← Адаб

Адаб · id 11056

ثمرات الأوراق في المحاضرات

الحموي، ابن حجة

Полный текст (543 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

حكى الدينوري في المجالسة في ترجمة أبي عبد الله سعيد بن يزيد البناجي قال سمعت أبي يقول قال: قال خالي أحمد بن محمد بن يوسف سمعت محمد بن يوسف يقول كان أبو عبد الله البناجي مجاب الدعوة وله آيات وكرامات، بينما هو في بعض أسفاره إما حاجاً وإما غازياً على ناقة وكان في الطريق رجل عائن قلَّما ينظر إلى شيء إلا أتلفه وأسقطه وكان ناقة أبي عبد الله ناقة فارهة فقيل له إحفظها من العائن فقال أبو عبد الله ليس له إلى ناقتي سبيل فأخبر العائن بقوله فتخيَّر غيبة ابي عبد الله فجاء إلى رحله وعان ناقته فاضطربت وسقطت تضطرب فأتى عبد الله فقيل قد عان ناقتك وهي كما تراها تضطرب قال دلوني على العائن فدل عليه فقال بسم الله حبس حابس وحجر يابس وشهاب قابس رددت عين العائن عليه وعلى أحب الناس إليه في كليتيه رشيق وفي ماله يليق فإرجع البصر هل ترى من فطور ثم أرجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير فخرجت حدقة العائن وقامت الناقة لا بأس بها. وله في أسماء الولائم: وليمة أعراسِ وخرس ولادة ... عقيقة مولودٍ نقيمة قادم وخيمة حزنٍ والبناء وكيرةُ ... عذيرة ختنٍ مأدبات المكارم وله أيضاً في أسماء أيام العجوز على الترتيب: بصنٌ وصنبرٌ ووبرٌ معللٌ ... بمطفىء جمرٍ آمرٌ نعم مؤتمر تولّت عجوزٌ ثم أعقب بعدها ... شبابُ ربيعٍ زهره يانعُ نضر

стр. 457

ولغيره في أسماء خيل الحلبة: سبق المجلّي والمصلّي والمسلّي ... بعد تاليه ترى المرتاحا وبعاطفٍ وبفسكلٍ وحطيَّة ... حَلْبُ اللطيم على الكميتِ صباحا لأبي العلائ المعري: سألن فقلتُ مقصدُنا سعيدٌ ... فكان اسم الأمير لهنّ فالا إذا ما الغيمُ لم يمطرْ بلاداً ... فإنّ له على يدك اتكالا ولو أنَّ الرياح تهبُّ غرباً ... وقلتَ لها هلا هبّت شمالا وأقسم لو غضبت على ثبيرٍ ... لأزمع عن محلَّته ارتحالا نبذة لغوية يفتقر كل متأذب إليها: البلج هو أن ينقطع الحاجبان فلا يكون بينهما تضام للشعر وكان العرب تمدج البلج ويقال رجل أبلج وامرأة بلجاء. ثم العين فجملة العين المقلة وهي الشحمة التي تجمع البياض والحدقة والناظر هو موضع البصر وفيه الإنسان والإنسان ليس بخلق له حجم والحجم ما وجدت مسه والعين كالمرآة إذا استقبلتها بشيء رأيت شخصه فيها وفيها الناظران وهما عرقان على حرف الأنف يسيلان من الموقين إلى الوجه وفيها الأجفان وهي غطاء المقلة من أعلى وأسفل وفيها الأشفار وهي حروف الأجفان التي تلتقي عند الغمض الواحد شفر والشفر الذي ينبت فيه الهدب الواحد هدب فإذا طالت الأهداب قيل رجل أهدب وامرأة هدباء ورجل أوطف وامرأة وطفاء وكذلك أذن هدباء إذا كانت كثيرة الشعر ووطفاء دليل على الطول والمحجر ما خرج من النقاب من الرجل والمرأة من الجفن الأسفل وفي العين الحماليق والواحد حملاق

стр. 458

والحماليق النواحي وفيها اللحاظ وهي في مؤخرها الذي يلي الصدغ والموق طرفها الذي يلي الأنف وهو مخرج الدموع وفي العين الحوص وهو ضيق في مؤخرها يقال رجل أحوص امرأة حوصاء وفيها النجل وهو سعة العين وعظم المقلة وكثرة البياض وفيها الخنس وهو ضعف في النظر وفيها الكحل وهو سواد العين بين الحمرة والسواد والشهل أن يشوب سوادها زرقة يقال رجل أشهل وامرأة شهلاء ويقال نظر إليَّ شزراً وذلك إذا نظر عن يمينه أو عن شماله ولم يستقبله بنظره في النظر والإغضاء وهو أن يطبق جفنه على حدقته فيقال رايته مغضياً. ثم الفم وفي الفم الثنايا والرباعيات والضواحك والأرحاء والنواجذ فالضواحك أربعة أضراس تلي الأنياب إلى جنب كل باب من أسفل الفم وأعلاه ضاحك وأما الأرحاء فهي ثمانية أضراس من أسفل الفم وأعلاه وفي الظلم ساكن وهو ماء الأسنان وفي الأسنان الشنب وهو برد وعذوبة في المذاق والفلج تباعد ما بين الأسنان. ثم اللثة هو اللحم تنبت فيه الأسنان وفي اللثة اللمى وهو سمرة تضرب إلى سواد وكذلك الحوة واللهاة واللحمة الحمراء المعلقة على الحنك نقلت من الجزء الثالث والعشرين من التذكرة للصفدي أن شهاب الدين أحمد الحموي النقاش ورد إلى القاهرة سنة ٧٣٢ وكتب الختمة الشريفة على خوصة من أولها إلى آخرها مفصلة الأجزاء

стр. 459

والسور أخبرني بذلك الموالي السادة الموقعون بالباب الشريف وقدمها لمولانا السلطان الملك الصالح وسألته عن مولده فقال في سنة ٦٩٩ وله نظم رائق. وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: عشر تورث النسيان كثرة الهم والحجامة في النقرة والبول في الماء الراكد وأكل التفاح الحامض وأكل الكسفرة وأكل سؤر الفأرة وقراءة ألواح القبور والنظر إلى المصلوب والمشي بين القطارين والقاء القملة حية والله أعلم هذا آخر التذييل. وهذا تذييل آخر. بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمدا لله على نعمائه والصلاة والسلام على خير أنبيائه. يقول العبد الفقير إلى عفور مولاه الكريم إبراهيم بن الحاج علي الأحدب قد رأيت أن أذيل الثمرات بما جنيته من الثمار الدانية والفوائد العالية وبالله التوفيق. فمن ذلك ما يحكى أن الصاحب بدر الدين وزير اليمن كان له أخ بديع الجمال وكان شديد الحرص عليه فأتى له بشيخ ذي دين وعفة وهيبة وعقل ليعلمه فأسكنه في منزل قريب منه فأقام على ذلك مدة ثم إن الشيخ امتحن بمحبة ذلك الشاب وقوي غرامه فيه فشكا يوما له حاله فقال له ما حيلتي وأنا لا أستطيع مفارقة أخي لا ليلاً ولا نهاراً أما الليل فإن سريري بجانب سريره وأما النهار فكما ترى تلازمنا فقال الشيخ إن منزلي ملاصق لداركم فيمكن إذا غمضت عين أخيك أن تقوم لتستعمل ماء فتأتي إلى الحائط وأنا أتناولك من وراء الجدار فتجلس عندي لحظة لطيفة من غير

стр. 460

أن يشعر أخوك بشيء فقال السمع والطاعة وتواعدا على ليلة فهيأ له الشيخ من التحف والظرف ما يليق بمقامه فلما نام الصاحب واستغرق في النوم وأمن انتباهه قام الشاب وتمشى خطوات وفتح باب يتوصل منه إلى الحائط فوجد شيخه واقفاً ينتظره فتناوله وصار عنده في المنزل وكان ليلة البدر وتنادما ودارت بينهما كؤوس الشراب ممزوجة ببرد الرضاب وانتشى الشيخ وأخذ في الغناء وقد رمى القمر جرمه عليهما وانتبه الصاحب فلم يجد أخاه فقام فزعا مرعوباً ووجد الباب الذي استطرق منه أخوه مفتوحاً فقال من هنا جاء الشر فدخل منه وصعد الحائط فوجد نوراً ساطعاً من البيت ونظر فرآهما على هذه الحالة والكأس بيد الشيخ وهو ينشد أحسن صوت: سقاني خمرةً من ريق فيه ... وحيّا بالعذار وما يليه وبات معانقاً خدّا بخدٍ ... غزالٌ في الأنام بلا شبيه وبات البدر مطَّلعاً علينا ... سلوه لا ينمُّ على أخيه فكان من لطافة الصاحب أن قال والله لا أنمُّ عليكما وتركهما وانصرف انتهى. ومن بديع ذلك ما حكاه ابن خلكان في تاريخه في ترجمة شرف الدين المعروف بابن المستوفي قال قد وصل إلى اربل بعض الشعراء وهو الشريف عبد الرحمن بن أبي الحسين بن عيسى بن علي بن يعرب في سنة ثمان وعشرين وستمائة وشرف الدين يومئذ وزير فسير له مثلوماً على يد شخص كان في خدمته يقال له الكمال بن الشعار الموصلي صاحب التاريخ والمثلوم عبارة عن دينار يقطع منه قطعة صغيرة وقد

стр. 461

جرت عادتهم في العراق وتلك البلاد أن يفعلوا هذا لأنهم يتعاملون بالقطع الصغار ويسمونها القراضا ويتعاملون أيضاً بالمثلوم وهذا كثير الوجود بأيديهم فجاء الكمال إلى ذلك الشاعر وقال له الصاحب يقول لك أنفق الساعة هذا حتى يجهز لك شيئاً فتوهم الشاعر أن الكمال يكون قد قرض القطعة من الدينار وأن شرف الدين ما سيره إلا كاملاً وقصد استعلام الحال من جهة شرف الدين فكتب إليه: يا أيُّها المولى الوزير ومن به ... في الجود حقَّاً تضرب الأمثالُ أرسلت بدر التمِّ عند كماله ... حسناً فوافى العبد وهو هلال ما غاله النقصان إلاَّ أنّه ... بلغ الكمال كذلك الآجال فأعجب شرف الدين بهذا المعنى وحسن الاتفاق وأجاز الشاعر وأحسن إليه انتهى. ومنه ما حكي أن إبراهيم بن سهل الأشبيلي كان يهودياً فأسلم وحسن إسلامه حتى أنه مدح النبي ﷺ قبل أن يسلم وكان يقرأ مع المسلمين ويخالطهم وكان يحب يهودياً اسمه موسى وأكثر شعره فيه فلما أسلم أحب شاباً اسمه محمد وترك هوى اليهودي فقيل له في ذلك فأنشد: تركت هوى موسى بحب محمدٍ ... هديت ولولا الله ما كنت أهتدي وما عن قلىً تركي هواه وإنما ... شريعة موسى عُطِّلت بمحمد وكان إبراهيم هذا شاعراً مجيداً اتفق له في صباه أن الهيثم نظم قصيدة مدح بها المتوكل على الله بن يوسف بن هود ملك الأندلس وقد كانت أعلامه

стр. 462

سوداً لأنه كان بايع الخليفة ببغداد فأرسل إليه بالتولية والألوية والنيابة ولا يعلم أحد من ملوك الأندلس قبله ولا بعده بايع بني العباس قط فوقف إبراهيم بن سهل والهيثم ينشد قصيدته لبعض أصحابه فقال إبراهيم للهيثم زد بين البيت الفلاني والبيت الفلاني: أعلامه السود إعلامٌ بسُؤدده ... كأنهَّنَّ بخد الملك خيلانُ فقال الهيثم أهذا البيت شيء ترويه أم نظمته فقال بل نظمته الساعة فقال الهيثم أن عاش هذا الغلام فسيكون أشعر أهل الأندلس. ومنه ما اتفق سنة ثمان وستمائة أن الملك المعظم عيسى سار إلى أخيه الملك الأشرف فاستعطفه على أخيه الكامل محمد وكان في نفسه موجدة عليه فأزالها وسارا جميعاً نحو الديار المصرية لمعاونة الكامل على الأفرنج الذين قد أخذوا دمياط واستحكم أمرهم هناك من سنة أربع عشرة بعد حروب كثيرة يطول شرحها حتى عرض عليهم في بعضها أن يرد عليهم بيت المقدس وجمع ما كان صلاح الدين فتحه في الساحل ويتركوا دمياط فامتنعوا من ذلك فقدر الله أن قدمت عليهم مراكب فيها أميرة لهم فأخذتها مراكب المسلمين وأرسلت من أراضي دمياط المياه من كل ناحية فلم يمكن الأفرنج أن يتصرفوا بأنفسهم وحصرهم المسلمون من الجهة الأخرى حتى اضطروهم إلى أضيق الأماكن فعند ذلك أنابوا إلى المصالحة من غير مفاوضة فجاء مقدمهم إلى الملك الكامل وعنده أخواه

стр. 463

المذكوران كانا قائمين بين يديه وكان يوماً مشهوداً وأمر محموداً فوقع الصلح على ما أراد الكامل محمد وملوك الأفرنج والعساكر كلها واقفة بحضرته ومد سماطا عظيماً اجتمع عليه المؤمن والكافر والبر والفاجر فقام المحلِّي الشاعر وأنشد: هنيئاً فإن السعد راح مخلّدا ... وقد أنجز الرحمن بالنصر موعدا حبانا إله الخلق فتحاً به المنى ... مبيناً وإنعاماً وعزّاً مؤيَّدا تهلَّل وجه الأرض بعد قطوبه ... وأصبح وجه الشرك بالظلم أسودا ولما طغا البحر الخضمُّ بأهله الط ... غاة وأضحى بالمراكب مزبدا أقام بهذا الدين من سلّ عزمه ... صقيلاً كما سلّ الحسام مجرّدا فلم ينج إلاّ كلّ شلوٍ مجدّلٍ ... ثوى منهُمُ أو من تراه مقيّدا ونادى لسان الكون في الأرض رافعاً ... عقيرته في الخافقين مشيّدا أعبَّاد عيسى إنّ عيسى وقومه ... وموسى جميعاً يخدمون محمّدا قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة بلغني أنه وقت الإنشاد أشار عند قوله عيسى إلى المعظم وعند قوله موسى إلى الأشرف وعند قوله محمد إلى الكامل وهذا من أحسن الاتفاق انتهى. ومنه ما حكي عن جمال الدين كاتب سر الملك المعظم عيسى أنه كان بينه وبين السلطان

стр. 464

مداعبة ومنادمة فاتفق أنه حضر في بعض الليالي عنده فلما رجع إلى منزله قالت له زوجته أين إنعام السلطان فقال ما أنعم عليَّ الليلة بشيء فقالت أنا أعوض عنه وقامت إليه هي وجواريها في الحال وتناولته بالخفاف الثقال إلى أن ألانت أعطافه وأدارت في حالة الصفع صلافه فكتب للمعظم رقعة في ذلك منها: وتخالفت بيض الأكفّ كأنهّا الت ... صفيق عند مجالس الأعراس وتتابعت سود الخفاف كأنهّا ... وقع المطارق من يديْ نحّاس وقال أجب عنها فأجابه بما في آخره: فاصبرْ على أخفافهنّ ولا تكنْ ... متخلّقا إلاّ بخلق الناس وأعلم إن اختلفت عليك بأنّه ... ما في وقوفك ساعةٌ من باس وضمنه أبو جعفر الأندلسي فقال: ومورّدُ الوجنات دبَّ عِذارَهُ ... فكأنَّهُ خطٌّ على قرطاس لمّا رأيتُ عذاره مستعجلاً ... قد رام يخفي الوردّ منهُ بآس ناديته قفْ كي أودّع ورده ... ما في وقوفك ساعةٌ من باس ومن البديع ما يحكي أن الشيخ ابن كثير صاحب التاريخ كان له صفَّة على باب داره يجلس ويطالع فيها استئناساً بالمارة لسآمة الوحدة وإلى جواره جار له رث الثياب وكان إذا رأى الشيخ جالساً على الصفَّة يجيء ويركب أكتافه فتفوح منه رائحة فيتأذى ويستحي أني يصرفه فاشتد غيظه يوماً فقال له:

стр. 465

يا شيخ أما تستحي كلما تراني جالساً تجيء تركب أكتافي وأنت لست تعرف ما أطالعه ولا لك شعور به فلما أخجله بهذا التعنيف قال له يا سيدي الشيخ ما هذا الذي تطالع فيه من العلوم فقال شيء في الأقتباس فقال له أنشدني منه شيئاً ففكر ابن كثير ساعة واقتبس في مطالعة الحال وقال: كيد حسودي وهَنَا ... ولي سرورٌ وهنا الحمد لله الذي ... أذهب عنّا الحزنا فلما فرغ من إنشاده قال له هذا الذي أفكرت فيه وتتكثر به أسمع ما أقول فأنشد ارتجالاً من غير وقفة: قلبي إلى الرشد يسير ... وعنده النَّظم يسيرْ الحمد لله الذي ... فضّلنا على كثير واعتذر له وقال له إياك أن تزدري بأحد فإن مواهب الله تعالى في الصدور لا في الثياب انتهى. ومن اللطائف ما حكي أن بعض الملوك حاصر ملكاً وأطال في حصاره فلما اشتد به المحاصرة استدعى بوزرائه فقال ما ترون وقد تأخرت بنا هذه الحال هل نسلمه أم نخرج عليه ليلاً ويفعل الله بنا ما يشاء فقال بعض وزرائه قد بدا لي رأي أرى أنهم ينصرفون به عنا من غير قتال فقال ما هو قال يجمع مولاي ما في خزانته من الذهب ويحضره فلما أحضره استدعى بالصياغ وأمرهم أن يصوغوه جميعه سهاما زنة كل سهم قدر معلوم فعملت على الأمر المذكور فكتب الوزير على كل نصل سطرين ثم أمر أن

стр. 466

تركب السهام فلما ركبت أمر حاشية الملك بأن يأخذ كل واحد سهماً وأمرهم أن يرموها عن قوس واحد على العسكر المحتاط بهم فتلألأ لمعان نصالها حتى أدهش العيون فأمر الملك أن تجمع فلما جمعت بين يديه أمر أن يقرأ ما عليها فإذا هو مكتوب: ومن جوده يرمي العفاة بأسهمٍ ... من الذهب الابريز صيغت نصولها لينفقها مجروحها في دوائه ... ويشتري الأكفان منها قتيلها فلما سمع ذلك أمر بالرحيل من ساعته وقال مثل هذا لا يحاصر ولا يقاتل. ومن ذلك ما يحكي أن الشيخ شمس الدين المعروف بالدجوي رحمه الله تعالى كان يتعشق مليحاً فرآه بعد مدة وهو يتوجع من دمل طلع في دبره فسأله فقال دمل في ذلك المحل فضحك الشيخ ضحكاً شديداً وقال ما رأيت أعجب من هذا الدمل فقال له الشاب ولم قال الدمامل تطلع في أضيق المواضع وهذا على غير القياس جاء في أوسع المواضع فتبسم الشاب خجلاً ومضى انتهى. لطيفة يحكى أن نقيب الأشراف ببغداد كان يهوى غلاماً اسمه صدقة فأخذه ابن المنير الطرابلسي يوماً وأضافه وجلس في طبقة له فذهب إليهم على خفية وقال: يا من هُمُ في الطبقّةْ ... هل عندكم من شفقة لسائلٍ متيّمٍ ... يطلب منكم صدقة فأجابه ابن المنير ارتجالاً في الحال بقوله: يا من أتانا سرقة ... بمهجةٍ محترقة جدّك يا ذا لم يجز ... أخذك منّا صدقة

стр. 467

ومن المستعذب ما يحكى عن الفضل قال دخلت على الرشيد وبين يديه طبق ورد وعنده جاريته مارية وكانت تحسن الشعر والأدب مع الحسن والجمال فقال يا فضل قل في هذا الورد فأنشده بديها: كأنهّا فم محبوبٍ يقبِّله ... فم الحبيب وقد أبدى به خجلا فقال الرشيد ما تقولين يا مارية فأنشدته: كأنّه لون خدي حين تدفعني ... كفُّ الرشيد لأمرٍ يوجب الغسلا فقال الرشيد قم يا فضل فقد هيجتني هذه الماجنة فقمت وقد أرخيت الستور. ومن الغايات التي لا تدرك ما حكاه الشريف المقّري في شرح بديعته أن صائغا نصرانياً اسمه نجم صاغ خاتماً لبعض أولاد وزراء بيت المقدس وكان اسمه يحيى فنقش عليه نجم عشق يحيى ودفعه له فلما قرأه طاش عقله وامتلأ غيظاً وذهب إلى أبيه وقال له اقرأ ما على هذا الخاتم فلما قرأه حصل في نفسه تأثير فأرسل خلفه وعقد مجلساً لدى القاضي وأراد قتله فلما حضر أعلم بذلك فقال ما ذنبي وأنتم تروون عن نبيكم: من قتل ذميا كنت خصمه يوم القيامة فقال له أو تتكلم وخطك يشهد عليك كيف تكتب نَجَمَ عشق يحيى فقال والله ما كتبت إلا ما تتبركون به في كتابكم فكتبت نجم عشق يحيى فطرب المجلس لذلك واستحسنوا ذكاءه وأشاروا عليه بالإسلام فهذا من الاتفاق العجيب. ومثل ذلك قول أبو نواس يهجو خالصة

стр. 468

جارية الرشيد: لقد ضاع شعري على بابكم ... كما ضاع درُّ على خالصه فلما بلغ الرشيد أنكر عليه وهدده فقال لم أقل إلا ضاء واستحسن مواربته وقال بعض من حضر هذا البيت قلعت عينه فأبصر. حكي عن أبي العيناء أنه قال رأيت جارية مع النخاس وهي تحلف أن لا ترجع لمولاها فسألتها عن ذلك فقالت يا سيدي: أنّه يواقعني من قيام ويصلي من قعود ويشتمني بأعراب ويلحن في القرآن ويصوم الخميس والاثنين ويفطر رمضان ويصلي الضحى ويترك الفرض فقلت لا أكثر الله مثله في المسلمين. وقيل زنى رجل بجارية فأحبلها فقيل له يا عدو الله هلا إذا ابتليت بفاحشة عزلت قال قد بلغني أن العزل مكروه قالوا فما بلغك أن الزنا حرام. وقيل لأعرابي كان يتعشق قينة ما يضرك لو اشتريتها ببعض ما تنفق عليها قال فمن لي إذ ذاك بلذة الخلسة ولقاء المسارقة وانتظار الموعد. وحكي أن علية بنت المهدي كانت تهوى غلاماً خادماً اسمه طلٌّ فحلف الرشيد أن لا تكلمه ولا تذكره في شعرها فاطلع الرشيد يوما عليها وهي تقرأ سورة البقرة فإن لم يصبها وابل فالذي نهى عنه أمير المؤمنين. قيل دخلت امرأة على هارون الرشيد وعنده جماعة من وجوه أصحابه فقالت يا أمير المؤمنين أقر الله عينك وفرحك بما آتاك وأتم سعدك لقد حكمت فقسطت فقال لها من تكونين أيتها المرأة فقالت من آل برمك ممن قتلت رجالهم وأخذت أموالهم وسلبت نوالهم فقال: أما الرجال فقد مضى فيهم

стр. 469

أمر الله ونفذ فيهم قدره وأما المال فمردود إليك ثم التفت إلى الحاضرين من أصحابه فقال أتدرون ما قالت المرأة فقالوا ما نراها قالت إلا خيراً قال ما أظنكم فهمتم ذلك أما قولها أقر الله عينك أي أسكنها عن الحركة وإذا أسكنت العين عن الحركة عميت وأما قولها وفرحك بما آتاك فأخذته من قوله تعالى حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة وأما قولها وأتم الله سعدك فأخذته من قول الشاعر. إذا تمَّ أمرٌ بدا نقصه ... ترقَّب زوالاً إذا قيل تم وأما قولها لقد حكمت فقسطت فأخذته من قوله تعالى وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا فتعجبوا من ذلك. وحكي أن المأمون ولّى عاملاً على بلاد وكان يعرف منه الجور في حكمه فأرسل إليه رجلاً من أرباب دولته ليمتحنه فلما قدم عليه أظهر أنه قدم في تجارة بنفسه ولم يعلمه أن أمير المؤمنين عنده علم منه فأكرم نزله وأحسن إليه وسأله أن يكتب كتاباً إلى أمير المؤمنين المأمون يشكر سيرته عنده ليزداد فيه أمير المؤمنين رغبة فكتب كتابا فيه بعد الثناء على أمير المؤمنين أما بعد الثناء على أمير المؤمنين أما بعد فقد قدمنا على فلان فوجدناه آخذاً بالعزم عاملاً بالحزم قد عدل بين رعيته وساوى في أقضيته أغنى القاصد وأرضى الوارد وأنزلهم منه منازل الأولاد وأذهب ما بينهم من الضغائن والأحقاد وعمر منهم المساجد الدائرة وأفرغهم من عمل الدنيا وشغلهم بعمل الآخرة يعني أن الكل صاروا فقراء لايملكون شيئاً من الدنيا يريدون النظر إلى وجه أمير المؤمنين أي ليشكو حالهم

стр. 470

وما نزل بهم فلما جاء الكتاب إلى المأمون عزله عنهم لوقته وولى عليهم غيره. وحكي أن بعض الملوك طلع يوماً إلى أعلى قصره يتفرج فلاحت منه التفاتة فرأى امرأة على سطح دار إلى جانب قصره لم ير الراءون أحسن منها فالتفتت إلى بعض جواريه فقال لها لمن هذه فقالت يا مولاي هذه زوجة غلامك فيروز قال فنزل الملك وقد خامره حبها وشغف بها فاستدعى بفيروز وقال له خذ هذا الكتاب وأمض به إلى البلد الفلانية وائتني بالجواب فأخذ فيروز الكتاب وتوجه إلى منزله فوضع الكتاب تحت رأسه فلما أصبح ودع أهله وسار طالباً لحاجة الملك ولم يعلم بما قد دبره الملك ثم إنّه لما توجه فيروز قام الملك مسرعاً وتوجه مختفياً إلى دار فيروز فقرع الباب قرعاً خفيفاً فقالت امرأة فيروز من بالباب قال أنا الملك سيد زوجك ففتحت له فدخل وجلس فقالت له أرى مولانا اليوم عندنا فقال جئت زائراً فقالت أعوذ بالله من هذه الزيارة وما أظن فيها خيراً فقال لها ويحك إنني أنا الملك سيد زوجك وما أظنك عرفتيني فقالت يا مولاي لقد علمت أنك الملك ولكن سبقتك الأوائل في قولهم: سأترك ماءكم من غير وردٍ ... وذاك لكثرة الورّاد فيه إذا سقط الذبابُ على طعامٍ ... رفعت يدي ونفسي تشتهيه وتجتنب الأسود ورود ماءٍ ... إذا كان الكلاب ولغن فيه ويرتج الكريم خميص بطنٍ ... ولا يرضى مساهمة السفيه وما أحسن يا مولاي قول الشاعر:

стр. 471

قل للذي شفّه الغرام بنا ... وصاحب الغدر غير مصحوب والله لا قال قائلٌ أبداً ... قد أكل الليث فضلة الذيب ثم قالت أيها الملك تأتي إلى موضع شرب كلبك تشرب منه فاستحى الملك من كلامها وخرج وتركها فنسي نعله في الدار هذا ما كان من الملك وأما فيروز فإنه لما خرج وسار تفقد الكتاب فلم يجده معه في رأسه فتذكر انه نسيه تحت فراشه فرجع إلى داره فوافق وصوله عقب خروج الملك من داره فوجد نعل الملك في الدار فطاش عقله وعلم أن الملك لم يرسله في هذه السفرة إلا لأمر يفعله فسكت ولم يبد كلاماً وأخذ الكتاب وسار إلى حاجة الملك فقضاها ثم عاد إليه فأنعم عليه بمائة دينار فمضى فيروز إلى زوجته فسلم عليها وقال لها قومي إلى زيارة بيت أبيك قالت وما ذاك قال إن الملك أنعم علينا وأريد أن تظهري لأهلك ذلك قالت حبا وكرامة ثم قامت من ساعتها إلى بيت أبيها ففرحوا بها وبما جاءت به معها فأقامت عند أهلها عدّة أشهر فلم يذكرها زوجها ولا ألم بها فأتى إليه أخوها وقال له يا فيروز إما أن تخبرنا بسبب غضبك وأما أن تحاكمنا إلى الملك فقال إن شئتم الحكم فافعلوا فما تركت لها عليَّ حقا فطلبوه إلى الحكم فأتى معهم وكان القاضي إذ ذاك عند الملك جالساً إلى جانبه فقال أخو الصبية أيَّد الله مولانا قاضي القضاة إني أجرت هذا الغلام بستاناً سالم الحيطان ببئر ماء معين عامرة وأشجار مثمرة فأكل ثمره وهدم حيطانه وأخرب ببئره فالتفت

стр. 472

القاضي إلى فيروز وقال له ما تقول يا غلام فقال فيروز أيها القاضي قد استلمت هذا البستان وسلمته إليه أحسن ما كان فقال القاضي هل سلم إليك البستان كما كان قال نعم ولكن أريد منه السبب لرده قال القاضي ما قولك قال والله يا مولاي ما رددت البستان كراهية فيه وإنما جئت يوما من الأيام فوجدت فيه أثر الأسد فخفت أن يغتالني فحرمت دخول البستان إكراماً للأسد قال وكان الملك متكئاً فاستوى جالساً وقال يا فيروز إرجع إلى بستانك آمناً مطمئناً فوالله أن الأسد دخل البستان ولم يؤثر فيه أثراً ولا التمس منه ورقا ولا تمرا ولا شيئاً ولم يلبث فيه غير لحظة يسيرة وخرج من غير بأس، والله ما رأيت مثل بستانك ولا أشد احترازاً من حيطانه على شجره قال فرجع فيروز إلى داره ورد زوجته ولم يعلم القاضي ولا غيره بشيء من ذلك. وحكي أن الحجاج سأل يوماً الغضبان بن القبعثري عن مسائل يمتحنه فيها من جملتها أنه قال له: من أكرم الناس قال أفقههم في الدين وأصدقهم لليمين وأبذلهم للمسلمين وأكرمهم للمهانين وأطعمهم للمساكين قال فمن ألأم الناس قال المعطي على الهوان والمقتر على الخوان الكثير الألوان قال فمن شر الناس قال أطولهم جفوة وأدومهم صبوة وأكثرهم خلوة وأشدهم قسوة قال فمن أشجع الناس قال أضربهم بالسيف وأقراهم للضيف وأتركهم للحيف قال فمن أجبن الناس قال المتأخر عن الصفوف المنقبض عن الزحوف المرتعش

стр. 473

عند الوقوف المحب ظلال السقوف الكاره لضرب السيوف قال فمن أثقل الناس قال المتفنن في الملام الضنين بالسلام المهذار في الكلام المقبب على الطعام قال فمن خير الناس قال أكثرهم إحساناً وأقومهم ميزاناً وأدومهم غفراناً قال لله أبوك فكيف يعرف الرجل الغريب أحسيب هو أم غير حسيب قال أصلح الله الأمير إن الرجل الحسيب يدلك أدبه وعقله وشمائله وعزة نفسه وكثرة احتماله وبشاشته وحسن مداراته على أصله فالعاقل البصير بالإحسان يعرف شمائله والنذل الجاهل يجهلها فمثله كمثل الدرة إذا وقعت عند من لايعرفها ازدراها وإذا نظر إليها العقلاء عرفوها وأكرموها فهي عندهم لمعرفتهم بها عظيمة فقال الحجاج لله أبوك فمن العاقل والجاهل قال أصلح الله الأمير العاقل الذي لا يتكلم هذراً ولا ينظر شزراً ولا يضمر غدراً ولا يطلب عذراً والجاهل هو المهذار في كلامه المنَّان بطعامه الضنين بسلامه المتطاول على إمامه الفاحش على غلامه قال لله أبوك فمن الحازم الكيِّس قال المقبل على شأنه التارك لما لا يعنيه قال فمن العاجز قال المعجب بآرائه الملتفت إلى ورائه قال هل عندك من النساء خبر قال أصلح الله الأمير إني بشأنهن خبير إن شاء الله إن النساء من أمهات الأولاد بمنزلة الأضلاع إن عدّلتها انكسرت ولهن جوهر ولا يصلح إلا على المدارة فمن دارهنَّ انتفع بهن

стр. 474

وقرّت عينه ومن شاورهنَّ كدرن عيشته وتكدرت عليه حياته وتنغصت لذاته فأكرمهن أعفهن وأفخر أحسابهن العفة فإذا زلن عنها فهن أنتن من الجيفة فقال له الحجاج يا غضبان إني موجهك إلى ابن الأشعث وافداً فماذا أنت قائل له قال أصلح الله الأمير أقول ما يرديه ويؤذيه ويضنيه فقال أني أظنك لا تقول له ما قلت وكأني بصوت خلاخلك تجلجل في قصري هذا قال كلا أصلح الله الأمير سأحدد له لساني وأجريه في ميداني فعند ذلك أمره بالمسير إلى كرمان فلما توجه إلى ابن الأشعث وهو على كرامان بعث الحجاج عينا عليه أي جاسوساً وكان يفعل ذلك مع جميع رسله فلما قدم الغضبان على ابن الأشعث قال له أن الحجاج قد هم بخلعك وعزلك فخد حذرك وتغدَّ به قبل أني يتعشى بك فأخذ حذره عند ذلك ثم أمر للغضبان بجائزة سنية وخلع فاخرة فأخذها وانصرف راجعاً فأتى إلى رملة كرمان في شدة الحر والقيظ وهي رملة شديدة الرمضاء فضرب قبته فيها وحط على رواحله فبينما هو كذلك إذا بإعرابي من بني بكر ابن وائل قد أقبل على بعير قاصداً نحوه وقد اشتد الحر وحميت الغزالة وقت الظهيرة وقد ظمىء ظمأ شديداً فقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال الغضبان هذه سنة وردها فريضة فاز قائلها وخسر تاركها ما حاجتك يا إعرابي قال أصابتني الرمضاء وشدة الحر والظمأ فتيممت قبتك أرجو بركتها قال الغضبان

стр. 475

فهلا تيممت قبة أكبر من هذه وأعظم قال: أيتهن تعني قال قبة الأمير بن الأشعث قال تلك لايوصل إليها قال ان هذه أمنع منها فقال الأعرابي ما أسمك يا عبد الله قال آخذ فقال وما تعطي قال أكره أن يكون لي إسمان قال بالله من أين أنت قال من الأرض قال فأين تريد قال أمشي في مناكبها فقال الأعرابي وهو يرفع رجلاً ويضع أخرى من شدة الحر أتقرض الشعر قال إنما يقرض الشعر الفأر فقال أفتسجع قال إنما تسجع الحمامة فقال يا هذا ائذن لي أن أدخل قبتك قال خلفك أوسع لك فقال قد أحرقتني الشمس قال مالي عليها من سلطان قال الرمضاء أحرقت قدمي قال بل عليها تبرد فقال أني لا أريد طعامك ولا شرابك قال لاتتعرض لما لا تصل إليه ولو طلعت روحك فقال الأعرابي سبحان الله قال نعم من قبل أن تطلع أضراسك فقال الأعرابي ما رأيت رجلاً أقسى منك أتيتك مستغيثاً فحجبتني وطردتني هلا أدخلتني وطارحتني القريض قال مالي بمحادثتك من حاجة فقال الأعرابي بالله ما أسمك ومن أنت فقال أنا الغضبان ابن القبعثري فقال اسمان منكران خلقا من غضب قال قف متوكئاً على باب قبتي برجلك هذه العوجاء فقال قطعها الله أن لم تكن خيراً من رجلك هذه الشنعاء فقال الغضبان لو كنت حاكماً لجرت في حكومتك لأن رجلي في الظل قاعدة ورجلك في الرمضاء قائمة فقال الأعرابي أني لأظنك حرورياً قال اللهم اجعلني ممن يتحرى الخير ويريده فقال أني لا أظن عنصرك فاسداً قال ما أقدرني على إصلاحه فقال الإعرابي لا أرضاك الله ولا حياك ثم ولى وهو يقول: ن ابن القبعثري فقال اسمان منكران خلقا من غضب قال قف متوكئاً على باب قبتي برجلك هذه العوجاء فقال قطعها الله أن لم تكن خيراً من رجلك هذه الشنعاء فقال الغضبان لو كنت حاكماً لجرت في حكومتك لأن رجلي في الظل قاعدة ورجلك في الرمضاء قائمة فقال الأعرابي أني لأظنك حرورياً قال اللهم اجعلني ممن يتحرى الخير ويريده فقال أني لا أظن عنصرك فاسداً قال ما أقدرني على إصلاحه فقال الإعرابي لا أرضاك الله ولا حياك ثم ولى وهو يقول: لا بارك الله في قومٍ تسودهم ... إنّي أظنُّك والرحمن شيطانا أتيت قبته أرجو ضيافته ... فأظهر الشيخ ذو القرنين حرمانا فلما قدم الغضبان على الحجاج وقد بلغه الجاسوس ما جرى بينه وبين ابن الأشعث وبين الأعرابي قال له الحجاج يا غضبان كيف وجدت أرض كرمان قال أصلح الله الأمير أرضا يابسة الجيش بها ضعاف هزلاء أن كثروا جاعوا وإن قلوا ضاعوا فقال له الحجاج ألست صاحب الكلمة التي بلغتني إنك قلتها لابن الأشعث تغدَّ بالحجاج قبل أن يتعشى بك فوالله لأحبسنك عن الوساد ولأنزلنك عن الجياد ولأشهرنك في البلاد قال الأمان أيها الأمير فوالله ما ضرَّت من قيلت فيه ولا نفعت من قيلت له فقال له ألم أقل لك كأني بصوت خلاخلك تجلجل في قصري هذا اذهبوا به إلى السجن فذهبوا به فقيد وسجن فمكث ما شاء الله ثم أن الحجاج ابتنى الخضراء بواسط فأعجب بها فقال لمن حوله كيف ترون قبتي هذه وبناءها فقالوا أيها الأمير إنها حصينة

стр. 476

مباركة منيعة نضرة بهجة قليل عيبها كثير خيرها قال لم لم تخبروني بنصح قالوا لا يصفها لك إلا الغضبان فبعث إلى الغضبان فأحضره وقال كيف ترى قبتي هذه وبناءها قال أصلح الله الأمير: بنيتها في غير بلدك لا لك ولا لولدك لا تدوم لك ولا يسكنها وارثك ولا تبقى لك وما أنت لها بباق فقال الحجاج قد صدق الغضبان ردوه إلى السجن فلما حملوه قال سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين فقال أنزلوه كرِّرت قال رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين فقال اضربوا به الأرض فلما ضربوا به الأرض قال منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى فقال جروه فأقبلوا يجرونه وهو يقول بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم فقال الحجاج ويلكم اتركوه فقد غلبني دهاء وخبثا ثم عفا عنه وأنعم عليه وخلِّى سبيله: وقيل بينما كثير عزة مار بالطريق يوما إذا هو بعجوز عمياء على قارعة الطريق تمشي فقال لها تنحَّي عن الطريق فقالت له ويحك ومن تكون قال أنا كثير عزة قالت قبحك الله وهل مثلك يتنحى له عن الطريق قال ولم قالت: ألست القائل: وما روضةٌ بالحسن طيّبة الثرى ... يمجُّ الندى جنحاتها وعرارها بأطيب من أردان عزّة موهناً ... إذا أوقدت بالمجمر اللدان نارها ويحك يا هذا لو تبخر بالمجمر اللدن مثلي ومثل أمك لطاب ريحها لم لا قلت مثل سيدك أمرىء القيس. وكنت إذا ما جئت بالليل طارقاً ... وجدت بها طيباً وإن لم تطّيب فقطعته ولم يرد جواباً. وحكى عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، قال خرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام وزيارة نبيه ﵊ فبينما أنا في الطريق إذا أنا بسواد على الطريق فتميزت ذاك فإذا هي عجوز عليها درع من صوف وخمار من صوف فقلت السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقالت سلام قولا من رب رحيم قال فقلت لها رحمك الله ما تصنعين في هذا المكان قالت ومن يضلل الله فلا هادي له فعلمت أنها ضالة عن الطريق فقلت لها أين تريدين قالت " سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى " فعامت أنها قد قضت حجها وهي تريد بيت المقدس فقلت لها: أنت منذ كم في هذا الموضع؟ قالت: ثلاث ليال سويا. فقلت ما أرى معك طعاما تأكلين قالت: " هو يطعمني ويسقيني " فقلت: فبأي شيء تتوضئين. قالت: فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا.

стр. 477

فقلت لها: إنّ معي طعام فهل لك في الأكل قالت ثم أتموا الصيام إلى الليل فقلت قد أبيح لنا الإفطار في السفر قالت وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون لم لا تكلميني مثل ما أكلمك قالت: ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد فقلت فمن أي الناس أنت قالت ولا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا فقلت قد أخطأت فاجعليني في حل قالت لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم فقلت فهل لك أن أحملك على ناقتي فتدركي القافلة قالت وما تفعلوا من خير يعلمه الله قال فأنخت الناقة قالت قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم فغضضت بصري عنها وقلت لها اركبي فلما أرادت أن تركب نفرت الناقة فمزقت ثيابها فقالت وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم فقلت لها اصبري قالت سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون قال فأخذت بزمام الناقة وجعلت أسعى وأصيح فقالت واقصد في مشيك واغضض من صوتك فجعلت أمشي رويدا رويدا وأترنم بالشعر فقالت فاقرأوا ما تيّسر من القرآن فقلت لها لقد أوتيت خيرا كثيرا قالت وما يذكّر إلا أولوا الألباب فلما مشيت بها قليلا قلت ألك زوج قالت يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدُ لكم تسؤكم فسكتُّ ولم أكلمها حتى أدركت بها القافلة فقلت لها هذه القافلة فمن لك فيها فقالت المال والبنون زينة الحياة الدنيا فعلمت أن لها أولاداً فقلت وما شأنهم في الحج قالت وعلامات وبالنجم هم يهتدون فعلمت أنهم أدلاء الركب فقصدت القباب والعمارات فقلت هذه القباب فمن لك فيها قالت واتخذ الله إبراهيم خليلا وكلم الله موسى تكليما يا يحيى خذ الكتاب بقوة فناديت يا إبراهيم يا موسى يا يحيى فإذا أنا بشبان كأنهم الأقمار قد اقبلوا فلما استقر بهم الجلوس قالت فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه فمضى أحدهم فاشترى طعاما فقدموه بين يدي فقالت كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية فقلت الآن طعامكم علي حرام حتى تخبروني بأمرها فقالوا هذه أمنا لها منذ أربعين سنة لم تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تزل فيسخط عليها الرحمن فسبحان القادر على ما يشاء فقلت ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. قيل إن معن بن زائدة دخل على المنصور فقال له هيه يا معن تعطي مروان بن أبي حفصة مائة ألف درهم على قوله: معن بن زائدة الذي زادت به ... شرفاً على شرفٍ بنو شيبان

стр. 478

فقال كلا يا أمير المؤمنين إنما أعطيته على قوله: مازلت يوم الهاشمية معلناً ... بالسيف دون خليفة الرحمن فمنعت حوزته وكنت وقاءه ... من وقع كلِّ مهندٍ ووسنان فقال أحسنت والله يا معن وأمر له بالجوائز والخلع. ووفد ابن أبي محجن على معاوية فقام خطيبا فأحسن فحسده معاوية فقال له أنت الذي أوصاك أبوك بقوله: إذا متُّ فادفنّي إلى جنب كرمةٍ ... تروّي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنَّني في الفلاة فإنّني ... أخافُ إذا ما متُّ أن لا أذوقها قال بل أنا الذي يقول أبي: لا تسأل الناس ما مالي وكثرته ... وسائل الناس ما جودي وما خلقي أعطي الحسام غداة الروع حصّته ... وعاملُ الرمح أرويه من العلق وأطعن الطعنة النجلاء عن عرضٍ ... وأكتم السّر فيه ضربة العنق ويعلم الناس أنّي من سراتهم ... إذا سما بصر الرعديد بالفرق فقال له معاوية أحسنت والله يا ابن أبي محجن وأمر له بصلة وجائزة. وقيل دخل مجنون الطاق يوما إلى الحمام وكان بغير مئزر فرآه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وكان في الحمام فغمض عينيه فقال له المجنون متى أعماك الله فقال منذ هُتك سترك. ومن ذلك ما يحكى أن الحجاج خرج يوما متنزها فلما فرغ من نزهته انصرف عنه أصحابه وانفرد بنفسه فإذا هو بشيخ من بني عجل فقال له من أين أيها الشيخ قال من هذه القرية قال كيف ترون عمالكم قال شر عمال يظلمون الناس ويستحلون أموالهم قال فكيف قولك في الحجاج قال ذاك ما ولي العراق شر منه قبحه الله وقبح من استعمله قال أتعرف من أنا قال لا قال أنا الحجاج قال جعلت فدائَك أو تعرف من أنا قال لا قال أنا فلان ابن فلان مجنون بني عجل أصرع في كل يوم مرتين قال فضحك الحجاج منه وأمر له بصلة. وحكى أبو محمد الحسين بن محمد الصالحي قال كنا حول سرير المعتضد بالله ذات يوم نصف النهار فنام بعد أن أكل فانتبه منزعجاً وقال يا خدم فأسرعنا الجواب فقال ويحكم أعينوني بالشط فأول ملاح ترونه منحدراً في سفينة فارغة فاقبضوا عليه وائتوني به ووكلوا بالسفينة من يحفظها فأسرعنا فوجدنا ملاحا في سفينة فجئنا به المعتضد فلما رآه الملاح كاد يتلف فصاح عليه صيحة عظيمة كادت روحه تذهب منها وقال أصدقني يا ملعون عن قضيتك مع المرأة التي قتلتها اليوم وإلا ضربت عنقك فتلعثم وقال نعم كنت سحراً في المشرعة الفلانية فنزلت امرأة لم أر مثلها عليها ثياب فاخرة وحلي كثيرة

стр. 479

وجواهر فطمعت فيها واحتلت عليها حتى سددت فمها وغرقتها وأخذت جميع ما كان عليها ثم طرحتها في الماء ولم أجسر على حمل سلبها إلى داري لئلا يفشو الخبر عليَّ فعولت على الهروب والانحدار إلى واسط فصيرت إلى أن خلا الشط في هذه الساعة من الملاحين فأخذت في الانحدار فتعلق بي هؤلاء القوم فحملوني إليك فقال أين الحلي والمسلب قال في صدر السفينة تحت البواري قال المعتضد عليَّ به الساعة فحضروا به فأمر بتغريق الملاح ثم أمر أن ينادى ببغداد من خرجت له امرأة إلى المشرعة الفلانية سحرا وعليها ثياب فاخرة وحلي فليحضر فحضر في اليوم الثاني أهلها واعطوا صفاتها وصفة ما كان عليها فسلم ذلك إليهم قال فقلت يا مولاي من أعلمك أأوحي إليك بهذه الحالة وأمر هذه الصبية فقال بل رأيت في منامي رجلا شيخا أبيض الرأس واللحية والثياب وهو ينادي يا أحمد أول ملاح ينحدر الساعة فاقبض عليه وقرره على المرأة التي قتلها اليوم ظلما وسلبها ثيابها وأقم عليه الحد ولا يفتك فكان ما شهدتم. وحكي أن بهرام الملك خرج يوما للصيد فأنفرد عن أصحابه فرأى صيداً فتبعه طامعاً في لحاقه حتى بعد عن عسكره فنظر إلى راع تحت شجرة فنزل عن فرسه يبول وقال للراعي احفظ على فرسي حتى أبول فعمد الراعي إلى العنان وكان ملبساً ذهباً كثيراً فاستغفل بهرام وأخرج سكيناً فقطع أطراف اللجان وأخذ الذهب الذي عليه فرفع بهرام نظره إليه فرآه فغض بصره وأطرق برأسه إلى الأرض وأطال حاجته ثم قام بهرام فوضع يده على عينيه وقال للراعي قدم إليَّ فرسي فإنه قد دخل في عيني من سافي الريح فلا أقدر على فتحهما فقدمه إليه فركب وسار إلى أن وصل إلى عسكره فقال لصاحب مراكبه أن أطراف اللجام قد وهبتها فلا تتهمن بها أحداً. قيل مرض أحمد بن أبي داود فعاده المتصم وقال نذرت أن عافاك الله تعالى أن اتصدق بعشرة آلاف دينار فقال له أحمد يا أمير المؤمنين فاجعلها في أهل الحرمين فقد لقوا من غلاء الأسعار شدة فقال نويت أن أتصدق بها على من ههنا وأطلق لأهل الحرمين مثلها فقال أحمد متع الله الإسلام وأهله بك يا أمير المؤمنين فإنك كام قال النميري لأبيك الرشيد رحمة الله تعالى عليه: إنّ المكارم والمعروف أوديةٌ ... أحلَّكَ الله منها حيث تجتمعُ من لم يكن بأمين الله معتصماً ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع ومن محاسن الأخلاق ما حكي عن القاضي يحيى بن أكثم قال كنت نائماً ذات ليلة عند المامون فعطش فامتنع ان يصيح

стр. 480

بغلام يسقيه وانا نائم فينغص عليَّ نومي فرأيته قد قام يمشي على أطراف أصابعهِ حتى أتى موضع الماء وبينه وبين المكان الذي فيه الكيزان نحو من ثلثمائة خطوة فأخذ منها كوزاً فشرب ثم رجع على أطراف أصابعه حتى قرب من الفراش الذي أنا عليه فخطا خطوات خائفاً لئلا ينبهني حتى صار إلى فراشه ثم رأيته آخر الليل قام يبول وكان يقوم في أول الليل وآخره فقعد طويلاً يحاول أن أتحرك فيصيح بالغلام فلما تحركت وثب قائماً وصاح يا غلام وتأهب للصلاة ثم جاءني فقال لي كيف أصبحت يا أبا محمد وكيف كان مبيتك قلت خير مبيت جعلني الله فداءك يا أمير المؤمنين قد خصك الله تعالى بأخلاق الأنبياء وأحب لك سيرتهم فهناك الله تعالى بهذه النعمة وأتمها عليك فأمر لي بألف دينار فأخذتها وأنصرفت. قال وبت عنده ذات ليلة فانتبه وقد عرض له السعال حتى غلبه فسعل وأكب على الأرض لئلا يعلو صوته فانتبه. وكنت معه يوماً في بستان ندور فيه فجعلنا نمر بالريحان فيأخذ منه الطاقتين ويقول لقيِّم البستان أصلح هذا الحوض ولا تغرس في هذا الحوض شيئاً من البقول قال يحيى ومشينا في البستان من أوله إلى آخره وكنت أنا ما يلي الشمس والمأمون مما يلي الظل فكان يجذبني أن أتحول أنا في الظل ويكون هو في الشمس فامتنع من ذلك حتى بلغنا آخر البستان فلما رجعنا قال يا يحيى والله لتكونن في مكاني ولأكونن في مكانك حتى آخذ نصيبي من الشمس كما أخذت نصيبك وتأخذ نصيبك من الظل فقلت والله يا أمير المؤمنين لو قدرت أن أقيك يوم الهول بنفسي لفعلت فلم يزل بي حتى تحولت إلى الظل وتحول هو إلى الشمس ووضع يده على عاتقي وقال بحياتي عليك إلا وضعت يدك على عاتقي مثل ما فعلت أنا فإنه لا خير في صحبة من لا ينصف. أمنية أحمقين وحكي أن أحمقين أصطحبا في طريق فقال أحدهما تعالَ نتمنَّ على الله فإن الطريق تقطع بالحديث فقال أحدهما أنا أتمنى قطائع غنم أنتفع بلبنها ولحمها وصوفها وقال الآخر أنا أتمنى قطائع ذئاب أرسلها على غنمك حتى لا تترك منها شيئاً قال ويحك أهذا من حق الصحبة وحرمة العشرة فتصايحا واشتدت الخصومة بينهما حتى تماسكا بالأطواق ثم تراضيا على أن أول من يطلع عليهما يكون حكماً بينهما فطلع عليهما شيخ بحمار عليه زقان من عسل فحدثاه بحديثهما فنزل بالزقين وفتحهما حتى سال العسل على التراب ثم قال صب الله دمي مثل هذا العسل إن لم تكونا أحمقين. بكاء زين العابدين وقال الأصمعي بينما أنا أطوف بالبيت ذات ليلة إذ رأيت شاباً متعلقاً بأستار الكعبة

стр. 481

وهو يقول: يا من يجيب دعا المضطّر في الظُّلم ... يا كاشف الضرُّ والبلوى مع السقم قد نام وفدك حول البيت وانتبهوا ... وأنت يا حيُّ يا قيومُ لم تنم أدعوك ربّي حزيناً هائماً قلقاً ... فأرحم بكائي بحقّ البيت والحرم إن كان جودك لا يرجوه ذو سفهٍ ... فمن يجود على العاصين بالكرم ثم بكى بكاء شديداً وأنشد يقول: الا أيها المقصود في كلِّ حاجةٍ ... شكوت إليك الضرَّ فأرحم شكايتي ألا يا رجائي أنت تكشف كربتي ... فهبّ لي ذنوبي كلّها وأقضِ حاجتي أتيت بأعمالٍ قباحٍ رديئةٍ ... وما في الورى عبدٌ جنى كجنايتي أتحرقني بالنار يا غاية المنى ... فأين رجائي ثم أين مخافتي ثم سقط على الأرض مغشياً عليه فدنوت منه فإذا هو زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين فرفعت رأسه في حجري وبكيت فقطرت دمعة من دموعي على خده ففتح عينيه وقال من هذا الذي يهجم علينا قلت عبدك الأصمعي سيدي ما هذا البكاء والجزع وأنت من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة أليس الله تعالى يقول: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً قال: هيهات هيهات يا أصمعي إن الله خلق الجنة لمن أطاعه ولو كان عبداً حبشياً وخلق النار لمن عصاه ولو كان حراً قرشياً أليس الله تعالى يقول: فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنَّم خالدون انتهى. وكان أبو العباس السفاح يعجبه السمر ومنازعة الرجال بعضهم بعضاً فحضر عنده ذات ليلة إبراهيم بن مخرمة الكندي وخالد بن صفوان بن الأهيم فخاضوا في الحديث تذاكروا مضر واليمن فقال إبراهيم بن مخرمة يا أمير المؤمنين أن أهل اليمن هم العرب الذي دانت لهم الدنيا ولا يزالوا ملوكاً ورثوا الملك كابرا عن كابر وآخراً من أول منهم النعمان والمنذر ومنهم عياض صاحب البحرين ومنهم من كان يأخذ كل سفينة غصباً وليس من شيء له خطر إلا إليهم ينسب إن سئلوا أعطوا وإن نزل بهم ضيف أقروه فهم العرب العاربة وغيرهم المتعربة فقال أبو العباس ما أظن التميمي رضي بقولك ثم قال ما تقول أنت يا خالد قال إن أذن لي أمير المؤمنين في الكلام تكلمت قال تكلم ولا تهب أحدا قال أخطأ المقتحم بغير علم ونطق بغير صواب وكيف يكون ذلك لقوم ليس لهم ألسن فصيحة ولا لغة صحيحة نزل بها كتاب ولا جاءت بها سنة يفتخرون علينا بالنعمان والمنذر ونفتخر عليهم بخير الأنام

стр. 482

وأكرم الكرام سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام فللَّه المنة به علينا وعليهم فمنا النبي المصطفى والخليفة المرتضى ولنا البيت المعمورة زمزم والحطيم والمقام والحجابة والبطحاء وما لا يحصى من المآثر ومنا الصديق والفاروق وذو النورين والوصي والولي وأسد الله وسيد الشهداء وبنا عرفوا الدين وأتاهم اليقين فمن زاحمنا زاحمناه ومن عادانا اضطلمناه ثم أقبل خالد على إبراهيم فقال ألك علم بلغة قومك قال نعم قال فما اسم العين عندكم قال الجمجمة قال فما اسم السن قال الميدن قال فما اسم الأذن قال الصنارة قال فما اسم الأصابع قال صنّاراتهم قال فما اسم الذئب قال الكنع قال أفعالهم أنت بكتاب الله قال نعم فإن الله تعالى يقول: " إنا أنزلناه قرآناً عربيا " وقال: " بلسان عربي مبين " وقال تعالى: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " فنحن العرب والقرآن بلساننا أنزل ألم تر أنّ الله تعالى قال والعين بالعين ولم يقل والجمجمة بالجمجمة وقال تعالى والسن بالسن ولم يقل والميدن بالميدن وقال تعالى والأذن بالأذن ولم يقل الصنارة بالصنارة وقال تعالى يجعلون أصابعهم في آذانهم ولم يقل صنَّاراتهم في صنَّاراتهم وقال تعالى فأكله الذئب ولم يقل فأكله الكنع ثم قال لإبراهيم: أني أسألك عن أرعب أن أقررت بهن مهرت وإن جحدتهن كفرت فقال وما هن قال الرسول منا أو منكم قال منكم قال والقرآن أنزل علينا أو عليكم قال عليكم قال المنبر فينا أو فيكم قال فيكم قال فالبيت لنا أو لكم قال لكم فأذهب فما كان بعد هؤلاء فهو لكم بل ما أنت إلا سائس قرد أو دابغ جلد أو ناسج برد قال فضحك أبو العباس وأقر لخالد وحباهما جميعاً. وحكي أن الحجاج أخذ يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وعذبه واستأصل موجوده وسجنه فتوصل يزيد بحسن تلطفه وأرغب السجان واستماله وهرب هو والسجان وقصد الشام إلى سليمان بن عبد الملك فلما وصل يزيد بن المهلب إلى سليمان بن عبد الملك أكرمه وأحسن إليه وأقامه عنده فكتب الحجاج إلى الوليد يعلمه أن يزيد هرب من السجن وأنه عند سليمان بن عبد الملك أخي أمير المؤمنين وليّ عهد المسلمين وأن أمير المؤمنين أعلى رأيا فكتب الوليد إلى أخيه سليمان بذلك فكتب سليمان إلى أخيه يقول يا أمير المؤمنين إني ما أجرت يزيد بن المهلب إلا لأنه هو وأبوه وأخوته من صنائعنا قديماً وحديثاً ولم أجر عدواً لأمير المؤمنين وقد كان الحجاج قصده وعذبه وغرمه أربعة آلاف ألف درهم ظلما ثم طالبه بثلاثة آلاف ألف درهم وقد صار إلي وأستجار بي فأجرته وأنا أغرم عنه هذه الثلاثة آلاف ألف درهم فإن رأى أمير المؤمنين أن لايجزيني

стр. 483

في ضيفي فليفعل فإنه أهل الفضل والكرم فكتب إليه الوليد أنّه لابد أن ترسل إليّ يزيد مغلولا مقيداً فلما ورد ذلك على سليمان أحضر ولده أيوب فقيده ودعا يزيد بن المهلب فقيده ثم شد قيد هذا إلى قيد هذا بسلسلة وغلهما جميعاً بغلين وأرسلهما إلى أخيه الوليد وكتب إليه أما بعد يا أمير المؤمنين فقد وجهت إليك يزيد وابن أخيك أيوب بن سليمان ولقد هممت أن أكون ثالثهما فإن هممت يا أمير المؤمنين بقتل يزيد فبالله عليك أبدأ بأيوب من قبله ثم اجعل يزيد ثانياً واجعلني إذا شئت ثالثاً والسلام فلما دخل يزيد بن المهلب وأيوب بن سليمان في سلسلة واحدة فأطرق الوليد استحياء وقال لقد أسأنا إلى أبي أيوب إذ بلغنا به هذا المبلغ فأخذ يزيد يتكلم ويحتج لنفسه فقال له الوليد ما نحتاج إلى الكلام فقد قبلنا عذرك وعلمنا ظلم الحجاج ثم أنه أحضر حداداً وأزال عنهما الحديد وأحسن إليهما ووصل أيوب ابن أخيه بثلاثين ألف درهم وصل يزيد بن المهلب بعشرين ألف درهم وردهما إلى سليمان وكتب كتاباً إلى الحجاج يقول له لا سبيل لك على يزيد بن المهلب فإياك أن تعاودني فيه بعد اليوم فسار يزيد إلى سليمان بن عبد الملك وأقام عنده في أعلى المراتب وأرفع المنازل انتهى. وحكى أبو علي المصري قال: كان لي جار شيخ يغسل الموتى فقلت له يوما حدثني بأعجب ما رأيت من الموتى فقال جاءني شاب في بعض الأيام مليح الوجه حسن الثياب فقال لي أتغسل لنا هذا الميت قلت نعم فتبعته حتى أوقفني على باب فدخل هنيهة فإذا بجارية هي أشبه الناس بالشاب قد خرجت وهي تمسح عينيها فقالت أنت الغاسل قلت نعم قالت بسم الله أدخل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فدخلت الدار وإذا بالشاب الذي جاءني يعالج سكرات الموت وروحه في لبَّته وقد شخص بصره وقد وضع كفنه وحنوطه عند رأسه فلم أجلس إليه حتى قبض فقلت سبحان الله هذا ولي من أولياء الله تعالى حيث عرف وقت وفاته فأخذت في غسله وأنا أرتعد فلما أدرجته أتت الجارية وهي أخته فقبلته وقالت أما إني سألحق بك عن قريب فلما أردت الأنصراف شكرت لي وقالت أرسل إليَّ زوجتك إن كانت تحسن ما تحسنه أنت فأرتعدت من كلامها وعلمت أنها لاحقة به فلما فرغت من دفنه جئت أهلي فقصصت عليها القصة وأتيت بها إلى تلك الجارية فوقفت بالباب واستأذنت فقالت بسم الله تدخل زوجتك فدخلت زوجتي فإذا بالجارية مستقبلة القبلة وقد ماتت فغسلتها زوجتي وأنزلتها على أخيها رحمة الله عليهما:

стр. 484

أأحبابَنا بِنتُم عنِ الار فاشتكتْ ... لبعدكم آصالُها وضُحاها وفارقتم الدار الأنيسة فاستوت ... رسومُ مبانيها وفاح كلاها كأنكم يوم الفراقِ رحلتمُ ... بنومي فعيني لا تصيبُ كراها وكنت شحيحاً من دموعي بقطرةٍ ... فقد صرت سمحاً بعدكم بدماها يراني بساماً خليلي يظنُ بي ... سرورا وأحشائي السقامُ ملاها وكم ضحكةٍ في القلب منها حرارةٌ ... يشبُّ لظاها لو كشفتُ غطاها رعى الله أياماً بطيبِ حديثكمْ ... تقضّت وحيّاها الحيا وسقاها فما قلت إيهاً بعدها لمسامرٍ ... من الناس إلا قال قلبيَ آها قيل لقيس بن سعد هل رأيت قط أسخى منك قال نعم نزلنا بالبادية على امرأة فجاء زوجها فقالت له: إنه نزل بنا ضيفان فجاء بناقة فنحرها وقال شأنكم فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها وقال شأنكم فقلنا ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا القليل فقال إني لا أطعم ضيفاني الفائت فبقينا عنده أياماً والسماء تمطر وهو يفعل كذلك فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته وقلنا للمرأة أعتذري لنا إليه ومضينا فلما ارتفع النهار إذا برجل يصيح خلفنا قفوا فوقفنا فلما دنا منا قال خذوا دنانيركم فإني لا آخذ على إكرامي ثمناً وإن لم تأخذوها طعنتكم برمحي هذا فأخذناها وانصرفنا. وكان يزيد بن المهلب من الأجواد الأسخياء وله أخبار في الجود عجيبة من ذلك ما حكاه عقيل بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال لما أراد يزيد بن المهلب الخروج إلى واسط أتيته فقلت أيها الأمير إنْ رأيت أن تأذن لي فأصحبك قال إذا قدمت واسط فائتنا إن شاء الله تعالى فسافر وأقمت فقال لي بعض إخواني أذهب إليه فقلت كان جوابه فيه ضعف قال أتريد من يزيد جواباً أكثر مما قال فسرت حتى قدمت عليه فلما كان في الليل دعيت إلى السمر فتحدث القوم حتى ذكروا الجواري فالتفت إليَّ يزيد وقال إيه يا عقيل فقلت: أفاض القوم في ذكر الجواري ... فأمّا الأعزبون فلن يقولوا قال إنك لا تبقى عزبا فلما رجعت إلى منزلي إذا أنا بخادم قد أتاني ومعه جارية وفرش بيت وبدرة عشرة آلاف درهم وفي الليلة الثانية كذلك فمكثت عشر ليالي وأنا على هذه الحالة فلما رأيت ذلك دخلت عليه في اليوم العاشر فقلت أيها الأمير قد والله أغنيت وأقنيت فإن رأيت أن تأذن لي في الرجوع فأكتب عدوي وأسِرُّ صديقي فقال إنما أخيِّرك بين خلَّتين إما أن

стр. 485

تقيم فنوليك أو ترحل فنغنيك فقلت أو لم تغنني أيها الأمير قال إنما هذا أثاث المنزل ومصلحة القدوم فنالني من فضله ما لا أقدر على وصفه. وحدث أبو اليقظان عن أبيه قال حج يزيد بن المهلب فطلب حلاقاً يحلق رأسه فجاءوه بحلاق فحلق رأسه فأمر له بخمسة آلاف درهم فتحير الحلاق ودهش وقال آخذ هذه الخمسة ألاف وأمضي إلى أم فلان أخبرها أني قد استغنيت فقال أعطوه خمسة آلاف أخرى فقال امرأتي طالق إن حلقت رأس أحد بعدك. وقيل إن الحجاج حبسه على خراج وجب عليه مقداره مائة ألف درهم فجمعت له وهو في السجن فجاءه الفرزدق يزوره فقال للحاجب استأذن لي عليه فقال إنه في مكان لا يمكن الدخول عليه فيه فقال الفرزدق إنما أتيت متوجعا لما هو فيه ولم آت ممتدحاً فأذن له فلما أبصره قال: أبا خالدٍ ضاقتْ خراسانُ بعدكُمُ ... وقال ذوو الحاجات أين يزيدَ فما قطرتْ بالشرق بعدك قطرةٌ ... ولا أخضرّ بالمروين بعدك عود وما لسرورٍ بعد عزّك بهجةٌ ... وما لجوادٍ بعد جودك جود فقال يزيد للحاجب ادفع إليه المائة ألف درهم التي جمعت لنا ودع الحجاج ولحمي يفعل فيه ما يشاء فقال الحاجب للفرزدق هذا الذي خفت منه لما منعتك من دخولك عليه فأخذها وانصرف. ومر يزيد بن المهلب عند خروجه من سجن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه بعجوز اعرابية فذبحت له عنزاً فقال لابنه ما معك من النفقة قال مائة دينار قال ادفعها إليها فقال هذه يرضيها اليسير وهي لا تعرفك قال إن كان يرضيها اليسير فأنا لا أرضى إلا الكثير وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي. وقال أبو العيناء تذاكروا السخاء فاتفقوا على آل المهلب في الدولة المروانية وعلى البرامكة في الدولة العباسية ثم اتفقوا على أن أحمد بن داود أسخى منهم جميعاً وأفضل. وسئل اسحق الموصلي عن سخاء أولاد يحيى بن خالد فقال أما الفضل فيرضيك فعله وأما جعفر فيرضيك قوله وأما محمد فيفعل بحسب ما يجد وفي يحيى يقول القائل: سألت الندى هل أنت حرٌّ فقال لا ... ولكنّني عبدٌ ليحيى بن خالد فقلتُ شراءً قال لا بل وراثةً ... توارثني عن والدٍ بعد والد

стр. 486

وفي الفضل يقول القائل: سألت الندى والجود مالي أراكما ... تبدّلتما عزّاً بذلٍّ مؤبّدِ وما بال ركن المجد أمسى مهدّماً ... فقالا أُصبنا بابن يحيى محمد فقلت فهلاّ متُّما بعد موته ... وقد كنتما عبديه في كلِّ مشهد فقالا أقمنا كي نعزّي بفقده ... مسافة يومٍ ثم نتلوه في غد وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وكرم الله تعالى وجهه: من كانت له إليَّ حاجة فليرفعها إليَّ في كتاب لأصون وجهه عن المسئلة. وجاءه رضي الله تعالى عنه أعرابي فقال له يا أمير المؤمنين إن لي حاجة إليك يمنعني الحياء أن أذكرها فقال خطها في الأرض فكتب إني فقير فقال يا قنبر أكسه حلتي فقال الأعرابي: كستوتني حلَّةً تبلى محاسنها ... فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا إيهٍ أبا حسن قد نلت مكرمةً ... ولست تبغي بما قدّمته بدلا إن الثناء ليحيي ذكر صاحبه ... كالغيث يحيي نداه السهل والجبلا لا تزهد الدهر في عرفٍ بدأت به ... كلُّ أمرىء سوف يجزي بالذي فعلا فقال يا قنبر زده مائة دينار فقال يا أمير المؤمنين لو فرقتها في المسلمين لأصلحت بها من شأنهم فقال رضي الله تعالى عنه صه يا قنبر فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: اشكروا لمن أثنى عليكم وإذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. وسئل اسحق الموصلي عن المخلوع فقال كان أمره كله عجبا كان لا يبالي أين يقعد مع جلسائه وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر كان عنده سليمان بن أبي جعفر يوماً فأراد الرجوع إلى أهله فقال له سفر البر أحب إليك أم سفر البحر قال البحر ألين عليَّ فقال أوقروا له زورقه ذهباً وأمر له بألف ألف درهم. وشكا سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان موسى بن شهوان إلى سليمان بن عبد الملك وقال قد هجاني يا أمير المؤمنين فاستحضره سليمان وقال لا أم لك تهجو سعيداً قال يا أمير المؤمنين أخبرك الخبر عشقت جارية مدنية وأتيت سعيداً فقلت إني أحب هذه الجارية وإن مولاتها أعطيت فيها مائتي دينار وقد أتيتك فقال لي بورك فيك قال فأتيت يا أمير المؤمنين سعيد بن خالد فذكرت له حالي فقال يا جارية هاتي مطرفا فأتته بمطرف خز فصر لي في زاويته مائتي دينار فخرجت وأنا أقول: أبا خالد أعني سعيد بن خالدٍ ... أخا العرف لا أعني ابن بنت سعيدِ ولكنَّني أعني ابن عائشة الذي ... أبو أبويه خالد بن أسيد عقيد الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لم يرض الندى بعقيد

стр. 487

ذروه ذروه إنّكم قد رقدتموا ... وما هو عن إحسانكم برقود فقال سليمان قل ما شئت، وكتب كلثوم بن عمر إلى بعض الكرماء رقعة فيها: بُثِّ تكرّهت أن تعطي القليل ولم ... تقدر على سعةٍ لم يظهر الجودُ بث النوال ولا تمنعك قلّته ... فكل ما سدَّ فقراً فهو محمود فشاطره ماله حتى بعث إليه وبنصف خاتمه وفرد نعله. دخل طلحة بن عبد الله بن عوف السوق يوماً فوافق فيه الفرزدق فقال يا أبا فراس اختر عشرا من الأبل ففعل فقال ضم إليها مثلها فلم يزل يقول مثل ذلك حتى بلغت مائة فقال هي لك فقال: يا طلح أنت أخو الندى وعقيدُه ... إنّ الندى ما مات طلحة ماتا إن الندى ألقى إليك رحاله ... فبحيث بتّ من المنازل باتا ووفد أبو الشمقمق إلى مدينة سابور يريد محمد بن عبد السلام فلما دخلها توجه إلى منزله فوجده في دار الخراج يطالب فدخل عليه يتوجع فلما رآه محمد قال: ولقد قدمت على رجالٍ طالما ... قدم الرجال عليهم فتموّلوا أخنى الزمان عليهم فكأنّما ... كانوا بأرض أقفرت فتحوّلوا فقال أبو الشمقمق: الجود أفلسهم وأذهب مالهم ... فاليوم إن راموا السماحة يبخلوا قال فخلع محمد ثوبه وخاتمه ودفعهما إليه فكتب بذلك مستوفي الخراج إلى الخليفة فوقع إلى عامله بإسقاط الخراج عن محمد ابن عبد السلام تلك السنة وإسقاط ما عليه من البقايا وأمر له بمائة ألف درهم معونة على مروءته. وحكي عن أبي العيناء أنه قال حصلت لي ضيقة شديدة فكتمتها عن أصدقائي فدخلت يوماً على يحيى بن أكثم القاضي فقال: أن أمير المؤمنين المأمون جلس للمظالم وأخذ القصص فهل لك في الحضور قلت نعم فمضيت معه إلى دار أمير المؤمنين فلما دخلنا عليه أجلسه وأجلسني ثم قال يا أبا العيناء بالألفة والمحبة ما الذي جاء بك في هذه الساعة فأنشدته: لقد رجوتك دون الناس كلِّهم ... وللرجاء حقوقٌ كلُّها تجَبُ إن لم يكنْ ليّ أسبابٌ أعيش بها ... ففي العُلا لَكَ أخلاقٌ هي السبب فقال: يا سلامة أنظر أي شيء في بيت مالنا دون مال المسلمين. فقال: بقية من مال. قال: فأدفع له مائة ألف درهم وابعث له بمثلها في كل شهر، فلما كان بعد أحد عشر شهراً مات المأمون، فبكى عليه أو العيناء حتى تقرحت أجفانه، فدخل عليه بعض أولاده فقال: يا أبتاه، بعد ذهاب العين ماذا ينفع البكاء؟ فأنشأ أبو العيناء يقول:

стр. 488

شيآن لو بكت الدماء عليهما ... عيناي حتى يؤذنا بذهاب لم يبلغا المعشار من حقَّيهما ... فَقْدُ الشباب وفرقة الأحباب وقال الأعمش كانت عندي شاة فمرضت وفقدت الصبيان لبنها فكان خيثمة بن عبد الرحمن يعودها بالغداة والعشي ويسألني هي استوفت علفها وكيف صبر الصبيان منذ فقدوا لبنها وكان تحتي لبد أجلس عليه فكان إذا خرج يقول خذ ما تحت اللبد حتى وصل إليَّ من علة الشاة أكثر من ثلثمائة دينار من بره حتى تمنيت أن الشاة لم تبرأ. وحكى أبو قدامة العشيري قال كنا مع يزيد ابن مزيد يوماً فسمع صائحاً يقول يا يزيد بن مزيد فطلبه إليه فقال ما حملك على هذا الصياح قال فقدت دابتي ونفذت نفقتي وسمعت قول الشاعر: إذا قيل مَنْ للجود والمجد والندى ... فناد بصوتٍ يا يزيد بن مزيد فأمر له بفرس أبلق كان معجباً به وبمائة دينار وخلعة سنية فأخذها وانصرف. ومن الغرائب ما حكي أن قوماً من العرب جاءوا إلى قبر بعض أسخيائهم يزورونه فباتوا عند قبره فرأى رجل منهم صاحب القبر في المنام وهو يقول له هل لك أن تبيعني بعيرك بنجيبي وكان الميت قد خلف نجيباً وكان للرائي بعير سمين فقال نعم وباعه في النوم بعيره بنجيبه فلما وقع بينهما عقد البيع عمد صاحب القبر إلى البعير فنحره في النوم فانتبه الرائي من نومه فوجد الدم يسيح من نحر بعيره فقام وأتم نحره وقطع لحمه وطبخوه وأكلوه ثم رحلوا وساروا فلما كان اليوم الثاني وهم في الطريق سائرون استقبلهم ركب فتقدم منهم شاب فنادى هل فيكم فلان فقال صاحب البعير نعم ها أنا فلان ابن فلان فقال هل بعت من فلان الميت شيئاً قال نعم بعته بعيري بنجيبه في النوم فقال هذا نجيبه فخذه وأنا ولده وقد رأيته في النوم وهو يقول إن كنت ولدي فادفع نجيبي إلى فلان فانظر إلى هذا الرجل الكريم كيف أكرم أضيافه بعد موته. قيل أن شاعراً قصد خالد بن يزيد فأنشد شعراً يقول فيه: سألت الندى والجود حرّان أنتما ... فقالا يقيناً إنّنا لعبيدُ فقلت ومن مولاكما فتطاولا ... إليَّ وقالا خالد بن يزيد فقال يا غلام أعطه مائة ألف درهم وقل له أن زدتنا زدناك فأنشد يقول: كريمٌ كريمُ الأمهات مهذّبٌ ... تدفَّق كفّاه الندى وشمائله هو البحر من أي الجهات أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله

стр. 489

جوادٌ بسيط الكفّ حتى لو أنّه ... دعاها لقبضٍ لم تجبه أنامله فقال يا غلام أعطه مائة ألف درهم وقل له أن زدتنا زدناك فأنشد يقول: تبرَّعت لي بالجود حتى نعشتني ... وأعطيتني حتى حسبتك تلعبُ وأنبتَّ ريشا في الجناحين بعدما ... تساقط منيّ الريش أو كاد يذهب فأنت الندى وابن الندى وأخو الندى ... حليف الندى ما للندى عنك مذهب فقال يا غلام أعطه مائة ألف درهم وقل له إن زدتنا زدناك فقال حسب الأمير ما سمع وحسبي ما أخذت وانصرف. وجاء إلى خالد بن عبد الله بعض الشعراء ورجله في الركاب يريد الغزو فقال له أني قلت فيك بيتين من الشعر فقال في مثل هذا الحال قال نعم فقال هاتهما فأنشد يقول: يا واحد العرب الذي ... ما في الأنام له نظيرْ لو كان مثلك آخرٌ ... ماكان في الدنيا فقير فقال يا غلام أعطه عشرين ألف دينار فأخذها وانصرف. وحيث ذكرنا نبذة من أخبار الكرماء نبذة من أخبار البخلاء فمن ذلك، أن رجلاً من البخلاء اشترى داراً وانتقل إليها فوقف ببابه سائل فقال له فتح الله عليك ثم وقف ثان فقال له مثل ذلك ثم وقف ثالث فقال له مثل ذلك ثم التفت إلى ابنته فقال لها ما أكثر السؤال في هذا المكان فقالت يا أبت ما دمت متمسكاً لهم بهذه الكلمة فما تبالي كثروا أم قلوا. وألأم الئام وأبخلهم حميد الأرقط الذي يقال له هجاء الأضياف وهو القائل في ضيف له يصف أكله من قصيدة: ما بين لقمته الأولى إذا انحدرت ... وبين أخرى تليها قيد أظفور وقال فيه أيضا: تجُهِّز كفّاه ويحسك حلقه ... إلى الزور ما ضمّت عليه الأناملُ وأكل أعرابي مع أبي الأسود رطبا فأكثر ومد أبو الأسود يده إلى رطبة ليأخذها فسبقه الأعرابي إليها فسقطت منه في التراب فأخذها أبو الأسود وقال لا أدعها للشيطان يأكلها فقال الأعرابي والله ولا لجبريل وميكائيل لو نزلا من السماء ما تركتها. وقال أعرابي لنزيل نزل به نزلت بواد غير ممطور ورجل بك غير مسرور فأقم بعدم أو أرحل بندم. وللحمدوني: رأيت أبا زرارة قال يوماً ... لحاجبه وفي يده الحسامُ لئن وضع الخوانُ ولاح شخصٌ ... لاختطفنّ رأسك والسلام فقال سوى أبيك فذاك شيخٌ ... بغيضٌ ليس يردعه الكلام فقام وقال من حنقٍ عليه ... ببيتٍ لم يرد فيه القيام

стр. 490

أبي وابنا أبي والكلب عندي ... بمنزلةٍ إذا حضر الطعام وقال له ابنْ لي يا ابن كلبٍ ... على خبزي أصادر أو أضام إذا حضر الطعام فلا حقوقٌ ... عليَّ لوالديَّ ولا ذمام فما في الأرض أقبح من خوانٍ ... عليه الخبز يحضره الزّحام ويعجبني قول بعضهم: زففت إلى نبهان من صفو فكرتي ... عروساً غدا بطن الكتاب لها صدرا فقبَّلها عشراً وهام بحبّها ... فلما ذكرت المهر طلقها عشرا ومن أخبار البخلاء ما حكاه بعضهم قال كنت في سفر فضللت في الطريق فرأيت بيتاً في الفلاة فأتيته فإذا به أعرابية فلما رأتني قالت من تكون قلت ضيف قالت أهلا ومرحباً بالضيف أنزل على الرحب والسعة قال فنزلت فقدمت لي طعاماً فأكلت وماء فشربت فبينما أنا على ذلك إذا أقبل صاحب البيت فقال من هذا فقالت ضيف فقال لا أهلا ولا مرحباً ما لنا وللضيف فلما سمعت كلامه ركبت من ساعتي وسرت فلما كان من الغد رأيت بيتا في الفلاة فقصدته فإذا فيه أعرابية فلما رأتني قالت من تكون قلت ضيف قالت لا أهلا ولا مرحباً بالضيف ما لنا وللضيف فبينما هي تكلمني إذ أقبل صاحب البيت فلما رآني قال من هذا قالت ضيف قال مرحباً وأهلاً بالضيف ثم أتى بطعام حسن فأكلت وماء فشربت فتذكرت ما مر بي بالأمس فتبسمت فقال مم تبسمك فقصصت عليه ما اتفق لي مع تلك الأعرابية وبعلها وما سمعت منه ومن زوجته فقال لا تعجب إن تلك الأعرابية التي رأيتها هي أختي وإن بعلها أخو امرأتي هذه فغلب على كل طبع أهله. وقال عمر بن ميمون مررت ببعض طرق الكوفة فإذا أنا برجل يخاصم جاراً له فقلت ما بالكما فقال أحدهما أن صديقاً لي زارني فاشتهى رأساً فاشتريته وتغدينا وأخذت عظامه فوضعتها على باب داري أتجمل بها فجاء هذا فأخذها ووضعها على باب داره يوهم الناس أنه هو الذي اشترى الرأس. وقال رجل من البخلاء لأولاده اشتروا لي لحماً فاشتروه فأمر بطبخه فلما استوى أكله جميعه حتى لم يبق في يده إلا عظمة وعيون أولاده ترمقه فقال ما أعطي أحد منكم هذه العظمة حتى يحسن وصف أكلها فقال ولده الأكبر أمشمشها يا أبت وأمصها حتى لا أدع للذر فيها مقيلا قال لست بصاحبها فقال الأوسط ألوكها يا أبت وألحسها حتى لا يدري أحد ألعام هي أم لعامين قال لست بصاحبها فقال الأصغر يا أبت أمصها ثم أدقها وأسفها سفا قال إنك صاحبها وهي لك زادك الله معرفة وحزما. وقيل خرج إعرابي قد ولاه الحجاج بعض النواحي فأقام بها مدة طويلة فلما كان في بعض الأيام ورد عليه أعرابي من حيِّه فقدم إليه الطعام وكان

стр. 491

إذ ذاك جائعاً فسأل عن أهله وقال ما حال ابني عمير قال ما تحب قد ملأ الأرض والحي رجالاً ونساء قال فما فعلت أم عمير قال صالحة أيضاً قال فما حال الدار قال عامرة بأهلها قال وكلبنا ايقاع قال قد ملأ الأرض نباحاً قال فما حال جملي زريق قال على ما يسرك قال فالتفت إلى خادمه وقال أرفع الطعام فرفعه ولم يشبع الأعرابي ثم أقبل عليه يسأله وقال يا مبارك الناصية أعد عليَّ ما ذكرت قال سل عما بدا لك قال فما حال كلبي إيقاع قال مات قال وما الذي أماته قال اختنق بعظمة من عظام جملك زريق فمات قال أو مات جملي زريق قال نعم قال وما الذي أماته قال كثرة نقل اللبن إلى قبر أم عمير قال أو ماتت أم عمير قال نعم قال وما الذي أماتها قال كثرة بكائها على عمير قال أو مات عمير قال نعم قال وما الذي أماته قال سقطت عليه الدار قال أو سقطت الدار قال نعم قال فقام له بالعصا ضارباً فولى من بين يديه هارباً. وقال دعيل كنا عند سهل بن هارون فلم نبرح حتى كاد يموت من الجوع فقال ويلك يا غلام آتنا غداءنا فأتى بقصعة فيها ديك مطبوخ تحته ثريد قليل فتأمل الديك فرآه بغير رأس فقال لغلامه وأين الرأس فقال رميته فقال والله إني لأكره من يرمى برجله فكيف برأسه ويحك أما علمت أن الرأس رئيس الأعضاء ومنه يصيح الديك ولولا صوته ما أريد وفيه فرقه الذي يتبرك به وعينه التي يضرب بها المثل فيقال شراب كعين الديك ودماغه عجيب لوجع الكلية ولم نر عظما أهش تحت الأسنان من عظم رأسه وهبك ظننت أني لا آكله ما قلت عنده من يأكله أنظر في أي مكان رميته فائتني به فقال لا أعرف أين رميته فقال لكني أنا أعرف أين رميته قد رميته في بطنك الله حسبك. واشتكى رجل مروزي صدره من سعال فوصفوا له سويق اللوز فاستثقل النفقة ورأى الصبر على الوجع أخف عليه من الدواء فبينما هو يماطل الأيام ويدفع الآلام أتاه بعض أصدقائه فوصف له ماء النخالة وقال له أنه يجلوا الصدر فأمر بالنخالة فطبخت له وشرب من مائها فجلا صدره ووجده يعصم فلما حضر غداؤه أمر به فرفع إلى العشاء وقال لامرأته أطبخي لأهل بيتنا النخالة فإني وجدت ماءها يعصم ويجلو الصدر فقالت لقد جمع الله لك بهذه النخالة بين دواء وغداء فالحمد لله على هذه النعمة. وعن خاقان بن صبح قال دخلت على رجل من أهل خراسان ليلا فأتانا بمسرجة فيها فتيلة في غاية الرقة وقد علق فيها عودا بخيط فقلت له ما بال هذا العود مربوطاً قال قد شرب الدهن وإذا ضاع ولم نحفظه احتجنا إلى غيره فلا نجد إلا عوداً عطشان ونخشى أن يشرب الدهن قال بينما أنا

стр. 492

أتعجب وأسأل الله العافية إذ دخل علينا شيخ من أهل مرو فنظر إلى العود فقال للرجل يا فلان لقد فررت من شيء ووقعت فيما هو شر منه أما علمت أن الريح والشمس يأخذان من سائر الأشاء وينشفان هذا العود لم لا أتخذت مكان هذا العود ابرة من حديد فإن الحديد أملس وهو مع ذلك غير نشاف والعود أيضاً ربما يتعلق به شعرة من قطن الفتيلة فينقصها فقال له الرجل الخراساني أرشدك الله ونفع بك فلقد كنت في ذلك من المسرفين. وقال الهيثم بن عدي نزل على أبي حفصة الشاعر رجل من اليمامة فأخلى له المنزل ثم هرب مخافة أن يلزمه قراه في هذه الليلة فخرج الضيف واشترى له ما احتاج إليه ثم رجع وكتب له: يا أيهّا الخارج من بيته ... وهارباً من شدّة الخوفِ ضيفك قد جاء بزادٍ له ... فارجعْ وكن ضيفاً على الضيف وكان أبو العتاهية ومروان ابن أبي حفصة بخيلين يضرب ببخلهما المثل قال مروان ما فرحت بشيء أشد مما فرحت بمائة ألف درهم وهبها إليَّ المهدي فوزنتها فرجحت درهما، واشترى لحماً بدرهم فلما وضعه في القدر دعاه صديقه فرد اللحم على القصاب بنقصان دانقين فجعل القصاب ينادي على اللحم ويقول هذا لحم مروان. واجتاز يوما بأعرابية فأضافته فقال إن وهب لي أمير المؤمنين مائة ألف درهم وهبت لك درهما فوهبه سبعين ألف درهم فوهبها أربعة دوانق. ومن الموصوفين بالبخل آلا مرو يقال أن من عادتهم إذا ترافقوا في سفر أن يشتري كل واحد منهم قطعة لحم ويشبكها في خيط ويجمعون اللحم كله في قدر ويمسك كل واحد منهم طرف خيطه فإذا استوى جرَّ كل منهم خيطه وأكل لحمه وتقاسموا المرق. وكان عمر بن يزيد الأسدي بخيلاً جداً أصابه القولنج في بطنه فحقنه الطبيب بدهن كثير فأنحل ما في بطنه في الطست فقال لغلامه اجمع الذي نزل من الحقنة واسرج به. وكان المنصور شديد البخل جداً مر به مسلم الحادي في طريقه إلى الحج فحدا له يوماً بقول الشاعر: أغرُّ بين الحاجبين نوره ... يزينه حياؤه وخيرُهُ ومسكه يشوبه كافوره ... إذا تغدّى رفعت ستوره فطرب حتى ضرب برجله المحمل وقال يا ربيع أعطه نصف درهم فقال نصف درهم يا أمير المؤمنين والله لقد حدوت لهشام فأمر لي بثلاثين ألف درهم فقال تأخذ من بيت مال المسلمين ثلاثين ألف درهم يا ربيع: وكِّل به من يستخلص منه هذا المال قال الربيع فما زلت

стр. 493

أمشي بينهما وأروضه حتى شرط مسلم على نفسه أن يحدو له في ذهابه وإيابه بغير مؤنة وأخبار البخلاء كثيرة وفيما أوردناه كفاية. نادرة قيل لأبي الحرث ما تقول في الفالوذجة قال وددت لو أنها وملك الموت اختلجا في صدري والله لو أن موسى لقي فرعون بالفالوذجة لآمن به ولكنه لقيه بعصا. ودخل ابن قزعة يوماً على عز الدولة وبين يديه طبق فيه موز فتأخر عن استدعائه فقال ما بال مولانا ليس يدعوني إلى الفوز بأكل الموز فقال صفه حتى أطعمك فقال ما الذي أصف من حسن لونه فيه سبائك ذهبية كأنها حشيت زبداً وعسلا وأطيب الثمر كأنه مخ الشحم سهل المقشر لين المكسر عذب المطعم بين الطعوم سلس في الحلقوم ثم مد يده وأكل. وسمع رجلا يذم الزبد فقال له ما الذي ذممت منه سواد لونه أم بشاعة طعمه أم صعوبة مدخله أم خشونة ملمسه. وقيل له ما تقول في الباذنجان قال أذناب المحاجم وبطون العقارب وبزور الزقوم قيل له أنه يحشى باللحم فيكون طيباً فقال لو حشي بالتقوى والمغفرة ما أفلح. وصنع الحجاج وليمة وأحتفل فيها ثم قال لزاذان هل عمل كسرى مثلها فاستعفاه فأقسم عليه فقال: أولَمَ عبد عند كسرى فأقام على رؤوس الناس ألف وصيفة في يد كل واحدة أبريق من ذهب فقال الحجاج أف والله ما تركت فارس لمن بعدها من الملوك شرفا. وقال معاوية لرجل على مائدته خذ الشعرة من لقمتك فقال وإنك تراعيني مراعاة من يرى الشعرة في لقمتي لا أكلت لك طعاماً أبداً. وحضر أعرابي على مائدة بعض الخلفاء فقدم جدي مشوي فجعل الأعرابي يسرع في أكله منه فقال له الخليفة أراك تأكله بحرد كأن أمه نطحتك فقال أراك تشفق عليه كأن أمه أرضعتك. ودعت أبا الحرث صبية له فحادثته ساعة فجاع فطلب الأكل فقالت له أما في وجهي ما يشغلك عن الأكل قال جعلت فداك فلو أن جميلا وبثينة قعدا ساعة لا يأكلان لبصق كل منهما في وجه صاحبه وافترقا. وقال الشمردل وكيل عمرو بن العاص: قدم سليمان بن عبد الملك الطائف فدخل هو وعمر بن عبد العزيز إليَّ وقال يا شمردل ما عندك ما تطعمني قلت عندي جدي كأعظم ما يكون سمنا قال عجل به فأتيته به كانه عكة سمن فجعل يأكل منه ولا يدعو عمر حتى إذا لم يبق منه إلا فخذاً قال هلم يا أبا جعفر فقال إني صائم فأكله ثم قال يا شمردل ويلك أما عندك شيء قلت ست دجاجات كأنهن أفخاذ نعام، فأتيته بهن فأتى عليهن، ثم قال يا شمردل: أما عندك شيء. قلت: سويق كأنه قراضة الذهب فأتيته به فعبه حتى

стр. 494

أتى عليه ثم قال يا غلام أفرغت من غدائنا قال نعم قال ما هو قال نيف وثلاثون قدرا قال أتئني بقدر قدر فأتاه به ومعه الرقاق فأكل من كل قدر ثلثه ثم مسح يده واستلقى على فراشه وأذن للناس فدخلوا، وصُفَّ الخوان وأكل مع الناس. ونزل رجل بصومعة راهب فقدم إليه الراهب أربعة أرغفة وذهب ليحضر إليه العدس فحمله وجاء فوجده قد أكل الخبز فذهب وأتى بخبز فوجده قد أكل العدس ففعل معه ذلك عشر مرات فسأله الراهب أين مقصدك قال إلى الأردن قال لماذا قال بلغني أن بها طبيباً حاذقاً أسأله عما يصلح معدتي فإني قليل الشهوة للطعام فقال له الراهب إن لي إليك حاجة قال وما هي: قال إذا ذهبت وأصلحت معدتك فلا تجعل رجوعك من ههنا. يحكى أن زياد أمر بضرب عنق رجل فقال: أيها الأمير إن لي بك حرمة قال وما هي قال إن أبي جارك بالبصرة قال ومن أبوك قال يا مولاي أني نسيت اسم نفسي فكيف لا أنسى اسم ابي فرد زياد كمه في فمه وضحك وعفا عنه. وحكي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أن غلاماً له وقف يصب الماء على يديه فوقع الإبريق من يد الغلام في الطست فطار الرشاش في وجهه فنظر جعفر إليه نظرة مغضب فقال ي مولاي والكاظمين الغيظ قال كظمت غيظي قال والعافين عن الناس قال عفوت عنك قال والله يحب المحسنين قال إذهب فأنت حر لوجه الله الكريم. وقيل لما قدم نصر بن منيع بين يدي الخليفة وكان قد أمر بضرب عنقه قال يا أمير المؤمنين اسمع مني كلمات أقولهن قال قل فأنشأ يقول: زعموا بأن الصقر صادف مرّةً ... عصفور برٍّ ساقه التقديرُ فتكلّم العصفور تحت جناحه ... والقصر منقضٌ عليه يطير إني لمثلك لا أتّمم لقمةً ... ولئن شويت فانّني لحقير فتهاون الصقر المدلُّ بصيده ... كرماً وألفت ذلك العصفور قال فعفا عنه وخلي سبيله. وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج يأمر بأن يبعث إليه برأس عباد بن أسلم البكري فقال له عباد: أيها الأمير أنشدك الله لا تقتلني فوالله أني لأعول أربعاً وعشرين امرأة ما لهن كاسب غيري فرق لهن واستحضرهن فإذا واحدة منهن كالبدر فقال لها الحجاج ما أنت منه قالت أنا ابنته فاسمع يا حجاج مني ما أقول ثم قالت: أحجاج إمَّا أنْ تمنّ بتركه ... علينا وإمَّا أن تقتّلنا معا

стр. 495

أحجاج لا تفجع به إن قتلته ... ثماناً وعشراً واثنتين وأربعا أحجاج لا تترك عليه بناته ... وخالاته يندبنه الدهر أجمعا فبكى الحجاج ورق له واستوهبه من أمير المؤمنين عبد الملك وأمر له بصلة. وحكي أن رجلاً زوَّر ورقة عن خط الفضل بن الربيع تتضمن أنه أطلق له ألف دينار ثم جاء به إلى وكيل الفضل فلما وقف الوكيل عليها لم يشك أنها خط الفضل فشرع في أن يبذل له الألف دينار وإذا بالفضل قد حضر ليتحدث مع وكيله في تلك الساعة في أمر مهم فلما جلس أخبره الوكيل بأمر الرجل وأوقفه على الورقة فنظر الفضل فيها ثم نظر وجه الرجل فرأه كاد يموت من الوجل والخجل فأطرق الفضل بوجهه ثم قال للوكيل أتدري لم أتيتك في هذا الوقت قال لا قال جئت لأستنهضك حتى تعجل لهذا الرجل اعطاء المبلغ الذي في هذه الورقة فأسرع عند ذلك الوكيل في وزن المال وناوله الرجل فقبضه وصار متحيراً في أمره فالتفت إليه الفضل وقال له طب نفسا فقال له سترتني سترك الله في الدنيا والآخرة ثم أخذ المال ومضى. من اللطائف والغرائب الدالة على الوفاء بالذمم ما حكاه بعض خدم أمير المؤمنين المأمون قال طلبني أمير المؤمنين ليلة وقد مضى من الليل ثلثه فقال لي خذ معك فلاناً وفلانا وسماهما أحدهما علي بن محمد والآخر دينار الخادم وأذهب مسرعاً لما أقول لك فإنه قد بلغني أن شيخاً يحضر ليلاً إلى دور البرامكة وينشد شعراً ويذكرهم ذكرا كثيراً ويندبهم ويبكي عليهم ثم ينصرف فأمض الآن أنت وعلي ودينار حتى تروا هذه الخربات فاستتروا في بعض الجدران فإذا رأيتم الشيخ قد جاء وبكى وندب وأنشد شيئاً فائتوني به قال فأخذتهما ومضينا حتى أتينا الخربات وإذا نحن بغلام قد أتى ومعه بساط وكرسي جديد وإذا بشيخ وسيم له جمال وعليه مهابة ووقار قد أقبل فجلس على الكرسي وجعل يبكي وينتحب ويقول: ولما رأيت السيف جندل جعفراً ... ونادى منادٍ للخليفة في يحيى بكيت على الدنيا وزاد تأسّفي ... عليهم وقلت الآن لا تنفع الدنيا مع أبيات أطالها ورددها فلما قبضنا عليه وقلنا له أجب أمير المؤمنين فزع فزعا شديداً وقال دعوني حتى أوصي وصية فإن لا أوقن بعدها بحياة ثم تقدم إلى بعض الدكاكين فاستفتح وأخذ ورقة وكبت فيها وصية ودفعها إلى غلامه ثم سرنا به، فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين، زجره. وقال له: ومن أنت؟ وبماذا استوجبت البرامكة
следующие страницы →