Полный текст (543 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الصبا فقال والله لا أبرح حتى تهب الصبا فأقام في ناحية من الجبل ومضوا فامتاروا له ولهم ثم أتوا فحبسهم حتى هبت الصبا ورحل معهم وفي ذلك يقول:
أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصبا يخلص إلي نسيمها
أجد بردها أو تشف مني حرارةٌ ... على كبدٍ لم يبق إلا صميمها
فإن الصبا ريحٌ إذا ما تنسمت ... على نفس مهمومٍ تجلت همومها
وضمن البيت الأول الشيخ صفي الدين الحلي في مليح اسمه نعمان
أقول وقد عانقت نعمان ليلةً ... بنور محياه أنارَ أديمها
وقد أرسلت إلياه نحوي فسوةً ... يروح كرب المستهام شميمها
أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصبا يخلص إلي نسيمها
وكان لابن الجوزي رحمه الله تعالى زوجة أسمها نسيم الصبا فاتفق أنه طلقها فحصل له عند ذلك ندم وهيام أشرف منه على التلف فحضرت في بعض الأيام مجلس وعظه فحين رآها عرفها فاتفق أنه جاءته امرأتان وجلستا أمامه فحجبتاها عند فأنشد في الحال:
أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصبا يخلصْ إلي نسيمها
قلت وعلى ذكر نعمان
стр. 37
والكناية عنه فما ألطف ما ذكره الشيخ بدر الدين حسن بن زفر الطبيب الأربلي في كتابه روضة الجليس ونزهة الأنيس وهو أن بعض الرؤساء قال: أخبرني بعض الأصحاب قال: كنت يوما جالسا عند صديق لي بالموصل إذ جاءه كتاب من بغداد من صديق له وفيه تشوق وفيه عتاب بهذا البيت:
تناسيتم العهد القديم كأننا ... على جبلي نعمان لن نتجمعا
فأخذ يستحسن هذا البيت ويهتز له فقلت بالله عليك أسألك شيئاً لا تخفه قال سل قلت هذه معشوقتك صاحبة هذا الكتاب هل كنت تأتيها من وراء الدار فقال أي والله ومن أين علمت ذلك فقلت من البيت لأنها ذكرتك فيه بجبلي نعمان وهما كناية عند الظرفاء من أهل الأدب عن جانبي الكفل للمليح والمليحة فقال والله ما أدركت ما أدركت ونقلت من اللطائف المسبوكة في قالب التورية أن بعض الكتاب دخل يسلم على بعض فضلاء النحاة وكان من أصحابه فوجده قائما يلوط بأحد الغلمان الملاح من طلبته في قراءة النحو ولم يره الغلام فجلس النحوي في مكانه وبقي الغلام
стр. 38
واقفا مبهوتا فقال الكاتب للنحوي مالي أرى هذا الغلام واقفا فقال النحوي وقع عليه الفعل فانتصب.
ومثل ذلك قصة ابن عنين مع الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل لما كتب إليه في مرضه:
أنظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلافَ قبل تلافي
أنا كالذي احتاج ما يحتاجه ... فأغنم دعائي والثناء الوافي
فحضر إليه المعظم بنفسه ومعه ثلثمائة دينار وقال له أنت الذي وأنا الغائد وهذه الصلة وظرف من قال:
وذي أدبٍ بارعٍ لكنهُ ... أولجت فيه قمداً عتف
فقلت فديتك أعصر عليه ففيه اللذاذة لو تعترف
فقال أجدت ولكن لحنت ... لقولك أعصر بفتح الألف
فقلت لك الويل من أحمقٍ ... فقال وأحمق لا ينصرف
وأظرف منه قول الحسين بن الريان:
أتيت حانة خمار وصاحبها ... مما جنى متقن للنحو ذو لسن
وحوله كل هيفاءٍ منعمةٍ ... وكل علقٍ رشيقٍ أهيفٍ حسن
فقال لي إذ رأى عيني قد انصرفت ... إلى النساء كلام الحاذق الفطنِ
أنت وركب وصف وأعدل بمعرفةٍ ... وأجمع وزد واسترح من عمةٍ وزن
ومثله ما حكي أن بعض الفقراء
стр. 39
وقف على باب نحوي فقرعه فقال النحوي من بالباب فقال سائل فقال ينصرف فقال اسمي أحمد فقال النحوي لغلامه أعط سيبويه كسرة.
ومثله قول ابن عنين:
شكا ابن المؤبد من عزله ... وذم الزمان وأبدى السفه
فقلت له:
لا تذم الزمان ... فتظلم أيامه المنصفه
ولا تعجبن إذا ما صرفت ... فلا عدل فيك ولا معرفه
وألطف منه قول القائل:
ورقيعٍ أراد أن يعرف النحو ... بزي العيار لا المستفتي
قال لي لست تعرف النحو مثلي ... قلت سلني عنه أجب في الوقت
قال ما المبتدا وما الخبر المجرور ... أوجز فقلت ذقنك في استي
وأحسن منه وأبدع قول الشيخ زين الدين بن الوردي:
وشادنٍ يسالني ... ما المبتدا والخبر
مثلهما لي مسرعاً ... فقلت أنت القمر
ومن النكت المسبوكة في قالب التورية أيضا ما قيل أن شهاب الدين القوصي حضر عند الملك الأشرف وقد دخل إليه سعد الدين الحكيم فقال الملك الأشرف ما تقول في سعد الدين الحكيم لشهاب الدين فقال يا مولانا السلطان إذا كان بين يديك فهو سعد الدين، وعلى السماط سعد بلع، وفي الخباء عن الضيوف سعد الأخبية، وعند
стр. 40
مرض المسلمين سعد الذابح قال فضحك الملك الأشرف واستسحن اتفاقه البديعي وابدع منه في هذا الباب ما نقل عن الشيخ نظام الدين قيس إنه لقي الصاحب عز الدين عبد العزيز بن منصور فسأله الصاحب عن حاله فقال:
حالٌ متى علم ابنُ منصورٍ بها ... جاء الزمان إليّ منها تائبا
قلت إن نظام الدين أحق من أبي الطيب بهذا البيت ومن النكت بالتورية أيضاً قيل إن بعض الماجنات أرادت السفر فلقيها بعض المجان فقال لها خذي معك هذا الكتاب وأشار إلى ذكره فقالت له على الفور إن لم ألق أمك أعطه أختك ومثل ذلك أن الشيخ بدر الدين بن الصاحب لقي شخصاً ومعه مليحان فقال ما اسمك فقال عبد الواحد فقال أخرج منهما فأنا عبد الاثنين. ومثله أن ابن نقيلة المغني مرض وأشرف على الموت فجاء إليه ابن الصاحب يعوده فقال له كيف حال النقيلية فقال ما أخوفني أن تصير مدفونة مثله أن بعض المجان رأى امرأة حاملة سرموجة فقال له متى زوجك حملك تركاشه فقالت له رح لأرميك منه بفردة ومثله أن بعضهم رأى امرأة حاملة فردة سقمان لتخيطه فقال لها: أعتقي هذا الغراب.
стр. 41
فقالت له رح لأسيبه ينقرك. ومثله أن الشيخ بد الدين المذكور أولا حضر إلى مجلس قاضي القضاة ناصر الدين المالكي فذكروا محاسن القاضي محب الدين ناظر الجيشين وحسن أخلاقه ثم ذكروا محاسن الشعر فأنشده قاضي القضاة:
فكم أبٍ قد علا بابنٍ ذوي شرفٍ ... كما علت برسول الله عدنان
فكل من الجماعة أثنى على هذا البيت فقال الشيخ بد الدين ابن الصاحب والقاضي محب الدين يحب هذا البيت فطربوا له. ومما وقع له بذلك المجلس أنه لما قدم المشروب على العادة كان قد تولى السقيا مملوك له اسمه بكتمر فلما شرب الشيخ بدر الدين قال له قاضي القضاة ما تقول يا شيخ قال رأيت ملك العلماء بكتمر الساقي ومثله أن الصاحب بن سكر أراد قارئا يقرأ بالمدرسة التي أنشأها بالقاهرة فاختاروا له رجلين أحدهما اسمه زيادة والآخر مرتضى فوقع في ظهر القصة مرتضى زيادة وزيادة مرتضى. ومثله أن ابا الحسين الخراز جاء إلى باب الصاحب زين الدين بن الزبير فأذن للناس في الدخول ولم يأذن له فكتب في ورقة:
الناس كلهم كالأير قد دخلوا ... والعبد مثل الخصي ملقى على الباب
стр. 42
فلما قرأها ابن الزبير قال لحاجبه أخرج إلى الباب وقل يا خصي أدخل فدخل أبو الحسين وهو يقول هذا دليل على السعة ومن التنكيت والحشمة بالتورية أن الشيخ صلاح الدين الصفدي قال أخبرني الشيخ فتح الدين بن سيد الناس بالقاهرة قال قلت للشيخ تقي الدين بن دقيق العيد أن بهاء الدين بن النحاس يرجح أبا تمام على المتنبي فما رأيك أنت فسكت فقلت ثانيا فقال كنت كذا في الأول قال الشيخ صلاح الدين ولما حكيت للشيخ جمال الدين بن نباتة قال أنا على رأي ابن دقيق العيد قال الشيخ صلاح الدين وممن رأيته يعظم أبا تمام شيخنا أثير الدين ويرجحه على المتنبي فعذلناه في ذلك فقال أنا ما أسمع عذلا في حبيب.
ونقلت من خط الصاحب فخر الدين ابن الكانس ﵀ قال سافرت سنة إحدى وستين وسبعمائة مع الصاحب فخر الدين ابن قزوينية إلى دمشق المحروسة وقد ولي نظر مملكتها ووالدي ﵀ افتاءها وكان له دوادار يسمى صبيحاً وهو من عتقاء جده الوزير أمين الدين بن الغنام وكان لطيفا كثير النوادر فاتفق أن جمال الدين بن الرهاوي موقع دست الوزارة ركب يوما فتقنطر به
стр. 43
الفرس وداس على رأس أحليله فحمل إلى داره وأقام أياما إلى أن عوفي وحضر مجلس الوزارة وهو غاص بالناس فقال الصاحب ما سبب تأخرك فقال تقنطر بي الفرس وداس رأس احليلي فكدت أموت والآن فقد لطف الله تعالى وحصل البرء والشفاء فقال له صبيح: الحمد لله على سلامة الخصي فانقلب المجلس ضحكا وخجل ابن الرهاوي وانصرف. وحكي أن بعض الرؤساء كان له خادم وعبد فدخل يوما فوجد العبد فوق الخادم فضربه وخرج فرأى بعض أصدقائه فساله عن غيظه فقال هذا العبد النحس فعل بالخويدم الصغير فقال بل مولانا السيد الكبير فخجل منه وأبرزها في قالب المجون.
وأنشد ابن الجوزي في بعض مجالس وعظه:
أصبحت ألطف من مر النسيم على ... زهر الرياض يكادُ الوهم يؤلمني
من كل معنىً لطيفٍ أجتلي قدحاً ... وكل ناطقةٍ في الكون تطربني
فقام إليه إنسان فقال يا سيدي الناطق حمارٌ فقال أقول له يا حمار اسكت ويعجبني قول برهان الدين القيراطي:
صاح هذي قباب طيبةَ لاحت
стр. 44
.. وفؤادي على اللقاء حريص
وتبدت نخيلها للمطايا ... فعيون المطي للنخل خوص
ويطربني ما حكاه أبو الفوارس بن اسرائيل الدمشقي. قال كنت يوما عند السلطان صلاح الدين يوسف بن ايوب فحضر رسول صاحب المدينة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ومعه قواد وهدايا فلما جلس أخرج من كمه مروحة بيضاء عليها سطران بالسعف الأحمر وقال الشريف يخدم مولانا السلطان ويقول هذه المروحة ما رأى مولانا السلطان ولا أحد من بني أيوب مثلها فاستشاط السلطان صلاح الدين غضباً فقال الرسول يا مولانا السلطان لا تعجل قبل تأملها وكان السلطان صلاح الدين ملكا حليما فتأملها فإذا عليها مكتوب:
أنا من نخلةٍ تجاور قبراً ... ساد من فيه سائر الناس طرا
شملتني عناية القبر حتى ... صرت في راحة ابن أيوب أقرا
وإذا هي من خوص النخل الذي في مسجد الرسول ﷺ فقبلها السلطان صلاح الدين ووضعها على رأسه وقال لرسول صاحب المدينة النبوية صدقت فيما قلت من تعظيم هذه المروحة. وأحسن ما سمع فيها قول عرقلة الدمشقي:
ومحبوبةٍ في القيظ لم تخلُ من يدٍ ... وفي القرٍّ تسلوها أكفُّ الحبائب
إذا ما الهوى المقصور هيج عاشقاً
стр. 45
.. أتت بالهوى الممدود من كل جانب
وقال غيره وأجاد:
ومروحةٍ أهدت إلى النفس روحها ... لدى القيظ مبثوثاً بإهداء ريحها
روينا عن الريح الشمال حديثها ... على ضعفه مستخرجاً من صحيحها
نقل الحافظ اليعمري أن أبا نصر المنازي واسمه أحمد بن يوسف دخل على أبي العلاء المعري في جماعة من أهل الأدب فأنشد كل واحد منهم من شعره ما تيسر فأنشده أبو نصر:
وقانا لفحة الرمضاء وادٍ ... سقاه مضاعف الغيث العميم
نزلنا دوحه فحنا علينا ... حنو الوالدات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأٍ زلالاً ... ألذَّ من المدامة للنديم
يصدُّ الشمس أني واجهتنا ... فيحجبها ويأذن للنسيم
يروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم
فقال أبو العلاء أنت أشعر من بالشام.
ثم رحل أبو العلاء إلى بغداد فدخل المنازي عليه في جماعة من أهل الأدب ببغداد وأبو العلاء لا يعرف منهم أحداً فأنشد كل واحد ما حضره من شعره
стр. 46
حتى جاءت نوبة المنازي فأنشد:
لقد عرض الحمام لنا بسجعِ ... إذا أصغى له ركبٌ تلاحى
شجى قلب الخلي فقيل غنى ... وبرح بالشجيِّ فقيل ناحا
وكم للشوق في أحشاء صبٍّ ... إذا اندملت أجدَّ لها جراحا
ضعيف الصبر عنك وإن تقاوى ... وسكران الفؤاد وإن تصاحى
بذاك بنو الهوى سكرى صحاةً ... كأحداق المها مرضى صحاحا
فقال أبو العلاء ومن بالعراق عطفا على قوله من بالشام انتهى.
نادرة مشى البيدق اليزيدي مع شاب موسوم بالجمال فقال له شمس الدين بن المنجم الشاعر أراك يا بيدق تفرزنت حول هذه النفس فقال وإذا كان فقال أخشى عليك من ذلك الرخ لا يقطعك من الحاشية ويرميك عن الفرس ويقطع عليك الرقعة ولو كان في كفك الفيل. ومثله في الظرف أن بعض الأجناد كان كثير اللعب بالشطرنج وكان الجندي خليعاً ظريفاً فأعطاه الأمير في بعض الأيام فرسا وقال له لا تفرط فيها فقال نعم وبعد ذلك التقاه الأمير وهو لابس جوخة فقال ويلك أين الفرس فقال يا خوند ضربني الشتاء
стр. 47
شاه مات فتسترت بالفرس. ويعجبني قول الشيخ بد الدين ابن الصاحب:
تأمل تر الشطرنج كالدهر دولةً ... نهاراً وليلاً ثم بؤساً وأنعما
محركها باقٍ وتفنى جميعها ... وبعد الفنا تحيا وتبعث أعظما
قلت ويشبه هذا قول الفاضل وقد أخرج له السلطان الملك الناصر صلاح الدين من القصر من يعاني الخيال أعني خيال الظل ليفرجه عليه فقام الفاضل عند الشروع في عمله فقال له الناصر إن كان حراما فما نحضره وكان حديث العهد بخدمته قبل أن يلي السلطنة فما أراد أن يكدر عليه فقعد إلى آخره فلما إنقضى ذلك قال له الملك الناصر كيف رأيت ذلك قال رأيت موعظة عظيمة رأيت دولاً تمضي ودولاً تأتي ولما طوي الأزار إذا المحرك واحد فأخرج ببلاغته هذا الجد في هذا الهزل انتهى.
وللشيخ بدر الدين الصاحب مضمنا في الشطرنج:
أميل لشطرنج أهل النهي ... وأسلوه من ناقل الباطل
وكم رمت تهذيب لعابها ... وتأبى الطباع على الناقل
ويعجبني قول الشيخ عز الدين الموصلي حيث قال:
جاهل شطرنجٍ ينادي وقد ... أمات نفس اللعب من عكسه
ما تفعل الأفعال في جاهلٍ ... ما يفعل الجاهل في نفسه
стр. 48
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
افديه لاعب شطرنجٍ قد اجتمعت ... في شكله من معاني الحسن أشتاتُ
عيناه منصوبةٌ للقلب غالبةٌ ... والخد فيه لقتل النفس شاماتُ
نادرة لطيفة حكي أن السراج الوراق جهز غلاما له يوما ليبتاع له زيتا طيبا ليأكل به لفتا فأحضره وقلبه على اللفت فوجده زيتا حاراً فأنكر على الغلام ذلك فأخذه وجاء إلى البياع وقال له لم تفعل مثل هذا فقال له والله يا سيدي مالي ذنب لأنه قال أعطني زيتا للسراج انتهى.
ومثله ما حكاه الصاحب فخر الدين بن مكانس عن صاحبه سراج الدين القوصي أنه كان حصل له طلوع في جسده فتردد إليه المزين وصنع له فتائل على العادة قال فقلت له يوما كيف الحال يا سراج الدين فقال كيف حال سراج فيه سبع فتائل.
ورأيت له في ديوانه يداعب سراج الدين المذكور بقوله:
إذا السراج اشترى أيري فأنت به ... أولى وذلك للأمر الذي وجبا
إسكندريٌّ وتُدعى بالسراج وذا ... مثلُ المنار إذا ما قام وانتصبا
نادرة لطيفة اجتمع محدث ونصراني في سفينة فصب النصراني من
стр. 49
ركوة كانت معه في مشربة وشرب وصب وعرض على المحدث فتناولها من غير فكر ولا مبالاة فقال النصراني جعلت فداك هذا خمر فقال من أين علمت أنها خمر قال اشتراها غلامي من خمار يهودي وحلف أنها خمر عتيق فشربها بالعجلة وقال للنصراني أنت أحمق نحن أصحاب الحديث نروي عن الصحابة والتابعين أفنصدق نصرانيا عن غلامه عن يهودي والله ما شربتها إلا لضعف الإسناد.
نادرة لطيفة نظر طفيلي إلى قوم ذاهبين فلم يشك أنهم في دعوة ذاهبون إلى وليمة فقام وتبعهم فإذا هم شعراء قد قصدوا السلطان بمدائح لهم فلما أنشد كل واحد شعره وأخذ جائزته لم يبق إلى الطفيلي وهو جالس ساكت فقال له أنشد شعرك فقال لست بشاعر قيل فمن أنت قال من الغاوين الذين قال الله تعالى في حقهم " والشعراء يتبعهم الغاوون " فضحك السلطان وأمر له بجائزة الشعراء.
وحكى الهيثم بن عدي قال ماشيت الإمام أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه في نفر من أصحابه إلى عيادة مريض من أهل الكوفة وكان المريض بخيلا وتواصينا على أن نعرض بالغداء فلما دخلنا وقضينا حق العيادة قال بعضنا آتنا
стр. 50
غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال فتمطى المريض وقال ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج فغمز أبو حنيفة أصحابه وقال قوموا فما لكم هنا من فرج انتهى.
ومن غرائب المنقول أن يحيى بن اسحق كان طبيباً حاذقاً صانعاً بيده وكان في صدر دولة عبد الرحمن الناصر لدين الله واستوزروه نقل عنه من حذقه أنه أتى إليه بدوي على حمار وهو يصيح على باب داره أدركوني وكلموا الوزير بخبري فلما دخل عليه قال ما بالك قال ورم باحليلي منعني النوم منذ أيام وأنا في الموت فقال له اكشف عنه فأذا هو وارم فقال لرجل جاء معه أحضر لي حجراً أملس فطلبه فوجده فقال له ضع عليه الأحليل فلما تمكن أحليل الرجل من الحجر جمع الوزير يده وضرب الأحليل ضربة غشي على الرجل منها ثم اندفع الصديد يجري فلما انقطع جريان الصديد فتح الرجل عينيه ثم بال في أثر ذلك فقال له أذهب فقد برأت علتك وأنت رجل عابث واقعت بهيمة في دبرها فصادفت شعيرة من علفها ولجت في عين الاحليل فورم لها وقد خرجت في الصديد فقال له الرجل قد فعلت ذلك وهذا يدل على الحذق المفرط. ومثله
стр. 51
أن ابن جميع الاسرائيلي كان من الأطباء المشهورين والعلماء المذكورين خدم سلطان مصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وحظي في أيامه وكان رفيع المنزلة نافذ الأمر. ومما نقل عنه في حذقه أنه كان جالسا في دكان وقد مرت عليه جنازة فملا نظر إليها صاح يا أهل الميت إن صاحبك لم يمت ولا يحل أن تدفنوه حيا فقال بعضهم لبعض هذا الذي يقوله لا يضرنا ويتعين أن فمتحنه فإن كان حيا فهو المراد وإن لم يكن حيا فما يتغير علينا شيء فاستدعوه إليهم وقالوا بين لنا ما قلت فأمرهم بالعود إلى البيت وأن ينزعوا أكفانه فلما فرغوا من ذلك أدخله الحمام وسكب عليه الماء الحار وأحمى بدنه نطله فظهر فيه أدنى حسن وتحرك حركة خفيفة فقال أبشروا بعافيته ثم تمم علاجه إلى أن أفاق وصحا فكان ذلك مبدأ اشتهاره بشدة الحذق والعلم ثم إنه سئل بعد ذلك ومن أين علمت أن في ذلك الميت بقية روح وهو في الأكفان محمود فقال نظرت إلى قديمه فوجدتهما قائمتين وأقدام الموتى منبسة فحدست أنه حي وكان حدسي صائبا.
نادرة لطيفة قيل إن المنصور ابن أبي عامر الأندلسي كان إذا قصد غزاة عقد لواءه بجامع قرطبة ولم يسر إلى الغزاة إلا من الجامع فاتفق أنه
стр. 52
في بعض حركاته للغزاة توجه إلى الجامع لعقد اللواء فاجتمع عنده القضاة والعلماء وارباب الدولة فرفع حامل اللواء اللواء فصادف ثريا من قناديل الجامع فانكسرت على اللواء وتبدد عليه الزيت فتطير الحاضرون من ذلك وتغير وجه المنصور فقال رجل أبشر يا أمير المؤمنين بغزاة هينة وغنيمة سارة فقد بلغت أعلامك الثريا وسقاها الله من شجرة مباركة فأستحسن المنصور ذلك واستبشر به وكانت العزوة من أبرك الغزوات. ومثل هذا لما خرج المنصور العباسي إلى قتال أبي يزيد الخارجي في جماعة من الأولياء وواجه الحصن سقط الرمح من يده فأخذه بعض الأولياء فمسحه وقال:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قرّ عيناً بالإياب المسافر
فضحك المنصور وقال لم ما قلت فألقى موسى عصاه فقال يا أمير المؤمنين العبد تكلم بما عنده من إشارات المتأدبين وتكلم أمير المؤمنين بما أنزل على النبي من كلام رب العالمين فكان الأمر على ما ذكره وأخذ الحصن وحصل الظفر بأبي يزيد.
حكي أن الشيخ شهاب الدين ابن محمود قال عدت قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان في دمشق بالمدرسة النجيبية سنة إحدى وثمانين وستمائة فأنشدني لبعض أهل
стр. 53
الأدب في نقيب الأشراف بالمدائن رثاء خلب قلبي وهو يقول:
قد قلت للرجل المولى غسله ... هلا أطاع وكنت من نصائحه
جنبه ماءك ثم غسله بما ... أذرت عيون المجد عند بكائه
وأزل أفاويه الحنوط ونحها ... عنه وحنطه بطيب ثنائه
ومر الملائكة الكرام بنقله ... شرفاً ألست تراهمُ بإزائه
لا توهِ أعناقَ الرجال بحمله ... يكفي الذي حملوه من نعمائه
قال الشيخ شهاب الدين فوقع في نفسي أنه أحق الناس بهذا الرثاء وأنه نعى نفسه فمات في ذلك الأسبوع برد الله مضجعه.
نكتة لطيفة قيل إنه لما رجع الشيخ شهاب الدين السهروردي ﵀ من الشام إلى بغداد وجلس على عادته أخذ يقلل أحوال الناس ويهضم جانب الرجال ويقول إنه ما بقي من يجاري وقد خلت الدنيا وأنشد:
ما في الصحاب أخو وجدٍ نطارحه ... حديث نجدٍ ولا خلٌّ نجاريه
فصاح من أطراف المجلس رجل عليه قباء وكلوتة فقال يا شيخ كم تنتقص بالقوم والله إن فيهم من لم يرض أن يجاريك وقصاراك أن تفهم ما يقول هلا قلت:
ما في الصحاب وقد سارت حمولهم ... إلا محبٌّ له في الركب محبوب
стр. 54
كأنما يوسفٌ في كلٍّ راحلةٍ ... والحيّ في كلِّ بيتٍ منه يعقوب
فصاح السهروردي ونزل عن الكرسي وطلب الشاب فلم يجده.
حكي عن ابن المطرزي الشاعر أنه مر وفي رجله نعل بالية بالشريف الرضي فأمر بإحضاره وقال أنشدني أبياتك التي تقول فيها:
إذا لم تبلغني إليك ركائبي ... فلا وردت ماءً ولا رعت العشبا
فأنشده إياها فلما انتهى إلى هذا البيت أشار إلى نعله البالية وقال هذه كانت ركائبك فأطرق ابن المطرزي ساعة ثم قال لما عادت هبات مولانا الشريف إلى مثل قوله:
وخذ النوم من جفوني فإني ... قد خلعت الكرى على العشاق
عادت ركائبي إلى مثل ما ترى لأنك خلعت ما لا تملك على من لا يقبل فخجل الشريف وقابله بما يليق من الإكرام.
قلت وأما الأجوبة الهاشمية وبلاغتها في المحل الأرفع.
فمن ذلك أنه اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص والوليد بن عقبة وعقبة بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة فقالوا يا أمير المؤمنين ابعث لنا إلى الحسن بن علي فقام لهم فيم: فقالوا: كي نوبخه ونعرفه إن أباه قتل عثمان فقال
стр. 55
لهم إنكم لا تنتصفون منه ولا تقولون شيئاً إلا كذبكم الناس ولا يقول لكم شيئاً ببلاغته إلا صدقه الناس فقالوا ارسل إليه فإنا سنكفيك أمره فأرسل إليه معاوية فلما حضر قال يا حسن إني لم أرسل إليك ولكن هؤلاء أرسلوا إليك فاسمع مقالتهم وأجب ولا تحرمني فقال الحسن ﵇ فليتكلموا ونسمع فقام عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه ثم قال هل تعلم يا حسن أن أباك أول من أثار الفتنة وطلب الملك فكيف رأيت صنع الله به، ثم قام الوليد بن عقبة بن أبي معيط فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا بني هاشم كنتم أصهار عثمان بن عفان فنعم الصهر كان يفضلكم ويقربكم ثم بغيتم عليه وقتلتموه ولقد أردنا يا حسن قتل أبيك فأنقذنا الله منه ولو قتلناه بعثمان ما كان علينا من الله ذنب، ثم قام عقبة فقال تعلم يا حسن أن أباك بغي على عثمان فقتله حسدا على الملك والدنيا فسلبهما ولقد أردنا قتل أبيك حتى قتله الله تعالى ثم قام المغيرة بن شعبة فكان كلامه كله سبا لعلي وتعظيما لعثمان فقام الحسن ﵇ فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال بك أبدأ يا معاوية لم يشتمني هؤلاء ولكن أنت تشتمني بغضا وعداوة وخلافا
стр. 56
لجدي ﷺ ثم التفت إلى الناس وقال أنشدكم الله أتعلمون أن الرجل الذي شتمه هؤلاء كان أول من آمن بالله وصلى للقبلتين وأنت يا معاوية ويومئذ كافر تشرك بالله وكان معه لواء النبي ﷺ يوم بدر ومع معاوية وأبيه لواء المشركين ثم قال أنشدكم الله والإسلام أتعلمون أن معاوية كان يكتب الرسائل لجدي ﷺ فأرسل إليه يوما فرجع الرسول وقال هو يأكل فرد الرسول إليه ثلاث مرات كل ذلك وهو يقول هو يأكل فقال النبي ﷺ لا أشبع الله بطنه أما تعرف ذلك في بطنك يا معاوية ثم قال وأنشدكم الله أتعلمون أن معاوية كان يقود بأبيه على جمل وأخوه هذا يسوقه فقال رسول الله ﷺ لعن الله الجمل وقائده وراكبه وسائقه هذا كله لك يا معاوية وأما أنت يا عمرو فتنازع فيك خمسة من قريش فغلب عليك شبه ألأمهم حسبا وشرهم منصبا ثم قمت وسط قريش فقلت إني شانىء محمدا فأنزل الله على نبيه ﷺ إن شانئك هو الأبتر ثم هجوت محمدا ﷺ بثلاثين بيتا من
стр. 57
الشعر فقال النبي ﷺ اللهم إني لا أحسن الشعر ولكن العن عمرو بن العاص بكل بيت لعنة ثم انطلقت إلى النجاشي بما علمت وعلمت فأكذبك الله وردك خائبا فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والإسلام فلم نلمك على بغضك وأما أنت يا ابن أبي معيط فكيف الومك على سبك لعلي وقد جلد ظهرك في الخمر ثمانين سوطاً وقتل أبوك صلباً بأمر جدي وقتله جدي بأمر ربي ولما قدمه للقتل قال من للصبية فلم يكن لكم عند النبي إلا النار ولم يكن لكم عند علي غير السيف والسوط وأما أنت يا عتبة فكيف تعد أحداً بالقتل لم لا قتلت الذي وجدته في فراشك مضاجعا لزوجتك ثم أمسكتها بعد أن بغت وأما أنت يا أعور ثقيف ففي أي ثلاث تسب علياً أفي بعده من رسول الله ﷺ أم في حكم جائر أم رغبة في الدنيا فإن قلت شيئاً من ذلك فقد كذبت وأكذبك الناس وإن زعمت أن عليا قتل عثمان كذبت وأكذبك الناس وأما وعيدك فإنما مثلك كمثل بعوضة وقفت على نخلة فقالت لها استمسكي فإني أريد أن أطير فقالت لها النخلة ما علمت بوقوفك
стр. 58
فكيف يشق عليَّ طيرانك وأنت فما شعرنا بعداوتك فكيف يشق علينا سبك ثم نفض ثيابه وقام فقال لهم معاوية ألم أقل لكم إنكم لا تنتصفون منه فوالله لقد أظلم عليَّ البيت حتى قام فليس فيكم بعد اليوم خير. انتهى.
ومن غريب النقل أن شريك بن الأعور دخل على معاوية وهو يختال في مشيته فقال له معاوية والله إنك لشريك وليس لله من شريك وإنك ابن الأعور والصحيح خير من الأعور وإنك لدميم والوسيم خير من الدميم فبم سودك قومك فقال له شريك والله إنك لمعاوية وما معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت فسميت معاوية وإنك ابن حرب والسلم خير من الحرب وإنك ابن صخر والسهل خير من الصخر وإنك ابن أمية وما أمية إلا أمة صغرت فسميت أمية فكيف صرت أمير المؤمنين فقال معاوية أقسمت عليك إلا ما خرجت عني.
نكتة لطيفة اتفق أن الملك المعظم عزم على الصيد فقال له بعض جماعته يا مولانا إن القمر في العقرب والسفر فيه مذموم والمصلحة أن تصبر إلى أن ينزل القمر القوس فعزم على الصبر فبينما هو مفكر إذ دخل عليه مملوك له من أحسن الناس وجها فوقف
стр. 59
أمامه وقد توشح بقوس فقال له بعض الحاضرين، بالله يا مولانا اركب في هذه الساعة فهذا القمر قد حل في القوس حقيقة فقام لوقته وركب استبشارا بالقول، فلم يركب أطيب من تلك السفرة، ولا أكثر من صيدها.
ومن غرائب المنقول ما حكى إسحق النديم عن أبيه قال: استأذن الرشيد أن يهب لي يوما من الجمعة لأنبعث فيه بجواري وإخواني فأذن لي في يوم السبت وقال هو يوم أستثقله فاله فيه بما شئت قال: فاقمت يوم السبت بمنزلي وتقدمت لإصلاح طعامي وشرابي، وأمرت بوابي بإغلاق الباب وأن لا يأذن لأحد من الناس، فبينما أنا في مجلسي، والحرم قد حففن بي إذا أنا بشيخ عليه هيبة وجمال وعلى رأسه قلنسوة وبيده عكازة مفعمة بالفضة وروائح الطيب تفوح منه فداخلني لدخوله علي مع ما قدمت من الوصية غيظ عظيم، وهممت بطرد بوابي ومن يحجبني لأجله، فسلم علّي أحسن سلام فرددت عليه وأمرته بالجلوس فجلس وأخذ في حديث الناس وأيام العرب وإشعارها حتى سكن ما بي فظننت أن غلماني قصدوا مسرتي بإدخاله علي لظرفه وأدبه فقلت له هل في الطعام فقال لا حاجة لي به فقلت هل لك في الشراب
стр. 60
فقال ذاك إليك قال فشربت رطلا وسقيته مثله فقال يا أبا إسحق هل لك في أن تغني ونسمع منك ما فقت به على العام والخاص، قال فغاظني منه ذلك ثم سهلت الأمر على نفسي، أخذت العود وضربت وغنيت فقال: أحسنت يا إبراهيم فازددت غيظا وقلت ما رضي بما فعله حتى سماني باسمي ولم يحسن مخاطبتي، ثم قال: هل لك في أن تزيدنا ونكافئك قال فتقدمت وأخذت العود وضربت وغنيت وتحفظت وقمت بما غنيته قياما تاما فطرب وقال أحسنت يا سيدي ثم قال أتأذن لعبدك في الغناء
стр. 61
فقلت له أسأت قال ولم: قلت لأنك قلت حمراء قدمت الحمرة ثم قلت نرجس وشقائق فقدمت الصفرة فقال ما هذا الاستقصاء في هذا الوقت يا بغيض وأبو ناجية من كني إبليس. قال قاضي القضاة شمس الدين محمد بن خلكان في تاريخه وفي رواية أخرى أن الشيخ أبا علي الفارسي قال أنشدني ابن دريد هذين البيتين وقال جاءني إبليس في المنام ثم ذكر بقية الكلام ألخ. ونقل ابن خلكان وغيره أن أبا بكر فريعة قاضي السندية وغيرها من أعمال بغداد كان من عجائب الدنيا في سرعة البديهة بالأجوبة عن جميع ما يسال عنه في أفصح لفظ وأملح سجع وكان مختصا بحضرة الوزير أبي محمد المهلبي ومنقطعا إليه وله مسائل وأجوبة مدونة في أيدي الناس وكان رؤساء ذلك العصر والعلماء والفضلاء يداعبونه
стр. 62
ويكتبون له المسائل الغريبة الغريبة المضحكة فيكتب الأجوبة من غير توقف ولا يكتب إلا مطابقاً لما سألوه وكان الوزير المذكور يغري به جماعة يصنعون له المسائل الهزلية من معان شتى من النوادر فمن ذلك ما كتب إليه بعض الفضلاء على سبيل الامتحان ما يقول القاضي أيده الله تعالى في رجل سمّى والده مداما وكناه أبا الندامى وسمى ابنته الراح وكناها أم الأفراح وسمى عبده الشراب وكناه أبا الإطراب وسمى وليدته القهوة وكناها أم النشوة أينهى عن بطالته أم يؤدب على خلاعته فكتب تحت السؤال لو نعت هذا لأبي حنيفة لأقعده خليفة وعقد له راية وقاتل تحتها من خالف رأيه ولو علمنا مكانه لقلبنا أركانه فإن أتبع هذه الأسماء أفعالا وهذه الكنى استعمالا علمنا أنه أحيا دولة المجون وأقام لواء ابن الزرجون فبايعناه وشايعناه وإن تكن أسماء سماها ما له بها من سلطان خلعنا طاعته وفرقنا جماعته فنحن إلى إمام فعال أحوج منا إلى إمام قوال وكتب إليه العباس الكاتب ما يقول القاضي وفقه الله تعالى في يهودي زنا بنصرانية فولدت له ولدا جسمه للبشر ووجهه للبقر وقد قبض عليهما فما يرى القاضي فيهما فكتب تحت سؤاله بديها
стр. 63
هذا من أكبر الشهود على الملاعين اليهود فإنهم أشربوا حب العجل في صدورهم حتى خرج من أمورهم وأرى أن يناط رأس اليهودي برأس العجل ويصلب على عنق النصرانية ألساق مع الرجل، ويسحبان على الأرض وينادى عليهما ظلمات بعضها فوق بعض والسلام.
نادرة لطيفة ولما خرج أبو جعفر المنصور يريد الحج بالناس قال لعيسى بن موسى الهادي: أنت تعلم أن الخلافة صائرة إليك وأريد أن أسلم لك عمي وعمك عبد الله بن علي فخذه وأقتله وإياك أن تجبن في أمره ثم مضى المنصور إلى الحج وكتب إليه من الطريق يستحثه على ذلك فكتب إليه قد أنفذت أمر أمير المؤمنين وكان الأمر بخلاف ذلك فلم يشك أبو جعفر أنه قتله ودعا عيسى بن موسى كاتبه يونس فقال له إن المنصور دفع إلي عمه وأمرني بقتله فقال له يريد أن يقتلك به فإنه أمرك بذلك سراً ويدعي به عليك علانية والرأي أن تستره في منزلك ولا تطلع عليه أحداً فإن طلبه منك علانية دفعته إليه علانية ولا تدفعه إليه سراً أبداً ففعل ذلك وقدم المنصور فدس على عمومته من يحركهم أن يسألوا المنصور أن يهب لهم أخاهم عبد الله ففعلوا ذلك وكلموه فأجاب وقال نعم علي بعيسى بن موسى فأتاه فقال: يا عيسى كنت دفعت إليك عمي وعمك عبد الله قبل خروجي إلى الحج وأمرتك أن يكون في منزلك مكرما قال قد فعلت ذلك قال قد كلمني فيه عمومتك فرأيت الصفح عنه
стр. 64
فأتني به قال يا أمير المؤمنين ألم تأمرني بقتله قال لا بل أمرتك بحبسه عندك ثم قال المنصور لعمومته إن هذا قد أقر لكم بقتل أخيكم وأدعى أني أمرته بذلك وقد كذب قالوا فدعه إليه نقتله قال شأنك فأخرجوه إلى صحن الدار واجتمع الناس واشتهر الأمر فقام أحدهم وشهر سيفه وتقدم إلى عيسى ليضربه فقال عيسى لا تعجلوا فإن عمي حي ردوني إلى أمير المؤمنين فردوه إليه فقال يا أمير المؤمنين إنما أردت بقتله قتلي هذا عمك حيا إن أمرتني بدفعه إليهم دفعته قال ائتنا به فأتى به فجعله في بيت فسقط عليه فمات وكان المنصور قد وضع في أساس البيت ملحاً لما شرع في عمارته وأعده لهذا المعنى ولما جلس فيه عمه أجرى الماء في أساس البيت سرا بحيث لا يشعر به أحد فذاب المليح وسقط البيت وركب المنصور بعد موت عمه وفي خدمته عباس ابن المتوفي وكان يباسطه في كل وقت فقال له المنصور وهو يحادثه هل تعرف ثلاثة في أول أسمائهم عين قال لا أعرف إلا ما تقول العامة يا أمير المؤمنين إن عليا قتل عثمان وكذبوا والله وعبد الملك بن مروان قتل عبد الله بن الزبير وسقط البيت على عم أمير المؤمنين قال فضحك المنصور وقال إذا سقط البيت على عمي فما ذنبي قال قلت ما لك ذنب يا أمير المؤمنين وقتل عبد الله كان بسبب البيعة التي تقدمت له مع السفاح وشرحها يطول انتهى.
ونقلت من خط قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان ما صورته
стр. 65
نقلت من خط القاضي كمال الدين بن العديم من مسودة تاريخه أن ابن الدقاق البلنسي الشاعر المشهور كان يسهر الليل ويشتغل بالأدب وكان أبوه حداداً فقيراً فلامه وقال يا ولدي نحن فقراء ولا طاقة لنا بالزيت الذي تسهر عليه فاتفق أنه برع في العلم والأدب وقال الشعر وعمل في أبي بكر بن عبد العزيز صاحب بلنسية قصيدة مطربة أولها:
يا شمس خدرٍ ما لها مغرب ... وبدر تمٍّ قطّ لا يحجب
وقال منها:
ناشدتك الله نسيم الصبا ... أين استقرت بعدنا زينب
لم تسر إلا بشذا عرفها ... أولا فماذا النفس الطيب
فأطلق له ثلثمائة دينار فجاء إلى أبيه وهو جالس في حانوته فوضعها في حجره وقال خذ هذه وابتع بها زيتاً انتهى.
حكي عن عبد العزيز بن الفضل قال خرج القاضي أبو العباس أحمد بن عمر بن شريح وأبو بكر بن داود وأبو عبد الله نفطوية إلى وليمة فأفضى بهم الطريق إلى مكان ضيق فأراد كل منهم تقديم صاحبه عليه فقال ابن شريح ضيق الطريق يورث سوء الأدب فقال ابن داود لكنه تعرف به مقادير الرجال فقال نفطويه إذا استحكمت المودة بطلت التكاليف. وحكي عن شريح جد أبي العباس المشهور بالصلاح الوافر أنه كان أعجمياً لا يعرف بلسان العرب شيئاً فاتفق له أنه رأى الباري في النوم فحادثه وقال يا شريح طلبكن فقال يا خدادي سار بسار وهذا لفظ أعجمي معناه بالعربي يا شريح أطلب فقال يا رب رأساً برأس
стр. 66
كما يقال رضيت أن أخلص رأسا برأس. ومن لطائف المنقول أنه كان بالعقبة ظاهر دمشق المحروسة خان تجمع فيه أسباب الملاذ ويتفق فيه من الفسوق والفجور ما لا يحد ولا يوصف فرجع ذلك إلى أبي الفتح موسى بن أبي بكر العادل بن أيوب الملقب بالأشرف فهدمه وعمره جامعاً وسماه الناس جامع التوبة تاب إلى الله وأناب مما كان فيه وجرت في خطابته نكتة لطيفة وهي أنه كان بمدرسة الشام التي خارج البلد إمام يعرف بالجمال قيل إنه كان في زمان صباه يلعب بشيء من الملاهي وهي التي تسمى الجفانة ولما كبر حسنت طريقته وعاشر العلماء وأهل الصلاح حتى صار معدوداً في الأخيار فلما احتاج الجامع المذكور إلى خطيب رشح جانبه للخطابة لكثرة الثناء عليه فتولاها فلما توفي تولى بعده العماد الواسطي والواعظ وكان متهما باستعمال الشراب وكان صاحب دمشق يومئذ الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن العادل أيوب فكتب إليه الجمال عبد الرحيم المعروف بابن روتينة أبياتاً وهي هذه:
يا مليكاً أوضح ال ... حقَّ لدينا وأبانه
جامع التوبة قد حم ... لني منه أمانه
قال قل للملك الصا ... لح أعلى الله شانه
يا عماد الدين يا من ... حمد الناس زمانه
كم إلى كم أنا في بؤ ... سٍ وضرٍّ وإهانه
لي خطيبٌ واسطيٌ ... يعشق الشربَ ديانه
والذي قد كان من قب ... ل يغنيّ بجفانه
فكما نحن وما زل ... نا ولا أبرح حانه
стр. 67
ردني للنمط الأو ... ل واستبقِ زمانه
ومن لطائف المنقول أن بثينة وعزة دخلتا على عبد الملك بن مروان فانحرف إلى عزة وقال أنت عزة كثير قالت لست لكثير بعزة لكنني أم بكر قال أتروين قول كثير ...
وقد زعمت أني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عزّ لا يتغيرُ
قالت لست أروي هذا ولكنني أروي قوله:
كأني أنادي أو أكلم صخرةً ... من الصم لو تمشي بها العصم زلت
ثم انحرف إلى بثينة فقال أنت بثية جميل قالت نعم يا أمير المؤمنين قال ما الذي رأى فيك جميل حتى لهج بذكرك من بين نساء العالمين قالت الذي رأى الناس فيك فجعلوك خليفتهم قال فضحك حتى بدا له ضرس أسود ولم ير قبل ذلك وفضل بثينة على عزة في الجائزة ثم أمرهما أن يدخلا على عاتكة فدخلتا عليها فقالت: لعزة أخبريني عن قول كثير
قضي كل ذي دينٍ فوفىّ غريمه ... وعزة ممطولٌ معنى غريمها
ما كان دينه وما كنت وعدته
قالت كنت وعدته قبلة ثم تأثمت منها قالت عاتكة وددت أنك فعلت وأنا كنت تحملت أثمها عنك ثم ندمت عاتكة واستغفرت الله تعالى وأعتقت عن هذه الكلمة أربعين رقبة انتهى.
ويعجبني قول أسامة بن منقذ في ابن طليب المصري وقد احترقت داره.
أنظر إلى الأيام كيف تسوقنا ... قسراً إلى الإقرار بالأقدار
стр. 68
ما أوقد ابن طليبَ قطّ بداره ... ناراً وكان حريقها بالنار
قلت ومما يناسب هذه الواقعة أن الوجيه بن صورة المصري دلال الكتب بمصر كان له دار موصوفة بالحسن فاحترقت فعمل فيها نشو الملك المعروف بابن المنجم
أقول وقد عاينت دار ابن صورةٍ ... وللنار فيها مارجٌ يتضرم
كذا كل مالٍ أصله من نهاوشٍ ... فعماّ قليلِ في نهارٍ يعدم
وما هو إلا كافرٌ طال عمره ... فجاءته لما استبطأته جهنَّم
قلت وهذه اللطائف تضارع قصة أبي الحسين الجزار مع بعض أهل الأدب بمصر وكان شيخنا قد ظهر عليه جرب فالتطخ بالكبريت فلما سمع أبو الحسين الجزار بذلك كتب إليه:
أيها السيد الأديب دعاءٌ ... من محبٍّ خالٍ عن التنكيت
أنت شيخٌ وقد قربت من النا ... ر فكيف ادهنت بالكبريت
قيل إن أبا القاسم الزعفراني مدح الصاحب ابن عباد بقصيدة نونية وانتهى إلى قوله منها:
وحاشية الدار يمشون في ... صنوفٍ من الخزٍّ إلاّ أنا
فقال الصاحب قرأت في أخبار معن بن زائدة الشيباني أن رجلا قال له احملني أيها الأمير فأمر له بناقة وفرس وبغل وحمار وجارية ثم قال لو علمت أن الله خلق مركوبا غير هذا لحملتك عليه وقد أمرنا لك من الخز بجبة وقميص وعمامة ودراعة وسراويل ومنديل ومطرف ورداء وكساء وجورب وكيس
стр. 69
ولو علمنا لباس من الخز لأعطيناكه. وبلغ حديث معن المذكور للعلاء بن أيوب فقال رحم الله أبن زائدة لو كان يعلم أن الغلام يركب لأمر به ولكنه كان عربيا خالصا لم يدنس بقاذورات الأعاجم انتهى.
قيل إن بيوت الشعر أربعة فخر ومديح وهجاء ونسيب وكان جرير أفحل شعراء الإسلام في الأربعة فالفخر قوله:
إذا غضبت عليك بنو تميمٍ ... حسبت الناس كلَّهُم غضاباً
والمديح قوله
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
والهجاء قوله
فغض الطرف إنك من نميرٍ ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
والنسيب قوله
إن العيون التي في طرفها حورٌ ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللبَّ حتى لا حراك به ... وهن أضعفُ خلق الله إنسانا
وقال أبو عبيدة التقى جرير والفرزدق بمنى وهما حاجان فقال الفرزدق لجرير:
فإنك لاقٍ بالمنازل من منى ... فخاراً فأخبرني بما أنت فاخر
فقال له جرير بلبيك اللهم لبيك قال أبو عبيدة أصحابنا يستحسنون هذا الجواب من جرير ويعجبون منه. قيل لما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵁ وفد الشعراء إليه وأقاموا ببابه أياما لا يؤذن لهم فبينما هم كذلك إذ مر بهم رجاء بن حيوة وكان جليس عمر
стр. 70
فلما رآه جرير داخلا قام إليه وأنشده:
يا أيها الرجل المرخي عمامته ... هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا
فدخل عليه ولم يذكر له شيئا من أمرهم ثم مر بهم عدي بن أرطاة فقال جرير أبياتا آخرها قوله:
لا تنس حاجتنا لُقِّيتَ مغفرةً ... قد طال مكثي عن أهلي وأوطاني
قال فدخل عدي على عمر فقال يا أمير المؤمنين الشعراء ببابك وسهامهم مسمومة وأقوالهم نافذة قال ويحك يا عدي مالي وللشعراء قال أعز الله أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ قد امتدح وأعطى ولك في رسول الله ﵊ أسوة حسنة قال كيف: قال: امتدحه العباس بن مرداس السلمي فأعطاه حلة فقطع بها لسانه قال أو تروي من قوله شيئاً قال نعم قوله:
رأيتك يا خير البرية كلها ... نشرت كتاباً جاء بالحقِّ معلما
شرعت لنا دين الهدى بعد جورنا ... عن الحقّ لما أصبح الحقِّ مظلما
ونورت بالبرهان أمراً مدلساً ... وأطفأت بالاسلام ناراً تضرما
فمن مبلغٍ عنِّي النبي محمداً ... وكل امرىء يجزي بما كان قدّما
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه ... وكان قديماً ركنه قد تهدّما
فقال عمر ويلك يا عدي من بالباب منهم قال عمر بن أبي ربيعة قال أليس هو الذي يقول:
ثم نبهتها فمدت كعاباً ... طفلةٌ ما تبين رجع الكلام
стр. 71
ساعةٌ ثم إنها بعد قالت ... ويلتا قد عجلت يا ابن الكرام
فلو كان عدو الله إذ فجر كتم على نفسه لكان استر له لا يدخل والله عليَّ أبدا فمن بالباب سواه قال الفرزدق قال أوليس الذي يقول:
هما دلياني من ثمانين قامةٍ ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره
فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا ... أحيٌّ فيرجى أم قتيلٌ نحاذره
لا يدخل علي والله فمن بالباب سواه. قال الأخطل قال يا عدي هو الذي يقول:
ولست بصائمٍ رمضان طوعاً ... ولست بآكلٍ لحمَ الأضاحي
ولست بزاجر عيساً بكوراً ... إلى بطحاء مكة للنجاح
ولست بزائرٍ بيتاً عتيقاً ... بمكة أبتغي فيه صلاحي
ولست بقائمٍ بالليل أدعو ... قبيل الصبح حيَّ على الفلاح
ولكني سأشربها شمولاً ... وأسجد عند مبتلج الصباح
والله لا يدخل علي وهو كافر أبداً فمن بالباب سوى من ذكرت قال الأحوص قال اليس الذي يقول:
الله بيني وبين سيدها ... يفرُّ مني بها وأتبعه
فما هو بدون من ذكرت فمن هنا أيضا قال جميل بن معمر قال أليس هو الذي يقول:
ألا ليتنا نحيا جميعا وإن أمت ... يوافق في الموتى ضريحي ضريحها
فلو كان عدو الله تمنى لق ... اءها في الدنيا ليعمل بعد ذلك صالحها
لكان أصلح والله لا يدخل علي أبداً فهل سوى من ذكرت أحد قال جرير قال أما هو الذي يقول:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا
стр. 72
.. وقت الزيارة فأرجعي بسلام
فإن كان ولا بد فهو الذي يدخل فلما مثل بين يديه قال يا جرير اتق الله ولا تقل إلا حقا فأنشده قصيدته الرائية المشهورة التي منها:
إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر
نال الخلافة أو كانت له قدراً ... كما أتى ربه موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
الخير ما دمت حيا لا يفارقنا ... بوركت يا عمرَ الخيراتِ من عمر
فقال يا جرير ما أرى ذلك فيما ههنا حقا قال بلى يا أمير المؤمنين إني ابن سبيل ومنقطع فقال له ويحك يا جرير قد ولينا هذا الأمر ولا نملك إلا ثلثمائة درهم فمائة أخذها عبد الله ومائة أخذتها أم عبد الله يا غلام أعطه المائة الباقية قال فأخذها جرير وقال والله لهي أحب مال اكتسبته ثم خرج فقال له الشعراء ما وراءك فقال ما يسوءكم خرجت من عند خليفة يعطي الفقراء ويمنع الشعراء وإني عليه لراض وأنشد:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجنّ راقيا
ومن لطائف الظرف ما حدث إبراهيم بن المهدي قال: قال لي جعفر يوما إني استأذنت أمير المؤمنين في الخلوة غداً فهل أنت مساعدي فقلت جعلت فداك أنا أسعد بمساعدتك وأسر بمحادثتك قال فبكر إلي بكور
стр. 73
الغراب قال فأتيته عند الفجر فوجدت الشمعة بين يديه وهو ينتظرني للميعاد فصلينا ثم أفضينا إلى الحديث وقدم الطعام فأكلنا فلما غسلنا أيدينا خلعت علينا ثياب المنامة ثم ضمخنا بالخلوق ومدت الستائر ثم إنه ذكر حاجة فدعا الحاجب فقال إذا أتى عبد الملك فأذن له يعني قهرماناً له فاتفق أن جاء عبد الملك بن صالح الهاشمي شيخ الرشيد وهو من جلالة القدر والورع والامتناع من منادمة أمير المؤمنين على أمر جليل وكان الرشيد قد اجتهد أن يشرب معه قدحا واحدا فلم يقدر عليه ترفعا لنفسه فلما رفع الستر وطلع علينا سقط في أيدينا وعلمنا أن الحاجب قد غلط بينه وبين عبد الملك القهرمان فأعظم جعفر ذلك وارتاع له ثم قام اجلالا له فلما نظر إلى تلك الحال دعا غلامه فدفع إليه سيفه وعمامته ثم قال اصنعوا بنا ما صنعتم بأنفسكم قال فجاء إليه الغلمان فطرحوا عليه الثياب الحرير وضمخوه ودعي بالطعام فطعم وشرب ثلاثا ثم قال ليخفف عني فإنه شيء ما شربته والله فتهلل وجه جعفر وفرح ثم التفت إليه فقال جعلت فداءك بالغت في الخير والفضل فهل من حاجة تبلغ إليها قدرتي وتحيط بها نعمتي فأقضيها مكافأة لم صنعت قال بلى إن في قلب أمير المؤمنين علي غضبا فتسأله الرضا عني فقال له جعفر قد رضي أمير المؤمنين عنك ثم قال وعلي عشرة آلاف دينار فقال هي لك حاضرة من مالي ومن مال أمير المؤمنين مثلها ثم قال وابني إبراهيم أحب أن أشد ظهره بصهر من أمير
стр. 74
المؤمنين قال قد زوجه أمير المؤمنين ابنة العالية قال وأحب أن تخفق على رأسه الألوية قال وقد ولاه أمير المؤمنين مصر فانصرف عبد الملك بن صالح قال إبراهيم بن المهدي فبقيت متحيراً متعجبا من إقدام جعفر على أمير المؤمنين من غير استئذان وقلت عسى أن يجيبه فيما سأل من الرضا والمال والولاية ولكن من أطلق لجعفر أو لغيره تزويج بنات الرشيد فلما كان من الغد بكرت إلى باب الرشيد وعقد له على مصر والرايات والألوية بين يديه وحملت البدر إلى منزل عبد الملك وخرج جعفر فأشار إلينا فقال تعلقت قلوبكم بحديث عبد الملك فأحببتم علم آخره فلما دخلت على أمير المؤمنين ومثلت بين يديه قال كيف كان يومك يا جعفر فقصصت عليه القصة حتى بلغت إلى دخول عبد الملك وكان متكئا فاستوى جالسا وقال إيه ولله أبوك فقلت سألني في رضا أمير المؤمنين قال فيم أجبت قلت قد رضي أمير المؤمنين عنك قال قد رضيت ثم ماذا قلت وذكر أن عليه عشرة آلاف دينار قال فبم أجبته قلت قد قضاها أمير المؤمنين عنك قال قد قضيت قلت وذكر أنه راغب في أن يشد ظهر ولده إبراهيم بصهر منك قال فيم أجبته قلت قد زوجه أمير المؤمنين ابنته العالية قال قد أمضيت ذلك ثم ماذا لله أبوك قلت وذكر أنه يشتهي أن تخفق على رأس
стр. 75
ولده إبراهيم الألوية قال فبم أجبته قلت قد ولاه أمير المؤمنين مصر قال قد وليته فأحضر إبراهيم والقضاة والفقهاء وأتم له جميع ذلك من ساعته قال إبراهيم بن المهدي فوالله ما أدري أيهم أكرم وأعجب، ما ابتدأه عبد الملك من الموافقة وشرب الخمر ولم يكن شربها قط ولباسه ما ليس من لبسه من ثياب المنادمة أم إقدام جعفر على الرشيد بما أقدم أم إمضاء الرشيد جميع ما حكم به جعفر عليه.
ومن لطائف المنقول ما حكي عن أبي معشر البلخي المنجم الإمام المصنف صاحب التصانيف المفيدة في علم النجوم قيل إنه كان متصلا بخدمة بعض الملوك وإن ذاك الملك طلب رجلا من أتباعه وأكابر دولته ليعاقبه بسبب جريمة صدرت منه فاستخفى وعلم أن أبا معشر يدل عليه بالطريقة التي يستخرج بها الخبايا والأشياء الكامنة فأراد أن يعمل شيئا حتى لا يهتدي إليه ويبعد عنه حديثه فأخذ طستا وجعل فيه دما وجعل في الدم هاون ذهب وقعد على الهاون أياما وتطلبه الملك وبالغ في الطلب فلما عجز عنه أحضر أبا معشر وطلب إظهاره فعمل المسألة التي يستخرج بها وسكت زمانا حائرا فقال له الملك ما سبب سكوتك وحيرتك فقال أرى شيئا عجيبا فقال وما هو قال أرى الرجل المطلوب على جبل من ذهب والجبل في بحر من دم ولا أعلم في العالم موضعا على هذه الصفة فقال إلا أعد نظرك ففعل ثم قال ما أرى له إلا ما ذكرت هذا شيء ما وقع لي مثله فلما أيس الملك من تحصيله نادى في البلد بالأمان للرجل ولمن أخفاه فلما اطمأن الرجل ظهر وحضر بين
следующие страницы →