Полный текст (216 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
مسألة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن للعالم صانعاً وعلة
قولنا ما المانع أن يقال عن الجسم القديم أنه بغير علة ؟
فنقول: من ذهب إلى أن كل جسم فهو حادث لأنه لا يخلوا عن الحوادث عقل مذهبهم في قولهم: إنه يفتقر إلى صانع وعلة. وأما أنتم فما الذي يمنعكم من مذهب الدهرية وهو أن العالم قديم؟ كذلك ولا علة له ولا صانع وإنما العلة للحوادث وليس يحدث في العالم جسم ولا ينعدم جسم وإنما تحدث الصور والأعراض، فإن الأجسام هي السموات وهي قديمة والعناصر الأربعة التي هي حشو فلك القمر وأجسامها وموادها قديمة وإنما تتبدل عليها الصور بالامتزاجات والاستحالات وتحدث النفوس الإنسانية والنباتية، وهذه الحوادث تنتهي عللها إلى الحركة الدورية والحركة الدورية قديمة ومصدرها نفس قديمة للفلك، فإذن لا علة للعالم ولا صانع لأجسامه بل هو كما هو عليه لم يزل قديماً كذلك بلا علة أعني الأجسام. فما معنى قولهم إن هذه الأجسام وجودها بعلة وهي قديمة؟
قولهم لا يكون واجب الوجود وهو محال
فإن قيل: كل ما لا علة له فهو واجب الوجود وقد ذكرنا من صفات واجب الوجود ما تبين به أن الجسم لا يكون واجب الوجود.
قولنا بل ينقطع تسلسل العلل
قلنا: وقد بينا فساد ما ادعيتموه من صفات واجب الوجود وأن البرهان لا يدل إلا على قطع السلسلة، وقد انقطع عند الدهري في أول الأمر إذ يقول: لا علة للأجسام وأما الصور والأعراض فبعضها علة للبعض إلى أن تنتهي إلى الحركة الدورية وهي بعضها سبب للبعض، كما هو مذهب
стр. 107
الفلاسفة، وينقطع تسلسلها بها. ومن تأمل ما ذكرناه علم عجز كل من يعتقد قدم الأجسام عن دعوى علة لها ولزمه الدهر والإلحاد كما صرح به فريق فهم الذين وفوا بمقتضى نظر هؤلاء.
قولهم الأجسام غير واجبة الوجود فهي ممكنة
فإن قيل: الدليل عليه أن هذه الأجسام إما أن كانت واجبة الوجود وهو محال، وإما أن كانت ممكنة وكل ممكن يفتقر إلى علة.
قولنا ولم لا تكون بغير علة ؟
قلنا: لا يفهم لفظ واجب الوجود وممكن الوجود، فكل تلبيساتهم مغباة في هاتين اللفظتين. فلنعدل إلى المفهوم وهو نفي العلة وإثباته، فكأنهم يقولون: هذه الأجسام لها علة أم لا علة لها، فيقول الدهري: لا علة لها، فما المستنكر؟ وإذا عني بالإمكان هذا فنقول: إنه واجب وليس بممكن. وقولهم: الجسم لا يمكن أن يكون واجباً، تحكم لا أصل له.
قولهم إن الأجزاء تكون سابقة في الذات على الجملة
فإن قيل: لا ينكر أن الجسم له أجزاء وأن الجملة إنما تتقوم بالأجزاء وأن الأجزاء تكون سابقة في الذات على الجملة.
قولنا لا يمكنكم الرد على إبطال الكثرة
قلنا: ليكن كذلك فالجملة تقومت بالأجزاء واجتماعها ولا علة للأجزاء ولا لاجتماعها بل هي قديمة كذلك بلا علة فاعلية. فلا يمكنهم رد هذا إلا بما ذكروه من لزوم نفي الكثرة عن الموجود الأول وقد أبطلناه عليهم ولا سبيل لهم سواه.
الخاتمة
فبان أن من لا يعتقد حدوث الأجسام فلا أصل لاعتقاده في الصانع أصلاً.
стр. 108
مسألة في تعجيز من يرى منهم أن الأول يعلم غيره
ويعلم الأنواع والأجناس بنوع كلي
قولنا دليل المسلمين دليل صحيح ...
فنقول: أما المسلمون، لما انحصر عندهم الوجود في حادث وفي قديم ولم يكن عندهم قديم إلا الله وصفاته وكان. ما عداه حادثاً من جهته بإرادته، حصل عندهم مقدمة ضرورية في علمه، فإن المراد بالضرورة لا بد وأن يكون معلوماً للمريد، فبنوا عليه أن الكل معلوم له لأن الكل مراد له وحادث بإرادته، فلا كائن إلا وهو حادث بإرادته ولم يبق إلا ذاته، ومهما ثبت أنه مريد عالم بما أراده فهو حي بالضرورة وكل حي يعرف غيره، فهو بأن يعرف ذاته أولى، فصار الكل عندهم معلوماً لله وعرفوه بهذا الطريق بعد أن بان لهم أنه مريد لإحداث العالم.
وأما أنتم، فما هو دليلكم ؟
فأما أنتم فإذا زعمتم أن العالم قديم لم يحدث بإرادته فمن أين عرفتم أنه يعرف غير ذاته؟ فلا بد من الدليل عليه.
قولهم الموجود لا في مادة يعقل جميع المعقولات
وحاصل ما ذكره ابن سينا في تحقيق ذلك في إدراج كلامه يرجع إلى فنين:
الفن الأول: أن الأول موجود لا في مادة، وكل موجود لا في مادة فهو عقل محض، وكل ما هو عقل محض فجميع المعقولات مكشوفة له فإنه المانع عن درك الأشياء كلها التعلق بالمادة والاشتغال بها، ونفس الآدمي مشغول بتدبير المادة أي البدن وإذا انقطع شغله بالموت ولم يكن قد
стр. 109
تدنس بالشهوات البدنية والصفات الرذيلة المتعدية إليه من الأمور الطبيعية انكشف له حقائق المعقولات كلها. ولذلك قضى بأن الملائكة كلهم يعرفون جميع المعقولات ولا يشذ عنهم شيء لأنهم أيضاً عقول مجردة لا في مادة.
قولنا النتيجة تحتاج إلى برهان
فنقول: قولكم: الأول موجود لا في مادة، إن كان المعنى به أنه ليس بجسم ولا هو منطبع في جسم بل هو قائم بنفسه من غير تحيز واختصاص بجهة فهو مسلم. فيبقى قولكم: وما هذا صفته فهو عقل مجرد، فماذا تعني بالعقل إن عنيت ما يعقل سائر الأشياء؟ فهذا نفس المطلوب وموضع النزاع فكيف أخذته في مقدمات قياس المطلوب؟ وإن عنيت به غيره وهو أنه يعقل نفسه فربما يسلم لك إخوانك من الفلاسفة ذلك ولكن يرجع حاصله إلى أن ما يعقل نفسه يعقل غيره فيقال: ولم ادعيت هذا؟ وليس ذلك بضروري وقد انفرد به ابن سينا عن سائر الفلاسفة فكيف تدعيه ضرورياً وإن كان نظرياً فما البرهان عليه؟
قولهم المادة مانع من درك الأشياء
فإن قيل: لأن المانع من درك الأشياء المادة ولا مادة.
قولنا المانع والمادة لا يتفقان
فنقول: نسلم أنه مانع ولا نسلم أنه المانع فقط. وينتظم قياسهم على شكل القياس الشرطي وهو أن يقال: إن كان هذا في المادة فهو لا يعقل الأشياء ولكنه ليس في المادة فإذن يعقل الأشياء. فهذا استثناء نقيض المقدم واستثناء نقيض المقدم غير منتج بالاتفاق وهو كقول القائل: إن كان هذا إنساناً فهو حيوان لكنه ليس بإنسان فإذن ليس بحيوان. فهذا لا يلزم إذ ربما لا يكون إنساناً ويكون فرساً فيكون حيواناً. نعم استثناء نقيض المقدم ينتج نقيض التالي على ما ذكر في المنطق بشرط وهو ثبوت انعكاس التالي على المقدم وذلك بالحصر وهو كقولهم: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود لكن الشمس ليست طالعة
стр. 110
فالنهار غير موجود لأن وجود النهار لا سبب له سوى طلوع الشمس فكان أحدهما منعكساً على الآخر. وبيان هذه الأوضاع والألفاظ يفهم في كتاب مدارك العقول الذي صنفناه مضموماً إلى هذا الكتاب.
قولهم يتفقان
فإن قيل: فنحن ندعي التعاكس وهو أن المانع محصور في المادة فلا مانع سواه.
قولنا فما الدليل عليه ؟
قلنا: وهذا تحكم فما الدليل عليه؟
قولهم الكل من فعل الأول
الفن الثاني قوله: إنا وإن لم نقل: إن الأول مريد الأحداث ولا إن الكل حادث حدوثاً زمانياً، فإنا نقول: إنه فعله وقد وجد منه إلا أنه لم يزل بصفة الفاعلين فلم يزل فاعلاً فلا نفارق غيرنا إلا في هذا القدر، وأما في أصل الفعل فلا، وإذا وجب الفاعل عالماً بالاتفاق فعله فالكل عندنا من فعله.
قولنا ففعله لازم
والجواب من وجهين: أحدهما أن الفعل قسمان: إرادي كفعل الحيوان والإنسان، وطبيعي كفعل الشمس في الإضاءة والنار في التسخين والماء في التبريد. وإنما يلزم العلم بالفعل في الفعل الإرادي كما في الصناعات البشرية، وأما الفعل الطبيعي فلا. وعندكم إن الله فعل العالم بطريق اللزوم عن ذاته بالطبع والاضطرار لا بطريق الإرادة والاختيار، بل لزم الكل ذاته كما يلزم النور الشمس، وكما لا قدرة للشمس على كف النور ولا للنار على كف التسخين
стр. 111
فلا قدرة للأول على الكف عن أفعاله تعالى عن قولهم علواً كبيراً وهذا النمط وإن تجوز بتسميته فعلاً فلا يقتضي علماً للفاعل أصلاً.
قولهم النظام الكلي صادر عن العلم
فإن قيل: بين الأمرين فرق وهو إن صدر الكل عن ذاته بسبب علمه بالكل فتمثل النظام الكلي هو سبب فيضان الكل ولا مبدأ له سوى العلم بالكل والعلم بالكل عين ذاته فلو لم يكن له علم بالكل لما وجد منه الكل بخلاف النور من الشمس.
قولنا إذا نفيت الإرادة، فما المانع أن يحال هذا المذهب ؟
قلنا: وفي هذا خالفك إخوانك فإنهم قالوا: ذاته ذات يلزم منه وجود الكل على ترتيبه بالطبع والاضطرار لا من حيث أنه عالم بها، فما المحيل لهذا المذهب مهما وافقتهم على نفي الإرادة؟ ولما لم يشترط علم الشمس بالنور للزوم النور بل يتبعه النور ضرورة؟ فليقدر ذلك في الأول ولا مانع منه.
يقتصر علم الأول على علم المعلول الأول وهو محال
الوجه الثاني هو أنه إن سلم أن صدور الشيء من الفاعل يقتضي العلم أيضاً بالصادر فعندهم فعل الله واحد وهو المعلول الأول الذي هو عقل بسيط فينبغي أن لا يكون عالماً إلا به، والمعلول الأول يكون عالماً أيضاً بما صدر منه فقط فإن الكل لم يوجد من الله دفعة بل بالوساطة والتولد واللزوم، فالذي يصدر مما يصدر منه لم ينبغي أن يكون معلوماً له ولم يصدر منه إلا شيء واحد؟ بل هذا لا يلزم في الفعل الإرادي فكيف في الطبيعي؟ فإن حركة الحجر من فوق جبل قد يكون بتحريك إرادي يوجب العلم بأصل الحركة ولا يوجب العلم بما يتولد منه بوساطته من مصادمته وكسره غيره. فهذا أيضاً لا جواب له عنه.
قولهم إن كان الأول لا يعرف إلا نفسه أمست المعلولات فوقه شرفاً
فإن قيل: لو قضينا بأنه لا يعرف إلا نفسه لكان ذلك في غاية الشناعة فإن غيره يعرف نفسه ويعرفه ويعرف غيره فيكون في الشرف فوقه كيف يكون المعلول أشرف من العلة؟
قولنا هذا أمر لازم ! ...
قلنا: فهذه الشناعة لازمة من مقاد الفلسفة في نفي الإرادة ونفي
стр. 112
حدث العالم فيجب ارتكابها كما ارتكب سائر الفلاسفة أو لا بد من ترك الفلسفة والاعتراف بأن العالم حادث بالإرادة.
أو لا بد من إبطاله
ثم يقال: بم تنكر على من قال من الفلاسفة إن ذلك ليس بزيادة شرف؟ فإن العلم إنما احتاج إليه غيره ليستفيد به كمالاً فإنه في ذاته قاصر والإنسان شرف بالمعقولات إما ليطلع على مصلحته في العواقب في الدنيا والآخرة وإما لتكمل ذاته المظلمة الناقصة، وكذى سائر المخلوقات. وأما ذات الله فمستغنية عن التكميل، بل لو قدر له علم يكمل به لكان ذاته من حيث ذاته ناقصاً.
فكما أن علمه بالخواص من النقصان، كذلك علمه بالكليات
وهذا كما قلت في السمع والبصر وفي العلم بالجزئيات الداخلة تحت الزمان فإنك وافقت سائر الفلاسفة بأن الله منزه عنه وأن المتغيرات الداخلة في الزمان المنقسمة إلى ما كان ويكون لا يعرفه الأول لأن ذلك يوجب تغيراً في ذاته وتأثراً، ولم يكن في سلب ذلك عنه نقصان بل هو كمال وإنما النقصان في الحواس والحاجة إليها، ولولا نقصان الآدمي لما احتاج إلى حواس لتحرسه عما يتعرض للتغير به.
وكذلك العلم بالحوادث الجزئية زعمتم أنه نقصان. فإذا كنا نعرف الحوادث كلها وندرك المحسوسات كلها والأول لا يعرف شيئاً من الجزئيات ولا يدرك شيئاً من المحسوسات ولا يكون ذلك نقصاناً، فالعلم بالكليات العقلية أيضاً يجوز أن يثبت لغيره ولا يثبت له ولا يكون فيه نقصان أيضاً، وهذا لا مخرج عنه.
стр. 113
مسألة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أنه يعرف ذاته أيضاً
قولنا المسلمون عندهم برهان
فنقول: المسلمون لما عرفوا حدوث العالم بإرادته استدلوا بالإرادة على العلم ثم بالإرادة والعلم جميعاً على الحياة ثم بالحياة على أن كل حي يشعر بنفسه وهو حي فيعرف ذاته فكان هذا منهجاً معقولاً في غاية المتانة.
وأما أنتم فلا
فأما أنتم فإذا نفيتم الإرادة والإحداث وزعمتم أن ما يصدر منه يصدر بلزوم على سبيل الضرورة والطبع، فأي بعد أن تكون ذاته ذاتاً من شأنها أن يوجد منه المعلول الأول فقط ثم يلزم المعلول الأول المعلول الثاني إلى تمام ترتيب الموجودات؟ ولكنه مع ذلك لا يشعر بذاته كالنار يلزم منها السخونة والشمس يلزم منها النور، ولا يعرف واحد منهما ذاته كما لا يعرف غيره بل ما يعرف ذاته يعرف ما يصدر منه فيعرف غيره. وقد بينا من مذهبهم أنه لا يعرف غيره وألزمنا من خالفهم في ذلك موافقتهم بحكم وضعهم، وإذا لم يعرف غيره لم يبعد أن لا يعرف نفسه.
قولهم يكون الأول ميتاً !
فإن قيل: كل من لا يعرف نفسه فهو ميت فكيف يكون الأول ميتاً؟
قولنا إن نفيت الصفات من الأول، فما حاجته إلى معرفة نفسه ؟
قلنا: فقد لزمكم ذلك على مساق مذهبكم إذ لا فصل بينكم وبين من قال: كل من لا يفعل بإرادة وقدرة واختيار ولا يسمع ولا يبصر فهو ميت ومن لا يعرف غيره فهو ميت. فإن جاز أن يكون الأول خالياً عن هذه الصفات كلها فأي حاجة به إلى أن يعرف ذاته؟ فإن عادوا إلى أن
стр. 114
كل بريء عن المادة عقل بذاته فيعقل نفسه فقد بينا أن ذلك تحكم لا برهان عليه.
قولهم الحي أشرف من الميت
فإن قيل: البرهان عليه أن الموجود ينقسم إلى حي وإلى ميت، والحي أقدم وأشرف من الميت والأول أقدم واشرف، فليكن حياً وكل حي يشعر بذاته إذ يستحيل أن يكون في معلولاته الحي هو لا يكون حياً.
قولنا لم يستحيل كون المعلول أشرف من العلة ؟
قلنا: هذه تحكمات فإنا نقول: لم يستحيل أن يلزم مما لا يعرف نفسه ما يعرف نفسه بالوسائط الكثيرة أو بغير واسطة؟ فإن كان المحيل لذلك كون المعلول أشرف من العلة فلم يستحيل أن يكون المعلول أشرف من العلة وليس هذا بديهياً؟
فيكون شرفه لا في معرفة الذات بل في كونه مبدأ لذوات المعرفة
ثم بم تنكرون أن شرفه في أن وجود الكل تابع لذاته لا في علمه؟ الدليل عليه أن غيره ربما عرف أشياء سوى ذاته ويرى ويسمع وهو لا يرى ولا يسمع. ولو قال قائل: الموجود ينقسم إلى البصير والأعمى والعالم والجاهل، فليكن البصير أقدم وليكن الأول بصيراً وعالماً بالأشياء. لكنكم تنكرون ذلك وتقولون: ليس الشرف في البصر والعلم بالأشياء بل في الاستغناء عن البصر والعلم وكون الذات بحيث يوجد منه الكل فيه العلماء وذوو الأبصار. فكذلك لا شرف في معرفة الذات بل في كونه مبدأ لذوات المعرفة وهذا شرف مخصوص به.
الخاتمة ليس هناك دليل على تلك الأمور إن لم تؤخذ إلا من نظر العقل
فبالضرورة يضطرون إلى نفي علمه أيضاً بذاته إذ لا يدل على شيء من ذلك سوى الإرادة ولا يدل على الإرادة سوى حدث العالم. وبفساد ذلك يفسد هذا كله على من يأخذ هذه الأمور من نظر العقل. فجميع
стр. 115
ما ذكروه من صفات الأول أو نفوه لا حجة لهم عليها إلا تخمينات وظنون تستنكف الفقهاء منها في الظنيات. ولا غرو لو حار العقل في الصفات الإلهية ولا عجب، إنما العجب من عجبهم بأنفسهم وبأدلتهم ومن اعتقادهم أنهم عرفوا هذه الأمور معرفة يقينية مع ما فيها من الخبط الخبال.
стр. 116
مسألة في إبطال قولهم إن الله تعالى عن قولهم لا يعرف
الجزئيات المنقسمة بانقسام الزمان إلى الكائن وما كان وما يكون
اتفاقهم على هذه المسألة
وقد اتفقوا على ذلك فإن من ذهب منهم إلى أنه لا يعلم إلا نفسه فلا يخفى هذا عن مذهبه، ومن ذهب إلى أنه يعلم غيره وهو الذي اختاره ابن سينا فقد زعم أنه يعلم الأشياء علماً كلياً لا يدخل تحت الزمان ولا يختلف بالماضي والمستقبل والآن ومع ذلك زعم أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، إلا أنه يعلم الجزئيات بنوع كلي. ولا بد أولاً من فهم مذهبهم ثم الاشتغال بالاعتراض.
قولهم إن كسوف الشمس في المستقبل والحاضر والماضي نعلمه بعلوم ثلاثة
ونبين هذا بمثال وهو أن الشمس مثلاً ينكسف بعد أن لم يكن منكسفاً ثم يتجلى فيحصل له ثلثة أحوال أعني الكسوف حالة هو فيها معدوم منتظر الوجود أي سيكون وحال هو فيها موجود أي هو كائن وحالة ثالثة هو فيها معدوم ولكنه كان من قبل. ولنا بإزاء الأحوال الثلثة ثلثة علوم مختلفة فإنا نعلم أولاً أن الكسوف معدوم وسيكون وثانياً أنه كائن وثالثاً أنه كان وليس كائناً الآن، وهذه العلوم الثلثة متعددة ومختلفة وتعاقبها على المحل يوجب تغير الذات العالمة فإنه لو علم بعد الانجلاء أن الكسوف موجود الآن كان جهلاً لا علماً ولو علم عند وجوده أنه معدوم كان جهلاً فبعض هذه لا يقوم مقام بعض.
إن الله لا يعلم لأنه لا يتغير ... فزعموا أن الله لا يختلف حاله في هذه الأحوال الثلثة فإنه يؤدي إلى التغير، وما لم يختلف حاله لم يتصور أن يعلم هذه الأمور الثلثة فإن العلم يتبع المعلوم فإذا تغير المعلوم تغير العلم وإذا تغير العلم فقد تغير العالم لا محالة، والتغير على الله محال.
... إلا بعلم لا يختلف
ومع هذا زعم أنه يعلم الكسوف وجميع صفاته وعوارضه ولكن علماً هو يتصف به في الأزل ولا يختلف مثل أن يعلم مثلاً أن الشمس موجود وأن القمر موجود فإنهما حصلا منه بواسطة الملائكة التي سموها باصطلاحهم عقولاً مجردة، ويعلم أنها تتحرك حركات دورية، ويعلم أن بين فلكيهما تقاطع على نقطتين هما الرأس والذنب وأنهما يجتمعان في بعض الأحوال في العقدتين فينكسف الشمس أي يحول جرم القمر بينهما وبين أعين الناظرين فيستتر الشمس عن الأعين، وأنه إذا جاوز العقدة مثلاً بمقدار كذى وهو سنة مثلاً فإنه ينكسف مرة أخرى وأن ذلك الإنكساف يكون في جميعه أو ثلثه أو نصفه وأنه يمكث ساعة أو ساعتين، وهكذى إلى جميع أحوال الكسوف وعوارضه، فلا يعزب عن علمه شيء ولكن علمه بهذا قبل الكسوف وحالة الكسوف وبعد الانجلاء على وتيرة واحدة لا يختلف ولا يوجب تغيراً في ذاته.
فجميع الحوادث مكشوفة له انكشافاً واحداً لا يؤثر فيه الزمان وكذى علمه بجميع الحوادث فإنها إنما تحدث بأسباب وتلك الأسباب لها أسباب أخر إلى أن تنتهي إلى الحركة الدورية السماوية وسبب الحركة نفس السموات وسبب تحريك النفس الشوق إلى التشبه بالله والملائكة المقربين. فالكل معلوم له أي هو منكشف له انكشافاً واحداً متناسباً لا يؤثر فيه الزمان، ومع هذا فحالة الكسوف لا يقال: إنه يعلم أن الكسوف
стр. 117
موجود الآن ولا يعلم بعده أنه انجلى الآن وكل ما يجب في تعريفه الإضافة إلى الزمان فلا يتصور أن يعلمه لأنه يوجب التغير هذا فيما ينقسم بالزمان.
فهو يعلم الخواص ولا يعلم عوارضها ... وكذى مذهبهم فيما ينقسم بالمادة والمكان كأشخاص الناس والحيوانات فإنهم يقولون: لا يعلم عوارض زيد وعمرو وخالد وإنما يعلم الإنسان المطلق بعلم كلي ويعلم عوارضه وخواصه، وأنه ينبغي أن يكون بدنه مركباً من أعضاء بعضها للبطش وبعضها للمشي وبعضها للإدراك وبعضها زوج وبعضها فرد، وأن قواه ينبغي أن تكون مبثوثة في أجزائه، وهلم جرا إلى كل صفة في داخل الآدمي وباطنه وكل ما هو من لواحقه وصفاته ولوازمه حتى لا يعزب عن علمه شيء ويعلمه كلياً.
... وأما العوارض فلا يميزها إلا الحس فأما شخص زيد فإنما يتميز عن شخص عمرو للحس لا للعقل فإن عماد التمييز إليه الإشارة إلى جهة معينة، والعقل يعقل الجهة المطلقة الكلية والمكان الكلي، فأما قولنا هذا وهذا فهو إشارة إلى نسبة حاصلة لذلك المحسوس إلى الحاس بكونه منه على قرب أو بعد أو جهة معينة وذلك يستحيل في حقه.
قولنا وبذلك يستأصلون الأديان
وهذه قاعدة اعتقدوها واستأصلوا بها الشرائع بالكلية إذ مضمونها
стр. 118
أن زيد مثلاً لو أطاع الله أو عصاه لم يكن الله عالماً بما يتجدد من أحواله لأنه لا يعرف زيداً بعينه فإنه شخص وأفعاله حادثة بعد أن لم تكن، وإذا لم يعرف الشخص لم يعرف أحواله وأفعاله بل لا يعلم كفر زيد ولا إسلامه وإنما يعلم كفر الإنسان وإسلامه مطلقاً كلياً لا مخصوصاً بالأشخاص، بل يلزم أن يقال: تحدى محمد ﷺ بالنبوة وهو لم يعرف في تلك الحالة أنه تحدى بها، وكذلك الحال مع كل نبي معين وإنه إنما يعلم أن من الناس من يتحدى بالنبوة وأن صفة أولئك كذى وكذى فأما النبي المعين بشخصه فلا يعرفه فإن ذلك يعرف بالحس والأحوال الصادرة
стр. 119
منه لا يعرفها لأنها أحوال تنقسم بانقسام الزمان من شخص معين ويوجب إدراكها على اختلافها تغيراً.
فهذا ما أردنا أن نذكره من نقل مذهبهم أولاً ثم تفهيمه ثانياً ثم من القبايح اللازمة عليه ثالثاً. فلنذكر الآن خبالهم ووجه بطلانه.
قولهم من علم علماً مختلفاً متعاقباً تغير
وخبالهم أن هذه أحوال ثلثة مختلفة والمختلفات إذا تعاقبت على محل واحد أوجبت فيه تغيراً لا محالة. فإن كان حالة الكسوف عالماً بأنه سيكون كما كان قبله
стр. 120
فهو جاهل لا عالم، وإن كان عالماً بأنه كائن وقبل ذلك كان عالماً بأنه ليس بكائن وأنه سيكون فقد اختلف علمه واختلف حاله فلزم التغير إذ لا معنى للتغير إلا اختلاف العالم فإن من لم يعلم شيئاً ثم علمه فقد تغير ولم يكن له علم بأنه كائن ثم حصل حالة الوجود فقد تغير.
في الإضافة
وحققوا هذا بأن الأحوال ثلثة حالة هي إضافة محضة، ككونك يميناً وشمالاً فإن هذا لا يرجع إلى وصف ذاتي بل هو إضافة محضة، فإن تحول الشيء الذي كان على يمينك إلى شمالك تغيرت إضافتك ولم تتغير ذاتك بحال، وهذا تبدل إضافة على الذات وليس بتبدل الذات. ومن هذا القبيل إذا كنت قادراً على تحريك أجسام حاضرة بين يديك فانعدمت الأجسام أو انعدم بعضها لم تتغير قوتك الغريزية ولا قدرتك لأن القدرة قدرة على تحريك الجسم المطلق أولاً ثم على المعين ثانياً من حيث أنه جسم، فلم تكن إضافة القدرة إلى الجسم المعين وصفاً ذاتياً بل إضافة محضة، فعدمها يوجب زوال إضافة لا تغيراً في حال القادر. والثالث تغير في الذات وهو أن لا يكون عالماً فيعلم أو لا يكون قادراً فيقدر فهذا تغير.
стр. 121
تغير المعلوم يوجب تغير علم العالم وهي الإضافة وتغير المعلوم يوجب تغير العلم فإن حقيقة ذات العلم تدخل فيه الإضافة إلى المعلوم الخاص إذ حقيقة العلم المعين تعلقه بذلك المعلوم المعين على ما هو عليه، فتعلقه به على وجه آخر علم آخر بالضرورة فتعاقبه يوجب اختلاف حال العالم. ولا يمكن أن يقال: إن للذات علم واحد فيصير علماً بالكون بعد كونه علماً بأنه سيكون ثم هو يصير علماً بأنه كان بعد أن كان علماً بأنه كائن، فالعلم واحد متشابه الأحوال وقد تبدلت عليه الإضافة لأن الإضافة في العلم حقيقة ذات العلم فتبدلها يوجب تبدل ذات العلم فيلزم منه التغير وهو محال على الله.
قولنا ما المانع أن يكون لله علم واحد
مع تغير ما ينزل منزلة الإضافة المحضة ؟
والاعتراض من وجهين: أحدهما أن يقال: بم تنكرون على من يقول: إن الله تعالى له علم واحد بوجود الكسوف مثلاً في وقت معين وذلك العلم قبل وجوده علم بأنه سيكون وهو بعينه عند الوجود علم بالكون وهو بعينه بعد الانجلاء علم بالانقضاء وإن هذه الاختلافات ترجع إلى إضافات لا توجب تبدلاً في ذات العلم فلا توجب تغيراً في ذات العالم وأن ذلك ينزل منزلة الإضافة المحضة فإن الشخص الواحد يكون على يمينك ثم يرجع إلى قدامك ثم إلى شمالك فتتعاقب عليك الإضافات والمتغير ذلك الشخص المنتقل دونك؟ وهكذى ينبغي أن بفهم الحال في علم الله فإنا نسلم أنه يعلم الأشياء بعلم واحد في الأزل والأبد والحال لا يتغير وغرضهم نفي التغير وهو متفق عليه.
стр. 122
في إمكان الله أن يخلق لنا مثل هذا العلم وقولهم: من ضرورة إثبات العلم بالكون الآن والانقضاء بعده تغير، فليس بمسلم فمن أين عرفوا ذلك؟ بل لو خلق الله لنا علماً بقدوم زيد غداً عند طلوع الشمس وأدام هذا العلم ولم يخلق لنا علماً آخر ولا غفلة عن هذا العلم لكنا عند طلوع الشمس عالمين بمجرد العلم السابق بقدومه الآن وبعده بأنه قدم من قبل وكان ذلك العلم الواحد الباقي كافياً في الإحاطة بهذه الأحوال الثلثة.
اعتراضهم فيبقى قولهم: إن الإضافة إلى المعلوم المعين داخلة في حقيقته ومهما اختلفت الإضافة اختلف الشيء الذي الإضافة ذاتية له ومهما حصل الاختلاف والتعاقب فقد حصل التغير.
تقولون بأن الله لا يعلم "الإنسان المطلق" الخ فنقول: إن صح هذا فاسلكوا مسلك إخوانكم من الفلاسفة حيث قالوا: إنه لا يعلم إلا نفسه وإن علمه بذاته عين ذاته لأنه لو علم الإنسان المطلق والحيوان المطلق والجماد المطلق وهذه مختلفات لا محالة فالإضافات إليها تختلف لا محالة، فلا يصلح العلم الواحد لأن يكون علماً بالمختلفات لأن المضاف مختلف والإضافة مختلفة والإضافة إلى المعلوم ذاتية للعلم فيوجب ذلك تعدداً واختلافاً لا تعدداً فقط مع التماثل، إذ المتماثلات ما يسد بعضها مسد البعض والعلم بالحيوان لا يسد مسد العلم بالجماد ولا العلم بالبياض يسد مسد العلم بالسواد فهما مختلفان.
... فكم بالأحرى بهذا الأمر؟
ثم هذه الأنواع والأجناس والعوارض الكلية لا نهاية لها وهي مختلفة. فالعلوم المختلفة كيف تنطوي تحت علم واحد ثم ذلك العلم هو ذات العالم من غير مزيد عليه؟ وليت شعري كيف يستجير العاقل من نفسه أن يحيل الاتحاد في العلم بالشيء الواحد المنقسم أحواله إلى الماضي والمستقبل والآن وهو لا يحيل الاتحاد في العلم المتعلق بجميع الأجناس والأنواع المختلفة، والاختلاف والتباعد بين الأجناس والأنواع المتباعدة أشد من الاختلاف الواقع بين
стр. 123
أحوال الشيء الواحد المنقسم بانقسام الزمان؟ وإذا لم يوجب ذلك تعدداً واختلافاً كيف يوجب هذا تعدداً واختلافاً؟ ومهما ثبت بالبرهان أن اختلاف الأزمان دون اختلاف الأجناس والأنواع وأن ذلك لم يوجب التعدد والاختلاف فهذا أيضاً لا يوجب الاختلاف، وإذا لم يوجب الاختلاف جاز الإحاطة بالكل بعلم واحد دائم في الأزل والأبد ولا يوجب ذلك تغيراً في ذات العالم.
هلا تعقلون قديماً متغيراً؟ الإعتراض الثاني هو أن يقال: وما المانع على أصلكم من أن يعلم هذه الأمور الجزئية وإن كان يتغير؟ وهلا اعتقدتم أن هذا النوع من التغير لا يستحيل عليه؟ كما ذهب جهم من المعتزلة إلى أن علومه بالحوادث حادثة وكما اعتقد الكرامية من عند آخرهم أنه محل الحوادث ولم ينكر جماهير أهل الحق عليهم إلا من حيث أن المتغير لا يخلوا عن التغير، وما لا يخلوا عن التغير والحوادث فهو حادث وليس بقديم. وأما أنتم فمذهبكم أن العالم قديم وأنه لا يخلوا عن التغير. فإذا عقلتم قديماً متغيراً فلا مانع لكم من هذا الإعتقاد.
قولهم يكون العلم حادثاً إما من جهته أو من جهة غيره
والحال أنه محال في الحالين
فإن قيل: إنما أحلنا ذلك لأن العلم الحادث في ذاته لا يخلوا إما أن يحدث من جهته أو من جهة غيره، وباطل أن يحدث منه فإنا بينا أن القديم لا يصدر منه حادث ولا يصير فاعلاً بعد أن لم يكن فاعلاً فإنه يوجب تغيراً وقد قررناه في مسألة حدث العالم، وإن حصل ذلك في ذاته من جهة غيره فكيف يكون غيره مؤثراً فيه ومغيراً له حتى تتغير أحواله على سبيل التسخر والاضطرار من جهة غيره؟
стр. 124
قولنا عليكم ألا ترفضوا الحال الأول ...
قلنا: كل واحد من القسمين غير محال على أصلكم.
أما قولكم: إنه يستحيل أن يصدر من القديم حادث، قفد أبطلناه في تلك المسألة. كيف وعندكم يستحيل أن يصدر من القديم حادث هو أول الحوادث؟ فشرط استحالته كونه أولاً، وإلا فهذه الحوادث ليست لها أسباب حادثة إلى غير نهاية بل تنتهي بواسطة الحركة الدورية إلى شيء قديم هو نفس الفلك وحياته. فالنفس الفلكية قديمة والحركة الدورية تحدث منها وكل جزء من أجزاء الحركة يحدث وينقضي وما بعده متجدد لا محالة. فإذن الحوادث صادرة من القديم عندكم ولكن إذ تشابه أحوال القديم تشابه فيضان الحوادث منه على الدوام كما يتشابه أحوال الحركة لما أن كانت تصدر من قديم متشابه الأحوال. فاستبان أن كل فريق منهم معترف بأنه يجوز صدور حادث من قديم إذا كانت تصدر على التناسب والدوام، فلتكن العلوم الحادثة من هذا القبيل.
... ولا الحال الثاني وذلك لا للزوم التغير ... وأما القسم الثاني وهو صدور هذا العلم فيه من غيره فنقول: ولم يستحيل ذلك عندكم؟ وليس فيه إلا ثلثة أمور: أحدها التغير وقد بينا لزومه على أصلكم.
... ولا لحدوث التغير من جهة غيره ...
والثاني كون الغير سبباً لتغير الغير وهو غير محال عندكم فليكن حدوث الشيء سبباً لحدوث العلم به كما أنكم تقولون: تمثل الشخص المتلون بإزاء الحدقة الباصرة سبب لانطباع مثال الشخص في الطبقة الجليدية من الحدقة عند توسط الهواء المشف بين الحدقة والمبصر. فإذا جاز أن يكون جماد سبباً لانطباع الصورة في الحدقة وهو معنى الإبصار فلم يستحيل أن يكون حدوث الحوادث سبباً لحصول علم الأول بها؟ فإن القوة الباصرة كما أنها مستعدة للإدراك ويكون حصول الشخص
стр. 125
المتلون مع ارتفاع الحواجز سبباً لحصول الإدراك فليكن ذات المبدأ الأول عندكم مستعداً لقبول العلم ويخرج من القوة إلى الفعل بوجود ذلك الحادث. فإن كان فيه تغير القديم فالقديم المتغير عندكم غير مستحيل، وإن زعمتم أن ذلك يستحيل في واجب الوجود فليس لكم على إثبات واجب الوجود دليل إلا قطع سلسلة العلل والمعلولات كما سبق. وقد بينا أن قطع التسلسل ممكن بقديم متغير.
... ولا "لتسخر" القديم والأمر الثالث الذي يتضمنه هذا هو كون القديم متغيراً بغيره وإن ذلك يشبه التسخر واستيلاء الغير عليه فيقال: ولم يستحيل عندكم هذا وهو أن يكون هو سبباً لحدوث الحوادث بوسائط ثم يكون حدوث الحوادث سبباً لحصول العلم له بها فكأنه هو السبب في تحصيل العلم لنفسه ولكن بالوسائط؟.
تقولون إن ما يصدر من الله يصور على سبيل اللزوم والطبع وقولكم إن ذلك يشبه التسخر، فليكن كذلك فإنه لائق بأصلكم إذ زعمتم أن ما يصدر من الله يصدر على سبيل اللزوم والطبع ولا قدرة له على أن لا يفعل. وهذا أيضاً يشبه نوعاً من التسخر ويشير إلى أنه كالمضطر في ما يصدر منه.
قولهم كماله في أن يكون مصدر الكل
فإن قيل: إن ذلك ليس باضطرار لأن كماله في أن يكون مصدراً لجميع الأشياء.
قولنا ... وفي أن يعلم الكل
فهذا ليس بتسخر فإن كماله في أن يعلم جميع الأشياء ولو حصل لنا علم مقارن لكل حادث لكان ذلك كمالاً لنا لا نقصاناً وتسخراً. فليكن كذلك في حقه.
стр. 126
مسألة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن السماء حيوان
مطيع لله تعالى بحركته الدورية
قولهم وقد قالوا إن السماء حيوان
وإن له نفساً نسبته إلى بدن السماء كنسبة نفوسنا إلى أبداننا، وكما أن أبداننا تتحرك بالإرادة نحو أغراضها بتحريك النفس فكذى السموات، وإن غرض السموات بحركتها الذاتية عبادة رب العالمين على وجه سنذكره.
لا ينكر إمكانه
ومذهبهم في هذه المسألة مما لا ينكر إمكانه ولا يدعى استحالته فإن الله قادر على أن يخلق الحياة في كل جسم فلا كبر الجسم يمنع من كونه حياً ولا كونه مستديراً فإن الشكل المخصوص ليس شرطاً للحياة إذ الحيوانات مع اختلاف أشكالها مشتركة في قبول الحياة.
ولكن لا يعرف بدليل العقل
ولكنا ندعى عجزهم عن معرفة ذلك بدليل العقل وإن هذا إن كان صحيحاً فلا يطلع عليه إلا الأنبياء بإلهام من الله أو وحي وقياس العقل ليس يدل عليه. نعم لا يبعد أن يتعرف مثل ذلك بدليل إن وجد الدليل وساعد، ولكنا نقول ما أوردوه دليلاً لا يصلح إلا لإفادة ظن، فأما أن يفيد قطعاً فلا.
الضلال في قولهم بأن السماء متحرك
وخبالهم فيه أن قالوا: السماء متحرك وهذه مقدمة حسية. وكل جسم متحرك فله محرك وهذه مقدمة عقلية إذ لو كان الجسم يتحرك لكونه جسماً لكان كل جسم متحركاً.
كل متحرك إما أن يكون قسرياً أو طبيعياً أو إرادياً
وكل محرك فإما أن يكون منبعثاً عن ذات المتحرك كالطبيعة في
стр. 127
حركة الحجر إلى أسفل والإرادة في حركة الحيوان مع القدرة، وإما أن يكون المحرك خارجاً ولكن يحرك على طريق القسر كدفع الحجر إلى فوق. وكل ما يتحرك بمعنى في ذاته فإما أن لا يشعر ذلك الشيء بالحركة ونحن نسميه طبيعة كحركة الحجر إلى أسفل، وإما أن يشعر به ونحن نسميه إرادياً ونفسانياً فصارت الحركة بهذه التقسيمات الحاصرة الدائرة بين النفي والإثبات إما قسرية طبيعية وإما طبيعية وإما إرادية، وإذا بطل قسمان تعين الثالث.
ولا يمكن أن يكون قسرياً
ولا يمكن أن يكون قسرياً لأن المحرك القاسر إما جسم آخر يتحرك بالإرادة أو بالقسر وينتهي لا محالة إلى إرادة، ومهما أثبت في أجسام السموات متحرك بالإرادة فقد حصل الغرض، فأي فائدة في وضع حركات قسرية وبالآخرة لا بد من الرجوع إلى الإرادة، وإما أن يقال: إنه يتحرك بالقسر والله هو المحرك بغير واسطة وهو محال، لأنه لو تحرك به من حيث أنه جسم وأنه خالقه للزم أن يتحرك كل جسم فلا بد وأن تختص الحركة بصفة به يتميز عن غيره من الأجسام وتلك الصفة هي المحرك القريب إما بالإرادة أو الطبع. ولا يمكن أن يقال إن الله يحركه بالإرادة لأن إرادته تناسب الأجسام نسبة واحدة، فلم استعد هذا الجسم على الخصوص لأن يراد تحريكه دون غيره؟ ولا يمكن أن يكون ذلك جزافاً فإن ذلك محال كما سبق في مسألة حدث العالم وإذا ثبت أن هذا الجسم ينبغي أن يكون فيه صفة هو مبدأ الحركة بطل القسم الأول وهو تقدير الحركة القسرية.
ولا أن يكون طبيعياً لأنه يعود إلى المكان المهروب عنه. فهو إذا إرادياً
فيبقى أن يقال: هي طبيعية وهو غير ممكن لأن الطبيعة بمجردها قط لا تكون سبباً للحركة لأن معنى الحركة هرب من مكان وطلب لمكان آخر، فالمكان الذي فيه الجسم إن كان ملائماً له فلا يتحرك عنه ولهذا لا يتحرك زق مملوء من الهواء على وجه الماء، وإذا غمس في الماء تحرك إلى وجه الماء فإنه وجد المكان الملائم فسكن والطبيعة
стр. 128
قائمة، ولكن إن نقل إلى مكان لا يلائمه هرب منه إلى الملائم كما هرب من وسط الماء إلى حيز الهواء. والحركة الدورية لا يتصور أن تكون طبيعية لأن كل وضع وأين يفرض الهرب منه فهو عائد إليه، والمهروب عنه بالطبع لا يكون مطلوباً بالطبع ولذلك لا ينصرف زق الهواء إلى باطن الماء ولا الحجر ينصرف بعد الاستقرار على الأرض فيعود إلى الهوى. فلم يبق إلا القسم الثالث وهي الحركة الإرادية.
الاعتراض هناك ثلاث احتمالات أخرى
أن تكون حركة السماء بجسم غير سماوي الاعتراض هو أنا نقول: نحن نقرر ثلث احتمالات سوى مذهبكم لا برهان على بطلانها.
الأول أن يقدر حركة السماء قهراً لجسم آخر مريد لحركتها يديرها على الدوام وذلك الجسم المحرك لا يكون كرة ولا يكون محيطاً فلا يكون سماء، فيبطل قولهم إن حركة السماء إرادية وإن السماء حيوان. وهذا الذي ذكرناه ممكن وليس في دفعه إلا مجرد استبعاد.
أو تكون بإرادة الله الثاني هو أن يقال الحركة قسرية ومبدؤها إرادة الله، فإنا نقول: حركة الحجر إلى أسفل أيضاً قسري يحدث بخلق الله الحركة فيه، وكذى القول في سائر حركات الأجسام التي ليست حيوانية.
والاعتراض على الإرادة قد أبطلناه
فيبقى استبعادهم أن الإرادة لم اختصت به وسائر الأجسام تشاركها في الجسمية فقد بينا أن الإرادة القديمة من شأنها تخصيص الشيء عن مثله وأنهم مضطرون إلى إثبات صفة هذا شأنها في تعيين جهة الحركة الدورية وفي تعيين موضع القطب والنقطة فلا نعيده والقول الوجيز إن ما استبعدوه في اختصاص الجسم بتعلق الإرادة به من غير تميز بصفة ينقلب عليهم في تميزه بتلك الصفة، فإنا نقول: ولم
стр. 129
تميز جسم السماء بتلك الصفة التي بها فارق غيره من الأجسام، وسائر الأجسام أيضاً أجسام؟ فلم حصل فيه ما لم يحصل في غيره؟ فإن علل ذلك بصفة أخرى توجه السؤال في الصفة الأخرى، وهكذى يتسلسل إلى غير نهاية فيضطرون بالآخرة إلى التحكم في الإرادة وأن في المبادئ ما يميز الشيء عن مثله ويخصصه بصفة عن أمثاله.
أو تكون بالطبع وبدون أن تشعر لا لطلب المكان ولا للهرب منه الثالث هو أن يسلم أن السماء اختص بصفة تلك الصفة مبدأ الحركة كما اعتقدوه في هوى الحجر إلى أسفل إلا أنه لا يشعر به كالحجر. وقولهم: إن المطلوب بالطبع لا يكون مهروباً عنه بالطبع، فتلبيس لأنه ليس ثم أماكن متفاصلة بالعدد عندهم بل الجسم واحد والحركة الدورية واحدة فلا للجسم جزء بالفعل ولا للحركة جزء بالفعل وإنما يتجزى بالوهم، فليست تلك الحركة لطلب المكان ولا للهرب من المكان. فيمكن أن يخلق جسم وفي ذاته معنى يقتضي حركة دورية وتكون الحركة نفسها مقتضى ذلك المعنى لا أن مقتضى المعنى طلب المكان، ثم تكون حركة للوصول إليه.
الحركة نفس المقتضى لا لطلب مكان
وقولكم: إن كل حركة فهو لطلب مكان أو هرب منه إذا كان ضرورياً، فكأنكم جعلتم طلب المكان مقتضى الطبع وجعلتم الحركة غير مقصودة في نفسها بل وسيلة إليه ونحن نقول: لا يبعد أن تكون الحركة نفس المقتضى لا لطلب مكان، فما الذي يحيل ذلك؟
الخلاصة
فاستبان أن ما ذكروه إن ظن أنه أغلب من احتمال آخر فلا يتيقن قطعاً انتفاء غيره. فالحكم على السماء بأنه حيوان تحكم محض لا مستند له.
стр. 130
مسألة في إبطال ما ذكروه من الغرض المحرك للسماء
قولهم إن السماء متقرب إلى الله
وقد قالوا: إن السماء مطيع لله بحركته ومتقرب إليه لأن كل حركة بالإرادة فهو لغرض إذ لا يتصور أن يصدر الفعل والحركة من حيوان إلا إذا كان الفعل أولى به من الترك وإلا فلو استوى الفعل والترك لما تصور الفعل.
في الكمال
ثم التقرب إلى الله ليس معناه طلب الرضا والحذر من السخط فإن الله يتقدس عن السخط والرضا وإن أطلق هذه الألفاظ فعلى سبيل المجاز يكني بها عن إرادة العقاب وإرادة الثواب، ولا يجوز أن يكون التقرب بطلب القرب منه في المكان فإنه محال فلا يبقى إلا طلب القرب في الصفات، فإن الوجود الأكمل وجوده وكل وجود فبالإضافة إلى وجوده ناقص وللنقصان درجات وتفاوت فالملك أقرب إليه صفة لا مكاناً، وهو المراد بالملائكة المقربين أي الجواهر العقلية التي لا تتغير ولا تفنى ولا تستحيل وتعلم الأشياء على ما هي عليه، والإنسان كلما ازداد قرباً من الملك في الصفات ازداد قرباً من الله، ومنتهى طبقة الآدميين التشبه بالملائكة.
الملائكة المقربون كمالهم لا يزداد
وإذا ثبت أن هذا معنى التقرب إلى الله وأنه يرجع إلى طلب القرب منه في الصفات وذلك للآدمي بأن يعلم حقائق الأشياء وبأن يبقى بقاءً مؤبداً على أكمل أحواله الممكن له، فإن البقاء على الكمال الأقصى هو الله. والملائكة المقربون كل ما يمكن لهم من الكمال فهو حاضر معهم في الوجود إذ ليس فيهم شيء بالقوة حتى يخرج إلى الفعل، فإذن كمالهم في الغاية القصوى بالإضافة إلى ما سوى الله.
стр. 131
والملائكة السماوية يزداد كمالهم بتحريك السماء ويتشبهون بالله
والملائكة السماوية هي عبارة عن النفوس المحركة للسموات وفيها ما بالقوة، وكمالاتها منقسمة إلى ما هو بالفعل كالشكل الكري والهيئة وذلك حاضر وإلى ما هو بالقوة وهو الهيئة في الوضع والأين. وما من وضع معين إلا وهو ممكن له ولكن ليست له سائر الأوضاع بالفعل فإن الجمع بين جميعها غير ممكن، فلما لم يمكنها استيفاء آحاد الأوضاع على الدوام قصد استيفاءها بالنوع فلا يزال يطلب وضعاً بعد وضع وأيناً بعد أين ولا ينقطع قط هذا الإمكان فلا تنقطع هذه الحركات وإنما قصده التشبه بالمبدأ الأول في نيل الكمال الأقصى على حسب الإمكان في حقه وهو معنى طاعة الملائكة السماوية لله.
فإنهم يستوفون كل وضع ممكن، فيفيض منه الخير
وقد حصل لها التشبه من وجهين: أحدهما استيفاء كل وضع ممكن له بالنوع وهو المقصود بالقصد الأول. والثاني ما يترتب على حركته من اختلاف النسب في التثليث والتربيع والمقارنة والمقابلة واختلاف الطوالع بالنسبة إلى الأرض فيفيض منه الخير على ما تحت فلك القمر ويحصل منه هذه الحوادث كلها، فهذا وجه استكمال النفس السماوية. وكل نفس عاقلة فمتشوقة إلى الاستكمال بذاتها.
الاعتراض الانتقال من مكان إلى مكان ليس كمالاً
والاعتراض على هذا هو أن في مقدمات هذا الكلام ما يمكن النزاع فيه، ولكنا لا نطول به ونعود إلى الغرض الذي عنيتموه آخراً ونبطله من وجهين.
أحدهما أن طلب الاستكمال بالكون في كل أين يمكن أن يكون له حماقة لا طاعة، وما هذا إلا كإنسان لم يكن له شغل وقد كفي المؤونة في شهواته وحاجاته فقام وهو يدور في بلد أو بيت ويزعم أنه يتقرب
стр. 132
إلى الله فإنه يستكمل بأن يحصل لنفسه الكون في كل مكان أمكن، وزعم أن الكون في الأماكن ممكن لي ولست أقدر على الجمع بينها بالعدد فأستوفيه بالنوع فإن فيه استكمالاً وتقرباً، فيسفه عقله فيه ويحمل على الحماقة ويقال: الانتقال من حيز إلى حيز ومن مكان إلى مكان ليس كمالاً يعتد به أو يتشوف إليه، ولا فرق بين ما ذكروه وبين هذا.
لماذا لا تختلف الحركة ؟
والثاني هو أنا نقول: ما ذكرتموه من الغرض حاصل بالحركة المغربية فلم كانت الحركة الأولى مشرقية وهلا كانت حركات الكل إلى جهة واحدة؟ فإن كان في اختلافها غرض فهلا اختلفت بالعكس فكانت التي هي مشرقية مغربية والتي هي مغربية مشرقية؟ فإن كل ما ذكروه من حصول الحوادث باختلاف الحركات من التثليثات والتسديسات وغيرها يحصل بعكسه. وكذى ما ذكروه من استيفاء الأوضاع والأيون كيف ومن الممكن لها الحركة إلى الجهة الأخرى فما بالها لا تتحرك مرة من جانب ومرة من جانب استيفاء لما يمكن لها إن كان في استيفاء كل ممكن كمال؟
هذه الأمور يطلع عليها على سبيل الإلهام
لا على سبيل الاستدلال
فدل أن هذه خيالات لا حاصل لها وأن أسرار ملكوت السموات لا يطلع عليه بأمثال هذه الخيالات وإنما يطلع الله عليه أنبياءه وأولياءه على سبيل الإلهام لا على سبيل الاستدلال ولذلك عجز الفلاسفة من عند آخرهم عن بيان السبب في جهة الحركة واختيارها.
الاستكمال بالحركة - وبهذه الحركة إفاضة الخير
وقال بعضهم: لما كان استكمالها يحصل بالحركة من أي جهة كانت وكان انتظام الحوادث الأرضية يستدعي اختلاف حركات وتعين جهات، كان الداعي لها إلى أصل الحركة التقرب إلى الله والداعي إلى جهة الحركة إفاضة الخير على العالم السفلي.
قولنا قد يكون بالسكون
وهذا باطل من وجهين. أحدهما أن ذلك إن أمكن أن يتخيل فليقض بأن مقتضى طبعه السكون احترازاً عن الحركة والتغير وهو التشبه بالله على التحقيق فإنه مقدس عن التغير والحركة تغير، ولكنه اختار الحركة لإفاضة الخير فإنه كان ينتفع به غيره وليس يثقل عليه الحركة وليس تتعبه، فما المانع من هذا الخيال؟
أو باختلاف الحركات
والثاني أن الحوادث تنبنى على اختلاف النسب المتولدة من اختلاف جهات الحركات، فلتكن الحركة الأولى مغربية وما عداها مشرقية وقد حصل به الاختلاف ويحصل به تفاوت النسب. فلم تعينت جهة واحدة، وهذه الاختلافات لا تستدعي إلا أصل الاختلاف، فأما جهة بعينها فليس بأولى من نقيضها في هذا الغرض.
مسألة في إبطال قولهم إن نفوس السموات مطلعة
على جميع الجزئيات الحادثة في هذا العالم
وإن المراد باللوح المحفوظ نفوس السموات وإن انتقاش جزئيات العالم فيها يضاهي انتقاش المحفوظات في القوة الحافظة المودعة في دماغ الإنسان، لا أنه جسم صلب عريض مكتوب عليه الأشياء كما يكتبه الصبيان على اللوح لأن تلك الكتابة يستدعي كثرتها اتساع المكتوب عليه.
وإذا لم يكن للمكتوب نهاية لم يكن للمكتوب عليه نهاية، ولا يتصور جسم لا نهاية له ولا يمكن خطوط لا نهاية لها على جسم ولا يمكن تعريف أشياء لا نهاية لها بخطوط معدودة.
مذهبهم
وقد زعموا أن الملائكة السماوية هي نفوس السموات وأن الملائكة الكرويين المقربين هي العقول المجردة التي هي جواهر قائمة بأنفسها لا تتحيز ولا تتصرف في الأجسام وأن هذه الصور الجزئية تفيض على النفوس السماوية منها وهي أشرف من الملائكة السماوية لأنها مفيدة وهي مستفيدة والمفيد أشرف من المستفيد، ولذلك عبر عن الأشرف بالقلم فقال تعالى: علم بالقلم، لأنه كالنقاش المفيد مثل المعلم وشبه المستفيد باللوح. هذا مذهبهم.
هو محال، فنطالبهم بالدليل عليه
والنزاع في هذه المسألة يخالف النزاع فيما قبلها فإن ما ذكروه من قبل ليس محالاً إذ منتهاه كون السماء حيواناً متحركاً لغرض وهو ممكن. أما هذه فترجع إلى إثبات علم لمخلوق بالجزئيات التي لا نهاية لها وهذا ربما يعتقد
стр. 133
استحالته فنطالبهم بالدليل عليه فإنه تحكم في نفسه.
استدلالهم إرادة الحركة بإرادة دورية جزئية
استدلوا فيه بأن قالوا: ثبت أن الحركة الدورية إرادية والإرادة تتبع المراد والمراد الكلي لا يتوجه إليه إلا إرادة كلية والإرادة الكلية لا يصدر منها شيء فإن كل موجود بالفعل معين جزئي والإرادة الكلية نسبتها إلى آحاد الجزئيات على وتيرة واحدة فلا يصدر عنها شيء جزئي بل لا بد من إرادة جزئية للحركة المعينة.
فهي تدرك الجزئيات بإدراك جزئي
فللفلك بكل حركة جزئية معينة من نقطة إلى نقطة معينة إرادة جزئية لتلك الحركة فله لا محالة تصور لتلك الحركات الجزئية بقوة جسمانية إذ الجزئيات لا تدرك إلا بالقوى الجسمانية، فإن كل إرادة فمن ضرورتها تصور لذلك المراد أي علم به سواء كان جزئياً أو كلياً.
وبالتالي تدرك لوازمها
ومهما كان للفلك تصور لجزئيات الحركات وإحاطة بها أحاط لا محالة بما يلزم منها من اختلاف النسب مع الأرض من كون بعض أجزائه طالعة وبعضها غاربة وبعضها في وسط سماء قوم وتحت قدم قوم، وكذلك يعلم ما يلزم من اختلاف النسب التي تتجدد بالحركة من التثليث والتسديس والمقابلة والمقارنة إلى غير ذلك من الحوادث السماوية إما بغير واسطة وإما بواسطة واحدة وإما بوسائط كثيرة. وعلى الجملة فكل حادث فله سبب حادث إلى أن ينقطع التسلسل بالارتقاء إلى الحركة السماوية الأبدية التي بعضها سبب للبعض. فإذن الأسباب والمسببات في سلسلتها تنتهي إلى الحركات الجزئية السماوية فالمتصور للحركات متصور للوازمها ولوازم لوازمها إلى آخر السلسلة.
وبالتالي تدرك كل ما سيحدث
فبهذا يطلع على ما يحدث فإن كل ما سيحدث فحدوثه واجب عن علته مهما تحققت العلة.
стр. 134
ونحن إنما لا نعلم ما يقع في المستقبل لأنا لا نعلم جميع أسبابها ولو علمنا جميع الأسباب لعلمنا المسببات، فإنا مهما علمنا أن النار سيلتقي بالقطن مثلاً في وقت معين فنعلم احتراق القطن ومهما علمنا أن شخصاً سيأكل فنعلم أنه سيشبع، وإذا علمنا أن شخصاً سيتخطى الموضع الفلاني الذي فيه كنز مغطى بشيء خفيف إذا مشى عليه الماشي تعثر رجله بالكنز وعرفه فنعلم أنه سيستغني بوجود الكنز. ولكن هذه الأسباب لا نعلمها وربما نعلم بعضها فيقع لنا حدس بوقوع المسبب فإن عرفنا أغلبها وأكثرها حصل لنا ظن ظاهر بالوقوع. فلو حصل لنا العلم بجميع الأسباب لحصل بجميع المسببات، إلا أن السماويات كثيرة ثم لها اختلاط بالحوادث الأرضية وليس في القوة البشرية الاطلاع عليه، ونفوس السموات مطلعة عليها لاطلاعها على السبب الأول ولوازمها ولوازم لوازمها إلى آخر السلسلة.
قولهم يرى النائم ما يكون في المستقبل
وذلك باتصاله باللوح المحفوظ، أي بنفس الفلك ولهذا زعموا: يرى النائم في نومه ما يكون في المستقبل وذلك باتصاله باللوح المحفوظ ومطالعته، ومهما اطلع على الشيء ربما بقي ذلك بعينه في حفظه وربما تسارعت القوة المتخيلة إلى محاكاتها فإن من غريزتها محاكاتها الأشياء بأمثلة تناسبها بعض المناسبة أو الانتقال منها إلى أضدادها فينمحى المدرك الحقيقي عن الحفظ ويبقى مثال الخيال في الحفظ فيحتاج إلى تعبير ما يمثل الخيال الرجل بشجر والزوجة بخف والخادم ببعض أواني الدار وحافظ مال البر والصدقات بزيت البذر فإن البذر سبب للسراج الذي هو سبب الضياء، وعلم التعبير يتشعب عن هذا الأصل.
وهذا الاتصال مشغولون عنه في يقظتنا بما تورده الحواس
وزعموا أن الاتصال بتلك النفوس مبذول إذ ليس ثم حجاب ولكنا في يقظتنا مشغولون بما تورده الحواس والشهوات علينا، فاشتغالنا بهذه الأمور الحسية صرفنا عنه، وإذا سقط عنا في النوم بعض اشتغال الحواس ظهر به استعداد ما للاتصال.
стр. 135
والنبي يرى في اليقظة
وزعموا أن النبي مطلع على الغيب بهذا الطريق أيضاً. إلا أن القوة النفسية النبوية قد تقوى قوة لا تستغرقها الحواس الظاهرة، فلا جرم يرى هو في اليقظة ما يراه غيره في المنام. ثم القوة الخيالية تمثل له ما رآه، وربما يبقى الشيء بعينه في ذكره وربما يبقى مثاله، فيفتقر مثل هذا الوحي إلى التأويل كما يفتقر مثل ذلك المنام إلى التعبير. ولولا أن جميع الكائنات ثابتة في اللوح المحفوظ لما عرف الأنبياء الغيب في يقظة ولا منام، لكن جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ومعناه هذا الذي ذكرناه. فهذا ما أردنا أن نورده لتفهيم مذهبهم.
جوابنا لا دليل لكم في هذا عن النبي
والجواب أن نقول: بم تنكرون على من يقول إن النبي يعرف الغيب بتعريف الله على سبيل الابتداء؟ وكذى من يرى في المنام فإنما يعرفه بتعريف أو بتعريف ملك من الملائكة فلا يحتاج إلى شيء مما ذكرتموه، فلا دليل في هذا ولا دليل لكم في ورود الشرع باللوح والقلم فإن أهل الشرع لم يفهموا من اللوح والقلم هذا المعنى قطعاً، فلا متمسك في الشرعيات يبقي التمسك بمسالك العقول. وما ذكرتموه وإن اعترف بإمكانه مهما لم يشترط نفي النهاية عن هذه المعلومات فلا يعرف وجوده ولا يتحقق كونه، وإنما السبيل فيه أن يتعرف من الشرع لا من العقل.
ننازع في ثلاث من المقدمات
وأما ما ذكرتموه من الدليل العقلي أولاً فمبني على مقدمات كثيرة لسنا نطول بإبطالها ولكننا ننازع في ثلث مقدمات منها:
تكلمنا عن حركة الفلك الإرادية
المقدمة الأولى قولكم إن حركة السماء إرادية. وقد فرغنا من هذه المسألة وإبطال دعواكم فيها.
стр. 136
لا نسلم افتقار الإدراك إلى إرادة جزئية
الثانية أنه إن سلم ذلك مسامحة به فقولكم إنه يفتقر إلى تصور جزئي للحركات الجزئية فغير مسلم، بل ليس ثم جزء عندكم في الجسم فإنه شيء واحد وإنما يتجزا بالوهم ولا في الحركة فإنها واحدة بالاتصال فيكفي تشوقها إلى استيفاء الأيون الممكنة لها كما ذكروه ويكفيها التصور الكلي والإرادة الكلية.
نسلم هذا في شأن المتوجه إلى مكان
ولنمثل للإرادة الكلية والجزئية مثالاً لتفهيم غرضهم. فإذا كان للإنسان غرض كلي في أن يحج بيت الله مثلاً فهذه الإرادة الكلية لا يصدر منها الحركة لا الحركة تقع جزئية في جهة مخصوصة بمقدار مخصوص بل لا يزال يتجدد للإنسان في توجهه إلى البيت تصور بعد تصور للمكان الذي يتخطاه والجهة التي يسلكها، ويتبع كل تصور جزئي إرادة جزئية للحركة عن المحل الموصول إليه بالحركة. فهذا ما أرادوه بالإرادة الجزئية التابعة للتصور الجزئي وهو مسلم لأن الجهات متعددة في التوجه إلى مكة والمسافة غير متعينة، فيفتقر تعين مكان عن مكان وجهة عن جهة إلى إرادة أخرى جزئية.
لا في شأن الفلك
وأما الحركة السماوية فلها وجه واحد فإن الكرة إنما تتحرك على نفسها وفي حيزها لا تجاوزها، والحركة مرادة وليس ثم إلا وجه واحد وجسم واحد وصوب واحد، فهو كهوى الحجر إلى أسفل فإنه يطلب الأرض في أقرب طريق، وأقرب الطرق الخط المستقيم، فتعين الخط المستقيم فلو يفتقر فيه إلى تجدد سبب حادث سوى الطبيعة الكلية الطالبة للمركز مع تجدد القرب والبعد والوصول إلى حد والصدور عنه، فكذلك يكفي في تلك الحركة الإرادة الكلية للحركة ولا يفتقر إلى مزيد.
стр. 137
فهذه مقدمة تحكموا بوضعها.
نبطل معرفة لوازم الحركة
المقدمة الثالثة وهي التحكم البعيد جداً قولهم إنه إذا تصور الحركات الجزئية تصور أيضاً توابعها ولوازمها، وهذا هوس محض كقول القائل إن الإنسان إذا تحرك وعرف حركته ينبغي أن يعرف ما يلزم من حركته من موازاة ومجاوزة، وهو نسبته إلى الأجسام التي فوقه وتحته ومن جوانبه، وأنه إذا مشى في شمس ينبغي أن يعلم المواضع التي عليها ظله والمواضع التي لا يقع وما يحصل من ظله من البرودة بقطع الشعاع في تلك المواضع وما يحصل من الإنضغاط لأجزاء الأرض تحت قدمه وما يحصل من التفرق فيها وما يحصل في أخلاطه في الباطن من الاستحالة بسبب الحركة إلى الحرارة وما يستحيل من أجزائه إلى العرق وهلم جرا إلى جميع الحوادث في بدنه وفي غيره من بدنه مما الحركة علة فيه أو شرط أو مهيء ومعد، وهو هوس لا يتخيله عاقل ولا يغتر به إلا جاهل، وإلى هذا يرجع هذا التحكم.
الجزئيات المعلولة لنفس الفلك قد لا تكون الموجودة في الحال فقط .
على أنا نقول: هذه الجزئيات المفصلة المعلومة لنفس الفلك هي الموجودة في الحال أو ينضاف إليها ما يتوقع كونها في الاستقبال. فإن قصرتموه على الموجود في الحال بطل إطلاعه على الغيب وإطلاع الأنبياء في اليقظة وسائر الخلق في النوم على ما سيكون في الاستقبال بواسطة، ثم بطل مقتضى الدليل فإنه تحكم بأن من عرف الشيء عرف لوازمه وتوابعه، حتى لو عرفنا جميع أسباب الأشياء لعرفنا جميع الحوادث المستقبلة، وأسباب جميع الحوادث حاضرة في الحال فإنها هي الحركة السماوية ولكن تقتضي المسبب إما بواسطة أو بوسائط كثيرة.
ولا في الاستقبال إلى غير نهاية .
وإذا تعدى إلى المستقبل لم يكن له آخر فكيف يعرف تفصيل
стр. 138
الجزئيات في الاستقبال إلى غير نهاية وكيف يجتمع في نفس مخلوق في حالة واحدة من غير تعاقب علوم جزئية مفصلة لا نهاية لأعدادها ولا غاية لآحادها؟ ومن لا يشهد له عقله باستحالة ذلك فلييأس من عقله.
نفس الفلك أشبه بنفس الإنسان
فإن قلبوا هذا علينا في علم الله فليس تعلق علم الله بالاتفاق بمعلوماته على نحو تعلق العلوم التي هي للمخلوقات، بل مهما دار نفس الفلك دورة نفس الإنسان كان من قبيل نفس الإنسان فإنه شاركه في كونه مدركاً للجزئيات بواسطة، فإن لم يلتحق به قطعاً كان الغالب على الظن أنه من قبيله، فإن لم يكن غالباً على الظن فهو ممكن، والإمكان يبطل دعواهم القطع بما قطعوا به.
قولهم إن نفس الإنسان تدرك جميع الأشياء لولا انشغالها
فإن قيل: حق النفس الإنسانية في جوهرها أن تدرك أيضاً جميع الأشياء ولكن اشتغالها بنتائج الشهوة والغضب والحرص والحقد والحسد والجوع والألم وبالجملة عوارض البدن وما يورده الحواس عليه، حتى إذا أقبلت النفس الإنسانية على شيء واحد شغلها عن غيره. وأما النفوس الفلكية فبرية عن هذه الصفات لا يعتريها شاغل ولا يستغرقها هم وألم وإحساس فعرفت جميع الأشياء.
قولنا لعل نفس الفلك تنشغل
قلنا: وبم عرفتم أنه لا شاغل لها؟ وهلا كانت عبادتها واشتياقها إلى الأول مستغرقاً لها وشاغلاً لها عن تصور الجزئيات المفصلة؟ أو ما الذي يحيل تقدير مانع آخر سوى الغضب والشهوة وهذه الموانع المحسوسة؟ ومن أين عرف انحصار المانع في القدر الذي شاهدناه من أنفسنا، وفي العقلاء شواغل من علو الهمة وطلب الرئاسة ما يستحيل تصوره عند الأطفال ولا يعتقدونها شاغلاً ومانعاً، فمن أين يعرف استحالة
стр. 139
ما يقوم مقامها في النفوس الفلكية؟
فهذا ما أردنا أن نذكره في "العلوم الإلهية "
هذا ما أردنا أن نذكره في العلوم الملقبة عندهم بالإلهية.
стр. 140
أما الملقب بالطبيعيات وهي علوم كثيرة
وصفها
نذكر أقسامها ليعرف أن الشرع ليس يقتضي المنازعة فيها ولا إنكارها إلا في مواضع ذكرناها. وهي منقسمة إلى أصول وفروع.
و
أصولها ثمانية أقسام:
أصولها ثمانية
الأول يذكر فيه ما يلحق الجسم من حيث أنه جسم من الانقسام والحركة والتغير، وما يلحق الحركة ويتبعه من الزمان والمكان والخلاء، ويشتمل عليه كتاب سمع الكيان. الثاني يعرف أحوال أقسام أركان العالم التي هي السموات وما في مقعر فلك القمر من العناصر الأربعة وطبائعها وعلة استحقاق كل واحد منها موضعاً متعيناً، ويشتمل عليه كتاب السماء والعالم. الثالث يعرف فيه أحوال الكون والفساد والتولد والتوالد والنشوء والبلى والاستحالات وكيفية استبقاء الأنواع على فساد الأشخاص بالحركتين السماويتين الشرقية والغربية، ويشتمل عليه كتاب الكون والفساد. الرابع في الأحوال التي تعرض للعناصر الأربعة من الإمتزاجات التي منها تحدث الآثار العلوية من الغيوم والأمطار والرعد والبرق والهالة وقوس قزح والصواعق والرياح والزلازل. الخامس في الجواهر المعدنية. السادس في أحكام النبات.
стр. 141
السابع في الحيوانات وفيه كتاب طبائع الحيوانات. الثامن في النفس الحيوانية والقوى الدراكة وأن نفس الإنسان لا يموت بموت البدن وأنه جوهر روحاني يستحيل عليه الفناء.
وفروعها سبعة
أما فروعها فسبعة:
الأول الطب ومقصوده معرفة مبادئ بدن الإنسان وأحواله من الصحة والمرض وأسبابها ودلائلها ليدفع المرض ويحفظ الصحة. الثاني في أحكام النجوم وهو تخمين في الاستدلال من أشكال الكواكب وامتزاجاتها على ما يكون من أحوال العالم والملك والمواليد والسنين. الثالث علم الفراسة وهو استدلال من الخلق على الأخلاق. الرابع التعبير وهو استدلال من المتخيلات الحلمية على ما شاهدته النفس من عالم الغيب فخيلته القوة المتخيلة بمثال غيره. الخامس علم الطلسمات وهو تأليف للقوى السماوية بقوى بعض الأجرام الأرضية ليأتلف من ذلك قوة تفعل فعلاً غريباً في العالم الأرضي. السادس علم النيرنجات وهو مزج قوى الجواهر الأرضية ليحدث منه أمور غريبة. السابع علم الكيمياء ومقصوده تبديل خواص الجواهر المعدنية ليتوصل إلى تحصيل الذهب والفضة بنوع من الحيل.
لا نخالفهم شرعاً في شيء منها
وليس يلزم مخالفتهم شرعاً في شيء من هذه العلوم وإنما نخالفهم من جملة هذه العلوم في أربعة مسائل:
نخالفهم في أربعة مسائل
الأولى حكمهم بأن هذا الاقتران المشاهد في الوجود بين الأسباب
стр. 142
والمسببات اقتران تلازم بالضرورة، فليس في المقدور ولا في الإمكان إيجاد السبب دون المسبب ولا وجود المسبب دون السبب.
الثانية قولهم إن النفوس الإنسانية جواهر قائمة بأنفسها ليست منطبعة في الجسم وإن معنى الموت انقطاع علاقتها عن البدن بانقطاع التدبير وإلا فهو قائم بنفسه في كل حال. وزعموا أن ذلك عرف بالبرهان العقلي.
الثالثة قولهم إن هذه النفوس يستحيل عليها العدم بل هي إذا وجدت فهي أبدية سرمدية لا يتصور فناؤها.
والرابعة قولهم: يستحيل رد هذه النفوس إلى الأجساد.
المسألة الأولى: لإثبات المعجزات فقط وإنما يلزم النزاع في الأولى من حيث أنه ينبنى عليها إثبات المعجزات الخارقة للعادة من قلب العصا ثعباناً وإحياء الموتى وشق القمر. ومن جعل مجاري العادات لازمة لزوماً ضرورياً أحال جميع ذلك. وأولوا ما في القرآن من إحياء الموتى وقالوا: أراد به إزالة موت الجهل بحياة العلم. وأولوا تلقف العصا سحر السحرة على إبطال الحجة الإلهية الظاهرة على يد موسى شبهات المنكرين، وأما شق القمر فربما أنكروا وجوده وزعموا أنه لو يتواتر.
قولهم لا تكون المعجزات إلا في القوة المتخيلة
ولم يثبت الفلاسفة من المعجزات الخارقة للعادات إلا في ثلثة أمور: أحدها في القوة المتخيلة، فإنهم زعموا أنها إذا استولت وقويت ولم يستغرقها الحواس والاشتغال اطلعت على اللوح المحفوظ وانطبع فيها صور الجزئيات الكائنة في المستقبل وذلك في اليقظة للأنبياء ولسائر الناس في النوم، فهذه خاصية النبوة للقوة المتخيلة.
وفي القوة العقلية، لأن البعض ينتبهون في أسرع الأوقات وأقربها
الثانية خاصية في القوة العقلية النظرية وهو راجع إلى قوة الحدس وهو سرعة الانتقال من معلوم إلى معلوم. فرب ذكي إذا ذكر له المدلول تنبه للدليل
стр. 143
وإذا ذكر له الدليل تنبه للمدلول من نفسه وبالجملة إذا خطر له الحد الأوسط تنبه للنتيجة وإذا حضر في ذهنه حدا النتيجة خطر بباله الحد الأوسط الجامع بين طرفي النتيجة. والناس في هذا منقسمون فمنهم من يتنبه بنفسه ومنهم من يتنبه بأدنى تنبيه ومنهم من لا يدرك مع التنبيه إلا بتعب كثير. وإذا جاز أن ينتهي طرف النقصان إلى من لا حدس له أصلاً حتى لا يتهيأ لفهم المعقولات مع التنبيه جاز أن ينتهي طرف القوة والزيادة إلى أن ينتبه لكل المعقولات أو لأكثرها وفي أسرع الأوقات وأقربها.
ولا سيما النبي
ويختلف ذلك بالكمية في جميع المطالب أو بعضها وفي الكيفية حتى يتفاوت في السرعة والقرب. فرب نفس مقدسة صافية يستمر حدسها في جميع المعقولات وفي أسرع الأوقات. فهو النبي الذي له معجزة من القوة النظرية فلا يحتاج في المعقولات إلى تعلم بل كأنه يتعلم من نفسه، وهو الذي وصف بأنه يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور.
وفي القوة النفسية العملية وهي تنفعل بها أعضاء البدن
الثالث القوة النفسية العملية، وقد تنتهي إلى حد تتأثر بها الطبيعيات وتتسخر. ومثاله أن النفس منا إذا توهم شيئاً خدمته الأعضاء والقوى التي فيها فحركت إلى الجهة المتخيلة المطلوبة، حتى إذا توهم شيئاً طيب المذاق تحلبت أشداقه وانتهضت القوة الملعبة فياضة باللعاب من معادنها، وإذا تصور الوقاع انتهضت القوة فنشرت الآلة، بل إذا مشى على جذع ممدود على فضاء طرفاه على حائطين اشتد توهمه للسقوط فانفعل الجسم بتوهمه وسقط، ولو كان ذلك على الأرض لمشى عليه ولم يسقط، وذلك لأن الأجسام والقوى الجسمانية خلقت خادمة مسخرة للنفوس، ويختلف ذلك باختلاف صفاء النفوس وقوتها.
وقد يكون الانفعال حتى في غير البدن
فلا يبعد أن تبلغ قوة النفس إلى حد تخدمه القوة الطبيعية في غير بدنه لأن نفسه ليست منطبعة في بدنه إلا أن له نوع ونزوع وشوق إلى تدبيره خلق ذلك في جبلته فإذا جاز
стр. 144
أن تطيعه أجسام بدنه لم يمتنع أن يطيعه غيره، فيتطلع نفسه إلى هبوب ريح أو نزول مطر أو هجوم صاعقة أو تزلزل أرض لتخسف بقوم، وذلك موقوف حصوله على حدوث برودة أو سخونة أو حركة في الهواء، فيحدث في نفسه تلك السخونة والبرودة ويتولد منه هذه الأمور من غير حضور سبب طبيعي ظاهر، ويكون ذلك معجزة للنبي ولكنه إنما يحصل ذلك في هواء مستعد للقبول ولا ينتهي إلى أن ينقلب الخشب حيواناً وينفلق القمر الذي لا يقبل الإنخراق.
قولنا هذا لا ننكره، ولكنا نثبت معجزات غيرها يستثنونها
فهذا مذهبهم في المعجزات ونحن لا ننكر شيئاً مما ذكروه وأن ذلك مما يكون للأنبياء وإنما ننكر اقتصارهم عليه ومنعهم قلب العصا ثعباناً وإحياء الموتى وغيره فلزم الخوض في هذه المسألة لإثبات المعجزات ولأمر آخر وهو نصرة ما أطبق عليه المسلمون من أن الله قادر على كل شيء. فلنخض في المقصود.
стр. 145
مسألة الاقتران بين ما يعتقد في العادة
سبباً وما يعتقد مسبباً ليس ضرورياً
الاقتران بين ما يعتقد في العادة سبباً وما يعتقد مسبباً ليس ضرورياً عندنا بل كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر ولا نفيه متضمن لنفي الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر مثل الري والشرب والشبع والأكل والاحتراق ولقاء النار والنور وطلوع الشمس والموت وجز الرقبة والشفاء وشرب الدواء وإسهال البطن واستعمال المسهل وهلم جرا إلى كل المشاهدات من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف، وإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه يخلقها على التساوق لا لكونه ضرورياً في نفسه غير قابل للفرق بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل وخلق الموت دون جز الرقبة وإدامة الحيوة مع جز الرقبة وهلم جرا إلى جميع المقترنات، وأنكر الفلاسفة إمكانه وادعوا استحالته.
مثلاً النار والقطن
والنظر في هذه الأمور الخارجة عن الحصر يطول، فلنعين مثالاً واحداً وهو الاحتراق في القطن مثلاً مع ملاقاة النار، فإنا نجوز وقوع الملاقاة بينهما دون الاحتراق ونجوز حدوث انقلاب القطن رماداً محترقاً دون ملاقاة النار وهم ينكرون جوازه.
قول الخصم فاعل الاحتراق هو النار فقط وهو فاعل بالطبع
وللكلام في المسألة ثلثة مقامات: المقام الأول أن يدعي الخصم أن فاعل الاحتراق هو النار فقط
следующие страницы →