Полный текст (363 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "أسرف رجل على نفسه فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في الريح في البحر فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا قال ففعلوا ذلك به فقال للأرض أدي ما أخذت فإذا هو قائم فقال له ما حملك على ما صنعت قال خشيتك يا رب أو قال مخافتك فغفر له بذلك".
وقال الزهري وحدثني حميد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت" قال الزهري: "ذلك لئلا يتكل رجل لا ييأس رجل".
стр. 142
وفي الصحيح أيضا من حديث مالك وغيره عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا أنا مت فحرقوه ثم اذروا نصفي في البر ونصفي في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحد من العالمين فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم فامر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه ثم قال لم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله له".
وقد بسطنا الكلام على هذا الحديث في مسألة التكفير وما فيها من اضطراب الناس في غير هذا الموضع وبينا أن من تأول قوله في هذا الحديث (قدر) بمعنى ضيق أو بمعنى قضى فلم يصب مقصود الحديث
стр. 143
وبينا أن المؤمن الذي لا ريب في إيمانه قد يخطىء في بعض الأمور العلمية الاعتقادية فيغفر له كما يغفر له ما يخطىء فيه من الأمور العملية وأن حكم الوعيد على الكفر لا يثبت في حق الشخص المعين حتى تقوم عليه حجة الله التي بعث بها رسله كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ وأن الأمكنة والأزمنة التي تفتر فيها النبوة لا يكون حكم من خفيت عليه آثار النبوة حتى أنكر ما جاءت به خطأ كما يكون حكمه في الأمكنة والأزمنة التي ظهرت فيها آثار النبوة وذكرنا حديث حذيفة الذي فيه "يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة ولا صوما ولا حجا إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يقولان: أدركنا آباءنا وهم يقولون: (لا إله إلا الله) فقيل لحذيفة: ما يغني عنهم قول لا إله إلا الله وهم لايعرفون صلاة ولا زكاة ولا صوما ولا حجا؟ قال: تنجيهم من النار تنجيهم من النار وذكرنا قول النبي ﷺ والمؤمنين: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ دعاء قد استجابه الله كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة وابن عباس ففي صحيح مسلم عن العلاء بن عبد الرحمن عن
стр. 144
أبيه عن أبي هريرة قال: "لما أنزلت على رسول الله ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الركب فقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول الله ﷺ : "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ بل قولوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلا
стр. 145
تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: نعم".
وفي صحيح مسلم أيضا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء فقال النبي ﷺ : قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿قال: قد فعلت".
الوجه الحادي عشر: قوله: "لا تستبعد أن يكون في القرآن إشارات من هذا الجنس" إن أراد أن مثل هذه الإشارة تكون هي معنى الكلام ومقصوده فهذا تحريف الكلم عن مواضعه وإلحاد في آيات الله من جنس ضلال القرامطة وأمثالهم من الملاحدة.
وإن أراد أن الآية مع دلالتها على المعنى الذي يدل عليه لفظها قد يكون فيها إشارة إلى معنى آخر يناسبه فهذا هو القياس والاعتبار فالذي
стр. 146
تريده الصوفية بالإشارة هو الذي يريده الفقهاء بالقياس والاعتبار وهذا صحيح إذا روعيت شروطه عند أكثر العلماء.
ومعلوم أن مراده هنا هو القسم الأول فهو من جنس كلام القرامطة الملاحدة.
وأما ما استشهد به من قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ فيقال لا خلاف بين المسلمين أن في القرآن أمثالا في هذه الآية وفي غيرها بل يقال فيه أكثر من أربعين مثلا ومعلوم أن الممثل ليس هو الممثل به بل يشبهه من جهة المعنى المشترك وهذا شأن كل قياس وتمثيل واعتبار كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ .
وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية وقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ الآية وأمثال ذلك وقوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ الآية وهذه الآية وهي قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ وهي أيضا على ظاهرها كسائر الآيات مع تضمنها للمثل المذكور فإنه سبحانه قال: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ وهو على ظاهره وهو الماء المعروف فإنه أخبر بإنزاله ثم أخبر بعد ذلك بالزبد الذي يخرج مما يوقد عليه النار ابتغاء حلية أو متاع ثم قال بعد ذلك: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ فلما ذكر المثل والتشبيه وهذا من الأمثال الذي قال في آخرها: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ فقد صرح فيها بأنه يضرب الأمثال كما ضرب هذا المثل وقد بين سبحانه الأصل المشبه به ثم ذكر المشبه فانطبق الكلام على حقيقته وظاهره ومن توهم أنه أراد مجرد العلم كما توهمه المتوهم فقد غلط لكنه أراد به أولا هذا الماء وجعله مثلا مضروبا للعلم كما في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: "مثل ما بعثني الله به
стр. 147
من الهدى والعلم كمثل غيث كثير أصاب أرضا فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها طائفة أمسكت الماء فشرب الناس وسقوا وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به".
فهذا الحديث مثل هذه الآية كلاهما بين فيه الممثل والممثل به وهل يجوز أن يراد بالكلام ما مثل به ولا يراد به عين المسمى باللفظ من غير دلالة ينصبها على ذلك ومعلوم أن هذا من جنس الاستعارة والتشبيه فهل يحمل اللفظ على ذلك بمجرده وإن ساغ ذلك ساغ أن يقال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أنه علي بن أبي طالب وغيره.
ويقال في اللؤلؤ والمرجان أنهما الحسن والحسين لأن هذا مات مسموما وهذا مات مقتولا وأمثال ذلك من تأويلات القرامطة الذين يحملون اللفظ على غير مسماه المعروف بمجرد شبه بينهما من غير دلالة بل ولا استعمال لذلك اللفظ في ذلك المعنى الثاني في اللغة.
стр. 148
الوجه الثاني عشر:
قوله: "وإن القرآن يلقيه إليك على الوجه الذي لو كنت في النوم مطالعا بروحك اللوح المحفوظ لتمثل لك ذلك بمثال مناسب يحتاج إلى التعبير" يتضمن أصلين فاسدين ليسا من أصول المسلمين بل من أصول الفلاسفة الضالة وهي أن ما يخبر به نبينا ﷺ وغيره من الأنبياء من أمور الغيب إنما هو من جنس المنامات التي يراها الناس فإن النائم تضرب له الأمثال في منامه بنوع يشابه تأويل الرؤيا ولهذا كان مدار تأويل الرؤيا على معرفة القياس والاعتبار والرؤيا الصادقة وإن كانت جزأ من ستة وأربعين جزءا من أجزا النبوة وفي الصحيحين "كان أول ما بدىء به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" فرؤيا الأنبياء كمال قال ابن عباس: "وحي".
стр. 149
وقد لا تحتاج إلى تعبير كما رأى إبراهيم ﵊ ذبح ولده فأصبح يريد أن يذبحه حتى فداه الله وهذا قول المسلمين واليهود والنصارى خلاف ما يزعمه بعض الملاحدة كصاحب الفصوص من أن رؤياه كان تعبيرها ذبح الكبش وأن إبراهيم غلط في ذلك فلم يعرف تعبير الرؤيا حتى فداه ربه من وهم إبراهيم ما هو فداء في نفس الأمر وأنه قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ .
أي الاختيار المبين أي الظاهر يعني الإختبار في العلم هل يعلم ما يقتضيه موطن الرؤيا من التعبير أم لا لأنه يعلم أن موطن الخيال يطلب التعبير".
قال: "فغفل إبراهيم فما وفى الموطن حقه".
ومعلوم عند كل مسلم أن هذا ليس من أقوال من يؤمن بالرسل ويقدر قدرهم لا سيما إبراهيم الخليل خير البرية بعد محمد ﷺ كما ثبت ذلك في
стр. 150
الحديث الصحيح "أنه خير البرية" ورواه مسلم في صحيحه وهو الأمة أي القدوة لجميع المؤمنين بعده.
وهو الذي جعله للناس إماما واتخذه خليلا.
وقد قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ .
بل من رؤيا المؤمنين ما يكون مطابقا للظاهر لا يحتاج إلى تأويل فإذا كان في رؤيا المؤمنين والأنبياء ما لا يحتاج إلى تعبير بل يكون المرئي في المنام هو الموجود في اليقظة فكيف يكون القرآن كلام الله الذي أنزله بلسان عربي مبين وجعل هدى وبيانا مشتملا على ما هو من جنس أحاديث الرؤيا المفتقرة إلى التعبير ثم كيف يكون ذلك والرسول ﷺ ثم الصحابة والتابعون لم يتأولوا القرآن ولم يعبروه بما يخالف مقتضاه ودلالته كما كانوا كثيرا ما يعبرون الرؤيا بما يخالف الظاهر المعروف منها والحقائق المخبر بها الظاهرة المعروفة في القرآن من أمر اليوم الآخر ونعوت الربوبية وإن كانت ليست مماثلة في الحقيقة الحقائق الموجودة في الدنيا كما قال ابن عباس: "ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء" رويناه من حديث وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس.
стр. 151
فذلك لا يقتضي أن لا يكون الكلام دل عليها بطريق الحقيقة بل لا يمنع أن تكون هي الأسماء المذكورة في القرآن أحق من مسميات الدنيا حتى يقال إن دلالتها على مدلولها لا حقيقة له إلا ما يدل عليه بطريق التعبير كالرؤيا إذ من المعلوم أن ما رآه يوسف من سجود القمرين والكواكب ورؤيا الملك من البقر والسنبل لم يكن موجودا في الخارج وإنما هو في نفسه ومدلوله في الخارج سجود أبويه وإخوته وسنين الخصب والجدب فهل يقول من يؤمن بالله ورسله أن ما أخبر به الرسول من صفات ربه وصفات الملائكة واليوم الآخر وغير ذلك إنما هي أمور ذهنية لا وجود لها في الخارج بل لها تعبير كالرؤيا.
وهل هذا إلا نسبة الرسل إلى الكذب الصريح؟ فإن الخبر الذي يقوله الرائي لو أطلقه ولم يقل في المنام وأراد به تأويل الرؤيا لكان كاذبا باتفاق العقلاء.
فلو قال مخبرا: سجد لي الشمس والقمر والكواكب ولم يقل في المنام أو قال: رأيت سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ولم
стр. 152
يقل في المنام لكان كاذبا وكذبه جميع الناس إذ اللفظ لا يدل على ذلك لا حقيقة ولا مجازا ولو كان مجازا لم يجز ذكره إلا بقرينة تبين المراد.
وإذا قال: رأيت هذا في المنام كان مصدقا في أنه رأى في المنام كذلك وإن لم يكن تأويله في اليقظة كذلك لعلم الناس أن ما يرى في المنام لا يجب أن يكون هو التأويل في اليقظة بل يكون مشابها له من بعض الوجوه ولم يقل أحد من الأمم أن مجرد المشابهة التي بين المرئي في المنام وبين تأويل الرؤيا يكفي في استعمال اللفظ على وجه الاستعارة بل لو تخاطب الناس بمثل هذا لم يفهم أحد ما أراد غيره وللاستعارة والتشبيه حدود معروفة في الخطاب.
وأما الرؤيا وتأويلها فباب لا ينضبط له حد وقد يكون تأويلها لا يشبهها إلا بوجه بعيد لا يهتدي له إلا حذاق المعبرين.
ولا ريب أن هذا الذي ذكره هو من أصول الفلاسفة القرامطة الباطنية في ردهم ما أخبر به الرسول من المعاد وغيره إلى أمثال مضروبة لكن أهل الملل يعلمون بالاضطرار أن هذا باطل وأن هذا نسبة للأنبياء إلى الكذب الصريح ويعلمون بالاضطرار أن الرسل لم تقصد مجرد ما يذكرونه ثم من المعلوم أن الرؤيا إن لم يعلم تعبيرها لم يكن فيها فائدة بل قد يضل الرائي إذا حملها على ظاهرها فإذا كان القرآن ونحوه كذلك لا بد له من مثل هذا التعبير وهو التأويل عند هؤلاء القرامطة فأحق الناس بمعرفة ذلك الصحابة ولا بد أن يبينه الرسول ولو لخواصهم بل يجب أن يبين أيضا لعوامهم وإلا كان ذلك إضلالا لهم ودعاء لهم إلى العقائد الفاسدة.
стр. 153
ومن المعلوم بالتواتر علما ضروريا لمن له خبرة متوسطة بأحوال الصحابة أنهم كانوا أعظم الخلق منافاة لمثل هذه التحريفات التي يسمونها التعبير والتأويل خاصتهم وعامتهم وأن جميع ما ينقل عنهم مما يخالف الظاهر المعروف فهو كذب مفترى مثل ما يزعم أهل البطاقة والجفر ونحو ذلك مما يدعونه من العلوم الباطنة المنقولة عن علي كرم الله وجهه وأهل البيت ﵃ وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة الثابتة عن علي ﵁ المتلقاة بالقبول ما يكذب ذلك كقوله لما قيل له هل عهد
стр. 154
إليكم رسول الله ﷺ عهدا لم يعهده إلى الناس؟ فقال: "لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وما في هذه الصحيفة" فكان فيها العقل يعني عقل القتيل وهو أسنان الديات وفيها افتكاك الأسير وفيها لا يقتل مسلم بكافر.
وكذلك في الصحيح عنه أنه قال: "ما عندنا من رسول الله ﷺ كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة وفيها "المدينة حرام ما بين عير إلى ثور من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" ونحو ما تقدم ومثل هذا عن علي ﵁ كثير.
وكذلك ما يذكره بعض الناس عن عمر أنه قال: "كان النبي ﷺ وأبو بكر يتحدثان وكنت كالزنجي بينهما".
فإن هذا كذب باتفاق أهل المعرفة لم يروه أحد منهم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا يذكره إلا من هو من أجهل خلق الله بأحوال الصحابة ﵃ وإن كان فيمن يذكره من ينتسب إلى التحقيق والتوحيد والعرفان.
وأما حديث أبي هريرة حفظت عن رسول الله ﷺ جرابين
стр. 155
أما أحدهما فبثثته فيكم وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم هذا البلعوم" فهذا صحيح لكن الذي كان في الجراب الآخر إنما هو الإخبار عن الفتن التي تكون في الأمة كما قال ابن عمر: "لو حدثكم أبو هريرة أنكم تقتلون خليفتكم وتخربون بيت ربكم وتفعلون كذا وكذا لقلتم كذب أبو هريرة".
ولم يكن في الجراب باتفاق العلماء ما يدعيه هؤلاء ولا كان أبو هريرة عندهم من الخواص الذي ينفرد بعلم أسرارهم وحقائقهم وإنما الذي يذكر عنه أنه صاحب السر الذي لا يعلمه غيره فهو حذيفة وكان ذلك السر معرفته بأعيان المنافقين وكان أحفظهم لأحاديث الفتن لا لأنه خص بعلمها بل لأنه اعتنى بها كما ثبت ذلك عنه.
стр. 156
ثم كيف يصح أن يكون القرآن بمنزلة أحاديث الرؤيا؟ هذا والقرآن موصوف بأنه هدى وبيان للناس وأن على الرسول البلاغ المبين وأي بيان أو بلاغ مبين فيما هو من جنس الرؤيا التي لها تعبير ولم يخبر بتعبيرها ومن المعلوم أن هذه الأحاديث النبوية المتواترة وآثار الصحابة والتابعين كلها توافق ما يفهم من القرآن وتمنع أن يكون المراد ما يراد بالرؤيا من التعبير ثم هل يقول مؤمن عاقل إن الشمس والقمر والنجوم في قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ تأويلها من جنس تأويل قول يوسف: ﴿رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ وأن السنبل في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ من جنس السنبلة في قول الملك: ﴿سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ .
وأن البقرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وقوله: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ كالبقر في قول الملك: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ وأن المراد بالخمر في قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ كالمراد بالخمر في قول أحد صاحبي السجن: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ وأمثال ذلك.
ولكن من زعم أن ما رآه الخليل من الكواكب والشمس هي إشارة
стр. 157
إلى أمور من هذا الجنس كالنفس والعقل لم ينكر أن يقول ما يتشأبه هذا ومن طرد هذا القياس جعل المراد بالصلاة معرفة أسرارهم والمراد بالصوم كتمان أسرارهم والمراد بالحج قصد شيوخهم المقدسين ويدي أبي لهب أبو بكر وعمر واللؤلؤ والمرجان الحسن والحسين و ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ علم جبرائيل بتقديم محمد وتأخير علي وأئمة الكفر طلحة والزبير و ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ لئن أشركت بين أبي بكر وعلي في الولاية ونحو ذلك من تأويلات القرامطة فإنهم أئمة هذا الباب الذي كانوا به أضل الناس عن سواء السبيل وهو في الأصل إنما صدر عن زنادقة منافقين أرادوا التلبيس به على جهال المسلمين في الظاهر وخالفوهم في الباطن ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 158
قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
وذكر مثل هذا طويل ليس هذا موضع استقصائه.
الأصل الثاني من الأصلين الفاسدين: كون روح العبد تطالع اللوح المحفوظ فإن هذا هو قول هؤلاء من المتفلسفة القرامطة أن اللوح المحفوظ وهو العقل الفعال أو النفس الكلية وذلك ملك من الملائكة وأن حوادث الوجود منتقشة فيه فإذا اتصلت به النفس الناطقة فاضت عليها.
وكل من علم ما جاء به الرسول يعلم بالاضطرار أن مراده باللوح المحفوظ ليس هو هذا ولا اللوح المحفوظ ملك من الملائكة باتفاق المسلمين بل قد أخبر أنه قرآن مجيد في لوح محفوظ وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ .
وقال: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ وقال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا
стр. 159
طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ على أصح القولين وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وقال ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
ولم يقل أحد من علماء المسلمين أن أرواح كل من رأى مناما تطلع على اللوح المحفوظ بل قد جاء في الحديث أنه لاينظر فيه غير الله في حديث أبي الدرداء.
ثم اللوح المحفوظ فوق السماوات والنفس والعقل اللذان يذكرونهما متصلان بفلك القمر دون ما فوقهما من العقول والنفوس.
وقوله: "إن كنت لا تقوى على احتمال ما يقرع سمعك من هذا النمط ما لم تسند التفسير للصحابة فإن التقليد غالب عليك".
يقال له: إنما لم أحتمل هذا النمط لأني أعلم بالاضطرار أنه باطل وأن الله لم يرده فردي للقرمطة في السمعيات كردي للسفسطة في العقليات وذلك كردي لكل قول أعلم بالاضطرار أنه كذب وباطل ولو نقل مثل هذا النمط عن أحد من الصحابة والتابعين لعلمت أنه كذب عليهم ولهذا تجد القرامطة ينقلون هذا عن علي ﵇ ويدعون أن هذا العلم الباطن
стр. 160
المخالف لما علم من الظاهر مأخوذ عنه ثم لم يستفيدوا بهذا النقل عن علي ﵇ عند المسلمين إلا زيادة كذب وخزي فإن المسلمين يعلمون بالاضطرار أن عليا لا يقول مثل هذا وأهل العلم منهم قد علموا بالنقول الصحيحة الثابتة عن علي ما يبين كذب هذا ويبين أن من ادعى على علي أنه كان عنده عن النبي ﷺ علم خصه به فقد كذب كما هو مبسوط في غير هذا الموضع.
وقد دخل كثير من هذه القرمطة في كلام كثير من المتصوفة كما دخل في كلام المتكلمة وقد ذكر أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب حقائق التفسير قطعة من هذا الجنس عن جعفر الصادق ﵁.
وأهل العلم بجعفر وأحوال يعلمون قطعا أن ذلك مكذوب على جعفر كما كذب عليه الناقلون عنه الجدول في الهلال وكتاب الجفر والبطاقة والهفت واختلاج الأعضاء والرعود والبروق ونحو ذلك مما هو من كلام أهل النجوم والفلسفة ينقلونه عن جعفر وأهل العلم بحاله يعلمون
стр. 161
أن هذا كله كذب عليه بل أعجب من ذلك ظن طوائف أن كتاب رسائل إخوان الصفا هو عن جعفر الصادق وهذا الكتاب هو أصل مذهب القرامطة الفلاسفة فينسبون ذلك إليه ليجعلوا ذلك ميراثا عن أهل البيت وهذا من أقبح الكذب وأوضحه فإنه لا نزاع بين العقلاء أن رسائل إخوان الصفا إنما صنفت بعد المائة الثالثة في دولة بني بويه قريبا من بناء القاهرة.
وقد ذكر أبو حيان التوحيدي في كتاب الإمتاع والمؤانسة من كلام أبي الفرج بن طراز مع بعض واضعيها ومناظرته لهم ومن كلام أبي
стр. 162
سليمان المنطقي فيهم وغير ذلك ما يتبين به بعض الحال وفيها نفسها بيان أنها صنفت بعد أن استولى النصارى على سواحل الشام ومن المعلوم بالتواتر أن استيلائهم على سواحل الشام كان بعد المائة الثالثة وجعفر ﵁ توفي سنة ثمان وأربعين ومائة قبل وضع هذه الرسائل بنحو مائتي سنة فهذا وأمثاله يبين أن نقل مثل هذه التحريفات التي قد سماها تأويلا وتعبيرا عن الصحابة وأهل البيت والمشايخ لا يزيدها عند أهل العلم والإيمان إلا علما بكذب منتحليها وعلما بجهلهم وضلالهم فلا يظن أن مجرد النقل والرواية ينفق الباطل عند أهل العلم والإيمان كما قد ينفق عليه وعلى أمثاله من النقول الباطلة ما لا يعلمه إلا الله لقلة علمهم بالحديث والآثار وأحوال السلف وعلومهم كما ينفق عليهم من المقولات الفاسدة ما لا يعلمه إلا الله تعالى فإن أهل العلم والإيمان مؤيدون بصحيح المنقول وصريح المعقول.
وأما التفسير الثابت عن الصحابة والتابعين فذلك إنما قبلوه لأنهم قد علموا أن الصحابة بلغوا عن النبي ﷺ لفظ القرآن ومعانيه جميعا كما ثبت ذلك عنهم مع أن هذا مما يعلم بالضرورة عن عادتهم فإن الرجل لو صنف
стр. 163
كتاب علم في طب أو حساب أو غير ذلك وحفظه تلامذته لكان يعلم بالاضطرار أن هممهم تشوق إلى فهم كلامه ومعرفة مراده وإن بمجرد حفظ الحروف لا تكتفي به القلوب فكيف بكتاب الله الذي أمر ببيانه لهم وهو عصمتهم وهداهم وبه فرق الله بين الحق والباطل والهدى والضلال والرشاد والغي وقد أمرهم بالإيمان بما أخبر به فيه والعمل بما فيه وهم يتلقونه شيئا بعد شيء كما قال تعالى: ﴿وقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ .
وهل يتوهم عاقل أنهم كانوا إنما يأخذون منه مجرد حروفه وهم لا يفقهون ما يتلوه عليهم ولا ما يقرؤونه ولا تشتاق نفوسهم إلى فهم هذا القول ولا يسألونه عن ذلك ولا يبتدىء هو بيانه لهم هذا مما يعلم بطلانه أعظم مما يعلم بطلان كتمانهم ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله.
ومن زعم أنه لم يبين لهم معاني القرآن أو أنه بينها وكتموها عن التابعين فهو بمنزلة من زعم أنه بين لهم النص على علي وشيئا آخر من الشرائع والواجبات وأنهم كتموا ذلك أو أنه لم يبين لهم معنى الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك مما يزعم القرامطة أن له باطنا يخالف الظاهر كما يقولون إن الصلاة معرفة أسرارهم والصيام كتمان أسرارهم والحج زيارة شيوخهم وهو نظير قولهم أن أبا بكر وعمر كانا منافقين
ر
стр. 164
قصدهما إهلاك الرسول وأن أبا لهب أقامهما لذلك وأنهما يدا أبي لهب وهو المراد في زعمهم بقوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وقولهم إن الإشراك الذي قال الله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ هو إشراك أبي بكر وعلي في الولاية وأن الله أمره بإخلاص الولاية لعلي دون أبي بكر وقال: "لئن أشركت بينهما ليحبطن عملك" ونحو ذلك من تفسير القرامطة.
فقولنا بتفسير الصحابة والتابعين لعلمنا بأنهم بلغوا عن الرسول ﷺ ما لم يصل إلينا إلا بطريقهم وأنهم علموا معنى ما أنزل الله على رسوله تلقيا عن الرسول فيمتنع أن نكون نحن مصيبين في فهم القرآن وهم مخطئون وهذا يعلم بطلانه ضرورة عادة وشرعا.
الوجه الثالث عشر:
أن أبا حامد في كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة مع أنه قد توسع فيه في تأويلات المحرفين غاية التوسع وذكر فيه من الأمور ما قد بسطنا الكلام عليه في غير هذا الموضع جزم بكفر هؤلاء كما جزم به سائر علماء المسلمين كما جزم بكفرهم في التهافت وغيره ورد أيضا التأويلات التي ذكرها في مشكاة الأنوار وغيره فقال:
стр. 165
فصل: "من الناس من يبادر إلى التأويل بغلبات الظنون من غير برهان قاطع ولا ينبغي أن يبادر إلى تكفيره في كل مقام بل ينظر فيه فإن كان تأويله في أمر لا يتعلق بأصول العقائد ومهماتها فلا نكفره وذلك كقول بعض الصوفية إن المراد برؤية الخليل ﵇ الكوكب والقمر والشمس وقوله: "هذا ربي" غير ظاهرها بل هي جواهر روحانية ملكية ونورانيتها عقلية لا حسية ولها درجات متقاربة في الكمال ونسبة ما بينها من التفاوت كنسبة الكواكب والقمر والشمس ويستدل عليه بأن الخليل ﵇ أجل من أن يعتقد في جسم أنه إله حتى يحتاج إلى أن يشاهد أفوله افترى أنه لو لم يأفل أكان يتخذه إلها ولو لم يعرف استحالة الإلهية من حيث كونه جسما مقدرا واستدل بأنه كيف يمكن أن يكون أول ما رأى الكوكب والشمس هي الأظهر وهي أول ما تبدو واستدل بأن الله تعالى قال أولا: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ ثم حكى هذا القول فكيف يمكن أن يتوهم ذلك بعد كشف الملكوت له وهذه دلالات ظنية وليست براهين قاطعة.
أما قوله: "هو أجل من ذلك" فقد قيل إنه كان صبيا لما جرى له ذلك ولا يبعد أن يخطر لمن سيكون نبيا في صباه مثل هذا الخاطر ثم يتجاوزه
стр. 166
على قرب ولا يبعد أن تكون دلالة الأفول على الحدوث عنده أظهر من دلالة التقدر والجسمية وأما رؤية الكوكب أولا فقد روي أنه كان في صباه محبوسا في غار وإنما خرج بالليل.
وأما قوله تعالى أولا: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ فيجوز أن يكون الله تعالى قد ذكر حال نهايته ثم رجع إلى حال بدايته فهذه وأمثالها ظنون يظنها براهين من لا يعرف حقيقة البرهان وشرطه فهذا جنس تأويلهم.
وقد تأولوا في العصا والنعلين في قوله تعالى لموسى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ ولعل الظن في مثل هذه الأمور التي لا تتعلق بأصول الاعتقاد تجري مجرى البرهان في أصول الاعتقاد فلا يكفر فيه ولا يبدع نعم إن كان فتح هذا الباب يؤدي إلى تشويش قلوب العوام فيبدع فيه صاحبه في كل ما لم يؤثر عن السلف ذكره ويقرب منه قول بعض الباطنية أن عجل السامري مؤول إذ كيف يخلو خلق كثير عن عاقل يعلم أن المتخذ من الذهب لا يكون إلها وهذا أيضا ظن إذ لا يستحيل أن تنتهي طائفة من الناس إليه كعبدة الأوثان وكونه نادرا لا يورث يقينا.
قال: "فأما ما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة فيجب
стр. 167
تكفير من يغير الظاهر بغير برهان قاطع كالذي ينكر حشر الأجساد وينكر العقوبات الحسية في الآخرة بظنون وأوهام واستبعادات من غير برهان قاطع فيجب تكفيره قطعا إذ لا برهان على استحالة رد الأرواح إلى الأجساد ورد ذلك عظيم الضرر في الدين فيجب تكفير كل من تعلق به وهو مذهب أكثر الفلاسفة".
ويجب تكفير من قال منهم: "إن الله لا يعلم إلا نفسه أو لا يعلم إلا الكليات فأما الأمور الجزئية المتعلقة بالأشخاص فلا يعلمها" لأن ذلك تكذيب للرسول ﷺ قطعا وليس من قبيل الدرجات التي ذكرناها في التأويل إذ أدلة القرآن والأخبار على تفهيم حشر الأجساد وتفهيم تعلق علم الله تعالى بكل ما يجري على الإنسان مجاوزة حدا لا يقبل التأويل وهم معترفون بأن هذا ليس من التأويل ولكن قالوا لما كان صلاح الخلق في أن يعتقدوا حشر الأجساد لقصور عقولهم عن فهم المعاد العقلي وكان صلاحهم في أن يعتقدوا أن الله تعالى عالم بما يجري عليهم ورقيب عليهم ليورث ذلك رغبة رعبة في قلوبهم جاز للرسول أن يفهمهم ذلك قالوا وليس بكاذب من أصلح غيره فقال ما فيه صلاحه وإن لم يكن كما قاله.
وهذا القول باطل قطعا لأنه تصريح بالتكذب ثم طلب عذرا في أنه لم
стр. 168
يكذب ويجب إجلال منصب النبوة عن هذه الرذيلة ففي الصدق وإصلاح الخلق به مندوحة عن الكذب وهذه أول درجات الزندقة وهي رتبة بين الاعتزال وبين الزندقة المطلقة فإن المعتزلة تقرب مناهجهم من مناهج الفلاسفة إلا في هذا الأمر الواحد وهو من المعتزلي لا يجوز الكذب على رسول الله بمثل هذا العذر بل يؤول الظاهر مهما ظهر له بالبرهان خلافه والفلسفي لا تقتصر مجاوزته للظواهر على ما يقبل التأويل على قرب أو على بعد.
وأما الزندقة المطلقة فهو أن ينكر أصل المعاد عقليا وحسيا وينكر الصانع للعالم أصلا ورأسا.
وأما إثبات المعاد بنوع عقلي مع نفي الآلام واللذات الحسية وإثبات الصانع مع نفي علمه بتفاصيل الأمور فهي زندقة مقيدة بنوع اعتراف بصدق الأنبياء وظاهر ظني والعلم عند الله أن هؤلاء هم المرادون بقوله ﷺ : "ستفترق أمتي نيفا وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا الزنادقة"
стр. 169
وهي فرقة هذا لفظ الحديث في بعض الروايات ولفظ الحديث يدل على أنه أراد به الزنادقة من أمته إذ قال: "ستفترق أمتي" ومن لم يعترف بنبوته فليس من أمته والذين ينكرون أصل المعاد وأصل الصانع فليسوا معترفين بنبوته إذ يزعمون أن الموت عدم محض وأن العالم لم يزل كذلك موجودا بنفسه من غير صانع ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر وينسبون الأنبياء إلى التلبيس فلا يمكن نسبتهم إلى الأمة فإذا لا معنى لزندقة هذه الأمة إلا ما ذكرناه".
قلت: أما هذا الحديث فلا أصل له بل هو موضوع كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث ولم يروه أحد من أهل الحديث المعروفين بهذا اللفظ.
بل الحديث الذي في كتب السنن والمساند عن النبي ﷺ من وجوه أنه قال: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار".
стр. 170
وروي عنه أنه قال: "هي الجماعة".
وفي حديث آخر هي "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي".
وأيضا فلفظ الزندقة لا يوجد في كلام النبي ﷺ كما لا يوجد في القرآن وهو لفظ أعجمي معرب أخذ من كلام الفرس بعد ظهور الإسلام وعرب وقد تكلم به السلف والأئمة في توبة الزنديق ونحو ذلك فأما الزنديق الذي تكلم الفقهاء في قبول توبته في الظاهر فالمراد به عندهم المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر وإن كان مع ذلك يصلي ويصوم ويحج ويقرأ القرآن وسواء كان في باطنه يهوديا أو نصرانيا أو مشركا أو وثنيا وسواء كان معطلا للصانع وللنبوة أو للنبوة فقط أو لنبوة نبينا ﷺ فقط فهذا زنديق وهو منافق وما في القرآن والسنة من ذكر المنافقين يتناول مثل هذا بإجماع المسلمين ولهذا كان هؤلاء مع تظاهرهم بالإسلام قد يكونون أسوأ حالا من الكافر المظهر كفره من اليهود والنصارى مثلا كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا
стр. 171
وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ .
ومثل هؤلاء المنافقين كفار في الباطن باتفاق المسلمين وإن كانوا مظهرين للشهادتين والإقرار بما جاء به الرسول ومؤدين للواجبات الظاهرة فإن ذلك لا ينفعهم في الآخرة إذ لم يكونوا مؤمنين بقلوبهم باتفاق أئمة المسلمين.
وبهذا يظهر ضعف ما ذكره من أنه لا معنى لزندقة هذه الأمة إلا ما ذكره من الزندقة المقيدة التي هي مذهب الفلاسفة المشائين فإن الزندقة في هذه الأمة وغيرها باتفاق أئمة المسلمين أعم من هذا كما يذكره الفقهاء كلهم في باب توبة الزنديق وسائر أحكامه وإن لم يكن لفظ الزنديق واردا في الكتاب والسنة بل معناه عندهم المنافق وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ
стр. 172
قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ .
وفي القرآن من ذكر المنافقين في عامة السور المدنية كالبقرة والنساء والتوبة وغيرها ما لا يمكن استقصاؤه بل جميع من بلغته دعوة محمد ﷺ فإنهم ثلاثة أصناف: مؤمن وكافر ومنافق هو كافر في الباطن مسلم في الظاهر وقد أنزل الله وصف الأصناف الثلاثة في أول سورة البقرة فأنزل أربع آيات في المؤمنين وآيتين في الكافرين وبضع عشرة آية في المنافقين فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ
стр. 173
يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ .
وبالجملة فقد ذكر الله تعالى من أمور المنافقين في السور المدنية كما أومأنا إليه كسورة البقرة والنساء والتوبة والأحزاب والفتح وغيرها ما يطول ذكره وعامة ما يوجد النفاق في أهل البدع فإن الذي ابتدع الرفض كان منافقا زنديقا وكذلك يقال عن الذي ابتدع التجهم وكذلك رؤوس القرامطة والخرمية وأمثالهم لا ريب أنهم من أعظم المنافقين وهؤلاء لا يتنازع المسلمون في كفرهم.
стр. 174
وأما تكفير من لم يكن منافقا فهذا فيه تفصيل قد بسطناه في غير هذا الموضع وبينا الفرق بين من قامت عليه الحجة النبوية التي يكفر تاركها وبين المخطىء المجتهد في اتباع الرسول إذا اقتضى خطؤه نفى بعض ما أثبته أو إثبات بعض ما نفاه حتى نفس المقالة الواحدة يكفر بتكذيبها من قامت عليه الحجة دون من لم تقم كالذي قال: "إذا مت فاسحقوني ثم اذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين".
فإن الإيمان بقدرة الله على كل شيء ومعاد الأبدان من أصول الإيمان ومع هذا فهذا لما كان مؤمنا بالله وأمره ونهيه وكان إيمانه بالقدرة والمعاد مجملا فظن أن تحريقه يمنع ذلك فعل ذلك ومعلوم أنه لو كان قد بلغه من العلم أن الله يعيده وإن حرق كما بلغه أنه يعيد الأبدان لم يفعل ذلك.
وقد بسطنا الكلام في مقالات الناس في التكفير وبيان الصواب في غير هذا الموضع.
والمقصود أن أبا حامد ذكر هنا أن هذه التأويلات التي أشار إليها في مشكاة الأنوار لم يقم دليل قاطع يقتضيها وتكلم في تبديع أهلها بما تقدم وذكر أن ما يتعلق بأصول العقائد فيجب تكفير من بغير الظاهر فيه بغير برهان قاطع وقطع بتكفير الفلاسفة كما تقدم كما قطع بتكفيرهم في تهافت الفلاسفة.
стр. 175
وقال بعد ذلك في قانون التكفير: "هو أن تعلم أن النظريات قسمان قسم يتعلق بأصول العقائد وقسم يتعلق بالفروع.
وأصول الإيمان ثلاثة: الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر وما عداه فروع قال واعلم أنه لا تكفير في الفروع أصلا لكن في بعضها تخطئة كما في الفقهيات وفي بعضها تبديع كالخطأ المتعلق بالإمامة وأحوال الصحابة".
إلى أن قال: "ومهما وجد التكذيب وجد التكفير ولو كان في الفروع فلو قال قائل مثلا البيت الذي بمكة ليس هي الكعبة التي أمر الله بحجها فهذا كفر إذ قد ثبت تواترا عن رسول الله ﷺ خلافه ولو أنكر شهادة الرسول لذلك البيت بأنه الكعبة لم ينفعه إنكاره بل يعلم قطعا أنه معاند في إنكاره إلا أن يكون قريب عهد من الإسلام ولم يتواتر عنده ذلك وكذلك من نسب عائشة ﵂ وعن أبيها إلى الفاحشة وقد نزل القرآن ببراءتها فهو كافر لأن هذا وأمثاله لا يمكن إنكاره إلا
стр. 176
بتكذيب الرسول أو إنكار التواتر والمتواتر ينكره الإنسان بلسانه ولا يمكنه أن يجهله بقلبه نعم لو أنكر ما ثبت بأخبار الآحاد فلا يلزمه به الكفر ولو أنكر ما ثبت بالإجماع فهذا عندي فيه نظر لأن معرفة كون الإجماع حجة مختلف فيه فهذا حكم الفروع.
فأما الأصول الثلاثة وكل ما لم يحتمل التأويل في نفسه وتواتر نقله ولم يتصور أن يقوم برهان على خلافه فمخالفته تكذيب محض ومثاله ما ذكرناه من حشر الأجساد والجنة والنار وإحاطة علم الله تعالى بتفاصيل الأمور وما يتطرق إليه احتمال تأويل ولو بالمجاز البعيد فينظر فيه إلى البرهان فإن كان قطعيا وجب القول به لكن إن كان في إظهاره مع العوام ضرر لقصور فهمهم فإظهار بدعة وإن لم يكن البرهان قطعيا لكن يفيد ظنا غالبا وكان مع ذلك لا يعم ضرره في الدين كنفي المعتزلي الرؤية عن الباري تعالى فهذه بدعة وليس بكفر.
وأما ما يظهر له ضرر فيقع في محل الاجتهاد والنظر فيحتمل أن يكفر وأن لا يكفر ومن جنس ذلك ما يدعيه بعض من يدعي التصوف أنه قد
стр. 177
بلغ حالة بينه وبين الله تعالى أسقطت عنه الصلاة وحل له شرب الخمر والمعاصي وأكل مال السلطان فهذا ممن لا أشك في وجوب قتله وإن كان في الحكم بخلوده في النار نظر وقتل مثل هذا أفضل من قتل مائة كافر إذ ضرره في الدين أعظم ويفتح به باب من الإباحة لا يسد فضرر هذا فوق ضرر من يقول بالإباحة مطلقا فإنه يمتنع من الإصغاء إليه لظهور كفره وأما هذا فإنه يهدم الشرع من الشرع ويزعم أنه لم يرتكب فيه إلا تخصيص عموم الكتاب إذ خصص عموم آيات التكليفات لمن ليس له مثل درجته في الدين وربما يزعم أنه يلابس الدنيا ويفارق المعاصي بظاهره وهو بباطنه برىء عنها ويتداعى هذا إلى أن يدعي كل فاسق مثل حاله وينحل به عصام الشرع ولا ينبغي أن يظن أن التكفير ونفيه ينبغي أن يدرك قطعا في كل مقام بل التكفير حكم شرعي يرجع إلى إباحة المال وسفك الدماء والحكم بالخلود في النار فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشرعية فتارة يدرك بيقين وتارة يدرك بظن غالب وتارة يتردد فيه ومهما حصل تردد فالتوقف عن التكفير أولى والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل.
стр. 178
ولا بد من التنبيه لقاعدة أخرى وهي أن المخالف قد يخالف نصا متواترا ويزعم أنه مؤول ولكن ذكر تأويله لا انقداح له أصلا عن اللسان لا على قرب ولا على بعد فذلك كفر وصاحبه مكذب وإن كان يزعم أنه مؤول.
مثاله: ما رأيته في كلام بعض الباطنية أن الله تعالى واحد بمعنى أنه يعطي الوحدة ويخلقها وعالم بمعنى أنه يعطي العلم ويخلقه لغيره وموجود بمعنى أنه يوجد غيره.
فأما أن يكون في نفسه واحدا أو موجودا وعالما بمعنى اتصافه به فلا وهذا كفر صراح لأن حمل الوحدة على إيجاد الوحدة ليس من التأويل في شيء ولا تحتمله لغة العرب أصلا ولو كان خالق الوحدة يسمى واحدا لخلقه الوحدة لسمى ثلاثا أو أربعا لأنه خلق الأعداد أيضا فأمثلة هذه المقالات تكذيبات إن عبر عنها بالتأويلات".
ثم قال: فصل:
"قد تكلمت في هذه التقسيمات أن النظر في التكفير يتعلق
стр. 179
بأمور:
أحدها: أن النص الشرعي إذا عدل به عن ظاهره هل يحتمل التأويل أم لا وإذا احتمل التأويل فهو قريب أو بعيد.
الثاني: في النص المتروك أنه لو ثبت تواترا أو آحادا أو ثبت بالإجماع المجرد.
الثالث: في أن صاحب المقالة هل تواتر عنده الخبر أو بلغه الإجماع إذ كل من يولد لا تكون الأمور عنده متواترة ولا مواضع الإجماع عنده متميزة عن مواضع الخلاف".
الرابع: النظر في دليله الباعث له على مخالفة الظاهر أهو على شرط البرهان أم لا.
الخامس: في أن ذكر تلك المقالة هل يعظم ضررها في الدين أم لا".
قلت: ليس المقصود هنا تعقب كلامه في التكفير فإن هذه مسألة كبيرة وفيها اضطراب عظيم لا يحتمله هذا الموضع وإنما المقصود الكلام
стр. 180
على تصويب التأويل وتخطئته والقطع بذلك فإنه قد ذكر أن من النصوص ما لا يحتمل التأويل وجعل أمثال تلك التأويلات تكذيبات ومن تدبر هذا وجد جمهور ما تذكره الفلاسفة بل والمعتزلة في التأويل هو من هذا الباب ولا ريب أن المعتزلة أقرب إلى الإسلام من الفلاسفة ومن أشهر مسائلهم التي امتحنوا الناس عليها قولهم إن القرآن مخلوق وقالوا معنى أن الله متكلم وأنه تكلم أنه خلق في غيره كلاما.
وقد قال هنا أن حمل الوحدة على إيجاد الوحدة ليس من التأويل في شيء ولا تحتمله لغة العرب أصلا ولو كان خالق الوحدة واحدا لخلقه الوحدة لسمي ثلاثا وأربعا لأنه خلق الأعداد أيضا".
ومثل هذا يقال في الكلام والإرادة والرضا والغضب وأشباه ذلك مما تقول الجهمية من المعتزلة وغيرهم أنه خلقه في غيره فتسمى واتصف به فإن حمل المتكلم على الذي أوجد الكلام في غيره بمنزلة حمل العالم والقادر والسميع والبصير على الذي أوجد العلم والقدرة والسمع والبصر في غيره ولو كان متكلما بما يخلقه في غيره لكان ما تنطق به
следующие страницы →