَ غَلَطٌ وَصَوَابُهُ «فَاشْتَرَاهُ النَّحَّامُ» سُمِّيَ بِذَلِكَ «؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ فِيهَا نَحْمَةً لِنُعَيْمٍ» وَالنَّحْمَةُ الصَّوْتُ وَقِيلَ هِيَ السَّعْلَةُ وَقِيلَ النَّحْنَحَةُ وَالنَّحَّامُ بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ. انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ
стр. 1481
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إنَّمَا صَوَابُهُ نُعَيْمٌ النَّحَّامُ. انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الصَّوَابُ وَزِيَادَةُ ابْنٍ خَطَأٌ فِي بَعْضِ الرُّوَاةِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَنُعَيْمٌ هَذَا قُرَشِيٌّ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ أَسْلَمَ قَدِيمًا قَبْلَ إسْلَامِ عُمَرَ وَكَانَ يَكْتُمُ إسْلَامَهُ فَقِيلَ: إنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ عَشَرَةِ أَنْفُسٍ وَقِيلَ: بَعْدَ ثَمَانِيَةٍ وَثَلَاثِينَ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَرَامِلَ بَنِي عَدِيٍّ، وَأَيْتَامِهِمْ فَمَنَعُوهُ الْهِجْرَةَ لِذَلِكَ وَقَالُوا: أَقِمْ عِنْدَنَا عَلَى أَيِّ دِينٍ شِئْت ثُمَّ هَاجَرَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَتَبِعَهُ أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ: اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ. وَقِيلَ: اُسْتُشْهِدَ بِأَجْنَادِينَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي مِنْ الْأَنْصَارِ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ عِنْدِ مُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ أَبُو مَذْكُورٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ «أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ» وَهَذِهِ بِظَاهِرِهَا تُنَافِي الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ صُلْبِيَّةً وَمِنْ الْأَنْصَارِ مُخَالِفَةً أَوْ بِالْعَكْسِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْمَذْكُورِ.
(السَّابِعَةُ) الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ: إنَّهُ «بِيعَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ» .
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد «فَبِيعَ بِسَبْعِمِائَةٍ أَوْ تِسْعِمِائَةٍ» فَلَمْ يَضْبِطْهَا رَاوِيهَا وَلِهَذَا شَكَّ فِيهَا.
[فَائِدَة الْإِنْفَاقَ عَلَى النَّفْسِ]
(الثَّامِنَةُ) قَوْلُهُ «ابْدَأْ بِنَفْسِك فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا» سَمَّى الْإِنْفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ صَدَقَةً وَهُوَ قُرْبَةٌ إذَا كَانَ مِنْ حَلَالٍ وَبِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَقَدْ يَصِلُ إلَى الْوُجُوبِ وَذَلِكَ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ وَقَوْلُهُ «فَإِنْ فَضَلَ» بِفَتْحِ الضَّادِ، وَمُضَارِعُهُ بِضَمِّهَا وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى بِكَسْرِ الضَّادِ، وَمُضَارِعُهُ بِفَتْحِهَا قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا فَضِلَ أَيْ بِالْكَسْرِ يَفْضُلُ بِالضَّمِّ وَهُوَ شَاذٌّ لَا نَظِيرَ لَهُ قَالَ سِيبَوَيْهِ هَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا إنَّمَا يَجِيءُ عَلَى لُغَتَيْنِ وَقَوْلُهُ «فَلِأَهْلِك» أَيْ زَوْجَتِك وَقَوْلُهُ «فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِك فَلِذِي قَرَابَتِك» إنْ حُمِلَ عَلَى التَّطَوُّعِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ ذِي قَرَابَةٍ وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْوَاجِبِ اخْتَصَّ بِمَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ مِنْ الْأَقَارِبِ وَهُمْ الْأُصُولُ وَالْفُرُوعُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٌ وَلِذَلِكَ تَفَارِيعُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الرَّقِيقَ وَلَعَلَّهُ دَاخِلٌ فِي الْأَهْلِ أَوْ سَكَتَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا رَقِيقَ لَهُمْ فَأَجْرَى الْكَلَامَ عَلَى الْغَالِبِ أَوْ ذَاكَ الشَّخْصِ الْمُخَاطَبِ بِهَذَا الْكَلَامِ
стр. 1482
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
لَا رَقِيقَ لَهُ فَبَيَّنَ حَالَ نَفْسِهِ، وَقَدْ قَدَّمَ الْحَنَابِلَةُ الْعَبْدَ عَلَى الْقَرِيبِ مِنْ وَلَدٍ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ أَرَ أَصْحَابَنَا الشَّافِعِيَّةَ تَعَرَّضُوا لِذِكْرِ الْعَبْدِ عِنْدَ تَزَاحُمِ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ وَكَانَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ جِهَةٌ يُنْفِقُ مِنْهَا وَهِيَ كَسْبُهُ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ كَسُوبٍ وَتَعَذَّرَتْ إجَارَتُهُ لِمَنْفَعَةٍ مِنْ الْمَنَافِعِ فَيُبَاعُ هُوَ أَوْ جُزْءٌ مِنْهُ لِنَفَقَتِهِ وَقَوْلُهُ «فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِك شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا» فِيهِ تَقْدِيمُ الصَّدَقَةِ عَلَى الْقَرَابَةِ عَلَى الصَّدَقَةِ عَلَى الْأَجَانِبِ إنْ كَانَ الْحَدِيثُ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فَإِنْ كَانَ فِي النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ خَرَجَ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَقَوْلُهُ «فَهَكَذَا وَهَكَذَا» كَذَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ فَبَيْنَ يَدَيْك وَعَنْ يَمِينِك وَعَنْ شِمَالِك وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَكْرِيرَ قَوْلِهِ هَكَذَا ثَلَاثًا وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ وَعَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْ كَثْرَةِ الصَّدَقَةِ وَتَنْوِيعِ جِهَاتِهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْجِهَاتِ الْمَحْسُوسَةِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الِابْتِدَاءُ بِالنَّفَقَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ فِيهِ وَمَحِلُّ تَقْدِيمِ النَّفْسِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَصْبِرُ عَلَى الْإِضَافَةِ أَمَّا مَنْ صَبَرَ عَلَيْهَا، وَآثَرَ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ مَحْمُودٌ قَدْ جَاءَ بِمَدْحِهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَفَعَلَهُ الصِّدِّيقُ وَذَلِكَ الْأَنْصَارِيُّ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ وَغَيْرُهُمَا وَفِيهِ أَنَّ الْحُقُوقَ وَالْفَضَائِلَ إذَا تَزَاحَمَتْ قُدِّمَ الْآكَدُ فَالْآكَدُ وَفِيهِ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أَنْ يُنَوِّعَهَا فِي جِهَاتِ الْخَيْرِ وَوُجُوهِ الْبِرِّ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ وَلَا يَحْصُرُهَا فِي جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
[فَائِدَة نَظَرُ الْإِمَامِ فِي مَصْلَحَةِ رَعِيَّتِهِ وَأَمْرُهُ إيَّاهُمْ بِمَا فِيهِ الرِّفْقُ بِهِمْ] ١
(التَّاسِعَةُ) فِيهِ نَظَرُ الْإِمَامِ فِي مَصْلَحَةِ رَعِيَّتِهِ، وَأَمْرُهُ إيَّاهُمْ بِمَا فِيهِ الرِّفْقُ بِهِمْ وَإِبْطَالُهُ مَا يَضُرُّهُمْ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِمْ الَّتِي يُمْكِنُ فَسْخُهَا.
(الْعَاشِرَةُ) ظَاهِرُ قَوْلِهِ «بَاعَ» أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَاشَرَ الْبَيْعَ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ ﴿أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وَتَصَرُّفُهُ عَلَيْهِمْ مَاضٍ لَا انْدِفَاعَ لَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ وَنَسَبَ إلَيْهِ الْبَيْعَ مَجَازًا لَكِنَّهُ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ «ثُمَّ أَرْسَلَ بِثَمَنِهِ إلَيْهِ» فَإِنَّهُ يَقْتَضِي غَيْبَتَهُ عَنْ الْبَيْعِ وَقَبْضَ الثَّمَنِ وَكَذَا قَوْلُهُ «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي» يَقْتَضِي مُبَاشَرَتَهُ ﵊ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ الْعَلَمِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ يُحِيطُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَبِيعُ عَلَى أَحَدٍ مَالَهُ إلَّا فِيمَا لَزِمَهُ أَوْ يَأْمُرُهُ قِيلَ لَهُ فَبِأَيِّهِمَا بَاعَهُ قَالَ: أَمَّا الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ آخِرُ الْحَدِيثِ فِي دَفْعِهِ ثَمَنَهُ إلَى صَاحِبِهِ الَّذِي دَبَّرَهُ فَإِنَّهُ دَبَّرَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ حِينَ
стр. 1483
وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اسْقِ رَبَّكَ أَطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّئْ رَبَّكَ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ رَبِّي وَلْيَقُلْ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ فَتَاتِي غُلَامِي» زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ بَعْدَ قَوْلِهِ «غُلَامِي وَجَارِيَتِي» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ «وَلَا يَقُلْ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ مَوْلَايَ فَإِنَّ مَوْلَاكُمْ اللَّهُ » .
ــ
[طرح التثريب]
دَبَّرَهُ وَكَانَ يُرِيدُ بَيْعَهُ إمَّا مُحْتَاجًا إلَى بَيْعِهِ، وَإِمَّا غَيْرَ مُحْتَاجٍ فَأَرَادَ الرُّجُوعَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَبَاعَهُ فَكَانَ فِي بَيْعِهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ لَهُ إذَا شَاءَ، وَأَمَرَهُ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا أَنْ يَبْدَأَ بِنَفْسِهِ نَرَى ذَلِكَ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى النَّاسِ.
[فَائِدَة الْبَيْعِ فِيمَنْ يَزِيدُ] ١
(الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) فِيهِ جَوَازُ الْبَيْعِ فِيمَنْ يَزِيدُ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ الْآنَ، وَقَدْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ ضَعِيفٌ لِبَعْضِ السَّلَفِ.
[فَائِدَة الرُّجُوع عَنْ التَّدْبِيرِ بِالْقَوْلِ]
(الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ جَوَّزَ الرُّجُوعَ عَنْ التَّدْبِيرِ بِالْقَوْلِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ. وَاقْتَصَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى نَقْلِ هَذَا عَنْ الشَّافِعِيِّ لَكِنَّ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى عِنْدَ أَصْحَابِهِ مَنْعُ الرُّجُوعِ عَنْهُ بِالْقَوْلِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ وَصِيَّةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْلِيقُ عِتْقٍ بِصِفَةٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الرُّجُوعِ عَنْهُ بِالتَّصَرُّفِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ جَوَازُهُ بِالْقَوْلِ فَقَدْ يُغْتَفَرُ فِي الضِّمْنِيَّاتِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَقَاصِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَة إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ] ١
(الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) قَوْلُهُ عَامَ الْأَوَّلِ مِنْ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ وَلَهُ نَظَائِرُ فَالْكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَهُ وَالْبَصْرِيُّونَ يَمْنَعُونَهُ وَيُؤَوِّلُونَ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ هُنَا عَامَ الزَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
[حَدِيث لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اسْقِ رَبَّكَ أَطْعِمْ رَبَّكَ]
(الْحَدِيثُ الثَّالِثُ) وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اسْقِ رَبَّك أَطْعِمْ رَبَّك وَضِّئْ رَبَّك وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ رَبِّي وَلْيَقُلْ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ غُلَامِي»
(فِيهِ) فَوَائِدُ:
(الْأُولَى) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ
стр. 1484
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
هَذَا الْوَجْهِ، الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ابْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي، وَأَمَتِي كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إمَاءُ اللَّهِ وَلَكِنْ لِيَقُلْ غُلَامِي وَجَارِيَتِي وَفَتَايَ وَفَتَاتِي» ، وَأَخْرَجَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي فَإِنَّ كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ وَلَكِنْ لِيَقُلْ فَتَايَ وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ مَوْلَايَ فَإِنَّ مَوْلَاكُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ لِيَقُلْ سَيِّدِي» ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي وَلَا الْمَوْلَى رَبِّي وَرَبَّتِي وَلَكِنْ لِيَقُلْ الْمَالِكُ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَالْمَمْلُوكُ سَيِّدِي وَسَيِّدَتِي فَإِنَّكُمْ الْمَمْلُوكُونَ وَالرَّبُّ اللَّهُ» .
(الثَّانِيَةُ) فِيهِ نَهْيُ الْمَمْلُوكِ أَنْ يَقُولَ لِسَيِّدِهِ رَبٍّ وَكَذَلِكَ نَهْيُ غَيْرِهِ فَلَا يَقُلْ أَحَدٌ لِلْمَمْلُوكِ رَبَّك وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ قَدْ يَقُولُ اسْقِ رَبَّك فَيَضَعُ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِنَفْسِهِ بَلْ هَذَا أَوْلَى بِالنَّهْيِ مِنْ قَوْلِ الْعَبْدِ أَوْ الْأَجْنَبِيِّ ذَلِكَ عَنْ السَّيِّدِ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ الرُّبُوبِيَّةَ حَقِيقَتُهَا لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الرَّبَّ هُوَ الْمَالِكُ أَوْ الْقَائِمُ بِالشَّيْءِ وَلَا يُوجَدُ هَذَا حَقِيقَةً إلَّا فِي اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ السَّيِّدِ يُوسُفَ ﵇ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] وَ ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا أَوْ رَبَّهَا.» قُلْت أُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِجَوَابَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ الثَّانِيَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَأَنَّ النَّهْيَ فِي الْأَوَّلِ لِلْأَدَبِ وَالتَّنْزِيهِ دُونَ التَّحْرِيمِ. (ثَانِيهِمَا) أَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنْ الْإِكْثَارِ مِنْ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَاِتِّخَاذِهَا عَادَةً شَائِعَةً، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ إطْلَاقِهَا فِي نَادِرٍ مِنْ الْأَحْوَالِ وَاخْتَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا الْجَوَابَ الثَّانِيَ.
(الثَّالِثَةُ) ذِكْرُ السَّقْيِ وَالْإِطْعَامِ وَالْوُضُوءِ أَمْثِلَةٌ وَالْمَقْصُودُ بِالنَّهْيِ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الرَّبِّ وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ لِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْمُخَاطَبَاتِ وَيَجُوزُ فِي هَمْزَةِ اسْقِ الْوَصْلُ وَالْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ ثُلَاثِيًّا وَرُبَاعِيًّا.
[فَائِدَة قَوْلَ الْمَمْلُوكُ عَنْ مَالِكِهِ سَيِّدِي] ١
(الرَّابِعَةُ) فِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقُولَ الْمَمْلُوكُ عَنْ مَالِكِهِ سَيِّدِي وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ السَّيِّدِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ
стр. 1485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
بِاَللَّهِ تَعَالَى اخْتِصَاصَ الرَّبِّ، وَلَا مُسْتَعْمَلَةٍ فِيهِ كَاسْتِعْمَالِهَا حَتَّى نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ الدُّعَاءَ بِسَيِّدِي وَلَمْ يَأْتِ تَسْمِيَتُهُ تَعَالَى بِالسَّيِّدِ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي حَدِيثٍ مُتَوَاتِرٍ، وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» وَقَالَ «قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ يَعْنِي سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ» وَقَالَ «اسْمَعُوا مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ يَعْنِي سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ» قَالَ النَّوَوِيُّ: فَلَيْسَ فِي قَوْلِ الْعَبْدِ سَيِّدِي إشْكَالٌ وَلَا لَبْسٌ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ غَيْرُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ: إنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الرَّبِّ وَالسَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الرَّبَّ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى بِالِاتِّفَاقِ وَاخْتُلِفَ فِي السَّيِّدِ هَلْ هُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَمْ لَا؟ . فَإِذَا قُلْنَا: لَيْسَ مِنْ أَسْمَائِهِ فَالْفَرْقُ وَاضِحٌ إذْ لَا الْتِبَاسَ وَلَا إشْكَالَ يَلْزَمُ مِنْ إطْلَاقِهِ كَمَا يَلْزَمُ مِنْ إطْلَاقِ الرَّبِّ. وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ فَلَيْسَ فِي الشُّهْرَةِ وَالِاسْتِعْمَالِ كَلَفْظِ الرَّبِّ فَيَحْصُلُ الْفَرْقُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ فَالرَّبُّ مَأْخُوذٌ مِنْ " رَبَّ الشَّيْءَ وَالْوَلَدَ يُرَبِّهِ وَرَبَّاهُ يُرَبِّيهِ إذَا قَامَ عَلَيْهِ بِمَا يُصْلِحُهُ وَيُكْمِلُهُ فَهُوَ رَبٌّ وَرَابٌّ " وَالسَّيِّدُ مِنْ السُّؤْدُدِ وَهُوَ التَّقَدُّمُ يُقَالُ سَادَ قَوْمَهُ إذَا تَقَدَّمَهُمْ وَلَا شَكَّ فِي تَقْدِيمِ السَّيِّدِ عَلَى غُلَامِهِ فَلَمَّا حَصَلَ الِافْتِرَاقُ جَازَ الْإِطْلَاقُ. انْتَهَى.
(الْخَامِسَةُ) فِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ مَوْلَايَ أَيْضًا وَيُعَارِضُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عِنْدِ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ النَّهْيِ عَنْهُ، وَقَدْ بَيَّنَ مُسْلِمٌ ﵀ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْأَعْمَشِ، وَأَنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعًا ذَكَرَاهَا عَنْ الْأَعْمَشِ وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ لَمْ يَذْكُرْهَا عَنْهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَحَذْفُهَا أَصَحُّ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ: رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ مَشْهُورَةٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْكُورًا فِيهَا فَظَهَرَ أَنَّ اللَّفْظَ الْأَوَّلَ أَرْجَحُ، وَإِنَّمَا صِرْنَا لِلتَّرْجِيحِ لِلتَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا، وَالْجَمْعُ مُتَعَذِّرٌ وَالْعِلْمُ بِالتَّارِيخِ مَفْقُودٌ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا التَّرْجِيحُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ. انْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَوْجِيهِهِ جَوَازَ ذَلِكَ: أَنَّ الْمَوْلَى يَقَعُ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ مَعْنًى سَبَقَ بَيَانُهَا مِنْهَا النَّاظِرُ وَالْمَالِكُ (قُلْت) وَقَدْ رَأَيْت مِنْ شُيُوخِنَا مَنْ يَتَوَقَّفُ فِي التَّقْرِيظِ وَتَعْظِيمِ الْأَقْرَانِ فِي كِتَابَةِ سَيِّدِنَا وَيَكْتُبُ مَوْلَانَا وَسَبَبُهُ أَنَّ السَّيِّدَ وَصْفُ تَرَجُّحٍ بِلَا شَكٍّ، وَأَمَّا الْمَوْلَى فَقَدْ يُطْلَقُ خَالِيًا عَنْ الرُّجْحَانِ كَمَا فِي الْعَتِيقِ وَنَحْوِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ اسْتِعْمَالَ مَوْلَايَ أَسْهَلُ، وَأَقْرَبُ إلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ مِنْ سَيِّدِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فَإِنْ
стр. 1486
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
قَالَ مَوْلَايَ فَذَلِكَ مُبَاحٌ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقُولَ سَيِّدِي.
[فَائِدَة قَوْلَ السَّيِّدِ لِمَمْلُوكِهِ عَبْدِي وَأَمَتِي] ١
(السَّادِسَةُ) فِيهِ نَهْيُ السَّيِّدِ أَنْ يَقُولَ لِمَمْلُوكِهِ عَبْدِي، وَأَمَتِي وَإِرْشَادُهُ إلَى أَنْ يَقُولَ غُلَامِي وَجَارِيَتِي وَفَتَايَ وَفَتَاتِي؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْعُبُودِيَّةِ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهَا اللَّهُ تَعَالَى وَلِأَنَّ فِيهَا تَعْظِيمًا لَا يَلِيقُ بِالْمَخْلُوقِ وَاسْتِعْمَالِهِ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ «كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ» فَنَهَى عَنْ التَّطَاوُلِ فِي اللَّفْظِ كَمَا نَهَى عَنْ التَّطَاوُلِ فِي الْفِعْلِ، وَفِي إسْبَالِ الْإِزَارِ وَنَحْوِهِ. وَأَمَّا لَفْظُ غُلَامِي وَجَارِيَتِي وَفَتَايَ وَفَتَاتِي فَلَيْسَ دَالًّا عَلَى الْمِلْكِ كَدَلَالَةِ عَبْدِي مَعَ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ وَإِضَافَتُهُ دَالَّةٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ [الكهف: ٦٠] ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ [يوسف: ٦٢] ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وَاسْتِعْمَالُ الْجَارِيَةِ فِي الْحُرَّةِ الصَّغِيرَةِ مَعْرُوفٌ فِي اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، وَأَصْلُ الْفُتُوَّةِ الشَّبَابُ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الْفَتَى فِيمَنْ كَمُلَتْ فَضَائِلُهُ وَمَكَارِمُهُ كَمَا جَاءَ «لَا فَتًى إلَّا عَلِيٌّ» وَمِنْ هَذَا أَخَذَ الصُّوفِيَّةُ الْفُتُوَّةَ الْمُتَعَارَفَةُ بَيْنَهُمْ، وَأَصْلُ مَدْلُولِهِ الْغُلَامُ الصَّغِيرُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الرَّجُلِ الْمُسْتَحْكِمِ الْقُوَّةِ وَهُوَ عَلَى هَذَا إمَّا مَأْخُوذٌ مِنْ الْغُلْمَةِ وَهِيَ شَهْوَةُ النِّكَاحِ وَكَذَلِكَ الْجَارِيَةُ فِي الْإِنَاثِ كَالْغُلَامِ فِي الذُّكُورِ.
[فَائِدَة التَّطَاوُلِ عَلَى الرَّقِيقِ وَقَوْلِهِ عَبْدِي وَأَمَتِي]
(السَّابِعَةُ) هَذَا النَّهْيُ عَلَى التَّنْزِيهِ دُونَ التَّحْرِيمِ، وَقَدْ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ حَتَّى أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فَبَوَّبَ بَابُ كَرَاهِيَةِ التَّطَاوُلِ عَلَى الرَّقِيقِ وَقَوْلِهِ عَبْدِي، وَأَمَتِي وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وَقَالَ ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥] ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥] وَقَالَ ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ» ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] سَيِّدِك «وَمَنْ سَيِّدُكُمْ» ثُمَّ رَوَى مَعَ حَدِيثِ الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ «إذَا نَصَحَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ» وَحَدِيثَ أَبِي مُوسَى «الْمَمْلُوكُ الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَيُؤَدِّي إلَى سَيِّدِهِ» وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ «مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ» وَحَدِيثَهُ «وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ» وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ «إذَا زَنَتْ الْأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا» فَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ لِلْكَرَاهَةِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مَا جَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ النَّهْيِ عَنْ التَّسْمِيَةِ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّوَاضُعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ عَبْدِي، وَأَمَتِي؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَطَقَ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى
стр. 1487
وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «نِعْمَ مَا لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يُتَوَفَّى يُحْسِنُ عِبَادَةَ اللَّهِ وَصَحَابَةَ سَيِّدِهِ نِعْمَ مَا لَهُ» قَالَ الْبُخَارِيُّ «وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ» وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ الْعَبْدَ إذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةِ اللَّهِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ» .
ــ
[طرح التثريب]
﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وَالنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّطَاوُلِ وَالْغِلْظَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ.
وَاتِّبَاعُ مَا حَضَّ ﵊ عَلَيْهِ أَوْلَى، وَأَجْمَلُ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَوَاضُعًا لِلَّهِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ عَبْدِي، وَأَمَتِي يَشْتَرِكُ فِيهِ الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ فَيُقَالُ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَمَةُ اللَّهِ فَكُرِهَ ذَلِكَ لِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِ.
وَأَمَّا الرَّبُّ فَهِيَ كَلِمَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرِكَةً وَتَقَعُ عَلَى غَيْرِ الْخَالِقِ لِقَوْلِهِمْ: رَبُّ الدَّابَّةِ وَرَبُّ الدَّارِ وَيُرَادُ صَاحِبُهَا فَإِنَّهَا لَفْظَةٌ تَخْتَصُّ بِاَللَّهِ فِي الْأَغْلَبِ وَالْأَكْثَرِ فَوَجَبَ أَلَا يُسْتَعْمَلَ فِي الْمَخْلُوقِينَ لِنَفْيِ اللَّهِ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِأَحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ إلَهٌ وَلَا رَحْمَانٌ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ رَحِيمٌ لِاخْتِصَاصِ اللَّهِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ فَكَذَلِكَ الرَّبُّ لَا يُقَالُ لِغَيْرِ اللَّهِ. انْتَهَى.
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ قَوْلِ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ رَبِّي عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِاَللَّهِ تَعَالَى إطْلَاقُ الرَّبِّ بِلَا إضَافَةٍ أَمَّا مَعَ الْإِضَافَةِ فَيَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَى غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَم.
(الثَّامِنَةُ) قَالَ النَّوَوِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ مَنْ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى وَجْهِ التَّعَاظُمِ وَالِارْتِفَاعِ لَا لِلْوَصْفِ وَالتَّعْرِيفِ.
(قُلْتُ) يَنْبَغِي اسْتِمْرَارُ الْكَرَاهَةِ وَلَوْ قَصَدَ التَّعْرِيفَ دُونَ التَّعَاظُمِ لَكِنْ أَمْكَنَ التَّعْرِيفُ بِغَيْرِهِ لِلِاشْتِرَاكِ فِي اللَّفْظِ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ خَلَا عَنْ الْقَصْدِ الْقَبِيحِ اسْتِعْمَالًا لِلْأَدَبِ فِي الْأَلْفَاظِ، وَهَذَا مُقْتَضَى الْحَدِيثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَدِيث نِعْمَ مَا لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يُتَوَفَّى يُحْسِنُ عِبَادَةَ اللَّهِ وَصَحَابَةَ سَيِّدِهِ]
(الْحَدِيثُ الرَّابِعُ)
وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «نِعْمَ مَا لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يُتَوَفَّى يُحْسِنُ عِبَادَةَ اللَّهِ وَصَحَابَةَ سَيِّدِهِ نِعْمَ مَا لَهُ» .
(الْحَدِيثُ الْخَامِسُ) وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ الْعَبْدَ إذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ
стр. 1488
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ» .
(فِيهِ) فَوَائِدُ:
(الْأُولَى) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «نِعْمَ مَا لِأَحَدِهِمْ يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ» وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ «إذَا أَدَّى الْعَبْدُ حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ كَانَ لَهُ أَجْرَانِ قَالَ فَحَدَّثْتهَا كَعْبًا فَقَالَ كَعْبٌ لَيْسَ عَلَيْهِ حِسَابٌ وَلَا عَلَى مُؤْمِنٍ مُزْهِدٍ» .
وَرَوَى الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الصَّالِحِ أَجْرَانِ» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: (وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ، وَأَنَا مَمْلُوكٌ) .
لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ «الْمُصْلِحُ» .
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُد مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ.
(الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ «نِعِمَّا» فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ قُرِئَ بِهِنَّ فِي السَّبْعِ إحْدَاهَا كَسْرُ النُّونِ مَعَ إسْكَانِ الْعَيْنِ وَالثَّانِيَةُ كَسْرُهُمَا وَالثَّالِثَةُ فَتْحُ النُّونِ مَعَ كَسْرِ الْعَيْنِ وَالْمِيمُ مُشَدَّدَةٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أَيْ نِعْمَ شَيْءٌ هُوَ وَمَعْنَاهُ نِعْمَ مَا هُوَ فَأُدْغِمَتْ الْمِيمُ فِي الْمِيمِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَرَوَاهُ الْعُذْرِيُّ نُعْمًا بِضَمِّ النُّونِ مُنَوَّنًا وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْ لَهُ مَسَرَّةٌ وَقُرَّةُ عَيْنٍ يُقَالُ نُعْمًا لَهُ وَنِعْمَةً لَهُ وَقَوْلُهُ «يُتَوَفَّى» بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ يَتَوَفَّاهُ اللَّهُ وَالْوَفَاةُ الْمَوْتُ وَفِيهِ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالْخَوَاتِيمِ وَقَوْلُهُ «يُحْسِنُ عِبَادَةَ اللَّهِ» هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِ يُحْسِنُ وَعِبَادَةَ مَنْصُوبٌ بِهِ وَالصَّحَابَةُ هُنَا بِمَعْنَى الصُّحْبَةِ.
(الثَّالِثَةُ) فِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْمَمْلُوكِ الْمُصْلِحِ وَهُوَ الْقَائِمُ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ وَالنَّاصِحُ لِسَيِّدِهِ الْقَائِمُ لَهُ بِمَا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْخِدْمَةِ وَنَحْوِهَا وَإِنَّ لَهُ أَجْرَيْنِ لِقِيَامِهِ بِالْحَقَّيْنِ وَلِانْكِسَارِهِ بِالرِّقِّ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَيْسَ الْأَجْرَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ؛ لِأَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ أَوْجَبُ مِنْ طَاعَةِ الْمَخْلُوقِينَ قُلْت طَاعَةُ الْمَخْلُوقِ الْمَأْمُورُ بِهَا هِيَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَذَلِكَ كَطَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ وَطَاعَةِ الزَّوْجِ وَالْمَالِكِ وَالْوَالِدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِيهِ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُؤَدِّيَ لِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ سَيِّدِهِ أَفْضَلُ مِنْ الْحُرِّ وَيَعْضُدُ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ الْمَسِيحِ ﵇ أَنَّهُ قَالَ مُرُّ الدِّينَا حُلْوُ الْآخِرَةِ وَحُلْوُ الدُّنْيَا مُرُّ الْآخِرَةِ
стр. 1489
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
وَلِلْعُبُودِيَّةِ مَضَاضَةٌ وَمَرَارَةٌ لَا تَضِيعُ عِنْدَ اللَّهِ.
(الرَّابِعَةُ) إنْ قُلْتَ: قَوْلُهُ " فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ " يُفْهَمُ أَنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَى الْعَمَلِ الْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُؤْجَرُ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِعَمَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عِبَادَةُ اللَّهِ وَالنُّصْحُ لِسَيِّدِهِ فَيُؤْجَرُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْعَمَلَيْنِ مَرَّةً وَكَذَا كُلُّ آتٍ بِطَاعَتَيْنِ يُؤْجَرُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ أَجْرُهَا وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْعَبْدِ بِذَلِكَ.
(قُلْت) يَحْتَمِلُ (وَجْهَيْنِ) :
(أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ لَمَّا كَانَ جِنْسُ الْعَمَلِ مُخْتَلِفًا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا طَاعَةُ اللَّهِ وَالْآخَرَ طَاعَةُ مَخْلُوقٍ خَصَّهُ بِحُصُولِ أَجْرِهِ مَرَّتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ عَلَى عَمَلٍ لَا يَأْتِي فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِخِلَافِ مَنْ لَا يَأْتِي فِي حَقِّهِ إلَّا طَاعَةً خَاصَّةً فَإِنَّهُ يُحَصِّلُ أَجْرَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً أَيْ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ أَجْرٌ، وَأَعْمَالُهُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لَكِنْ تَظْهَرُ مُشَارَكَةُ الْمُطِيعِ لِأَمِيرِهِ وَالْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا وَالْوَلَدِ لِوَالِدِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ.
(ثَانِيهِمَا) يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْعَمَلِ الْوَاحِدِ طَاعَةُ اللَّهِ وَطَاعَةُ سَيِّدِهِ فَيَحْصُلُ لَهُ عَلَى الْعَمَلِ الْوَاحِدِ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ لِامْتِثَالِهِ بِذَلِكَ أَمْرَ اللَّهِ، وَأَمْرَ سَيِّدِهِ الْمَأْمُورِ بِطَاعَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ وَاجِبَانِ طَاعَةُ سَيِّدِهِ فِي الْمَعْرُوفِ وَطَاعَةُ رَبِّهِ فَقَامَ بِهِمَا جَمِيعًا كَانَ لَهُ ضِعْفَا أَجْرِ الْحُرِّ الْمُطِيعِ لِرَبِّهِ مِثْلَ طَاعَتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَطَاعَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ طَاعَةِ سَيِّدِهِ وَنُصْحِهِ، وَأَطَاعَهُ أَيْضًا فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى عِنْدِي أَنَّهُ مَنْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَرْضَانِ فَأَدَّاهُمَا كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنْ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا فَرْضٌ وَاحِدٌ فَأَدَّاهُ فَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ وَصَلَاةٌ فَقَامَ بِهِمَا فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمَنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، وَأَدَّى صَلَاتَهُ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ، وَعَلَى حَسَبِ هَذَا يُقْضَى فِيمَنْ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ فُرُوضٌ فَلَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا مِنْهَا وَعِصْيَانُهُ أَكْثَرُ مِنْ عِصْيَانِ مَنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا بَعْضُ تِلْكَ الْفُرُوضِ، وَقَدْ سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رَجُلٍ كَثِيرِ الْحَسَنَاتِ كَثِيرِ السَّيِّئَاتِ أَهُوَ أَحَبُّ إلَيْك أَمْ رَجُلٌ قَلِيلُ الْحَسَنَاتِ قَلِيلُ السَّيِّئَاتِ فَقَالَ. مَا أَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا.
стр. 1490
كِتَابُ الْفَرَائِضِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً فَادْعُونِي فَأَنَا وَلِيُّهُ وَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ مَالًا فَلْيُوَرَّثْ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانَ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «وَأَيُّكُمْ تَرَكَ مَالًا فَإِلَى الْعَصَبَةِ مَنْ كَانَ» وَلِلْبُخَارِيِّ «فَمَنْ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَمَالُهُ لِمَوَالِي الْعَصَبَةِ» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا «وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» ..
ــ
[طرح التثريب]
[كِتَابُ الْفَرَائِضِ] [حَدِيث أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ]
ِ (الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ)
عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً فَادْعُونِي وَأَنَا وَلِيُّهُ، وَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ مَالًا فَلْيُوَرَّثْ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانَ» .
(فِيهِ) فَوَائِدُ:
(الْأُولَى) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَأَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ خَلَا أَبَا دَاوُد مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْأَلُ هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدِينِهِ وَفَاءً وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، مَنْ تُوُفِّيَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَقَالَ الْبَاقُونَ قَضَاءَ بَدَلٍ فَضْلًا، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ بَعْضِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا» وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ وَلَيْتُهُ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَمَالُهُ لِمَوَالِي الْعَصَبَةِ وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا أَوْ
стр. 1491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
ضِيَاعًا فَأَنَا وَلِيُّهُ فَلَا دَعِيَّ لَهُ» .
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «مَا مَنْ مُؤْمِنٍ إلَّا، وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضِيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ» ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنْ عَلَى الْأَرْضِ مَنْ مُؤْمِنٍ إلَّا، وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضِيَاعًا فَأَنَا مَوْلَاهُ، وَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ مَالًا فَإِلَى الْعَصَبَةِ مَنْ كَانَ» .
(الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ إنَّمَا قَيَّدَ ذَلِكَ بِالنَّاسِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْلَى بِهِمْ مِنْهُ وَقَوْلُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَشَارَ بِهِ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ
كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ قُلْت الَّذِي فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ فَفِيهِ زِيَادَةٌ (قُلْت) إذَا كَانَ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَهُوَ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ بَقِيَّةِ النَّاسِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ أَوْلَى بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَإِذَا تَقَدَّمَ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى النَّفْسِ فَتَقَدُّمُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْغَيْرِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى، وَحَكَى ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْعَارِفِينَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّ أَنْفُسَهُمْ تَدْعُوهُمْ إلَى الْهَلَاكِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى النَّجَاةِ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهُ ﵊ «وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهَا تَقَحُّمَ الْفَرَاشِ» .
(الثَّالِثَةُ) يَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِهِ ﵊ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إيثَارُ طَاعَتِهِ عَلَى شَهَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يُحِبُّوهُ أَكْثَرَ مِنْ مَحَبَّتِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ وَمِنْ هُنَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ «وَلَمَّا قَالَ عُمَرُ ﵁ لَأَنْتَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إلَّا نَفْسِي قَالَ لَهُ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْك مِنْ نَفْسِك فَقَالَ لَهُ عُمَرُ فَإِنَّهُ الْآنَ وَاَللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ نَفْسِي فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ الْآنَ يَا عُمَرُ»
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَمْ
стр. 1492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
يُرِدْ بِهِ حُبَّ الطَّبْعِ بَلْ أَرَادَ بِهِ حُبَّ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّ حُبَّ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ طَبْعٌ وَلَا سَبِيلَ إلَى قَلْبِهِ قَالَ فَمَعْنَاهُ لَا تَصْدُقُ فِي حُبِّي حَتَّى تُفْنِيَ فِي طَاعَتِي نَفْسَك وَتُؤْثِرَ رِضَايَ عَلَى هَوَاك، وَإِنْ كَانَ فِيهِ هَلَاكُك.
(الرَّابِعَةُ) اسْتَنْبَطَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ لَهُ ﵊ أَنْ يَأْخُذَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ مِنْ مَالِكِهِمَا الْمُحْتَاجِ إلَيْهِمَا إذَا احْتَاجَ ﵊ إلَيْهِمَا وَعَلَى صَاحِبِهِمَا الْبَذْلُ وَيُفْدِي بِمُهْجَتِهِ مُهْجَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ وَأَنَّهُ لَوْ قَصَدَهُ ﵊ ظَالِمٌ وَجَبَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ أَنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ دُونَهُ، وَهُوَ اسْتِنْبَاطٌ وَاضِحٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَظِّ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً فَادْعُونِي فَأَنَا وَلِيُّهُ وَتَرَكَ حَظَّهُ فَقَالَ: «وَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ مَالًا فَلْيُوَرَّثْ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانَ» .
[فَائِدَة تَرَكَ أَوْلَادًا أَوْ عِيَالًا ذَوِي ضَيَاع أَيْ لَا شَيْءَ لَهُمْ] ١
(الْخَامِسَةُ) قَوْلُهُ فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً لَفْظَةُ " مَا " زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وَالضَّيْعَةُ بِفَتْحِ الضَّادِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ضَيَاعًا بِفَتْحِ الضَّادِ وَالْمُرَادُ بِهِمَا هُنَا عِيَالٌ مُحْتَاجُونَ ضَائِعُونَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الضَّيَاعُ وَالضَّيْعَةُ هُنَا وَصْفٌ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ بِالْمَصْدَرِ أَيْ تَرَكَ أَوْلَادًا أَوْ عِيَالًا ذَوِي ضَيَاعٍ أَيْ لَا شَيْءَ لَهُمْ وَالضَّيَاعُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ مَا ضَاعَ وَجُعِلَ اسْمًا لِكُلِّ مَا يَعْرِضُ لَلضَّيَاعِ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «كَلًّا» وَهُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْعِيَالُ، وَأَصْلُهُ الثِّقَلُ.
(السَّادِسَةُ) قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَزَالَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَحْكَامًا كَانَتْ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ.
(مِنْهَا) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يُصَلِّي عَلَى مَيِّتٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَالَ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضِيَاعًا فَعَلَيَّ أَنَا وَلِيُّهُ اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] » . انْتَهَى.
وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا «أَنَّهُ ﵊ فَعَلَ ذَلِكَ حِينَ فَتَحَ الْفُتُوحَ وَاتِّسَاعِ الْأَمْوَالِ» وَكَيْفَ كَانَ فَهَذَا الْحُكْمُ وَهُوَ «امْتِنَاعُهُ ﵊ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ» مَنْسُوخٌ بِلَا شَكٍّ فَصَارَ يُصَلِّي عَلَيْهِ وَيُوَفِّي دَيْنَهُ كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَهَلْ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ أَمْ لَا فِيهِ خِلَافٌ لِأَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ حَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيُّ
стр. 1493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
فِي الْجُرْجَانِيَّاتِ وَحَكَى خِلَافًا أَيْضًا فِي أَنَّهُ هَلْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ وُجُودِ الضَّامِنِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ الْجَزْمُ بِجَوَازِهِ مَعَ وُجُودِ الضَّامِنِ. انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُهُ لِيُحَرِّضَ النَّاسَ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ فِي حَيَاتِهِمْ وَالتَّوَصُّلِ إلَى الْبَرَاءَةِ مِنْهُ لِئَلَّا تَفُوتَهُمْ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ صَارَ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ وَيَقْضِي دَيْنَ مَنْ لَمْ يُخْلِفْ وَفَاءً كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَة أَنَّهُ ﵊ صَارَ يُوَفِّي دَيْنَ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يُخْلِفْ وَفَاءً] ١
(السَّابِعَةُ) فِيهِ أَنَّهُ ﵊ صَارَ يُوَفِّي دَيْنَ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يُخْلِفْ وَفَاءً وَهَلْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَوْ كَانَ يَفْعَلُهُ تَكَرُّمًا وَتَفَضُّلًا فِيهِ خِلَافٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْأَشْهَرُ عِنْدَهُمْ وُجُوبُهُ وَعَدُّوهُ مِنْ الْخَصَائِصِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ قَضَاءُ دَيْنِ الْمُعْسِرِ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ أَمْ لَا وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَقْضِيهِ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ أَوْ مِنْ خَالِصِ مَالِ نَفْسِهِ وَلَعَلَّ الْخِلَافَ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَى الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ.
[فَائِدَة قِيَامُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعِيَالِ الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ]
(الثَّامِنَةُ) فِيهِ قِيَامُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعِيَالِ الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ، وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ كَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُحْصِيَ جَمِيعَ مَا فِي الْبُلْدَانِ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ وَهُمْ مَنْ قَدْ احْتَلَمَ أَوْ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الرِّجَالِ وَيُحْصِي الذُّرِّيَّةَ وَهِيَ مَنْ دُونَ الْمُحْتَلِمِ وَدُونَ الْبَالِغِ وَالنِّسَاءُ صَغِيرَتُهُنَّ وَكَبِيرَتُهُنَّ وَيَعْرِفُ قَدْرَ نَفَقَاتِهِمْ وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ مُؤْنَاتِهِمْ بِقَدْرِ مَعَاشِ مِثْلِهِمْ فِي بُلْدَانِهِمْ ثُمَّ يُعْطِي الْمُقَاتِلَةَ فِي كُلِّ عَامٍ عَطَاءَهُمْ وَالْعَطَاءُ الْوَاجِبُ مِنْ الْفَيْءِ لَا يَكُونُ إلَّا لِبَالِغٍ يُطِيقُ مِثْلُهُ الْجِهَادَ ثُمَّ يُعْطِي الذُّرِّيَّةَ وَالنِّسَاءَ مَا يَكْفِيهِمْ لِسَنَتِهِمْ فِي كِسْوَتِهِمْ وَنَفَقَتِهِمْ. قَالَ: وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ لَقِينَاهُ فِي أَنْ لَيْسَ لِلْمَمَالِيكِ فِي الْعَطَاءِ حَقٌّ، وَلَا لِلْأَعْرَابِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الصَّدَقَةِ. قَالَ: وَإِنْ فَضَلَ مِنْ الْمَالِ شَيْءٌ بَعْدَمَا وَصَفْت وَضَعَهُ الْإِمَامُ فِي إصْلَاحِ الْحُصُونِ وَالِازْدِيَادِ فِي الْكُرَاعِ وَكُلِّ مَا قَوِيَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ فَإِنْ اسْتَغْنَى الْمُسْلِمُونَ، وَكَمُلَتْ كُلُّ مَصْلَحَةٍ لَهُمْ فَرَّقَ مَا يَبْقَى مِنْهُ بَيْنَهُمْ كُلَّهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ فِي ذَلِكَ الْمَالِ. قَالَ: وَيُعْطِي مِنْ الْفَيْءِ رِزْقَ الْحُكَّامِ وَوُلَاةِ الْأَحْدَاثِ وَالصَّلَاةِ بِأَهْلِ الْفَيْءِ وَكُلَّ مَنْ قَامَ بِأَمْرِ الْفَيْءِ مِنْ وَالٍ وَكَاتِبٍ وَجُنْدِيٍّ مِمَّنْ لَا غِنَى لِأَهْلِ الْفَيْءِ عَنْهُ رِزْقَ مِثْلِهِ. انْتَهَى.
[فَائِدَة الْعَصَبَةُ] ١
(التَّاسِعَةُ)
стр. 1494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
قَوْلُهُ «وَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ مَالًا» مَا زَائِدَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَذِكْرُ الْمَالِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَإِنَّ الْحُقُوقَ تُوَرَّثُ كَالْأَمْوَالِ وَقَوْلُهُ فَلْيُوَرَّثْ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَالرَّاءِ وَتَشْدِيدِهَا وَقَوْلُهُ عَصَبَتُهُ مَرْفُوعٌ لِنِيَابَتِهِ عَنْ الْفَاعِلِ وَيَحْتَمِلُ نَصْبَهُ وَيَكُونُ النَّائِبُ عَنْ الْفَاعِلِ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلَى الْمَيِّتِ أَيْ فَلْيُوَرِّثْ هُوَ عَصَبَتَهُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ. وَقَوْلُهُ مَنْ كَانَ أَيْ الْعَصَبَةُ هَذَا عَلَى الْأَوَّلِ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مَنْ كَانُوا، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ يَكُونُ الْمُرَادُ مَنْ كَانَ الْمَيِّتَ وَالْعَصَبَةُ الْأَقَارِبُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ كَذَا عَرَفَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَمِنْهُمْ الْجَوْهَرِيُّ وَصَاحِبُ النِّهَايَةِ: قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَإِنَّمَا سُمُّوا عَصَبَةً؛ لِأَنَّهُمْ عَصَبُوا بِهِ أَيْ أَحَاطُوا بِهِ فَالْأَبُ طَرَفٌ وَالِابْنُ طَرَفٌ وَالْعَمُّ جَانِبٌ وَالْأَخُ جَانِبٌ. وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: لِأَنَّهُمْ يَعْصِبُونَهُ وَيَعْتَصِبُ بِهِمْ أَيْ يُحِيطُونَ بِهِ وَيَشْتَدُّ بِهِمْ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: الْعَصَبَةُ الَّذِينَ يَرِثُونَ الرَّجُلَ عَنْ كَلَالَةٍ مِنْ غَيْرِ وَالِدٍ وَلَا وَلَدٍ فَأَمَّا فِي الْفَرَائِضِ فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرِيضَةٌ مُسَمَّاةٌ فَهُوَ عَصَبَةٌ إنْ بَقِيَ شَيْءٌ بَعْدَ الْفَرْضِ أَخَذَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ: عَصَبَةُ الْمَوَارِيثِ هُمْ الْكَلَالَةُ مِنْ الْوَرَثَةِ مِنْ عَدَا الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ الْأَدْنِيَاءِ، وَتَكُونُ أَيْضًا فِي الْمَوَارِيثِ كُلُّ مَنْ لَيْسَ لَهُ فَرْضٌ مُسَمًّى وَكَلَامُ الْجَوْهَرِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ الْعَصَبَةَ مُفْرَدٌ فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّ جَمْعَهُ الْعَصَبَاتُ وَحَكَى الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ أَنَّهُ قِيلَ: إنَّ الْعَصَبَةَ جَمَاعَةٌ لَيْسَ لَهَا وَاحِدٌ وَعَرَّفَ أَصْحَابُنَا الْفُقَهَاءُ الْعَصَبَةَ بِأَنَّهُ مَنْ وَرِثَ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا فَرْضَ لَهُ وَاحْتَرَزُوا بِقَوْلِهِمْ بِالْإِجْمَاعِ عَنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ فَإِنَّ مَنْ وَرَّثَهُمْ لَا يُسَمِّيهِمْ عَصَبَةً.
وَأُورِدَ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ أَمْرَانِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ لَنَا مَنْ يَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ وَهُوَ ذُو فَرْضٍ كَابْنِ عَمٍّ هُوَ أَخٌ لِأُمٍّ أَوْ زَوْجٍ.
(الثَّانِي) أَنَّ لَنَا مَنْ فِي إرْثِهِ خِلَافٌ وَهُوَ عِنْدَ مَنْ وَرَّثَهُ عَصَبَةٌ كَالْقَاتِلِ وَالتَّوْأَمَيْنِ الْمَنْفِيَّيْنِ بِاللِّعَانِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ مَنْ وَرَّثَ لِمُجْمَعٍ عَلَى التَّوْرِيثِ بِمِثْلِهِ بِلَا تَقْدِيرٍ ثُمَّ قَسَّمَ أَصْحَابُنَا الْعَصَبَةَ إلَى عَصَبَةٍ بِنَفْسِهِ وَعَصَبَةٍ بِغَيْرِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ قِسْمًا ثَالِثًا وَهُوَ عَصَبَةٌ مَعَ غَيْرِهِ وَعَرَّفَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَالرَّافِعِيُّ الْعَصَبَةَ بِنَفْسِهِ بِأَنَّهُ كُلُّ ذَكَرٍ يُدْلِي إلَى الْمَيِّتِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ أَوْ بِتَوَسُّطِ مَحْضِ الذُّكُورِ، وَأَوْرَدَ عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الزَّوْجَ فَإِنَّهُ يُدْلِي إلَى الْمَيِّتِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ عَصَبَةً وَيَخْرُجُ عَنْهُ الْمَوْلَاةُ الْمُعْتِقَةُ مَعَ أَنَّهَا عَصَبَةٌ وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ يَنْبَغِي أَنْ
стр. 1495
وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تَعْتِقُهَا فَقَالَ أَهْلُهَا نَبِيعُهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَا يَمْنَعْكِ ذَلِكَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ
ــ
[طرح التثريب]
يُقَالَ هُوَ كُلُّ مُعْتِقٍ ذَكَرٍ نَسِيبٍ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ.
(الْعَاشِرَةُ) قَوْلُهُ «فَلْيُوَرَّثْ عَصَبَتُهُ» هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «فَإِلَى الْعَصَبَةِ مَنْ كَانَ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «فَمَالُهُ لِمَوَالِي الْعَصَبَةِ» وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ، وَأَصْلُهُ لِلْمَوَالِي الْعَصَبَةُ وَاحْتُرِزَ بِذَلِكَ عَنْ الْمَوَالِي الَّذِينَ لَيْسُوا عَصَبَةً فَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ مَوْلًى بِقَرَابَةِ إنَاثٍ أَوْ بِإِعْتَاقٍ مِنْ أَسْفَلَ أَوْ بِنَصْرٍ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَلَيْسَ عَصَبَةً فَلَا إرْثَ لَهُ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحَيْنِ «فَلِوَرَثَتِهِ» وَهَذِهِ أَعَمُّ لِتَنَاوُلِهَا أَصْحَابَ الْفُرُوضِ أَيْضًا وَذَوِي الْأَرْحَامِ عِنْدَ مَنْ يُوَرِّثُهُمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا اقْتَصَرَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَلَى الْعَصَبَةِ؛ لِوُضُوحِ أَمْرِ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ، وَالنَّصُّ عَلَى تَوْرِيثِهِمْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
[فَائِدَة الْمَرْأَةَ إذَا تُوُفِّيَتْ عَنْ ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ وَالْآخَرُ زَوْجٌ] ١
(الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا تُوُفِّيَتْ عَنْ ابْنَيْ عَمٍّ (أَحَدُهُمَا) أَخٌ لِأُمٍّ (وَالْآخَرُ) زَوْجٌ أَنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ وَلِلْأَخِ مِنْ الْأُمِّ السُّدُسَ، وَالْبَاقِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَحَكَاهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَوَجْهُهُ أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الْعُصُوبَةِ فَيُقَسَّمُ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضَيْهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ قَالَ «فَمَالُهُ لِلْعَصَبَةِ» فَلَا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِي ذَلِكَ بِلَا مُرَجِّحٍ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَفِي وَجْهٍ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْبَاقِيَ كُلَّهُ لِلْأَخِ مِنْ الْأُمِّ لِزِيَادَتِهِ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ فَأَشْبَهَ الْأَخَ الشَّقِيقَ مَعَ الْأَخِ لِلْأَبِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَدِيث أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تَعْتِقُهَا]
(الْحَدِيثُ الثَّانِي) وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً فَتُعْتِقَهَا فَقَالَ أَهْلُهَا نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَا يَمْنَعْكِ ذَلِكَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَجَعَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ
стр. 1496
لِمَنْ أَعْتَقَ» كَذَا هُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طُرُقٍ وَقَالَ مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ فَجَعَلَهُ مِنْ حَدِيثِهَا..
ــ
[طرح التثريب]
رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ.
(فِيهِ) فَوَائِدُ:
(الْأُولَى) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى هُوَ النَّيْسَابُورِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهَا أَرَادَتْ» فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ عَائِشَةَ وَكَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ الرَّبِيعُ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى وَالْمَعْرِفَةِ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْأَوَّلَ عَنْ أَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ وَالثَّانِيَ عَنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى كَمَا ذَكَرْتُهُ، وَقَدْ عَرَفْت مُوَافَقَةَ الشَّافِعِيِّ لَهُ، وَلَا يُقَالُ: مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ إنَّ حُكْمَ أَنَّ حُكْمُ عَنْ، فَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لَوْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ فَأَسْنَدَ الْقِصَّةَ إلَيْهَا وَهُوَ فِي اللَّفْظِ الْمَشْهُورِ لَمْ يُسْنِدْ الْقِصَّةَ إلَيْهَا وَإِنَّمَا حَكَاهَا مِنْ نَفْسِهِ وَلِعَائِشَةَ ﵂ فِيهَا مُجَرَّدُ ذِكْرٍ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ، وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا عَنْهَا مِنْ طُرُقٍ مُنْتَشِرَةٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِ بَرِيرَةَ أَصَحُّ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. انْتَهَى.
وَاشْتَمَلَ حَدِيثُهَا عَلَى أَحْكَامٍ مُهِمَّةٍ وَأُمُورٍ مُشْكِلَةٍ، وَقَدْ صَنَّفَ فِي فَوَائِدِهِ الْإِمَامَانِ الْكَبِيرَانِ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَبَسَطَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ وَلَسْنَا نَذْكُرُ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ إلَّا مَا اُسْتُفِيدَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِيَةُ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ قَالَ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِاشْتِرَاطِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نِيَّتِهَا ذَلِكَ أَنْ تُصَرِّحَ بِاشْتِرَاطِهِ فِي نَفْسِ الْبَيْعِ، وَمَنْ أَجَازَ قَالَ: اشْتِرَاطُ الْوَلَاءِ لَهُمْ يَدُلُّ عَلَى شَرْطِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ فَرْعُهُ، وَمَنْ مَنَعَ قَالَ قَدْ يَكُونُونَ إنَّمَا اشْتَرَطُوا الْوَلَاءَ إنْ أَعْتَقَتْهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ مِنْ شَرْطِ الْعِتْقِ. وَمَنْ أَجَازَ قَالَ: لَا يُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ بَلْ هِيَ مَوْضِعُ اتِّفَاقٍ عَلَى الْمَنْعِ، وَقَدْ مَنَعَ الْحَنَفِيَّةُ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْعِتْقِ وَطَرَدُوا فِيهِ قِيَاسَ الشُّرُوطِ الْمُنَافِيَةِ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فِي بُطْلَانِهَا فِي نَفْسِهَا وَإِبْطَالِهَا الْعَقْدَ وَهُوَ
стр. 1497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
قَوْلٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ، وَأَخْرَجُوهُ مِنْ ذَلِكَ الْقِيَاسِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ وَحِكْمَتُهُ تَشَوُّفُ الشَّارِعِ لِلْعِتْقِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ ثُمَّ مَحَلُّ الصِّحَّةِ مَا إذَا شُرِطَ تَنْجِيزُ الْعِتْقِ فَلَوْ شُرِطَ تَدْبِيرُ الْعَبْدِ أَوْ كِتَابَتُهُ أَوْ تَعْلِيقُ عِتْقِهِ عَلَى صِفَةٍ أَوْ عِتْقِهِ بَعْدَ شَهْرٍ فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَكَذَلِكَ لَوْ شُرِطَ مَعَ الْعِتْقِ دُونَ الْوَلَاءِ لِلْبَائِعِ فَالْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ وَحَكَى بَعْضُهُمْ قَوْلًا أَنَّهُ صَحِيحٌ وَيَلْغُو الشَّرْطُ خَاصَّةً وَانْفَرَدَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِنَقْلِهِ وَجْهًا أَنَّهُ يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا أَنْ يُطْلَقَ أَوْ يَقُولَ بِشَرْطٍ أَنْ تَعْتِقَهُ عَنْ نَفْسِك فَإِنْ قَالَ بِشَرْطِ أَنْ تَعْتِقَهُ عَنِّي فَهُوَ لَاغٍ.
[فَائِدَة بَيْعِ الْمُكَاتَبِ] ١
(الثَّالِثَةُ) هَذِهِ الْجَارِيَةُ هِيَ بَرِيرَةُ وَكَانَتْ مُكَاتَبَةً وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَقْوَالِ الْجَوَازِ وَالْمَنْعِ وَالتَّفْصِيلِ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَهُ لِلْعِتْقِ فَيَجُوزُ أَوْ لِلِاسْتِخْدَامِ فَيَمْتَنِعُ، فَمِمَّنْ جَوَّزَهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ قَالَ هَؤُلَاءِ: وَلَا تَبْطُلُ الْكِتَابَةُ بِذَلِكَ بَلْ يَنْتَقِلُ لِلْمُشْتَرِي مُكَاتَبًا فَإِذَا أَدَّى إلَيْهِ النُّجُومَ عَتَقَ، وَكَانَ الْوَلَاءُ لِلْمُشْتَرِي وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَكُونُ الْوَلَاءُ لِلْبَائِعِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَرْتَفِعُ الْكِتَابَةُ وَهُمَا ضَعِيفَانِ وَمِمَّنْ مَنَعَ بَيْعَهُ مُطْلَقًا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَرَبِيعَةَ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَأَبِي الزِّنَادِ وَرَبِيعَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا بِرِضَاهُ. وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ وَقَالَ: مَنْ لَقِينَاهُ مِنْ الْمُفْتِينَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَلَّا يُبَاعَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَنْ يَعْجِزَ وَيَرْضَى بِالْبَيْعِ، وَهُمْ لَا يَجْهَلُونَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَجَعَلَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ ذَلِكَ قَيْدًا وَقَالَ: مَحِلُّ بُطْلَانِ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ عَلَى الْجَدِيدِ مَا لَمْ يَرْضَ بِالْبَيْعِ، وَحَكَى هَذَا النَّصَّ وَبَحَثَ شَيْخُنَا الْمَذْكُورُ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ اسْتِنْبَاطًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ بَيْعُ الرَّقِيقِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ إنَّمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ حَدِيثِ بَرِيرَةَ، وَقَدْ كَانَتْ مُكَاتَبَةً فَيَجُوزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ
стр. 1498
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
بِشَرْطِ الْعِتْقِ رَضِيَ أَمْ لَمْ يَرْضَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ لِعَائِشَةَ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ وَلَمْ يَعْتَبِرْ رِضَاهَا. قَالَ: وَمَحِلُّ الْحَدِيثِ لَا يَخْرُجُ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْعُمُومِ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ فَإِنَّ السَّبَبَ لَا يُخْرِجُ كَمَا فِي «الْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ» فَإِنَّ السَّبَبَ كَانَ فِي أَمَةٍ. انْتَهَى.
وَالْمَانِعُونَ مِنْ بَيْعِهِ مُطْلَقًا مِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ بِأَنَّ الْمَبِيعَ نُجُومُهَا لَا رَقَبَتُهَا وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ بِأَنَّهَا عَجَّزَتْ نَفْسَهَا وَفَسَخُوا الْكِتَابَةَ وَالْأَوَّلُ جَوَابُ مَنْ يُجَوِّزُ بَيْعَ نُجُومِ الْمُكَاتَبِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالثَّانِي جَوَابُ مَنْ يَمْنَعُ ذَلِكَ وَهُمْ الشَّافِعِيَّةُ.
[فَائِدَة مَا شَرَطُوهُ مِنْ الْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ] ١
(الرَّابِعَةُ) قَوْلُهُ لَا يَمْنَعْكِ ذَلِكَ بِالْجَزْمِ عَلَى النَّهْيِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ إبْطَالُ مَا شَرَطُوهُ مِنْ الْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ (قُلْت) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ مَا أَرَادُوهُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ لِلْبَائِعِ مَانِعًا مِنْ الشِّرَاءِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَرَادُوهُ فَإِنَّ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ شَيْئًا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ أَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ فَلَا يَضُرُّ اشْتِرَاطُ خِلَافِهِ، وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَهِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِي ذَلِكَ إشْكَالٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ بِاشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ لَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ فَكَيْفَ يَثْبُتُ مَعَ ذَلِكَ عِتْقٌ وَوَلَاءٌ.
(الثَّانِي) كَيْفَ يَأْذَنُ لَهَا فِي اشْتِرَاطِ مَا لَا يَصِحُّ وَلَا يَحِلُّ لِلْمُشْتَرِطِينَ، وَفِي ذَلِكَ خِدَاعٌ لَهُمْ يُصَانُ عَنْهُ الشَّرْعُ وَلِهَذَا أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ هَذَا اللَّفْظَ وَذَلِكَ مَحْكِيٌّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِثُبُوتِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ اللَّامُ فِي قَوْلِهِ «لَهُمْ» بِمَعْنَى عَلَى أَيْ اشْتَرِطِي عَلَيْهِمْ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢] وَهَذَا مَحْكِيٌّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْمُزَنِيِّ وَضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ فَإِنَّهُ ﵊ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ الِاشْتِرَاطَ وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ هَذَا التَّأْوِيلِ لَمْ يُنْكِرْهُ.
وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ إنَّمَا أَنْكَرَ مَا أَرَادُوا اشْتِرَاطَهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَقِيلَ: إنَّ الْمُرَادَ بِالِاشْتِرَاطِ هُنَا تَرْكُ الْمُخَالَفَةِ لِمَا شَرَطَهُ الْبَائِعُ، وَعَدَمُ إظْهَارِ النِّزَاعِ فِيهِ، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْ التَّخْلِيَةِ بِصِيغَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْفِعْلِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] . وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ لِمُخَالَفَتِهِمْ حُكْمَ الشَّرْعِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ فَعَاقَبَهُمْ فِي الْمَالِ بِتَحْسِيرِ مَا نَقَصُوا مِنْ الثَّمَنِ فِي مُقَابَلَةِ كَوْنِ الْوَلَاءِ لَهُمْ وَقِيلَ مَعْنَى «اشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ» أَظْهِرِي حُكْمَ الْوَلَاءَ وَمِنْهُ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ وَقِيلَ
стр. 1499
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
الْمُرَادُ الزَّجْرُ وَالتَّوْبِيخُ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ لَهُمْ حُكْمُ الْوَلَاءِ، وَأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ غَيْرُ جَائِزٍ فَلَمَّا لَحُّوا فِي اشْتِرَاطِهِ وَمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ قَالَ لِعَائِشَةَ هَذَا الْكَلَامَ بِمَعْنَى لَا تُبَالِي سَوَاءٌ شَرَطْتِيهِ أَمْ لَا فَإِنَّهُ شَرْطٌ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ لَهُمْ فَعَلَى هَذَا لَا تَكُونُ لَفْظَةُ اشْتَرِطِي هُنَا لِلْإِبَاحَةِ. وَقِيلَ كَانَ يُبَاحُ اشْتِرَاطُ الْوَلَاءِ لِلْبَائِعِ مَعَ كَوْنِهِ لَا يَثْبُتُ لَهُ ثُمَّ نُسِخَ بِخُطْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا جَوَابُ ابْنِ حَزْمٍ الظَّاهِرِيِّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الْأَصَحُّ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ مَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ: أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ خَاصٌّ فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ وَاحْتَمَلَ هَذَا الْإِذْنَ وَإِبْطَالَهُ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الْخَاصَّةِ، وَهِيَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ لَهَا.
قَالُوا: وَالْحِكْمَةُ فِي إذْنِهِ فِيهِ ثُمَّ إبْطَالِهِ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ فِي قَطْعِ عَادَتِهِمْ فِي ذَلِكَ وَزَجْرِهِمْ عَنْ مِثْلِهِ كَمَا أَذِنَ لَهُمْ ﷺ فِي الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِفَسْخِهِ وَجَعَلَهُ عُمْرَةً بَعْدَ أَنْ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي زَجْرِهِمْ وَقَطْعِهِمْ عَمَّا اعْتَادُوهُ مِنْ مَنْعِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ الْمَفْسَدَةَ الْيَسِيرَةَ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ عَظِيمَةٍ. انْتَهَى.
وَإِذَا عَرَفْت هَذِهِ الْأَجْوِبَةَ تَبَيَّنَ لَك ضَعْفُ اسْتِدْلَالِ مَنْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى اخْتِصَاصِ الْبُطْلَانِ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْعَقْدِ بَلْ يَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا وَالشَّرْطُ فَاسِدًا، وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ النَّسَائِيّ وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَطَائِفَةٌ وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ.
[فَائِدَة الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ عَنْ نَفْسِهِ]
(الْخَامِسَةُ) فِي قَوْلِهِ إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ثُبُوتُ الْوَلَاءِ لِمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ يَرِثُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُعْتِقُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْعَتِيقَ لَا يَرِثُ سَيِّدَهُ لِحَصْرِهِ ﵊ الْوَلَاءَ فِي الْمُعْتِقِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمْ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ إلَى أَنَّهُ يَرِثُ كَعَكْسِهِ.
[فَائِدَة أَعْتَقَهُ عَلَى مَالٍ أَوْ بَاعَهُ نَفْسَهُ أَوْ كَاتَبَهُ فَعَتَقَ بِالْأَدَاءِ] ١
(السَّادِسَةُ) وَدَخَلَ فِيهِ مَا لَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى مَالِ أَوْ بَاعَهُ نَفْسَهُ أَوْ كَاتَبَهُ فَعَتَقَ بِالْأَدَاءِ أَوْ اسْتَوْلَدَ أَمَةً فَعَتَقَتْ بِمَوْتِهِ فَفِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ يَثْبُتُ الْوَلَاءُ، وَكَذَا يَتَنَاوَلُ الْوَلَاءَ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ وَعَكْسَهُ، وَإِنْ كَانَا لَا يَتَوَارَثَانِ فِي الْحَالِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ وَهِيَ إعْتَاقُ الْكَافِرِ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ فَقَالَ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ فِيهَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْجُمْهُورُ، وَقَالَ
стр. 1500
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
الْمَالِكِيَّةُ لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ، وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا لِوَرَثَتِهِ، وَلَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَوَلَاؤُهُ لِجَمَاعَتِهِ الْمُسْلِمِينَ.
[فَائِدَة أَعْتَقَ عَبْدَهُ سَائِبَةً أَيْ عَلَى أَنْ لَا وَلَاءَ لَهُ عَلَيْهِ] ١
(السَّابِعَةُ) وَدَخَلَ فِيهِ أَيْضًا مَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ سَائِبَةً أَيْ عَلَى أَنْ لَا وَلَاءَ لَهُ عَلَيْهِ فَيَثْبُتُ لَهُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ وَيَرِثُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ نَافِعٍ الْمَالِكِيَّانِ، وَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ وَرَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَرِثُهُ، وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِجَمَاعَتِهِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَأَبِي الزِّنَادِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَعَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَحُكِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ لِلسَّائِبَةِ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ يَشَاءُ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُوَالِ أَحَدًا فَوَلَاؤُهُ لِجَمَاعَتِهِ الْمُسْلِمِينَ حَكَى ذَلِكَ جَمِيعَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
[فَائِدَة أَعْتَقَ الرَّجُلُ عَبْدَ نَفْسِهِ عَنْ غَيْرِهِ]
(الثَّامِنَةُ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا لَوْ أَعْتَقَ الرَّجُلُ عَبْدَ نَفْسِهِ عَنْ غَيْرِهِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِأَمْرِهِ فَوَلَاؤُهُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَمْرِهِ فَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: إنْ كَانَ بِعِوَضٍ فَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا هِبَةٌ بَاطِلَةٌ لِعَدَمِ الْقَبْضِ وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ الْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَصْرَانِيًّا فَالْوَلَاءُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ بِأَمْرِهِ فَالْعِتْقُ عَنْهُ وَالْمُبَاشِرُ وَكِيلٌ وَمَتَى كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلَا يُمْكِنُ دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ قَهْرًا فَالْمُعْتِقُ هُوَ الْمُبَاشِرُ فَانْدَرَجَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.
[فَائِدَة لَا وَلَاءَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ] ١
(التَّاسِعَةُ) فِيهِ أَنَّ كَلِمَةَ إنَّمَا لِلْحَصْرِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا لَزِمَ فِي إثْبَاتِ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ نَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهِ لَكِنَّهَا ذُكِرَتْ لِبَيَانِ نَفْيِهِ عَمَّنْ لَمْ يَعْتِقْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُقْتَضَاهَا الْحَصْرُ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَفِيهِ أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَدَاوُد وَالْجُمْهُورُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَرَبِيعَةُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ فَوَلَاؤُهُ لَهُ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ إنْ كَانَ حَرْبِيًّا فَوَلَاؤُهُ لِلَّذِي أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً.
[فَائِدَة لَا وَلَاءَ لِمُلْتَقِطِ اللَّقِيطِ] ١
(الْعَاشِرَةُ) وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِمُلْتَقِطِ اللَّقِيطِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: يَثْبُتُ لِلْمُلْتَقِطِ الْوَلَاءُ عَلَى اللَّقِيطِ.
стр. 1501
وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» ..
ــ
[طرح التثريب]
[فَائِدَة لَا وَلَاءَ لِمَنْ حَالَفَ إنْسَانًا عَلَى الْمُنَاصَرَةِ]
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِمَنْ حَالَفَ إنْسَانًا عَلَى الْمُنَاصَرَةِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَثْبُتُ الْوَلَاءُ لِلْحِلْفِ وَيَتَوَارَثَانِ بِهِ وَحُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ إنْ عَقَلَ عَنْهُ وَرِثَهُ وَإِلَّا فَلَا.
[فَائِدَة إنَّ الْمُكَاتَبَ يَصِيرُ حُرًّا بِنَفْسِ الْكِتَابَةِ] ١
(الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ الْمُكَاتَبَ يَصِيرُ حُرًّا بِنَفْسِ الْكِتَابَةِ وَيَثْبُتُ الْمَالُ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا يَرْجِعُ إلَى الرِّقِّ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَتَقَ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ، وَهَذَا مَحْكِيٌّ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ إذَا أَدَّى نِصْفَ الْمَالِ صَارَ حُرًّا وَيَصِيرُ الْبَاقِي دَيْنًا عَلَيْهِ، وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَشُرَيْحٍ مِثْلُ هَذَا إذَا أَدَّى الثُّلُثَ وَعَنْ عَطَاءٍ مِثْلُهُ إذَا أَدَّى ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْمَالِ، وَعَنْ عَلِيٍّ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَعِكْرِمَةَ أَنَّهُ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إنْ شَرَطَ أَنْ يَعُودَ فِي الرِّقِّ إنْ عَجَزَ كَانَ ذَلِكَ، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُعْتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى فَهُوَ كَذَلِكَ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ: أَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ.
[فَائِدَة الْحَرْبِيَّ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ ثُمَّ أَسْلَمَا] ١
(الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) وَفِيهِ أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ ثُمَّ أَسْلَمَا اسْتَمَرَّ وَلَاؤُهُ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لِلْعَتِيقِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْ يَتَوَلَّى مَنْ يَشَاءُ وَلَا يَكُونُ وَلَاؤُهُ لِلْمُعْتِقِ.
[حَدِيث لَا تَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي]
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ» .
(فِيهِ) فَوَائِدُ:
(الْأُولَى) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَمُسْلِمٌ وَحْدَهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ثَلَاثَتُهُمْ
стр. 1502
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ «دِينَارًا وَلَا دِرْعًا» وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيِّ عَنْ مَالِكٍ «دَنَانِيرَ» بِلَفْظِ الْجَمْعِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَتَابَعَهُ ابْنُ كِنَانَةَ وَقَالَ سَائِرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ «دِينَارًا» وَهُوَ الْمَحْفُوظُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَعَمُّ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْجِنْسَ وَالْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ وَلَفْظُ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ «مِيرَاثًا» حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ. قَالَ: إنَّهُ نَحْوُ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» .
(الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ لَا تَقْتَسِمُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الرِّوَايَةُ فِيهِ بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِ أَيْ لَيْسَ يُقْسَمُ؛ لِأَنِّي لَا أُخْلِفُ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا وَهَذَا مَعْنَى حَدِيثِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قُلْت أَشَارَ إلَى قَوْلِهَا ﵂ «مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَكَذَا نَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ النَّهْيَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْهَى عَمَّا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ وَإِرْثُهُ ﷺ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ وَمَعْنَاهُ لَا يَقْتَسِمُونَ شَيْئًا؛ لِأَنِّي لَا أُورَثُ.
(الثَّالِثَةُ) ذِكْرُ الدِّينَارِ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا سِوَاهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] وَلَيْسَ الْمُرَادُ التَّقْيِيدَ بِهِ حَتَّى إنَّهُمْ يَقْتَسِمُونَ مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ.
[فَائِدَة نَفَقَةِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ] ١
(الرَّابِعَةُ) فِيهِ وُجُوبُ نَفَقَةِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ مِنْ مَتْرُوكَاتِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَقِيلَ: إنَّ سَبَبَهُ أَنَّهُنَّ مَحْبُوسَاتٌ عَنْ الْأَزْوَاجِ بِسَبَبِهِ وَقِيلَ لِعِظَمِ حَقِّهِنَّ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِفَضْلِهِنَّ وَقِدَمِ هِجْرَتِهِنَّ وَكَوْنِهِنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِإِرْثِهِنَّ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ اُخْتُصِصْنَ بِمَسَاكِنِهِنَّ مُدَّةَ حَيَاتِهِنَّ وَلَا يَرِثُهَا وَرَثَتُهُنَّ بَعْدَهُنَّ.
[فَائِدَة الْمُرَادِ بِالْعَامِلِ فِي قَوْلِهِ ﵊ وَمُؤْنَةِ عَامِلِي] ١
(الْخَامِسَةُ) اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْعَامِلِ فِي قَوْلِهِ «وَمُؤْنَةِ عَامِلِي» فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ الْقَائِمُ عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ، وَالنَّاظِرُ فِيهَا وَعَلَيْهِ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يَقُولُونَ أَرَادَ بِعَامِلِهِ خَادِمَهُ وَقَيِّمَهُ وَوَكِيلَهُ، وَأَجِيرَهُ وَنَحْوَ هَذَا. انْتَهَى. وَقِيلَ هُوَ كُلُّ عَامِلٍ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ خَلِيفَةٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَنَائِبٌ عَنْهُ فِي أُمَّتِهِ (السَّادِسَةُ) قَالَ الطَّبَرِيُّ فِيهِ: إنَّ مَنْ كَانَ مُشْتَغِلًا مِنْ الْأَعْمَالِ
стр. 1503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
بِمَا فِيهِ لِلَّهِ بِرٌّ وَلِلْعَبْدِ عَلَيْهِ مِنْ اللَّهِ أَجْرٌ أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَى اشْتِغَالِهِ بِهِ إذَا كَانَ فِي قِيَامِهِ سُقُوطُ مُؤْنَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَنْ كَافَّتِهِمْ. وَفَسَادُ قَوْلِ مَنْ حَرَمَ الْقُسَّامَ أَخْذَ الْأُجُورِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَالْمُؤَذِّنِينَ أَخَذَ الْأَرْزَاقِ عَلَى تَأْدِيَتِهِمْ وَالْمُعَلَّمِينَ عَلَى تَعْلِيمِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ بَعْدَهُ فِيمَا كَانَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُؤْنَتَهُ وَإِنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ لِاشْتِغَالِهِ فَبَانَ أَنَّ كُلَّ قَيِّمٍ بِأَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّا يَعُمُّهُمْ نَفْعُهُ سَبِيلُهُ سَبِيلُ عَامِلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَنَّ لَهُ الْمُؤْنَةَ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكِفَايَةَ مَا دَامَ مُشْتَغِلًا بِهِ، وَذَلِكَ كَالْعُلَمَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ وَسَائِرِ أَهْلِ الشُّغْلِ بِمَنَافِع الْإِسْلَامِ. انْتَهَى.
[فَائِدَة النَّبِيَّ ﷺ لَا يُورَثُ]
(السَّابِعَةُ) فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُورَثُ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنْهُمْ ابْنُ عُلَيَّةَ أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُورَثْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّهُ بِأَنْ جَعَلَ مَالَهُ كُلَّهُ صَدَقَةً زِيَادَةً فِي فَضِيلَتِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَسَائِرُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ الْحَدِيثِ قُلْت وَالْقَوْلَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّهُ ﵊ لَمْ يُورَثْ، وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ جَعَلَ إرْثَهُ مُسْتَحِيلًا لَا مُقْتَضًى لَهُ، وَالثَّانِي جَعَلَهُ مُمْكِنًا؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْهُ عَدَمُ الْمَالِ الْمُخَلَّفِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ صَدَقَةٌ كَمَا يَقِفُ الْإِنْسَانُ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُهُ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهِ فَيَمُوتُ وَلَا مِلْكَ لَهُ فَلَا يُورَثُ؛ لِعَدَمِ مَا يُورَثُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ يُورَثُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَأَمَّا الرَّوَافِضُ فَلَيْسَ قَوْلُهُمْ مِمَّا يُشْتَغَلُ بِهِ، وَلَا يُحْكَى مِثْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الطَّعْنِ عَلَى السَّلَفِ وَالْمُخَالَفَةِ لِسَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ كَانَ أَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّفَّاحُ فِي قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا الْعَبَّاسِيَّةُ بِالْأَنْبَارِ فَلَمَّا افْتَتَحَ الْكَلَامَ وَصَارَ إلَى ذِكْرِ الشَّهَادَةِ مِنْ الْخُطْبَةِ قَامَ رَجُلٌ مِنْ آلِ أَبِي طَالِبٍ فِي عُنُقِهِ مُصْحَفٌ فَقَالَ: أُذَكِّرُك اللَّهَ الَّذِي ذَكَرْتَهُ إلَّا أَنْصَفْتَنِي مِنْ خَصْمِي وَحَكَمْتَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ بِمَا فِي هَذَا الْمُصْحَفِ. قَالَ لَهُ: وَمَنْ ظَلَمَك؟ . قَالَ: أَبُو بَكْرٍ الَّذِي مَنَعَ فَاطِمَةَ فَدَكَ فَقَالَ لَهُ وَهَلْ كَانَ بَعْدَهُ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ. وَأَقَامَ عَلَى ظُلْمِكُمْ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَهَلْ كَانَ بَعْدَهُ أَحَدٌ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ: مَنْ؟ . قَالَ: عُثْمَانُ. قَالَ: وَأَقَامَ عَلَى ظُلْمِكُمْ. قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَهَلْ كَانَ بَعْدَهُ
стр. 1504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ مَنْ؟ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ، وَأَقَامَ عَلَى ظُلْمِكُمْ. فَأَسْكَتَ الرَّجُلَ وَجَعَلَ يَلْتَفِتُ إلَى مَا وَرَاءَهُ يَطْلُبُ مُخَلِّصًا فَقَالَ: وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَوْلَا أَنَّهُ أَوَّلُ مُقَامٍ قُمْتُهُ ثُمَّ إنِّي لَمْ أَكُنْ تَقَدَّمْتُ إلَيْك فِي هَذَا قَبْلُ لَأَخَذْت الَّذِي فِيهِ عَيْنَاك اُقْعُدْ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْخُطْبَةِ.
(الثَّامِنَةُ) لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِنَبِيِّنَا ﵊ بَلْ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ كَذَلِكَ فِي أَنَّهُمْ لَا يُوَرَّثُونَ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي نَقَلْنَاهَا فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ «لَا نُورَثُ» فَجَمَعَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ مُشَارَكَةِ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ «إنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سُنَنِهِ. وَوَرَدَ هَذَا اللَّفْظُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُمَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ
وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَإِنَّهُ قَدْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِنَبِيِّنَا ﷺ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] وَزَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ وِرَاثَةُ الْمَالِ. قَالَ: وَلَوْ أَرَادَ وِرَاثَةَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَقُلْ ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: ٥] إذْ لَا يُخَافُ الْمَوَالِي عَلَى النُّبُوَّةِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل: ١٦] وَالْحَقُّ مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَالْمُرَادُ بِقِصَّةِ زَكَرِيَّا وَدَاوُد وِرَاثَةُ النُّبُوَّةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْإِرْثِ بَلْ قِيَامَهُ مَقَامَهُ وَحُلُولَهُ مَكَانَهُ، وَلَوْ أُرِيدَ وِرَاثَةُ الْمَالِ لَمْ يَكُنْ فِي الْإِخْبَارِ بِإِرْثِ سُلَيْمَانَ لِدَاوُدَ كَبِيرُ فَائِدَةٍ لِمَا عُلِمَ مِنْ إرْثِ الْأَوْلَادِ لِأَمْوَالِ آبَائِهِمْ بِخِلَافِ الْمِلْكِ وَالْعِلْمِ وَالنُّبُوَّةِ.
(التَّاسِعَةُ) قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - لَا يُورَثُونَ أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَرَثَةِ مَنْ يَتَمَنَّى مَوْتَهُ فَيَهْلِكَ وَلِئَلَّا يُظَنَّ بِهِمْ الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا لِوَارِثِهِمْ فَيَهْلِكَ الظَّانُّ وَيَنْفِرَ النَّاسُ عَنْهُمْ. قُلْتُ: وَلِأَنَّهُمْ أَحْيَاءُ وَلِهَذَا وَجَبَتْ نَفَقَةُ زَوْجَاتِهِ ﵊ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ وَلِأَنَّهُمْ لِعِظَمِ شَأْنِهِمْ لَا تَكُونُ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إلَّا عَائِدَةً عَلَى أُخْرَاهُمْ، وَلَا يُسْلَبُونَ مَنْفَعَةَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ وَلَوْ وُرِثُوا لَسُلِبُوا مَنْفَعَةَ مَا وَرِثُوهُ وَكَانَ الِانْتِفَاعُ بِهِ إنَّمَا هُوَ لِوَرَثَتِهِمْ لَا لَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ ﵊ «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ مَالِهِ» وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إنَّمَا الْمَالُ الْآنَ لِلْوَارِثِ وَهَذَا
стр. 1505
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
مَعْنًى حَسَنٌ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ.
(الْعَاشِرَةُ) هَذِهِ الرِّوَايَةُ صَرِيحَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَى بَعْضِ جَهَلَةِ الشِّيعَةِ حَيْثُ قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي سُقْنَاهَا مِنْ مُسْلِمٍ «مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» أَنَّهُ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ مَا نَافِيَةٌ وَهُوَ غَلَطٌ قَبِيحٌ بَلْ هُوَ بِالرَّفْعِ وَمَا مَوْصُولَةٌ وَرِوَايَتُنَا صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ فِيهَا «فَهُوَ صَدَقَةٌ» .
(الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) الْحَدِيثُ مُتَنَاوِلٌ لِلْحُقُوقِ أَيْضًا، وَأَشَارَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ إلَى أَنَّهُ ﵊ تُورَثُ عَنْهُ حُقُوقُهُ فَإِنَّهُمَا قَالَا فِيمَا لَوْ عَفَا وَاحِدٌ مِنْ بَنِي أَعْمَامِهِ عَنْ قَاذِفِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ. أَوْ نَقُولُ: هُمْ لَا يَنْحَصِرُونَ فَهُوَ كَقَذْفِ مَيِّتٍ لَيْسَتْ لَهُ وَرَثَةٌ خَاصَّةً لَكِنَّ الرَّافِعِيُّ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ يَجُوزُ أَنَّ حَدَّ قَذْفِهِ لَا يُورَثُ كَمَا لَا يُورَثُ مَا تَرَكَهُ. انْتَهَى. وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَهُوَ مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ.
[فَائِدَة يَحْبِسَ مَالَهُ عَلَى سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ] ١
(الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ فُقَهَاءُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ مِنْ تَجْوِيزِ الْأَوْقَافِ، وَأَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَحْبِسَ مَالَهُ عَلَى سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ يَجْرِي عَلَيْهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ.
(قُلْت) حَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِيمَا تَرَكَهُ ﵊ وَجْهَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ يُنْفَقُ مِنْهُ عَلَى أَهْلِهِ كَمَا يُنْفَقُ فِي حَيَاتِهِ قَالَ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
(وَالثَّانِي) أَنَّ سَبِيلَ مَا خَلَّفَهُ سَبِيلُ الصَّدَقَاتِ وَبِهَذَا قَطَعَ أَبُو الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيُّ فِي الْجُرْجَانِيَّاتِ ثُمَّ حَكَى وَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَصِيرُ وَقْفًا عَلَى وَرَثَتِهِ، وَأَنَّهُ إذَا صَارَ وَقْفًا هُوَ الْوَاقِفُ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» وَجْهَانِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: كُلُّ هَذَا ضَعِيفٌ وَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ، وَأَنَّ مَا تَرَكَهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَا تَخْتَصُّ بِهِ الْوَرَثَةُ، وَكَيْفَ يَصِحُّ غَيْرُ مَا ذَكَرْتُهُ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ فَهَذَا نَصٌّ عَلَى زَوَالِ الْمِلْكِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى.
وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْوَقْفِ احْتِمَالٌ مِنْ احْتِمَالَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَة اتِّخَاذ الْأَمْوَالِ وَاكْتِسَابِ الصُّنَّاعِ] ١
(الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ اتِّخَاذِ الْأَمْوَالِ وَاكْتِسَابِ الصُّنَّاعِ وَمَا يَسَعُ الْإِنْسَانَ لِنَفْسِهِ وَعُمَّالِهِ، وَأَهْلَيْهِمْ وَيُوَاتِيهِمْ وَمَا يَفْضُلُ عَنْ الْكِفَايَةِ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الصُّوفِيَّةِ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُمْ فِي قَطْعِ الِاكْتِسَابِ الْمُبَاحِ.
стр. 1506
وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ؟ قَالَ الْأَنْبِيَاءُ إخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ وَلَيْسَ بَيْنَنَا نَبِيٌّ»
ــ
[طرح التثريب]
[حَدِيث أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ]
(الْحَدِيثُ الرَّابِعُ) وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ؟ قَالَ الْأَنْبِيَاءُ إخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ وَلَيْسَ بَيْنَنَا نَبِيٌّ» .
(فِيهِ) فَوَائِدُ:
(الْأُولَى) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَأَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا، وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ» أَيْ أَخَصُّ بِهِ، وَأَقْرَبُ إلَيْهِ لِقَوْلِهِ «فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ» أَيْ لِأَقْرَبَ، وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَقَوْلُهُ «فِي الدُّنْيَا» أَيْ بِقُرْبِ الزَّمَانِ بَيْنَهُمَا كَمَا سَيَأْتِي «وَفِي الْآخِرَةِ» لَعَلَّهُ بِتَزَوُّجِهِ بِأُمِّهِ مَرْيَمَ فَإِنَّهَا مِنْ زَوْجَاتِهِ فِي الْجَنَّةِ ﵈ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ سَبَبَ أَوْلَوِيَّتِهِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَوْنُهُ يَصِيرُ مِنْ أُمَّتِهِ الْمُقْتَدِينَ بِشَرِيعَتِهِ عِنْدَ نُزُولِهِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَلَعَلَّ هَذَا أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَة أَوْلَادُ الْعَلَّاتِ] ١
(الثَّالِثَةُ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَوْلَادُ الْعَلَّاتِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ هُمْ الْإِخْوَةُ لِأَبٍ مِنْ أُمَّهَاتٍ شَتَّى قَالَ فِي الصِّحَاحِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الَّذِي تَزَوَّجَهَا عَلَى أُولَى قَدْ كَانَتْ قَبْلَهَا ثُمَّ عَلَّ مِنْ هَذِهِ؛ وَالْعَلَلُ الشُّرْبُ الثَّانِي يُقَالُ عَلَلٌ بَعْدَ نَهَلٍ وَعَلَّهُ يَعُلُّهُ وَيُعِلُّهُ إذَا سَقَاهُ السَّقْيَةَ الثَّانِيَةَ وَعَلَّ بِنَفْسِهِ يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى، وَقَالَ غَيْرُهُ سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ ضَرَائِرَ وَالْعَلَّاتُ الضَّرَائِرُ. وَأَمَّا الْإِخْوَةُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ فَيُقَالُ لَهُمْ أَوْلَادُ الْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ وَيُقَالُ لِلْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ
стр. 1507
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
أَوْلَادُ الْأَخْيَافِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَخِيَاف الرِّجَالِ أَيْ أَخْلَاطِ الرِّجَالِ.
[فَائِدَة أَنَّهُ ﵊ مَعَ بَقِيَّة الْأَنْبِيَاءِ كَأَوْلَادِ الْعَلَّاتِ] ١
(الرَّابِعَةُ) اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَحَكَى النَّوَوِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ أَصْلَ إيمَانِهِمْ وَاحِدٌ وَشَرَائِعَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي أَصْلِ التَّوْحِيدِ وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي فُرُوعِ الشَّرَائِعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] فَاسْتَعْمَلَ الْأُمَّهَاتِ فِي فُرُوعِ الشَّرْعِ وَالْأَبَ فِي أَصْلِ الدِّينِ وَقَوْلُهُ شَتَّى أَيْ مُخْتَلِفُونَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤] وَقَوْلُهُ «وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» أَيْ أَصْلُ التَّوْحِيدِ أَوْ أَصْلُ الطَّاعَةِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ صِفَتُهَا أَوْ أَصْلُ التَّوْحِيدِ وَالطَّاعَةِ جَمِيعًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مُخْتَلِفُونَ فِي أَزْمَانِهِمْ وَبَعْضُهُمْ بَعِيدُ الْوَقْتِ مِنْ بَعْضٍ فَهُمْ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ إذْ لَمْ يَجْمَعْهُمْ زَمَانٌ وَاحِدٌ كَمَا لَمْ يَجْمَعْ أَوْلَادَ الْعَلَّاتِ بَطْنٌ وَاحِدٌ وَعِيسَى لَمَّا كَانَ قَرِيبَ الزَّمَانِ مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نَبِيٌّ كَانَا كَأَنَّهُمَا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ فَكَانَا بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا وَحَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ ثُمَّ قَالَ: هَذَا أَشْبَهُ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قُلْت لَمْ يَجْزِمْ بِهِ الْقَاضِي، وَلَا رَجَّحَهُ وَإِنَّمَا صَدَّرَ كَلَامَهُ بِالْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ فَحَكَى هَذَا كَذَا فِي الْمَشَارِقِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ عِيسَى كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فِي أَنَّهُ مَعَ نَبِيِّنَا ﵊ يُشْبِهَانِ أَوْلَادَ الْعَلَّاتِ فِي أَنَّ أَصْلَ دِينِهِمْ الْمُشَبَّهَ بِالْأَبِ وَاحِدٌ، وَفَرْعَهُ الْمُشَبَّهَ بِالْأُمِّ مُخْتَلِفٌ. وَوَجْهُ كَوْنِهِ أَوْلَى بِهِ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَعَلَى الثَّانِي لَا يَكُونُ مَعَهُ كَأَوْلَادِ الْعَلَّاتِ بَلْ كَأَوْلَادِ الْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ إنَّمَا صَارُوا كَأَوْلَادِ الْعَلَّاتِ؛ لِتَبَاعُدِ زَمَانِهِمْ وَلَمَّا تَقَارَبَ زَمَنُ نَبِيِّنَا وَعِيسَى ﵉ صَارَ كَأَنَّهُ زَمَنٌ وَاحِدٌ فَشُبِّهَا بِأَوْلَادِ الْأَعْيَانِ لَكِنْ فِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُمَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ تَقَارَبَ زَمَنُهُمْ حَتَّى كَانَ يَجْتَمِعُ فِي الزَّمَنِ الْوَاحِدِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَقُرْبُ بَعْضِ أُولَئِكَ مِنْ بَعْضٍ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَشَدُّ مِنْ قُرْبِ نَبِيِّنَا لِعِيسَى ﵉ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ، وَقَدْ كَانَ يَحْيَى ابْنَ خَالَتِهِ وَمُجْتَمِعًا مَعَهُ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسَةُ) ظَاهِرُ قَوْلِهِ «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ» دُخُولُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ نَبِيُّنَا أَوْلَى بِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ الْقَوْلَانِ اللَّذَانِ حَكَيْنَاهُمَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ أَوْلَى أَهْلِ زَمَانِهِ بِهِ وَيَكُونُ ﵊ ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ رَدًّا عَلَى النَّصَارَى الَّذِينَ زَعَمُوا تَوَلِّيَ عِيسَى، وَاتِّبَاعَهُ
стр. 1508
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
فَأَخْبَرَ ﵊ أَنَّهُ أَوْلَى بِهِ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ النَّاسِ كَمَا قَالَ لِلْيَهُودِ «أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ» . الْحَدِيثَ فِي صِيَامِ عَاشُورَاءَ وَهَذَا مُحْتَمَلٌ لَكِنَّهُ يُبْعِدُهُ قَوْلُهُ «وَلَيْسَ بَيْنَنَا نَبِيٌّ» ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ تَرْجِيحُهُ بِذَلِكَ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِالْأَنْبِيَاءِ مُطْلَقًا لِاتِّفَاقِهِمْ فِي أَصْلِ الدِّينِ وَيَزْدَادُ عِيسَى ﵇ قُرْبُ زَمَنِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا نَبِيٌّ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ أَوْلَى أَهْلِ زَمَانِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسَةُ) أَوْرَدَ الشَّيْخُ ﵀ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى تَقْرِيرِ الْقَاضِي عِيَاضٍ مِنْ أَنَّ وَجْهَ كَوْنِهِ ﵊ أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى أَنَّهُ ﵊ مَعَ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ كَأَوْلَادِ الْعَلَّاتِ وَمَعَ عِيسَى ﵇ كَأَوْلَادِ الْأَعْيَانِ فَلِذَلِكَ اُخْتُصَّ عَنْهُمْ فِي أَنَّهُ أَوْلَى بِهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَرَجُّحِ أَوْلَادِ الْأَعْيَانِ عَلَى أَوْلَادِ الْعَلَّاتِ، وَأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَى الْمُتَوَفَّى مِنْهُمْ فَيَكُونُ الْإِرْثُ لَهُمْ دُونَهُمْ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ «فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» ، وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أَعْيَانَ بَنِي الْأُمِّ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي الْعَلَّاتِ يَرِثُ الرَّجُلُ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ دُونَ إخْوَتِهِ لِأَبِيهِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْحَارِثِ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(السَّابِعَةُ) فِيهِ رَدٌّ صَرِيحٌ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّهُ كَانَ بَعْدَ عِيسَى ﵇ أَنْبِيَاءُ وَرُسُلٌ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ الْحَوَارِيِّينَ كَانُوا أَنْبِيَاءً، وَأَنَّهُمْ أُرْسِلُوا إلَى النَّاسِ بَعْدَ عِيسَى وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ النَّصَارَى لَعَنَهُمْ اللَّهُ.
стр. 1509
كِتَابُ النِّكَاحِ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ " كُنْت أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بِمِنًى فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ فَقَامَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَا نُزَوِّجُك جَارِيَةً شَابَّةً لَعَلَّهَا أَنْ تُذَكِّرَك مَا مَضَى مِنْ زَمَانِك؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَمَا لَئِنْ قُلْت ذَلِكَ لَقَدْ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» ..
ــ
[طرح التثريب]
[كِتَابُ النِّكَاحِ] [حَدِيث يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ]
(الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ)
عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ " كُنْت أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بِمِنًى فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ فَقَامَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَا أُزَوِّجُك جَارِيَةً شَابَّةً لَعَلَّهَا أَنْ تُذَكِّرَك مَا مَضَى مِنْ زَمَانِك، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَمَا لَئِنْ قُلْت ذَلِكَ لَقَدْ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (فِيهِ) فَوَائِدُ: ﴿الْأُولَى﴾ أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ خَلَا التِّرْمِذِيَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ ذَكَرَ الْأَسْوَدُ مَعَهُ أَيْضًا وَقَالَ: إنَّهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فَكَانَ لِلْأَعْمَشِ فِيهِ إسْنَادَانِ وَقَدْ كَانَ وَاسِعَ الرِّوَايَةِ وَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا عَلَيْهِ
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ كُنْت مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ عِنْدَ عُثْمَانَ فَقَالَ عُثْمَانُ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 1510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
ﷺ عَلَى فِتْيَةٍ فَقَالَ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ ذَا طَوْلٍ فَلْيَتَزَوَّجْ» الْحَدِيثَ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ عُثْمَانَ وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
(الثَّانِيَةُ) فِي قَوْلِ عُثْمَانَ لِابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ لَأُزَوِّجَنَّكَ جَارِيَةً شَابَّةً إلَى آخِرِهِ فِيهِ اسْتِحْبَابُ عَرْضِ الصَّاحِبِ هَذَا عَلَى صَاحِبِهِ الَّذِي لَيْسَتْ لَهُ زَوْجَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَهُوَ صَالِحٌ لِلتَّزْوِيجِ بِهَا وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ نِكَاحِ الشَّابَّةِ لِأَنَّهَا الْمُحَصِّلَةُ لِمَقَاصِدِ النِّكَاحِ فَإِنَّهَا أَلَذُّ اسْتِمْتَاعًا وَأَطْيَبُ نَكْهَةً وَأَرْغَبُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ النِّكَاحِ وَأَحْسَنُ عِشْرَةً وَأَفْكَهُ مُحَادَثَةً وَأَجْمَلُ مَنْظَرًا وَأَلْيَنُ مَلْمَسًا وَأَقْرَبُ إلَى أَنْ يُعَوِّدَهَا زَوْجُهَا الْأَخْلَاقَ الَّتِي يَرْتَضِيهَا وَفِي رِوَايَةٍ جَارِيَةً بِكْرًا وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْبِكْرِ وَتَفْضِيلِهَا عَلَى الثَّيِّبِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ.
وَقَوْلُهُ (لَعَلَّهَا أَنْ تُذَكِّرُك مَا مَضَى مِنْ زَمَانِك) مَعْنَاهُ تُذَكِّرُ بِهَا مَا مَضَى مِنْ نَشَاطِك وَقُوَّةِ شَبَابِك وَغُلْمَتِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُنْعِشُ الْبَدَنَ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ لَعَلَّهَا تُرْجِعُ إلَيْك مَا كُنْت تَعْهَدُ مِنْ نَفْسِك، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁ قَدْ قَلَّتْ رَغْبَتُهُ فِي النِّسَاءِ إمَّا لِلِاشْتِغَالِ بِالْعِبَادَةِ وَإِمَّا لِلسِّنِّ وَإِمَّا لِمَجْمُوعِهِمَا فَحَرَّكَهُ عُثْمَانُ ﵁ بِذَلِكَ.
(الثَّالِثَةُ) قَوْلُهُ (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْمَعْشَرُ الطَّائِفَةُ الَّذِينَ يَشْمَلُهُمْ وَصْفٌ فَالشَّبَابُ مَعْشَرٌ وَالشُّيُوخُ مَعْشَرٌ وَالْأَنْبِيَاءُ مَعْشَرٌ وَالنِّسَاءُ مَعْشَرٌ وَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ، وَالشَّبَابُ جَمْعُ شَابٍّ وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى شُبَّانٍ بِضَمِّ الشِّينِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ وَآخِرُهُ نُونٌ، وَشَبِيبَةٌ وَالشَّابُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا هُوَ مَنْ بَلَغَ وَلَمْ يُجَاوِزْ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَإِنَّمَا خَصَّ الشَّبَابَ بِالْمُخَاطَبَةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ قُوَّةُ الشَّهْوَةِ فِيهِمْ بِخِلَافِ الشُّيُوخِ وَالْكُهُولِ لَكِنَّ الْمَعْنَى مُعْتَبَرٌ إذَا وُجِدَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ أَيْضًا.
(الرَّابِعَةُ) فِي الْبَاءَةِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ حَكَاهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْفَصِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ الْبَاءَةُ بِالْمَدِّ وَالْهَاءِ وَالثَّانِيَةُ الْبَاهُ بِلَا مَدٍّ، وَالثَّالِثَةُ الْبَاءُ بِالْمَدِّ بِلَا هَاءٍ وَالرَّابِعَةُ الْبَاهَةُ بِهَاءَيْنِ بِلَا مَدٍّ وَأَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ الْجِمَاعُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْمَبَاءَةِ وَهُوَ الْمَنْزِلُ وَمِنْهُ مَبَاءَةُ الْإِبِلِ وَهِيَ مَوَاطِنُهَا ثُمَّ قِيلَ: لِعَقْدِ النِّكَاحِ بَاءَةً؛ لِأَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بَوَّأَهَا مَنْزِلًا.
(الْخَامِسَةُ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْبَاءَةِ هُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ يَرْجِعَانِ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ أَصَحُّهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الْجِمَاعُ فَتَقْدِيرُهُ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْجِمَاعَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُؤَنِهِ، وَهِيَ مُؤَنُ النِّكَاحِ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْجِمَاعَ لِعَجْزِهِ عَنْ مُؤَنِهِ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ لِيَدْفَعَ
следующие страницы →