← Адаб

Адаб · id 11056

ثمرات الأوراق في المحاضرات

الحموي، ابن حجة

Полный текст (543 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ساعةٌ ثم إنها بعد قالت ... ويلتا قد عجلت يا ابن الكرام فلو كان عدو الله إذ فجر كتم على نفسه لكان استر له لا يدخل والله عليَّ أبدا فمن بالباب سواه قال الفرزدق قال أوليس الذي يقول: هما دلياني من ثمانين قامةٍ ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا ... أحيٌّ فيرجى أم قتيلٌ نحاذره لا يدخل علي والله فمن بالباب سواه. قال الأخطل قال يا عدي هو الذي يقول: ولست بصائمٍ رمضان طوعاً ... ولست بآكلٍ لحمَ الأضاحي ولست بزاجر عيساً بكوراً ... إلى بطحاء مكة للنجاح ولست بزائرٍ بيتاً عتيقاً ... بمكة أبتغي فيه صلاحي ولست بقائمٍ بالليل أدعو ... قبيل الصبح حيَّ على الفلاح ولكني سأشربها شمولاً ... وأسجد عند مبتلج الصباح والله لا يدخل علي وهو كافر أبداً فمن بالباب سوى من ذكرت قال الأحوص قال اليس الذي يقول: الله بيني وبين سيدها ... يفرُّ مني بها وأتبعه فما هو بدون من ذكرت فمن هنا أيضا قال جميل بن معمر قال أليس هو الذي يقول: ألا ليتنا نحيا جميعا وإن أمت ... يوافق في الموتى ضريحي ضريحها فلو كان عدو الله تمنى لق ... اءها في الدنيا ليعمل بعد ذلك صالحها لكان أصلح والله لا يدخل علي أبداً فهل سوى من ذكرت أحد قال جرير قال أما هو الذي يقول: طرقتك صائدة القلوب وليس ذا

стр. 72

.. وقت الزيارة فأرجعي بسلام فإن كان ولا بد فهو الذي يدخل فلما مثل بين يديه قال يا جرير اتق الله ولا تقل إلا حقا فأنشده قصيدته الرائية المشهورة التي منها: إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر نال الخلافة أو كانت له قدراً ... كما أتى ربه موسى على قدر هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر الخير ما دمت حيا لا يفارقنا ... بوركت يا عمرَ الخيراتِ من عمر فقال يا جرير ما أرى ذلك فيما ههنا حقا قال بلى يا أمير المؤمنين إني ابن سبيل ومنقطع فقال له ويحك يا جرير قد ولينا هذا الأمر ولا نملك إلا ثلثمائة درهم فمائة أخذها عبد الله ومائة أخذتها أم عبد الله يا غلام أعطه المائة الباقية قال فأخذها جرير وقال والله لهي أحب مال اكتسبته ثم خرج فقال له الشعراء ما وراءك فقال ما يسوءكم خرجت من عند خليفة يعطي الفقراء ويمنع الشعراء وإني عليه لراض وأنشد: رأيت رقى الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجنّ راقيا ومن لطائف الظرف ما حدث إبراهيم بن المهدي قال: قال لي جعفر يوما إني استأذنت أمير المؤمنين في الخلوة غداً فهل أنت مساعدي فقلت جعلت فداك أنا أسعد بمساعدتك وأسر بمحادثتك قال فبكر إلي بكور

стр. 73

الغراب قال فأتيته عند الفجر فوجدت الشمعة بين يديه وهو ينتظرني للميعاد فصلينا ثم أفضينا إلى الحديث وقدم الطعام فأكلنا فلما غسلنا أيدينا خلعت علينا ثياب المنامة ثم ضمخنا بالخلوق ومدت الستائر ثم إنه ذكر حاجة فدعا الحاجب فقال إذا أتى عبد الملك فأذن له يعني قهرماناً له فاتفق أن جاء عبد الملك بن صالح الهاشمي شيخ الرشيد وهو من جلالة القدر والورع والامتناع من منادمة أمير المؤمنين على أمر جليل وكان الرشيد قد اجتهد أن يشرب معه قدحا واحدا فلم يقدر عليه ترفعا لنفسه فلما رفع الستر وطلع علينا سقط في أيدينا وعلمنا أن الحاجب قد غلط بينه وبين عبد الملك القهرمان فأعظم جعفر ذلك وارتاع له ثم قام اجلالا له فلما نظر إلى تلك الحال دعا غلامه فدفع إليه سيفه وعمامته ثم قال اصنعوا بنا ما صنعتم بأنفسكم قال فجاء إليه الغلمان فطرحوا عليه الثياب الحرير وضمخوه ودعي بالطعام فطعم وشرب ثلاثا ثم قال ليخفف عني فإنه شيء ما شربته والله فتهلل وجه جعفر وفرح ثم التفت إليه فقال جعلت فداءك بالغت في الخير والفضل فهل من حاجة تبلغ إليها قدرتي وتحيط بها نعمتي فأقضيها مكافأة لم صنعت قال بلى إن في قلب أمير المؤمنين علي غضبا فتسأله الرضا عني فقال له جعفر قد رضي أمير المؤمنين عنك ثم قال وعلي عشرة آلاف دينار فقال هي لك حاضرة من مالي ومن مال أمير المؤمنين مثلها ثم قال وابني إبراهيم أحب أن أشد ظهره بصهر من أمير

стр. 74

المؤمنين قال قد زوجه أمير المؤمنين ابنة العالية قال وأحب أن تخفق على رأسه الألوية قال وقد ولاه أمير المؤمنين مصر فانصرف عبد الملك بن صالح قال إبراهيم بن المهدي فبقيت متحيراً متعجبا من إقدام جعفر على أمير المؤمنين من غير استئذان وقلت عسى أن يجيبه فيما سأل من الرضا والمال والولاية ولكن من أطلق لجعفر أو لغيره تزويج بنات الرشيد فلما كان من الغد بكرت إلى باب الرشيد وعقد له على مصر والرايات والألوية بين يديه وحملت البدر إلى منزل عبد الملك وخرج جعفر فأشار إلينا فقال تعلقت قلوبكم بحديث عبد الملك فأحببتم علم آخره فلما دخلت على أمير المؤمنين ومثلت بين يديه قال كيف كان يومك يا جعفر فقصصت عليه القصة حتى بلغت إلى دخول عبد الملك وكان متكئا فاستوى جالسا وقال إيه ولله أبوك فقلت سألني في رضا أمير المؤمنين قال فيم أجبت قلت قد رضي أمير المؤمنين عنك قال قد رضيت ثم ماذا قلت وذكر أن عليه عشرة آلاف دينار قال فبم أجبته قلت قد قضاها أمير المؤمنين عنك قال قد قضيت قلت وذكر أنه راغب في أن يشد ظهر ولده إبراهيم بصهر منك قال فيم أجبته قلت قد زوجه أمير المؤمنين ابنته العالية قال قد أمضيت ذلك ثم ماذا لله أبوك قلت وذكر أنه يشتهي أن تخفق على رأس

стр. 75

ولده إبراهيم الألوية قال فبم أجبته قلت قد ولاه أمير المؤمنين مصر قال قد وليته فأحضر إبراهيم والقضاة والفقهاء وأتم له جميع ذلك من ساعته قال إبراهيم بن المهدي فوالله ما أدري أيهم أكرم وأعجب، ما ابتدأه عبد الملك من الموافقة وشرب الخمر ولم يكن شربها قط ولباسه ما ليس من لبسه من ثياب المنادمة أم إقدام جعفر على الرشيد بما أقدم أم إمضاء الرشيد جميع ما حكم به جعفر عليه. ومن لطائف المنقول ما حكي عن أبي معشر البلخي المنجم الإمام المصنف صاحب التصانيف المفيدة في علم النجوم قيل إنه كان متصلا بخدمة بعض الملوك وإن ذاك الملك طلب رجلا من أتباعه وأكابر دولته ليعاقبه بسبب جريمة صدرت منه فاستخفى وعلم أن أبا معشر يدل عليه بالطريقة التي يستخرج بها الخبايا والأشياء الكامنة فأراد أن يعمل شيئا حتى لا يهتدي إليه ويبعد عنه حديثه فأخذ طستا وجعل فيه دما وجعل في الدم هاون ذهب وقعد على الهاون أياما وتطلبه الملك وبالغ في الطلب فلما عجز عنه أحضر أبا معشر وطلب إظهاره فعمل المسألة التي يستخرج بها وسكت زمانا حائرا فقال له الملك ما سبب سكوتك وحيرتك فقال أرى شيئا عجيبا فقال وما هو قال أرى الرجل المطلوب على جبل من ذهب والجبل في بحر من دم ولا أعلم في العالم موضعا على هذه الصفة فقال إلا أعد نظرك ففعل ثم قال ما أرى له إلا ما ذكرت هذا شيء ما وقع لي مثله فلما أيس الملك من تحصيله نادى في البلد بالأمان للرجل ولمن أخفاه فلما اطمأن الرجل ظهر وحضر بين

стр. 76

يدي الملك فسأله عن الموضع الذي كان فيه فأخبره بما اعتمد عليه فأعجبه حسن احتياله في إخفاء نفسه ولطافة أبي معشر المنجم في استخراجه وله غير ذلك من الإصابات. قال قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان ومما يناسب هذا من فطن المتطببين ما رواه الحسين بن إدريس الحلواني قال سمعت الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵁ يقول ما أفلح سمين قط إلا أن يكون محمد بن الحسن قيل له ولم ذلك قال لأنه لا يعدو العاقل إحدى خلتين إما أن يهتم لآخرته ومعاده أو لدنياه ومعاشه والشحم مع الهم لا ينعقد ثم قال وكان بعض ملوك الأرض قديما كثير الشحم لا ينتفع بنفسه فجمع الحكماء وقال احتالوا لي بحيلة يخف عني لحمي هذا قليلا قال فما قدروا له على شيء فجاءه رجل عاقل لبيب متطبب فقال عالجني ولك الغنى قال أصلح الله الملك أنا طبيب منجم دعني حتى أنظر الليلة في طالعك لأرى أي دواء يوافقه فلما أصبح قال أيها الملك الأمان فلما أمنه قال رأيت طالعك يدل على أنه لم يبق من عمرك غير شهر واحد فإن اخترت عالجتك وإن أردت بيان ذلك فاحبسني عندك فإن كان لقولي حقيقة فخل عني وإلا فاقتص مني قال فحبسه ثم رفع الملك الملاهي واحتجب عن الناس وخلا وحده مغتما فكلما انسلخ يوم ازداد هما وغما حتى هزل وخف لحمه ومضى لذلك ثمان وعشرون يوما فبعث إليه وأخرجه فقال ما ترى فقال أعز الله الملك أنا أهون على الله من أن أعلم الغيب والله إني لم أعلم عمري فكيف أعلم

стр. 77

عمرك ولكن لم يكن عندي دواء إلا الغم فلم أقدر أن أجلب إليك الغم إلا بهذه الحيلة فإن الغم يذيب الشحم فأجازه على ذلك وأحسن إليه غاية الإحسان وذاق حلاوة الفرح بعد مرارة الغم. قلت ويعجبني قول جعفر بن شمس الخلافة في هذا المعنى: هي شدة يأتي الرخاء عقيبها ... وأسىً يُبشِّرُ بالسرور العاجل وإذا نظرت فإن بؤساً عاجلاً ... للمرء خيرٌ من نعيمٍ زائل ويعجبني قوله وإن كان في غير ما نحن فيه: مدحتك ألسنة الأنام مخافةً ... وتشاهدت لك بالثناء الأحسنِ أتُرى الزمان مؤخِّراً في مدَّتي ... حتى أعيش إلى انطلاق الألسن نادرة لطيفة نقل عن قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان في تاريخه أن الجنيد قال ما انتفعت بشيء كانتفاعي بأبيات سمعتها قيل له وما هي قال مررت بدرب القراطيس فسمعت جارية تغني من دار وتقول هذه الأبيات: إذا قلتُ اهدى الهجرُ لي حُلَلَ الأسى ... تقولين لولا الهجرُ لم يطب الحبُّ وإن قلتُ ما أذنبتُ قلتُ مجيبةً ... حياتُكِ ذنبٌ لا يقاسُ به ذنب فصعقت وصحت فبينما أنا كذلك إذ خرج صاحب الدار فقال ما هذا يا سيدي فقلت له مما سمعت فقال إنها هبة مني إليك فقلت قد قبلت وهي حرة لوجه الله تعالى ثم دفعها لبعض أصحابنا بالرباط فولدت منه ولدا نبيلا حج على قدميه ثلاثين

стр. 78

حجة. وذكر قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان في ترجمة أبي علي الفارسي أنه كان يوما يساير عضد الدولة بن بويه في ميدان سيران فقال له لم انتصب المستثنى في قولنا قام القوم إلا زيدا فقال الشيخ بفعل مقدر تقديره استثنى زيدا فقال له عضد الدولة هل رفعته وقدرت الفعل امتنع زيد فانقطع وقال هذا الجواب ميداني ثم إنه لما رجع إلى منزله وضع في ذلك كلاما حسنا وحمل إليه فاستحسنه وحكى أبو القاسم أحمد الأندلسي قال جرى ذكر الشعر بحضرة أبي علي الفارسي وأنا حاضر فقال إني لأغبطكم على قول الشعر فإن خاطري لا يوافقني إلى ذلك مع تحقيق العلوم التي هي من معادنه فقال له رجل فما قلت قط شيئا منه قال ما أعلم أن لي شعرا غير ثلاثة أبيات في الشيب وهو قولي: خضبتُ الشيبَ لما كان عيباً ... وخَضْبُ الشيب أولى أن يُعابا ولم أخضب مخافة هجر خلٍّ ... ولا عيباً خشيت ولا عتابا ولكن المشيب بدا ذميماً ... فصيّرت الخضاب له عقابا ومن لطائف المنقول أن أبا محمد الوزير المهلبي كان في غاية من الأدب والمحبة لأهله وكان قبل اتصاله بمعز الدولة بن بويه في شدة عظيمة من الضرورة والمضايقة وسافر وهو على تلك الحالة ولقي في سفره شدة عظيمة فاشتهى اللحم فلم يقدر عليه فقال ارتجالا: إلا موتٌ يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه

стр. 79

ألا موتٌ لذيذ الطعم يأتي ... يخُلِّصني من العيش الكريه إذا أبصرتُ قبراً من بعيدٍ ... وددت لو أنني فيما يليه ألا رحم المهيمن نفس حرٍّ ... تصدّق بالوفاة على أخيه كان له رفيق يقال له أبو عبد الله الصوفي وقيل أبو الحسن العسقلاني فلما سمع الأبيات اشترى له لحما بدرهم وطبخه وأطعمه وتفارقا وتنقلب الأحوال وولي الوزارة ببغداد لمعز الدولة المذكور وضاق الحال برفيقه الذي اشترى له اللحم في السفر وبلغه وزارة المهلبي فقصده وكتب إليه: ألا قل للوزير فدتْهُ نفسي ... مقال مذكّرٍ ما قد نسيه أتذكرُ إذ تقولُ لضيق عيشٍ ... ألا موتٌ يُباعُ فاشتريه فلما وقف عليها تذكر الحال وهزته أريحية الكرام فأمر له بسبعمائة درهم ووقع له في رقعته مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ثم دعا به فخلع عليه وقلده عملا يرتفق منه انتهى. وذكر الحريري صاحب المقامات في كتابه المسمى بدرة الغواص ما مثاله قال حماد الراوية كان انقطاعي إلى يزيد بن عبد الملك بن مروان في خلافته وكان أخوه هشام يجفوني لذلك فلما مات يزيد وأفضت الخلافة إلى هشام خفته ومكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا لمن أثق به من اخواني سرا فلما لم أسمع أحدا ذكرني في السنة أمنت وخرجت وصليت الجمعة في الرصافة فإذا شرطيان قد وقفا علي وقالا يا حماد أجب الأمير يوسف بن عمر الثقفي وكان واليا على

стр. 80

العراق فقلت في نفسي من هذا كنت أخاف ثم قلت لهما تدعني حتى آتي أهلي وأودعهم ثم أسير معكما فقالا ما إلى ذلك من سبيل فاستسلمت في أيديهما ثم صرت إلى يوسف بن عمر وهو في الإيوان الأحمر فسلمت عليه فرد علي السلام ورمى إلي بكتاب فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر أما بعد فإذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به من غير ترويع وادفع له خمسمائة دينار وجملا مهريا يسير عليه ثنتي عشرة ليلة إلى دمشق فأخذت الدنانير ونظرت فإذا جمل مرحول فركبت وسرت حتى وافيت دمشق في ثنتي عشرة ليلة فنزلت على باب هشام واستأذنت فأذن لي فدخلت عليه وهو جالس على طنفسة حمراء وعليه ثياب من حرير أحمر وقد ضمخ بالمسك فسلمت عليه فرد علي السلام واستدناني فدنوت منه حتى قبلت رجله فإذا جاريتان لم أر أحسن منهما قط فقال كيف أنت وكيف حالك فقلت بخير يا أمير المؤمنين فقال أتدري فيما بعثت إليك فقلت لا، قال: بسبب بيت خطر ببالي لا أعرف قائله قلت وما هو يا أمير المؤمنين: ودعوا بالصبوح يوما فجاءت ... قينةٌ قي يمينها إبريق فقلت يقوله عدي بن يزيد العبادي في قصيدة قال: أنشدنيها فأنشدته: بكر العاذلون في وضح الصب ... ح يقولون لي أما تستفيق ويلومون فيك يا ابنة عبد الله ... والقلب عندكم موثوق

стр. 81

لَسْتُ أدري لكثرة العذل فيها ... أعذولٌ يلومني أم صديق قال حماد فانتهيت فيها إلى قوله ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينةٌ في يمينها إبريق قدّمته على عقارٍ كعين ال ... ديك صفّى سلافها الراووق مُرَّةٌ قبل مزجها فإذا ما ... مزجت لذَّ طعمها من يذوق قال فطرب هشام ثم قال أحسنت يا حماد سل حاجتك قلت إحدى الجاريتين قال هما جميعا لك بما عليهما ومالهما فأقام عنده ثم وصله بمائة ألف درهم. قلت: انظر أيها المتأمل إلى نفاق رخيص الأدب في ذلك العصر وكساد غاليه في هذا العصر وبشهادة الله أن البيت الذي طلب حماد الراوية بسببه من بغداد إلى دمشق في اثنتي عشرة ليلة وأجيز عليه بالجاريتين والمائة ألف درهم تأنف نفسي أن أضعه في قصيدة من قصائدي لرخصه وسفالته وهو: ودعوا بالصبوح يوما فجاءت ... قينةٌ في يمينها إبريق وكنت أود أن أكون في ذلك العصر ويسمع هشام بن عبد الملك قولي في هذا الباب من قصيدة قلتها: في ليلةٍ رقم البدرُ المنيرُ لها ... طارا به لعصاً جرزاء نقراتُ وبات لي منه لما قد تبسَّم لي ... تحت الضفائر صبحاتٌ وغبقاتُ والراح دقَّ على فهمي تصوُّرها ... لكن لمِا ضاع في الكاسات نفحات كانت علامةُ تحقيقٍ وقال فمي ... هي المنازل لي فيها علامات مذْ أنشأتنا سجعنا في محاسنها ... مغرّدين وللإنشاء سجعات

стр. 82

هذا وأفواه كاساتي قد ابتسمت ... ومازجتها ثغورٌ لؤلؤيات ومن يقل حركات الهمِّ ما سكنت ... فللحباب على التسكين جزماتُ قال ثعلب ما أحد من الشعراء تكلم في الليل الطويل إلا قارب ولكن خالد الكاتب أبدع فيه فقال: رَقَدْت فلم ترثِ للساهر ... وليلُ المحبِّ بلا آخر ولم تدرِ بعدَ ذهاب الرُّقا ... دِ ما صنع الدمعُ بالناظر وقال بعض من كان يحضر مجلس المبرد كنا نختلف إليه فإذا كان آخر المجلس أملى علينا من طرف الأخبار وملح الأشعار ما نرتاح إلى حفظه فأنشدنا يوما مرثية زياد الأعجم في المغيرة بن المهلب التي منها: فإذا مررتَ بقبرهِ فاغفر له ... كرمَ الهِجانِ وكلَّ طرفٍ سانحِ وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دمٍ وذبائح قال فخرجت من عنده وأنا أديرها في لساني لأحفظها فإذا بشيخ قد خرج من خربة وفي يده حجر فهم أن يرميني به فتترست بالمحبرة والدفتر فقال ماذا تقول أتشتمني فقلت اللهم لا ولكني كنت عند أستاذنا أبي العباس المبرد فأنشدنا مرثية زياد الأعجم في المغيرة بن المهلب فقال له إيه إيه أنشدني ما أنشدكم باردكم لا مبردكم فأنشدته فقال والله ما أجاد الراثي ولا أنصف المرثي ولا أحسن الراوي قلت فما عساه أن يقول قال كان يقول: إحملاني إن لم يكن لكما عق ... رٌ إلى جنب قبره فاعقراني

стр. 83

وانضحا من دمي عليه فقد كا ... ن دمي من نداه لو تعلمان قال فقلت هل رأيت أحدا واسى أحدا بنفسه قال نعم هذا الفتى الفتح بن خاقان طرح نفسه على المتوكل حتى خلط لحمه بلحمه ودمه بدمه ثم تركني وتولى فلما عدت إلى المبرد قصصت عليه القصة فقال أتعرفه قلت لا قال ذلك خالد الكاتب تأخذه السوداء أيام الباذنجان انتهى. قيل كبر خالد الكاتب حتى دق عظمه ورق جلده وقوي به الوسواس ورؤي ببغداد والصبيان يتبعونه فأسند ظهره إلى قصر المعتصم والصبيان يصيحون به يا بارد فقال كيف أكون باردا وأنا الذي أقول: بكى عاذلي من رحمتي فرحمتُهُ ... وكم مثلهُ من مسعدٍ ومعينِ ورقَّت دموعُ العين حتى كأنَّها ... دموعُ دموعي لا دموع جفوني وحدث أبو الحسن علي ابن مقلة قال حدثني أبي عن عمه قال اجتاز أبو خالد الكاتب وأنا على باب داري بسر من رأى والصبيان حوله يعبثون به فجاءني لما رآني وسألني صرفهم عنه فصرفتهم وأدخلته داري وقلت له ما تشتهي تأكل قال الهريسة فتقدمت بإصلاحها له فلما أكل قلت أي شيء تحب بعد هذا قال رطب فأمرت بإحضاره فأكل فلما فرغ من أكله قلت له أنشدني من شعرك فأنشدني: تناسيتَ ما أوعيتُ سمعك يا سمعي ... كأنَّك بعد الضرِّ خالٍ من النفع فإن كنت مطبوعاً على الصدِّ والجفا ... فمن أين لي صبرٌ فأجعلهُ طبعي

стр. 84

لئن كان أضحى فوق خديكَ روضةً ... فإنّ على خدّي غديراً من الدَّمع فقلت زدني فقال لا يساوي تهريسك ورطبك غير هذا ومن المروي عنه قال بعض طلبة المبرد خرجت من مجلس المبرد فلقيت خالد الكاتب فقال من أين قلت من مجلس المبرد قال بل البارد ثم قال ما الذي أنشدكم اليوم قلت انشدني: أعار الغيث نائلُهُ ... إذا ما ماؤه نفدا وإن أسدُ شكا جبناً ... أعار فؤاده الأسدا فقال أخطأ قائل هذا الشعر قلت كيف قال ألا تعلم أنه إذا أعار الغيث نائله بقي بلا نائل وإذا أعار الأسد فؤاده بقي بلا فؤاد قلت فكيف كان يقول فأنشد: علم الغيثُ الندى من يده ... مذ دعاهُ علَّم البأسَ الأسد فإذا الغيث مقرٌّ بالنَّدى ... وإذا الليثُ مقرٌّ بالجلد قال فكتبتهما وانصرفت. نادرة لطيفة دخل أبو دلامة على المهدي فأنشده قصيدة فقال سل حاجتك فقال يا أمير المؤمنين هب لي كلبا قال فغضب وقال أقول لك سل حاجتك تقول هب لي كلبا فقال يا أمير المؤمنين الحاجة لي أو لك فقال بل لك فقال إني أسألك أن تهب لي كلب صيد فأمر له بكلب فقال يا أمير المؤمني هبني خرجت للصيد أعدو على رجلي فأمر له بدابة فقال له يا أمير المؤمنين فمن يقوم عليها فأمر بغلام فقال يا أمير المؤمنين هبني صدت صيدا وأتيت به المنزل فمن يطبخه فأمر له بجارية فقال يا أمير المؤمنين فهؤلاء

стр. 85

أين يبيتون فأمر له بدار فقال يا أمير المؤمنين قد صيرت في عنقي عيالا فمن أين لي ما يقوت هؤلاء قال المهدي اعطوه جريب نحل ثم قال هل بقيت لك حاجة قال نعم فأذن لي أن أقبل يدك. انتهى وحكى أن هشام بن عبد الملك قد حاجا إلى بيت الله الحرام فلما دخل الحرم قال ائتوني برجل من الصحابة فقيل يا أمير المؤمنين قد تفانوا قال فمن التابعين فاني بطاوس اليماني فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه ولم يسلم بأمير المؤمنين ولم يكنه وجلس إلى جانبه بغير إذنه وقال كيف أنت يا هشام فغضب من ذلك غضبا شديدا حتى هم بقتله فقيل له: أنت يا أمير المؤمنين في حرم الله وحرم رسول الله ﷺ لا يكون ذلك فقال يا طاوس ما حملك على ما صنعت قال وما صنعت قال خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تسلم بيا أمير المؤمنين ولم تكنني وجلست بإزائي بغير إذني وقلت يا هشام كيف أنت فقال له طاوس ما خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعها بين يدي رب العزة في كل يوم خمس مرات ولا يعاتبني ولا يغضب علي وأما قولك لم تسلم علي بإمرة المؤمنين فليس كل المؤمنين راضيا بإمرتك فخفت أن أكون كاذبا وأما قولك لم تكنني فإن الله سمى أنبياءه فقال يا داود يا يحيى يا عيسى وكنى أعداءه فقال تبت يدا أبي لهب وأما قولك جلست بإزائي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ يقول إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فأنظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام فقال له عظني فقال له إني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ يقول إن في جهنم حيات وعقارب كالبغال

стр. 86

تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته ثم قام فخرج انتهى. نادرة لطيفة مروية عن أبي عامر الشعبي ولكن يتعين أن نبدأ بشيء من ترجمته قال الزهري العلماء أربعة ابن المسيب بالمدينة والحسن البصري بالبصرة ومكحول بالشام والشعبي بالكوفة ويقال أنه أدرك خمسمائة من الصحابة من أصحاب رسول الله ﷺ والنادرة الموعود بذكرها هي ما حكى الشعبي قال أنفذني عبد الملك ابن مروان إلى ملك الروم فلما وصلت إليه جعل لا يسالني عن شيء إلا أجبته وكانت الرسل لا تطيل الإقامة فحبسني عنده أياما كثيرة فلما أردت أردت الانصراف قال أمن بيت المملكة أنت فقلت لا ولكني من العرب فدفع إلي رقعة وقال إذا أديت الرسائل إلى صاحبك أوصل إليه هذه الرقعة قال فأديت الرسائل عند وصولي إلى عبد الملك وأنسيت الرقعة فلما وصلت الباب أريد الخروج تذكرت الرقعة فرجعت. فأوصلتها إليه فقال لي هل قال لك شيئا قبل أن يدفعها إليك قلت نعم قال لي أنت من أهل بيت المملكة قلت لا لكني رجل من العرب في الحملة ثم خرجت من عند عبد الملك فلما بلغت الباب طلبني فرددت فلما مثلت بين يديه قال أتدري ما في الرقعة قلت لا قال اقرأها فقرأتها فإذا فيها عجبت من قوم فيهم مثل هذا كيف ملكوا غيره قلت يا أمير المؤمنين لو علمت ما فيها ما حملتها وإنما قال هذا لأنه لم يرك قال أتدري لم كتبها قلت لا قال حسدني عليك فأراد أن يغريني بقتلك انتهى. وقيل كان الشعبي ضئيلاً نحيلا فقيل له في ذلك

стр. 87

فقال زوحمت في الرحم وكان قد ولد هو وأخ آخر وأقام في البطن سنتين ذكره صاحب كتاب المعارف. ويقال إن الحجاج قال له يوما كم عطاك في السنة فقال ألفين فقال له ويحك كما عطاؤك قال ألفان فقال ويحك كيف لحنت أولا فقال لحن الأمير فلحنت فلما أعرب أعربت وما يحسن أن يلحن الأمير وأعرب فاستحسن ذلك منه وأجازه. نادرة بديعة غريبة منقولة عن سديد الملك أبي الحسن علي بن منقذ صاحب قلعة شيراز وكان سديد المذكور مقصودا من البلاد ممدوحا مدحه جماعة من الشعراء كابن الخياط والخفاجي وغيرهما وله شعر جيد أيضا ومنه قوله وقد غضب على مملوكه فضربه. أسطوا عليه وقلبي لو تمكن من ... كفيَّ غلهما غيظاً إلى عنقي وأستعين إذا عاقبته حنقاً ... وأين ذلُّ الهوى من عزة الحنق وكان موصوفا بقوة الفطنة ويحكى عنه في ذلك حكاية عجيبة وهي أنه كان يتردد على حلب قبل تملكه قلعة شيراز وصاحب حلب يومئذ تاج الملوك محمود بن صالح بن مرداس فجرى أمر خاف سديد الملك منهن على نفسه فخرج من حلب إلى طرابلس الشام وصاحبها يومئذ جلال الملك بن عمار فأقام عنده فتقدم محمود صاحب حلب إلى كاتبه أبي نصر محمد بن الحسين بن علي النحاس الحلبي أن يكتب إلى سديد الملك كتابا يتشوقه فيه ويستعطفه ويستدعيه إلى حلب ففهم الكاتب أنه يقصد له شراً إذا جاء إليه وكان

стр. 88

الكاتب صديقا إلى سديد الملك فكتب الكاتب كما أمره مخدومه إلى أن بلغ إلى آخره وهو إن شاء الله فسدد النون وفتحها فلما وصل الكتاب إلى سديد الملك عرضه على ابن عمار صاحب طرابلس ومن بمجلسه من خواصه فاستحسنوا عبارة الكتاب واستعظموا ما فيه من رغبة محمود فيه وإيثاره لقربه فقال سديد الملك إني ارى ما لا ترون في الكتاب ثم أجاب عن الكتاب بما اقتضاه الحال وكتب في جملة فصول الكتاب أنا الخادم المقر بالأنعام وكسر الهمزة من أنا وشدد النون فلما وصل الكتاب إلى محمود ووقف عليه سر بما فيه وقال لأصدقائه قد علمت أن الذي كتبته لا يخفى عن مثله وقد اجاب بما طيب قلبي عليه وكان الكاتب قد قصد قوله تعالى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فأجاب سديد الملك بقوله إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها وكانت هذه الحكاية معدودة من شدة تيقظه وفهمه انتهى. وحكى الصابيء في كتاب الأعيان والأمثال أن رجلا اتصلت عطلته وانقطعت مادته فزور كتابا من الوزير أبي الحسن علي بن الفرات وزير المقتدر بالله العباسي إلى ابن زيتون المارداني عامل مصر يتضمن المبالغة في الوصايا وزيادة الإكرام وعمل المصالح فلما دخل مصر اجتمع بابن زيتون ودفع إليه الكتاب فلما قرأ ابن زيتون الكتاب ارتاب في أمره لتغير لفظ الخطاب عما جرت به العاة وكون الدعاء أكثر مما يقتضيه محله فراعاه مراعاة قريبة ووصله صلة قليلة وحبسه عنده على وعدٍ وعده به ثم كتب إلى أبي الحسن بن الفرات

стр. 89

يذكر الكتاب الذي ورد عليه وأنفذه بعينه فلما وقف عليه ابن الفرات عرف الرجل وذكر ما كان عليه من الحرمة وما له من الحقوق القديمة عليه فعرضه على كتابه وعرفهم الصورة وعجب إليهم منها وقال لهم ما الرأي في مثل هذا الرجل فقال بعضهم تأديبه وقال بعضهم قطع إبهامه وقال اجملهم محضرا يكشف لابن زيتون أمره ويرسم له بطرده وحرمانه فقال ابن الفرات ما أبعدكم من الخير رجل توسل بنا وحمل المشقة إلى مصر وأمل الخير بجاهنا والانتساب إلينا يكون حاله عند أحسنكم نظرا تكذيب ظنه وتخييب سعيه والله لا كان هذا أبداً ثم أخذ القلم ووقع على الكتاب المزور هذا كتابي ولست أعلم لم أنكرت أمره واعترضتك فيه شبهة وليس كل ما يخدمنا نعرفه وهذا رجل خدمني أيام نكبته فأحسن تفقده ورفده وصرفه فيما يعود نفعه عليه ثم رد الكتاب إلى ابن زيتون من يومه ومضت على ذلك مدة طويلة إذ دخل على ابن الفرات رجل ذو هيئة مقبولة وبزة جميلة فاقبل يدعو له ويثني عليه ويبكي ويقبل يديه والأرض فقال له ابن الفرات من أنت بارك الله فيك قال صاحب الكتاب المزور إلى ابن زيتون الذي صححه كرم الوزير بفضله فضحك ابن الفرات وقال كم وصل إليك منه قال أوصل إلي من ماله ومن قسط قسطه على عماله عشرين ألف دينار فقال الحمد لله على صلاح حالك ثم أختبره فوجده كاتبا سديداً فاستخدمه انتهى. والحمد لله على ذلك. ذكر الحصري في كتابه المسمى بالدر المصون في سر

стр. 90

الهوى المكنون أن الجاحظ ذكر للواثق لتأديب بعض أولاده فلما رآه استبشع منظره فأمر له بعشرة آلاف درهم وصرفه قال الجاحظ فخرجت من عنده فرأيت محمد بن إبراهيم وهو يريد الانحدار إلى مدينة السلام فعرض عليّ الانحدار معه فانحدرت ونصبت ستارة وأمر بالغناء فاندفعت عوادة تغني. كل يومٍ قطيعةٌ وعتابٌ ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب ليت شعري أنا خصصت بهذا ... دون ذا الخلق أم كذا الأحباب ثم سكتت فأمر طنبورية فغنت: وارحمتا للعاشقينا ... ما إن أرى لهمُ معينا كم يهجرون ويصرمون ... ويقطعون فيصبرونا كم يهجرون ويصرمون ... ويقطعون فيصبرونا فقالت لها العوادة فيصنعون ماذا قالت يصنعون هكذا وضربت بيدها على الستارة وبدت كأنها فلقة بدر ثم رمت بنفسها في الماء قال وكان على رأس محمد غلام يضاهيها في الجمال وفي يده مذبة فألقى المذبة من يده لما رأى ما صنعت الجارية ثم أتى إلى موضع سقوطها ونظر إليها وأنشد: أنت التي غرقتني ... بعد القضا لو تعلمينا ورمى بنفسه في أثرها فأدار الملاح الحراقة فإذا بهما متعانقين ثم غاصا فهال ذلك محمداً واستعظمه وقال يا عمرو إن لم تحدثني حديثا يسليني عنهما ألحقتك بهما قال الجاحظ فحضرني خبر سليمان بن عبد الملك وقد قعد يوما للمظالم وعرضت عليه القصص فمرت قصة فيها مكتوب إن رأى أمير المؤمنين أعزه

стр. 91

الله ان يخرج جاريته فلانة حتى تغنيني ثلاثة اصوات فعل ان شاء الله تعالى فأغتاظ سليمان لذلك وأمر من يأتيه براسه ثم أردفه رسولا آخر أن يدخل به إليه فلما دخل قال ما حملك على ما صنعت قال الثقة بحلمك والاتكال على عفوك فأمره بالقعود حتى لم يبق أحد من بني أمية إلا خرج ثم أمر بالجارية فأخرجت ومعها عود فقال لها غني ما يقول لك فقال الفتى غني: تألق البرق نجدياً فقلت له ... يا أيها البرق إني عنك مشغول فغنته فقال له سليمان أتأمر لي برطل فأتي به فشربه ثم قال لها غني: حبذا رجعها إلينا يداها ... في يدي درعها تحل الأزارا فغنته فقال لسليمان أتأمر لي برطل فأتي به فشربه ثم قال غني: أفاطمُ مهلاً بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فاجملي فغنته قال لسليمان أتأمر لي برطل فما استتم شربه حتى صعد على الفور على قبة لسليمان فرمى بنفسه على دماغه فمات فقال سليمان إنا لله وإنا إليه راجعون أتراه الأحمق ظن أني أخرج إليه جاريتي وأردها إلى ملكي يا غلمان خذوا بيد هذه الجارية وانطلقوا بها إلى أهله إن كان له أهل وإلا فبيعوها وتصدقوا بثمنها عليه فلما انطلقوا بها نظرت إلى حفيرة في دار سليمان اتخذت للمطر فجذبت نفسها من أيديهم ثم قالت: من مات عشقاً فليمت هكذا ... لا خير في عشقٍ بلا موت فرمت بنفسها في الحفيرة فماتت فسري عن محمد وأحسن صلتي

стр. 92

انتهى. وكتب أبو منصور افتكين التركي متولي دمشق إلى عضد الدولة بن بويه كتابا مضمونه إن الشام قد صفا وصار في يدي وزال في مستقرهم فكتب إليه عضد الدولة في جوابه هذه الكلمات وهي متشابهة في الخط لا تعرف إلا بعد النقط والضبط وهي غرك عزك فصار قصار ذلك ذلك فأخش فاحش فعلك فعلك تهدأ بهذا قال القاضي شمس الدين ابن خلكان تغمده الله برحمته لقد أبدع غاية الإبداع. قلت وأبدع منه قول السلامي فيه من قصيدته التي منها: إليك طوى عرض البسيطة جاعلٌ ... قصار المطايا أن يلوح لها القصرُ فكنت وعزمي في الظلام وصارمي ... ثلاثة أشياءٍ كما اجتمع النشر وبشرت آمالي بملكٍ هو الورى ... ودارٍ هي الدنيا ويومٍ هو الدهر قال ابن خلكان هذا على الحقيقة هو السحر الحلال كما يقال. وقد أخذ هذا المعنى القاضي أبو بكر الأرجاني فقال: يا سائلي عنه لما جئت أمدحه ... هذا هو الرجل العاري من النار لقيته فرأيتُ الناس في رجلٍ ... والدهر في ساعةٍ والأرض في دار ولكن أين الثريا من الثرى وألم أبو الطيب المتنبي أيضا بهذا المعنى لكنه ما استوفى بقوله: هو الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق ولكن ليس لأحد منهما طلاوة بيت السلامي

стр. 93

انتهى. نادرة لطيفة كان أبو بكر المحلي يتولى نفقات أبي المسك كافور والأخشيدي وكان له في كل عيد أضحى عادة وهو أن يسلم إلى أبي بكر المذكور بغلا محملا ذهبا وجريدة تتضمن أسماء قوم من حد القرافة إلى الجبانة وما بينهما قال أبو بكر المذكور وكان يمشي معي صاحب الشرطة ونقيب يعرف المنازل وأطوف من بعد العشاء الأخيرة إلى آخر الليل حتى أسلم ذلك إلى من تضمنت اسمه الجريدة فأطرق منزل كل إنسان ما بين رجل وامرأة وأقول الأستاذ أبو المسك كافور الأخشيدي يهنئك بالعيد ويقول لك أصرف هذا في منفعتك فارفع إليه ما جعل له وفي آخر وقت زاد في الجريدة الشيخ أبا عبد الله ابن جابار وجعل له في ذلك العيد مائة دينار فطفت في تلك الليلة وأنفقت المال في أربابه ولم يبق إلا الصرة فجعلتها في كمي وسرت مع المغيب حتى أتينا منزله بظاهر القرافة فطرقت الباب فنزل إلينا الشيخ وعليه اثر السهر فسلمت عليه فلم يرد علي وقال ما حاجتك قلت الأستاذ أبو المسك كافور يخص الشيخ بالسلام فقال والي بلدنا قلت نعم قال حفظه الله الله يعلم أني أدعو له في الخلوات وادبار الصلوات بما الله سامعه ومستجيبه قلت وقد أنفذ معي نفقة وهي هذه الصرة ويسالك قبولها لتصرف في مؤنة هذا العيد المبارك فقال نحن رعيته ونحبه في الله تعالى وما نفسد هذه المحبة بعلة فراجعته القول فتبين لي الضجر في وجهه واستحيت من الله أن أقطعه عما هو عليه فتركته وانصرفت قال فجئت فوجدت الأمير

стр. 94

قد تهيأ للركوب وهو ينتظرني فلما رآني قال إيه يا أبا بكر قلت أرجو الله أن يستجيب فيك كل دعوة صالحة دعيت لك في هذه الليلة وفي هذا اليوم الشريف فقال الحمد لله الذي جعلني لإيصال الراحة إلى عبادة ثم أخبرته بامتناع ابن جابار فقال نعم هو جدير لم تجر بيننا وبينه معاملة قبل هذا اليوم ثم قال لي عد إليه واركب دابة من دواب النوبة واطرق بابه فإذا نزل إليك فإنه سيقول لك ألم تكن عندنا فلا ترد عليه جوابا ثم استفتح واقرأ بسم الله الرحمن الرحيم طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلي الرحمن على العرش استوى له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى يا ابن جابار الأستاذ كافور يقول لك ومن كافور العبد الأسود ومن هو مولاه ومن الخلق ليس لأحد مع الله ملك ولا شركة تلاشى الناس كلهم ههنا أتدري من هو معطيك وعلى من رددت أنت ما سألت وإنما هو أرسل لك يا بن جابار أنت ما تفرق بين السبب والمسبب. قال أبو بكر فركبت وسرت فطرقت منزله فنزل إلي فقال لي مثل لفظ كافور فأضربت عن الجواب وقرأت طه ثم قلت له ما قال لي كافور فبكى وقال لي أين ما حملت فأخرجت الصرة فأخذها وقال علمنا الأستاذ كيف التصوف قلت له أحسن الله جزاءك ثم عدت إليه فأخبرته بذلك فسر وسجد شكراً لله وقال الحمد لله على ذلك. ونقل ابن خلكان في تاريخه أن أبا عبد الله محمد بن الأعرابي كان

стр. 95

يزعم أن الأصمعي وأبا عبيدة لا يحسنان شيئا وكان يقول جائز في كلام العرب أن يعاقب بين الضاد والظاء فلا يخطىء من يجعل هذا في موضع هذا وينشد: إلى الله أشكو من خليل أوده ... ثلاثَ خصالٍ كلها لي غائضُ ويقول هكذا سمعته بالضاد. ومن النوادر اللطيفة ورد أبو نصر الفارابي إلى دمشق على سيف الدولة بن حمدان وهو إذ ذاك سلطانها قيل إنه لما دخل عليه وهو بزي الأتراك وكان ذلك زيه دائماً وقف فقال له سيف الدولة أجلس فقال حيث أنا أو حيث أنت فقال حيث أنت فتخطى رقاب الناس حتى انتهى إلى مسند سيف الدولة وزاحمه فيه حتى أخرجه عنه وكان على رأس سيف الدولة مماليك وله معهم لسان خاص يساورهم به فقال لهم بذلك اللسان إن هذا الشيخ قد أساء الأدب وإني سائله عن أشياء إن لم يعرفها أخرجوا به فقال له أبو نصر بذلك اللسان أيها الأمير اصبر فإن الأمور بعواقبها فعجب سيف الدولة منه وعظم عنده ثم أخذ يتكلم مع العلماء والحاضرين في كل فن فلم يزل كلامه يعلوا وكلامهم يسفل حتى صمت الكل وبقي يتكلم وحده ثم أخذوا يكتبون ما يقوله فصرفهم سيف الدولة وخلا به فقال له هل لك في أن تأكل قال لا قال فهل لك أن تشرب قال لا فقال هل تسمع قال نعم فأمر سيف الدولة بإحضار القيان فحضر كل ماهر في الصنعة بأنواع الملاهي فخطأ الجميع فقال له سيف الدولة هل تحسن

стр. 96

هذه الصنعة قال نعم ثم أخرج من وسطه خريطة ففتحها فأخرج منها عيدانا وركبها ثم لعب بها فضحك كل من في المجلس ثم فكها وركبها تركيباً آخر فبكى كل من في المجلس ثم فكها وغير تركيبها وحركها فنام كل من في المجلس حتى البواب فتركهم نياما وخرج. وهو الذي وضع القانون وكان منفرداً بنفسه لا يجالس الناس وكان مدة إقامته بدمشق لا يكون غالبا إلا عند مجتمع المياه أو مشتبك الرياض وهناك يؤلف كتبه وكان أزهد الناس في الدنيا لا يحتفل بأمر مسكن ولا مكسب وسأله سيف الدولة في مرتب من بيت المال فقال يكفيني أربعة دراهم ولم يزل على ذلك الى أن توفي سنة تسع وثلاثين وثلثمائة بدمشق وصلى عليه سيف الدولة وأربعة من خواصه وقد ناهز ثمانين سنة ودفن بظاهر دمشق خارج الباب الصغير. ومن المنقول من خط القاضي الفاضل أن نور الدين الشيهد كتب إلى راشد الدين سنان صاحب القلاع الاسماعيلية كتابا يهدده فيه فشق ذلك على سنان فكتب إليه بما هو فوق الوصف بحكاية الحال وهو: يا ذا الذي بقراع السيف هددنا ... لاقام مصرع قلبٍ كنت تصرعه قال الحمام إلى البازي يهدده ... واستصرخت بأسود الغاب أضبُعه أضحى يسدُّ فم الأفعى باصبعه ... يكفيه ماذا تلاقي منه أصبعه وقفنا على تفصيله وجمله وعلمنا ما هددنا به من قوله وعمله فيا لله العجب

стр. 97

من ذبابة تطن في أذن الفيل وبعوضة تعد في التماثيل ولقد قالها من قبلك قوم آخرون فدمرنا عليهم فما كان لهم من ناصرين أو للحق تدحضون وللباطل تنصرون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وأما ما صدر من قولك فتلك أماني كاذبة وخيالات غير صائبة فإن الجواهر لا تزول بالأعراض كما أن الأرواح لا تضمحل بالأمراض فإن عدنا إلى الظواهر والمحسوسات وعدلنا عن البواطن والمعقولات فلنا أسوة برسول الله ﷺ في قوله ما أوذي نبي ما أوذيت ولقد علمتم ما جرى على عترته وأهل بيته وشيعته والحال ما حال والأمر ما زال ولله الحمد في الآخرة والأولى إذ نحن مظلومون لا ظالمون ومغصوبون لا غاصبون وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا وقد علمتم ظاهر حالنا وكيفية رجالنا وما يتمنونه من الفوت ويستقربون به إلى حياض الموت قل فتمنوا الموت إن كنتم صادقين وفي أمثال العامة أو للبط تهددون بالشط فهيىء للبلاء جلبابا وتدرع للرزايا أثوابا وإنك لكالباحث عن حتفه بظلفه أو الجادع أنفه بكفه وما ذلك على الله بعزيز. ومن غرائب الظرف ما حكاه ابن خلكان في تاريخه قال حدثني من أثق به أن شخصا قال له رأيت في تأليف أبي العلاء المعري ما صورته أصلحك الله وأبقاك لقد كان من الواجب أن تأتينا اليوم إلى منزلنا الخالي لكي يحدث لي أنسك يا زين الأخلاء فما مثلك من غير عهدا أو غفل وسأله من أي الأبحر وهل هو بيت واحد أم أكثر فإن كان أكثر فهو أبياته على روي واحد أو مختلفة الروي قال فافكر فيه ثم أجابه بجواب حسن قال ابن خلكان فقلت للقائل اصبر حتى انظر فيه ولا تقل ما قاله فأجاب القاضي شمس الدين بن خلكان بعد حسن النظر بما أجاب به عنه الرجل وهذه الكلمات تخرج من بحر الرجز وتشتمل على أربعة أبيات في روي اللام وهي على صورة يسوغ استعمالها عند العروضين ومن لا يكون له بهذا الفن معرفة ينكرها لأجل قطع الموصول منها ولا بد من الأتيان بهذا لتظهر صورة ذلك وهي: أصلحك الله واب ... قاك لقد كان من ال واجب أن تأتينا ال ... يوم إلى منزلنا الخالي لكي يحدث لي

стр. 98

.. أنسك يا زين الأخل لاء فما مثلك من ... غير عهداً أو غفل قلت وعلى ذكر أبي العلاء الضرير يعجبني قول مظفر بن جماعة الضرير: قالوا عشقتَ وأنت أعمى ... ظبياً كحيل الطرف المى وحلاء ما عاينتها ... وتقول قد شغفتك وهما وخياله بك في المنا ... م فما أطاف ولا ألماَّ من أين أرسل للفؤا ... د وأنت لم تنظره سهما ومتى رأيت جماله ... حتى كساك هواه سقما وبأي جارحةٍوصلت لوصفه نثراً ونظما

стр. 99

فأجبت إني موسو ... ي العشق إنصاتاً وفهما أهوى بجارحة السما ... ع ولا أرى ذات المسمى ويعجبني أيضاً قول ضرير آخر: وغادةٍ قالت لأترابها ... يا قوم ما أعجبَ هذا الضرير أيعشق الإنسان ما لا يرى ... فقلت والدمع بعيني غزير إن لم تكن عيني رأت شخصها ... فإنها قد مثلت في الضمير ومثل هذا قول المهذب عمر ابن الشحنة: وإني امرؤٌ أحببتكم لمحاسنٍ ... سمعت بها والأذن كالعين تعشق وتقدمه بشار بقوله: يا قوم أذني لبعض القوم عاشقةٌ ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا ونقل الشيخ جمال الدين بن نباتة في كتابه المسمى بسرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون عن علي بن أبي طالب أنه قال سبحان الله ما أزهد كثير من الناس في الخير عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم حاجة فلا يرى نفسه أهلا للخير ولا يرجو ثوابا ولا يخاف عقابا وكان ينبغي له أن يسارع إلى مكارم الأخلاق فإنها تدل على سبل النجاح فقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين أسمعته من النبي ﷺ قال نعم لما أتي بسبايا طيىء وقعت جارية بها جميلة لما رأيتها أعجبت بها فلما تكلمت نسيت جمالها بفصاحتها فقالت يا محمد إن رأيت أن تخلي سبيلي ولا تشمت بي أحياء العرب فإني

стр. 100

ابنة سيد قومي وإن أبي كان يفك العاني ويشبع الجائع ويكسو العاري ويفشي السلام ولا يرد طالب حاجة قط أنا بنت حاتم الطائي فقال النبي ﷺ هذه صفات المؤمنين خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق والمنقول عن حاتم في زيادة الكرم كثير. من ذلك ما حكاه المدائني قال أقبل ركب من بني أسد وبني أسد وبني قيس يريدون النعمان فلقوا حاتما فقالوا تركنا قومنا يثنون عليك وقد أرسلوا إليك رسالة قال وما هي فأنشد الأسديون شعراً للنابغة فيه فلما أنشدوه قالوا إن نستحي أن نسألك شيئا وإن لنا حاجة قال وما هي قالوا صاحب لنا قد أرجل يعني فقدت راجلته فقال حاتم خذوا فرسي هذه فاحملوه عليها فأخذوها وربطت الجارية فلوها بثوبها فأفلت يتبع أمه فتتبعته الجارية لترده فصاح حاتم ما تبعكم فهو لكم فذهبوا بالفرس والفلو والجارية. وقيل أجود العرب في الجاهلية ثلاثة حاتم الطائي وهرم بن سنان وكعب ابن مامة وحاتم كان أشهرهم بالكرم ذكر أنه أدرك مولد النبي ﷺ . وحكى الهيثم بن عدي قال تمارى ثلاثة من أجواد الإسلام فقال رجل أسخى الناس في عصرنا هذا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وقال آخر أسخى الناس عرابة الأوسي وقال آخر بل قيس ابن سعد بن عبادة وأكثروا الجدال في ذلك وكثر ضجيجهم وهم بفناء الكعبة فقال لهم رجل قد أكثرتم الجدال في ذلك وكثر ضجيجهم وهم بفناء الكعبة فقال لهم رجل قد أكثرتم الجدال في ذلك فما عليكم أن يمضي كل واحد منكم

стр. 101

إلى صاحبه يسأله حتى ننظر ما يعطيه ونحكم على العيان فقام صاحب عبد الله إليه فصادفه قد وضع رجله في غرز ناقته يريد ضيعة له فقال يا ابن عم رسول الله قال قل ما تشاء قال ابن سبيل ومنقطع به قال فأخرج رجل من غرز الناقة وقال له ضع رجلك واستو على الراحلة وخذ ما في الحقيبة واحتفظ بسيفك فإنه من سيوف علي بن أبي طالب ﵁ قال فجاء بالناقة والحقيبة فيها مطارف خز وأربعة آلاف دينار وأعظمها وأجلها السيف ومضى صاحب قيس بن سعد بن عبادة فصادفه نائماً فقالت الجارية هو نائم فما حاجتك إليه قال ابن سبيل ومنقطع به قالت حاجتك أهون من إيقاظه هذا كيس فيه سبعمائة دينار والله يعلم أن ما في دار قيس غيره خذه وامض إلى معاطن الإبل إلى أموال لنا بعلامتنا فخذ راحلة من رواحله وما يصلحها وعبدا وامض لشأنك فقيل إن قيسا لما انتبه من رقدته أخبرته بما صنعت فاعتقها ومضى صاحب عرابة الأوسي إليه فألفاه قد خرج من منزله يريد الصلاة وهو يمشي على عبدين وقد كف بصره فقال يا عرابة ابن سبيل ومنقطع به قال فخلى العبدين وصفق بيمناه على يسراه وقال أواه أواه ما تركت الحقوق لعرابة مالا ولكن خذهما يعني العبدين قال ما كنت بالذين أقص جناحيك قال إن لم تأخذهما فهما حران فإن شئت تأخذ وإن شئت تعتق وأقبل يلتمس الحائط بيده

стр. 102

راجعا إلى منزله قال فأخذهما وجاء بهما فثبت أنهم أجود عصرهم إلا أنهم حكموا لعرابة لأنه أعطى جهده. نادرة غريبة حضر يعقوب بن إسحق الكندي المسمى بوقته فيلسوف الإسلام مجلس أحمد بن المعتصم وقد دخل عليه أبو تمام فأنشد قصيدته السينية المشهورة فلما بلغ إلى قوله: إقدام عمروٍ في سماحة حاتمٍ ... في حلم أحنف في ذكاء إياس قال له الكندي ما صنعت شيئا فقال كيف: قال ما زدت على أن شبهت ابن أمير المؤمنين بصعاليك العرب وأيضا فإن شعراء دهرنا تجاوزوا بالممدوح من كان قبله ألا ترى إلى قول العكوك في أبي دلف. رجل أبرّ على شجاعة عامرٍ ... بأساً وغبّر في محيّا حاتم فأطرق أبو تمام ثم أنشأ يقول: لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شروداً في الندى والباس فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس ولم يكن هذا في القصيدة فتزايد العجب منه ثم طلب أن تكون الجائزة ولاية عمل فاستصغر عن ذلك فقال الكندي ولوه لأنه قصير العمر لأن ذهنه ينحت من قلبه فكان كما قال وقد تكون ظهرت له دلائل من شخصه في ذلك الوقت على قرب أجله انتهى. وسمع الكندي: وفي أربعٍ منيّ حلت منك أربعُ ... فما أنا أدري أيُّها هاج لي كربي خيالك في عيني أم الذكر في فمي ... أم النطق في سمعي أم الحبُّ في قلبي

стр. 103

فقال لقد قسمتها تقسيما فلسفيا. انتهى. ونقل الشيخ جمال الدين ابن نباتة في كتابه المسمى بسرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون أن واضع العود بعض حكماء الفرس ولما فرغ منه سماه البربط وتفسيره باب النجاة ومعناه أنه مأخوذ من صرير باب الجنة وجعلت أوتاره أربعة بإزاء الطبائع الأربع فالزير بإزاء السوداء والبم بإزاء الصفراء والمثنى بإزاء الدم والمثلث بإزاء البلغم فإذا اعتدلت أوتاره المرتبة على ما يجب جانست الطبائع وأنتجت الطرب وهو رجوع النفس إلى الحالة الطبيعية دفعة واحدة وبدىء هذا العلم ببطليموس وختم باسحق ابن إبراهيم الموصلي. وحكى ابن حمدون في تذكرته أن الحسن ابن حماد قال كنت بالمدينة فخلا لي الطريق نصف النهار فجعلت أتغنى بشعر ذي يزن وهو: ما بالُ قومِكِ يا رباب ... خزراً كأنهم غضاب فإذا كوة قد فتحت وإذا وجه قد بدا منها تتبعه لحية حمراء فقال يا فاسق أسأت التأدية ومنعت القائلة وأذعت الفاحشة ثم أندفع يغني فغنى الصوت غناء لم أسمع بمثله فقلت أصلحك الله من أين لك هذا الغناء قال نشأت وأنا غلام يعجبني الأخذ عن المغنين فقالت أمي يا بني إن المغني إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى غنائه فدع الغناء واطلب الفقه فتركته وتبعت الفقهاء فبلغ بي إلى ما ترى فقلت أعد لي الصوت جعلت فداك فقال لا ولا كرامة أتريد أن تقول أخذته عن مالك بن أنس. فائدة غريبة روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال

стр. 104

سمعت رسول الله ﷺ يقول إن هذا القرآن ينزل بحزن فإذا قرأتموه فأبكوا فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به من لم يتغن بالقرآن فليس منا رواه ابن ماجه. نادرة لطيفة قال عبد الملك بن أبي زيد مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حتى دخل بيته فإذا رجل رث الهيئة يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول ليس منا من لم يتغن بالقرآن قال فقلت لابن أبي مليكة يا أبا محمد أرأيت إن لم يكن حسن الصوت قال يحسنه ما استطاع رواه أبو داود. نادرة لطيفة تتضمن المثل السائر في قولهم عن الخائب رجع بخفي حنين المنقول عن حنين أنه كان إسكافا من أهل الحيرة ساومه أعرابي بخفين ولم يشتر منه شيئا وغاظه ذلك فخرج إلى الطريق التي لا بد للأعرابي من المرور منها فعلق الفردة الواحدة منهما في شجرة على طريقه وتقدم قليلا فطرح الفردة الثانية واختفى فجاء الأعرابي فرأى أحد الخفين فوق الشجرة فقال ما أشبهه بخف حنين لو كان معه آخر لتكلفت أخذه وتقدم فرأى الخف الآخر مطروحا فنزل وعقل بعيره وأخذه ورجع ليأخذ الأول فخرج حنين من الكمين فأخذ بعيره وذهب ورجع الأعرابي إلى ناحية بعيره فلم يجده فرجع بخفي حنين فصارت مثلا. نادرة لطيفة قيل إن بعض وفود العرب قدموا على عمر بن عبد العزيز ﵁ وكان فيهم شاب فقام وتقدم وقال يا أمير المؤمنين أصابتنا سنون سنة

стр. 105

أذابت الشحم وسنة أكلت اللحم وسنة أذابت العظم وفي أيديكم فضول أموال فإن كانت لنا فعلام تمنعونها عنا وإن كانت لله ففرقوها على عباد الله وإن كانت لكم فتصدقوا بها علينا إن الله يجزي المتصدقين فقال عمر بن عبد العزيز ما ترك الإعرابي لنا عذرا في واحدة. ووقف أعرابي على حلقة الحسن البصري فقال رحم الله من تصدق من فضل أو واسى من كفاف أو آثر من قوت فقال الحسن البصري ما ترك الأعرابي أحدا منكم حتى عمه بالسؤال قلت هذا النوع سماه البديعيون بالتقسيم. نادرة أدبية بديعة حكى ضياء الدين بن الأثير في المثل السائر بعدما أورد لغزا في الخلخال: ومضروبٍ بلا جُرْمٍ ... مليح اللون معشوق له شكل الهلال على ... رشيق القدِّ ممشوق وأكثر ما يُرى أبداً ... على الأمشاط في السّوق قال بلغني أن بعض الناس سمع هذه الأبيات فقال: دخلت السوق فلم أرى على الأمشاط شيئا. ومن نوادر الأدب أيضا إشارة الحجاج إلى قول ابن نباتة السعدي في فرس أغر محجل: غضبت صباحُ وقد رأتني قابضاً ... أيري فقلت لها مقالة فاجر بالله إلا ما لطمت جبينه ... حتى يحققَ فيك قول الشاعر يريد بذلك قوله: فكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتصّ منه فخاض في أحشائه ومن المنقول

стр. 106

المشهور أن الأدب وأهله كان عند أصحاب حماه في الذروة العالية ولكن قصة زكي الدين بن عبد الرحمن العوفي مع الملك المظفر محمود بن الملك المنصور محمد بن الملك تقي الدين عمر بن شهنشاه كانت على غير المعهود منه ومن سلفه الطاهر وما ذاك إلا أن زكي الدين المذكور أنشد الملك المظفر محموداً قبل أن يتملك حماه: متى أراك ومن تهوى وأنت كما ... تهوى على رغمهم روحين في بدن هناك أنشد والأمال حاضرة ... هنئت بالملك والأحباب والوطن فوعده إن تملك حماه أن يعطيه ألف دينار فلما ملكها أنشد: مولاي هذا الملك قد نلته ... برغم مخلوقٍ من الخالق والدهر منقادٌ لما شئته ... فذا أوان الموعد الصادق فدفع له ألف دينار وأقام معه مدة ولزمته أسفار أنفق فيها المال الذي أعطاه ولم يحصل بيده زيادة عليه فقال: إن الذي أعطوه لي جملةً ... قد استردوه قليلاً قليل فليت لم يعطوا ولم يأخذوا ... وحسبنا الله ونعم الوكيل فبلغ ذلك الملك المظفر فأخرجه من دار كان قد أنزله بها فقال: أتخرجني من كسر بيتٍ مهدّمٍ ... ولي فيك من حسن الثناء بيوت فإن عشت لم أعدم مكاناً يضمني ... وأنت فتدري ذكر من سيموت فحبسه المظفر فقال ما ذنبي إليك فقال حسبنا الله ونعم الوكيل وأمر بخنقه فلما أحسن بذلك قال: أعطيتني الألف تعظيماً وتكرمةً

стр. 107

.. يا ليت شعري أم أعطيتني ديني قلت كان والد الملك المظفر أليق بهذا المقام الذي لم يقصد به زكي الدين العوفي غير ترويج الأدب في اختلاف المعاني والمداعبة به والتوصل بذلك إلى بسط الملك المظفر ولكن حال الزكي كقول الشاعر: وكنت كالمتمني أن يرى فلقاً ... من الصباح فلما أن رآه عمي قلت وكان والد السلطان الملك المظفر المنصور من كبار أهل الأدب وكان أحب الناس لأهله وله كتاب طبقات الشعراء عشر مجلدات وسمع الحديث من الحافظ السلفي بالإسكندرية وكان مغرما بحب الأدباء والعلماء وجمع تاريخا على السنين في عشر مجلدات ومن مصنفاته كتابه المسمى بمظاهر الحقائق وسر الخلائق وهو كبير نفيس يدل على فضله وجمع عنده من الكتب ما لا مزيد عليه وكان في خدمته ما يناهز مائتي متعمم من الفقهاء والأدباء والنحاة والمشتغلين بالحكمة والمنجمين والكتاب وأقامت دولته ثلاثين سنة وتوفي سنة عشر وستمائة ومن شعره: أربي راحٌ وريحا ... نٌ ومحبوبٌ وشادي والذي ساق لي المل ... ك له دفع الأعادي قلت وقد تقدم القول وقد تقرر أن جميع ملوك حماة المحروسة من بني أيوب وكان لهم المام بالأدب وأهله وقد تعين أن نذكر هنا ترجمة ومؤيدهم فإنه كان بدر كمالهم ومسك ختامهم وهو الملك المؤيد عماد الدين أبو الفداء إسماعيل ابن

стр. 108

الملك الأفضل ابن الملك المظفر ابن الملك المنصور بن الملك المظفر صاحب حماة المحروسة كان أميراً بدمشق المحروسة فخدم الملك الناصر لما كان بالكرك وبالغ في خدمته فوعده بحماة ووفى له بذلك وجعله بها سلطانا يفعل فيها ما يشاء من إقطاع وغيره ليس لأحد من الدولة المصرية معه حديث وأركبه في القاهرة بشعار المملكة وأبهة السلطنة ومشى الأمراء في خدمته حتى الأمير سيف الدين ابن أرغون النائب وقام له القاضي كريم الدين بكل ما يحتاج إليه في ذلك المهم من التشاريف والانعامات على وجوه الدولة ولقبوه بالملك الصالح ثم بعد ذلك بقليل لقب بالمؤيد وتقدم أمر السلطان الملك الناصر إلى نوابه أن يكتبوا إليه يقبل الأرض والمقام الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي المؤيدي العمادي وفي العنوان صاحب حماه وكان الملك الناصر يكتب إليه أخوه محمد بن قلاوون أعز الله المقام الشريف العالي السلطاني الملكي المؤيدي العمادي المولوي. وكان الملك المؤيد من علماء الفقه والأدب والطب والحكمة والهيئة ونظم الحاوي وله تاريخ بديع وكتاب الكنائس وكتاب تقويم البلدان هذبه وجدوله وأجاد فيه ما شاء وله كتاب الموازين. وكان قد رتب للشيخ جمال الدين بن نباتة في كل شهر ألف درهم غير ما يتحفه وهو مقيم بدمشق وتوجه الملك المؤيد في بعض السنين إلى الديار

стр. 109

المصرية ومعه ابنه الملك الأفضل محمد ولده فجهز إليه السلطان الحكيم جمال الدين بن المغربي رئيس الأطباء فكان يجيء إليه بكرة وعشيا فيراه ويبحث معه في مرضه ويقدر له الأدوية ويطبخ له الشراب بيده في دست فضة فقال له ابن المغربي يا مولانا السلطان أنت والله ما تحتاج إلى المملوك وما أجيء به إلا امتثالا للأوامر الشريفة ولما عوفي أعطاه بغلة بسرج ذهب ولجام وكنبوش مزركش وعشرة آلاف درهم والدست الفضة وقال يا رئيس أعذرني فإني لما خرجت من حماة ما حسبت مرض هذا الولد ومدحه شعراء زمانه وأجازهم وبنى بظاهر حماة المحروسة جامعاً حسناً وسماه جامع الدهيشة وأوقف عليه كتباً قيل إنها ما أجتمعت لغيره من سائر الفنون فإنه اجتهد في جمعها من سائر البلاد شرقا وغربا وتوفي ﵀ سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة ومن شعره: كم من دمٍ حلت وما ندمت ... تفعل ما تشتهي فلا عدمت سمت فلو تبلغ الشموس إلى ... لثم مواطىء أقدامها لثمت والمنقول عن القاسم المكنى بأبي دلف أنه جمع بين طرفي الكرم والشجاعة ولي دمشق في خلافة المعتصم فأما شجاعته فإنه لحق قوما من الأكراد قطعوا الطريق فطعن فارساً طعنة فنفذت الطعنة إلى فارس آخر رديفه فقتلهما فقال بكر بن النطاح: قالوا وينظم فارسين بطعنةٍ ... يوم الهياج ولا تراه كليلا

стр. 110

لا تعجبوا فلو أن طول قناته ... ميلٌ إذاً نظم الفوارس ميلا وفيه يقول ابن عنين: تمشي المنايا إلى غيري فأكرهها ... فكيف أمشي إليها بارز الكتفِ ظننت أن نزال القرن من خلقي ... وأن قلبي من جنبيّ أبي دلف وأما شهرته في الكرم فهو الذي قال فيه أبو تمام: يا طالباً للكيمياء وعلمها ... مدح ابن عيسى الكيمياء الأعظم لو لم يكن في الأرض إلاّ درهمٌ ... ومدحته لأتاك ذاك الدرهم ودخل عليه بعض الشعراء فأنشد: أبو دلفٍ إن المكارم لم تزل ... مغلغلةً تشكو إلى الله حلها فبشرها منه بميلاد قاسمٍ ... فأرسل جبريلاً إليها فحلها فأمر له بمال فقال الخازن لم يكن هذا القدر ببيت المال فأمر له بضعفه فقال هذا غير ممكن فأمر له بضعفه فلما حمل إليه المال قال أبو دلف: أتعجب إن رأيت عليَّ ديناً ... وإن ذهب الطريف مع التلاد وما وجبت عليّ زكاة مالٍ ... وهل تجب الزكاة على جواد. وقال آخر: إن سار سار المجد أو حلّ وَقَفْ ... أنظر بعينيك إلى أسنى الشرف هل ناله بقدرةٍ أو بكلف ... خلقٌ من الناس سوى أبي دلف فأعطاه خمسين ألف درهم وفيه يقول العكوك بن علي بن أبي جبلة: إنما الدنيا أبو دلفٍ ... بين باديه ومحتضره فإذا ولى أبو دلفٍ ... ولّت الدنيا على أثره
следующие страницы →