Полный текст (216 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
له علة. فأي معنى لقول القائل: إن ما لا علة له لا علة له لذاته أو لعلة؟ إذ قولنا: لا علة له، سلب محض، والسلب المحض لا يكون له سبب. ولا يقال فيه: إنه لذاته أو لا لذاته.
وعلى واجب الوجود
وإن عنيتم بوجوب الوجود وصفاً ثابتاً لواجب الوجود سوى أنه موجود لا علة لوجوده، فهو غير مفهوم في نفسه. والذي ينسبك من لفظه نفى العلة لوجوده، وهو سلب محض لا يقال فيه: إنه لذاته أو لعلة، حتى يبنى على وضع هذا التقسيم غرض، فدل أن هذا برهان من خرف لا أصل له. بل نقول: معنى أنه واجب الوجود أنه لا علة لوجوده ولا علة لكونه بلا علة، وليس كونه بلا علة معللاً أيضاً بذاته بل لا علة لوجوده ولا لكونه بلا علة أصلاً.
ولا يطبق على الأسود فهل اللونية لذاتها أم لعلة ؟
كيف وهذا التقسيم لا يتطرق إلى بعض صفات الإثبات فضلاً عما يرجع إلى السلب، إذ لو قال قائل: السواد لون لذاته أو لعلة: فإن كان لذاته فينبغي أن لا تكون الحمرة لوناً وأن لا يكون هذا النوع أعني اللونية إلا لذات السواد، وإن كان السواد لوناً لعلة جعلته لوناً فينبغي أن يعقل سواد ليس بلون أي لم تجعله العلة لوناً. فإن ما يثبت للذات زائداً على الذات بعلة يمكن تقدير عدمه في الوهم، وإن لم يتحقق في الوجود. ولكن يقال: هذا التقسيم خطأ في الوضع، فلا يقال للسواد: إنه لون لذاته، قولاً يمنع أن يكون ذلك لغير ذاته. وكذلك لا يقال: إن هذا الموجود واجب لذاته أو لا علة له لذاته، قولاً يمنع أن يكون ذلك لغير ذاته بحال.
قولهم: لو فرضنا واجبي الوجود فإن كانا متماثلين من كل وجه يبطل تعددهما ...
مسلكهم الثاني أن قالوا: لو فرضنا واجبي الوجود لكانا متماثلين من كل وجه أو مختلفين. فإن كانا متماثلين من كل وجه فلا يعقل التعدد والاثنينية إذ السوادان هما اثنان إذا كانا في محلين أو في محل واحد، ولكن
стр. 72
في وقتين إذ السواد والحركة في محل واحد في وقت واحد هما اثنان لاختلاف ذاتيهما. أما إذا لم يختلف الذاتان كالسوادين ثم اتحد الزمان والمكان، لم يعقل التعدد ولو جاز أن يقال: في وقت واحد في محل واحد: سوادان، لجاز أن يقال في حق كل شخص: إنه شخصان، ولكن ليس يبين بينهما مغايرة.
وإن كانا مختلفين، يكونا متركبين ...
وإذا استحال التماثل من كل وجه، ولا بد من الاختلاف، ولم يمكن بالزمان ولا بالمكان، فلا يبقى إلا الاختلاف في الذات. ومهما اختلفا في شيء فلا يخلوا إما أن اشتركا في شيء أو لم يشتركا في شيء. فإن لم يشتركا في شيء فهو محال إذ يلزم أن لا يشتركا في الوجود ولا في وجوب الوجود ولا في كون كل واحد قائماً بنفسه لا في موضوع. وإذا اشتركا في شيء واختلفا في شيء كان ما فيه الاشتراك غير ما فيه الاختلاف فيكون ثم تركيب وانقسام بالقول.
...
ومن المحال أن يكون واجب الوجود مركباً
وواجب الوجود لا تركيب فيه، وكما لا ينقسم بالكمية فلا ينقسم أيضاً بالقول الشارح إذ لا يتركب ذاته من أمور يدل القول الشارح على تعدده كدلالة الحيوان والناطق على ما تقوم به ماهية الإنسان فإنه حيوان وناطق. ومدلول لفظ الحيوان من الإنسان غير مدلول لفظ الناطق، فيكون الإنسان متركباً من أجزاء تنتظم في الحد بألفاظ تدل على تلك الأجزاء ويكون اسم الإنسان لمجموعه. وهذا لا يتصور، ودون هذا لا تتصور التثنية.
قولنا هذا النوع من التركيب ليس من المحال في المبدأ الأول والجواب أنه مسلم أنه لا تتصور التثنية إلا بالمغايرة في شيء ما وأن المتماثلين من كل وجه لا يتصور تغايرهما. ولكن قولكم: إن هذا النوع من التركيب محال في المبدأ الأول، تحكم محض. فما البرهان عليه؟
في وحدانية الله
ولنرسم هذه المسألة على حيالها فإن من كلامهم المشهور أن المبدأ الأول لا ينقسم بالقول الشارح كما لا ينقسم بالكمية، وعليه ينبنى إثبات وحدانية الله عندهم.
قولهم الوحدة في الله تنفي الكثرة بل زعموا أن التوحيد لا يتم إلا بإثبات الوحدة لذات الباري
стр. 73
من كل وجه وإثبات الوحدة بنفي الكثرة من كل وجه، والكثرة تتطرق إلى الذوات من خمسة أوجه:
كثرة الأجزاء ...
الأول بقبول الانقسام فعلاً أو وهماً. فلذلك لم يكن الجسم الواحد واحداً مطلقاً، فإنه واحد بالاتصال القائم القابل للزوال فهو منقسم في الوهم بالكمية. وهذا محال في المبدأ الأول.
...
والهيولى والصورة
الثاني أن ينقسم الشيء في العقل إلى معنيين مختلفين. لا بطريق الكمية كانقسام الجسم إلى الهيولى والصورة فإن كل واحد من الهيولى والصورة، وإن كان لا يتصور أن يقوم بنفسه دون الآخر، فهما شيئان مختلفان بالحد والحقيقة، يحصل بمجموعهما شيء واحد هو الجسم. وهذا أيضاً منفي عن الله فلا يجوز أن يكون الباري صورة في جسم ولا مادة في هيولى لجسم ولا مجموعهما. أما مجموعهما فلعلتين إحديهما أنه منقسم بالكمية عند التجزئة فعلاً أو وهماً، والثانية أنه منقسم بالمعنى إلى الصورة والهيولى، ولا يكون مادة لأنها تحتاج إلى الصورة، وواجب الوجود مستغن من كل وجه فلا يجوز أن يرتبط وجوده بشرط آخر سواه، ولا يكون صورة لأنها تحتاج إلى مادة.
...
وتنفي أيضاً الكثرة بالصفات ...
الثالث الكثرة بالصفات بتقدير العلم والقدرة والإرادة. فإن هذه الصفات إن كانت واجبة الوجود كان وجوب الوجود مشتركاً بين الذات ويبن هذه الصفات ولزمت كثرة في واجب الوجود وانتفت الوحدة.
...
وبالجنس والنوع ...
الرابع كثرة عقلية تحصل بتركيب الجنس والنوع. فإن السواد سواد ولون والسوادية غير اللونية في حق العقل، بل اللونية جنس والسوادية فصل فهو مركب من جنس وفصل، والحيوانية غير الإنسانية في العقل فإن الإنسان حيوان وناطق والحيوان جنس والناطق فصل وهو مركب من الجنس والفصل، وهذا نوع كثرة. فزعموا أن هذا أيضاً منفي عن المبدأ الأول.
стр. 74
.. وبالماهية والوجود
والخامس كثرة تلزم من جهة تقدير ماهية وتقدير وجود لتلك الماهية. فإن للإنسان ماهية قبل الوجود، والوجود يرد عليها ويضاف إليها. وكذى المثلث مثلاً له ماهية وهو أنه شكل يحيط به ثلاثة أضلاع، وليس الوجود جزءاً من ذات هذه الماهية مقوماً لها، ولذلك يجوز أن يدرك العاقل ماهية الإنسان وماهية المثلث، وليس يدري أن لهما وجوداً في الأعيان أم لا. ولو كان الوجود مقوماً لماهيته لما تصور ثبوت ماهيته في العقل قبل وجوده. فالوجود مضاف إلى الماهية سواء كان لازماً بحيث لا تكون تلك الماهية إلا موجودة كالسماء، أو عارضاً بعد ما لم يكن كماهية الإنسانية من زيد وعمرو وماهية الأعراض الصور الحادثة. فزعموا أن هذه الكثرة أيضاً يجب أن تنفى عن الأول.
الواجب الوجود كالماهية
فيقال: ليس له ماهية الوجود مضاف إليها، بل الوجود الواجب له كالماهية لغيره. فالوجود الواجب ماهية وحقيقة كلية وطبيعة حقيقية كما أن الإنسانية والشجرية والسمائية ماهية، إذ لو ثبت ماهية لكان الوجود الواجب لازماً لتلك الماهية غير مقوم لها، واللازم تابع ومعلول فيكون الوجود الواجب معلولاً وهو مناقض لكونه واجباً.
ومع هذا يقولون إن الله مبدأ وأول موجود ...
ومع هذا فإنهم يقولون للباري: إنه مبدأ وأول وموجود وجوهر وواحد وقديم وباق وعالم وعقل وعاقل ومعقول وفاعل وخالق ومريد وقادر وحي وعاشق ومعشوق لذيذ وملتذ وجواد وخير محض. وزعموا أن كل ذلك عبارة عن معنى واحد لا كثرة فيه، وهذا من العجائب. فينبغي أن نحقق مذهبهم للتفهيم أولاً ثم نشتغل بالاعتراض، فإن الاعتراض على المذاهب قبل تمام التفهيم رمي في عماية.
...
ويردون هذه الأمور إلى السلب والإضافة
والعمدة في فهم مذهبهم أنهم يقولون: ذات المبدأ واحد وإنما تكثر الأسامي بإضافة شيء إليه أو إضافته إلى شيء أو سلب شيء عنه، والسلب لا يوجب كثرة في ذات المسلوب عنه، ولا الإضافة توجب كثرة،
стр. 75
فلا ينكرون إذاً كثرة السلوب وكثرة الإضافات، ولكن الشأن في رد هذه الأمور كلها إلى السلب والإضافة.
الأول والمبدأ والموجود والجوهر ...
فقالوا: إذا قيل له: أول، فهو إضافة إلى الموجودات بعده. وإذا قيل: مبدأ، فهو إشارة إلى أن وجود غيره منه وهو سبب له، فهو إضافة إلى معلولاته. وإذا قيل: موجود، فمعناه معلوم. وإذا قيل: جوهر، فمعناه الوجود مسلوباً عنه الحلول في موضوع، وهذا سلب. وإذا قيل:
...
والقديم والباقي ...
قديم، فمعناه سلب العدم عنه أولاً. وإذا قيل: باق، فمعناه سلب العدم عنه آخراً، ويرجع حاصل القديم والباقي إلى وجود ليس مسبوقاً بعدم ولا ملحوقاً بعدم.
...
وواجب الوجود
وإذا قيل: واجب الوجود، فمعناه أنه موجود لا علة له وهو علة لغيره، فيكون جمعاً بين السلب والإضافة إذ نفي علة له سلب وجعله علة لغيره إضافة.
...
والعقل ...
وإذا قيل: عقل، فمعناه أنه موجود بريء عن المادة، وكل موجود هذا صفته فهو عقل أي يعقل ذاته ويشعر به ويعقل غيره، وذات الله هذا صفته أي هو بريء عن المادة، فإذن هو عقل وهما عبارتان عن معبر واحد.
...
والعاقل والمعقول ...
وإذا قيل: عاقل، فمعناه أن ذاته الذي هو عقل، فله معقول هو ذاته فإنه يشعر بنفسه ويعقل نفسه، فذاته معقول وذاته عاقل وذاته عقل والكل واحد، إذ هو معقول من حيث أنه ماهية مجردة عن المادة غير مستورة عن ذاته الذي هو عقل، بمعنى أنه ماهية مجردة عن المادة لا يكون شيء مستوراً عنه. ولما عقل نفسه كان عاقلاً، ولما كان نفسه معقولاً لنفسه كان معقولاً، ولما كان عقله بذاته لا بزائد على ذاته كان عقلاً، ولا يبعد أن يتحد العاقل والمعقول فإن العاقل إذا عقل كونه عاقلاً عقله بكونه عاقلاً، فيكون العاقل والمعقول واحداً بوجه ما، وإن كان ذلك يفارق عقل الأول فإن ما للأول بالفعل أبداً وما لنا يكون
стр. 76
بالقوة تارة وبالفعل أخرى.
والخالق والفاعل والبارئ الذي عنه يفيض كل شيء
لزوماً بعلم منه لا غفلة
وإذا قيل: خالق وفاعل وبارئ وسائر صفات الفعل، فمعناه أن وجوده وجود شريف يفيض عنه وجود الكل فيضاناً لازماً، وإن وجود غيره حاصل منه وتابع لوجوده كما يتبع النور الشمس والإسخان النار. ولا تشبه نسبة العالم إليه نسبة النور إلى الشمس إلا في كونه معلولاً فقط، وإلا فليس هو كذلك فإن الشمس لا تشعر بفيضان النور عنها ولا النار بفيضان الإسخان فهو طبع محض، بل الأول عالم بذاته وأن ذاته مبدأ لوجود غيره، ففيضان ما يفيض عنه معلوم له فليس به غفلة عما يصدر منه. ولا هو أيضاً كالواحد منا إذا وقف بين مريض وبين الشمس فاندفع حر الشمس عن المريض بسببه لا باختياره ولكنه عالم به وهو غير كاره أيضاً له، فإن المظل الفاعل للظل شخصه وجسمه والعالم الراضي بوقوع الظل نفسه لا جسمه، وفي حق الأول ليس كذلك فإن الفاعل منه هو العالم وهو الراضي أي أنه غير كاره وأنه عالم بأن كماله في أن يفيض منه غيره.
فيكون علمه علة فيضان كل شيء
بل لو أمكن أن يفرض كون الجسم المظل بعينه هو العالم بعينه بوقوع الظل وهو الراضي، لم يكن أيضاً مساوياً للأول فإن الأول هو العالم وهو الفاعل وعلمه هو مبدأ فعله، فإن علمه بنفسه في كونه مبدأ للكل علة فيضان الكل، فإن النظام الموجود تبع للنظام المعقول بمعنى أنه واقع به، فكونه فاعلاً غير زائد على كونه عالماً بالكل إذ علمه بالكل علة فيضان الكل عنه، وكونه عالماً بالكل لا يزيد على علمه بذاته فإنه لا يعلم ذاته ما لم يعلم أنه مبدأ للكل، فيكون المعلوم بالقصد الأول ذاته ويكون الكل معلوماً عنده بالقصد الثاني، فهذا معنى كونه فاعلاً.
...
والقادر ...
وإذا قيل: قادر، لم نعن به إلا كونه فاعلاً على الوجه الذي قررناه وهو أن وجوده وجود يفيض عنه المقدورات التي بفيضانها ينتظم الترتيب في الكل على أبلغ وجوه الإمكان في الكمال والحسن.
...
والمريد والعالم ...
وإذا قيل: مريد، لم نعن به إلا أن ما يفيض عنه
стр. 77
ليس هو غافلاً عنه وليس كارهاً له، بل هو عالم بأن كماله في فيضان الكل عنه. فيجوز بهذا المعنى أن يقال: هو راض، وجاز أن يقال للراضي: إنه مريد. فلا تكون الإرادة إلا عين القدرة ولا القدرة إلا عين العلم ولا العلم إلا عين الذات، فالكل إذن يرجع إلى عين الذات.
...
علم العلة، لا علم المعلول ...
وهذا لأن علمه بالأشياء ليس مأخوذاً من الأشياء، وإلا لكان مستفيداً وصفاً أو كمالاً من غيره وهو محال في واجب الوجود. ولكن علمنا على قسمين: علم شيء حصل من صورة ذلك الشيء كعلمنا بصورة السماء والأرض، وعلم اخترعناه كشيء لم نشاهد صورته ولكن صورناه في أنفسنا ثم أحدثناه. فيكون وجود الصورة مستفاداً من العلم، لا العلم من الوجود، وعلم الأول بحسب القسم الثاني، فإن تمثل النظام في ذاته سبب لفيضان النظام عن ذاته.
...
وليس هذا شأننا فإننا نحتاج مع العلم إلى القدرة
نعم لو كان مجرد حضور صورة نقش أو كتابة خط في نفوسنا كافياً في حدوث تلك الصورة، لكان العلم بعينه منا هو القدرة بعينها والإرادة بعينها. ولكنا لقصورنا فليس يكفي تصورنا لإيجاد الصورة، بل نحتاج مع ذلك إلى إرادة متجددة تنبعث من قوة شوقية ليتحرك منهما معاً القوة المحركة للعضل والأعصاب الآلية. فيتحرك بحركة العضل والأعصاب اليد أو غيره، ويتحرك بحركته القلم أو آلة أخرى خارجة، وتتحرك المادة بحركة القلم كالمادة أو غيره ثم تحصل الصورة المتصورة في نفوسنا. فلذلك لم يكن نفس وجود هذه الصورة في نفوسنا قدرة ولا إرادة بل كانت القدرة فينا عند المبدأ المحرك للعضل، وهذه الصورة محركة لذلك المحرك الذي هو مبدأ القدرة، وليس كذلك في واجب الوجود فإنه ليس مركباً من أجسام تنبث القوى في أطرافه، فكانت القدرة والإرادة والعلم والذات منه واحداً.
...
والحي ...
وإذا قيل له: حي، لم يرد به إلا أنه عالم عليماً يفيض عنه الموجود الذي يسمى فعلاً له، فإن الحي هو الفعال الدراك، فيكون المراد به ذاته مع إضافة إلى الأفعال على الوجه الذي ذكرناه، لا كحياتنا فإنها لا تتم إلا بقوتين مختلفتين ينبعث عنهما الإدراك والفعل،
стр. 78
فحياته عين ذاته أيضاً.
...
والجواد، الذي لا يكتسب بجوده شيئاً
وإذا قيل له: جواد، أريد به أن يفيض عنه الكل لا لغرض يرجع إليه. والجود يتم بشيئين: أحدهما أن يكون للمنعم فائدة فيما وهب منه، فلعل من يهب شيئاً ممن هو مستغن عنه لا يوصف بالجود. والثاني أن لا يحتاج الجواد إلى الجود فيكون إقدامه على الجود لحاجة نفسه. وكل من يجود ليمدح أو يثنى عليه أو يتخلص من مذمة فهو مستعيض وليس بجواد، وإنما الجود الحقيقي لله فإنه ليس يبغي به خلاصاً عن ذم ولا كمالاً مستفاداً بمدح. فيكون الجواد اسماً منبئاً عن وجوده مع إضافة إلى الفعل وسلب للغرض، فلا يؤدي إلى الكثرة في ذاته.
...
والخير المحض ...
وإذا قيل: خير محض، فإما أن يراد به وجوده بريئاً عن النقص وإمكان العدم، فإن الشر لا ذات له بل يرجع إلى عدم جوهر أو عدم صلاح حال الجوهر، وإلا فالوجود من حيث أنه وجود خير فيرجع هذا الاسم إلى السلب لإمكان النقص والشر. وقد يقال: خير، لما هو سبب لنظام الأشياء، والأول مبدأ لنظام كل شيء، فهو خير، ويكون الاسم دالاً على الوجود مع نوع إضافة.
...
وواجب الوجود
وإذا قيل: واجب الوجود، فمعناه هذا الوجود مع سلب علة لوجوده وإحالة علة لعدمه أولاً وآخراً.
...
والعاشق والمعشوق واللذيذ والملتذ
وإذا قيل: عاشق ومعشوق ولذيذ وملتذ، فمعناه هو أن كل جمال وبهاء وكمال فهو محبوب ومعشوق لذي الكمال ولا معنى للذة إلا إدراك الكمال الملائم. ومن عرف كمال نفسه في إحاطته بالمعلومات لو أحاط بها، وفي جمال صورته وفي كمال قدرته وقوة أعضائه وبالجملة إدراكه لحضور كل كمال هو ممكن له، لو أمكن أن يتصور ذلك في إنسان واحد، لكان محباً لكماله وملتذاً به، وإنما تنتقص لذته بتقدير العدم والنقصان فإن السرور لا يتم بما يزول أو يخشى زواله، والأول له البهاء الأكمل والجمال الأتم إذ كل كمال هو ممكن له فهو حاضر له. وهو مدرك لذلك الكمال مع الأمن من إمكان النقصان والزوال. والكمال
стр. 79
الحاصل له فوق كل كمال فإحبابه وعشقه لذلك الكمال فوق كل إحباب والتذاذه به فوق كل التذاذ، بل لا نسبة لذاتنا إليها البتة، بل هي أجل من أن يعبر عنها باللذة والسرور والطيبة.
عدم وجود العبارات الخاصة
إلا أن تلك المعاني ليس لها عبارات عندنا، فلا بد من الإبعاد في الاستعارة كما نستعير له لفظ المريد والمختار والفاعل منا مع القطع ببعد إرادته عن إرادتنا وبعد قدرته وعلمه عن قدرتنا وعلمنا، ولا بعد في أن يستبشع عبارة اللذة فيستعمل غيره.
الله مغبوط وهو الخير المحض
والمقصود أن حالته أشرف من أحوال الملائكة وأحرى بأن يكون مغبوطاً، وحالة الملائكة أشرف من أحوالنا، ولو لم تكن لذة إلا في شهوة البطن والفرج لكان حال الحمار والخنزير أشرف من حال الملائكة وليس لها لذة، أي للمبادئ من الملائكة المجردة عن المادة، إلا السرور بالشعور بما خص بها من الكمال والجمال الذي لا يخشى زواله. ولكن الذي للأول فوق الذي للملائكة، فإن وجود الملائكة التي هي العقول المجردة وجود ممكن في ذاته واجب الوجود بغيره، وإمكان العدم نوع شر ونقص، فليس شيء بريئاً عن كل شر مطلقاً سوى الأول فهو الخير المحض وله البهاء والجمال الأكمل. ثم هو معشوق عشقه غيره أو لم يعشقه كما أنه عاقل ومعقول عقله غيره أو لم يعقله. وكل هذه المعاني راجعة إلى ذاته وإلى إدراكه لذاته وعقله له، وعقله لذاته هو عين ذاته فإنه عقل مجرد، فيرجع الكل إلى معنى واحد.
قولنا سنبين بذلك ما لا يصح على أصلهم وما هو فاسد فهذا طريق تفهيم مذهبهم،
стр. 80
وهذه الأمور منقسمة إلى ما يجوز اعتقاده فنبين أنه لا يصح على أصلهم، وإلى ما لا يصح اعتقاده فنبين فساده.
стр. 81
ولنعد إلى المراتب الخمسة في أقسام الكثرة ودعواهم نفيها، ولنبين عجزهم عن إقامة الدليل، ولنرسم كل واحد مسألة على حيالها.
стр. 82
مسألة الفلاسفة أجمعوا على نفي الصفات
اتفقت الفلاسفة على استحالة إثبات العلم والقدرة والإرادة للمبدأ الأول، كما اتفقت المعتزلة عليه وزعموا أن هذه الأسامي وردت شرعاً، ويجوز إطلاقها لغة ولكن ترجع إلى ذات واحدة كما سبق، ولا يجوز إثبات صفات زائدة على ذاته، كما يجوز في حقنا أن يكون علمنا وقدرتنا وصفاً لنا زائداً على ذاتنا.
...
لأنها توجب الكثرة في الله
وزعموا أن ذلك يوجب كثرة، لأن هذه الصفات لو طرت علينا لكنا نعلم أنها زائدة على الذات إذ تجددت، ولو قدر مقارناً لوجودنا من غير تأخر لما خرج عن كونه زائدا على الذات بالمقارنة. فكل شيئين إذا طرى أحدهما على الآخر وعلم أن هذا ليس ذاك وذاك ليس هذا، فلو اقترنا أيضاً عقل كونهما شيئين، فإذن لا تخرج هذه الصفات بأن تكون مقارنة لذات الأول عن أن تكون أشياء سوى الذات، فيوجب ذلك كثرة في واجب الوجود وهو محال. فلهذا أجمعوا على نفي الصفات.
قولنا ما المانع أن تكون الصفات مقارنة للذات ؟
فيقال لهم: وبم عرفتم استحالة الكثرة من هذا الوجه، وأنتم مخالفون من كافة المسلمين سوى المعتزلة، فما البرهان عليه؟ فإن قول القائل: الكثرة محال في واجب الوجود مع كون الذات الموصوفة واحدة، يرجع إلى أنه يستحيل كثرة الصفات، وفيه النزاع. وليس استحالته معلومة بالضرورة، فلا بد من البرهان.
قولهم إما أن يستغني كل واحد من الصفة والموصو
عن الآخ أو يفتقر كل واحد إلى الآخر أو يستغني واحد عن الآخ
ويحتاج الآخر: وكل ذلك محال ولهم مسلكان: الأول قولهم: البرهان عليه أن كل واحد من الصفة والموصوف، إذا لم يكن هذا ذاك ولا ذاك هذا، فإما أن يستغني كل واحد عن الآخر في وجوده، أو يفتقر كل واحد إلى الآخر، أو يستغني واحد عن الآخر
стр. 83
ويحتاج الآخر. فإن فرض كل واحد مستغنياً فهما واجبا وجود وهو التثنية المطلقة وهو محال. وإما أن يحتاج كل واحد منهما إلى الآخر فلا يكون واحد منهما واجب الوجود، إذ معنى واجب الوجود ما قوامه بذاته وهو مستغن من كل وجه عن غيره، فما احتاج إلى غيره فذك الغير علته، إذ لو رفع ذلك الغير لامتنع وجوده فلا يكون وجوده من ذاته بل من غيره. وإن قيل: أحدهما يحتاج دون الآخر، فالذي يحتاج معلول والواجب الوجود هو الآخر، ومهما كان معلولاً افتقر إلى سبب، فيؤدي إلى أن ترتبط ذات واجب الوجود بسبب.
قولنا المختار من هذه الأقسام
هو القسم الأخير هذا وإنكم لا تنفون القسم الأول
والاعتراض على هذا أن يقال: المختار من هذه الأقسام هو القسم الأخير. ولكن إبطالكم القسم الأول وهو التثنية المطلقة قد بينا أنه لا برهان لكم عليها في المسألة التي قبل هذه وأنها لا تتم إلا بالبناء على نفي الكثرة في هذه المسألة وما بعدها. فما هو فرع هذه المسألة؟ كيف تنبنى هذه المسألة عليه؟ ولكن المختار أن يقال: الذات في قوامه غير محتاج إلى الصفات، والصفة محتاجة إلى الموصوف كما في حقنا.
قولهم المحتاج إلى غيره لا يكون واجب الوجود
فيبقى قولهم: إن المحتاج إلى غيره لا يكون واجب الوجود.
قولنا الصفة قديمة لا فاعل لها
فيقال: إن أردت بواجب الوجود أنه ليس له علة فاعلية، فلم قلت ذلك؟ ولم استحال أن يقال: كما أن ذات واجب الوجود قديم لا فاعل له فكذلك صفته قديمة معه ولا فاعل لها؟ وإن أردت بواجب الوجود
стр. 84
أن لا يكون له علة قابلية، فهو ليس بواجب الوجود على هذا التأويل ولكنه مع هذا قديم لا فاعل له. فما المحيل لذلك؟
قولهم هي معلولة
فإن قيل: واجب الوجود المطلق هو الذي ليس له علة فاعلية ولا قابلية. فإذا سلم أن له علة قابلية فقد سلم كونه معلولاً.
قولنا قطع تسلل العلل ممكن بواحد له صفات
قلنا: تسمية الذات القابلة علة قابلية من اصطلاحكم، والدليل لم يدل على ثبوت واجب وجود بحكم اصطلاحكم وإنما دل على إثبات طرف ينقطع به تسلسل العلل والمعلولات ولم يدل إلا على هذا القدر، وقطع التسلسل ممكن بواحد له صفات قديمة لا فاعل لها كما لا فاعل لذاته ولكنها تكون متقررة في ذاته. فليطرح لفظ واجب الوجود فإنه ممكن التلبس فيه، فإن البرهان لم يدل إلا على قطع التسلسل ولم يدل على غيره البتة. فدعوى غيره تحكم.
قولهم لا في العلل القابلية
فإن قيل: كما يجب قطع التسلسل في العلة الفاعلية يجب قطعها في القابلية، إذ لو افتقر كل موجود إلى محل يقوم فيه وافتقر المحل أيضاً للزم التسلسل كما لو افتقر كل موجود إلى علة وافتقرت العلة أيضاً إلى علة.
قولنا يكفي أن ينقطع التسلسل بالذات
قلنا: صدقتم، فلا جرم قطعنا هذا التسلسل أيضاً وقلنا: إن الصفة في ذاته وليس ذاته قائماً بغيره، كما أن علمنا في ذاتنا وذاتنا محل له وليس ذاتنا في محل. فالصفة انقطع تسلسل علتها الفاعلية مع الذات إذ لا فاعل لها كما لا فاعل للذات، بل لم تزل الذات بهذه الصفة موجودة بلا علة له ولا لصفته. وأما العلة القابلية لم ينقطع تسلسلها إلا على الذات. ومن أين يلزم أن ينتفي المحل حتى تنتفي العلة؟ والبرهان ليس يضطر إلا إلى قطع التسلسل. فكل طريق أمكن قطع التسلسل به فهو وفاء بقضية البرهان الداعي إلى واجب الوجود.
стр. 85
واجب الوجود ما ليس له علة فاعلية وإن أريد بواجب الوجود شيء سوى موجود ليس له علة فاعلية حتى ينقطع به التسلسل، فلا نسلم أن ذلك واجب أصلاً. ومهما اتسع العقل لقبول موجود قديم لا علة لوجوده، اتسع لقبول قديم موصوف لا علة لوجوده في ذاته وفي صفاته جميعاً.
قولهم تكون الذات علة العلم
المسلك الثاني قولهم: إن العلم والقدرة فينا ليس داخلاً في ماهية ذاتنا بل هو عارض. وإذا أثبت هذه الصفات للأول لم يكن أيضاً داخلاً في ماهية ذاته بل كان عارضاً بالإضافة إليه وإن كان دائماً له. ورب عارض لا يفارق أو يكون لازماً لماهية ولا يصير بذلك مقوماً لذاته. وإذا كان عارضاً كان تابعاً للذات وكان الذات سبباً فيه فكان معلولاً، فكيف يكون واجب الوجود؟
قولنا لا تكون علة، بل محلاً
وهذا هو الأول مع تغيير عبارة.
فنقول: إن عنيتم بكونه تابعاً للذات وكون الذات سبباً له أن الذات علة فاعلية له وأنه مفعول للذات فليس كذلك، فإن ذلك ليس يلزم في علمنا بالإضافة إلى ذاتنا إذ ذواتنا ليست بعلة فاعلة لعلمنا. وإن عنيتم أن الذات محل وأن الصفة لا تقوم بنفسها في غير محل، فهذا مسلم فلم يمتنع هذا. فبأن يعبر عنه بالتابع أو العارض أو المعلول أو ما أراده المعبر لم يتغير المعنى إذا لم يكن المعنى سوى أنه قائم بالذات قيام الصفات بالموصوفات، ولم يستحيل أن يكون قائماً في ذات وهو مع ذلك قديم ولا فاعل له.
فإن أريد هذا المعنى، فليعبر عنه بغير عبارة فكل أدلتهم تهويل بتقبيح العبارة بتسميته ممكناً وجائزاً وتابعاً ولازماً ومعلولاً، وإن ذلك مستنكر. فيقال: إن أريد بذلك أن له فاعلاً فليس كذلك. وإن لم يرد به إلا أنه لا فاعل له ولكن له محل هو قائم فيه فليعبر عن هذا المعنى بأي عبارة أريد فلا استحالة فيه.
قولهم هذا يؤدي إلى أن يكون الأول محتاجاً إلى الصفات
وربما هولوا بتقبيح العبارة من وجه آخر فقالوا: هذا يؤدي إلى أن يكون
стр. 86
الأول محتاجاً إلى هذه الصفات فلا يكون غنياً مطلقاً إذ الغني المطلق من لا يحتاج إلى غير ذاته.
قولنا بها يتم له الكمال !
وهذا كلام وعظي في غاية الركاكة، فإن صفات الكمال لا تباين ذات الكامل حتى يقال: إنه محتاج إلى غيره. فإذا لم يزل ولا يزال كاملاً بالعلم والقدرة والحياة فكيف يكون محتاجاً؟ أو كيف يجوز أن يعبر عن ملازمة الكمال بالحاجة وهو كقول القائل: الكامل من لا يحتاج إلى كمال؟ فالمحتاج إلى وجود صفات الكمال لذاته ناقص فيقال: لا معنى لكونه كاملاً إلا وجود الكمال لذاته. فكذلك لا معنى لكونه غنياً إلا وجود الصفات المنافية للحاجات لذاته. فكيف تنكر صفات الكمال التي بها تتم الإلهية بمثل هذه التخييلات اللفظية؟
قولهم فيحتاج إلى مركب فليس هو جسماً
فإن قيل: إذا أثبتم ذاتاً وصفة وحلولاً للصفة بالذات فهو تركيب، وكل تركيب يحتاج إلى مركب، ولذلك لم يجز أن يكون الأول جسماً لأنه مركب.
قولنا كله قديم الجسم حادث
قلنا: قول القائل: كل تركيب يحتاج إلى مركب، كقوله: كل موجود يحتاج إلى موجد، فيقال له: الأول موجود قديم لا علة له ولا موجد. فكذلك يقال: هو موصوف قديم ولا علة لذاته ولا لصفته ولا لقيام صفته بذاته بل الكل قديم بلا علة. وأما الجسم فإنما لم يجز أن يكون هو الأول لأنه حادث من حيث أنه لا يخلوا عن الحوادث، ومن لم يثبت له حدوث الجسم يلزمه أن يجوز أن تكون العلة الأولى جسماً كما سنلزمه عليكم من بعد.
فالأدلة باطلة وكل مسالكهم في هذه المسألة تخييلات.
لا يقدرون رد الجميع إلى نفس الذات
ثم إنهم لا يقدرون على رد جميع ما يثبتونه إلى نفس الذات. فإنهم أثبتوا كونه عالماً ويلزمهم أن يكون ذلك زائداً على مجرد الوجود فيقال لهم: أتسلمون أن الأول يعلم غير ذاته؟ ومنهم من يسلم ذلك ومنهم من قال: لا يعلم إلا ذاته.
стр. 87
علمه بالكليات ... فأما الأول فهو الذي اختاره ابن سينا. فإنه زعم أنه يعلم الأشياء كلها بنوع كلي لا يدخل تحت الزمان، ولا يعلم الجزئيات التي يوجب تجدد الإحاطة بها تغيراً في ذات العالم. فنقول: علم الأول بوجود كل الأنواع والأجناس التي لا نهاية لها عين علمه بنفسه أو غيره. فإن قلتم: إنه غيره، فقد أثبتم كثرة ونقضتم القاعدة. وإن قلتم: إنه عينه، لم تتميزوا عن من يدعي أن علم الإنسان بغيره عين علمه بنفسه وعين ذاته، ومن قال ذلك سفه في عقله.
... غير علمه بذاته وقيل: حد الشيء الواحد أن يستحيل في الوهم الجمع فيه بين النفي والإثبات. فالعلم بالشيء الواحد لما كان شيئاً واحداً استحال أن يتوهم في حالة واحدة موجوداً ومعدوماً، ولما لم يستحل في الوهم أن يقدر علم الإنسان بنفسه دون علمه بغيره قيل: إن علمه بغيره غير علمه بنفسه، إذ لو كان هو هو لكان نفيه نفياً له وإثباته إثباتاً له، إذ يستحيل أن يكون زيد موجوداً وزيد معدوماً، أعني هو بعينه في حالة واحدة، ولا يستحيل مثل ذلك في العلم بالغير مع العلم بنفسه. وكذى في علم الأول بذاته مع علمه بغيره إذ يمكن أن يتوهم وجود أحدهما دون الآخر، فهما إذن شيئان. ولا يمكن أن يتوهم وجود ذاته دون وجود ذاته. فلو كان الكل كذلك لكان هذا التوهم محالاً. فكل من اعترف من الفلاسفة بأن الأول يعرف غير ذاته فقد أثبت كثرة لا محالة.
قولهم كونه يعلم ذاته مبدأ للكل
يؤدي إلى أن يعلم الأشياء بالقصد الثاني
فإن قيل: هو لا يعلم الغير بالقصد الأول بل يعلم ذاته مبدأ للكل، فيلزمه العلم بالكل بالقصد الثاني إذ لا يمكن أن يعلم ذاته إلا مبدأ فإنه حقيقة ذاته، ولا يمكن أن يعلم ذاته مبدأ لغيره إلا ويدخل الغير في علمه بطريق التضمن واللزوم، ولا يبعد أن يكون لذاته لوازم. وذلك لا يوجب كثرة في ماهية الذات وإنما يمتنع أن يكون في نفس الذات كثرة.
стр. 88
قولنا علمه بوجود ذاته غير علمه بكونه مبدأ للكل
والجواب من وجوه: الأول أن قولكم: إنه يعلم ذاته مبدأ، تحكم، بل ينبغي أن يعلم وجود ذاته فقط. فأما العلم بكونه مبدأ يزيد على العلم بالوجود لأن المبدئية إضافة للذات ويجوز أن يعلم الذات ولا يعلم إضافته، ولو لم تكن المبدئية إضافة لتكثر ذاته وكان له وجود ومبدئية وهما شيئان. وكما يجوز أن يعرف الإنسان ذاته ولا يعلم كونه معلولاً إلى أن يعلم، لأن كونه معلولاً إضافة له إلى علته، فكذلك كونه علة إضافة له إلى معلوله. فالإلزام قائم في مجرد قولهم: إنه يعلم كونه مبدأ إذ فيه علم بالذات وبالمبدئية، وهو الإضافة والإضافة غير الذات، فالعلم بالإضافة غير العلم بالذات بالدليل الذي ذكرناه وهو أنه يمكن أن يتوهم العلم بالذات دون العلم بالمبدئية ولا يمكن أن يتوهم العلم بالذات دون العلم بالذات لأن الذات واحدة.
هناك معلومان، فهناك علمان الوجه الثاني هو أن قولهم: إن الكل معلوم له بالقصد الثاني، كلام غير معقول فإنه مهما كان علمه محيطاً بغيره كما يحيط بذاته كان له معلومان متغايران وكان له علم بهما، وتعدد المعلوم وتغايره يوجب تعدد العلم إذ يقبل أحد المعلومين الفصل عن الآخر في الوهم، فلا يكون العلم بأحدهما عين العلم بالآخر إذ لو كان لتعذر تقدير وجود أحدهما دون الآخر، وليس ثم آخر مهما كان الكل واحداً. فهذا لا يختلف بأن يعبر عنه بالقصد الثاني.
الكليات لا تتناهى! ثم ليت شعري كيف يقدم على نفي الكثرة من يقول: إنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض إلا أنه يعرف الكل بنوع كلي، والكليات المعلومة له لا تتناهى، فيكون العلم المتعلق بها مع كثرتها وتغايرها واحداً من كل وجه.
فابن سينا لا يحترز من لزوم "الكثرة"
وقد خالف ابن سينا في هذا غيره من الفلاسفة الذين ذهبوا إلى أنه لا يعلم إلا نفسه احترازاً من لزوم الكثرة. فكيف شاركهم في نفي الكثرة
стр. 89
ثم باينهم في إثبات العلم بالغير؟ ولما استحيا أن يقال: إن الله لا يعلم شيئاً أصلاً في الدنيا والآخرة وإنما يعلم نفسه فقط وأما غيره فيعرفه ويعرف أيضاً نفسه وغيره فيكون غيره أشرف منه في العلم.
فترك هذا حياء من هذا المذهب واستنكافاً منه، ثم لم يستحي من الإصرار على نفي الكثرة من كل وجه وزعم أن علمه بنفسه وبغيره بل وبجميع الأشياء هو ذاته من غير مزيد، وهو عين التناقض الذي استحيا منه سائر الفلاسفة لظهور التناقض فيه في أول النظر. فإذن ليس ينفك فريق منهم عن خزي في مذهب، وهكذى يفعل الله بمن ضل عن سبيله وظن أن الأمور الإلهية يستولي على كنهها بنظره وتخييله.
قولهم العلم يكون بمعرفة واحدة علم الأب والابن ...
فإن قيل: إذا ثبت أنه يعرف نفسه مبدأ على سبيل الإضافة فالعلم بالمضاف واحد، إذ من عرف الابن عرفه بمعرفة واحدة وفيه العلم بالأب وبالأبوة والبنوة ضمناً، فيكثر المعلوم ويتحد العلم. فكذلك هو يعلم ذاته مبدأ لغيره، فيتحد العلم وإن تعدد المعلوم. ثم إذا عقل هذا في معلول واحد وإضافته إليه ولم يوجب ذلك كثرة، فالزيادة فيما لا يوجب جنسه كثرة لا توجب كثرة.
العلم يكون بعلم الشيء وبعلم العلم بالشيء وكذلك من يعلم الشيء ويعلم علمه بالشيء فإنه يعلمه بذلك العلم. فكل علم هو علم بنفسه وبمعلومه فيتعدد المعلوم ويتحد العلم.
تقولون إن معلومات الله لا نهاية لها وعلمه واحد ويدل عليه أيضاً أنكم ترون أن معلومات الله لا نهاية لها وعلمه واحد ولا تصفونه بعلوم لا نهاية لأعدادها. فإن كان تعدد المعلوم يوجب تعدد ذات العلم فليكن في ذات الله علوم لا نهاية لأعدادها وهذا محال.
قولنا يقتضي ذلك كثرة أكثر مما إذا أضيف وجود إلى ماهية
قلنا: مهما كان العلم واحداً من كل وجه لم يتصور تعلقه بمعلومين، بل يقتضي ذلك كثرة ما على ما هو وضع الفلاسفة واصطلاحهم في تقدير الكثرة، حتى بالغوا فقالوا: لو كان للأول ماهية موصوفة بالوجود لكان لذلك كثرة. فلم يعقلوا شيئاً واحداً له حقيقية ثم يوصف بالوجود، بل زعموا
стр. 90
أن الوجود مضاف إلى الحقيقة وهو غريه فيقتضي كثرة. فعلى هذا الوجه لا يمكن تقدير علم يتعلق بمعلومات كثيرة إلا ويلزم فيه نوع كثرة أجلى وأبلغ من اللازم في تقدير وجود مضاف إلى ماهية.
القول الأول باطل ... وأما العلم بالابن وكذى سائر المضافات ففيه كثرة، إذ لا بد من العلم بذات الابن وذات الأب وهما علمان. وعلم ثالث وهو الإضافة. نعم هذا الثالث مضمن بالعلمين السابقين إذ هما من شرطه وضرورته وإلا فما لم يعلم المضاف أولاً لا تعلم الإضافة. فهي علوم متعددة بعضها مشروطة في البعض. فكذلك إذا علم الأول ذاته مضافاً إلى سائر الأجناس والأنواع بكونه مبدأ لها افتقر إلى أن يعلم ذاته وآحاد الأجناس وأن يعلم إضافة نفسه بالمبدئية إليها، وإلا لم يعقل كون الإضافة معلومة له.
... والثاني أيضاً ... وأما قولهم: إن من علم شيئاً علم كونه عالماً بذلك العلم بعينه فيكون المعلوم متعدداً والعلم واحداً، فليس كذلك بل يعلم كونه عالماً بعلم آخر وينتهي إلى علم يغفل عنه ولا يعلمه. ولا نقول: يتسلسل إلى غير نهاية، بل ينقطع على علم متعلق بمعلومه وهو غافل عن وجود العلم لا عن وجود المعلوم، كالذي يعلم السواد وهو في حال علمه مستغرق النفس بمعلومه الذي هو سواد وغافل عن علمه بالسواد وليس ملتفتاً إليه، فإن التفت إليه افتقر إلى علم آخر إلى أن ينقطع التفاته.
... وأما الثالث، فعليكم البرهان وأما قولهم: إن هذا ينقلب عليكم في معلومات الله فإنها غير متناهية والعلم عندكم واحد، فنقول: نحن لم نخض في هذا الكتاب خوض الممهدين بل خوض الهادمين المعترضين ولذلك سمينا الكتاب: تهافت الفلاسفة، لا تمهيد الحق. فليس يلزمنا هذا الجواب.
قولهم في الأمر إشكال على جميع الفرق
فإن قيل: إنا لا نلزمكم مذهب فرقة معينة من الفرق. فأما ما ينقلب على كافة الخلق وتستوي الأقدام في إشكاله فلا يجوز لكم إيراده، وهذا الإشكال منقلب عليكم ولا محيص لأحد من الفرق عنه.
قولنا المقصود تشكيككم في دعاويكم
قلنا: لا، بل المقصود تعجيزكم عن دعواكم معرفة حقائق الأمور بالبراهين
стр. 91
القطعية وتشكيككم في دعاويكم.
أنتم تعترضون على المؤمنين بالرسول ... وإذا ظهر عجزكم ففي الناس من يذهب إلى أن حقائق الأمور الإلهية لا تنال بنظر العقل، بل ليس في قوة البشر الإطلاع عليه. ولذلك قال صاحب الشرع: تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في ذات الله. فما إنكاركم على هذه الفرقة المعتقدة صدق الرسول بدليل المعجزة المقتصرة من قضية العقل على إثبات ذات المرسل المحترزة عن النظر في الصفات بنظر العقل المتبعة صاحب الشرع فيما أتى به من صفات الله المقتفية أثره في إطلاق العالم والمريد والقادر والحي المنتهية عن إطلاق ما لم يؤذن فيه المعترفة بالعجز عن درك العقل.
... ونحن نعترض عليكم! وإنما إنكاركم عليهم بنسبتهم إلى الجهل بمسالك البراهين ووجه ترتيب المقدمات على أشكال المقاييس ودعواكم أنا قد عرفنا ذلك بمسالك عقلية. وقد بان عجزكم وتهافت مسالككم وافتضاحكم في دعوى معرفتكم وهو المقصود من هذا البيان. فأين من يدعي أن براهين الإلهيات قاطعة كبراهين الهندسيات؟
قولهم الأول لم يعلم إلا نفسه
فإن قيل: هذا الإشكال إنما لزم على ابن سينا حيث زعم أن الأول يعلم غيره. فأما المحققون من الفلاسفة قد اتفقوا على أنه لا يعلم إلا نفسه، فيندفع هذا الإشكال.
قولنا كل واحد من العقلاء يعلم أشياء كثيرة !
فنقول: ناهيكم خزياً بهذا المذهب، ولولا أنه في غاية الركاكة لما استنكف المتأخرون عن نصرته. ونحن ننبه على وجه الخزي فيه، فإن فيه تفضيل معلولاته عليه، إذ الملك والإنسان وكل واحد من العقلاء يعرف نفسه ومبدأه ويعرف غيره، والأول لا يعرف إلا نفسه فهو ناقص بالإضافة إلى آحاد الناس فضلاً عن الملائكة، بل البهيمة مع شعورها بنفسها تعرف أموراً أخر سواها. ولا شك في أن العلم شرف وان عدمه نقصان. فأين قولهم: إنه عاشق ومعشوق لأن له البهاء الأكمل والجمال الأتم؟ وأي جمال لوجود بسيط لا ماهية له ولا حقيقة ولا خبر له مما يجري في العالم ولا مما يلزم
стр. 92
ذاته ويصدر منه؟ وأي نقصان في عالم الله يزيد على هذا؟ بلغ الفلاسفة هذا المبلغ! وليتعجب العاقل من طائفة يتعمقون في المعقولات بزعمهم ثم ينتهي آخر نظرهم إلى أن رب الأرباب ومسبب الأسباب لا علم له أصلاً بما يجري في العالم. وأي فرق بينه وبين الميت إلا في علمه بنفسه؟ وأي كمال في علمه بنفسه مع جهله بغيره؟ وهذا مذهب تغني صورته في الافتضاح عن الإطناب والإيضاح.
الذات غير العلم بالذات، كما في الإنسان ثم يقال لهؤلاء: لم تتخلصوا عن الكثرة مع اقتحام هذه المخازي أيضاً، فإنا نقول: علمه بذاته عين ذاته أو غير ذاته. فإن قلتم: إنه غيره، فقد جاءت الكثرة، وإن قلتم: إنه عينه، فما الفصل بينكم وبين قائل: إن علم الإنسان بذاته عين ذاته؟ وهو حماقة إذ يعقل وجود ذاته في حالة هو فيها غافل عن ذاته ثم تزول غفلته ويتنبه لذاته فيكون شعوره بذاته غير ذاته لا محالة.
قولهم الإنسان قد يطرى عليه العلم فيكون غيره
فإن قلتم: إن الإنسان قد يخلوا عن العلم بذاته فيطرى عليه فيكون غيره لا محالة.
قولنا يقدر طريان الذات
فنقول: الغيرية لا تعرف بالطريان والمقارنة فإن عين الشيء لا يجوز أن يطرى على الشيء، وغير الشيء إذا قارن الشيء لم يصر هو هو ولم يخرج عن كونه غيراً. فبأن كان الأول لم يزل عالماً بذاته لا يدل على أن علمه بذاته عين ذاته، ويتسع الوهم لتقدير الذات ثم طريان الشعور. ولو كان هو الذات بعينه لما تصور هذا التوهم.
قولهم ذاته عقل وعلم ...
فإن قيل: ذاته عقل وعلم فليس له ذات ثم علم قائم به.
قولنا يردون الله إلى حقائق الأغراض ! ...
قلنا: الحماقة ظاهرة في هذا الكلام، فإن العلم صفة وعرض يستدعي موصوفاً، وقول القائل: هو في ذاته عقل وعلم، كقوله: هو قدرة وإرادة وهو قائم بنفسه. ولو قيل: به، فهو كقول القائل في سواد وبياض: إنه قائم بنفسه، وفي كمية وتربيع وتثليث: إنه قائم بنفسه. وكذى في كل الأعراض. وبالطريق الذي يستحيل أن تقوم صفات الأجسام بنفسها دون جسم هو غير الصفات،
стр. 93
بعين ذلك الطريق يعلم أن صفات الأحياء من العلم والحياة والقدرة والإرادة أيضاً لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بذات. فالحياة تقوم بالذات فيكون حياته بها، وكذلك سائر الصفات. فإذن لم يقنعوا بسلب الأول سائر الصفات ولا بسلبه الحقيقة والماهية حتى سلبوه أيضاً القيام بنفسه وردوه إلى حقائق الأعراض والصفات التي لا قوام لها بنفسها.
стр. 94
.. ولا يقيمون الدليل على كونه عالماً ... وسنبين ذلك على أنا سنبين بعد هذا عجزهم عن إقامة الدليل على كونه عالماً بنفسه وبغيره في مسألة مفردة.
مسألة في إبطال قولهم أن الأول لا يجوز أن يشارك غيره في جنس
ويفارقه بفصل وأنه لا يتطرق إليه انقسام في حق العقل بالجنس والفصل
رأيهم
وقد اتفقوا على هذا وبنوا عليه أنه إذا لم يشارك غيره بمعنى جنسي لم ينفصل عنه بمعنى فصلي، فلم يكن له حد إذ الحد ينتظم من الجنس والفصل، وما لا تركيب فيه فلا حد له. وهذا نوع من التركيب. وزعموا أن قول القائل: أنه يساوي المعلول الأول في كونه موجوداً وجوهراً وعلة لغيره ويباينه بشيء آخر لا محالة، فليس هذا مشاركة
في الجنس بل هو مشاركة في لازم عام.
في الجنس
وفرق بين الجنس واللازم في الحقيقة وإن لم يفترقا في العموم على ما عرف في المنطق، فإن الجنس الذاتي هو العام المقول في جواب ما هو ويدخل في ماهية الشيء المحدود ويكون مقوماً لذاته. فكون الإنسان حياً داخل في ماهية الإنسان أعني الحيوانية فكان جنساً. وكونه مولوداً ومخلوقاً لازم له لا يفارقه قط ولكنه ليس داخلاً في الماهية.
وإن كان لازماً عاماً، ويعرف ذلك في المنطق معرفة لا يتمارى فيها.
قولهم إن الوجود لا يدخل في ماهية الأشياء ...
وزعموا أن الوجود لا يدخل قط في ماهية الأشياء بل هو مضاف إلى الماهية: إما لازماً لا يفارق كالسماء، أو وارداً بعد أن لم يكن كالأشياء الحادثة، فالمشاركة في الوجود ليس مشاركة في الجنس.
... ولا يدخل فيها "كونه علة" ... وأما مشاركته في كونه علة لغيره كسائر العلل فهو مشاركة في إضافة لازمة لا تدخل أيضاً في الماهية، فإن المبدئية والوجود لا يقوم واحد منهما الذات بل يلزمان الذات بعد تقوم الذات بأجزاء ماهيته. فليس المشاركة فيه إلا مشاركة في لازم عام يتبع الذات لزومه لا في جنس. ولذلك لا تحد الأشياء إلا بالمقومات، فإن حدث باللوازم كان ذلك رسماً للتمييز لا لتصوير حقيقة الشيء. فلا يقال في حد المثلث إنه الذي تساوي
стр. 95
زواياه القائمتين، وإن كان ذلك لازماً عاماً لكل مثلث، بل يقال إنه شكل يحيط به ثلاثة أضلاع.
... ولا يدخل فيها كونه جوهراً ... وكذلك المشاركة في كونه جوهراً، فإن معنى كونه جوهراً أنه موجود لا في موضوع، والموجود ليس بجنس. فبأن يضاف إليه أمر سلبي وهو أنه لا في موضوع فلا يصير جنساً مقوماً، بل لو أضيف إليه إيجابه وقيل موجود في موضوع لم يصر جنساً في العرض، وهذا لأن من عرف الجوهر بحده الذي هو كالرسم له وهو أنه موجود لا في موضوع فليس يعرف كونه موجوداً، فضلاً أن يعرف أنه في موضوع أو لا في موضوع، بل معنى قولنا في رسم الجوهر أنه الموجود لا في موضوع أي أنه حقيقة ما إذا وجد وجد لا في موضوع. ولسنا نعني به أنه موجود بالفعل حالة التحديد فليس المشاركة فيه مشاركة في جنس.
... بل الوجود الواجب هو للأول لا لغيره بل المشاركة في مقومات الماهية هي المشاركة في الجنس المحوج إلى المباينة بعده بالفصل وليس للأول ماهية سوى الوجود الواجب. فالوجود الواجب طبيعة حقيقية وماهية في نفسه هو له لا لغيره. وإذا لم يكن وجوب الوجود إلا له لم يشارك غيره فلم ينفصل عنه بفصل نوعي، فلم يكن له حد.
قولنا المطالبة
فهذا تفهيم مذهبهم. والكلام عليه من وجهين: مطالبة وإبطال. أما المطالبة فهو أن يقال: هذا حكاية المذهب، فبم عرفتم استحالة ذلك في حق الأول حتى بنيتم عليه نفي التثنية؟ إذ قلتم: إن الثاني ينبغي أن يشاركه في شيء ويباينه في شيء والذي فيه ما يشارك به وما يباين به فهو مركب والمركب محال.
أبطلنا إمكان التركيب في الأول فنقول: هذا النوع من التركيب من أين عرفتم استحالته؟ ولا دليل عليه
стр. 96
إلا قولكم المحكي عنكم في نفي الصفات وهو أن المركب من الجنس والفصل مجتمع من أجزاء، فإن كان يصح لواحد من الأجزاء أو الجملة وجود دون الآخر فهو واجب الوجود دون ما عداه، وإن كان لا يصح للأجزاء وجود دون المجتمع ولا للمجتمع وجود دون الأجزاء فالكل معلول محتاج. وقد تكلمنا عليه في الصفات وبينا أن ذلك ليس بمحال في قطع تسلسل العلل، والبرهان لم يدل على قطع التسلسل.
البرهان لا يدل إلا على قطع التسلسل فقط فأما العظائم التي اخترعوها في لزوم اتصاف واجب الوجود به فلم يدل عليه دليل. فإن كان واجب الوجود ما وصفوه به وهو أنه لا يكون فيه كثرة فلا يحتاج في قوامه إلى غيره، فلا دليل إذن على إثبات واجب الوجود وإنما الدليل دل على قطع التسلسل فقط، وهذا قد فرغنا منه في الصفات.
ليس بين الجنس والفصل مباينة تامة وهو في هذا النوع أظهر فإن انقسام الشيء إلى الجنس والفصل ليس كانقسام الموصوف إلى ذات وصفة، فإن الصفة غير الذات والذات غير الصفة والنوع ليس غير الجنس من كل وجه، فمهما ذكرنا النوع فقد ذكرنا الجنس وزيادة. وإذا ذكرنا الإنسان فلم نذكر إلا الحيوان مع زيادة نطق. فقول القائل: إن الإنسانية هل تستغني عن الحيوانية؟ كقوله: إن الإنسانية هل تستغني عن نفسها إذا انضم إليها شيء آخر؟ فهذا أبعد عن الكثرة من الصفة والموصوف.
إن لم تكن المباينة في الفصل ... ومن أي وجه يستحيل أن تنقطع سلسلة المعلولات على علتين إحديهما علة السموات والأخرى علة العناصر أو أحدهما علة العقول والآخر علة الأجسام كلها ويكون بينهما مباينة ومفارقة في المعنى كما بين الحمرة والحرارة في محل واحد؟ فإنهما يتباينان بالمعنى من غير أن نفرض في الحمرة تركيباً جنسياً وفصلياً بحيث يقبل الانفصال، بل إن كان فيه كثرة فهو نوع كثرة لا يقدح في وحدة الذات.
стр. 97
فمن أي وجه يستحيل هذا في العلل؟ وبهذا يتبين عجزهم عن نفي إلهين صانعين.
إما أن يكون هذا شرطاً في وجوب الوجود وإما أن لا يكون، ولا يصح في الحالين فإن قيل: إنما يستحيل هذا من حيث أن ما به من المباينة بين الذاتين إن كان شرطاً في وجوب الوجود فينبغي أن يوجد لكل واجب وجود فلا يتباينان، وإن لم يكن هذا شرطاً ولا الآخر شرطاً فكل ما لا يشترط في وجوب الوجود فوجوده مستغنى عنه ويتم وجوب الوجود بغيره.
قولنا يجب الكلام عن الموجود الذي لا علة له
قلنا: هذا عين ما ذكرتموه في الصفات وقد تكلمنا عليه. ومنشأ التلبيس في جميع ذلك في لفظ واجب الوجود، فليطرح فإنا لا نسلم أن الدليل يدل على واجب الوجود إن لم يكن المراد به موجود لا فاعل له قديم، وإن كان المراد هذا فليترك لفظ واجب الوجود وليبين أن موجوداً لا علة له ولا فاعل يستحيل فيه التعدد والتباين ولا يقوم عليه دليل.
بعض التباين هو شرط في "كون" اللون لوناً فيبقى قولهم: إن ذلك هل هو شرط في أن لا يكون له علة؟ فهو هوس فإن ما لا علة له قد بينا أنه لا يعلل كونه لا علة له حتى يطلب شرطه، أو هو كقول القائل: إن السوادية هل هي شرط في كون اللون لوناً؟ فإن كان شرطاً فلم كان الحمرة لوناً؟ فيقال: أما في حقيقته فلا يشترط واحد منهما، أعني ثبوت حقيقة اللونية في العقل، وأما في وجوده فالشرط أحدهما لا بعينه، أي لا يمكن جنس في الوجود إلا وله فصل.
стр. 98
فكذلك من يثبت علتين ويقطع التسلسل بهما فيقول: يتباينان بفصل، وأحد الفصول شرط الوجود لا محالة ولكن لا على التعين.
قولهم وجوب الوجود كوجود اللونية لا كماهيته
فإن قيل: هذا يجوز في اللون فإن له وجوداً مضافاً إلى الماهية زائداً على الماهية، ولا يجوز في واجب الوجود إذ ليس له إلا وجوب الوجود، وليس ثم ماهية يضاف الوجود إليها. وكما أن فصل السواد وفصل الحمرة لا يشترط للونية في كونها لونية إنما يشترط في وجودها الحاصل بعلة، فكذلك ينبغي أن لا يشترط في الوجود الواجب فإن الوجود الواجب للأول كاللونية للون لا كالوجود المضاف إلى اللونية.
قولنا كلا، وسيأتي الكلام عن الأمر
قلنا: لا نسلم، بل له حقيقة موصوفة بالوجود على ما سنبينه في المسألة التي بعده. وقولهم: إنه وجود بلا ماهية، خارج عن المعقول. ورجع حاصل الكلام إلى انهم بنوا نفي التثنية على نفي التركيب الجنسي والفصلي ثم بنوا ذاك على نفي الماهية وراء الوجود، فمهما أبطلنا الأخير الوجود، فمهما أبطلنا الأخير الذي هو أساس الأساس بطل عليهم الكل، وهو بنيان ضعيف الثبوت قريب من بيوت العنكبوت.
العقلية مشتركة بين الأول والمعلول الأول المسلك الثاني الإلزام وهو أنا نقول: إن لم يكن الوجود والجوهرية والمبدئية جنساً لأنه ليس مقولاً في جواب ما هو فالأول عندكم عقل مجرد، كما أن سائر العقول التي هي المبادئ للوجود المسمى بالملائكة عندهم التي هي معلومات الأول عقول مجردة عن المواد، فهذه الحقيقة تشمل الأول ومعلوله الأول فإن المعلول الأول أيضاً بسيط لا تركيب في ذاته إلا من حيث لوازمه وهما مشتركان في أن كل واحد عقل مجرد عن المادة وهذه حقيقة جنسية. فليس العقلية المجردة للذات من اللوازم بل هي الماهية وهذه الماهية مشتركة بين الأول وسائر العقول. فإن لم يباينها بشيء آخر فقد عقلتم اثنينية من غير مباينة، وإن باينها فما به المباينة غير ما به المشاركة
стр. 99
والعقلية.
وهذه المشاركة هي في ذات كليهما والمشاركة فيها مشاركة في الحقيقية فإن الأول عقل نفسه وعقل غيره عند من يرى ذلك من حيث أنه في ذاته عقل مجرد عن المادة، وكذى المعلول الأول وهو العقل الأول الذي أبدعه الله من غير واسطة مشارك في هذا المعنى، والدليل عليه أن العقول التي هي معلولات أنواع مختلفة وإنما اشتراكها في العقلية وافتراقها بفصول سوى ذلك، وكذلك الأول شارك جميعها في العقلية فهم فيه بين نقض القاعدة أو المصير إلى أن العقلية ليست مقومة للذات، وكلاهما محالان عندهم.
стр. 100
مسألة في إبطال قولهم إن وجود الأول بسيط
أي هو وجود محض ولا ماهية ولا حقيقة يضاف الوجود إليها بل الوجود الواجب له كالماهية لغيره
المطالبة بالدليل
والكلام عليه من وجهين: الأول المطالبة بالدليل فيقال: بم عرفتم ذلك؟ أبضرورة أو نظر؟ وليس بضروري فلا بد من ذكر طريق النظر.
قولهم يكون الوجود الواجب معلولاً وهو محال
فإن قيل: لأنه لو كان له ماهية لكان الوجود مضافاً إليها وتابعاً لها ولازماً لها والتابع معلول فيكون الوجود الواجب معلولاً وهو متناقض.
قولنا هو محال إذا لم يكن له علة فاعلية
فنقول: هذا رجوع إلى منبع التلبيس في إطلاق لفظ الوجود الواجب، فإنا نقول: له حقيقة وماهية وتلك الحقيقة موجودة أي ليست معدومة منفية ووجودها مضاف إليها، وإن أحبوا أن يسموه تابعاً ولازماً فلا مشاحة في الأسامي بعد أن يعرف أنه لا فاعل للوجود بل لم يزل هذا الوجود قديماً من غير علة فاعلية. فإن عنوا بالتابع والمعلول أن له علة فاعلية فليس كذلك، وإن عنوا غيره فهو مسلم ولا استحالة فيه إذ الدليل لم يدل إلا على قطع تسلسل العلل، وقطعه بحقيقة موجودة وماهية ثابتة ممكن فليس يحتاج فيه إلى سلب الماهية.
قولهم تكون الماهية سبباً فاعلاً
فإن قيل: فتكون الماهية سبباً للوجود الذي هو تابع له فيكون الوجود معلولاً ومفعولاً.
قولنا أي أنه لا يستغنى عنه
قلنا: الماهية في الأشياء الحادثة لا تكون سبباً للوجود فكيف في القديم؟ إن عنوا بالسبب الفاعل له وإن عنوا به وجهاً آخر وهو أنه لا يستغنى
стр. 101
عنه فليكن كذلك فلا استحالة فيه، إنما الإستحالة في تسلسل العلل فإذا انقطع فقد اندفعت الإستحالة، وما عدى ذلك لم تعرف استحالته فلا بد من برهان على استحالته. وكل براهينهم تحكمات مبناها على أخذ لفظ واجب الوجود بمعنى له لوازم وتسلم أن الدليل قد دل على واجب الوجود بالنعت الذي وصفوه وليس كذلك كما سبق.
من الضلال أن يقال إن كل ماهية موجودة فمتكثرة وعلى الجملة دليلهم في هذا يرجع إلى دليل نفي الصفات ونفي الإنقسام الجنسي والفصلي، إلا أنه أغمض وأضعف لأن هذه الكثرة لا ترجع إلا إلى مجرد اللفظ وإلا فالعقل يتسع لتقدير ماهية واحدة موجودة وهو يقولون: كل ماهية موجودة فمتكثرة إذ فيه ماهية ووجود. وهذا غاية الضلال فإن الموجود الواحد معقول بكل حال ولا موجود إلا وله حقيقة ووجود الحقيقة لا ينفي الوحدة.
وجود بلا ماهية ولا حقيقة غير معقول المسلك الثاني هو أن نقول: وجود بلا ماهية ولا حقيقة غير معقول، وكما لا نعقل عدماً مرسلاً إلا بالإضافة إلى موجود يقدر عدمه فلا نعقل وجود مرسلاً إلا بالإضافة إلى حقيقة معينة، لا سيما إذا تبين ذاتاً واحدة، فكيف يتعين واحداً متميزاً عن غيره بالمعنى ولا حقيقة له؟ فإن نفي الماهية نفي للحقيقة وإذا نفى حقيقة الموجود لم يعقل الوجود، فكأنهم قالوا: وجود ولا موجود، وهو متناقض.
لا يعقل في المعلول نفي الماهية من الوجود ويدل عليه أنه لو كان هذا معقولاً لجاز أن يكون في المعلولات وجود لا حقيقة له يشارك الأول في كونه لا حقيقة ولا ماهية له ويباينه في أن له علة، والأول لا علة له، فلم لا يتصور هذا في المعلولات؟ وهل له سبب إلا أنه غير معقول في نفسه؟ وما لا يعقل في نفسه فبأن ينفي علته لا يصير معقولاً، وما يعقل فبأن يقدر له علة لا يخرج عن كونه معقولاً. والتناهي إلى هذا الحد غاية ظلماتهم فقد ظنوا أنهم
стр. 102
ينزهون فيما يقولون فانتهى كلامهم إلى النفي المجرد، فإن نفي الماهية نفي للحقيقة ولا يبقى مع نفي الحقيقة إلا لفظ الوجود ولا مسمى له أصلاً إذا لم يضف إلى ماهية.
قولهم ماهيته هي أنه واجب
فإن قيل: حقيقته أنه واجب وهو الماهية.
قولنا الوجود غير المعلول لا يستغني عن الماهية
قلنا: ولا معنى للواجب إلا نفي العلة وهو سلب لا يتقوم به حقيقة ذات، ونفي العلة عن الحقيقة لازم الحقيقة، فلتكن الحقيقة معقولة حتى توصف بأنه لا علة لها ولا يتصور عدمها إذ لا معنى للوجوب إلا هذا. على أن الوجوب إن زاد على الوجود فقد جاءت الكثرة، وإن لم يزد فكيف يكون هو الماهية والوجود ليس بماهية؟ فكذى ما لا يزيد عليه.
стр. 103
مسألة في تعجيزهم عن إقامة الدليل
على أن الأول ليس بجسم
قولنا وما الأمر إذا كان الأول جسماً قديماً ؟
فنقول: هذا إنما يستقيم لمن يرى أن الجسم حادث من حيث أنه لا يخلوا عن الحوادث، وكل حادث فيفتقر إلى محدث. فأما أنتم إذا عقلتم جسماً قديماً لا أول لوجوده مع أنه لا يخلوا عن الحوادث فلم يمتنع أن يكون الأول جسماً إما الشمس وإما الفلك الأقصى وإما غيره؟
قولهم الأول لا يقبل القسمة والجسم لا يكون إلا مركباً
فإن قيل: لأن الجسم لا يكون إلا مركباً منقسماً إلى جزئين بالكمية وإلى الهيولى والصورة بالقسمة المعنوية وإلى أوصاف يختص بها لا محالة حتى يباين سائر الأجسام، وإلا فالأجسام متساوية في أنها أجسام وواجب الوجود واحد لا يقبل القسمة بهذه الوجوه.
قولنا أبطلنا هذا فيما سبق
قلنا: وقد أبطلنا هذا عليكم وبينا أنه لا دليل لكم عليه سوى أن المجتمع إذا افتقر بعض أجزائه إلى البعض كان معلولاً. وقد تكلمنا عليه وبينا أنه إذا لم يبعد تقدير موجود لا موجد له لم يبعد تقدير مركب لا مركب له وتقدير موجودات لا موجد لها، إذ نفي العدد والتثنية بنيتموه على نفي التركيب ونفي التركيب على نفي الماهية سوى الوجود وما هو الأساس الأخير فقد استأصلناه وبينا تحكمكم فيه.
قولهم الجسم بلا نفس لا يكون فاعلاً
وإن كان له نفس فنفسه علة له
فإن قيل: الجسم إن لم يكن له نفس لا يكون فاعلاً وإن كان له نفس فنفسه علة له فلا يكون الجسم أولاً.
قولنا كلا
قلنا: نفسنا ليس علة لوجود جسمنا ولا نفس الفلك بمجردها علة
стр. 104
لوجود جسمه عندكم بل هما يوجدان بعلة سواهما فإذا جاز وجودهما قديماً جاز أن لا يكون لهما علة.
قولهم كيف اتفق اجتماعهما ؟
فإن قيل: كيف اتفق اجتماع النفس والجسم؟
قولنا وما المانع إذا كانا قديمين ؟
قلنا: هو كقول القائل: كيف اتفق وجود الأول؟ فيقال: هذا سؤال عن حادث فأما ما لم يزل موجوداً فلا يقال كيف اتفق. فكذلك الجسم ونفسه إذا لم يزل كل واحد موجوداً لم يبعد أن يكون صانعاً؟
قولهم لأن الجسم لا يخلق غيره
والنفس لا تخلق إلا بواسطة الجسم
فإن قيل: لأن الجسم من حيث أنه جسم لا يخلق غيره والنفس المتعلقة بالجسم لا تفعل إلا بواسطة الجسم ولا يكون الجسم واسطة للنفس في خلق الأجسام ولا في إبداع النفوس وأشياء لا تناسب الأجسام.
قولنا هذا أمر لا يدل عليه برهان
قلنا: ولم لا يجوز أن يكون في النفوس نفس تختص بخاصية تتهيأ بها لأن توجد الأجسام وغير الأجسام منها؟ فاستحالة ذلك لا يعرف ضرورة ولا برهان يدل عليه، إلا أنه لم نشاهد من هذه الأجسام المشاهدة وعدم المشاهدة لا يدل على الاستحالة فقد أضافوا إلى الموجود الأول بما لا يضاف إلى موجود أصلاً، ولم نشاهد من غيره وعدم المشاهدة من غيره لا يدل على استحالته منه فكذى في نفس الجسم والجسم.
قولهم الجسم يقدر بمقدار
فإن قيل: الجسم الأقصى أو الشمس أو ما قدر من الأجسام فهو متقدر بمقدار يجوز أن يزيد عليه وينقص منه فيفتقر اختصاصه بذلك المقدار الجائز إلى مخصص فلا يكون أولاً.
قولنا وهذا المقدار يكون على حسب نظام الكل
قلنا: بم تنكرون على من يقول: إن ذلك الجسم يكون على مقدار يجب أن يكون عليه لنظام الكل ولو كان أصغر منه أو أكبر لم يجز؟ كما أنكم قلتم: إن المعلول الأول يفيض الجرم الأقصى منه متقدراً بمقدار وسائر المقادير بالنسبة إلى ذات المعلول الأول متساوية ولكن تعين بعض
стр. 105
المقادير لكون النظام متعلقاً به، فوجب المقدار الذي وقع ولم يجز خلافه، فكذى إذا قدر غير معلول.
قولنا إذا أثبتم مبدأ للتخصيص
اضطررتم إلى تجويز التخصيص بغير علة
بل لو أثبتوا في المعلول الأول الذي هو علة الجرم الأقصى عندهم مبدأ للتخصيص مثل إرادة مثلاً لم ينقطع السؤال إذ يقال: ولم أراد هذا المقدار دون غيره؟ كما ألزموه على المسلمين في إضافتهم الأشياء إلى الإرادة القديمة، وقد قلبنا عليهم ذلك في تعين جهة حركة السماء وفي تعين نقطتي القطبين.
فليطلق ذلك على غير المعلول أيضاً
فإذا بان أنهم مضطرون إلى تجويز تميز الشيء عن مثله في الوقوع بعلة فتجويزه بغير علة كتجويزه بعلة إذ لا فرق بين أن يتوجه السؤال في نفس الشيء فيقال: لم اختص بهذا القدر؟ وبين أن يتوجه في العلة فيقال: ولم خصصه بهذا القدر عن مثله؟ فإن أمكن دفع السؤال عن العلة بأن هذا المقدار ليس مثل غيره إذ النظام مرتبط به دون غيره أمكن دفع السؤال عن نفس الشيء ولم يفتقر إلى علة، وهذا لا مخرج عنه فإن هذا المقدار المعين الواقع إن كان مثل الذي لم يقع فالسؤال متوجه أنه كيف ميز الشيء عن مثله، خصوصاً على أصلهم وهم ينكرون الإرادة المميزة، وإن لم يكن مثلاً له فلا يثبت الجواز بل يقال: وقع كذلك قديماً كما وقعت العلة القديمة بزعمهم.
راجع ما سبق
وليستمد الناظر في هذا الكلام مما أوردناه لهم من توجيه السؤال في الإرادة القديمة وقلبنا ذلك عليهم في نقطة القطب وجهة حركة الفلك.
الخاتمة
وتبين بهذا أن من لا يصدق بحدوث الأجسام فلا يقدر على إقامة دليل على أن الأول ليس بجسم أصلاً.
стр. 106
مسألة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن للعالم صانعاً وعلة
قولنا ما المانع أن يقال عن الجسم القديم أنه بغير علة ؟
فنقول: من ذهب إلى أن كل جسم فهو حادث لأنه لا يخلوا عن الحوادث عقل مذهبهم في قولهم: إنه يفتقر إلى صانع وعلة. وأما أنتم فما الذي يمنعكم من مذهب الدهرية وهو أن العالم قديم؟ كذلك ولا علة له ولا صانع وإنما العلة للحوادث وليس يحدث في العالم جسم ولا ينعدم جسم وإنما تحدث الصور والأعراض، فإن الأجسام هي السموات وهي قديمة والعناصر الأربعة التي هي حشو فلك القمر وأجسامها وموادها قديمة وإنما تتبدل عليها الصور بالامتزاجات والاستحالات وتحدث النفوس الإنسانية والنباتية، وهذه الحوادث تنتهي عللها إلى الحركة الدورية والحركة الدورية قديمة ومصدرها نفس قديمة للفلك، فإذن لا علة للعالم ولا صانع لأجسامه بل هو كما هو عليه لم يزل قديماً كذلك بلا علة أعني الأجسام. فما معنى قولهم إن هذه الأجسام وجودها بعلة وهي قديمة؟
قولهم لا يكون واجب الوجود وهو محال
فإن قيل: كل ما لا علة له فهو واجب الوجود وقد ذكرنا من صفات واجب الوجود ما تبين به أن الجسم لا يكون واجب الوجود.
قولنا بل ينقطع تسلسل العلل
قلنا: وقد بينا فساد ما ادعيتموه من صفات واجب الوجود وأن البرهان لا يدل إلا على قطع السلسلة، وقد انقطع عند الدهري في أول الأمر إذ يقول: لا علة للأجسام وأما الصور والأعراض فبعضها علة للبعض إلى أن تنتهي إلى الحركة الدورية وهي بعضها سبب للبعض، كما هو مذهب
стр. 107
الفلاسفة، وينقطع تسلسلها بها. ومن تأمل ما ذكرناه علم عجز كل من يعتقد قدم الأجسام عن دعوى علة لها ولزمه الدهر والإلحاد كما صرح به فريق فهم الذين وفوا بمقتضى نظر هؤلاء.
قولهم الأجسام غير واجبة الوجود فهي ممكنة
فإن قيل: الدليل عليه أن هذه الأجسام إما أن كانت واجبة الوجود وهو محال، وإما أن كانت ممكنة وكل ممكن يفتقر إلى علة.
قولنا ولم لا تكون بغير علة ؟
قلنا: لا يفهم لفظ واجب الوجود وممكن الوجود، فكل تلبيساتهم مغباة في هاتين اللفظتين. فلنعدل إلى المفهوم وهو نفي العلة وإثباته، فكأنهم يقولون: هذه الأجسام لها علة أم لا علة لها، فيقول الدهري: لا علة لها، فما المستنكر؟ وإذا عني بالإمكان هذا فنقول: إنه واجب وليس بممكن. وقولهم: الجسم لا يمكن أن يكون واجباً، تحكم لا أصل له.
قولهم إن الأجزاء تكون سابقة في الذات على الجملة
فإن قيل: لا ينكر أن الجسم له أجزاء وأن الجملة إنما تتقوم بالأجزاء وأن الأجزاء تكون سابقة في الذات على الجملة.
قولنا لا يمكنكم الرد على إبطال الكثرة
قلنا: ليكن كذلك فالجملة تقومت بالأجزاء واجتماعها ولا علة للأجزاء ولا لاجتماعها بل هي قديمة كذلك بلا علة فاعلية. فلا يمكنهم رد هذا إلا بما ذكروه من لزوم نفي الكثرة عن الموجود الأول وقد أبطلناه عليهم ولا سبيل لهم سواه.
الخاتمة
فبان أن من لا يعتقد حدوث الأجسام فلا أصل لاعتقاده في الصانع أصلاً.
стр. 108
مسألة في تعجيز من يرى منهم أن الأول يعلم غيره
ويعلم الأنواع والأجناس بنوع كلي
قولنا دليل المسلمين دليل صحيح ...
فنقول: أما المسلمون، لما انحصر عندهم الوجود في حادث وفي قديم ولم يكن عندهم قديم إلا الله وصفاته وكان. ما عداه حادثاً من جهته بإرادته، حصل عندهم مقدمة ضرورية في علمه، فإن المراد بالضرورة لا بد وأن يكون معلوماً للمريد، فبنوا عليه أن الكل معلوم له لأن الكل مراد له وحادث بإرادته، فلا كائن إلا وهو حادث بإرادته ولم يبق إلا ذاته، ومهما ثبت أنه مريد عالم بما أراده فهو حي بالضرورة وكل حي يعرف غيره، فهو بأن يعرف ذاته أولى، فصار الكل عندهم معلوماً لله وعرفوه بهذا الطريق بعد أن بان لهم أنه مريد لإحداث العالم.
وأما أنتم، فما هو دليلكم ؟
فأما أنتم فإذا زعمتم أن العالم قديم لم يحدث بإرادته فمن أين عرفتم أنه يعرف غير ذاته؟ فلا بد من الدليل عليه.
قولهم الموجود لا في مادة يعقل جميع المعقولات
وحاصل ما ذكره ابن سينا في تحقيق ذلك في إدراج كلامه يرجع إلى فنين:
الفن الأول: أن الأول موجود لا في مادة، وكل موجود لا في مادة فهو عقل محض، وكل ما هو عقل محض فجميع المعقولات مكشوفة له فإنه المانع عن درك الأشياء كلها التعلق بالمادة والاشتغال بها، ونفس الآدمي مشغول بتدبير المادة أي البدن وإذا انقطع شغله بالموت ولم يكن قد
стр. 109
تدنس بالشهوات البدنية والصفات الرذيلة المتعدية إليه من الأمور الطبيعية انكشف له حقائق المعقولات كلها. ولذلك قضى بأن الملائكة كلهم يعرفون جميع المعقولات ولا يشذ عنهم شيء لأنهم أيضاً عقول مجردة لا في مادة.
قولنا النتيجة تحتاج إلى برهان
فنقول: قولكم: الأول موجود لا في مادة، إن كان المعنى به أنه ليس بجسم ولا هو منطبع في جسم بل هو قائم بنفسه من غير تحيز واختصاص بجهة فهو مسلم. فيبقى قولكم: وما هذا صفته فهو عقل مجرد، فماذا تعني بالعقل إن عنيت ما يعقل سائر الأشياء؟ فهذا نفس المطلوب وموضع النزاع فكيف أخذته في مقدمات قياس المطلوب؟ وإن عنيت به غيره وهو أنه يعقل نفسه فربما يسلم لك إخوانك من الفلاسفة ذلك ولكن يرجع حاصله إلى أن ما يعقل نفسه يعقل غيره فيقال: ولم ادعيت هذا؟ وليس ذلك بضروري وقد انفرد به ابن سينا عن سائر الفلاسفة فكيف تدعيه ضرورياً وإن كان نظرياً فما البرهان عليه؟
قولهم المادة مانع من درك الأشياء
فإن قيل: لأن المانع من درك الأشياء المادة ولا مادة.
قولنا المانع والمادة لا يتفقان
فنقول: نسلم أنه مانع ولا نسلم أنه المانع فقط. وينتظم قياسهم على شكل القياس الشرطي وهو أن يقال: إن كان هذا في المادة فهو لا يعقل الأشياء ولكنه ليس في المادة فإذن يعقل الأشياء. فهذا استثناء نقيض المقدم واستثناء نقيض المقدم غير منتج بالاتفاق وهو كقول القائل: إن كان هذا إنساناً فهو حيوان لكنه ليس بإنسان فإذن ليس بحيوان. فهذا لا يلزم إذ ربما لا يكون إنساناً ويكون فرساً فيكون حيواناً. نعم استثناء نقيض المقدم ينتج نقيض التالي على ما ذكر في المنطق بشرط وهو ثبوت انعكاس التالي على المقدم وذلك بالحصر وهو كقولهم: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود لكن الشمس ليست طالعة
стр. 110
فالنهار غير موجود لأن وجود النهار لا سبب له سوى طلوع الشمس فكان أحدهما منعكساً على الآخر. وبيان هذه الأوضاع والألفاظ يفهم في كتاب مدارك العقول الذي صنفناه مضموماً إلى هذا الكتاب.
قولهم يتفقان
فإن قيل: فنحن ندعي التعاكس وهو أن المانع محصور في المادة فلا مانع سواه.
قولنا فما الدليل عليه ؟
قلنا: وهذا تحكم فما الدليل عليه؟
قولهم الكل من فعل الأول
الفن الثاني قوله: إنا وإن لم نقل: إن الأول مريد الأحداث ولا إن الكل حادث حدوثاً زمانياً، فإنا نقول: إنه فعله وقد وجد منه إلا أنه لم يزل بصفة الفاعلين فلم يزل فاعلاً فلا نفارق غيرنا إلا في هذا القدر، وأما في أصل الفعل فلا، وإذا وجب الفاعل عالماً بالاتفاق فعله فالكل عندنا من فعله.
قولنا ففعله لازم
والجواب من وجهين: أحدهما أن الفعل قسمان: إرادي كفعل الحيوان والإنسان، وطبيعي كفعل الشمس في الإضاءة والنار في التسخين والماء في التبريد. وإنما يلزم العلم بالفعل في الفعل الإرادي كما في الصناعات البشرية، وأما الفعل الطبيعي فلا. وعندكم إن الله فعل العالم بطريق اللزوم عن ذاته بالطبع والاضطرار لا بطريق الإرادة والاختيار، بل لزم الكل ذاته كما يلزم النور الشمس، وكما لا قدرة للشمس على كف النور ولا للنار على كف التسخين
следующие страницы →